← Книги сунны

Книги сунны · id 28453

الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار

الزبير بن بكار

Полный текст (252 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

خُرَاسَانَ، مُظْهِرًا بِهَا الْعَصَبِيَّةَ، مُتَحَامِلا عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ مُضَرَ، قَدْ أَتَتْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُيُونُهُ بِتَصْغِيرِهِ لَهُمْ، وَاحْتِقَارِهِ إِيَّاهُمْ، نَاسِيًا لِحَدِيثِ زَرْنَبٍ وقَصَصِ الْهَجْرِيِّينَ، كَيْفَ كَانَتْ فِي يَزِيدَ بْنِ أَسَدٍ، فَإِذَا خَلَوْتَ أَوْ تَوَسَّطْتَ مَلأَ فَاعْرِفْ نَفْسَكَ , وَاحْذَرْ رَوَاجِعَ الْبَغْيِ عَلَيْكَ، وَعاجِلاتِ الْعُقُوبَةِ، فَإِنَّ مَا بَعْدَ كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَفْسَدُ لَكَ، وَأَشَدُّ عَلَيْكَ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ تَأَنَّى فَيْئَكَ، وَأَمَّلَ رَجْعَتَكَ، وَاسْتَنْظَرَ تَوْبَتَكَ، وقِبَلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَلَفٌ كَثِيرٌ، فِي أَحْسَابِهِمْ وُبُيُوتَاتِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ، وَفِيهِمْ عِوَضٌ مِنْكَ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَنَةَ تَسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ كَتَبَ هِشَامٌ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ عَامِلُ الْيَمَنِ بِوِلايَتِهِ عَلَى الْعِرَاقِ لَمَا بَلَغَهُ مِنْ شَهَامَتِهِ وَرُجْلَتِهِ وَخُبْثِهِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَأَرَسَلَ إِلَى طَارِقٍ فَحَبَسَهُ، وَكَانَ خَالِدٌ اسْتَخْلَفَ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ، فَقَالَ يُوسُفُ لِزِيَادٍ: مَنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ لَهُ، فَقَالَ: النَّجْرَانِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ , وَأَرْسَلَ إِلَى خَالِدٍ وَهُوَ بِالْحَمَّةِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَحَبَسَهُ وَجَمِيعَ عُمَّالِهِ. فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفِ مَعَهُ أَخَوَهُ الَفَضْلُ، وَقَدْ كَانَ الْعُرْيَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ضَرَبَ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ خَالِدًا، فَلَمْ يُعْدِهُ عَلَيْهِ، فَحَقَدُوا عَلَيْهِ، فَوَثَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْفَضْلُ عَلَى خَالِدٍ بِبَابِ يُوسُفَ فَشَتَمَاهُ، وَكادا يَطَآنِهِ بِأَرْجُلِهِمَا وَيَقُولانِ عَلَى مَا يُعَذَّبُ هَذَا أَلا يُؤتَى بِأُمِّهِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَتُعَذَّبُ حَتَّى تُسْلَحَ عَلَى الصَّلِيبِ وُيُقْتَلُ هَذَا. فَأَقْبَلَ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْحَرَسِ عَلَيْهِمَا، فَهَرَبَ الْفَضْلُ وَضُرِبَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَنْتُوفُ، وَخُرِّقَتْ ثِيَابُهُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ قَمِيصِهِ إِلا الزِّيقَ، مَكْشُوفَ الاسْتِ، مُسْتَقْبِلا فَتْقُ اسْتِهِ عَيْنَ الشَّمْسِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ فَدَعَا بِهِ، فَقَالَ: مَنْ ضَرَبَكَ؟ قَالَ: أَهْلُ الدُّنْيَا، مَا رَأَيْتُ إِلا ضَارِبًا. قَالَ: لَكِنِّي أَدْرِي مَنْ ضَرَبَكَ، عَلَى مَنْ كَانَتِ النَّوْبَةُ؟ قِيلَ: عَلَى فُلانٍ وَفُلانٍ وَفُلانٍ، فَدَعَا بِهِمْ، فَضَرَبَهُمْ أَلْفًا أَلْفًا، وَأَغْزَاهُمُ الثُّغُورَ، وَعَذَّبَ يُوسُفُ خَالِدًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبْلِغَ نَفْسَهُ، ثُمَّ أَتَاهُ كِتَابُ هِشَامٍ فِي اسْتِخْلاصِهِ إِلَى مَا قَبِلَهُ، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَكَانَ مُقِيمًا بِالشَّامِ إِلَى أَنْ مَاتَ هِشَامٌ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَرَدَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ إِلَى يُوسُفَ بِالْعِرَاقِ فَعَذَّبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ

стр. 107

١٦٠ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: " لَمَّا كَانَتْ فِتْنَةُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ كَلَّمَ أَهْلُ مَكَّةَ عُثْمَانَ بْنَ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ فَفَعَلَ، وَكَلَّمَ أَهْلُ الطَّائِفِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَجَاءَ إِذْنُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: هَذَا عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بِالْبَابِ. فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَكْرَانُ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ابْنَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ، فَجَعَلَ عَنْبَسَةُ يَنْظُرُ إِلَى جَلا يَعْنِي كُوَّةً فِي الْبَيْتِ وَيَثِبُ إِلَيْهِ لِمَا بِهِ مِنَ السُّكْرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ: مَا ابْتُلِيتُ بِذَا اللَّيْلَةِ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَاللَّهِ مَا جَنَى جِنَايَةً قَطُّ. وَهُوَ أَخُو أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَى أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْهِ، وَتُخَلِّيَ سَبِيلَهُ. قَالَ: لا وَاللَّهِ، لا أُبْطِلُ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ بِالطَّائِفِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: لأَيِّ شَيْءٍ بَعَثْتَ إِلَيَّ؟ قَالَ: بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَنْظُرَ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَتَشْهَدَ عَلَى سُكْرِهِ. فَقَالَ: لا وَصَلَتْكَ رَحِمٌ، مَا كَانَ هَهُنَا أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيْكَ مِنِّي. فَقَالَ: لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَهُنَا أَحَدٌ أَوْثَقَ فِي نَفْسِي مِنْكَ.

стр. 108

قَالَ: أَمَا إِذَا فَعَلْتَ فَابْعَثْ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ، فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَأَشْهَدَهُ أَيْضًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَلَدَهُ الْحَدَّ، فَلمَا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ قَدِمَ عَلَيْهِ عَنْبَسَةُ أَخُوهُ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَعَثْ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيدٍ، وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةِ، وَإِلَى الثَّقَفِيِّ، فَدَسَّ إِلَى الثَّقَفِيِّ، وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيُبْطِلَ الْحَدَّ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَرَجَعَ الثَّقَفِيُّ عَنْ شَهَادَتِهِ، فَمَكَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيدٍ بِبَابِ مُعَاوِيَةَ سَنَةً لا يُأْذَنُ لَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ أَحْرَمَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَمُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ، أَنْ لا وَلا كَرَامَةَ، وَاللَّهِ مَا اسْتَأْذَنْتَنِي، وَلا أَذِنْتُ لَكَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَلَيْسَ ذَاكَ لَكَ، إِنَّمَا بَعَثْتَ إِلَيَّ فَسَأَلْتَنِي عَنْ أَمْرٍ، فَأَخْبَرْتُكَ بِعِلْمِي فِيهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَانْصَرَفَ إِلَى مَكَّةَ، وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ سَنَةً أُخْرَى، ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ فِي الرِّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ حَاجًّا، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَطَائِعُ كَانَ أَخَذَهَا بِسَبَبِ عَنْبَسَةَ، فَلَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَعَلَيْهَا زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَحَضَرَتْ زِيَادًا الْوَفَاةُ، فَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ عَلَى عَمَلِهِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ، لا نَسْتَعْمِلُهُ، لا عَلَى صِلاتِهَا، وَلا عَلَى خَرَاجِهَا. ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ الثَّقَفِيَّ، فَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَشَخَصَ إِلَى مَكَّةَ، حَيْثُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ، فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةُ مَا أُخِذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَنِي مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَنْبَسَةَ، فَقَالَ: قَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْ ثَأْرِكَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ: قَدْ وَلَّيْتُكَ الْحِجَازَ. فَتَهَيَّأَ عَنْبَسَةُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ يُوَدِّعُهُ. فَقَالَ لَهُ: مَا أَنْتَ صَانِعٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ؟ قَالَ: أَضْرِبُ وَاللَّهِ بِيَدِهِ وَجْهَهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: بِاسْتِكَ، بِئْسَ وَاللَّهِ ابِنُ الْعَشِيرَةِ أَنْتَ. بعَبْدِ اللَّهِ تَصْنَعُ هَذَا؟ وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ عَلَيْهِ حَنِيقًا مُغْتَاظًا، وَقَدْ عَطَّفَنِي عَلَيْهِ مَا سَمِعْتُ مِنْ عُنْفِكَ بِهِ، هِيَ لَهُ وَاللَّهِ، وَلا كَتَبْتُ إِلَيْهِ فِي شِيءٍ مِنْهُ أَبَدًا. لَيْسَ مِثْلُكَ وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ، قَدْ عَزَلْتُكَ مِنْ عَمَلِكَ "

стр. 109

١٦١ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ، قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيَّ، وَكَانَ رَجُلا مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الشَّامِ، قَامَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، عَلَى مَا تُقَاتِلُ عَلِيًّا، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَلَهُ مِنَ الْقَدْرِ فِي الِإِسْلامِ، وَالسَابِقَةِ وَالْقَرَابَةِ مَا لَيْسَ لَكَ، إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ طَلِيقٌ ابْنُ طَلِيقٍ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُقَاتِلُهُ وَأَنَا أَدَّعِي فِي الْإِسْلامِ مِثْلَ الَّذِي يَدَّعِي، وَلِي فِي الْإِسْلامِ مِثْلُ مَا لَهُ، وَلَكِنِّي أُقَاتِلُهُ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ، إِنَّ عَلَيًّا قَتَلَ عُثْمَانَ، فَأَنَا أَطْلُبُهُ بِدَمِّهِ. فَخَرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى نَاقَتِهِ يَضْرِبُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَنَاخَهَا بِالْكُنَاسَةِ، ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ ﵇ وَالنَّاسُ عِنْدهُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ قَتَلَهُ، وَأَنَا مَعَهُ. فَخَرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ. حَتَّى أَتَى نَاقَتَهُ فَرَكِبَهَا، فَأَتَى الشَّامَ. وَقِيلَ لِعَلِيٍّ: إِنَّ الَّذِي كَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ أَبُو مُسْلِمٍ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ، فَفَاتَهُ، وَقَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ الشَّامَ، فَانْتَهَى إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَلَمَّا قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: قَدْ جَاءَ أَبُو مُسْلِمٍ، وَمَعَهُ لُقْمَةٌ، فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَسِيغَهَا حَتَّى وَقَعَتْ. قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَحَيَّاهُ وَقَرَّبَهُ، وَرَحَّبَ بِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ سَفَرِهِ، وَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ مَمِا يَكْرَهُ مُعَاوِيَةُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: قُمْ فَوَاللَّهِ لَنُقَاتِلَنَّ عَلِيًّا، وَلَيُقَاتِلَنَّهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِقَتْلِ عُثْمَانَ. قَالَ: فَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَرِحًا حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَامَ أَبُو مُسْلِمٍ خَطِيبًا، فَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى قِتَالِ عَلِيٍّ ﵁، وَأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، وَجَمَعَ مُعَاوِيَةُ لِعَلِيٍّ الْجُمُوعَ، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، غَلَبَ عَلَى مِصْرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى صِفِّينَ، فَلَمْ يَزَلْ يُوَارِبُهُ حَتَّى قَالَ: اخْرُجْ إِلَيَّ فِي ثَلاثِينَ رَجُلا، وَأَخْرُجُ إِلَيْكَ فِي ثَلاثِينَ حَتَّى نَنْظُرَ فِي أَمْرِنَا وَنَصْطَلِحَ عَلَى صُلْحٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَمُعَاوِيَةُ. وَقَدْ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ جُنُودَهُ أَنْ يَسِيرُوا مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِمْ، حَتَّى يُوَافُوهُمْ بِذَلِكَ الْمَكَانِ.

стр. 110

وَهُوَ وَمُحَمَّدُ خَارِجٌ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَبَيَّتَهُمْ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ، وَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ أُولَئِكَ الثَّلِاثِينَ، وَكَبَّلَهُمْ فِي الْقُيودِ، وَأَتَى بِهِمُ الشَّامَ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا صَانَعُوا صَاحِبَ السِّجْنِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَلَمَّا أَصْبَحَ مُعَاوِيَةُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ مُحَمْدًا قَدْ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ، وَأَتَاهُ أَنَّ عَلَيًّا قَدْ جَمَعَ لَهُ الْجُمُوعَ بِالْعِرَاقِ لِيَسِيرُوا إِلَيْهِ، وَخُبِّرَ أَنَّ صَاحِبَ الرُّومِ قَدْ تَهَيَّأَ لِيَسِيرَ إِلَيْهِ، فَدَعَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي مُنْذُ أَصْبَحْتُ أَخْبَارٌ ثَلاثَةٌ، مَا جَاءَتْنِي قَطُّ أَخْبَارٌ أَفْظَعُ مِنْهَا، وَلا أَكْرَهُ إِلَيَّ، فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَخْرَجٍ؟ خُرُوجُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنَ السِّجْنِ وَأَصْحَابِهِ، وَكِتَابُ صَاحِبِ الرُّومِ يَتَهَدَّدُنِي، وَجَمْعُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ أَهْلَ الْعِرَاقِ حِيلَةً، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لا يُهَوِّلَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأَمَّا خُرُوجُ مُحَمَّدٍ، فَابْعَثْ فِي أَثَرِهِ الْخُيُولَ الْمُضْمَرَةِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ نَهْجٍ وَغَامِضٍ لا يُسْلَكُ تُؤْتَ بِهِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الرُّومِ، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ يَكُفَّ عَنْكَ، وَأَمَّا خَبَرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمَا جَمَعَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَهُوَ الْجَلِيلُ الْفَظِيعُ، لَمْ يَأْتِكَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَاجْمَعْ لَهُ جُمُوعَكَ ثُمَّ ارْمِهِ بِهِمْ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَيْهِمِ، فَبَعَثَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ رَجُلا مِنْ خَثْعَمٍ، يُقَالُ لَهُ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَأَدْرَكَهُ فِي غَارٍ دُلَّ عَلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ وَبِعَلْقَمَةَ بْنِ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيِّ، قَاتِلِ عُثْمَانَ، فَقَتَلَهُمَا، وَأَهْدَى إِلَى صَاحِبِ الرُّومِ هَدِيَّةً، فَكَفَّ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبِ، فَجَمَعَ لَهُ قَضَّهُ وَقَضِيضَهُ مِنْ جِمُوعِهِ وَخَرَجَ إِلَيْهِ "

стр. 111

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: " لَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْبَصْرَةَ، فَرَأَى خِصَاصَهَا مِنْ بَعِيدٍ، قَالَ: رُبَّ فَرِحٍ بِإِمَارَتِي لَمْ تَنْفَعْهُ، وَرُبَّ مُتَبَائِسٍ مِنْهَا لَنْ تَضُرَّهُ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الْمِنْبَرِ مُتَزَمِّتًا مُتَلَبِّبًا عَلَيْهِ قَبَاءُ قُوهِيُّ، وَمَلاءَةٌ مُمَصَّرَةٌ، فَخَطَبَ خُطْبَةً بَتْرَاءَ، لَمْ يُصَلِّ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﵌، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ قَالَ مَا بَلَغَكُمْ، وَشَهِدَتِ الشُّهُودُ عَلَى مَا قَدْ سَمِعْتُمْ، وَقَدْ قَالَ النَّاسُ فِيمَا قَالُوا، وَإِنِّي امْرُؤٌ رَفَعَ اللَّهُ مِنِّي مَا وَضَعُوا، وَحَفِظَ مِنِّي مَا ضَيَّعُوا، وَإِنَّ عُبَيْدًا لَمْ يَعدُ أَنْ كَانَ رَبِيبًا مَشْكُورًا وَأبًا مَبْرُورًا، أَلا وَإِنَّا قَدْ سُسْنَا وَسَاسَنَا السَّائِسُونَ، فَرَأَيْنَا هَذَا الأَمْرَ لا يُصْلِحَهُ إِلا شِدَّةٌ فِي غَيْرِ جَبْرِيَةٍ، وَلِينٌ فِي غَيْرِ وَهَنٍ، أَلا وَإِنَّهُ لَيْسَتْ كَذِبَةٌ أَكْثَرَ شَاهِدًا عَلَيْهَا مَنِ اللَّهِ، وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كَذِبَةِ أَمِيرٍ عَلَى مِنْبَرٍ، فَإِذَا سَمِعْتُمُوهَا مِنِّي فَاحْتَسِبُوهَا فِيَّ، وَاعْلَمُوا أَنَّ لَهَا عِنْدِي أَخَوَاتٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي أُجْرِي الأُمُورَ مَجَارِيَهَا، وَأُمْضِيهَا لِسَبِيلِهَا، فَلْتَسْتَقِمْ لِي قَنَاتُكُمْ، فَإِنَّ لِي فِيكُمْ صَرْعَى، فَلْيَحْذَرْ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَرْعَايَ، أَلا وَإِنِّي آخُذُ الْمُقْبِلَ بِالْمُدْبِرِ، وَالْمُطِيعَ بِالْعَاصِي، وَالشَّاهِدَ بِالْغَائِبِ، حَتَّى يَلْقَى الرَّجُلُ أَخَاهُ، يَقُولُ: انْجُ سَعْدُ فَإِنَّ سَعِيدًا قَدْ قُتِلَ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ صَفْوَانُ بْنُ الأَهْتَمِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الأَمِيرُ قَدْ آتَاكَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ. فَقَالَ زِيَادٌ: كَذِبْتَ، ذَاكَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ. فَقَامَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيسٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْفَرَسَ بِشَدِّهِ، وَالْعَيْشَ بِكَدِّهِ، وَالسَّيْفَ بِحَدِّهِ، وَالْمَرْءَ بِجِدِّهِ، وَإِنَّ جِدَّكَ قَدْ بَلَغَ مَا تَرَى، وَإِنَّ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ، وَإِنَّا لَنْ نُثْنِيَ عَلَيْكَ حَتَّى نَتَبَيَّنَكَ، فَابْلُ خَيْرًا نُثْنِ خَيْرًا. فَقَامَ أَبُو بِلالٍ مِرْدَاسُ بْنُ أُدَيَّةَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدَّى عَنْ وَلِيِّهِ وَخَلِيلِهِ غَيْرَ الَّذِي أَدَّيْتَ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴿٣٧﴾ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴿٣٨﴾ ﴾ [النجم: ٣٧-٣٨] ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلا، فَكَانَ أَوَّلَ خَارِجٍ خَرَجَ بِالْبَصْرَةِ

стр. 112

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِ: فَأَمَّا الْمَدَائِنِيُّ عَلَيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي عَنْ رِجَالِهِ، قَالَ: " لَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْبَصْرَةَ، قَدِمَهَا وَالْفِسْقُ بِهَا ظَاهِرٌ فَاشٍ، فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَفْضَالِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَنَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ نِعَمِهِ وَإِكْرَامِهِ، اللَّهُمَّ كَمَا أَعْطَيْتَنَا نِعَمًا، فَأَلْهِمْنَا شُكْرًا، أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجَاهِلِيَّةَ الْجَهْلاءَ، وَالضَّلالَةَ الْعَمْيَاءَ، وَالْغِيَّ الْمُوفِدَ لِأَهْلِهِ عَلَى النَّارِ، مَا فِيهِ سُفَهَاؤُكُمْ، وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ حُلَمَاؤُكُمْ، مِنَ الأُمُورِ الْعِظَامِ، يَنْبُتُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَلا يَنْحَاشُ عَنْهَا الْكَبِيرُ، كَأَنَّكُمْ لَمْ تَقْرَءُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَلَمْ تَسْمَعُوا مَا أَعَدَّ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ الْكَرِيمِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَالْعَذَابِ الأَلِيمِ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ فِي الزَّمِنِ السَّرْمَدِ، الَّذِي لا يَزُولُ، أَتَكُونُونَ كَمَنْ طَرَفَتْ عَيْنَهُ الدُّنْيَا، فَسَدَّتْ مَسَامِعَهُ الشَّهَوَاتُ، وَاخْتَارَ الْفَانِيَةَ عَلَى الْبَاقِيَةِ، أَلَمْ تَكُنْ فِيكُمْ نُهَاةٌ تَمْنَعُ الْغُوَاةَ عَنْ دَلَجِ اللَّيْلِ وَغَارَةِ النَّهَارِ؟ وَكَلُّ امْرِئٍ فِيكُمْ يَذُبُّ عَنْ سَفِيهِهِ صَنِيعَ مَنْ لا يَخَافُ عَاقِبَةً، وَلا يَرْجُو مَعَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِغُوَاتِكُمْ مَا كَانَ مِنْ قِيَامِكُمْ دُونَهُمْ، وَذَبِّكُمْ عَنْهُمْ، حَتَّى انْتَهَكُوا حُرَمَ الْإِسْلامِ، ثُمَّ أَطْرَقُوا وَرَاءَكُمْ كُنُوسًا فِي مَكِانِسِ الرِّيَبِ، مُحَرَّمٌ عَلَيَّ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَتَّى أَضَعَ هَذِهِ الْمَوَاخِيرَ الأَرْضَ هَدْمًا وَإِحْرَاقًا، إِنِّي رَأَيْتُ آخِرَ هَذَا الأَمْرِ لا يَصْلُحُ إِلا بِمَا يَصْلُحُ بِهِ أَوَّلُهُ. لِينٌ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، وَشِدَّةٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَآخُذَنَّ الْوَلِيَّ بِالْوَلِيِّ، وَالْمُقِيمَ بِالظَّاعِنِ، وَالْمُقِبِلَ بِالْمُدْبِرِ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقِيمِ، حَتَّى يَلْقَى الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ فَيَقُولُ: انْجُ سَعْدُ فَإِنَّ سَعِيدًا قَدْ قُتِلَ.

стр. 113

أَوْ تَسْتَقِيمَ لِي قَنَاتُكُمْ، إِنَّ كَذِبَةَ الْمِنْبَرِ، تُلْقَى مَشْهُورَةً فَإِذَا تَعَلَّقْتُمْ عَلَيَّ بِكَذِبَةٍ، فَقَدْ حَلَّتْ لَكُمْ مَعْصِيَتِي، مَنْ نُقِبَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ، فَإِيَّاكُمْ وَدَلَجَ اللَّيْلِ، فَإِنِّي لا أُوتَى بِمُدْلِجٍ إِلا سَفَكْتُ دَمَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنِّي لا أَظْفَرُ بِأَحَدٍ دَعَا بِهَا إِلا قَطَعْتُ لِسَانَهُ، وَقَدْ أَحْدَثْتُمْ أَحْدَاثًا، وَقَدْ أَحْدَثْنَا لِكُلِّ ذَنْبٍ عُقُوبَةً، فَمَنْ غَرَّقَ قَوْمًا غَرْقَنَاهُ، وَمَنْ حَرَّقَ عَلَى قَوْمٍ أَحْرَقْنَاهُ، وَمَنْ نَقَبَ نَقْبًا نَقَبْنَا عَنْ قَلْبِهِ، وَمَنْ نَبَشَ قَبْرًا دَفَنَّاهُ حَيًّا، فَكُفُّوا عَنِّي أَيْدِيَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ، أَكُفَّ عَنْكُمْ يَدِي وَلِسَانِي، وَلا يَظْهَرْ مِنْ أَحَدٍ خِلافُ مَا عَلَيْهِ عَامَّتُكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ: وَخَطَبَ زِيَادٌ بِالْبَصْرَةِ، فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: كَمْ مِنْ مُغْتَبِطٍ سَيَبْتَئِسُ، وَكَمْ مِنْ مُبْتَئِسٍ بِنَا سَيَغْتَبِطُ، أَلا إِنَّ الْقُدْرَةَ تُذْهِبُ الْحَفِيظَةَ، أَلا إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ بَيْنِي وَبيْنَ أَقْوَامٍ إِحَنٌ وَأَشْيَاءُ، وَقَدْ جَعَلْتُ ذَلِكَ دُبَرَ أُذُنِي، وَتَحْتَ قَدَمِي، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا فَلْيَزْدَدْ إِحْسَانًا، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسِيئًا فَلْيَنْزَعْ مِنْ إِسَاءَتِهِ. إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدَكُمْ قَدْ قَتَلَهُ السُّلُّ مِنْ بُغْضِي لَمْ أَكْشِفْ لَهُ قِنَاعًا، وَلَمْ أَفْتَحْ لَهُ بابًا، وَلَمْ أَهْتِكْ لَهُ سِتْرًا، حَتَّى يُبْدِيَ لِي صَفْحَتَهُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ أُنَاظِرْهُ، فَاسْتَأْنِفُوا أُمُورَكُمْ، وَأَعِينُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ يِرْحَمْكُمُ اللَّهُ، أَلا وِإِنِّي لا أَقُولُ قَوْلا إِلا أَنْفَذْتُهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي أَقُولُ قَوْلا لا أُنَفِذُهُ وَلا أَفِي بِهِ، فَلا طَاعَةَ لِي فِي أَعْنَاقِكُمْ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ، فَلَمَّا أَمْسَى سَمِعَ أَصْوَاتَ النَّاسِ، يَتَحَارَسُونَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: إِنَّ الْبَلْدَةَ مَفْتُونَةٌ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرَ لَيَأْخُذْهَا الْفُسَّاقُ، فَيُقَالُ لَهَا: نَادِي ثَلاثَةَ أَصْوَاتٍ، فَإِنْ أَجَابَكَ أَحَدٌ، وَإِلا فَلا لَوْمٌ عَلَيْنَا فِيمَا صَنَعْنَا، قَالَ زِيَادٌ: فَفِيمَ أَنَا؟ وَفِيمَ قَدِمْتُ؟ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَرَ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ أُنْبِئْتُ بِمَا أَنْتُمْ فِيهِ، وَسَمِعْتُ بَعْضَ ذَلِكَ. أَلا وَإِنِّي قَدْ أَنْذَرْتُكُمْ وَأَجَّلْتُكُمْ شَهْرًا، مَسِيرَةَ الرَّجُلِ إِلَى الشَّامِ، وَمَسِيرَةَ الرَّجُلِ إِلَى خُرَاسَانَ، وَمَسِيرَةَ الرَّجُلِ إِلَى الْحِجَازِ، أَلا فَمَنْ وَجَدْنَاهُ بَعْدَ شَهْرٍ خَارِجًا مِنْ مَنْزِلِهِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ، فَمَنْ دُونَهُ، فَدَمُهُ هَدَرٌ. قَالَ: فَانْصَرَفَ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا كَقَوْلِ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ. قَالَ: فَلَمَّا تَمَّ الشَّهْرُ دَعَا زِيَادٌ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُصَيْنٍ الْيَرْبُوعِيَّ، وَكَانَتْ شُرْطَتُهُ أَرْبَعَةَ آلافِ رَجُلٍ، فَقَالَ: هَيِّئِ خَيْلَكَ وَرَجِلَكَ، فَإِذَا صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، وَقَرَأَ الْقَارِئُ مِقْدَارَ سَبعٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَرُفِعَ الطُّنُ الْقَصَبُ مِنَ الْقَصْرِ، فَسِرْ فَلا تَلْقَيَنَّ أَحَدًا، عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، فَمَنْ دُونَهُ إِلا جِئْتَنِي بِرَأْسِهِ.

стр. 114

قَالَ: فَصَبَّحَ بِبَابِ الْقَصْرِ تِسْعَمِائَةَ رَأْسٍ، ثُمَّ خَرَجَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ فَجَاءَ بِخَمْسِينَ رَأْسًا، ثُمَّ خَرَجَ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ بِرَأْسٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ النَّاسُ إِذَا صَلَّوا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، أَحْضَرُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَتَرَكُوا نِعَالَهُمْ. قَالَ: ثُمَّ صَعِدَ زِيَادٌ الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: هَدَأَتِ الْبَلْدَةُ سَائِرَ الْيَوْمِ، لَكُمْ بُطُونُ بُيُوتِكُمْ، وَلَنَا ظُهُورُهَا، لا حَقَّ لَكُمْ فِي ظُهُورِهَا. ثُمَّ قَالَ: أَيُّ سِكَكِ الْبَصْرَةِ أَخْوَفُ؟ قَالُوا: الْمِرْبَدُ. فَأَمَرَ فَأُلْقِيَ فِيهَا كِسَاءُ خَزٍّ، فَبَقِيَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، لا يَقْرَبُهُ أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ لِلْنَاسِ: افْتَحُوا مَنَازِلَكُمْ وَحَوَانِيتِكُمْ، فَمَنْ ذَهَبَ لَهُ شَيْءٌ فَزِيَادٌ لَهُ ضَامِنٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ، وَرَأْيُنَا لَكُمْ خَيرٌ مِنْ رَأْيِكُمْ لِأَنْفُسَكُمْ ". قَالَ: " وَخَطَبَ زِيَادٌ حِينَ قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا أَصْبَحْنَا لَكُمْ سَادَةً، وَعَنْكُمْ ذَادَةً، نَسُوسُكُمْ بِسُلْطَانِ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَانَا، وَنَذُودُ عَنْكُمْ بِنِعَمِ اللَّهِ الَّذِي خَوَّلَنَا، فَلَنَا عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحْبَبْنَا، وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَدْلُ فِيمَا وُلِّينَا. فَاسْتَوْجِبُوا عَدْلَنَا بِمُنَاصَحَتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنِّي مَهَمَا قَصَّرتُ فِيهِ فَلَنْ أُقَصِّرَ عَنْ ثَلاثٍ: لَسْتُ مُجْمِرًا لَكُمْ بَعْثًا، وَلا مُحْتَجِبًا عَنْ طَالِبِ حَاجَةٍ مَعَكُمْ وَلَوْ أَتَانِي طَارِقًا بِلَيلٍ، وَلا حَابِسًا لَكُمْ عَطَاءً، وَلا رِزْقًا عَنْ إِبَّانِهِ، فَادْعُوا اللَّهَ بِالصَّلاحِ لِأَئِمَّتِكُمْ، فَإِنَّهُمْ سَاسَتُكُمُ الْمُؤَدِّبُونَ، وَكَهْفِكُمُ الَّذِي إِلَيْهِ تَأْوُونَ، فَمَتَى يَصْلَحُوا تَصْلَحُوا، وَلا تُشْرِبُوا قُلُوبَكُمْ بُغْضَهُمْ، فَيَشْتَدَّ لِذَلِكَ غَيْضُكُمْ، وَيُعَوِّلَ لَهُ حُزْنُكُمْ، وَلا تُدْرِكُوا حَاجَتَكُمْ، مَعَ أَنَّهُ لَوِ اسْتُجِيبَ لِكُمْ فِيهَا كَانَ شَرًّا لَكُمْ. أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَ كُلا عَلَى كُلٍّ، وَإِذَا رَأَيْتُمُونِي آمُرُ فِيكُمْ بِالأَمْرِ فَأَنْفِذُوهُ عَلَى أَذْلالِهِ، وايْمُ اللَّهِ إِنَّ لِي فِيكُمْ لَصَرْعَى كَثِيرَةً، فَلْيَحْذَرْ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ صَرْعَايَ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَهْتَمِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَيُّهَا الأَمِيرُ لَقَدْ أُوتِيتَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، قَالَ: كَذِبْتَ، ذَاكَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ، فَقَامَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا الأَمِيرُ، قَدْ قُلْتَ فَأَسْمَعْتَ، وَوَعَظْتَ فَأَبْلَغْتَ، أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنَّمَا السَّيْفُ بِحَدِّهِ، وَالْفَرَسُ بِشَدِّهِ، وَالرَّجُلُ بِجِدِّهِ، وَإِنَّمَا الثَّنَاءُ بَعْدَ الْبَلاءِ، وَالْحَمْدُ بِعْدَ الْقَضَاءِ، وِلَنْ نُثْنِيَ حَتَّى نَبْتَلِيَ، فَقَامَ أَبُو بِلالٍ مِرْدَاسُ بْنُ أُدَيَّةُ، وَهُوَ يَهِمُ وَيَقُولُ: قَدْ أَنْبَأَنَا اللَّهُ بِغَيْرِ مَا قُلْتَ: قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] ، فَسَمِعَهَا زِيَادٌ، فَقَالَ: يَا هَذَا إِنِّي لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَبْلُغَ مَا تُرْيدُهُ حَتَّى أَخُوضَ الدِّمَاءَ خَوْضًا ".

стр. 115

وَحُدِّثْتُ عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " قَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ، فَدَنَوْتُ مِنَ الْمِنْبَرِ لِأَسْمَعَ كَلامَهُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَتَكَلَّمُ فَيُحْسِنُ إِلا تَمَنَّيْتُ أَنْ يَسْكُتَ، مَخَافَةَ أَنْ يُسِيءَ، غَيْرَ زِيَادٍ، فَإِنَّهُ كَانَ لا يَزْدَادُ إِكْثَارًا إِلا ازْدَادَ إِحْسَانًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ أَتَانِي وَأَنَا بِالْبَصْرَةِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ فِي أَلْفَيْنِ مِنْ شُرَطِهَا، ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنَّكُمْ أَهْلُ حَقٍّ، وَأَنَّ الْحَقَّ طَالَمَا دَفَعَ الْبَاطِلَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْكُمْ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ مِنَّا مَا وَضَعَ النَّاسُ، وَحَفِظَ مِنَّا مَا ضَيَّعُوا. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ سُسْنَا وَسَاسَنَا السَّائِسُونَ، وَجَرَّبْنَا الْمُجَرِّبُونَ، فَوَجَدْنَا هَذَا الأَمْرَ لا يُصْلِحُهُ إِلا شدَّةٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، وَلِينٌ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، فَلا أَعْلَمَنَّ مَا أَغْلَقْنَا بَابًا فَفَتَحْتُمُوهُ، وَلا حَلَلْتُ عَقْدًا فَشَدَدْتُمُوهُ، وَإِنِّي لا أَعِدُكُمْ خَيْرًا وَلا شَرًّا إِلا وَفَيْتُ بِهِ، فَإِذَا تَعَلَّقْتُمْ عَلَيَّ بِكَذِبَةٍ فَلا وِلايَةَ لِي عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي آمُرُكُمْ مَا آمُرُ بِهِ نَفْسِي وَأَهْلِي، فَمَنْ حَالَ دُونَ أَمْرِي ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، أَلا وَإِنِّي لا أَهْتِكُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ سِتْرًا، وَلا أَطَّلِعُ لَكُمْ مِنْ وَرَاءِ بَابٍ، وَلا أُقِيلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَثْرَةً. قَالَ: فَحَصَبُوهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، حَتَّى سَكَنُوا وَأَمْسَكُوا، ثُمَّ أَمَرَ الشُّرَطَ فَأَخَذُوا بِأَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، وَأَلْقَى كُرْسِيًّا عَلَى بَعْضِ الأَبْوَابِ، ثُمَّ عَرَضَ النَّاسَ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً يَسْتَحْلِفُهُمْ، فَمَنَ حَلَفَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصِبْهُ تَرَكَهُ، وَمَنْ أَبَى حَبَسَهُ. قَالَ: فَقَطَعَ يَوْمَئِذٍ أَيْدِي ثَمَانِينَ إِنْسَانًا مِمَّنْ لَمْ يَحْلِفْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: «أَوْعَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَعُوفِيَ، وَأَوْعَدَ زِيَادٌ فَابْتُلِيَ» . وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: «تَشَبَّهَ زِيَادٌ بِعُمَرَ فَأَفْرَطَ، وَتَشَبَّهَ الْحَجَّاجُ بِزِيَادٍ فَأَهْلَكَ النَّاسَ» . قَالَ: " وَخَطَبَ زِيَادٌ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ خِلالا ثَلاثًا، نَبَذْتُ إِلْيكُمْ فِيهِنَّ بِالنَّصِيحَةِ، رَأَيْتُ إِعْطَاءَ ذَوِي الشَّرَفِ، وَإِجْلالَ ذَوِي الْقَدْرِ، وَتَوْقِيرَ ذَوِي الأَسْنَانِ، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ لا يَأْتِينِي شَرِيفٌ بِوَضِيعٍ لَمْ يَعْرِفْ لَهُ فَضْلَ شَرَفِهِ عَلَى ضِعَتِهِ إِلا عَاقَبْتُهُ لَهُ، وَلا يِأْتِينِي كَهْلٌ بِحَدَثٍ لَمْ يَعْرِفْ فَضْلَ سِنَّهِ عَلَى حَدَاثَتِهِ إِلا عَاقَبْتُهُ لَهُ، وَلا يَأْتِينِي عَالِمٌ بِجَاهِلٍ لاحَاهُ فِي عِلْمِهِ لِيُهَجِّنَهُ بِذَلِكَ، إِلا عَاقَبْتُهُ، فَإِنَّمَا النَّاسُ بِأَعْلامِهِمْ، وَعُلَمَائَهِمْ، وَذَوِي أَسْنَانِهِمْ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ الأَفْوَهُ الأَوْدِيُّ: تُهْدَى الأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلَحَتْ ... فَإِنْ تَولَّتْ فَبِالأَشْرَارِ تَنْقَادُ لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَرَاةَ لَهُمْ ... وَلا سَرَاةَ إِذَا أَشْرَارُهُمْ سَادُوا ".

стр. 116

قَالَ: وَقَالَ زِيَادٌ لِحَاجِبِهِ: «قَدْ وَلَّيْتُكَ حِجَابَتِي، وَعَزَلْتُكَ عَنْ أَرْبَعَةٍ، عَنْ طَارِقِ لَيلٍ، فَشَرٌّ مَا جَاءَ بِهِ، لَوْ كَانَ خَيْرًا لَمْ أَكُنْ مِنْ شَأْنِهِ، وَعَنْ رَسُولِ صَاحِبِ الثَّغْرِ، فَإِنَّ حَبْسَ سَاعَةٍ يُفْسِدُ عَمَلَ سَنَةٍ، وَعَنِ الْمُنَادِي إِذَا نَادَى بِالصَّلاةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ كِتَابًا مَوْقُوتًا، وَعَنْ صَاحِبِ الطَّعَامِ، إِذَا أَدْرَكَ طَعَامَهُ، فَإِنَّ الطَّعَامَ إِذَا أُعِيدَ عَلَيْهِ التَّسْخِينُ فَسَدَ» . ١٧١ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُوصِي مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَنِي بِوِلايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، مَنْ تَوَلاهُ فَقَدْ تَوَلانِي، وَمَنْ تَوَلانِي فَقَدْ تَوَلَّى اللَّهَ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ » . أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجُوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الأَشْقَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقِ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَمِيمِ الْبَصْرِيُّ الصَّيْرَفِيُّ بِمَكَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَأَخْبَرَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَكَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الأَشْقَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ

стр. 117

١٧٥ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَالِبِيِّ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ رَأَى مِنَ النَّاسِ مَا رَأَى مِنْ خُذْلانِهِمْ، فَقَالَ: يَا أُمَّهْ، خَذَلَنِي النَّاسُ، حَتَّى وَلَدِي وَأَهْلِي، فَلَمْ يَبْقَ مَعِي إِلا الْيَسِيرُ مِمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الدَّفْعِ أَكْثَرَ مِنْ صَبْرِ سَاعَةٍ، وَالْقَوْمُ يُعْطُونَنِي مَا أَرَدْتُ مِنَ الدُّنْيَا، فَمَا رَأْيُكِ؟ قَالَتْ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ يَا بُنَيَّ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ وَإِلَيْهِ تَدْعُو فَامْضِ لَهُ، فَقَدْ قُتِلَ عَلَيْهِ مَنْ مَضَى مَنْ أَصْحَابِكَ، وَلا تُمَكِّنْ مِنْ رَقَبَتِكَ يَتَلَعَّبُ بِهَا غِلْمَانُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَرَدْتَ الدُّنْيَا، فَبِئْسَ الْعَبْدُ أَنْتَ، أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ، وَأَهْلَكْتَ مَنْ قُتِلَ مَعَكَ، وَإِنْ قُلْتَ: كُنْتُ عَلَى حَقٍّ فَلَمَّا وَهَنَ أَصْحَابِي ضَعُفَتْ نِيَّتِي، فَكُلُّ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الأَحْرَارِ، وَلا أَهْلِ الدِّينِ، كَمْ خُلُودُكَ يَا بُنَيَّ فِي الدُّنْيَا؟ الْقَتْلُ أَحْسَنُ. فَدَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقَبَّلَ رَأْسَهَا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ رَأْيِي وَعَزْمِي، وَالَّذِي هَمَمْتُ بِهِ دَاعِيًا إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَمَا رَكَنْتُ إِلَى الدُّنْيَا، وَلا أَحْبَبْتُ الْحَيَاةَ فِيهَا، وَمَا دَعَوْتُ إِلَى الْخُرُوجِ إِلا الْغَضَبُ لِلَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ حُرَمُهُ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ رَأْيَكِ، فَزِدْتِنِي قُوَّةً وَبَصِيرَةً مَعَ بَصِيرَتِي، فَانْظُرِي يَا أُمَّهْ، فَإِنِي مَقْتُولٌ مِنْ يَوْمِي هَذَا أَنْ لا يَشْتَدَّ جَزَعُكِ عَلَيَّ، وَسَلِّمِي لِأَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ ابْنَكِ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِتْيَانَ مُنْكَرٍ، وَلا عَمِلَ بِفَاحِشَةٍ، وَلَمْ يَجُرْ فِي حُكْمٍ، وَلَمْ يَغْدِرْ فِي أَمَانٍ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ظُلْمَ مُسْلِمٍ، وَلا مُعَاهِدٍ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُمَّالِي سُوءٌ فَرَضِيتُهُ، بَلْ أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ عِنْدِي آثَرَ مِنْ رِضَا رِبِّي، اللَّهُمَّ لا أَقُولُ هَذَا تَزْكِيَةً لِنَفْسِي، أَنْتَ أَعْلَمُ بِي، وَلَكِنِّي أَقُولُهُ تَعْزِيَةً لأُمِّي لِتَسْلُوَ عَنِّي. فَقَالَتْ أُمُّهُ: إِنِّي لَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عَزَائِي عَنْكَ حَسَنًا، إِنْ تَقَدَّمْتَنِي أَوْ تَقَدَّمْتُكَ، فَفِي نَفْسِي حَرَجٌ حَتَّى أَنْظُرَ إِلامَ يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُكَ؟ فَقَالَ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا يَا أُمَّهْ، فَلا تَدَعِي الدُّعَاءَ قَبْلِي وَبَعْدِي، فَقَالَتْ: لا أَدْعُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَبَدًا، فَمَنْ قُتِلَ عَلَى بَاطِلٍ، فَقَدْ قُتِلْتَ عَلَى حَقٍّ. ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ طُولَ ذَلِكَ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ الطَّوِيلِ، وَذَاكَ النَّحِيبَ وَالظَّمَأَ فِي هَوَاجِرِ الْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، وَبِرَّهُ بِأَبِيهِ وَبِي، اللَّهمَّ إِنِّي سَلَّمْتُ فِيهِ لأَمْرِكَ، وَرَضِيتُ بِمَا قَضَيْتَ، فَأَثَبْنِي فِي عَبْدِ اللَّهِ ثَوَابَ الشَّاكِرِينَ الصَّابِرِينَ. ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ عِنْدِهِا، وَلَبِسَ دِرْعًا وَمَغْفَرًا، فَوَقَفَ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَنَا، فَتَنَاوَلَ يَدَهَا وَقَبَّلَهَا، فَقَالَتْ: هَذَا وَدَاعٌ، فَلا تَبْعِدْ إِلا مِنَ النَّارِ.

стр. 118

فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّمَا جِئْتُ مُوَدِّعًا يَا أُمَّهْ، إِنِّي لَأَرَى هَذَا آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا يَمُرُّ بِي، اعْلَمِي يَا أُمَّهْ: إِنِّي إِنْ قُتِلْتُ فَإِنَّمَا أَنَا لَحْمٌ، مَا يَضُرُّنِي مَا صُنِعَ بِي. قَالَتْ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَتْمِمْ عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَلا تُمُكِّنْ بَنِي أَبِي عَقِيلٍ مِنْكَ، وَادْنُ مَنِّي حَتَّى أُوَدِّعُكَ، فَدَنَا مِنْهَا فَعَانَقَهَا، وَقَالَتْ: حَيْثُ وَجَدْتُ مَسَّ الدِّرْعِ: مَا هَذَا صَنِيعُ مِنْ يُرِيدُ مَا تُرِيدُ. فَقَالَ: مَا لَبِسْتُ هَذَا الدِّرْعَ إِلا لأَشُدَّ مِنْكِ. فَقَالَتْ: إِنَّهُ لا يَشُدُّ مَنِّي بِلْ يُخَالِفُنِي. فَخَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ عِنْدَهَا، فَنَزَعَ دِرْعَهُ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِتَالِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي إِذَا أَعْرِفُ يَوْمًا أَصْبِرُ ... إِذَ بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ ثُمَّ يُنْكِرُ فَفَهِمَتْ أُمُّهُ قَوْلَهُ، فَقَالَتْ: تَصْبِرُ وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَبُوكَ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ، وَأُمُّكَ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ لاقَاهُمْ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ فَهَزَمَهُمْ، حَتَّى قُتِلَ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: فَمَا مَكَثَتْ بَعْدَهُ إِلا عَشْرًا حَتَّى تُوُفِّيَتْ ١٧٦ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مَرْثَدٍ الْكَلْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، عَنْ أَبِي صِالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، زَيْدٌ الْحِبُّ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ابْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللاتِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ إِلْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَاسْمُ قُضَاعَةَ عَمْرٌو، وَإِنَّمَا سُمِّيَ قُضَاعَةَ لِأَنَّهُ انْقَضَعَ عَنْ قَوْمِهِ، أَيِ انْقَطَعَ، وَقُضَاعَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ جَمَّاعُ الْيَمَنِ. وَأُمُّ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ سُعْدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ عَامِرِ بْنِ أَفْلَتَ بْنِ سِلْسِلَةَ مِنْ بَنِي مَعْنٍ مِنْ طَيِّئٍ، فَزَارَتْ سُعْدَى أُمُّ زَيْدٍ قَوْمَهَا، وَزَيْدٌ مَعَهَا، فَأَغَارَتْ خَيلٌ لِبَنِي الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَى أَبْيَاتِ بَنِي مَعْنٍ، رَهْطِ أُمِّ زَيْدٍ، فَاحْتَمَلُوا زَيْدًا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ يَفَعَةٌ، قَدْ أَوْصَفَ فَوَافَوْا بِهِ سُوقَ عُكَاظٍ، فَعَرَضُوهُ لِلْبَيْعِ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بِأَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَهَبَتْهُ لَهُ، فَقَبَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ فَقَدَهُ، فَقَالَ: بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ ... أَحَيٌّ فَيُرجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الأَجَلْ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ سَائِلا ... أَغَالَكَ سَهْلُ الأَرْضِ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ

стр. 119

تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا ... وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا قَارِبَ الطَّفَلْ وَإِنْ هَبَّتِ الَأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ ... فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ سَأَعْمَلُ نَصَّ الْعَيْشِ فِي الأَرْضِ جَاهِدًا ... وَلا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ حَيَاتِيَ أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي ... وَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَمَلْ سَأُوصِي بِهِ قَيْسًا وَعَمْرًا كِلَيْهِمَا ... وَأُوصِي يَزِيدًا ثُمَّ بَعْدَهُمُ جَبَلْ يَعْنِي: جَبَلَةَ بْنَ حَارِثَةَ أَخَا زَيْدٍ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ زَيْدٍ، وَيَعْنِي بِيَزِيدَ أَخَا زِيدٍ لأُمِّهِ، وَهُوَ يِزِيدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ شَرَاحِيلَ، فَحَجَّ أُنَاسٌ مِنْ كَلْبِ فَرَأَوْا زَيْدًا، فَعَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، فَقَالَ: أَبْلِغُوا أَهْلِي هَذِهِ الأَبْيَاتَ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ قَدْ جَزِعُوا عَلَيَّ، فَقَالَ: أَحِنُّ إِلَى قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ نَائِيًا ... فَإِنِّي قَطِينُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ فَكُفُّوا مِنَ الْوَجْدِ الَّذِي قَدْ شَجَاكُمُ ... وَلا تَعْمَلُوا فِي الأَرْضِ نَصَّ الأَبَاعِرِ فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ فِي خَيْرِ أُسْرَةٍ ... كِرَامِ مَعَدٍّ كَابَرًا بَعْدَ كَابِرِ فَانْطَلَقَ الْكَلْبِيُّونَ فَأَعْلَمُوا أَبَاهُ. فَقَالَ: ابْنِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَوَصَفُوا لَهُ مَوْضِعَهُ، وَعِنْدَ مَنْ هُوَ، فَخَرَجَ حَارِثَةُ وَكَعْبُ ابْنَا شَرَاحِيلَ لِفِدَائِهِ وَقَدِمِا مَكَّةَ، فَسَألا عَنِ النَّبِيِّ ﵌، فَقِيلَ: هُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلا عَلَيْهِ، فَقَالا: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا ابْنَ هَاشِمٍ، يَا ابْنَ سَيَّدِ قَوْمِهِ، أَنْتُمْ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ، وَجِيرَانُهُ، وَعِنْدَ بَيْتِهِ تَفُكُّونَ الْعَانِيَ، وَتُطْعِمُونَ الأَسِيرَ، جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا عِنْدَكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، وَأَحْسِنْ إِلَيْنَا فِي فِدَائِهِ، فَإِنَّا سَنَرْفَعُ لَكَ فِي الْفِدَاءِ. قَالَ: «مَنْ هُوَ» ؟ ، قَالُوا: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «فَهَلا غَيْرُ ذَلِكَ؟» قَالُوا: مَا هُوَ؟ ، قَالَ: «أَدْعُوهُ فَأُخَيِّرُهُ فَإِنِ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، وَإِنِ اخْتَارِنِي فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنِ اخْتَارَنِي أَحَدًا» . قَالا: قَدْ زِدْتَنَا النَّصَفَ، وَأَحْسَنْتَ. قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَعْرِفُ هَؤُلاءِ» ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مَنْ هَذَا» ؟ قَالَ: أَبِي، وَهَذَا عَمِّي. قَالَ: «فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ وَرَأَيْتَ صُحْبَتِي لَكَ، فَاخْتَرْنِي أَوِ اخْتَرْهُمَا» . قَالَ زَيْدٌ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا، أَنْتَ مِنِّي بِمَكَانِ الأَبِ وَالْعَمِّ. فَقَالا: وَيْحَكَ يَا زَيْدُ، أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، عَلَى أَبِيكَ وَعَمِّكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا، مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أَحَدًا أَبَدًا. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ إِلَى الْحِجْرِ، فَقَالَ: «يَا مَنْ حَضَرَ اشْهَدُوا أَنَّ زَيْدًا ابْنِي، يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ» .

стр. 120

فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ طَابَتْ أَنْفُسُهُمَا فَانْصَرَفَا، فَدُعِيَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْحَدِيثِ: «فَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ ﵌ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ الأَسَدِيَّةَ، وَأُمُّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ بْنِ هَاشِمِ، فَطَلَّقَهَا زَيْدٌ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌» ، فَتَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ فِي ذَلِكَ، وَطَعَنُوا فِيهِ، وَقَالُوا: مُحَمَّدٌ يُحَرِّمُ نِسَاءَ الْوَلَدِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ زَيْدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] ، فَدُعِيَ يَوْمَئِذٍ: «زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ» ، وَدُعِيَ الأَدْعِيَاءُ إِلَى آبَائِهِمْ، فَدُعِيَ الْمِقْدَادُ إِلَى عَمْرٍو، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ: الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَكَانَ الأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ قَدْ تَبَنَّاهُ ١٧٧ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلاتَهُ أُمَّ أَيْمَنَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَكَانَ يُقَالُ لأُسَامَةَ: الْحِبُّ ابْنُ الْحِبِّ، وَكَانَ زَيْدٌ وَصِيَّ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " ١٧٨ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مَيَّاحِ، أَوْ مَنَّاحٍ، قَالَ: لَمَّا هَاجَرَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى كَلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ "، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَمَّا عَاصِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ، فَقَالَ: " نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ ١٧٩ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّليُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: صَلَّى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِأَصْحَابِهِ صَلاةً أَوْجَزَ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ خَفَّفْتَ، قَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ قَدْ دَعَوْتُ بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَاتَّبَعَهُ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَبِقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحُكْمِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَبِيدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ نَظَرٍ إِلَى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلا فَتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيَّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ»

стр. 121

حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: " خَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَاجًّا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي دَارِ مَرْوَانَ، فَسَأَلَهُ، مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؟ فَقِيلَ: سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَتَاهُ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِمِائَتَيِ دِينَارٍ، وَسَأَلَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ تُوفِّيَ قَبْلَ قُدُومِهِ بِشَهْرٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ لِأُنَاسٍ فِي الْمَدِينَةِ بِزِيَادَاتٍ فِي دَوَاوِينِهِمْ، وَقسَّمَ قِسْمًا لَيْسَ بِالْكَثِيرِ، وَبَعَثَ إِلَى أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ؟ قَالَ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ. فَأَرْسَلَ الْوَلِيدُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسيِّبِ، فَقَالَ: أَحْرِمْ مِنَ الْبَيْدَاءِ، وَسَاقَ بُدْنًا وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ مُنْفَرِدًا، وَجَلَّلَ بُدْنَهُ الْيُمْنَةَ وَالْقَبَاطِيَّ، وَسَارَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِلَى بَطْنِ مَرٍّ، فَاسْتَقْبَلَهُ وُجُوهُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَسْتَقْبِلُونِي بِعُسْفَانَ؟ فَتَعَذَّرُوا إِلَيْهِ بِبَعْضِ مَا يَتَعَذَّرُ بِهِ النَّاسُ، فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَوْ كَانَتْ فِتْنَةٌ لَكُنْتُمْ إِلَيْهَا سِرَاعًا، خَالَفْتُمْ وَشَقَقْتُمُ الْعَصَا، وَنَازَعْتُمُ الأَمْرَ أَهْلَهُ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ وَلِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَصَفَحَ عَنْكُمْ، وَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِكُمْ، فَلَمْ تَشْكُرُوا ذَلِكَ، وَلَمْ تَعْرِفُوا قَدْرَ مَا فَعَلَ بِكُمْ. فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، إِنِّهُمْ قَوْمُكَ وَعَشِيرَتُكَ وَلَيْسَ كُلَّهُمْ عَلَى خِلافِكَ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ مَعَكَ وَإِلَيْكَ، وَلَكِنَّهُمْ غُلِبُوا وَقُهِرُوا، فَمَا يَقْدِرُونَ عَلَى غَيْرِ مَا صَنَعُوا. فَقَالَ الْوَلِيدُ: مَا أَعْرَفَنِي بِطَاعَتِكَ وَطَاعَةِ مَنْ كَانَ مِثْلَكَ؟ فَقَالَ الْحَارِثُ: فَنَحْنُ عَلَى مَا يُحِبُّ الأَمِيرُ، قَدِمَ حَاجًّا مُعَظِّمًا لِهَذَا الْبَيْتِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَإِنْ رَأَى الأَمِيرُ أنْ يُعْرِضَ عَنْ هَذَا فَعَلَ، وَيُقْبِلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ لِهَذَا، وَاتِّسَاعٌ. قَالَ: أَفْعَلُ. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَبَلَغَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَا صَنَعَ بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا وَهُوَ بِالطَّرِيقِ يُؤَنِّبُهُ وَيَقُولُ: مَا كَانَ حَقُّكَ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا بِهِمْ، وَقَدْ رَأَيْتَنِي صَفَحْتُ عَنْهُمْ، وَأَنَا الْمُرَادُ بِهَذَا، وَأَنْتَ لَكَ الْعَهْدُ، وَلِأَخِيكَ مِنْ بَعْدِكَ، وَكَانَ حَقُّكَ أَنْ تَلِينَ وَتُقَرِّبَهُمْ، وَتَقْبَلَ عُذْرَهُمْ. لَعَمْرِي إِنَّ هَذَا لَمَوْضُوعٌ عَنْهُمْ وَقَدْ رَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ، وَقَبْلَكَ أَبِي ﵀ وهُوَ وَالٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَا يَسْتَقْبِلُونَهُ إِلا بِذِي طُوًى وَشَبَهِهَا، وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاغْتَمَّ بِهِ

стр. 122

١٨١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: لَمَّا اسْتَوَى الصَّفَّانِ بِالنَّهْرَوَانِ، تَقَدَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الَّتِي أَخْرَجَتْهَا عَادَةُ الْمِرَاءِ وَالضَّلالَةِ، وَصَدَفَ بِهَا عَنِ الْحَقِّ الْهَوى وَالزَّيْغُ، إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا غَدًا صَرْعَى بِأَكْنَافِ هَذَا النَّهْرِ أَوْ بِمِلْطَاطٍ مِنَ الْغَائِطِ، بِلا بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلا سُلْطَانٍ مُبِينٍ. أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ وَأُحَذِّرْكُمُوهَا، وَأُعْلِمْكُمْ أَنَّ طَلَبَ الْقَوْمِ لَهَا دَهَنٌ مِنْهُمْ وَمَكِيدَةُ، فَخَالَفْتُمْ أَمْرِي، وَجَانَبْتُمُ الْحَزْمَ، فَعَصَيْتُمُونِي حَتَّى أَقْرَرْتُ بِأَنْ حَكَّمْتُ، وَأَخَذْتُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ، فَاسْتَوْثَقْتُ، وَأَمَرْتُهُمَا أَنْ يُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنَ، وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنَ، فَخَالَفَا أَمْرِي، وَعَمِلا بِالْهَوَى، وَنَحْنُ عَلَى الأَمْرِ الأَوِّلِ، فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، وَأَنَّى يُتَاهُ بِكُمْ» ؟ فَقَالَ خَطِيبُهُمْ: أَمَّا بَعْدُ، يَا عَلِيُّ فَإِنَّا حِينَ حَكَّمْنَا كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنَّا، فَإِنْ تُبْتَ كَمَا تُبْنَا، فَنَحْنُ مَعَكَ وَمِنْكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَنَحْنُ مُنَابِذُوكَ عَلَى سَوَاءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: «أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ، وَلا بَقِيَ مِنْكُمْ وَابِرٌ، أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ، وَجِهَادِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَجْرَتِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُقِرُّ بِالْكُفْرِ؟ ! لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. وَلَكِنْ مُنِيتُ بِمَعْشَرٍ أَخِفَّاءَ الْهَامِ، سُفَهَاءَ الأَحْلامِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ» ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ وَهَزَمَهُمْ " حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، قَالَ: " حَجَّ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَالنَّاسُ قَرِيبُ عَهْدٍ بِالْفِتْنَةِ، فَصَلَّى بِهِمُ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا وَلِينَا هَذَا الْمَقَامَ الَّذِي يُضَاعَفُ فِيهِ لِلْمُحْسِنِ الأَجْرُ وَلِلْمُسِيءِ الْوِزْرُ، وَنَحْنُ عَلَى طَرِيقِ مَا قَصَدْنَا، فَلا تَمِدُّوا الأَعْنَاقَ إِلَى غَيْرِنَا، فَإِنَّهَا تُقَطَّعُ دُونَنَا، وَرُبَّ مُتَمَنٍّ حَتْفُهُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَاقْبَلُوا الْعَافِيَةَ مِنَّا مَا قَبِلْنَاهَا مِنْكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَقَوْلَ لَوْ، فِإِنَّهَا قَدْ أَتْعَبَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَلَنْ تُرِيحَ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَ كُلًّا عَلَى كُلٍّ بِرَحْمَتِهِ. قَالَ: فَفَتِقَ بِهِ أَعْرَابِيٌّ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْخَلِيفَةُ. قَالَ: لَسْتُ بِهِ، وَلَمْ تُبْعِدْ، قَالَ: يَا أَخَاهُ. قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ فَقُلْ. قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ تُحْسِنُوا وَقَدْ أَسْأَنَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُسِيئُوا وَقَدْ أَحْسَنَّا، فَإِنْ يِكُنِ الْإِحْسَانُ مِنْكُمْ فَمْا أَحَقَّكُمْ بِاسْتِتمَامِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنَّا فَمَا أَحَقَّكُمْ بِمُكَافَأَتِنَا. قَالَ لَهُ عُتْبَةُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ يَلْقَاكُمْ بِالْعُمُومَةِ، وَيَخْتَصُّ إِلَيْكُمْ بِالْخُؤُولَةِ، وَقَدْ كَثُرُ عِيَالُهُ، وَرَقَّ حَالُهُ، وَوَطِئَهُ دَهْرٌ، وَبِهِ فَقْرٌ، وَفِيهِ أَجْرٌ، وَعِنْدَهُ شُكْرٌ.

стр. 123

فَقَالَ عُتْبَةُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْكَ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَيْكَ، فَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِغِنَاكَ، فَلَيْتَ إِسْرَاعِي إِلِيكَ يَقُومُ بِإِبْطَائِي عَنْكَ ١٨٣ - حُدِّثْتُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ، " أَنَّ أَنَسًا لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ: يَا خِبْثَةُ، شَيْخًا جَوَّالا فِي الْفِتَنِ، مَعَ أَبِي تُرَابٍ مَرَّةً، وَمَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ أُخْرَى، وَمَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ مَرَّةً، وَمَعَ ابْنِ الْجَارُودِ أُخْرَى، أَمَا وَاللَّهِ لَأُجَرِّدَنَّكَ جَرْدَ الضَّبِّ وَلَأَقْلَعَنَّكَ قَلَعَ الصَّمْغَةِ، وَلَأَحْزِمَنَّكَ حَزْمَ السَّلَمَةِ، الْعَجَبُ مِنْ هَؤُلاءِ الأَشْرَارِ، أَهْلُ الْبُخْلِ وَالنِّفَاقِ. قَالَ عَلَيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَالَ أَنَسٌ لَمَّا خَرَجَ: وَاللَّهِ لَوْلا وَلَدَيَّ لَأَجَبْتُهُ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا كَانَ مِنَ الْحَجَّاجِ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ كِتَابًا مَعَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَدِمَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَبَدَأَ بِأَنَسٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَكْبَرَ مَا كَانَ مِنَ الْحَجَّاجِ إِلَيْكَ، وَأَعْظَمَ ذَلِكَ، وَأَنَا لَكَ نَاصِحٌ، إِنَّ الْحَجَّاجَ لا يَعْدِلُهُ أَحَدٌ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ , وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أنْ يَأْتِيَكَ، وَأَنَا أَرَى لَكَ أَنْ تَأْتِيَهُ فَيَعْتَذِرُ إِلَيْكَ، فَتَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ لَكَ مُعَظِّمٌ وَبِحَقِّكَ عَارِفٌ. قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ أَتَى الْحَجَّاجَ، فَأَعْطَاهُ كِتَابَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَجَعَلَ يَقْرَؤُهُ، وَوَجْهُهُ يَتَغَيَّرُ، فَأَقْبَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: غَفَرَ اللَّهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كُنْتُ أَرَاهُ يَبْلُغُ مِنِّي هَذَا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: ثُمَّ رَمَى الْكِتَابُ إِلَيَّ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنِّي قَدْ قَرَأْتُ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ بِنَا إِلَى أَنَسٍ. فَقُلْتُ: بَلْ يَأْتِيكَ. فَأَتَيْتُ أَنَسًا، فَقُلْتُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ، فَأَتَاهُ، فَرَحَّبَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: عَجِلْتَ بِاللائِمَةِ يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ الَّذِي كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ عَلَى غَيْرِ تَأنِيَةٍ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ لا يُحِسُّونَ للَّهَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا يُقِيمُ حُجَّتَهُ، وَمَعَ هَذَا إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَعْلَمَ مُنَافِقُوا أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَفُسَّاقُهُمْ أَنِّي مَتَى أَقْدَمْتُ عَلَيْكَ، فَهُمْ عَلَيَّ أَهْوَنُ، وَأَنَا إِلَيْهِمْ أَسْرَعُ، وَلَكَ الْعُتْبَى وَالْكَرَامَةُ، فَقَالَ أَنَسٌ: مَا عَجِلْتُ بِاللائِمَةِ حَتَّى تَنَاوَلَنَا الْعَامَّةُ دُونَ الْخَاصَّةِ، وَحَتَّى سَمَّيْتَنَا الأَشْرَارَ، وَقَدْ سَمَّانَا اللَّهُ الأَنْصَارَ، وَزَعَمْتَ أَنَّا أَهْلُ بُخْلٍ، وَنَحْنُ الْمُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَزَعَمْتَ أَنَّا أَهْلُ النِّفَاقِ وَنَحْنُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ.

стр. 124

وَزَعَمْتَ أَنَّكَ اتَّخَذْتَنِي ذَرِيعَةً لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، بِاسْتِحْلالِكَ مِنِّي مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حَكَمٌ هُوَ أَرْضَى لِلرِّضَا وَأَسْخَطُ لِلسَّخَطِ، وَإِلَيْهِ ثَوَابُ الْعِبَادِ، وَجَزَاءُ أَعْمَالِهِمْ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] فَوَاللَّهِ إِنَّ النَّصَارَى عَلَى شِرْكِهِمْ، لَوْ رَأَوْا رَجُلا قَدْ خَدَمَ عِيسَى يَوْمًا وَاحِدًا، لَأَكْرَمُوهُ وَأَعْظَمُوهُ، فَكَيْفَ لَمْ تَحْفَظْ لِي خِدْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ! فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكَ إِحْسَانٌ شَكَرْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ صَبَرْنَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالْفَرَجِ " قَالَ: وَكَانَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ عَبْدٌ قَدْ طَمَّتْ بِهِ الأُمُورُ حَتَّى عَدَوْتَ طَوْرَكَ، وايْمُ اللَّهِ، يَا ابْنَ الْمُسْتَفْرَمَةِ بَعَجَمِ الزَّبِيبِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْغَمَكَ ضَغْمَةً كَبَعْضِ ضَغَمَاتِ اللُّيُوثِ الثَّعَالِبِ، وَأَخْبِطَكَ خَبْطَةً تَودُّ أَنَّكَ زَاحَمْتَ مَخْرَجَكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ، قَدْ بَلَغَنِي مَا كَانَ مِنْكَ إِلَى أَنَسٍ، وَأَظُنُّكَ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ، وِإِلا مَضَيْتَ قُدُمًا، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، أَخْفَشَ الْعَيْنَيْنِ، مَمْسُوحَ الْجَاعِرَتَيْنِ، حَمْسَ السَّاقَيْنِ، كَأَنَّكَ نَسِيتَ مَكَاسِبَ آبَائِكَ بِالطَّائِفِ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدَّنَاءَاتِ وَاللُّؤْمِ إِذْ يَحْفُرُونَ الْآبَارَ فِي الْمَنَاهِلِ بِأَيْدِيهِمْ وَيَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَالْقَ أَنَسًا فِي مَنْزِلِهِ، وَاعْتَذِرِ إِلَيْهِ، وَلَوْلا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَظُنُّ أَنَّ الْوَلَدَ وَالْكُتُبَ كَثَّرُوا عَلَى الشَّيْخِ لَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْحَبُكَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، حَتَّى يَأْتِيَ بِكَ أَنَسًا فَيَحْكُمَ فِيكَ، وَلَنْ يَخْفَى عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نَبَؤُكَ وَ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] ، فَلا تُخَالِفْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَكْرِمْ أَنَسًا وَوَلَدَهُ، وَإِلا بَعَثْتُ إِلَيْكَ مَنْ يَهْتِكَ سِتْرَكَ وَيُشْمِتُ بِكَ عَدُوَّكَ، وَالسَّلامُ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: " قَدِمَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَاجًّا، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ، فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَرَكِبَ إِلَى مَشَاهِدَ النَّبِيِّ ﷺ ، الَّتِي صَلَّى فِيهَا، وَحَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ، وَمَعَهُ أَبَانُ بِنُ عُثْمَانَ، وَعَمْرُو بِنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو بَكْرِ بِنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ، فَأَتَوْا بِهِ قُبَاءً، وَمَسْجِدَ الْفَضِيخِ، وَمَشْرَبَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ، وَأُحُدًا، وَكُلُّ ذَلِكَ يَسْأَلُهُمْ، وَيُخْبِرُونَهُ عَمَّا كَانَ. ثُمَّ أَمَرَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ سِيَرَ النَّبِيِّ ﵌، وَمَغَازِيَهُ، فَقَالَ أَبَانٌ: هِيَ عِنْدِي، قَدْ أَخَذْتُهَا مُصَحَّحَةً مَمَّنْ أَثِقُ بِهِ.

стр. 125

فَأَمَرَ بِنَسْخِهَا وَأَلْقَى فِيهَا إِلَى عَشْرَةٍ مِنَ الْكُتَّابِ، فَكَتَبُوهَا فِي رَقٍّ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ نَظَرَ، فَإِذَا فِيهَا ذِكْرُ الأَنْصَارِ فِي الْعَقَبَتَيْنِ، وَذِكْرُ الأَنْصَارِ فِي بَدْرٍ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى لِهُؤُلاءِ الْقَوْمِ هَذَا الْفَضْلَ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ بَيْتِي غَمَصُوا عَلَيْهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا لَيْسَ هَكَذَا. فَقَالَ: أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ: أَيُّهَا الأَمِيرُ لا يَمْنَعُنَا مَا صَنَعُوا بِالشَّهِيدِ الْمَظْلُومِ مِنْ خُذْلانِهِ، إِنَّ الْقَوْلَ بِالْحَقِّ: هُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا لَكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا. قَالَ: مَا حَاجَتِي إِلَى أنْ أَنْسَخَ ذَاكَ حَتَّى أَذْكُرَهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، لَعَلَّهُ يُخَالِفُهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ فَحُرِقَ. وَقَالَ: أَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا رَجَعْتُ، فَإِنْ يُوَافِقْهُ، فَمَا أَيْسَرَ نَسْخَهُ، فَرَجَعَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخْبَرَ أَبَاهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ قَوْلِ أَبَانٍ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمَا حَاجَتُكَ أنْ تَقْدِمَ بِكِتَابٍ لَيْسَ لَنَا فِيهِ فَضْلٌ، تُعَرِّفُ أَهْلَ الشَّامِ أُمُورًا لا نُرِيدُ أَنْ يَعْرِفُوهَا. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَلِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرْتُ بِتَحْرِيقِ مَا كُنْتُ نَسَخْتُهُ حَتَّى أَسْتَطْلِعَ رَأْيَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَصَوَّبَ رَأْيَهُ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ جَلَسَ مِنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيبٍ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، وَمَا نَسَخَ مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ، وَمَا خَالَفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا، فَقَالَ قَبِيصَةُ: لَوْلا مَا كَرِهَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَكَانَ مَنَ الْحَظِّ أَنْ تَعْلَمَهَا وَتُعَلِّمَهَا وَلَدَكَ وَأَعْقَابَهِمْ، إِنْ حَظَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا لَوَافِرٌ، إِنْ أَهْلَ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَأَكْثَرُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَشَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ سِتْةَ عَشَرَ رَجُلا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَحُلَفَائَهِمْ وَمَوَالِيَهِمْ. وَحَلِيفُ الْقَوْمِ مِنْهُمْ، وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ. وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَعُمَّالُهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَرْبَعَةٌ: عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ عَلَى مَكَّةَ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَلَى الْيَمَنِ، وَأَبُو سُفِيَانَ بْنَ حَرْبٍ عَلَى نَجْرَانَ، عَامِلا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَمَا كَرِهَ فَلا تُخَالِفْهُ. ثُمَّ قَالَ قَبِيصَةُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا وَهُوَ، يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ، وَعِدَّةً مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِيِنَ، مَا لَنَا عِلْمٌ غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى أَحْكَمْنَاهُ، ثُمَّ نَظَرنَا بَعْدُ فِي الْحَلالِ وْالْحَرِامِ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، أَلا تُخْبِرُنِي عَنْ هَذَا الْبُغْضِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ لَهِذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ وَحِرْمَانِهِمْ إِيَّاهُمْ لِمَ كَانَ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ أَحْدَثَهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ أَحْدَثَهُ أَبُوكَ. فَقَالَ: عَلامَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أُرِيدُ بِهِ إِلا لأَعْلَمَهُ وَأَعْرِفَهُ.

стр. 126

فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ قَتَلُوا قَوْمًا مِنْ قَوْمِهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ خُذْلانِهِمْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، فَحَقَدُوهُ عَلَيْهِمْ، وَحَنَقُوهُ وَتَوَارَثُوهُ، وَكُنْتُ أُحِبُّ لِأَمِيِرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهُمْ، وَأَنْ أُخْرِجَ مِنْ مَالِي، فَكَلِّمْهُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَفْعَلُ وَاللَّهِ. فَكَلَّمَهُ وَقَبِيصَةُ حَاضِرٌ، فَأَخْبَرَهُ قَبِيصَةُ بِمَا كَانَ مِنْ مُحَاوَرَتِهِمْ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَدَعُونَا مِنْ ذِكْرِهِمْ، فَأَسْكَتَ الْقَوْمَ ١٨٥ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ رَفَعَوا أَعْيُنَهُمْ وَمَدُّوا أَعْنَاقَهُمِ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فِيهِ لُوْثَةٌ فَاسْتَمَلْنَاهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: عِنْدَكَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَلَمَّا أَصْبَحَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، دَخَلَ عَلَيْهِ عَقِيلٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا يَزِيدَ أَنَا خَيْرٌ لَكَ أَمْ عَلِيٌّ؟ قَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ لَنَا مِنْ عَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ خَيْرٌ لِنَفْسِهِ مِنْكَ. فَضَحِكَ مُعَاوِيَةُ، فَضَحِكَ عَقِيلٌ. فَقَالَ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا أَبَا يَزِيدَ؟ قَالَ: أَضْحَكُ أَنِّي كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ أَتَيْتُهُ، فَلَمْ أَرَ مَعَهُ إِلا الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَهُمْ، وَالْتَفَتُّ السَّاعَةَ فَلَمْ أَرَ إِلا أَبْنَاءَ الطُّلَقَاءِ، وَبَقَايَا الأَحْزَابِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: أَسَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ وَاللَّهِ عَمُّ هَذَا. قَالَ عَقِيلٌ: صَدَقَ وَاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَهَلْ قَرَأْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] ، فَهِيَ وَاللَّهِ عَمَّةُ مُعَاوِيَة، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: الْحَقْ بِأَهْلِكَ، حَسْبُنَا مَا لَقِينَا مِنْ أَخِيكَ. قَالَ لَهُ عَقِيلٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ مَعَ عَلِيٍّ الدِّينَ وَالسَّابِقَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى دُنْيَاكَ، فَمَا أَصَبْتُ دِينَهُ، وَلا نِلْتُ مِنْ دُنْيَاكَ طَائِلا. فَأَعْطَاهُ وَأَكْثَرَ لَهُ. قَالَ: فَدَعَا مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، هَذَا الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ أَهْوَجُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ ! . قَالَ: مَا ذَنْبِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلا مَا تَعْلَمُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ فِي ذَلِكَ: أَلا يَا عَمْرُو عَمْرُو قَبِيلِ سَهْمٍ ... لَقَدْ أَخْطَأْتَ رَأْيَكَ فِي عَقِيلِ بُلِيتُ بِحَيَّةٍ صَمَّاءَ بَانَتْ ... تَلَفَّتُ أَيْنَ مُلْتَمَسُ الْقَبِيلِ بِعَينٍ تُنْفِذُ الْبَيْدَاءَ لَحْظًا ... وَنَابٍ غَيْرِ مَوْصُولٍ كَلِيلِ وَقَدْ كَانَتْ تُرَجِّمُهُ قُرَيْشٌ ... عَلَى عَمْيَاءَ مِنْ قَالٍ وَقِيِلِ أَلا لِلَّهِ دَرُّ أَبِي يَزِيدَ ... لَهَرَجِ الأَمْرِ وَالْخَطْبِ الَجَلِيلِ فَمَا خَاصَمْتُ مِثْلَكَ مِنْ خَصِيمٍ ... وَلا حَاوَلْتُ مِثْلَكَ مِنْ حَوِيلِ أَتَانِي زَائِرًا وَرَأَى عَلِيًّا ... قَلِيلَ المَالِ مُنْقَطِعَ الْخَلِيلِ فَقِيلَ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَرْبٍ ... فَمَالَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى مُمِيلِ فَأَجْزَلْتُ الْعَطَاءَ لَهُ وَدَبَّتْ ... عَقَارِبُهُ لِسَالِفَةِ الدُّخُولِ

стр. 127

فَلَمْ يَرْضَ الْكَثِيرَ وَقَدْ أَرَاهُ ... سَخُوطًا لِلْكَثِيرِ وَلِلْقَلِيلِ فَرَجَعَ عَقِيلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «كَانَ فِي نَفْسِ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ، فَمَا أَحَبَّ أَنَّكَ لَمْ تَأْتِهِ، فَقَدِ انْقَطَعَ ظَهْرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» ١٨٦ - حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: " اجْتَمَعَ شَرِيكٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا تَقُولانِ فِي رَجُلٍ رَمَى رَجُلا بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ؟ فَقَالَ شَرِيكٌ: يُقْتَلُ كَمَا قَتَلَ. فَقَالَ الْقَاسِمُ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُ. فَقَالَ شَرِيكٌ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ، فَقَالَ: بَلَى. فَقَالَ: لِمَ تَمُوقُ إِذًا؟ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَوْ جَارَيْنَاكَ لَسَبَقْتَنَا سَبْقًا بَعِيدًا. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لا قَوَدَ إِلا بِالسَّيْفِ» ، وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ. ثُمَّ قَالَ لِشَرِيكٍ: أَرَأَيْتَ لَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَقْتُلْهُ ثُمَّ ثَنَّى فَلَمْ يَقْتُلْهُ، ثُمَّ ثَلَّثَ، أَلَيْسَ كَانَتْ تَكُونُ مُثْلَةً؟ فَصَمَتَ شَرِيكٌ قَالَ الْمَنْصُورُ لِإِسْحَاقَ بْنِ مُسْلِمِ الْعَقِيلِيِّ: مَا بَقِيَ مِنْ لَذَّتِكَ؟ قَالَ: «أَخٌ أَشْتَهِي مَعَهُ الْعَلَّةَ طُولَ اللَّيْلِ، وَدَابَّةٌ أَشْتَهِي مَعَهَا طُولَ السَّفَرِ» . لَمَّا وَلِيَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْمَدِينَةَ مَنَعَ النِّسَاءَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجَ إِلَيْهِ فِي شَهْرِ رَمْضَانَ إِلا الْعَجَائِزَ، وَإِنِ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ الْعَجَائِزَ فَفَطِنَ لَهَا شُرْطِيٌّ، فَأَخْرَجَهَا وَضَرَبَهَا ضَرْبًا وَجِيعًا، وَخَرَقَ طَيْلَسَانًا كَانَ عَلَيْهَا لِزَوْجِهَا لَبِسَتْهُ سِرًّا مِنْهُ، فَانْصَرَفَتْ وَهِي أَخْزَى مِنَ الَّتِي بَاعَتْ قَمِيصَهَا وَاشْتَرَتْ بِهِ هِرَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ جَاءَتْ إِلَى حَوَّاءٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَعْطَتْهُ دِرْهَمًا وَقَالَتْ لَهُ: اطْلُبْ لِي عَشْرَ عَقَارِبَ حَرِيَّاتٍ سَمُومِيَّاتٍ، وَالْحَرِيَّاتُ هِيَ أَخْبَثُ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَقَارِبِ، فَجَعَلَتْهَا فِي دُرْجٍ، وَذَرَّتْ عَلَيْهِ ذَرِيرَةً مُمْسِكَةً، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَتْ إِلَى ذَلِكَ الْبَابِ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ عَرَفَتِ الرَّجُلَ فَدَنَتْ مِنْهُ، وَقَالَتْ: يَا أَخِي، هَذِا الْمَجْمَرُ جِئْتُكَ بِهِ فَخُذْهُ فَدَخِّنْ بِهِ لِهَذَا الْعِيدِ، وَاتْرُكْنِي حَتَّى أَدْخُلَ وَأُصَلِّي هَذِهِ اللَّيْلَةَ الْعَظِيمَةَ، يَأْجُرُكَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَأَخَذَ الدَّرَجَ مِنْهَا، وَأَدْخَلَهَا، وَدَسَّهُ فِي حُجْرَتِهِ، ثُمَّ أَعْجَلَهُ الطَّمَعُ حَتَّى يَعْلَمُ مَا فِيهِ، وَفَتَحَ الدُّرْجَ، فَذَهَبَ لِيَشُمَّ مَا فِيهِ، فَضَرَبَ بِعْضُ الْعَقَارِبِ أَنْفَهُ ضَرْبَةً، فَطَارَ مِنْ عَيْنِيهِ مِثْلُ النَّارِ، وَسَقَطَ، وَانْتَثَرَتْ عَلَى جَسَدِهِ فَلَيْسَ مِنْهُنَّ إِلا وَقَدْ لَسَعَتْهُ مَرَّاتٍ، وَصَاحَ: الْمَوْتُ، أَدْرِكُونِي. فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، فَإِذَا جَسَدَهُ يَنْتَغِشُ عَقَارِبَ. وَبَلَغَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ خَبَرَهُ. فَقَالَ: مَا قِصَّتُكَ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلامِ. فَلَمَّا أَفَاقَ سَأَلَهُ، فَأَرَادَ كِتْمَانَ الْخَبَرِ، فَقَالَ: لِنْ يُنْجِيَكَ مِنِّي إِلا الصِّدْقُ.

стр. 128

فَأَخْبَرَهُ فَضِحَكَ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ لَأَمَرْتُ لَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَجَدْتُهَا وَاللَّهِ حُرَّةً، وَأَمَرَ لَهُ بِصِلَةٍ. جَاءَ مَزْيدُ بِامْرَأَتِهِ إِلَى الْقَاضِي يُخَاصِمُهَا فِي نَفَقَتِهَا، فَبَكَتْ حِينَ جَلَسَتْ، فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: وَيْحَكَ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنِّي لأَحْسَبُكَ ظَالِمًا. قَالَ: وَبِأَيِ شَيْءٍ عَرَفْتَ ذَاكَ؟ قَالَ: لَمْ تَبْكِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ خَيْرٍ. قَالَ: فَقَدْ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ عِشَاءً يَبْكُونَ، فَكَانُوا ظَالِمِينَ أَوْ مَظْلُومِينَ؟ قَالَ: فَهِي تَشْكُو أَنَّكَ قَدْ أَجَعْتَهَا. قَالَ: فَأَرْسِلْ إِلَى مَنْزِلِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِيهِ خُبْزًا قَدْ يَبَّسَتْهُ فَصَدَقَتْ. قَالَتْ: أَمَّا خُبْزٌ فَعِنْدِي خُبْزٌ، وَلَكِنْ لا يَشْتَرِي لِي سَوِيقًا. قَالَ: انْظُرْ تَطْلُبُ مِنِّي السَّوِيقَ مَعَ الْخُبْزِ، وَقَدْ حَبَسَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعَطَاءَ وَمَنَعَ الْبَحْرَ، وَهِي طَالِقٌ ثَلاثًا أَلْبَتَّةَ، لَئِنْ عَاشِ أَبُو جَعْفَرٍ خَمْسَ سِنِينَ إِنْ لَمْ تَنْسَ صِنْعَةَ السَّوِيقِ، فَلا تُحْسِنُهُ. فَتُوُفِّيَ أَبُو جَعْفَرٍ لِثَلاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ حَلَفَ بِطَلاقِهَا، فَأَتَتْ بِهِ القَّاضِي: فَقَالَتْ: حَلَفَ بِطَلاقِي إِنْ مَاتَ أَبُوُ جَعْفَرٍ لَتَنْسِيِنَّ عَمَلَ السَّوِيقِ، فَلَمْ أَنْسَهُ. قَالَ: إِنَّمَا حَلَفْتُ إِنْ عَاشَ خَمْسَ سِنِينَ. قَالَ الْقَاضِي: تَرَانَا نَسِينَا عَمَلَ السَّوِيقَ فِي سَنَتَيْنِ. قَالَ: فَإِنِّي عَلَى هَذَا حَلَفْتُ. فَمَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنْسَوْنَ أَوْ لَعَلَّكُمْ تَمُوتُونَ. فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَلاقًا. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: مَاتَتْ أُخْتُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: فَشَهِدَهَا النَّاسُ، وَانْصَرَفُوا مَعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى بَابِهِ أَخَذَ بِحَلَقَةِ الْبَابِ، ثُمَّ قَالَ: " انْصَرِفُوا أَيُّهَا النَّاسُ مَأْجُورِينَ، أَدَّى اللَّهُ عَنْكُمْ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لا نُعَزَّى فِي أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: أُمٌّ لِوَاجِبِ حَقِّهَا، وَمَا فَرَضَ اللَّهُ مِنْ بِرِّهَا، وَامْرَأَةٌ لِلُطْفِ مَوْضِعِهَا، وَإِنَّهُ لا يَحِلُّ مَحَلَّهَا أَحَدٌ سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ هَانِئٍ، يَقُولُ: كَانَ فِي دِيوَانِ الرَّسَائِلِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنَ الْكُتَّابِ الشَّامِيِّينَ، فَلَمَّا وَلِيَ سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى، كَاتِبُ أُمِّ جَعْفَرٍ دِيوَانَ الرَّسَائِلَ أَتَاهُ جَارٌ لَهُ فِي ابْنٍ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ دِيوَانَ الرَّسَائِلِ لِيَتَعَلَّمَ، فَمَكَثَ وَحَفْصٌ يَخْتَلِفُ إِلَى الدِّيوَانِ، وَيَخْدِمُ أُولَئِكَ الشَّامِيِّينَ , وَيَخِفُّ لَهُ، وَيُمَثِّلُونَ لَهُ الْخَطَّ حَتَّى تَعَلَّمَ، وَحَرَّرَ، فَقَالَ عُمْرُ لِسَعْدَانَ: إِنَّ ابْنِي مَلازِمٌ لِلدِّيوَانِ، وَلَيسْ لَهُ رِزْقٌ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُصَيِّرَ لابْنِي رِزْقًا يَقْوَى بِهِ عَلَى الْخِدْمَةِ وَالْمُلازَمَةِ، وَيَنْفَعُنِي بِذَلكِ فَعَلْتَ، فَقَالَ لَهُ سَعْدَانُ: إِنَّمَا رِزْقُ هَذَا الدِّيوَانِ لِهَؤُلاءِ الأَرْبَعَةِ نَفَرٍ الْمُسَمَّيْنَ، وَلَسْتُ أَقْدِرُ أَنْ أُخْرِجَ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلا أَسْتَبْدِلَ بِهِ، وَلا أَنْقُصَهُ مِنْ رِزْقِهِ، وَلَكِنِّي أُكَلِّمُهُمْ، وَأَسْأَلُهُمْ أَنِ يَجْعَلُوا لَكَ مِنْ أَرْزَاقِهِمْ شَيْئًا. فَكَلَّمَهُمْ، وَقَالَ: هَذَا الْغُلامُ ابْنُ صَدِيقٍ لِي، وَقَدْ خَدَمَكُمْ، وَخَفَّ لَكُمْ فَأُحِبُّ أنْ يَهَبَ لَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِنْ رِزْقِهِ شَيْئًا.

стр. 129

فَوَهَبَ لَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقِهِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَدَفَعَ إِلَيْهِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي دَفَعَ إِلَيْهِمْ أَرَزَاقَهُمْ، وَنَقَّصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَصَارَتْ رِزْقًا لِلْغُلامِ، فَقَالَ الشَّامِيُّونَ: إِنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ قَدْ سنَّهَا عَلَيْنَا سَعْدَانُ، وَانْتَقَصَ مِنْ أَرْزَاقِنَا شَيْئًا، وَصَارَ هَذَا الْغُلامُ كَأَحَدِنَا، وَلَسْنَا وَاللَّهِ نَرْضَى بِهَذا، فَأَجْمَعُوا عَلَى شِكَايَتِهِ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى. قَالُوا: يَكْتُبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رُقْعَةً، وَيُوَقِّعُ عَلَيْهَا بَاسْمِهِ وَيُصَيِّرُهَا تَحْتَ مُصَلَّى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَإِنَّهُ سَيَقْرَؤُهَا إِذَا خَرَجْنَا. فَكَتَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: ذَهَبَ الْكِتَابُ وَمَلَّهُ أَصْحَابُهُ ... وَبَكَى لِضَيْعَةِ أَمْرِهِ الدِّيوَانُ وَبِحَسْبِ دِيوَانِ الرَّسَائِلِ خِزْيَةً ... إِذْ صَارَ صَاحِبَ أَمْرِهِ سَعْدَانُ وكَتَبَ عَلَى رُقْعَتِهِ فُلانٌ الشَّامِيُّ. وَكَتَبَ آخَرُ رُقْعَةً فِيهَا: أَيُّهَا الْقَاتِلُ حِرْصًا ... نَفْسَهُ قَدْ مَاتَ مَوْتَا إِنْ سَعْدَانَ بْنَ يَحَيْى ... قَدْ بَنَى لِلْقَبْطِ بَيْتَا صَبَّ فِي قِنْدِيلِ سَعْدَانَ مَعَ التَّسِلِيمِ زَيْتَا وَقَنَادِيلُ بَنِيهِ ... قَبْلَ أَنْ تَحْفَى الْكُمَيْتَا وَكَتَبَ عَلَى الرُّقْعَةِ: فُلانٌ الشَّامِيُّ. وَكَتَبَ الثَّالِثُ رُقْعَةً فِيهَا: أَتَاهُ حَفْصٌ مَعَهُ رُقْعَةٌ ... أَصْلَحَكَ اللَّهُ وَأَبْقَاكَا إِنِّي غُلامٌ رِخْوَةٌ تَكْتِي ... أَطْوَعُ مِنْ يُسْرَاكَ يُمْنَاكَ وَفِيَّ تَخْنِيثٌ وَلَوْ قَدْ تَرَى ... تَحْتَ السَّرَوِايلَ لَأَرْضَاكَا فَسَمِّ لِي رِزْقًا وَلا تُجْفِنِي ... أَكْرَمَكَ اللَّهُ وَعَافَاكَا وَقَّعَ سَعْدَانُ عَلَى رَأْسِهَا ... يُجَابُ حَفْصُونُ إِلَى ذَاكَا وَكَتَبَ عَلَى الرُّقْعَةِ «فُلانٌ الشَّامِيُّ» . وَأُلْقِيَتْ تَحْتَ مُصَلَّى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَلَمَّا أَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ أَصَابُوا الرِّقَاعَ تَحْتَ مُصَلَّى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى فَأَوْصَلُوهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَهَا اسْتَضْحَكَ ثُمَّ دَعَا بِسَعْدَانَ، فَقَالَ: مَنْ عَرَّضَكَ لِهَؤُلاءِ الشَّامِيِّينَ، وَمَنْ حَفْصُونُ هَذَا؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ. فَقَالَ: أَخْرِجْ هَذَا إِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِثَلْمِ أَرْزَاقِ أَحَدٍ، فَطَرَدَ الْغُلامَ، وَاعْتَذَرَ إِلَى الشَّامِيِّينِ وَاصْطَلَحُوا ". ١٩٢ - حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ مَوْهُوبُ بْنُ رَشَيدٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ لَجَلِيسٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَدَهُ: أَبَا فُلانٍ أَيْنَ كُنْتَ؟ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ فُلانٍ أَطْلُبُ عَرَضًا مِنَ الأَعْرَاضِ. فَقَالَ لَهُ: «إِنْ لَمْ تَجَدْ مِنْ صُحْبَةِ الرِّجَالِ بُدًّا، فَعَلَيْكَ بِمَنْ إِنْ صَحِبْتَهُ زَانَكَ، وَإِنْ خَفَضْتَ لَهُ صَانَكَ، وَإِنْ وَعَدَكَ لَمْ يَحْرِمْكَ، وَلَمْ يَرْفُضْكَ، وَإِنْ رَأَى مِنْكَ حَسَنَةً عَدَّهَا، وَإِنْ رَأَى خَلَّةً سَدَّهَا، وَإِنْ سَكَتَّ عَنْهُ ابْتَدَأَكَ، وَإِنْ سَأَلْتَهُ أَعْطَاكَ» ١٩٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجُمَحِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَوْفَلُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَخْبِرْنَا عَنَّا وَعَنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ .

стр. 130

قَالَ عَلِيٌّ: «نَحْنُ أَصْبَحُ وَأَفْصَحُ وَأَسْمَحُ» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا بَقَّيْتَ لِلْقَوْمِ شَيْئًا، قَالَ: «بَلَى، هُمْ أَكْثَرُ وَأَمْكُرُ وَأَنْكَرُ» ١٩٤ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَذِرًا فِي الْحُرُوبِ، شَدِيدَ الرَّوَغَانِ مِنْ قِرْنِهِ، لا يَكَادُ أَحَدٌ يَتَمَكَنُ مِنْهُ، وَكَانَتْ دِرْعُهُ لا ظَهْرَ لَهَا فَقِيلَ لَهُ: أَلا تَخَافُ أَنْ تُؤْتَى مِنْ قِبلِ ظَهْرِكَ؟ فَيَقُولُ: إِذَا أَمْكَنْتُ عَدُوِّي مِنْ ظَهْرِي فَلا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ أَبْقَى عَلَيَّ " قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ لِبَنِيهِ: «يَا بَنِيَّ لا تُعَادُوا الرَّجُلَ، وِإِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّهُ لا يَضُرُّكُمْ، وَلا تَزْهَدُوا فِي صَدَاقَةِ أَحَدٍ، وَإِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْفَعُكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ مَتَى تَخَافُونَ عَدَاوَةَ الْعَدُوِّ، وَلا مَتَى تَرْجُونَ صَدَاقَةَ الصَّدِيقِ، وَلا يَعْتَذِرُ إِلَيْكُمْ أَحَدٌ إِلا قَبِلْتُمْ عُذْرَهُ مِنْهُ، وَإِنْ عَلَمْتُمْ أَنَّهُ كَاذِبٌ» . أَنْشَدَنِي الزُّبَيْرُ لِبَرْذَعِ بْنِ عَدِيٍّ، عَمِّ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ: بَطْحَانَ فَالسَّرَاةِ مِنْ ... صَفَنَةٍ لَعْسٌ كَأنَّهَا الأَرَامِ وَنَخِيلٌ كَأَنَّهَا دُهْمُ لَيْلٍ ... وَسَوامٌ يَحُمْنَ حَوْلَ الْخِيَامِ وَشَبَابٌ أُولُوا بَهَاءٍ وَشِيبٌ ... وَحُلُومٌ عَلَتْ حُلُومَ الأَنَامِ مَجْلِسٌ جُنِّبَ الْخِيَانَةَ وَالْغَدْرَ ... وَقِيلُ الْخِنَا وَفِعْلُ اللِّئَامِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْرِزُ بْنُ جَعْفَرٍ مَوْلى أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا كَانَ لِي سِرٌّ فَحَدَّثْتُهُ الْعِدَى ... وَضَاقَ بِهِ صَدْرِي فَلِلْنَاسِ أَعْذُرُ هُوَ السِّرُّ مَا اسْتَوْدَعْتُهُ وَكَتَمْتُهُ ... وَلَيْسَ بِسِرٍّ حِينَ يَفْشُو وِيَظْهَرُ قَالَ يَزِيدُ بْنُ مَوْهِبٍ الرَّمْلِيُّ: «إِنَّمَا بَقِيَ مِنَ الْعَيْشِ صَلاةٌ فِي جَمَاعَةٍ تُكْفَى سَهْوَهَا، وَتُرْزَقُ فَضْلَهَا، وَكَفَافٌ مِنِ رِزْقِ اللَّهِ لَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ تَبِعَةٌ، وَلا لأَحَدٍ عَلَيْكَ فِيهِ مِنَّةٌ، وَأَخٌ يُحْسِنُ الْعِشْرَةَ، إِذَا أَصَبْتَ ثَبَّتَكَ، وَإِنْ تَعَوَّجْتَ قَوَّمَكَ» . قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: تَرَى الْمَرْءَ يَبْكِي لِلَّذِي مَاتَ قَبْلَهُ ... وَمَوْتُ الَّذِي يَبْكِي عَلَيْهِ قَرِيبُ يُحِبُّ الْفَتَى الْمَالَ الْكَثِيرَ وَإِنَّمَا ... لِنَفْسِ الْفَتَى فِيمَا يَحُوزُ نَصِيبُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ، قَالا: " كَانَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي مُجُونِهِ نَادَمَ قِرْدًا، فَأَخَذَهُ يَوْمًا فَحَمَلَهُ عَلَى أَتَانٍ وَحْشِيَّةٍ وَشَدَّهُ عَلَيْهَا رِبَاطًا، ثُمَّ أَرْسَلَ الْخَيْلَ فِي إِثْرِهَا حَتَّى كَسَرَتْهَا فَمَاتَتِ الأَتَانِ. فَقَالَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: تَمَسَّكْ أَبَا قَيْسٍ بِفَضْلِ عِنَانِهَا ... فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِنْ هَلَكْتَ ضَمَانُ فَمَا فَعَلَ الشَّيْخُ الَّذِي سَبَقَتْ بِه ... جِيَادَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَتَانُ وِبِذَلِكَ سَبَّهُ أَبُو حَمْزَةَ فِي خُطْبَتِهِ حِينَ يَقُولُ: خَالَفَ الْقُرْآنَ، وَاتَّبَعَ الْكُهَّانَ، وَنَادَمَ الْقِرْدَ، وَفَعَلَ مَا يُشْبِهُهُ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ لَعَنَهُ اللَّهُ

стр. 131

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَوْفَلُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: " إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَيْقَظَنِي لِهَذَا الشَّأْنِ مُزَاحِمٌ، حَبَسْتُ رَجُلا، فَجَاوَزْتُ فِي حَبْسِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَنِي فِي إِطْلاقِهِ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِمُخْرِجِهِ حَتَّى أَبْلُغَ فِي الْحَيْطَةِ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِمَا مَرَّ بِهِ. قَالَ: فَقَالَ مُزَاحِمٌ: يَا عُمَرُ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِنِّي أُحَذِّرُكَ لِيلَةَ تَمَخَّضُ بِالْقِيَامَةِ، فِي صَبِيحَتِهَا تَقُومُ السَّاعَةُ، يَا عُمَرُ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أَنْسَى اسْمَكَ مِمَّا أَسْمَعُ. قَالَ الأَمِيرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ قَالَ ذَاكَ، فَكَأَنَّمَا كَشَفَ عَنْ وَجْهِي غِطَاءَهُ، فَذَكِّرُوا أَنْفُسَكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ٢٠٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّ ابْنَ غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيَّ ثُمَّ النَّجَّارِيَّ، قَدِمَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ مِنْ مِصْرَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَبِيبٍ الْفَزَارِيُّ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ عَيْنًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ بِهَا، فَأَمَّا الأَنْصَارِيُّ فَكَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَحَدَّثَهُ مَا رَأَى وَعَايَنَ مِنْ قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَهُ الْفَزَارِيُّ: أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّامِ، حَتَّى قَدِمَتِ الرَّسُلُ وَالْبُشْرَى مِنْ قِبَلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ تَتْرَى، يَتْبَعُ بَعْضَهَا بَعْضًا بِفَتْحِ مِصْرَ، وَقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى أَذِنَ مُعَاوِيَةُ بِقَتْلِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سُرُورَ قَوْمٍ قَطُّ أَظْهَرَ مِنْ سُرُورٍ رَأَيْتَهُ بِالشَّامِ حِينَ أَتَاهُمْ قَتْلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵇، حُزْنُنَا عَلَى قَتْلِهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِقَتْلِهِ، لا بِلْ يَزِيدُ أَضْعَافًا، وَحَزِنَ عَلَى قَتْلِهِ حُزْنًا شَدِيدًا، حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، وَتَبَيَّنَ فِيهِ، وَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَلا إِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتُتِحَتْ، أَلا وِإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أُصِيبَ ﵀، وَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُهُ، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِرُ القَّضَاءَ، وَيَعْمَلُ لِلْجَزَاءِ، وَيُبْغِضُ شَكْلَ الْفَاجِرِ، وَيُحِبُّ هَدْي الْمُؤْمِنِينَ. إِنِّي وَاللَّهِ لا أَلُومُ نَفْسِي فِي تَقْصِيرٍ، وَلا عَجْزٍ، إِنِّي بِمُقَاسَاةِ الْحَرْبِ لَجِدُّ خَبِيرٌ، وَإِنِّي لَأَتَقَدَّمُ فِي الأَمْرِ فَأَعْرِفُ وَجْهَ الْحَزْمِ، فَأَقُومُ فِيكُمْ بِالرَّأْيِ الْمُصِيبِ مُعْلِنًا، وَأُنَادِيكُمْ نِدَاءَ الْمُسْتَغِيثِ فَلا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلا، وَلا تُطِيعُونَ لِي أَمْرًا، حَتَّى تَصِيرَ بِيَ الأُمُورُ إِلَى عَوَاقبِ الْفَسَادِ، وَأَنْتُمْ لا تُدْرَكُ بِكُمُ الأَوْتَارُ، وَلا يُشْفَى بِكُمُ الْغِلُّ. دَعَوْتُكُمْ إِلَى غِيَاثِ إِخْوَتِكُمْ مُنْذُ بِضْعٍ وَخَمْسِينَ لَيْلَةً فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرْةَ الْجَمْلِ الأَشِرِ، وَتَثَاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ تَثَاقُلَ مَنْ لَيْسَ لَهُ نيَّةُ جِهَادِ الْعَدِوِّ، وَلا احْتِسَابِ الأَجْرِ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ ضَعِيفٌ ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] فَأُفٍّ لَكُمْ. ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ رَحْلَهُ "

стр. 132

أَنْشَدَنِي الزُّبَيْرُ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عُرْوَةَ: يَا هَالِكًا تَرَكَ الدُّمُوعَ كَأَنَّهَا ... وَشَلٌ تَغَلْغَلَ مِنْ مَعِينٍ مُهْمَلِ لَوْ كُنْتَ أَعْلَمُ أَنْ بَيْنَكَ عَاجِلٌ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَعْلَتُ مَا لَمْ أَفْعَلِ وَأَنْشَدَنِي الزُّبَيْرُ لِابْنِ الْخَيَّاطِ فِي مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵁: يَأْبَى الْجَوَابُ فَمَا يُكَلَّمُ هَيْبَةً ... وَالسَّائِلُونَ نَواكِسُ الأَذْقَانِ هَدْيُ النَّبِيِّ وَعَزُّ سُلْطَانِ التُّقَى ... وَهُوَ الْمَهِيبُ وَلَيْسَ ذَا سُلْطَانِ حَدَّثَنِي جَهْمُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِلَرَّبِيعِ بْنِ ضَبْعِ بْنِ وَهْبِ بْنِ بَغِيضِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ فَزَارَةَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَسَّأَ لِي فِي الأَجَلِ حَتَّى بِلَغْتُ أَنْ أَرَى رَبِيعًا وَقَالَ: وَقَامَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ حِينَ وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَنْشَدَهُ: ثَلاثُ مِئِينٍ مِنْ سِنِيَّ فَقَدْ مَضَتْ ... وَهَا أَنَذَا قَدْ أَرْتَجِي مَرَّ رَابِعِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا شَهِدْتَ يَا رَبِيعُ؟ قَالَ: شَهِدْتُ جَمْعَ جَدِّي عَدِيِّ بْنِ فَزَارَةَ لِلسُّودَانِ فِي أَمْرِ أَبْرَهَةَ الأَوَّلِ حِينَ أَرْسَلَتْ حِمْيَرُ تَسْتَصْرِخُ عَلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَدَوَّخَتِ السُّودَانُ أَرْضَ الْيَمَنِ، وَحَوَتْهُ إِلا مَنِ اعْتَصَمَ بِالْجِبَالِ مِنْ حِمْيَرَ فَسَارَ بِهِمْ، وَسَارَتْ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَأَفْنَاءُ خِنْدِفٍ، وَعَلَيْهِمْ قُصَيٌّ حِينَ هَبَطُوا جُدَّةَ. قَالَ: وَمِثْلُ مِنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ يَا رَبِيعُ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا أَسْرَعُ النَّاسِ وَثْبَةً عِنْدَ الدَّاعِي، وَأَضْبَطُهُمْ لِرَأْسِ فَرَسٍ، وَأَجْمَعُهُمْ لِسِلاحِي. وَأَنْشَدَ جَهْمٌ لِلرَّبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ: أَلا أَبْلِغْ بُنَيَّ بَنِي رَبِيعٍ ... فَأَشْرَارُ الْبَنِينَ لَهُمْ فِدَاءُ وَإِنِّي قَدْ كَبُرْتُ وَرَقَّ عَظْمِي ... فَلا يَغْرُرْكُمُ مِنِّي النِّسَاءُ وَإِنَّ كَنَائنِي لَنِسَاءُ صِدْقٍ ... وَمَا عَقَّ الْبَنُونَ وَلا أَسَاءُوا إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ فَأَدْفَئُونِي ... فَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ فَأَمَا حِينَ يَذْهَبُ كُلُّ قُرٍّ ... فَسِرْبَالٌ خَفِيفٌ أَوْ رِدَاءُ قَالَ جَهْمُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الْخَرِيفُ مَا بَيْنَ طُولِ النَّهَارِ إِلَى اسْتَوَائِهِ مَعَ اللَّيْلِ، وَيَلِيهِ الرَّبِيعُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ اسْتِوَائِهِمَا إِلَى قِصَرِ النَّهَارِ، وَيَلِيهِ الصَّيْفُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ قِصَرِ النَّهَارِ إِلَى اسْتَوَائِهِمَا، وَيَلِيهِ الْحَمِيمُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ اسْتَوَائِهِمَا إِلَى طُولِ النَّهَارِ ". حَدَّثَنِي جَهْمُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: " نَزَلَ عَقِيلُ بْنُ عُلَّفَةَ وَشَبِيبُ بْنُ الْبَرِصَاءِ وَأَرْطَاةُ بْنُ سُهَيَّةَ بِعَلْقَمَةَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي دَهْمَانَ بْنِ أَشْجَعَ، فَلَمْ يَقْرِهِمْ، فَقَالَ عَقِيلُ بْنُ عَلْقَمَةَ حِينَ رَحَلُوا: أَفِي سَالِفِ الأَيَّامِ أُمْ فِي حَدِيثِهَا ... تَعَوَّدَتْ أَلا تَقْرِيَ الضَّيْفَ عَلْقَمَا وَقَالَ: انْفذْْ يَا شَبِيبُ، فَقَالَ شَبِيبُ بْنُ الْبَرْصَاءِ: لَبِثْنَا طَلِيقًا ثُمَّ جَاءَ بِمُذْقَةٍ ... كَمَاءِ السِّلاءِ فِي مَائِلِ الشِّدْقِ أَضْجَمَا فَقَالَ أَرْطَاةُ: فَلَمَّا رَأَيْنَا أَنَّهُ عَاتِمُ الْقِرَى ... رَمَيْنَا بِهِنَّ اللَّيْلَ حَتَّى تَجَرَّمَا

стр. 133

حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فَضَالَةَ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: " رَأَى عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي النَّوْمِ امْرَأَةً ثَائِرَةَ الشَّعْرِ بَيْنَ أَضْعَافِ الْمَقَامِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَأَذِنَتْ زِينَةُ الْحَيَاةِ بِبَيْنٍ ... وَانْقِضَاءٍ مِنْ أَهْلِهَا وَفَنَاءِ فَأَوَّلَ النَّاسُ خَبَرَ ذَلِكَ مِنْ رُؤْيَا عَامِرٍ الدُّنْيَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ عِيسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ النَّصَارَى، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «مَنْ تَجِدُونَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ» ؟ قَالَ النَّصْرَانِيُّ: أَنْتَ. قَالَ: " فَأَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَيَّ، فَقَالَ: دَمِي فِي ثِيَابِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَعَلَتُ ذَلِكَ النَّصْرَانِيَّ مِنْ بَالِي، فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا، فَأَمَرْتُ غُلامِي أَنْ يَحْبِسَهُ عَلَيَّ، وَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِي، وَسَأَلْتُهُ عَمَّا يَكُونُ، وَقُلْتُ لَهُ: عُدَّ لِي خُلَفَاءَ بَنِي مَرْوَانَ وَاحِدًا وَاحِدًا. فَعَدَّ لِي خُلَفَاءَ بني مَرْوَانَ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَتَجَاوَزَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ ابْنُكَ ابْنُ الْحَارِثِيَّةِ، وَهُوَ الْيَوْمَ حَمْلٌ. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ، قَالَ: " لَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ دِمَشْقَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ أَلَبَّ مِنْهُ فِي حَدَاثَةِ سِنَّهِ. قَالَ أَهْلُ دِمَشْقَ: هَذَا غُلامٌ شَابٌّ وَلا عِلْمَ لَهُ بِالأُمُورِ. وَسَيَسْمَعُ مِنَّا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، عِنْدِي نَصِيحَةٌ. قَالَ لَهُ: لَيْتَ شِعْرِي مَا هَذِهِ النَّصِيحَةُ الَّتِي ابْتَدَأْتَنِي بِهَا مِنْ غَيْرِ يدٍ سَبَقَتْ مِنِّي إِلَيْكَ؟ ! . قَالَ: لِي جَارٌ عَاصٍ مُتَخَلِّفٌ عَنْ ثَغْرِهِ. فَقَالَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، وَلا أَكْرَمْتَ أَمِيرَكَ، وَلا حَفِظْتَ جِوَارِكَ، إِنْ شِئْتَ نَظَرْنَا فِيمَا تَقُولُ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَنْفَعْكَ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا عَاقَبْنَاكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَقَلْنَاكَ. قَالَ: أَقِلْنِي، أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ. قَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ لا يَصْحَبُكَ اللَّهُ، إِنِّي أَرَاكَ شَرَّ جِيلِ رَجُلٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ دِمَشْقَ، أَمَا أَعْظَمْتُمْ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا الْفَاسِقُ، إِنَّ السِّعَايَةَ أَحْسَبُ مِنْهُ سَجِيَّةً، وَلَوْلا أَنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْوَالِي أَنْ يُعَاتِبَ، كَانَ لِي فِي ذَلِكَ رَأْيٌ، فَلا يَأْتِنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ بِسِعَايَةٍ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الصَّادِقَ فِيهَا فَاسِقٌ، وَالْكَاذِبَ فِيهَا بَهَّاتٌ. فَحَدَّثْتُ بِهِذَا الْحَدِيثِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ، فَقَالَ: مَا أَشْبَهَ هَذَا الْكَلامَ بِكَلامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ! ! فَقُلْتُ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَالُهُ

стр. 134

٢١١ - حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ بمِكَّةَ، عَنِ ابْنٍ لأَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيّ، وَكَانَ وَصَّافًا عَنْ حِلْيَةِ النَّبِيِّ ﵌، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ تَصِفَ لِي مِنْهَا شَيَئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَطْولَ مِنَ الْمَرْبُوعِ، وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ، رَجِلَ الشَّعْرِ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَ، وِإِلا فَلا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ، وَاسِعَ الْجَبِينِ، أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ، سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرْنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، ضَلِيعَ الْفَمِ، أَشْنَبَ، مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ، دَقِيقَ الْمَسْرَبَةِ، كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ، مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، بَادِنًا مُتَمَاسِكًا، سَواءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، عَرِيضَ الصَّدْرِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِينِ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ، مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللُّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ، عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، أَشْعَرَ الذِّارَعيَنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ، وَأَعَالِي الصَّدْرِ، طَويلَ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبَ الرَّاحَةِ، سَبْطَ الْقَصَبِ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَسَائِرِ الأَطْرَافِ، خُمْصَانَ الأَخْمَصَيْنِ، مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ، يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ، إِذَا زَالَ زَالَ قُلْعًا، يَخْطُو تَكَفُّؤًا وَيَمْشِي هَوْنًا، ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ كَأَنَّمِا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفْتَ جَمْعًا، خَافِضَ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلاحَظَةُ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ، يَبْدُرُ مِنْ لَقِيَهُ بِالسَّلامِ» . قُلْتُ: صِفْ لِي مَنْطِقَهُ. قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مُتَواصِلَ الأَحْزَانِ، دَائِمَ الْفِكْرَةِ، لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ، لا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، طَوِيلَ السَّكْتِ، يَفْتَحُ الْكَلامَ وَيَخْتَتِمُهُ بِأَشْدَاقٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعَ الْكَلِمِ، فَصْلا، لا فُضُولَ، وَلا تَقْصِيرَ، دَمِثًا، لَيْسَ بِالْجَافِي، وَلا الْمُهِينِ، يُعَظِّمُ الْمِنَّةَ، وَإِنْ دَقَّتْ، لا يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئًا، وَلا يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلا يَمْدَحُهُ، لا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا، فَإِذَا تُعُوطِيَ الْحَقَّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَلا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، وَلا يَنْتَصِرُ لَهَا، إِذَا أَشَارَ بِكَفِّهِ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَاطِنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ» .

стр. 135

قَالَ: فَكَتَمْتُهَا الْحَسَنَ زَمَانًا، ثُمَّ حدَّثْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ، وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَخْرَجِهِ وَشَكْلِهِ، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ الْحَسَنُ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، " دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلاثَةَ أْجَزَاءٍ: جُزْءًا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَجُزْءًا لأَهْلِهِ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جُزْءًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ، وَلا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا. وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ، وَقَسْمِهِ عَلَى قَدَرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ، فَمِنْهمْ ذُو الْحَاجَةِ , وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ، وَيُشْغِلُهُمْ فِيمَا أَصْلَحَهُمْ، وَالأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ، وَيَقُولُ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغَ حَاجَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغِهَا إِيَّاهُ، ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلا ذَلِكَ، وَلا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ، يَدْخُلُونَ رُوَّادًا، وَلا يَفْتَرِقُونَ إِلا عَنْ ذَوَاقٍ، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً ". قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ " يُخَزِّنُ لِسَانَهُ إِلا مِمَّا يُعِينُهُمْ، وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلا يُفَرِّقُهُمْ. أَوْ قَالَ: يُنَفِّرُهُمْ، وَيُكَرِّمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ، وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ، وَيُحَذِّرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ بِشَرِّهِ وَلا خُلُقِهِ، يَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ، وَيَسْأَلُ عَمَّا فِي النَّاسِ، فَيُحَسِّنَ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيَهِ، وَيُقَبِّحَ الْقَبِيحَ وَيُوهِنُهُ، مُعْتَدِلَ الأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، لا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمِيلُوا، لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٍ، لا يَقْصُرُ عَنِ الْحَقِّ، وَلا يَجُوزُهُ، الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خَيَارُهُمْ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وُمُؤَازَرَةً ". قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «لا يَجْلِسُ، وَلا يَقُومُ إِلا عَلَى ذِكْرٍ، وَلا يُوطِنُ الأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيِطَانِهَا، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حِيثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ، وَيُعْطِي كُلا مِنْ جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ، فَلا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ. مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ فِي حَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفُ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلا بِهَا، أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَقَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ فَصَارَ لَهُمْ أَبًا، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَواءً. مَجْلِسُهُ مِجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ، لا تُرْفَعُ عِنْدَهُ الأَصْوَاتُ، وَلا تُؤَبْنُ فِيهِ الْحُرَمُ، وَلا تُثْنَى فَلَتَاتُهُ.

стр. 136

تَرَى جُلُسَاءَهُ مُتَعَادِلِينَ، يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى، مُتَوَاضِعِينَ، يُوقِّرُونَ الْكَبِيرَ، وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ، وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ» . قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ سِيرَتُهُ فِي جُلَسَائِهِ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ " دَائِمَ السُّرُورِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ، وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ وَلا عَيَّابٍ وَلا مَدَّاحٍ. يَتَغَافَلُ عَمَّا لا يَشْتَهِي، وَلا يُؤْيَسُ مِنْهُ، وَلا يُجِيبُ فِيهِ. قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ: الْمِرَاءِ، وَالْإِكْثَارِ، وَمَا لا يَعْنِيهِ، وَتَرْكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ: كَانَ لا يَذُمُّ أَحَدًا وَلا يُعَيِّرُهُ، وَلا يَطْلُبُ عَثْرَتَهُ، وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، إِذَا تَكَلَّمَ أَطرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، وَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا. وَلا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ، مَنْ تَكَلَّمَ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِيَّتِهِمْ. يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونُ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ، وَيَقُولُ: إِذَا رِأَيْتُمْ طَالَبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ. وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ، وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَهُ فَيَقْطَعَهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ؟ قَالَ: كَانَ سُكُوتُ النَّبِيِّ ﵌ " عَلَى أَرْبَعٍ: الْحِلْمِ، وْالْحَذَرِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَالتَّفْكِيرِ. فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَتِهِ الْنَظَرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَاسْتِمَاعِهِ مِنْهُمْ. وَأَمَّا تَفْكِيرُهُ، فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى، وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ فِي الصَّبْرِ، فَكَانَ لا يَعْصِيهِ شَيْءٌ وَلا يَسْتَقِرُّهُ، وَجُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعٍ: أَخْذِهِ بِالْحُسْنَى لِيُقْتَدَى بِهِ، وَتَرْكِهِ الْقَبِيحَ ليُنْتَهَى عَنْهُ، وَاجْتَهَادِهِ الرَّأْيَ فِيمَا أَصْلَحَ أُمَّتَهُ، وَالْقِيَامَ فِيمَا جَمَعَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ: قَوْلُهُ: «كَانَ فَخْمًا مُفَخَّمًا» قَالَ: الْفَخَامَةُ فِي الْوَجْهِ وَهُوَ نُبْلُهُ وَامْتِلاؤُهُ مَعَ الْجَمَالِ وَالْمَهَابَةِ. وَالْمَرْبُوعُ مِنَ الرِّجَالِ: الَّذِي بَيْنَ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَالْمُشَذَّبُ: الْمُفْرِطُ فِي الطُّولِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ جَرِيرٌ: أَلْوَى بِهَا شَذْبُ الْعُرُوقِ مُشُذَّبٌ ... فَكَأَنَّمَا وُكِنَتْ عَلَى طِرْبَالِ وَقَوْلُهُ «رَجِلَ الشَّعْرِ» : فَالرَّجِلُ الَّذِي لَيْسَ بِالسَّبْطِ الَّذِي لا تَكَسُّرَ فِيهِ، وَالْقَطَطُ: الشَّدِيدَةُ الْجُعُودَةِ، يَقُولُ: فَهُوَ جَعْدٌ بَيْنَ هَذَيْنِ، وَالْعَقِيقَةُ: الشَّعْرُ الْمَعْقُوصُ، وَهُوَ نَحْوٌ مِنَ الْمَضْفُورِ، وَمِنْهُ قَوَلُ عُمَرَ: مَنْ لَبَّدَ أَوْ عَقَصَ أَوْ ضَفَّرَ فَعَلَيْهِ الْحَلْقُ. وَقَوْلُهُ «أَزَجَّ الْحَاجِبَيْنِ» : سَوَابِغَ، الزَّجَجُ فِي الْحَوَاجِبِ أَنِ يَكُونَ تَقَوُّسٌ مَعَ طُولٍ فِي أَطْرَافِهَا، وَهُوَ النُّبُوغُ فِيهَا، قَالَ جَمِيلٌ: إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والْعِيُونَا وَقَوْلُهُ: «فِي غَيْرِ قَرَنٍ» : الْقَرَنُ، الْتَقِاءُ الْحَاجِبَيْنِ حَتَّى يَتَّصِلا.

стр. 137

يَقُولُ: فَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فُرِجَةً. يُقَالُ لِلْرَجُلِ إِذِا كَانَ أَبْلَجَ، وَالْعَرَبُ تَسْتَحِبُّ دَرَّ الْعَرَقِ الَّذِي بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ. وَدُرُورُهُ: غَلِظُهُ. نُتُوءُهُ: امْتِلاؤُهُ. وَقَوْلُهُ: «أَقْنَى الْعِرْنِينِ» يَعْنِي الأَنْفَ، وَالْقَنَا أَنْ تَكُونَ فِيهِ دِقَّةٌ مَعَ ارْتِفَاعٍ فِي قَصَبَتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ أَقْنَى وَامْرَأَةٌ قَنْوَاءُ، وَالأَشَمُّ: أَنْ يَكُونَ الأَنْفُ دَقِيقًا لا قِنَا فِيهِ، وَقَوْلُهُ: «كَثَّ اللِّحْيَةِ» الْكُثُوثَةُ أَنْ تَكُونَ اللِّحْيَةُ غَيْرَ دَقِيقَةٍ، وَلا طَوِيلَةٍ، وَلَكِنْ فِيهَا كَثَاثَةٌ مِنْ غَيْرِ عِظَمٍ وَلا طُولٍ. وَقَوْلُهُ: «أَشْنَبَ» هُوَ الَّذِي فِي أَسْنَانَهِ رِقَّةٌ وَتَحَدُّدٌ، وَالْمُفَلَّجُ: هُوَ الَّذِي فِي أَسْنَانِهِ تَفَرُّقٌ، وَالْمَسْرَبَةُ: الشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَ اللَّبَّةُ إِلَى السُّرَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى شَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ، وَقَوْلُهُ: «جِيدُ دُمْيَةٍ» الْجِيدُ: الْعُنُقُ، وَالدُّمْيَةُ: الصُّورَةُ، وَقَوْلُهُ، «ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ» : الْكَرَادِيسُ: الْعِظَامُ، أَيْ أَنَّهُ عَظِيمُ الأَلْوَاحِ، وَقَوْلُهُ: «شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ» : يُرِيدُ أَنْ فِيهِمَا بَعْضُ الْغِلْظِ. وَالأَخْمَصُ مِنَ الْقَدَمِ فِي بَاطِنِهَا مَا بَيْنَ صَدْرِهَا وَعَقِبِهَا، وَهُوَ الَّذِي لا يَلْصَقُ بِالأَرْضِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ فِي الْوَطْءِ. وَقَوْلُهُ: «خُمْصَانَ» : يَعْنِي أَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ قَدَمِهِ فِيهِ تَجَافٍ عَنِ الأَرْضِ وَارْتِفَاعٌ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ خُمُوصَةِ الْبَطَنِ، وَهُوَ ضُمْرُهَا، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ خُمْصَانُ، وَامْرَأَةٌ خُمْصَانَةُ، وَقَوْلُهُ «مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ» : يَعْنِي أَنَّهُمَا مَلْسَاوَانِ لَيْسَ فِي ظُهُورِهِمَا تَكَسُّرٌ وَلا عُرُوقٌ، وَلِهَذَا قَالَ: «يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ» يَعْنِي أَنَّهُ لا ثَبَاتَ لِلْمَاءِ عَلَيْهِمَا. وَقَوْلُهُ: إِذَا تَخَطَّا تَكَفَّأَ: يَعْنِي التَّمَايُلَ، أَخَذَهُ مِنْ تَكَفِّي السُّفُنِ، وَقَوْلُهُ: «ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ» : يَقُولُ هُوَ وَاسِعُ الْخُطَا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ. أَرَاهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ. غَاضٌّ بَصَرَهُ: لا يَرْفَعُهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْمُنْحَطُّ: ثُمَّ فَسَّرَهُ، فَقَالَ: «خَافِضَ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ» ، وَقَوْلُهُ: «إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا» : يُرِيدُ أَنَّهُ لا يَلْوِي عُنُقَهُ دُونَ جَسَدِهِ، فَإِنَّ فِي هَذَا بَعْضُ الْخِفَّةِ والطَّيْشِ، وَقَوْلُهُ: «دَمْثًا» : هُوَ اللَّيِّنُ السَّهْلُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّمْلِ دَمْثٌ وَمِنْهُ حَدِيثُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَمَالَ إِلَى دَمْثٍ، وَقَوْلُهُ: «إِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ» ، الْإِشَاحَةُ: الْجَدُّ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَذَرَ، وَقَوْلُهُ: «وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ» : الِافْتِرَارُ يَكُونُ أَنْ يُكَشِّرَ الأَسْنَانَ ضَاحِكًا مِنْ غَيْرِ قَهْقَهَةٍ، وَحَبُّ الْغَمَامُ: أَرَادَ الْبَرَدُ، شَبَّهَ بَيَاضَ أَسْنَانِهِ بِهِ. وَقَوْلُهُ: «يَدْخُلُونَ رُوَّادًا» ، الرُّوَادُ: الطَّالِبُونَ وَاحِدُهُمْ رَائِدٌ.

стр. 138

وَمِنْهُ قَوْلُهُ: الرَّائِدُ لا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَقَوْلُهُ: «لِكُلِّ حَالٍ عِنْدهُ عَتَادٌ» : يَعْنِي عُدَّةً قَدْ أُعِدَّ لَهُ، «لا يُوطِنُ الأَمَاكِنَ» : لا يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ مَوْضِعًا يُعْرَفُ، إِنَّمَا يَجْلِسُ حَيْثُ يُمْكِنُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ حَاجَتُهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ، فَقَالَ: «يَجْلِسُ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ» ، وَقَوْلُهُ: لا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ: الْفَلَتَاتُ السَّقَطَاتُ، يُقَالُ مِنْهُ: نَثَوْتُ أَنْثُو، وَالِاسْمِ مِنْهُ النَّثَا. ٢١٢ - حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ ، سُئِلَ عَنِ الْخَطِّ، فَقَالَ: «عِلْمٌ أُوتِيَهُ نَبِيٌّ، فَمَنْ وَافَقَ عِلْمُهُ عِلْمَ ذَلِكَ النَّبِيِّ فَقَدْ عَلِمَ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ» حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ، قَالَ: خُصَّتِ الْعَرَبُ بِخِصَالٍ: بِالْكَهَانَةِ وَالْقِيَافَةِ وَالْعِيَافَةِ وَالنُّجُومِ وِالْحِسَابِ، فَهَدَمَ الْإِسْلامُ الْكَهَانَةَ وَثَبَّتَ الْبَاقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ٢١٤ - حُدِّثْتُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسِّيبِ، قَالَ: «» اشْتَرَكَ ثَلاثَةٌ فِي ظَهْرِ امْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ، فَجَاءَتْ بِغُلامٍ، فَتَنَازَعَهُ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ يَدَّعِيهِ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثَلاثَةً مِنَ الْقَافَةِ، وَكَانَ عُمَرُ قَائِفًا، فَأَمَرَ الصَّبِيَّ فَوَضِعَ قُدَّمَهُ عَلَى صَعِيدٍ أَوْ رَمَادٍ، وَوَطِئَ الْقَوْمُ ذَلِكَ الصَّعِيدَ، ثُمَّ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَافَةِ: انْظُرْ. فَيَنْظُرْ فَيَقُولُ: قَدْ أَخَذَ الشَّبَهُ مِنْهُمْ جَمِيعًا فَمَا أَدْرِي لِأَيِّهِمْ هُوَ، فَنَظَرَ عُمَرُ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ ذَلِكَ سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ كَانَتِ الْكَلْبَةُ يَنْزُو عَلَيْهَا الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَالأَبْلَقُ وَالأَنْمَرُ، فَتُؤَدِّي إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُشَابَهَةً، وَلَمْ أَدْرِ أَنْ هَذَا الأَمْرَ فِي النَّاسِ، فَجَعَلَهُ عُمَرُ لَهُمْ، يَرِثُهُمْ وَيَرِثُونَهُ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمْ «» ٢١٥ - حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، بِإِسْنَادٍ، قَالَ: قَدِمَ قَادِمٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ عِنْدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇، " فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْخَبَرِ، فَقَالَ: نُخْبِرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ ثَلاثَةَ نَفَرٍ تَقَدَّمُوا إِلَيْهِ، وَقَدِ اشْتَرَكُوا فِي ظَهْرِ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ، وَقَدْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَكُلُّهُمْ يَدَّعِيهِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَلْحَقَهُ بِهِ، وَأَغْرَمَ الْآخَرَيْنِ ثُلُثِي الدِّيَةِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَمَا أَنْكَرَ ذلك مِنْ فِعْلِ عَلِيٍّ ﵇ " حَدَّثَنِي عَلَيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: " وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ ابْنٌ أَسْوَدٌ، فَنَفَاهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَافَةِ، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَقَالَ أَبُو الْغُلامِ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: إِنَّ فِي نَفْسِي مِنْ هَذَا الْغُلامِ شَيْئًا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ فُلانًا الْقَائِفَ، فَأَسْأَلَهُ.

стр. 139

قَالَ: فَهُوَ وَاللَّهِ مِنْكَ قَرِيبٌ، أَنَا آتِيكَ بِهِ، فَآتَاهُ بِهِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هُوَ ابْنُكَ. قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَلا أَعْلَمُهُ. وَلَدِي أَسْوَدُ؟ ! قَالَ: فَهُوَ ابْنُكَ، فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثُهُ، إِذْ خَرَجَ أَسْوَدُ مِنَ الدَّارِ، فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ أَبُوكَ، فَدَخَلَ إِلَى أُمِّهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ إِلا عُقُوبَةٌ بِنَفْيِكَ ابْنِكَ، أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ عَلَيَّ وَقْعَةً وَهُوَ شَابٌّ رَأَيْتُهُ فَأَعْجَبَنِي فَعَلِقْتُ بِكَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلْمٍ: قَالَ: قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْقَافَةِ: كَيْفَ أَنْتُمْ فِي الأَقْدَامِ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَيْسَرُ الأَشْيَاءِ عَلَيْنَا، إِنَّ السُّرَّاقَ لَيَجُرُّونَ الأَكْيِسَةَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ لِيُخْفُوا آثَارَهُمْ فَنَعْرِفَهُمْ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ: " شَرَدَتْ لَنَا إِبِلٌ فَأَتَيْتُ حَلْبَسًا الأَسَدِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ لِبُنَيَّةٍ لَهُ: خُطِّي. فَخَطَّتْ وَنَظَرَتْ، ثُمَّ تَقَبَّضَتْ وَقَامَتْ، وَنَظَرَ حَلْبَسٌ فَضَحِكَ، فَقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ قَامَتْ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: رَأَتْ أَنَّكَ تَجِدُ إِبِلَكَ، وَأَنَّكَ تَتَزَوَّجُهَا، فَاسْتَحْيَتَ فَقَامَتْ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَأَصَبْتُ إِبِلِي، ثُمَّ تَزَوَّجْتُهَا بَعْدُ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَائِدٍ، قَالَ: قَالَ شُرَيْحُ بْنُ الأَقْعَسِ الْعَنْبَرِيُّ: " عَزَبَتْ لِي إِبِلٌ وَأَتَيْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَقُلْتُ: انْظُرْ لِي. قَالَ: فَخَطَّطَ خُطُوطًا، فَقَالَ: تُصِيبُ إِبَلَكَ بِكُنَاسَةِ الْكُوفَةِ. فَقُلْتُ: بَيِّنْ. قَالَ: وَتَذْهَبُ عَيْنُكَ. قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: وَتُزَوَّجُ امْرَأَةً أَشْرَفَ مِنْكَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ وَمَا شَيْءٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصُيبَ إِبِلِي، لِيَكْذِبَ فِيمَا قَالَ. فَأَتَيْتُ الْكُنَاسَةَ، فَأَصَبْتُ إِبِلِي، وَخَرَجْتُ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، فَذَهَبَتْ عَيْنِي، وَحَجَجْتُ مَعَ ابْنَةِ قَيْسِ بْنِ الْخَشْخَاشِ الْعَنْبَرِيِّ. فَقَالَتْ لِي مَوْلاةٌ لَهَا فِي الطَّرِيقِ: هَلْ لَكَ أَنْ تَزَوَّجَ مَوْلاتِي؟ قُلْتُ: وَدِدْتُ. قَالَتْ: فَاخْطُبْهَا إِذَا قَدِمْتَ. فَفَعَلْتُ، فَأَبُوا ذَلِكَ، لَمْ أَزَلْ حَتَّى زَوَّجُونِيهَا حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ: لَقِيَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَأنَا لا أَعْرِفُهُ، وَلا يَعْرِفُنِي، فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: عَرَفْتُكَ بِشَبَهِ عَمِّكَ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ. قَالَ: قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، وَأَيْنَ أَنَا مِنْ عَمِّي، وَعَمِّي رَجُلٌ ضَخْمٌ أَمْعَزُ، وَأَنَا آدَمُ نَحِيفُ الْجَسْمِ؟ . قَالَ: فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: لَيْسَ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ: " أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَمَّا كُنَّا بِالثَّعْلَبِيَّةِ أَتَى رَجُلٌ مِنَّا حَلْبَسًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَخَطَّ لَهُ وَنَظَرَ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكَ لا تَدْخُلُ الْكُوفَةَ حَتَّى تُصِيبَ مَالا. فَلَمَّا صِرْنَا بالنَّجَفِ، تَلَقَّاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ: أَنْ أَخَاهُ مَاتَ فَوَرَّثَهُ مَالا كَثِيرًا، وَرَوَاهُ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ أَبِي الْيَقظَانِ: تُصِيبُ مَالا مِعَ مُصِيبَةٍ

стр. 140

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَسْلَمْةَ بْنِ مُحَارِبٍ، قَالَ: " خَرَجَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَمَالِكُ بْنُ خِدَاشٍ الْخُزَاعِيُّ، غَازِيَيْنِ، فَمَرَّا بِامْرَأَةٍ وَعَلَيْهَا جَمَاعَةٌ، وَهِي تَخُطُّ لَهُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَضَحِكَ مُسْتَهْزِئًا بِهَا، فَقَالَتْ: أَيُّهَا الضَّاحِكُ، أَمَا وَاللَّهِ لا تَخْرُجُ مِنْ سِجِسْتَانَ حَتَّى تَمُوتَ، فَيَتَزَوَّجُ هَذَا الرَّجُلُ امْرَأَتَكَ، وَأَشَارَتْ إِلَى عُمَرَ، فَمَاتَ بِسِجِسْتَانَ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ عُمَرُ، وَهِي رَمْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ شَيخٌ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: " مَرَّ زَيْدُ بْنُ الأَخْنَسِ بِرَجُلٍ يَضْرِبُ امْرَأَةٌ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَقَالَتْ أُمُّ الرَّجُلِ: إِنَّهَا أَتَتْهُ بِأَسْوَدَ ثُمَّ أَسْوَدَ، وَلَمْ يَكُ فِي جِنْسِهِ أَسْوَدُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى ابْنِهَا، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ: لا تَضْرِبِ الْمَرْأَةَ، إِنَّمَا أُتِيتَ مِنْ قِبَلِ أُمِّكَ، أَبُوكَ عَبْدُكَ الَّذِي يَرْعَى عَلَيْكَ، ثُمَّ مَضَى. قَالَ: فَسَأَلَ أُمَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَقَرَّتْ لَهُ أَنَّهُ أَبُوهُ وَمَرَّ زَيْدُ بْنُ الأَخْنَسِ وَافِدًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَرَأَى صَبِيَّةً عَلَى مَاءٍ مِنَ الْمِيَاهِ، فَقَالَ: بِنْتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا بُنَيَّةٌ لَكَ؟ ، مَرَرْتُ بِمَاءِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا هِيَ بِهِ؟ فَسَأَلَ عَنْهَا، فُوُجِدتَ مِنْ أَمَةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ قَدْ وَطِئَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ لِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ. عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، قَالَ: " أَتَى قَاضٍ مِنْ قُضَاتِنَا بِصَبِيٍّ قَدْ شَكَّ فِيهِ أَبُوهُ، فَدَعَا لَهُ الْقَافَةَ، فَقَالُوا: شَرِكَ فِيهِ بَرْبَرِيٌّ، فَسَأَلُوا أُمَّهُ، فَقَالَتْ: اشْتَرَانِي الْبَرْبَرِيُّ، ثُمَّ وَقَعَ بِي، ثُمَّ اشْتَرَانِي هَذَا، فَوَقَعَ بِي. فَقَالَ الْقَاضِي: لَوْ كُنْتُمَا اجْتَمَعْتُمَا لَأَلْحَقْتُهُ بِكُمَا، فَأَمَّا إِذَا كُنْتَ وَحْدَكَ فَقَدْ أَلْحَقْتُهُ بِكَ ". وَحَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: " حَجَجْتُ، فَصَحِبَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لِيَ ابْنٌ أَشُكُّ فِيهِ، فَبَعَثَ إِلَى مُلَأهِ، فَلَمْ يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ إِلا أَثَرَ فِيهَا أَثْرَةً وَأَثَرَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا النُّسُكَ بَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَنَظَرَ، فَقَالَ: هَذَا أَثَرُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَهَذَا أَبُوهُ، وَهَذِهِ أُمُّهُ، وَهَذَا أَخُوهُ حَتَّى أَلْحَقَهُ بِقَرَابَتِهِ مِنْ أَبِيهِ وَأَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ سَمِعْتُ الْمَدَائِنِيُّ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ وَلَّى الْحَسَنَ بْنَ زَيْدٍ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِ فَعَزَلَهُ وَبِيعَتْ أَمُوَالُهُ، فَاشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَمَةً لَهُ، فَلَمَّا أَرَادَهَا، قَالَتْ: إِنَّ ابْنَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ قَدْ وَقَعَ بِي، وَبِي حَمْلٌ، فَكَفَّ عَنْهَا، فَوَضَعَتْ غُلامًا، فَخَرَجَ بِهِ إِلَى وَلَدِ الْحَسَنِ، فَخَرَجُوا جَمِيعًا، فَأَتَوْا وَالِيَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ إِلَى شَيْخٍ مِنَ الْقَافَةِ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الْغُلامَ لَهُ نَسَبٌ يُلْحِقُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ تَنْفِيهِ مِنْهُ.

стр. 141

قَالَ: فَخَرَجَ الشَّيْخُ يِتَخَطَّى النَّاسَ وَيُفَرِّقُ، فَأَخَذَ بِيَدِ الْغُلامِ، فَقَالَ: هَذَا عَمُّهُ فَصِيحَ بِهِ فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أَتَى آخَرَ، قَالَ: هَذَا عَمُّهُ. فَصِيحَ بِهِ فَتَرَكَهُ، حَتَّى عَدَّدَ وَلَدَ الْحَسَنِ غَيْرَ أَبِيهِ، وَأَرَاهُ مُتَّكِئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا أَبُو الْغُلامُ فَأُلْحِقَ بِهِ ٢٢٨ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ، قَالَ: " دَخَلَ ابْنُ السَّمَّاكِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، حِينَ وَلِيَ الْخِلافَةَ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا ابْنَ السَّمَّاكِ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَزَلْ يَذْكُرُكُ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ وَلِيُّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَحَبَّ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ قَرِيبًا، لِمَا بَلَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ صَلاحِكَ فِي نَفْسِكَ، وَحُسْنِ ذِكْرِكَ. فَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: أَمَّا مَا ذَكَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ صَلاحِنَا فِي أَنْفُسِنِا، فَذَلِكَ سِتْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ يَطَّلِعُ النَّاسُ مِنَّا عَلَى ذَنْبٍ وَاحِدٍ، مَا ثَبَتَ لَنَا قَلْبٌ عَلَى مَوَدَّةٍ، وَلا لِسَانٌ عَلَى مَدْحَةِ، وَقَدْ خِفْتُ مِنَ السَّتْرِ الْفِتْنَةَ، وَمِنَ الْمَدْحِ الْغِرَّةَ، فَأَنَا خَائِفٌ أَنْ أَهْلَكَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ أَعْطَبَ مَنْ قِلَّةِ الشُّكْرِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ سَكَتَ ابْنُ السَّمَّاكِ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: تَكَلَّمْ يَا ابْنَ السَّمَّاكِ. قَالَ: وَقَدْ هَيَّأْتُ لَهُ كَلامًا كَانَ عِنْدِي مَصُونًا، فَذَهَبَ وَاللَّهِ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يَرْضَ لِخِلافَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، غَيْرَكَ فَلا تَرْضَ لِلَّهِ إِلا بِطَاعَتِكه، وَبِمَا يُرْضِيهِ عَنْكَ، فَإِنَّكَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَأَحَقُ النَّاسِ بِذَلِكَ. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ عَمِلَ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ فِي أَيَّامِ مَهْلِهِ مِنْ قَبْلِ حُضُورِ أَجَلِهِ كَانَ خَلِيقًا أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ أَذَاقَتْهُ الدُّنْيَا حَلاوَتَهَا بِرُكُونٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، أَذَاقَتْهُ الْآخِرَةُ مَرَارَتَهَا بِتَجَافِيهِ عَنْهَا، وَمَا اسْتَوَى الطَّعْمَانِ فِي عُذُوبَتِهِمَا، وَمَرَارَتِهِمَا. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُنْشِدُكَ اللَّهَ، أَنْ تُقْدِمَ غدًا عَلَى جَنَّةٍ، عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، لَيْسَ لَكَ فِيهَا نَصِيبٌ. إِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ دُعِيتَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَنُدِبْتَ إِلَيْهَا فَلا تُقَصِّرَنَّ بِنَفْسِكَ فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ الْحُجَّةَ لَكَ أَلْزَمُ وَهِيَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ.

стр. 142

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَوَاضَعْ لِلَّهِ، فَإِنِهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، خَرَجَ وَهُوَ يُرِيدُ قُبَاءً فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا مَعَهُ إِنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ قَدْ خَاضَ فِيهِ عَسَلا فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَذَوَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، قَالَ: «طَعْامَانِ وَشَرَابَانِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، لا حَاجَةَ لِي بِهِ، وَإِنْ كُنْتُ لا أُحُرِّمُهُ، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي اللَّهُ مُتَوَاضِعًا، فَإِنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ» . يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَوْ لَبِسْتَ الْغَلِيظَ لَكَانَ أَحْسَنَ عَلَيْكَ مِنَ الدَّقِيقِ، دَعْ مَوَالِيَكَ فَلْيَجُرُّوا الْخُزُوزَ وَالْبُزُوزَ، وَكُنْ عَلَى التَّوَاضُعِ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا. وَاللَّهِ إِنَّ أَكْبَادًا بَاتَتْ تَخْفِقُ جُوعًا أَشْبَعْتَهَا وَأَرْوَيْتَهَا، إِنَّ ذَلِكَ لَسَرِيعٌ فِي الْخَبَرِ، هُمْ رَعِيَّتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، فَأَلِنْ عِطْفَكَ، وَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَاكْسُ الْعُرَاةَ، وَأَشْبِعِ الْبُطُونَ، فَإِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا تَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُقْبَرُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، وَتُحَاسَبُ وَحْدَكَ، وَاذْكُرِ الْمَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ، وَالْوُقُوفَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإِنَّكَ لا تُقْدِمُ إِلا عَلَى نَادِمٍ مَشْغُولٍ، وَلا تُخَلِّفُ إِلا جَاهِلا مَغْرُورًا، وَإِنَّا وَإِيَّاكَ فِي دَارِ سَفَرٍ، وَحِيرَانِ ظَعْنٍ، وَقَدْ أُبْلِغَ الرِّيقُ وَأُرْخِيَ الْخِنَاقُ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فِيمَا مَضَى مِنْ أَجَلِهِ، فَلْيَسْتَدْرِكْ فِي قَلِيلِ مَا بَقِيَ مِنْ رَمَقِهِ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ ثَلاثةً مِنَ الْعُبَّادِ اجْتَمَعُوا، قَدْ أَنْحَلَتْهُمُ الْعَبَادَةِ، وَيَبَّسَتْ جُلُودَهُمْ عَلَى أَعْظُمِهِمْ مِنْ حَرِّ الصَّوْمِ، فَقِيلَ لِأَحَدِهِمْ: فِيمَ عَبَادَتُكَ، رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَدْ أَهْلَكَنِي الشَّوْقُ إِلَيْهَا لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ وَصَلْتُ إِلَيْهَا. وَقِيلَ لِلآخَرِ: فِيمَ عِبَادَتُكَ؟ قَالَ: فَرَقًا مِنَ النَّارِ، قَدْ أَهْلَكَنِي الْفَرَقُ مِنْهَا، لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ نَجَوْتُ مِنْهَا. وَقِيلَ لِلْثَالِثِ: فِيمَ عِبَادَتكَ؟ قَالَ: اسْتَحْيَاءً مِنَ اللَّهِ، وَمِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِمَا عِنْدِي مِنَ الذَّنُوبِ وَالْعُيُوبِ، لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ نَجَوْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ.

стр. 143

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمَوْتَ أَضَرَّ بِالدُّنْيَا، وَفَضْحَ أَهْلهَا، فَبَيْنَمَا الْمَرْءُ مَهِيبٌ عَزِيزٌ إِذَ صَارَ فِي التُّرَابِ مَهِينًا ذَلِيلا، بَيْنَمَا هُوَ ذُو الْجَمْعِ وَالتَّبَعِ، إِذَ تَفَرَّقَ عَنْهُ ذَلِكَ أَجْمَعُ، إِنَّمَا هُوَ دَبِيبٌ مِنْ سَقَمٍ حَتَّى يَؤْخَذَ بِالْكَظْمِ وَتَزِلَّ الْقَدَمُ، وَيَقَعَ النَّدَمُ، فَلا تَوْبَةٌ تُنَالُ، وَلا عَثْرَةٌ تُقَالُ، وَلا يُقْبَلُ فِدَاءٌ بِمَالٍ، إِنَّمَا هِيَ لَحْظَةٌ حَتَّى يُخْرَسَ اللِّسَانُ، وَيُصَمَّ السَّمْعُ، وَيُعْمَى الْبَصَرُ، وَيُذْهَلُ الْعَقْلُ، فَكَمْ مِنْ مُعَايِنٍ لِرُسُلِ رَبِّهِ، قَدْ صَغُرَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ جَنْبَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، نَدِمَ الْمِسْكِينُ، فَلَمْ يَنْفَعَهُ نَدَمُهُ، فِي مِنْهَاجِهِ، فَقَالَ: فِي كِتَابِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ، مَا يَصْنَعُ بِالرَّجْعَةِ الْمِسْكِينُ؟ ، أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دَارِهِ فَيُبَدِّدَ مَا جَمَعَ مِنْ مَالِهِ، فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُمْ نَدِمُوا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ: نَدِمُوا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَنَدِمُوا وَهُمْ فِي النُّشُورِ، وَنَدِمُوا وَهُمْ فِي النِّيرَانِ، فَقَالَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] فَأَخْبَرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ. وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ، هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ ﵎، وَهُمْ فِي النُّشُورِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] . وَقَالُوا: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فَنَظَرَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ، وَبَادَرَ امْرُؤٌ بِعَمَلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذُ بِالْكَظْمِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ مَنْ مَاتَ وَأُدْخِلَ النَّارُ، وَعَايَنَ بَلايَاهَا ثُمَّ سَأَلَ الرَّجْعَةَ، وَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، وَرَجَعَ إِلَى دُنْيَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلْيَفْعَلْ. قَالَ: فَبَكَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بُكَاءً شَدِيدًا، فَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: إِنَّا بَعْدُ لَمْ نَخْرُجْ مِنَ الدُّورِ، وَإِنَّا بَعْدُ لَمْ نَصِرْ إِلَى الْقُبُورِ، وَإِنَّا بَعْدُ لَمْ نَخْتَبِرْ عَظَائِمَ تِلْكَ الأُمُورِ، وَرَسُولُ رَبِّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَيْنَا سَرِيعٌ، وَكُلُّنَا بِسُرْعَتِهِ جَاهِلٌ مَغْرُورٌ.

стр. 144

قَالَ: فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، قُمْ يَا ابْنَ السَّمَّاكِ، فَقَدْ شَقَقْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَنَهَضْتُ وَأَنَا أَسْمَعُ شَهِيقَهُ وَبُكَاءَهُ، حَتَّى خَرَجْتُ وَاتَّبَعَنِي يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ السَّمَّاكِ، أَنْتَ مُتَكَلِّمُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّكَ مُتَكَلِّمُ أَهْلِ الدُّنْيَا لَصَدَقْتُ، دَخَلْتَ عَلَى مَلِكٍ حَدَثِ السِّنِّ لَمْ يَحْزَنْ قَطُّ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَمُوتُ لَهُ الْوَلَدُ النَّفِيسُ فَيُرَى مُبْتَهِجًا، وَلا يُظْهِرُ حُزْنًا، فَدَخَلْتَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَذَكَّرْتَهُ الْحِسَابَ وَالْمَوْتَ وَالْبَعْثَ وَالْمِيزَانَ، فَكَلَّمْتَ قَلْبَهُ، فَإِنْ رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَارْفُقْ بِهِ. قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ فِي مَوْضِعٍ قَدْ كَانَ فِيهِ قَبْلَكَ، وَهُوَ كَائِنٌ فِيهِ قَوْمٌ بَعْدَكَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْمُ بِالْمَدَائِحِ وَالْمَعَائِبِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ إِذْ صِرْتَ بِالْمَنْصِبِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلا يَكْرُمُ مُدَّخَرُهُ، وَيَحْسُنُ مُنْتَشِرُهُ، فَافْعَلْ. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفْتُ ٢٢٩ - حَدَّثَنِي أَبُو غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇، قَالَ: لَقَدْ غَدَوْتُ فِي غَدَاةٍ شَاتِيَةٍ جَائِعًا خَصِيرًا، وايْمُ اللَّهِ لَوْ كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﵌، طَعَامٌ لَأُطْعِمْتُ مِنْهُ، وَقَدْ أَخَذْتُ إِهَابًا مَطْعُونًا فَجِئْتُ وَسَطَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُهُ عَلَيَّ بِخُوصٍ لِيُدَّفِينِي أَلْتَمِسُ كَسْبًا لَعَلِي أَجِدُ شَيْئًا آكُلُهُ، فَمَرَرْتُ بِيَهُودِيٍّ، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ، يَنْزِعُ مِنْهُ بِيَدِهِ يَسْقِيهِ، فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ ثَلْمَةٍ فِي الْحَائِطِ. قَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ مَا لَكَ؟ هَلْ لَكَ فِي كُلِّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمِ افْتَحِ الْبَابَ. فَفَتَحَهُ لِي، فَدَخَلْتُ، فَأَعْطَانِي دَلْوًا، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا نَزَعْتُ دَلْوًا أَعْطَانِي تَمْرَةً، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ كَفِّي طَرَحْتُ إِلَيْهِ دَلْوَهُ، وَقُلْتُ: حَسْبِي ثُمَّ أَكَلْتُهُنَّ، وَحَمِدْتُ اللَّهَ، وَشَرِبْتُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي نَزَعْتُ بِكَفْيِ حَتَّى رُوِيتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسًا مَعَ النَّاسِ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي بُرْدَةٍ لَهُ خَلِقٍ مَرْقُوعَةٍ بِفَرْوٍ. قَالَ: فَجَاءَ وَهُوَ مُسْتَحٍ يَتَقَصَّى النَّاسَ، حَتَّى جَلَسَ فِي أَدْنَاهُمْ، وَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَذَكَرَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، وَذَكَرَ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْجَهْدِ فِي الْإِسْلامِ. قَالَ: فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ قَالَ: «تُوشِكُونَ أَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ، وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى، وَأَنْ يُغْدَا عَلَى أَحَدِكُمْ بِجَفْنَةِ، وَيُرَاحُ عَلَيْهِ بِأُخْرَى ، وَيَسْتُرَ بَيْتَهُ كَمَا يَسْتُرَ الْكَعْبَةَ، أَفَأَنَّكُمْ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ، أَمْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ» ؟ قَالَ: قُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ، كُفِينَا الْمَئُونَةُ، فَتَفَرَّغْنَا لِلْعِبَادَةِ.

стр. 145

قَالَ: «بَلْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ» ٢٣٠ - حَدَّثَنِي أَبُو غَزِيَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَتْ لِي مَوْلاةٌ لَنَا: مَا يَمْنَعُكَ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهَا تُخْطَبُ إِلَيْهِ؟ . قَالَ عَلِيٌّ ﵇: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ بِي حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنَ الْإِجْلالِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُفْحِمْتُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى الْكَلامِ، فَقَالَ لِي: «مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ» ؟ فَسَكَتُّ، حَتَّى أَعَادَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: «فَلَعَلَّكَ تُرِيدُ فَاطِمَةَ» ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَا فَعَلَتْ دِرعٌ كُنْتُ سَلْحَتَكَهَا» ؟ ، فَقُلْتُ: عِنْدِي. قَالَ: «فَاذْهَبْ بِهَا إِلَيْهَا فَاسْتَحِلَّهَا بِهَا» ٢٣١ - وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇: لَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ فَاطِمَةَ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مِصَرًّا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: ابْتَعْ بِهَذَا طَعَامًا لِوَلِيمَتِكَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى مَحَافِلِ الأَنْصَارِ، فَجِئْتُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي جَرِينٍ لَهُ، قَدْ فُرِّغَ مِنْ طَعَامِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: بِعْنِي بِهَذَا الْمِصَرِّ طَعَامًا، فَأَعْطَانِي، حَتَّى إِذْا جَعَلْتُ طَعَامِي، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهَذَا الطَّعَامِ؟ قُلْتُ: أُعَرِّسُ. فَقَالَ: وَبِمَنْ؟ فَقُلْتُ: بِابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. قَالَ: فَهَذَا الطَّعَامُ، وَهَذَا الْمِصَرُّ الذَّهَبُ، فَخُذْهُ، فَهُمَا لَكَ. فَأَخَذْتُهُ وَرَجَعْتُ، فَجَمَعْتُ أَهْلِي إِلَيَّ، وَكَانَ بَيْتُ فَاطِمَةَ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، فَسَأَلَتْ فَاطِمَةُ النَّبِيُّ ﵌، أَنْ يُحَوِّلَهُ. فَقَالَ لَهَا: «لَقَدِ اسْتَحَيْيتُ مِنْ حَارِثَةَ مِمَّا يَتَحَوَّلُ لَنَا عَنْ بُيُوتِهِ» . فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ حَارِثَةُ انْتَقَلَ مِنْهُ، وَأَسْكَنَهُ فَاطِمَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «يَأْتِي الأَنْصَارَ فِي دُورِهِمْ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ، فَيُذَكِّرُهُمْ وَيُحَذِّرُهُمْ وَيُنْذِرُهُمْ، وَيَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ» أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي الزِّنَادِ يُنْشِدُ لِكِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ الْيَهُودِيِّ: أَرِقْتُ وَأَمْسَيْتُ رَهْنَ الْفِرَاشِ ... مِنْ حَرْبِ قَوْمِي وَمِنْ مَغْرَمِ وَمَنْ سَفَهِ الرَّأْيَ بَعْدَ الْهُدَى ... وَعَمْهِ الرَّشَادِ فَلَمْ يُفْهَمِ فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي أَطَاعُوا الْحَلِيمَ ... لَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يَظْلِمِ وَلَكِنَّ قَوْمِي أَطَاعُوا الْغُوَاةَ ... حَتَّى تَعَكَّسَ أَهْلُ الدَّمِ وَأَوْدَى السَّفِيهُ بِأَمَرِ الْحَلِيمِ ... فَانْتَشَرَ الأَمْرُ لَمْ يُبْرَمِ
следующие страницы →