Полный текст (252 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قَالَ: فَخَرَجَ الشَّيْخُ يِتَخَطَّى النَّاسَ وَيُفَرِّقُ، فَأَخَذَ بِيَدِ الْغُلامِ، فَقَالَ: هَذَا عَمُّهُ فَصِيحَ بِهِ فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أَتَى آخَرَ، قَالَ: هَذَا عَمُّهُ.
فَصِيحَ بِهِ فَتَرَكَهُ، حَتَّى عَدَّدَ وَلَدَ الْحَسَنِ غَيْرَ أَبِيهِ، وَأَرَاهُ مُتَّكِئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا أَبُو الْغُلامُ فَأُلْحِقَ بِهِ
٢٢٨ - حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ، قَالَ: " دَخَلَ ابْنُ السَّمَّاكِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، حِينَ وَلِيَ الْخِلافَةَ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا ابْنَ السَّمَّاكِ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَزَلْ يَذْكُرُكُ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ وَلِيُّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَحَبَّ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ قَرِيبًا، لِمَا بَلَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ صَلاحِكَ فِي نَفْسِكَ، وَحُسْنِ ذِكْرِكَ.
فَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: أَمَّا مَا ذَكَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ صَلاحِنَا فِي أَنْفُسِنِا، فَذَلِكَ سِتْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ يَطَّلِعُ النَّاسُ مِنَّا عَلَى ذَنْبٍ وَاحِدٍ، مَا ثَبَتَ لَنَا قَلْبٌ عَلَى مَوَدَّةٍ، وَلا لِسَانٌ عَلَى مَدْحَةِ، وَقَدْ خِفْتُ مِنَ السَّتْرِ الْفِتْنَةَ، وَمِنَ الْمَدْحِ الْغِرَّةَ، فَأَنَا خَائِفٌ أَنْ أَهْلَكَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ أَعْطَبَ مَنْ قِلَّةِ الشُّكْرِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ سَكَتَ ابْنُ السَّمَّاكِ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: تَكَلَّمْ يَا ابْنَ السَّمَّاكِ.
قَالَ: وَقَدْ هَيَّأْتُ لَهُ كَلامًا كَانَ عِنْدِي مَصُونًا، فَذَهَبَ وَاللَّهِ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يَرْضَ لِخِلافَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، غَيْرَكَ فَلا تَرْضَ لِلَّهِ إِلا بِطَاعَتِكه، وَبِمَا يُرْضِيهِ عَنْكَ، فَإِنَّكَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَأَحَقُ النَّاسِ بِذَلِكَ.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ عَمِلَ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ فِي أَيَّامِ مَهْلِهِ مِنْ قَبْلِ حُضُورِ أَجَلِهِ كَانَ خَلِيقًا أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ أَذَاقَتْهُ الدُّنْيَا حَلاوَتَهَا بِرُكُونٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، أَذَاقَتْهُ الْآخِرَةُ مَرَارَتَهَا بِتَجَافِيهِ عَنْهَا، وَمَا اسْتَوَى الطَّعْمَانِ فِي عُذُوبَتِهِمَا، وَمَرَارَتِهِمَا.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُنْشِدُكَ اللَّهَ، أَنْ تُقْدِمَ غدًا عَلَى جَنَّةٍ، عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، لَيْسَ لَكَ فِيهَا نَصِيبٌ.
إِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ دُعِيتَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَنُدِبْتَ إِلَيْهَا فَلا تُقَصِّرَنَّ بِنَفْسِكَ فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ الْحُجَّةَ لَكَ أَلْزَمُ وَهِيَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ.
стр. 142
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَوَاضَعْ لِلَّهِ، فَإِنِهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، خَرَجَ وَهُوَ يُرِيدُ قُبَاءً فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا مَعَهُ إِنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ قَدْ خَاضَ فِيهِ عَسَلا فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَذَوَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، قَالَ: «طَعْامَانِ وَشَرَابَانِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، لا حَاجَةَ لِي بِهِ، وَإِنْ كُنْتُ لا أُحُرِّمُهُ، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي اللَّهُ مُتَوَاضِعًا، فَإِنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ» .
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَوْ لَبِسْتَ الْغَلِيظَ لَكَانَ أَحْسَنَ عَلَيْكَ مِنَ الدَّقِيقِ، دَعْ مَوَالِيَكَ فَلْيَجُرُّوا الْخُزُوزَ وَالْبُزُوزَ، وَكُنْ عَلَى التَّوَاضُعِ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا.
وَاللَّهِ إِنَّ أَكْبَادًا بَاتَتْ تَخْفِقُ جُوعًا أَشْبَعْتَهَا وَأَرْوَيْتَهَا، إِنَّ ذَلِكَ لَسَرِيعٌ فِي الْخَبَرِ، هُمْ رَعِيَّتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، فَأَلِنْ عِطْفَكَ، وَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَاكْسُ الْعُرَاةَ، وَأَشْبِعِ الْبُطُونَ، فَإِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا تَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُقْبَرُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، وَتُحَاسَبُ وَحْدَكَ، وَاذْكُرِ الْمَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ، وَالْوُقُوفَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإِنَّكَ لا تُقْدِمُ إِلا عَلَى نَادِمٍ مَشْغُولٍ، وَلا تُخَلِّفُ إِلا جَاهِلا مَغْرُورًا، وَإِنَّا وَإِيَّاكَ فِي دَارِ سَفَرٍ، وَحِيرَانِ ظَعْنٍ، وَقَدْ أُبْلِغَ الرِّيقُ وَأُرْخِيَ الْخِنَاقُ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فِيمَا مَضَى مِنْ أَجَلِهِ، فَلْيَسْتَدْرِكْ فِي قَلِيلِ مَا بَقِيَ مِنْ رَمَقِهِ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ ثَلاثةً مِنَ الْعُبَّادِ اجْتَمَعُوا، قَدْ أَنْحَلَتْهُمُ الْعَبَادَةِ، وَيَبَّسَتْ جُلُودَهُمْ عَلَى أَعْظُمِهِمْ مِنْ حَرِّ الصَّوْمِ، فَقِيلَ لِأَحَدِهِمْ: فِيمَ عَبَادَتُكَ، رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَدْ أَهْلَكَنِي الشَّوْقُ إِلَيْهَا لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ وَصَلْتُ إِلَيْهَا.
وَقِيلَ لِلآخَرِ: فِيمَ عِبَادَتُكَ؟ قَالَ: فَرَقًا مِنَ النَّارِ، قَدْ أَهْلَكَنِي الْفَرَقُ مِنْهَا، لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ نَجَوْتُ مِنْهَا.
وَقِيلَ لِلْثَالِثِ: فِيمَ عِبَادَتكَ؟ قَالَ: اسْتَحْيَاءً مِنَ اللَّهِ، وَمِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِمَا عِنْدِي مِنَ الذَّنُوبِ وَالْعُيُوبِ، لا أَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ نَجَوْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ.
стр. 143
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمَوْتَ أَضَرَّ بِالدُّنْيَا، وَفَضْحَ أَهْلهَا، فَبَيْنَمَا الْمَرْءُ مَهِيبٌ عَزِيزٌ إِذَ صَارَ فِي التُّرَابِ مَهِينًا ذَلِيلا، بَيْنَمَا هُوَ ذُو الْجَمْعِ وَالتَّبَعِ، إِذَ تَفَرَّقَ عَنْهُ ذَلِكَ أَجْمَعُ، إِنَّمَا هُوَ دَبِيبٌ مِنْ سَقَمٍ حَتَّى يَؤْخَذَ بِالْكَظْمِ وَتَزِلَّ الْقَدَمُ، وَيَقَعَ النَّدَمُ، فَلا تَوْبَةٌ تُنَالُ، وَلا عَثْرَةٌ تُقَالُ، وَلا يُقْبَلُ فِدَاءٌ بِمَالٍ، إِنَّمَا هِيَ لَحْظَةٌ حَتَّى يُخْرَسَ اللِّسَانُ، وَيُصَمَّ السَّمْعُ، وَيُعْمَى الْبَصَرُ، وَيُذْهَلُ الْعَقْلُ، فَكَمْ مِنْ مُعَايِنٍ لِرُسُلِ رَبِّهِ، قَدْ صَغُرَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ جَنْبَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، نَدِمَ الْمِسْكِينُ، فَلَمْ يَنْفَعَهُ نَدَمُهُ، فِي مِنْهَاجِهِ، فَقَالَ: فِي كِتَابِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ، مَا يَصْنَعُ بِالرَّجْعَةِ الْمِسْكِينُ؟ ، أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دَارِهِ فَيُبَدِّدَ مَا جَمَعَ مِنْ مَالِهِ، فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُمْ نَدِمُوا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ: نَدِمُوا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَنَدِمُوا وَهُمْ فِي النُّشُورِ، وَنَدِمُوا وَهُمْ فِي النِّيرَانِ، فَقَالَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] فَأَخْبَرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ.
وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ، هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَقَالَ ﵎، وَهُمْ فِي النُّشُورِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] .
وَقَالُوا: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فَنَظَرَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ، وَبَادَرَ امْرُؤٌ بِعَمَلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذُ بِالْكَظْمِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ مَنْ مَاتَ وَأُدْخِلَ النَّارُ، وَعَايَنَ بَلايَاهَا ثُمَّ سَأَلَ الرَّجْعَةَ، وَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، وَرَجَعَ إِلَى دُنْيَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلْيَفْعَلْ.
قَالَ: فَبَكَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بُكَاءً شَدِيدًا، فَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: إِنَّا بَعْدُ لَمْ نَخْرُجْ مِنَ الدُّورِ، وَإِنَّا بَعْدُ لَمْ نَصِرْ إِلَى الْقُبُورِ، وَإِنَّا بَعْدُ لَمْ نَخْتَبِرْ عَظَائِمَ تِلْكَ الأُمُورِ، وَرَسُولُ رَبِّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَيْنَا سَرِيعٌ، وَكُلُّنَا بِسُرْعَتِهِ جَاهِلٌ مَغْرُورٌ.
стр. 144
قَالَ: فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، قُمْ يَا ابْنَ السَّمَّاكِ، فَقَدْ شَقَقْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَنَهَضْتُ وَأَنَا أَسْمَعُ شَهِيقَهُ وَبُكَاءَهُ، حَتَّى خَرَجْتُ وَاتَّبَعَنِي يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ السَّمَّاكِ، أَنْتَ مُتَكَلِّمُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّكَ مُتَكَلِّمُ أَهْلِ الدُّنْيَا لَصَدَقْتُ، دَخَلْتَ عَلَى مَلِكٍ حَدَثِ السِّنِّ لَمْ يَحْزَنْ قَطُّ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَمُوتُ لَهُ الْوَلَدُ النَّفِيسُ فَيُرَى مُبْتَهِجًا، وَلا يُظْهِرُ حُزْنًا، فَدَخَلْتَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَذَكَّرْتَهُ الْحِسَابَ وَالْمَوْتَ وَالْبَعْثَ وَالْمِيزَانَ، فَكَلَّمْتَ قَلْبَهُ، فَإِنْ رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَارْفُقْ بِهِ.
قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ فِي مَوْضِعٍ قَدْ كَانَ فِيهِ قَبْلَكَ، وَهُوَ كَائِنٌ فِيهِ قَوْمٌ بَعْدَكَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْمُ بِالْمَدَائِحِ وَالْمَعَائِبِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ إِذْ صِرْتَ بِالْمَنْصِبِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلا يَكْرُمُ مُدَّخَرُهُ، وَيَحْسُنُ مُنْتَشِرُهُ، فَافْعَلْ.
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفْتُ
٢٢٩ - حَدَّثَنِي أَبُو غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇، قَالَ: لَقَدْ غَدَوْتُ فِي غَدَاةٍ شَاتِيَةٍ جَائِعًا خَصِيرًا، وايْمُ اللَّهِ لَوْ كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﵌، طَعَامٌ لَأُطْعِمْتُ مِنْهُ، وَقَدْ أَخَذْتُ إِهَابًا مَطْعُونًا فَجِئْتُ وَسَطَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُهُ عَلَيَّ بِخُوصٍ لِيُدَّفِينِي أَلْتَمِسُ كَسْبًا لَعَلِي أَجِدُ شَيْئًا آكُلُهُ، فَمَرَرْتُ بِيَهُودِيٍّ، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ، يَنْزِعُ مِنْهُ بِيَدِهِ يَسْقِيهِ، فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ ثَلْمَةٍ فِي الْحَائِطِ.
قَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ مَا لَكَ؟ هَلْ لَكَ فِي كُلِّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمِ افْتَحِ الْبَابَ.
فَفَتَحَهُ لِي، فَدَخَلْتُ، فَأَعْطَانِي دَلْوًا، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا نَزَعْتُ دَلْوًا أَعْطَانِي تَمْرَةً، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ كَفِّي طَرَحْتُ إِلَيْهِ دَلْوَهُ، وَقُلْتُ: حَسْبِي ثُمَّ أَكَلْتُهُنَّ، وَحَمِدْتُ اللَّهَ، وَشَرِبْتُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي نَزَعْتُ بِكَفْيِ حَتَّى رُوِيتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسًا مَعَ النَّاسِ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي بُرْدَةٍ لَهُ خَلِقٍ مَرْقُوعَةٍ بِفَرْوٍ.
قَالَ: فَجَاءَ وَهُوَ مُسْتَحٍ يَتَقَصَّى النَّاسَ، حَتَّى جَلَسَ فِي أَدْنَاهُمْ، وَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَذَكَرَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، وَذَكَرَ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْجَهْدِ فِي الْإِسْلامِ.
قَالَ: فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ قَالَ: «تُوشِكُونَ أَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ، وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى، وَأَنْ يُغْدَا عَلَى أَحَدِكُمْ بِجَفْنَةِ، وَيُرَاحُ عَلَيْهِ بِأُخْرَى ، وَيَسْتُرَ بَيْتَهُ كَمَا يَسْتُرَ الْكَعْبَةَ، أَفَأَنَّكُمْ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ، أَمْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ» ؟ قَالَ: قُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ، كُفِينَا الْمَئُونَةُ، فَتَفَرَّغْنَا لِلْعِبَادَةِ.
стр. 145
قَالَ: «بَلْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ»
٢٣٠ - حَدَّثَنِي أَبُو غَزِيَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَتْ لِي مَوْلاةٌ لَنَا: مَا يَمْنَعُكَ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهَا تُخْطَبُ إِلَيْهِ؟ .
قَالَ عَلِيٌّ ﵇: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ بِي حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنَ الْإِجْلالِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُفْحِمْتُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى الْكَلامِ، فَقَالَ لِي: «مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ» ؟ فَسَكَتُّ، حَتَّى أَعَادَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: «فَلَعَلَّكَ تُرِيدُ فَاطِمَةَ» ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَا فَعَلَتْ دِرعٌ كُنْتُ سَلْحَتَكَهَا» ؟ ، فَقُلْتُ: عِنْدِي.
قَالَ: «فَاذْهَبْ بِهَا إِلَيْهَا فَاسْتَحِلَّهَا بِهَا»
٢٣١ - وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇: لَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ فَاطِمَةَ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مِصَرًّا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: ابْتَعْ بِهَذَا طَعَامًا لِوَلِيمَتِكَ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى مَحَافِلِ الأَنْصَارِ، فَجِئْتُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي جَرِينٍ لَهُ، قَدْ فُرِّغَ مِنْ طَعَامِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: بِعْنِي بِهَذَا الْمِصَرِّ طَعَامًا، فَأَعْطَانِي، حَتَّى إِذْا جَعَلْتُ طَعَامِي، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
فَقَالَ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهَذَا الطَّعَامِ؟ قُلْتُ: أُعَرِّسُ.
فَقَالَ: وَبِمَنْ؟ فَقُلْتُ: بِابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
قَالَ: فَهَذَا الطَّعَامُ، وَهَذَا الْمِصَرُّ الذَّهَبُ، فَخُذْهُ، فَهُمَا لَكَ.
فَأَخَذْتُهُ وَرَجَعْتُ، فَجَمَعْتُ أَهْلِي إِلَيَّ، وَكَانَ بَيْتُ فَاطِمَةَ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، فَسَأَلَتْ فَاطِمَةُ النَّبِيُّ ﵌، أَنْ يُحَوِّلَهُ.
فَقَالَ لَهَا: «لَقَدِ اسْتَحَيْيتُ مِنْ حَارِثَةَ مِمَّا يَتَحَوَّلُ لَنَا عَنْ بُيُوتِهِ» .
فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ حَارِثَةُ انْتَقَلَ مِنْهُ، وَأَسْكَنَهُ فَاطِمَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «يَأْتِي الأَنْصَارَ فِي دُورِهِمْ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ، فَيُذَكِّرُهُمْ وَيُحَذِّرُهُمْ وَيُنْذِرُهُمْ، وَيَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ»
أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي الزِّنَادِ يُنْشِدُ لِكِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ الْيَهُودِيِّ:
أَرِقْتُ وَأَمْسَيْتُ رَهْنَ الْفِرَاشِ ... مِنْ حَرْبِ قَوْمِي وَمِنْ مَغْرَمِ
وَمَنْ سَفَهِ الرَّأْيَ بَعْدَ الْهُدَى ... وَعَمْهِ الرَّشَادِ فَلَمْ يُفْهَمِ
فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي أَطَاعُوا الْحَلِيمَ ... لَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يَظْلِمِ
وَلَكِنَّ قَوْمِي أَطَاعُوا الْغُوَاةَ ... حَتَّى تَعَكَّسَ أَهْلُ الدَّمِ
وَأَوْدَى السَّفِيهُ بِأَمَرِ الْحَلِيمِ ... فَانْتَشَرَ الأَمْرُ لَمْ يُبْرَمِ
стр. 146
وَأَنْشَدَنِي لِأَبِي هَمْهَمَةَ:
إِخْوَةٌ مَا حَضَرْتُ سَرُّونَ بَرُّونَ ... فَإِنْ غِبْتُ فَالسِّبَاعُ الْجِيَاعُ
يَأْبِنُونِي حَتَّى إِذَا عَايَنُونِي ... بَانَ فِيهِمْ تَضَاؤُلُ وَاخْتِشَاعُ
فَهُمْ يَغْمِزُونَ مِنِّي قَنَاةً ... لَيْسَ يَأْلُونَ غَمْزَهَا مَا اسْتَطَاعُوا
مَا كَذَا يَفْعَلُ الْكِرَامُ وَلَكِنْ ... هَكَذَا يَفْعَلُ اللِّئَامُ الرِّضَاعُ
وَأَنْشَدَنِي لِلْحَزِينِ الدُّئِلِيِّ:
كَأَنَّمَا خُلِقَتْ كَفَّاهُ مِنْ حَجَرٍ ... فَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالنَّدَى عَمَلُ
يَرَى التَّيَمُّمَ فِي بَرٍّ وَفِي بَحْرٍ ... مَخَافَةَ أَنْ يُرَى فِي كَفِّهِ بَلَلُ
وَأَنْشَدَنِي لَلْحَزِينِ أَيْضًا
لا بَارَكَ اللَّهُ فِي كَعْبٍ وَمَجْلِسِهِمْ ... مَاذَا يَجَمِّعُ مِنْ لُؤْمٍ وَمِنْ وَضَعِ
لا يَدْرُسُونُ كِتَابَ اللَّهِ بَيْنَهُمُ ... وَلا يَصُومُونَ مِنْ حِرْصٍ عَلَى الشَّبَعِ
أَنْشَدَنِي التَّيْمِيُّ فِي الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ الْحَاجِبِ:
لَعَمْرُكُ مَا الأَشْرَافُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ ... وَإِنْ عَظُمُوا لِلْفَضْلِ إِلا صَنَائِعُ
تَرَى عُظَمَاءَ النَّاسِ لِلْفَضْلِ خُشَّعًا ... إِذَا مَا بَدَا وَالْفَضْلُ لِلَّهِ خَاشِعُ
تَوَاضَعَ لِلَّهِ لَمَّا زَادَهُ رِفْعَةً ... وَكُلُّ عَزْيزٍ عِنْدَهُ مُتَوَاضِعُ
وَأَنْشَدَنِي الزُّبَيْرُ
لَمْ يَكُنْ حَادِثٌ يُشَتِّتُ شَعْبًا ... لا وَلا وَحْشَةٌ تَجُرُّ التَّجَافِي
فَتَعَالُوا نَرُدُّ حُلْوَ التَّصَافِي ... وَنُمِيتُ الْجَفَاءَ بِالأَلْطَافِ
أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَلْقَى بَنَانًا مُخَضَّبًا ... وَعَيْنَيْنِ دَعْجَاوَيْنِ فَالْقَ الْمَوَالِيَا
وَمَا بِالْمَوَالِي مِنْ دَنَاةٍ تَعِيبُهُمْ ... وَلا قِصَرٌ عَنْ أَنْ يَنَالُوا الْمَعَالِيَا
يَقُولُونَ مَوْلاةٌ فَلا تَقْرَبَنَّهَا ... أَلا لَيْتَنَا كُنَّا جَمِيعًا مَوَالِيِا
أَنْشَدَنِي الزُّبَيْرُ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ دَاوُدَ الْكَاتِبُ:
إِنَّ الَّتِي فَخَرَتْ عَشِيَّةَ زُرْتُهَا ... بِكَلامِهَا الْفَتَّانُ وَالْإِعْرَاضِ
فَخَرَتْ عَلَيْكَ بِأَنَّهَا عَرَبِيَّةٌ ... فَتَعَرَّضَتْ لِمُفَاخِرٍ نَقَّاضِ
فَأَجَبْتُهَا إِنِّي ابْنُ كِسْرَى وَابْنُ مَنْ ... دَانَ الْمُلُوكُ لَهُ بَغَيْرِ تَرَاضِ
فَتَطَأْطَأَتْ وَتَضَاءَلَتْ مِنْ زَهْوِهَا ... لِفَخَارِ أَصْيَدَ لِلذُّرَى خَفَّاضِ
وَلَقَدْ أَقِي عِرْضِي بِمَا مَلَكَتْ يَدِي ... وَأَرَى الْعَرُوضَ وِقَايَةَ الأَعْرَاضِ
أَنْشَدَنِي الْكَثِيرِيُّ:
الْمَوْتُ أَجْمَلُ بِالْفَتَى مِنْ خُطَّةٍ ... فِي النَّاسِ خَوْفَ شِنَارَهَا يَتَقَنَّعُ
شَتَّانَ مَنْ أَعْطَى الرِّجَالَ ظَلامَةً ... حَذَرَ الْبَلاءِ وَآخَرٌ لا يَخْضَعُ
ليَسَ الْجَزُوعُ بِمُفْلِتٍ مِنْ يَوْمِهِ ... وَالْحُرُّ يَصْبِرُ وَالأُنُوفُ تَجدَّعُ
فَتْحُ الْإِلَهِ عَدَاوَةً لا تُتَّقَى ... وَقَرَابَةً يُدْلِي بِهَا لا تَنْفَعُ
أَنْشَدَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكَثِيرِيُّ، قَالَ:
وَدِدْتُ وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ قَلْبِي ... تُقَلِّبُهُ يَدَاكِ فَتَنْظُرِينَا
إِلَى أَثَرِ الْعِلاقَةِ فِي فُؤَادِي ... وَصَدْعِ الْحُبِّ فِي كَفِّي مُبِينَا
وَأَنْشَدَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا:
ودِدْتُ وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَنِّي ... وَمَنْ أَهْوَى بِمُنْقَطِعِ التُّرَابِ
نَعِيشُ الدَّهْرَ مَا عِشْنَا جَمِيعًا ... وَنُقْرَنُ يَوْمَ نُبْعَثُ لِلْحِسَابِ
أَنْشَدَنِي الْمُسَاحِقِيُّ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ لِلْمَجْنُونِ:
فَلَوْ تَلْتَقِي أَصْدَاؤُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا ... وَمِنْ دُوْنِ رَمْسَيْنَا مِنَ الأَرْضِ مَنْكَبُ
стр. 147
لَظَلَّ صَدَى رَمْسِي وَلَوْ كُنْتُ رِمَّةً لِصَوْتِ ... صَدَى لَيْلَى يَهَشُّ وَيَطْرَبُ
أَنْشَدَنِي الْمُسَاحِقِيُّ:
تَقُولُ سُلَيْمِي حَلَّ أَهْلُكَ فَارْتَحِلْ ... وَهَلْ لَكِ هَلْ تَدْرِينَ وَيْحَكِ مَنْ أَهْلِي
وَمَا لِيَ أَهْلٌ غَيْرُ ظَهْرِ مَطِيَّتِي ... تَرُوحُ وَتَغْدُو مَا يَحِلُّ لَهَا رَحْلِي
أَنْشَدَنِي حَسَنُ بْنُ دَاوُدَ الْجَعْفَرِيُّ لِعَرَارَةَ الْخَيَّاطِ:
صَحِبْتُكَ عَشْرًا بَعْدَ عِشْرِينَ حِجَّةً ... عَلَى غَيْرِ تَجْرِيبٍ لَقَدْ كُنْتُ جَاهِلا
فَلَمَّا فَتَحْتُ الْكَفَّ عَمَّا طَوَيْتُهَا ... عَلَيْهِ وَمَا أَمَّلْتُ لَمْ أَلْفِ طَائِلا
وَأَنْشَدَنِي لِحُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
لا يُبْعِدُ اللَّهُ الشَّبَابَ وَقَوْلَنَا ... إِذَا مَا صَبَوْنَا صَبْوَةً سَنَتُوبُ
لَيَالِيَ أَبْصَارُ الْغَوَانِي وَسِمْعُهَا ... إِلَيَّ وَإِذْ رِيحِي لَهُنَّ جَنُوبُ
وَإِذْ مَا يَقُولُ النَّاسُ شَيْءٌ مُهَوَّنٌ ... عَلَيْنَا وَإِذْ غُصْنُ الشَّبَابِ رَطِيبُ
سَمِعْتُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، يَقُولُ: " قَدِمَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَارَةَ أَخُو أَبِي الْهَيْذَامِ الْمُرِّيُّ، وَكَانَ وَاليًا عَلَى سِجِسْتَانَ أَيَّامَ الرَّشِيدِ، فَحُبِسَ بِخَمْسِ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسَبْعِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَدِمَ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، فَأَخْبَرُوهُ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنِ احْمِلْ لِي هَذِهِ الأَبْيَاتَ، فَأَوْصِلْهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ:
أَغِثْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِنَظْرَةٍ ... تَزُولُ بِهَا الْمَخَافَةُ وَالأَزَلُ
فَفَضْلَكَ أَرْجُو لا الْبَرَاءَةَ إِنَّهُ ... أَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يَكُونَ لَكَ الْفَضْلُ
فَإِنْ لا أَكُنْ أَهْلا لِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ ... فَأَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ أَهْلُ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا الزُّبَيْرُ فِي بَعْضِ مَغَازِيِهِ إِذِ اصْطَفَى جَارِيَةً.
قَالَ: فَتَخَلَّفَ عَنِ الْعَسْكَرِ.
فَنَالَ مِنِ الْجَارِيَةِ، ثُمَّ رَكِبَ يُرِيدُ الْجَيْشَ فَعَرَضَ لَهُ لِصَّانِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالا: أَطْعِمْنَا، فَرَمَى إِلَيْهِمَا بِسُفْرَتِهِ، فَقَالا: اكْسُنَا، فَرَمَى إِلَيْهِمَا بِثَوْبَيْنِ كَانَا مَعَهُ، فَقَالا: خَلِّ عَنِ الظَّعِينَةِ، فَقَالَ لَهَا: تَنَحَّيْ، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِمَا فَأَبَانَهُمَا بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: " وَفَدَ الصَّقْبُ النَّهْدِيُّ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَمَعَهُ رَجُلانِ مِنْ قَوْمِهِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمِا: الْبَرَاءُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْآخَرِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنٍ، وَكَانَا شَرِيفَيْنِ، وَكَانَ الصَّقْبُ قَصِيرًا أَفْوَهَ دَمِيمًا أَسْوَدَ أَعْوَرَ، فَجَلَسُوا بِفِنَاءِ قَصْرِ النُّعْمَانِ، وَقَدْ سَمِعَ النُّعْمَانِ بِشَرَفِ الصَّقْبِ وَمَنْزِلَتِهِ فِي قَوْمِهِ.
فَقَالَ لِآذِنِهِ: ائْذَنْ لِلصَّقْبِ.
قَالَ: فَخَرَجَ وَاعْتَمَدَ رَجُلا عَظِيمًا جَسِيمًا، فَقَالَ: ادْخُلْ وَهُوَ يَظُنُّهُ الصَّقْبَ، فَدَخَلَ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: أَأَنْتَ الصَّقْبُ؟ قَالَ: لا وَلَكِنِّي الْبَرَاءُ بْنُ عَمْرٍو النَّهْدِيُّ.
فَقَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، وَدَعَا لَهُ بِلَبَنٍ، فَشَرِبَهُ.
ثُمَّ قَالَ: لِلآذِنِ: ائْذَنْ لِلْصَقْبِ.
فَخَرَجَ، فَاعْتَمَدَ آخَرَ جَمِيلا جَسِيمًا.
стр. 148
فَقَالَ: ادْخُلْ فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَأَنْتَ الصَّقْبُ؟ قَالَ: لا وَلَكِنِّي الْحَارِثُ بْنُ مَازِنٍ النَّهْدِيُّ.
قَالَ: اجْلِسْ وَدَعَا بِلَبَنٍ فشَرِبَ، ثُمَّ قَالَ: نَوِّهْ بِإِذِنِ الصَّقْبِ.
فَنَوَّهَ بِهِ، فَدَخَلَ فَلَمَّا رَآهُ النُّعْمَانُ ازْدَرَاهُ، وَنَبَتْ عَيْنُهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَأَنْتَ الصَّقْبُ؟ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ.
قَالَ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، الرَّجَالُ لَيْسَ بِمُسُوكِ يُسْتَقَى فِيهَا الْمَاءُ، وَإِنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ: قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، إِذَا نَطَقَ نَطَقَ بِبَيَانٍ، وَإِذَا قَاتَلَ قَاتَلَ بِجَنَانِ.
قَالَ: إِنَّهُ لَكَمَا تَقُولُ، فَكَيْفَ نَظَرُكَ فِي الأُمُورِ؟ قَالَ: أَنْقُضُ فِيهَا الْمَفْتُولَ، وَأُبْرِمُ مِنَهَا الْمَسْحُولَ، وَأَحُلُّهَا إِلَى أَنْ تَحُولَ، ثُمَّ أَنْظُرُ إِلَى مَا تَحُولُ، وَلَيْسَ لَهَا بِصَاحِبٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظَرٌ فِي الْعَوَاقَبِ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْفَقْرِ الْحَاضِرِ، وَالْعَجْزِ الظَّاهِرِ.
قَالَ: الْفَقْرُ الْحَاضِرُ، الْمَرْءُ لا تَسْتَغْنِي نَفْسُهُ، وِإِنْ كَانَ ذَهَبًا جَلِيسُهُ، فَأَمَا الْعَجْزُ الظَّاهِرُ، فَالشَّابُّ الضَّعِيفُ، اللَّزُومُ لِلْحَلِيلَةِ، التَّبُوعُ لَهَا، الَّذِي يَحُومُ حَوْلَهَا، إِنْ غَضِبَتْ أَرْضَاهَا، وَإِنْ رَضِيَتْ فَدَاهَا، فَذَاكَ الَّذِي لا كَانَ، وَلا وَلَدَتِ النَّسِاءُ مِثْلَهُ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّوْءَةِ السَّوْءَاءِ وَالدَّاءِ الْعَيَاءِ.
قَالَ: السَّوْءَةُ السَّوْءَاءُ الْحَلِيلَةُ السَّلِيطَةُ، السَلْفَعُ الْقَصِيرَةُ، الَّتِي تَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ، وَتَعْجَبُ مَنْ غَيْرِ عَجَبٍ، فَصَاحِبُهَا لا يَنْعَمُ بَالُهُ، وَلا يِصْلُحُ حَالَهُ، إِنْ كَانَ مُقِلا عَيَّرَتْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ لَمْ يَنْفَعْهُ مَالُهُ، فَتِلْكَ الَّتِي أَرَاحَ اللَّهُ مِنْهَا بَعْلَهَا، وَلا مَتَّعَ بِهَا أَهْلَهَا، وَأمَّا الدَّاءُ الْعَيَاءُ، فَجَارُ السُّوءِ، الَّذِي إِنْ خَالَطْتَهُ ظَلَمَكَ، وَإِنْ غِبْتَ عَنْهُ سَبَعَكَ، وَإِنْ قَاوَلْتَهُ بَهَتَكَ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ جَارَكَ، فَأَخْلِ لَهُ دَارَكَ، وَعَجِّلْ مِنْهُ فَرَارَكَ، فَإِنْ ضَنِنْتَ كُنْتَ كَالْكَلْبِ الْهَرَّارِ، فَأَقَمْتَ بِذُلٍّ وَصَغَارِ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِصَّحَارٍ الْعَبْدِيِّ، وَكَانَ أَزْرَقَ: " يَا أَخَا عَبْدِ الْقَيْسِ.
قَالَ: عَلَى ذَاكَ قُطِعَ سَيْرِي، يَعْنِي: قِلادَتهُ، وَمَا عَبْدُ الْقَيْسِ عَلَيَّ بِعَارٍ.
قَالَ: يَا أَحْمرُ.
قَالَ: الذَّهَبُ أَحْمَرُ.
قَالَ: يَا أَزْرَقُ.
قَالَ: الْبَازِيُّ أَزْرَقُ.
قَالَ: أَنْتُمْ أَخْطَبُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَيُقَالُ.
قَالَ: فَمَا الْخَطِيبُ فِيكُمْ؟ قَالَ: مَنْ رَدَّ بِقَلِيلِ الَجْوَابِ كَثيرَ النُّطْقِ.
قَالَ: مَا هَذِهِ الْبَلاغَةُ فِيكُمْ؟ قَالَ: كَلامٌ يَعْتَلِجُ عَلَى قُلُوبِنَا فَنَقْذِفُهُ كَمَا يَقْذِفُ الْبَحْرُ الْمَوْجَ.
قَالَ: فَمَا الإِبْلاغِ؟ قَالَ: أَنْ تُسْرِعَ فَلا تُبْطِئ، وَتَقُولَ فَلا تُخْطِئ ".
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: " كَانَ يُقَالُ: اتَّقِ الْقُرَشِيَّ مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ عِنْدَكَ يَدٌ، فَإِذَا كَانَتْ لَهُ عِنْدَكَ يَدٌ فَأْمَنْهُ فَإِنَّهُ لا يُكَدِّرُهَا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: " كَانَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ النَّاجِيُّ قَاضِيًا، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلانِ، ادَّعَى أَحَدَهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ كَفَالَةً، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا كَفِيلٌ، وَلَيْسَ الْحَقُّ عَلَيَّ.
стр. 149
قَالَ: أَقُولُ لَكَ مَا قَالَ الْعَرَبِيُّ، وَمَا قَالَ الْفَارِسِيُّ، قَالَ الْعَرَبِيُّ:
إِذَا مَا الْمَرْءُ كَانَ لَهُ كَفِيلٌ ... فَأَفْلَسَ أَوْ لَوَى غَرِمَ الْكَفِيلُ
وَقَالَ الفَارَسِيُّ: بَانياز دَسُتَ الريش
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَهُ مِحْجَنٌ يَسْرِقُ بِهِ مَتَاعَ الْحَاجِّ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: تَسْرِقُ الْحَاجَّ؟ قَالَ: مَا أَسْرِقُ إِنَّمَا يَسْرِقُ مِحْجَنِي.
قَالَ حَمَّادٌ: لَوْ كَانَ هَذَا حَيًّا الْيَوْمَ، كَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو الْيَقْظَانِ، قَالَ: عُزِّيَ خَالِدٌ عَلَى رِبْعِيِّ ابْنِهِ، فَتَمَثَّلَ أَبْيَاتَ أَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ:
فَوَاللَّهِ لا أَنْسَى قَتِيلا رَزَيْتُهُ ... بِجَانِبِ قُوسِي مَا مَشِيتُ عَلَى الأَرْضِ
قَالَ: فَعَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّهُ سَيَكْذِبُ، فَقَالَ:
عَلَى أَنَّهَا تَعْفُو الْكُلُومُ وَإِنَّمَا ... نُوكَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: قَالَ خَشْرَمٌ: " دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُ فِيهَا مَوْلًى.
قَالَ: قُلْتُ: صَعِدْتَ الْغُرَفَ؟ قَالَ: لا.
قُلْتُ: الْمَوَالِي فِي الْغُرَفِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْمُهَلَّبُ، قَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ:
لَقَدْ ذَهَبَ الْغَزْوُ الْمُغَرِّبُ لِلْغِنَى ... وَمَاتَ النَّدَى وَالْجُودُ بَعْدَ الْمُهَلَّبِ
أَقَامَا بِمَرْوِ الرُّوذِ رَهِينَيْ حُفَيْرَةٍ ... وَقَدْ غُيَّبَا عَنْ كُلِّ شَرْقٍ وَمَغْرِبِ
فَلَمَّا كَانَ قُتَيْبَةُ بِخُرَاسَانَ، وَفَتَحَ مَا فَتَحَ، قَالَ:
مَا كَانَ مُذْ كُنَّا وَلا كَانَ قَبْلَنَا ... وَلا هُوَ فِيمَا بَعْدَنَا كَابْنِ مُسْلِمِ
أَشَدُّ عَلَى الأَعْدَاءِ فِينَا بِسَيْفِهِ ... وَأَكْثَرُ فِينَا مَقْسَمًا بَعْدَ مَقْسِمِ
قَالَ: أَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِكَ: لَقَدْ ذَهَبَ الْغَزْوُ؟ قَالَ: ذَاكَ كَانَ غَزْوًا وَهَذَا حَشْرٌ.
فَلَمَّا وَلِيَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، أَتَاهُ خَلَفٌ الأَقْطَعُ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَقَالَ:
نَهَارٌ أَمَاتَ الْجُودَ حِينًا وَلَمْ يَكُنْ ... لِصَاحِبِنَا عِلْمٌ بِمَا فِي الْمُغَيَّبِ
لَقَدْ رَجَعَ الْغَازُونَ وْاسْتُؤْنِفَ الْغنَى ... بِنَصْرٍ وَعَاشَ الْجُودُ بَعْدَ الْمُهَلَّبَ
قَالَ: خَلادٌ الأَرْقَطُ، قَالَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ لِخَلَفٍ: اصْدُقْنِي عَنْ شِعْرِي، فَإِنَّ النَّاسَ يَغْلَطُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَالنَّاسُ يَلْقَوْنَنِي بِمَا أُحِبُّ، فَاصْدُقْنِي عَنْ نَفْسِي، فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَتَهُ هَذِهِ:
حَتَّى إِذَا وَرَدْتَ أَوَائِلُ خَيْلِهِ ... جَيْحَانَ بَثَّ عَلَى الْعَدوِّ رِعَالَهَا
فَقَالَ: أَنْتَ فِيهَا أَشْعَرُ مِنَ الأَعْشَى فِي قَصِيدَتِهِ: رَحَلَتْ سُمَيَّةُ غَدْوةً أَجْمَالُهَا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ، عَنْ عَوْفِ، قَالَ: " قَدِمَ رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ مِنْ آلِ أَبِي صُفْرَةَ، فَكَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهِنْدِ ابْنَةِ ربيعة، وأبي سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، إلى أَنْ قَالَ لِي رَجُلٌ: مَا تَقُولُ فِي كَذَا؟ فَقُلْتُ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَذا.
وَقَالَ: وَسَأَلَنِي آخَرُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي كَذا؟ فَقُلْتُ قَالَ الْحَسَنُ.
стр. 150
فَتَعَرَّضُوا إِلَيَّ وَتَرَكُوهُ، فَقَالَ: أَلا تَعْجَبُ مِنْ هَؤُلاءِ، أُحَدِّثُهُمْ عَنْ هِنْدٍ، وَأَبِي هِنْدٍ، وَزَوْجِ هِنْدٍ، وهذا يحدثهم عَنْ عِجْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ مَيْسَانَ، فَيَقُومُونَ إِلَيْهِ وَيَتْرُكُونَنِي أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ فِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ:
بَأَيِّ الْخَلَّتَيْنِ عَلَيْكَ أُثْنِي ... فَإِنِّي عِنْدَ مُنْصَرفِي سَئُولُ
أَبَا الْحُسْنَى فَلَيْسَ لَهَا ضِيَاءٌ ... عَلَيَّ فَمَنْ يُصَدِّقُ مَا أَقُولُ؟
دَخَلَ جَدِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ لَقِيَهُ مَنْ سَمِعَ كَلامَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، اكْتُبْنِي ذَلِكَ الْكَلامَ الَّذِي تَكَلَّمْتَ بِهِ، قَالَ: مَا أَحْفَظُهُ، وَلا أَعْرِفُهُ، إِنَّمَا كَانَ كَلامًا عَنَّ فَفَنَّ.
٢٦١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدٍ الْمُسَاحِقِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قال: " دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ، فِيهِمْ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَأَوْسَعَ لَهُ مُعَاوِيَةُ، فَجَلَسَ مَعَهُ عَلَى سَرِيرٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَقْبَلَ مَرْوَانُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ:
لِلَّهِ دَرُّكَ مِنْ رَئِيسِ قَبِيلَةٍ ... تَضَعُ الْكَبِيرَ وَلا تُرَبِّي الأَصْغَرَا
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا "
٢٦٢ - حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثَلاثًا، فَإِنْ زَنَتِ الرَّابِعَةَ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ مِنْ شَعْرٍ»
٢٦٣ - حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَامِرَ بْنَ صَالِحٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةِ، عَنْ أَبْيهِ، قَالَ: " قَالَ لِي أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هَلْ لَكَ أَنْ أَبِيعَكَ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، وَأُنْسِئَكَ النَّصْفَ؟ قَالَ: فَقَالَ عُرْوَةُ: وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ صَدَقَاتِ مُضَرَ الْحَمْرَاءَ كُلَّهَا لِي، لَشَهِدْتُ أَبَاكَ يَعْنِي مَرْوَانَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ أَمَرَ لِلْنَاسِ بِنِصْفِ عَطَائِهِمْ.
وَقَالَ: إِنَّ الْمَالَ قَصَّرَ، وَقَدْ أَمَرْتُ لَكُمْ بِالنِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ صَدَقَاتِ مَالِ الْيَمَنِ.
قَالَ: فَوَثَبَ النَّاسُ فَقَالُوا: لا وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ، ذَاكَ مَالُ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا مَالُنَا مَالُ الْخَرَاجِ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ، فَأَمَرَ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ بِمَالِ الْخَرَاجِ «
كَانَ عِنْدِي سَيْفُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، اشْتَرَيْتُهُ، فَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ جَعْفَرٌ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ يَطْلُبُهُ مِنِّي بِثَمَنٍ، فَأَهْدَيْتُهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ عِنْدَ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ السَّيْفُ الَّذِي يُسَمَّى الْعُرْجُونَ، وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ» سَيْفَ ابْنِ جَحْشٍ انْقَطَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عُرْجُونَ نَخْلَةٍ، فَصَارَ فِي يَدِهِ سَيْفًا "، يُقَالُ: إِنَّ قَائِمَتَهُ مِنْهُ، فَبِيعَ مِنْ بُغَا التُّرْكِيِّ بِمَائَتِي دِينَارٍ.
стр. 151
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَإِذَا هُوَ كَالْمُغْتَاظِ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَامِلِكُمْ آنِفًا، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَسَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَقُلْتُ:
مُسَّا تُرَابَ الأَرْضِ مِنَهَا خُلِقْتُمَا ... وَفِيهَا الْمَعَادُ وَالْمَصِيرُ إِلَى الْحَشْرِ
وَلا تَعْجَبَا أَنْ تُؤْتَيَا فَتُكَلَّمَا ... فَمَا حُشِيَ الأَقْوَامُ شَرًّا مِنَ الْكِبْرِ
فَلَوْ شِئْتُ أَدْلَى فِيكُمَا غَيْرُ وَاحِدٍ ... عَلانِيَةً أَوْ قَالَ عِنْدِيَ فِي السِّرِّ
فَإِنْ أَنْا لَمْ آمُرْ وَلَمْ أَنْهِ عَنْكُمَا ... ضَحِكْتُ لَهُ حَتَّى تَلَجَّ وَيَسْتَشْرِي
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَقُلْتُ لَهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَمِثْلُكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فِي سِنِّكَ وَفَضْلِكَ يَقُولُ الشِّعْرُ؟ قَالَ: إِنَّ الْمَصْدُورَ إِذَا نَفَثَ بَرَأَ
حَدَّثَنِي مُبَارَكٌ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْمَاهِرِ، يَقُولُ: " قَدِمَ الْمَنْصُورُ لِلْحَجِّ، فَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ النَّدْوَةِ إِلَى الطَّوَافِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مُسْتَتِرًا مِنَ النَّاسِ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيُصَلِّي وَيَدْعُو، لا يُعْرفُ مَوْضِعَهُ، فَإِذَا أَضَاءَ الْفَجْرُ عَادَ إِلَى دَارِ النَّدْوَةِ، وَجَاءَ الْمُؤَذِّنُونَ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَيَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَخَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ حِينَ أَسْحَرَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، فَسَمِعَ رَجُلا فِي الْمُلْتَزَمِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ظُهُورَ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ فِي الأَرْضِ، وَمَا يَحُولُ بَيْنَ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ مِنَ الطَّمَعِ.
قَالَ: فَاقْتَصَدَ الْمَنْصُورُ فِي مَشْيِهِ حَتَّى مَلَأَ مَسَامِعَهُ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الطَّوَافِ، فَجَلَسَ نَاحِيَةً مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، وَأَقْبَلَ مَعَ الرَّسُولِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: مَا هَذَا الَّذِي سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ مِنْ ظُهُورِ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ فِي الأَرْضِ، وَمَا يَحُولُ بَيْنَ الْحَقِّ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مِنَ الطَّمَعِ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ حَشَوْتَ مَسَامِعِي مَا أَرْمَضَنِي وَأَقْلَقَنِي.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَمَّنْتَنِي عَلَى نَفْسِي أَنْبَأْتُكَ بِالأُمُورِ مِنْ أُصُولِهَا، وِإِلا احْتَجَزْتُ مِنْكَ، وَاقْتَصَرْتُ عَلَى نَفْسِي، فَفِيهَا شَاغِلٌ عَنْ سِوَى ذَلِكَ.
قَالَ الْمَنْصُورُ: فَأَنْتَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِكَ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الَّذِي دَخَلَهُ الطَّمَعُ حَتَّى حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِ، فَأَظْهَرَ طَمَعَهُ فِي الأَرْضِ وْالْفَسَادَ وَالْبَغْيَ لَأَنْتَ.
стр. 152
قَالَ: وَيْحَكَ، وَكَيْفَ يَدْخُلُنِي الطَّمَعُ وَالصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ فِي قَبْضَتِي، وَالْحُلْوُ وَالْحَامِضُ فِي يَدِي! ! فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَلْ دَخَلَ أحدًا مِنَ الطَّمَعِ مَا دَخَلَكَ! ؟ إِنَّ اللَّهَ ﵎، اسْتَرْعَاكَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَغْفَلْتَ أُمُورَهُمْ، وَاهْتَمَمْتَ بِجَمْعِ أَمْوَالِهِمْ، وَجَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا مِنْ جَصٍّ وَآجُرٍّ، وَأَبْوَابًا مِنْ حَدِيدٍ، بَعْضُهَا عَلَى إِثْرِ بَعْضٍ، وَحَجَبَةً عَلَيْهَا فِي أَيْدِيهِمُ السِّلاحُ، ثُمَّ سَجَنْتَ نَفْسَكَ فِيهَا، وَاحْتَجَبْتَ بِهَا عَنْهُمْ، وَبَعَثْتَ عُمَّالَكَ فِي جِبَايَةِ الأَمْوَالِ وَجَمْعِهَا وَحَشْرِهَا إِلَيْكَ، وَقَوَّيْتَهُمُ بِالرِّجَالِ وَالْكُرَاعِ، وَأَمَرْتَ بِأَلا يَدْخُلَ عَلَيْكَ مِنَ النَّاسِ إِلا فُلانًا وَفُلانًا، لِنَفَرٍ يَسِيرٍ، وَنَهَيْتَهُمْ أَنْ يُوصِلُوا إِلَيْكَ مَظْلُومًا أَوْ مَلْهُوفًا أَوْ جَائِعًا أَوْ عَارِيًا أَوْ فَقِيرًا، لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ الَّذِي قِبَلَكَ حَقٌّ، فَجَبَى عُمَّالُكَ الأَمْوَالَ وَجَمَعُوهَا وَحَشَرُوهَا إِلَيْكَ، فَأَوْدَعْتَهَا الْخَزَائِنَ بِمَدِينَتِكَ، وَلَمْ تُعْطِهَا أَهْلَهَا، فَلَمَّا رَآكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ الَّذِينَ اسْتَخْلَفْتَهُمْ لِنَفْسِكَ، وَخَصَصَّتَهُمْ بِبِرِّكَ، وَآثَرْتَهُمْ عَلَى رَعِيَّتِكَ، تَجِمُّ الأَمْوَالَ وَتَجْمَعُهَا، وَتَسْتَأْثِرُ بِهَا، فَلا تُقَسِّمُهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَتَمْنَعُهُمْ حُقُوقَهُمْ مِنْهَا، قَالُوا: هَذَا قَدْ خَانَ اللَّهَ فَمَالَنَا لا نَخُونُهُ، وَقَدْ سَجَنَ نَفْسَهُ، وَأَمْكَنَنَا مِنْهُ الْفُرْصَةَ , وَاطَّلَعْنَا مِنْهُ عَلَى الْعَوْرَةِ! فَتَوَازَرُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَنْ لا يَصِلَ إِلَيْكَ مِنْ عِلْمِ خَبَرِ النَّاسِ إِلا مَا أَحَبُّوا، وَأنْ لا تَطَّلِعَ مِنْ أُمُورِهِمْ إِلا عَلَى مَا أَرَادُوا، وَأَنْ لا يَخْرُجَ لَكَ عَامِلٌ فَيُخَالِفَ أُمُورَهُمْ، وَيَطْرَحَ رَأْيَهُمْ، إِلا قَصَبُوهُ عِنْدَكَ، وَاغْتَابُوهُ، حَتَّى تَسْقُطَ مَنْزِلَتُهُ، وَيَتَّضِحَ أَمْرُهُ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ وَأَمْرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَانْتَشَرَ لَهُمْ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مِنْ رَعِيَّتِكَ أَنَّهُمْ يَضُرُّونَ وَيَنْفَعُونِ عِنْدَكَ مَنْ شَاءُوا، وَأَنَّكَ تَقْبَلُ قَوْلَهُمْ، وَتَعْمَلُ بِرَأْيِهِمْ، فَأَعْظَمَهُمْ مَنْ وَرَاءِ بَابِكَ، وَخَافُوهُمْ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَانَعَهُمْ مِنَ النَّاسِ وَدَارَاهُمْ عُمَّالُكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بِالْهَدَايَا، لِيَقَوَوْا بِهَا عَلَى ظُلْمِ رَعِيَّتِكَ، فَامْتَلَأَتِ الأَرْضُ مِنْ طَمَعِكَ الْحَاجِزِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْحَقِّ، بَغْيًا وَفَسَادًا، وَصَارَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ الَّذِينَ سَجَنْتَ نَفْسَكَ لَهُمْ بِطَمَعِكَ شُرَكَاءَكَ فِي سُلْطَانِكَ، يَكْسِبُونَ لَكَ الْآثَامَ، وَيُطَوِّقُونَكَ الْخَطَايَا، وَيُحَمِّلُونَكَ الأَوْزَارَ، وَأَنْتَ غَافِلٌ أَوْ متُغَافِلٌ، كَأَنَّكَ لا تَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا ظَلَمَ أَحَدٌ مِنْ عُمَّالِكَ أَحَدًا مِنْ رَعِيَّتِكَ، أَوْ قَوِيٌّ مِنْ جُنْدِكَ غَصَبَ ضَعِيفًا مِنْ ذَوِي الْعَهْدِ، فَجَاءَكَ مُتَظَلِّمًا، أَنَّهُ يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْكَ قَضِيَّةً عِنْدَ ظُهُورِكَ، وَجَدَكَ قَدْ نَهَيْتَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَقَّفْتَ لِلنَّاسِ رَجُلا يَنْظُرُ فِي مَظَالِمِهِمْ، فَإِنْ أَتَى ذَلِكَ الرَّجُلُ بِمَظْلَمَةٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهِدٍ، وَبلَغَ ذَلِكَ
стр. 153
بِطَانَتَكَ، أَتُوا الرَّجُلُ فَسَأَلُوهُ أَنْ لا يَرْفَعَ مَظْلَمَتَهُ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَظَلَّمُ مِنْهُ لَهُ بِهِ حُرْمَةٌ.
وَمَا حُرْمَتُهُ قِدَمَ خِيَانَتِهِ، فَأَجَابَهُمْ صَاحِبُ الْمَظَالِمِ إِلَى ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ الْمَظْلُومُ أَيَّامًا يَلُوذُ بِهِ، وَيَشْكُو إِلَيْهِ، فَيَعْتَلُّ عَلَيْهِ، وَيَدْفَعُهُ ويُمَنِّيهِ، فَإِذَا ظَهَرْتَ صَرَخَ بَيْنَ يَدَيْكَ مُسْتَغِيثًا، فَضُرِبَ وَجُعِلَ نَكَالا لِغَيْرِهِ، وَأَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَتَحْتَجُّ عَلَيْهِ بَأَنَّكُ قَدْ وَقَّفْتَ لَهُ رَجُلا يَنْظُرُ فِي ظَلامَتِهِ، فَمَا بَقَاءُ الْإِسْلامِ وَأَهْلِهُ عَلَى هَذَا؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ عَلَى مَا كَانَ فِيهِمْ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ بِطَانَتَهَا، لا تَنْهَى مَظْلُومًا عَنْ رَفْعِ مَظْلَمَةٍ، وَلَقَدْ كَانَ يَأْتِي الْمَظْلُومُ فِي عَصْرِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَى بَابِ سُلْطَانِهِمْ نَادَى: يَا أَهْلَ الْإِسْلامِ.
فَيَقُولُونَ: مَا لَكَ؟ مَا لَكَ؟ لَيْسَ فِي ذَلِكَ طَلَبُ ثَوَابٍ إِلا الْتِمَاسَ مَكَارِمِ الدُّنْيَا.
فَيَقُولُ أَخِي إِلَيَّ فِي الْإِسْلامِ كَذَا وَكَذَا، فَيَبْتَدِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا الْمَنْطِقَ عِنْدَ سُلْطَانِهِمْ، فَيَقُولُونَ: بِالْبَابِ رَجُلٌ يَشْكُوا كَذَا وَكَذَا، فَيُنْظَرُ فِي ظَلامَتِهِ وَيُنْصَفُ.
وَقَدْ كُنْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُسَافِرُ إِلَى أَرْضِ الصِّينِ، فَقَدِمْتُهَا فِي بَعْضِ أَسْفَارِي، وَقَدْ أُصِيبَ مَلِكُهُمْ بِسَمْعِهِ، فَبَكَى يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ وُزَرَائِهِ، فَقَالُوا لَهُ: مَا أَبْكَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ لا بَكَتْ عَيْنَاكَ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي لِلْبَلِيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِي، وَلَكِنِّي أَبْكِي لِمَظْلُومٍ يَصْرُخُ وَلا أَسْمَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِذَا ذَهَبَ سَمْعِي فَإِنَّ بَصَرِي لَمْ يَذْهَبْ، نَادُوا فِي النَّاسِ: أَلا يَلْبَسُ ثَوْبًا أَحْمَرَ إِلا مَظْلُومٌ، ثُمَّ كَانَ يَرْكَبُ الْفِيلَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فَيَنْظُرُ هَلْ يَرَى مَظُلُومًا.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، قَدْ غَلَبَتْ رَأْفَتُهُ بِالْمُشْرِكِينَ شُحَّ نَفْسِهِ، وَأَنْتَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ، ثُمَّ أَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَلا يَغْلِبَنَّكَ شُحُّ نَفْسِكَ، فَتَدَعَ الرَّأْفَةَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا تَجْمَعُ الأَمْوَالَ إِلا لَواحِدٍ مِنْ ثَلاثٍ.
стр. 154
إِنْ قُلْتَ: أَجْمَعُهُ لَوَلَدِي، فَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ عِبَرًا فِي الطِّفْلِ الصَّغِيرِ، يَسْقُطُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَا لَهُ مَالٌ، وَمَا مِنْ مَالٍ إِلا عَلَيْهِ يَدٌ حَاوِيَةٌ، وَدُونَهُ يَدٌ شَحِيحَهٌ عَلَيْهِ، فَلا يَزَالُ اللَّهُ يَلَطُفُ بِذَلِكَ الطِّفْلِ حَتَّى تَعْظُمَ رَغْبَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَلَسْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي تُعْطِي، بَلِ اللَّهِ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ، وَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا أَجْمَعُ الأَمْوَالَ لِتَشْيِيدَ مُلْكِي، فَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ عِبَرًا فِي بَنِي أُمَيَّةَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا جَمَعُوا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَا اسْتَعَدُّوا مِنَ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ وَالْكُرَاعِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهمْ مَا أَرَادَ، وَمَا ضَرَّكَ وَوَلَدُ أَبِيكَ مِنَ الضَّعْفِ وَقِلَّةِ الْجِدِّ، وْالْخُمُولِ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ مَا أَرَادَ؟ وَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا أَجْمَعُ الأَمْوَالَ لِطَلِبِ غَايَةٍ هِيَ أَجْسَمُ مِنَ الْغَايَةِ الَّتِي أَنَا فِيهَا، فَوَاللَّهِ مَا مِنْ غَايَاتِ الدُّنْيَا غَايَةٌ هِيَ أَجْسَمُ مِنَ الْغَايَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، وَلا بَعْدَهَا غَايَةٌ هِيَ أَجْسَمُ مِنْهَا، لا تَنْجُو إِلا بِمَا تَعْمَلُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ تُعَاقِبُ مَنْ عَصَاكَ مِنْ رَعِيَّتِكَ بِأَشَدَّ مِنَ الْقَتْلِ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِالْمَلِكِ الْجَبَّارِ الَّذِي خَوَّلَكَ مُلْكَ الدُّنْيَا، وَهُوَ لا يُعَاقِبُ مَنْ عَصَاهُ بِالْقَتْلَ، وَلَكِنْ يُعَاقِبُهُمْ بِالْخُلُودِ فِي الْعَذَابِ الأَلِيمِ؟ ! وَقَدْ رَأَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا قَدْ عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُكَ، وَأَضْمَرَتْهُ جُوَارِحُكَ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ بَصَرُكَ، وَاجْتَرَحَتْهُ يَدَاكَ، وَمَشَتْ إِلَيْهِ رِجْلاكَ، وَمَا حَمَلْتَ عَلَى ظَهْرِكَ، فَمَاذَا تَقُولُ إِذَا انْتَزَعَ الْمَلِكُ الْجَبَّارُ مُلْكَ الدُّنْيَا مِنْ يَدِكَ، وَدَعَاكَ إِلَى الْحِسَابِ فِيمَا خَوَّلَكَ؟ هَلْ يُغْنِي عَنْكَ مَا شَحَحْتَ عَلَيْهِ مِنْ مُلْكِ الدُّنْيَا؟ فَبَكَى الْمَنْصُورُ، وَقَالَ: لَيْتَنِي لَمْ أُخْلَقَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ أَحْتَالُ لِنَفْسِي؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ أَضْرَرْتَ بِآخِرَتِكَ، فَنِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ، فَاضْرُرْ بِدُنْيَاكَ تَنَلْ مِنْ آخِرَتِكَ.
قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ فِيمَا خُوِّلْتُ وَلَمْ أرَ مِنَ النَّاسِ إِلا خَائِنًا؟ .
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِلنَّاسِ أَعْلامًا يَفْزَعُونَ إِلَيْهِمْ، فَاجْعَلْهُمْ بِطَانَتَكَ يُرْشِدُوكَ، وَشَاوِرْهُمْ فِي أُمُورِكِ يُسَدِّدُوكَ.
قَالَ الْمَنْصُورُ: قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا مِنِّي.
قَالَ: هَرَبُوا مَخَافَةَ أَنْ تَحْمِلَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا ظَهَرَ مِنْ فِعْلِ عُمَّالِكَ، وَلَكنِ افْتَحِ الأَبْوَابَ، وَسَهِّلِ الْحُجَّابَ، وَانْتَصِرْ لِلْمَظْلُومِ، وَاقْمَعِ الظَّالِمَ، وَخُذِ الْفَيْءَ وَالصَّدَقَاتَ، مِمَّا حَلَّ وَطَابَ، وَاقْسِمْهُ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ، وَأَنَا الضَّامِنُ عَلَى الَّذِينَ هَرَبُوا مِنْكَ أَنَ يَأْتُوكَ وَيُشَايِعُوكِ عَلَى صَلاحِ أَمُورِهِمْ وَأُمُورِكَ، وَصَلاحِ رَعِيَّتِكَ.
فَقَالَ الْمَنْصُورُ: اللَّهُمَّ وَفِّقْنِي لأَنْ أَعْمَلَ بِمَا قَالَ هَذَا الرَّجُلُ.
стр. 155
وَجَاءَ الْمُؤَذِّنُونُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَجْلِسِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَطَلَبَ الرَّجُلَ فَلَمْ يُوجَدْ، فَقَالَ بَعْضَ النَّاسِ: نَظُنُّهُ رَجُلا مِنَ الأَبْدَالِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: نَظُنَّهُ الْخَضِرَ ﵇
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: قَالَ شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ لَأَبِي جَعْفَرٍ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَسَّمَ أَقْسَامَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، لَمْ يَرْضَ لَكَ مِنَهِا إِلا بِأعْلاهَا وَأَسْنَاهَا، فَلَمْ يَجْعَلْ فَوْقَكَ فِي الدُّنْيَا أَحَدًا، فَلا تَرْضَ لِنَفْسِكَ إِذْ فَعَلَ بِكَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فَوْقَكَ فِي الْآخِرَةِ أَحَدٌ، واتَّقِ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ اللَّهِ، إِلَيْكُمْ جَاءَتْ، وَمِنْكُمْ قُبِلَتْ، وَإِلَيْكُمْ تُرَدُّ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ لْابْنِهِ: " يَا بُنَيَّ، إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ نِعْمَةً، فَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَإِذَا أَحْزَنَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ.
وَإِذَا أَبْطَأَ عَلَيْكَ رِزْقٌ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّهُ قَالَ لَبَنِيهِ: " يَا بَنِيَّ لا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لاثْنَتَيْنِ: لا تَعَلَّمُوهُ لِلْتَمَارِي، وَلا لِلتَّبَاهِي، وَلا تَدَعُوهُ رَغْبَةً عَنْهُ، وَلا اسْتِحْيَاءً مِنَ تَعَلُّمِهِ
حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: " لا يَكُونُ الْمَعْرُوفُ مَعْرُوفًا إِلا بِاسْتِصْغَارِهِ وَتَعْجِيلِهِ وَكِتْمَانِهِ
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " كَانَ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ، يَقُولُ: لا أَشْتُمُ أَحَدًا، وَلا أَمْنَعُ سَائِلا أَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ، فَإِنَّمَا يَشْتُمُنِي أَحَدُ رَجُلَيْنِ: كَرِيمٌ كَانَ شَتْمُهُ إِيَّايَ زَلَّةً مِنْهُ، فَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَفَرَ لَهُ، أَوْ لَئِيمٌ قَادَهُ إِلَيَّ لُؤْمُهُ، فَلا أَرَى عِرْضِي لِعِرْضِهِ خَطَرًا، وَإِنَّمَا يَسْأَلُنِي أَحَدُ رَجُلَيْنِ: كَرِيمٌ أَصَابَتْهُ خَلَّةٌ، فَأَنَا أَحَقُّ مَنْ أَعَانَهُ، أَوْ لَئِيمٌ أَفْتَدِي مِنْهُ عِرْضِي
حَدَّثَنِي مُبَارَكُ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: " كَتَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْمَنْصُورِ يُعَزِّيهِ، أمَا بَعْدُ: فَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، مَنْ كَانَ إِمَامًا بَعَدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِمَامٌ إِلا اللَّهُ
стр. 156
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَقَايَا عَادٍ مِمَّنْ نَجَا مَعَ هُودٍ ﵌، يُقَالُ لَهُ: حِمَارُ بْنُ مُوَيْلِعِ، وَكَانَ أَشَدَّ أَهْلَ زَمَانِهِ وَأَمْنَعِهِ، وَكَانَ قَدْ حَمَى جَوْفًا مِنْ أَرْضِ عَادٍ، يُنْبِتُ حُرَّ الشَّجِرِ، وَكَانَ يَزْرَعُ فِي نَوَاحِيهِ، وَكَانَ أَخْصَبَ وَادٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَبِهِ مَاءٌ مَعِينٌ، وَكَانَ يُكْرِمُ الضَّيْفَ، وَيَرْعَى مَنِ اسْتَرْعَاهُ، فِي ذَلِكَ الْجَوْفِ، وَكَانَ طُولُهُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَعَرْضُهُ فَرْسَخَيْنِ لِلْرَاكبِ الْمُجِدِّ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ مِنَ أَسْفَلِهُ إِلَى أَعْلاهُ، وَمِنْ أَعْلاهُ إِلَى أَسْفَلِهِ، فَهُوَ فِيمَا شَاءَ مِنْ رَعْيٍ وَشَجَرٍ، وَكَانَ مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَهُ بَنُونَ عَشْرَةٌ، وَمَعَهُ نُفَيْرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَخَرَجَ بَنُوهُ فِي سَفَرٍ لَهُمْ، فَأَصَابَتْهُمْ صَاعِقَةٌ، فَمَاتُوا كُلُّهُمْ، فَأَسِفَ وَغَضِبَ وَقَالَ: لا أعَبْدُ اللَّهِ أَبَدًا، فَرَجَعَ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَكَفَرَ كُفْرًا عَظِيمًا، وَمَنَعَ الضِّيَافَةَ مِمَّنْ مَرَّ بِهْ مِنَ النَّاسِ، وَدَعَا مَنْ أَرْعَاهُ مِنَ النَّاسِ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، فَمَنْ أَجَابَهُ تَرَكَهُ وَأَقَرَّهُ، وَمَنْ أَبَى عَلَيْهِ قَتَلَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ، وَقَدْ أَدْرَكَهُ أَوَائِلُ قَبَائِلِ مَهْرَةَ، وَهِي كُورَةٌ مِنْ كُوَرِ الْيَمَنِ، فَأَقْبَلَتْ نَارٌ مِنْ أَسْفَلِ الْجَوْفِ بِرِيحٍ عَاصِفٍ، فَأَحْرَقَتِ الَجَوْفَ بِمَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، قَالَ: امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وَوَادٍ كَجَوْفِ الْعِيرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ ... بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كَالْخَلِيعِ الْمُعَيَّلِ
وَقَالَ عَوَاءُ بْنُ ضَمْضَمِ الْمَهْرِيُّ:
وَقَفْتُ عَلَى رَسْمٍ لَأَسَمْاءَ دَارِسٍ ... أُسَائِلُهُ وَلَيْسَ فِي الدَّارِ مَأْنَسُ
تَحَمَّلَ مِنْهَا سَاكِنُوهَا فَأَصْبَحَتْ ... كَجَوْفِ الْحِمَارِ لَيْسَ فِيهَا مَعْرَسُ
وَقَدْ كَانَ جَوْفُ الْعِيرِ لِلْعَيْنِ مَنْظَرًا ... أَنِيقًا وَفِيَهِ لِلْمُجَاوِرِ مَنْفَسُ
وَقَالَ كَفَّارَةُ بْنُ مَيْسَاكٍ الْكِنْدِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ:
مَرَرْتُ بِجَوْفِ الْعِيرِ وَهْيَ حَثِيثَةٌ ... وَقَدْ خُلِّقَتْ بِالَأَمْسِ مَحْلَ الْقَرَاضِمِ
تُخَافُ مِنَ الْمَصْلَى عَدُوًّا مُكَاشِحًا ... وَدُونَ بَنِي الْمَصْلَى هُذَيْلُ بْنُ ظَالِمِ
وَمَالِي بِجَوْفِ الْعِيرِ مِنْ مُتْلَدِّدِ ... مَسِيرَةَ يَوْمٍ لِلْمَطِيِّ الرَّوَاسِمِ
الْقَرَاضِمُ: مِنْ مَهْرَةَ، حَيٌّ يُقَالُ لُهُمْ بَنُو قَرْضَمٍ، وَمَصْلَى بَطْنٌ، وَمُتْلَدِّدٌ مُتَلَفِّتٌ، وَيُقَالُ لِنَاحِيَتِي الْعُنُقِ: اللَّدِيدَانِ.
وَقَالَ عِيَاضُ بْنُ عَدِيٍّ، وَكَانَ رَجُلا مِنْ حَاءٍ وَحَكَمٍ، وَهُمْ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالَ: حَاءٌ وَحَكَمٌ حَيَّانِ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُمْ خَلْفُ الْحَكَمِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ، وَكَانُوا عَلَى أَرْضٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهَا: الْبَوْبَاةُ، وَكَانُوا يَبْغُونَ فِيهَا فَاحْتَرَقَتْ فَقَالَ عِيَاضٌ:
أَلَمْ تَرَ لِلْبَوْبَاةَ كَيْفَ تَنَكَّرَتْ ... مَعَالِمُهَا مِنْ حَيِّ حَاءٍ وَمِنْ حَكَمْ
وَصَبَّحَهَا يَوْمٌ عَصِيبٌ فَأَصْبَحَتْ ... كَجَوْفِ الْحِمَارِ جَدْبَةً مَا بِهَا عَلَمْ
خَرَابًا يَبَابًا لَيْسَ فِيهِ مُعَرِّسٌ ... لِمُقْتَبِسٍ نَارًا إِذَا نَازِلٌ أَزَمْ
стр. 157
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: " خَرَجَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَمَعَهُ سَيِّدُ الْحِيرَةِ فِي عِيرٍ لَهُ، يُرِيدُ الْعِرَاقَ فِي تِجَارَةٍ لَهُ، وَكَانَ سُوقُ الْحِيرَةِ سُوقًا تَجْتَمِعُ إِلَيْهَا الْعَرَبُ كُلَّ سَنَةٍ، وَكَانَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَدْ جَعَلَ لِبَنِي لأْمٍ مِنْ طَيِّئٍ رُبْعَ الطَّرِيقِ طُعْمَةً لَهُمْ، وَذَلِكَ لأَنَّ ابْنَةَ سَعْدِ بْنِ حَارِثٍ مِنْ لأْمٍ كَانَتْ عِنْدَ النُّعْمَانِ، فَكَانُوا أَصْهَارَهُ فَمَرَّ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بَحَاتِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلَهُ الْجِوَارَ فِي أَرْضِ طَيِّئٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْحِيرَةِ، فَأَجَارَهُ، وَأَمَرَ حَاتِمٌ بَجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، ثُمَّ طُبْخَتْ أَعَضَاءً فَأَكَلُوا، وَمَعَ حَاتِمٍ مِلْحَانُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَشْرَجِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَلَمَّا فَرَغُوَا مِنَ الطَّعَامِ طَيَّبَهُمُ الْحَكَمُ مِنْ طِيبِهِ ذَلِكَ، فَمَرَّ حَاتِمٌ بِسَعْدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ، وَلَيْسَ مَعْ حَاتِمٍ مِنْ بَنِي أَبِيهِ غَيْرُ مَلْحَانَ، وَحَاتِمٌ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، وَمَعهُ فَرَسُهُ يُقَادُ، فَأَتَاهُ بَنُو لَأْمٍ، فَوَضَعَ حَاتِمٌ سُفْرَتَهُ، فَقَالَ: أَطْعِمُوا حَيَّاكُمُ اللَّهُ.
فَقَالُوا: مَنْ هَؤُلاءِ مَعَكَ يَا حَاتِمُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ جِيرَانِي، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: فَأَنْتَ تُجِيرُ عَلَيْنَا فِي بِلادِنَا؟ ! فَقَالَ: أَنَا ابْنُ عَمِّكُمْ، وَأَحَقُّ مَنْ لَمْ تَخْفِرُوا ذِمَّتَهُ.
فَقَالُوا: لَسْتَ هُنَاكَ، وَأَرَادُوا أَنْ يَفْضَحُوهُ كَمَا فُضِحَ عَامِرُ بْنُ جُوَيْنٍ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ، فَتَنَاوَلَ كِنْدِيُّ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمِ حَاتِمًا، فَأَهْوَى إِلَيْهِ حَاتِمٌ بِالسَّيْفِ.
فَأَطَارَ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ، فَوَقَعَ الشَّرُ حَتَّى تَحَاجَزُوا، فَقَالَ حَاتِمٌ:
وَدِدْتُ وَبَيْتِ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَنْفَهُ ... هَوَاءٌ فَمَا مَتَّ الْمُخَاطِ مِنَ الْعَظْمِ
وَلَكِنَّمَا لاقَاهُ سَيْفُ ابْنِ عَمِّهِ ... فَأَبْقَى وَمَرَّ السَّيْفُ مِنْهُ عَلَى الْخَطْمِ
فَقَالُوا لِحَاتِمٍ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ سُوقُ الْحِيرَةِ، فَنُمَاجِدُكَ بِهَا، وَنَضَعُ الرَّهْنَ، فَفَعَلُوا، وَوَضَعُوا تِسْعَةَ أَفْرَاسٍ رَهْنًا، عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ أَوْسِ بْنِ جَابِرِ بْنِ كَعْبَشِ بْنِ عَلِيمٍ مِنْ جَنَابٍ، وَوَضَعَ حَاتِمٌ فَرَسَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْحِيرَةِ، وَسَمِعَ بِذَلِكَ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، فَخَافَ أنْ يُعَيِّنَهُمُ النُّعْمَانُ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَيُقَوِّيهِمْ بِمَالِهِ وَسُلْطَانِهِ، لِلصِّهْرِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَجَمَعَ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ رَهْطَهُ مِنْ بَنِي حَيَّةَ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي حَيَّةَ، إِنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ قَدْ أَرَادُوا أَنْ يَفْضَحُوَا ابْنَ عَمِّكُمْ حَاتِمًا، وَيَصْنَعُوا بِهِ كَمَا صَنَعُوا بِعَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ، وَحَاتِمٌ وَحْدَهُ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَعِينُوا ابْنَ عَمِّكُمْ فِي مِجَادِهِ.
فَقَامَ رَجُلٌ مِنِ بَنِي حَيَّةَ فَقَالَ: عِنِّدي مِائَةُ نَاقَةٍ سَوْدَاءَ، وَمِائَةُ نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، وَمِائَةُ نَاقَةٍ أَدْمَاءَ.
وَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: عِنْدِي عَشَرَةُ حُصُنٍ عَلَى كُلِّ حِصَانٍ مِنْهَا فَارِسٌ مُدَجَّجٌ، لا يُرَى مِنْهُ إِلا عَيْنَاهُ.
стр. 158
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ حَنْظَلَةِ الْخَيْرِ: قَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ عَلَيَّ كَلا كَثِيرًا، وَلَكَنْ عَلَيَّ كُلُّ خَمْرٍ وَطَعَامٍ وَلَحْمٍ يُبَاعُ فِي سُوقِ الْحِيرَةِ.
ثُمَّ قَالَ إِيَاسٌ: عَلَيَّ مِثْلُ جَمِيعِ مَا أَعْطَيْتُمْ، وَمَا فِي سُوقِ الْحِيرَةِ.
قَالَ: وَلا يَعْلَمْ حَاتِمٌ بِشَيْءٍ مِمَّا صَنَعُوا، وَذَهَبَ حَاتِمُ إِلَى مَالِكِ بْنِ جَبَّارٍ، ابْنِ عَمٍّ لَهُ بِالْحِيرَةِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَقَالَ: أَعِنِّي فِي مُخَايَلَتِي وَأَنْشَدَهُ:
يَا مَالِ! إِحْدَى خُطُوبِ الدَّهْرِ قَدْ طَرَقَتْ ... يَا مَالِ! مَا أَنْتُمُ عِنَهَا بِزْحَزَاحِ
يَا مَالِ! جَاءَتْ حِيَاضُ الْمَوْتِ وَارِدَةً ... مِنْ بَيْنِ غَمْرٍ فَخُضْنَاهُ وَضَحْضَاحِ
فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: مَا كُنْتُ لِأَحْرِمَ نَفْسِي وَلا عِيَالِي، وَأُعْطِيكَ.
فَانْصَرَفَ عَنْهُ، وَأَتَى حَاتِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنَ عَمٍّ لَهُ يقالُ لَهُ: وَهْمُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ مُصَارِمًا لَهُ يَوْمَئِذٍ، لا يُكَلِّمُهُ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: أَيْ وَهْمُ، وَاللَّهِ أَبُو سَفَّانَةَ، حَاتِمٌ قَدْ طَلَعَ.
فَقَالَ: مَا لَنَا وَلِحَاتِمٍ، أَثْبِتِي النَّظَرَ.
فَقَالَتْ: هُوَ وَاللَّهِ هُوَ، لا شَكَّ فِيهِ.
فَقَالَ: وَيْحَكِ هُوَ لا يُكَلَّمُنِي، فَمَا جَاءَ بِهِ إِلَيَّ؟ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا حَاتِمُ؟ فَقَالَ: أَخْطَرْتُ عَنْ حَسَبِي وَحَسَبِكَ.
فَقَالَ: الرَّحْبُ وَالسَّعَةُ.
هَذَا مَالِي وَعِنْدَهُ يَوْمَئِذٍ سَبْعُ مِائَةِ بَعِيرٍ، فَخُذْهَا مِائَةً مِائَةً حَتَّى تَذْهَبَ الإِبِلُ، أَوْ تُصِيبَ الَّذِي تُرِيدُ.
فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: إِي وَهْمُ، أَتُخْرِجْنَا مِنْ مَالِنَا فَنَبْقَى عَالَةً؟ فَقَالَ: إِلَيْكِ عَنِّي، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ مَا عِنْدَكِ لِيَرُدَّنِي عَمَّا قِبَلِي، فَقَالَ حَاتِمٌ:
أَلا أَبْلِغَا وَهْمَ بْنَ عَمْرٍو رِسَالَةً ... فَإِنَّكَ أَنْتَ الْمَرْءُ بِالْخَيْرِ أَجْدَرُ
رَأَيْتُكَ أَدْنَى مِنْ أُنَاسٍ قَرَابَةً ... وَغَيْرُكَ مِنْهُمْ كُنْتُ أَحْبُو وَأَنْصُرُ
إِذَا مَا أَتَى يَوْمٌ يُفَرِّقُ بَيْنَنَا ... بِمَوْتٍ فَكُنْ يَا وَهْمُ ذُو تَتَأَخَّرُ
ثُمَّ قَالَ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ: احْمِلُونِي إِلَى الْمَلِكِ، وَكَانَ بِهِ نَقْرَسٌ، فَحُمِلَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْعِمْ صَبَاحًا أَبَيْتَ اللَّعنَ.
فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: حَيَّاكَ إِلَهَكَ.
فَقَالَ لَهُ إِيَاسٌ: أَتُمِدُّ أَخْتَانَكَ بِالْمَالِ، وَالْخَيْلِ، وَجَعَلْتَ بَنِي ثُعَلٍ فِي قَعْرِ الْكِنَانَةِ؟ أَظَنَّ أَخْتَانُكَ أَنْ يَصْنَعُوا بِحَاتِمٍ مَا صَنَعُوا بِعَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ، وَلَمْ يَشْعُرُوا أَنَّ بَنِي حَيَّةَ بِالْبَلَدِ.
فَإِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ نَاجَزْنَاكَ حَتَّى تَسْفَحَ الأَوْدِيَةُ دَمًا فَلْيَحْضِرُوا مِجَادَهُمْ عِنْدَ مَجْمَعِ الْعَرَبِ، فَعَرَفَ النُّعْمَانُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ وَكَلامِهِ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: يَا حَلِيمَنَا لا تَغْضَبْ.
فَأَرْسَلَ النُّعْمَانُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأَصْحَابِهِ: انْظُرُوا ابْنَ عَمِّكُمْ حَاتِمًا فَأَرْضُوهُ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أُعْطِيكُمْ مَالِي تُبَدِّدُونَهُ، وَمَا أُطِيقُ بَنِي حَيَّةَ.
فَخَرَجَ بَنُو لأْمٍ إِلَى حَاتِمٍ، فَقَالُوا: أَعْرِضْ عَنْ هَذَا الْمِجَادِ وَنَدَعُ لَكَ أَرْشَ أَنْفِ ابْنِ عَمِّكَ.
стр. 159
قَالَ: لا وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ حَتَّى تَتْرُكُوا أَفْرَاسَكُمْ، وَيُغْلَبَ مِجَادُكُمْ، فَتَرَكُوا أَفْرَاسَهُمْ، وَأَرْشَ أَنْفِ صَاحِبِهِمْ، وَقَالُوا: أَبْعَدَهَا اللَّهُ فَإِنَّمَا هِيَ مَقَارِيفُ، فَعَمِدَ حَاتِمٌ إِلَيْهَا، فَعَقَرَهَا، وَأَطْعَمَهَا النَّاسَ، وَسَقَاهُمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ حَاتِمُ يُخَاطِبُ أَوْسَ بْنِ حَارِثَةَ:
هَا إِنَّمَا مُطِرَتْ سَمَاؤُكُمُ دَمًا ... وَرَفَعْتَ رَأْسَكَ مَثْلَ رَأْسِ الأَصْيَدِ
لِيَكُونَ جِيرَانِي أُكَالا بَيْنَكُمْ ... بُخْلا لِكِنْدِيٍّ وَسَبِيٍّ مَرْثَدِ
وَابْنُ النُّجُودِ إِذَا غَدا مُتَبَاطِنًا ... دَخَنَ الْقُدُورِ وَذِي الْعِجَانِ الأَرْبَدِ
وَلِثَابِتٍ عَينَي حِرٍ مُتَمَاوِتٍ ... وَالْمعْطُ أَوْسٌ إِذْ عَرَا الْمقلدِ
بَلِّغْ بَنِي لأْمٍ بَأَنَّ جِيَادَهُمْ ... عَقْرَى وَأَنَّ مِجَادَهُمْ لَمْ يَرْشُدِ
أَبْلِغْ بَنِي ثُعَلٍ بَأَنِّيَ لَمْ أَكُنْ ... أَبَدًا لأَفْعَلَهَا طِوَالَ الْمُسْنَدِ
لَأَجِيئَهُمْ فَلًّا وَأَتْرُكَ صُحْبَتِي ... نَهْبًا وَلَمْ تَعْدُ بِقَائِمَةِ يَدِي
كِنْدِيُّ بْنُ حَارِثَةَ بْنُ لَأْمٍ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ.
ابْنُ النُّجُودِ: الأَفْوَهُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ، وَالنُّجُودُ بِنْتُ ثُوْرٍ مِنْ بَنِي رِيفِ بْنِ مَالِكِ، وَالْعَجَّانُ: سَعْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ "
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحْرِزِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ جَدُّهُ وَهُوَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، سَمِعْتُ مُحْرِزَ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْخَيْبَرِيِّ، مَرَّ مُسَافِرًا وَنَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ بِقَبْرِ حَاتِمٍ، بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: تَبْعَةُ، حَوْلَهُ أَنْصَابٌ نَوَائِحُ مِنْ حِجَارَةٍ كَأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ، فَنَزَلُوا بِهِ، فَبَاتَ أَبُو الْخَيْبَرِيِّ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا يُنَادِيهِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَبَا جَعْرٍ أَقْرِ أَضْيَافَكَ، أَبَا جَعْرٍ أَقْرِ أَضْيَافَكِ.
اسْتَهْزَاءً بِهِ وَسُخْرِيَةً.
قَالَ: فَيُنَادَى فِي سَوَادِ اللَّيْلِ: مَهْلا مَا تُكَلِّمُ مِنْ رِمَّةٍ بَالِيَةٍ! وَالرِّمَّةُ: الْعَظْمُ الْبَالِي، وَجَمْعُهَا: رِمَمٌ.
فَيُجِيبُ الْمُنَادِي ردًّا عَلَيْهِ فَيَقُولُ: إِنَّ طَيْئًا تَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ أَحَدٌ إِلا قَرَاهُ، فَأُجِيبَ: ارْقُدْ فَإِنَّهُ سَوْفَ يَقْرِيكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَامَ أَبُو الْخَيْبَرِيِّ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي السَّحَرِ هَبَّ فَزِعًا وَهُوَ يَصْرُخُ بِأُعْلَى صَوْتِهِ: رَاحِلَتَاهُ، رَاحِلَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: وَيْلَكَ، مَا دَهَاكَ؟ قَالَ: خَرَجَ وَاللَّهِ حَاتُمٌ مِنْ قَبْرِهِ بِالسَّيِفِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى عَقَرَ نَاقَتِي.
قَالُوا: كَذَبْتَ وَاللَّهِ لا يَخْرُجُ مَيِّتٌ مِنْ بَطْنِ قَبْرٍ مَرْسُوْسٍ عَلَيْهِ.
قَالَ: بَلَى، وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلَ.
стр. 160
فَنَظَرُوا إِلَى رَاحِلَتِهِ فَوَجَدُوهَا عَقْرَى لا تَنْبَعِثُ، فَقَالُوا: فَقَدْ وَاللَّهِ قَرَاكَ، فَعَمَدَوا إِلَيْهَا فَنَحَرُوهَا، فَظَلُّوا يَوْمَهُمْ وَمَنْ عِنْدِهِمْ مُعَرِّسِينَ عَلَيْهَا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ سَارُوا عِنْدَ آخرِ النَّهَارِ، وَأَرْدَفُوهُ خَلْفَ أَحَدِهِمْ، وَهُمْ سَائِرُونُ فِي بَلِادِ طَيِّئٍ، فَسَارُوا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَنَظَرُوا إِلَى رَاكِبٍ قَدْ أَقْبَلَ كَأَنَّهُ يُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَإِذَا هُوَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَهُوَ رَاكِبٌ بَعِيرًا، قَارِنٌ جَمَلا أَسْوَدَ، وَقَدْ قَرَنَهُ بِحَبْلٍ يَقُودُهُ، حَتَّى إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِمْ، قَالَ: إِنَّكُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ نَزَلَوا بِقَبْرِ حَاتِمٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَيُّكُمْ أَبُو الْخَيْبَرِيِّ؟ قَالُوا: هَذَا.
قَالَ: إِنَ حَاتِمًا أَتَانِي فِي مَنَامِي، فَذَكَرَ لِي تَنَقُّصَكَ لَهُ، وَشَتْمِكَ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرَنِي: أَنَّهُ قَرَى رَاحِلَتَكَ أَصْحَابَكَ، وَأَنْشَدَنِي فِي النَّوْمِ أَبْيَاتًا وَرَدَّدَهَا عَلَيَّ مِرَارًا حَتَّى حَفِظْتُهَا، وَقَدْ أَخْلَفَكَ مَكَانَ رَاحِلَتِكَ هَذَا الْجَمَلَ الأَسْوَدَ، فَاقْتَعْدِهُ.
فَقَالُوا: أَنْشِدْنَا مَا قَالَ مِنَ الشِّعْرِ، وَمَا حَفْظَتَ عَنْهُ، فَأَنْشَدَهُمْ:
أَبَا خَيْبَرِيِّ وَأَنْتَ امْرُؤٌ ... ظَلُومُ الْعَشِيرَةِ شَتَّامُهَا
فَمَاذَا أَرَدْتَ إِلَى رِمَّةٍ ... بَدِاوِيَّةٍ صَخِبٍ هَامُهَا
وَتَبْغِي أَذَاهَا وَتْغَتَابُهَا ... وَحَوْلَكَ غَوْثٌ وَأَنْعَامُهَا
وَإِنَّا لَنُطْعِمُ أَضْيَافَنَا ... مِنَ الْكُومِ بِالسَّيْفِ نَعْتَامُهَا
الْكَوْمُ: الْإِبِلُ الْعِظَامُ الأَسْنِمَةِ.
وَأَخَذَ أَبُو الْخَيْبَرِيِّ مِنْ عَدِيٍّ الْجَمَلَ وَاقْتَعَدَهُ
٢٧٦ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: " اجْتَمَعَ عْنَدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ جمَاعَةٌ، فَتَذَاكَرُوا الْجُودَ والسَّخَاءَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَجْوَدُ النَّاسِ حَيًّا وَمَيَّتًا حَاتِمٌ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ قُرَيْشٍ لَيُعْطِي فِي مَجْلِسٍ واحِدٍ مَا لَمْ يَكُنْ حَاتِمٌ يَمْلِكَ مِثْلَهُ وَلا قَوْمُهُ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: أُخْبِرُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِجُودِ حَاتِمٍ، أَمَّا حيًّا فَقَدْ بَلَغَكَ وَأمَّا مَيَّتًا، فَإِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ مَرُّوا بِقَبْرِ حَاتِمٍ مُسَافِرَيْنِ وَرَئِيسُهُمْ رَجُلٌ يُكْنَى أَبَا الْخَيْبَرِيِّ، فَنَزَلُوا بِقَبْرِهِ مُعَرِّسِينَ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنُبْخِلَنَّهُ، وَلَنُخْبِرَنَّ الْعَرَبَ أَنَّا نَزَلْنَا بِحَاتِمٍ فَسَأَلْنَا الْقِرَى فَلَمْ يَقْرِنَا، وَأَرَادُوا عَيْبَهُ وَتَهْجِينَهُ، فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ: أَيَا حَاتِمُ أَلا تَقْرِي أَضْيَافَكَ، فَإِذَا هُمْ بِصَوْتِ مُنَادٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ:
أَبَا خَيْبَرِيٍّ وَأَنْتَ امْرُؤٌ ... ظَلُومُ الْعَشِيرَةِ لَوَّامُهَا
فَمَاذَا أَرَدْتَ إِلَى رِمَّةٍ ... بَدِاوِيَّةٍ صَخِبٍ هَامُهَا
وَتَبْغِي أَذَاهَا وَتْغَتَابُهَا ... وَحَوْلَكَ غَوْثٌ وَأَنْعَامُهَا
وَإِنَّا لَنُطْعِمُ أَضْيَافَنَا ... مِنَ الْكُومِ بِالسَّيْفِ يَعْتَامُهَا
فَهَبَّوا مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُونَ، فَوَجَدُوا نَاقَةَ أَحَدِهِمْ تَكُوسُ عَقِيرًا، فَعَجِبَ مُعَاوِيَةُ مِنْ حَدِيثِهِ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ "
стр. 161
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللِّهِ الزُّبَيْرُ الْعَرَبُ تَتَحَدَّثُ بِأَشْيَاءَ هِيَ عِنْدَهَا صَحَيِحَةٌ، وَقَدْ نَطَقَتْ بِذَلِكَ أَشَعَارُهَا، وَتَمَثَّلَتْ بِهِ وَلا تَكَادُ النَّفْسُ تُصَدِّقُ بِهَا، وَأَحْسَبُ أَمْرَ حَاتِمٍ حِيلَةً مِنْ وَرَثَتِهِ وَنَسَبُوهُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَوْ مِنَ الْجِنِّ، وَهُوَ عِنْدِي أَشْبِهُ، وَقَدْ كَانَ حَاتِمٌ شَاعِرًا وَجَوَادًا، وَكَانَ شِعْرُهُ يُشْبِهُ جُودَهُ، وَكَانَ حَيْثُ مَا نَزَلَ لَمْ يَخْفَ مَنْزِلُهُ، لِبَذْلِهِ الطَّعَامَ، وَكَانَ شُجَاعًا مُظَفَّرًا كَرِيمًا، وَآلَى أَنْ لا يَقْتُلَ وَاحَدَ أُمِّهِ، وَلا يَأْسِرَهُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَمَاوِيَّ إِنِّي رُبَّ وَاحِدِ أُمِّهِ ... أَجَرْتُ فَلا قَتْلٌ عَلَيْهِ وَلا أَسْرُ
وَكَانَتْ قُدُورُهُ الَّتِي يَطْبُخُ فِيهَا الْجُزُرَ مِنْ نُحَاسٍ عِظَامًا لا تَزُولُ عَنِ الأَثَافِيِّ، وَلَهَا أَسْمَاءٌ، فَاسْمُ إِحْدَاهُنَّ ثَفَالٌ، وَالأُخْرَى مُشْبِعَةٌ، وِالأُخْرَى رَبَلَةٌ، وَالأُخْرَى هَوَادٍ.
وَكَانَ إِذَا أَهَلَّ الشَّهْرُ الأَصَمُّ، وَهُوَ رَجَبٌ، الَّذِي كَانَتْ مُضَرُ تُعَظِّمُهُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا، كَانَ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ جَزُورًا، وَيُطْعِمُهَا النَّاسَ وَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ فِيهِ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ النَّوَارُ، رَأَتْ فِي مَنَامِهَا، وَهِي حَامِلٌ بِهِ، فَقِيلَ لَهَا: غُلامٌ سَمْحٌ يُقَالُ لَهُ: حَاتِمٌ الأَقَلُّ، أَيْ يَكُونُ وَاحِدًا فِي جُودِهِ، أَحَبُّ إِلَيْكِ، أَمْ غِلْمَةٌ عَشْرَةٌ كَالنَّاسِ، لُيُوثٌ سَاعَةَ الْبَأْسِ لَيْسُوا بِأَوْغَالٍ وَلا أَنْكَاسٍ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الأَوْغَالُ: الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مَعَ الْقَوْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَوْا، فَيَشْرَبُونَ.
وَالأَنْكَاسُ: الْجُبْنُ الضِّعَافُ.
قَالَتْ: بَلْ حَاتِمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَوَلَدَتْ حَاتِمًا، فَلَمَّا شَبَّ وَتَرَعْرَعَ أَقْبَلَ يَخْرُجُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ وَجَدَ أَحَدًا يَأْكُلُ مَعَهُ أَكَلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَأْكُلُهُ مَعَهُ أَلْقَاهُ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ مِنْ فِعْلِهِ، وَأَنَّهُ يُبَدِّدُ طَعَامَهُ، قَالَ لَهُ: الْحَقْ بِالْإِبِلِ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا لِيَقُومَ فِي رَعْيِهَا، وَوَهَبَ لَهُ أَبُوهُ جَارِيَةً وَفَرَسًا وَفَلُوُّهًا، وَكَانَ اسْمُ أَبِيهِ عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمَّا أَتَى الْإِبِلَ، وَصَارَ فِيهَا، طَفِقَ يَلْتَمِسُ النَّاسَ لِيَقْرِيَهُمْ، فَلا يَجِدُهُمْ، وَيَأْتِي الطَّرِيقَ فَيَقِفُ عَلَيْهَا، فَلا يَجِدُ عَلَيْهِ أَحَدًا، فَبَيْنَا هُوَ فِي تَلَمُّسِهِ النَّاسَّ إِذْ بَصُرَ بَرَكْبٍ مُقْبِلِينَ، فَأَتَاهُمْ، فَلَمَّا بَصُرُوا بِهِ قَالُوا: يَا فَتَى هَلْ مِنْ قِرًى؟ قَالَ: أَتَسْأَلُونَنِي الْقِرَى وَقَدْ تَرَوْنَ الْإِبِلَ؟ ! نَعَمْ وَكَرَامَةً انْزِلُوا، وَكَانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ يُرِيدُونَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ بِالْحِيرَةِ، وَهُمْ: عَبِيدُ بْنُ الأَبْرَصِ، وَبِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ الأَسَدِيَّانِ، وَزِيَادُ بْنُ جَابِرِ الْقَيْسِيُّ، وَهُوَ النَّابِغَةُ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ، فَنَزَلُوا فَانْتَحَرَ لَهُمْ ثَلاثَةَ جُزُرٍ، لِكُلْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزُورًا، فَقَالَ عَبِيدُ بْنُ الأَبْرَصِ: إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ الْقِرَى اللَّبَنَ، وَالَّذِي كُنَّا نَكْتَفِي بِهِ بِكْرَةً إِذَا كُنْتَ لابُدُّ أَرَدْتَ بِقِرَانَا الطَّعَامَ.
стр. 162
قَالَ حَاتِمٌ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ وَلَكِنِّي رَأَيْتُ وُجُوهًا لا يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَلْوَانًا مُخْتَلِفَةً، فَظَنَنْتُ الأَنْسَابَ مُفْتَرِقَةً، وَالْبَلَدَ غِيرَ جَامِعٍ لَكُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَذْكَرَ كُلُّ رَجُلٌ مِنْكُمُ إِذَا هُوَ أَتَى قَوْمَهُ مَا رَأَى، فَإِنْ مَرَّ بِي نَزَلَ.
فَلَمَّا أَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنَ اللَّبَنِ وَشَبِعُوا وَارْتَوَوْا، قَالَ عَبِيدُ بْنُ الأَبْرَصِ فِيهِ شِعْرًا يَمْتَدِحُهُ فِيهِ، فَيَذْكُرُ حُسْنَ فِعَالَهِ، وَحُسْنَ إِضَافَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَقَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ أَيْضًا يِمْتَدِحُهُ، وَقَالَ النَّابِغَةُ أَيْضًا يَمْتَدِحُهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ مَا قَالُوا قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ إِكَرْامَكُمْ وَالِإِحْسَانَ إِلَيْكُمْ فَلَكُمُ الْآنَ الْفَضْلُ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ لِأَضْرِبَنَّ عَرَاقِيبِهَا مِنْ آخِرِهَا أَوْ تَقُومُوا إِلَيْهَا فَتُقَسِّمُوهَا، بَيْنَكُمْ أَثْلاثًا عَلَى مَا أَحْبَبْتُمْ، فَقَامُوا إِلَيْهَا فَاقْتَسَمُوهَا، فَأَصابَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَسْعٌ وَثَلاثُونَ نَاقَةً، وَمَضَوْا فِي سَفَرِهِمْ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى النُّعْمَانِ بِالْحِيرَةِ، وَإِنَّ أَبَا حَاتِمٍ عَبْدَ اللَّهِ بَلَغَهُ مَا فَعَلَ حَاتِمٌ بِالْإِبِلِ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ مَا فَعَلْتَ بِالْإِبِلِ؟ قَالَ: يَا أَبَتِ طَوَّقْتَ بِهَا طَوْقَ الْحَمَامَةِ، وَحَوَيْتَ بِهَا مَجْدَ الدَّهْرِ، لا يَزَالُ رَجُلٌ يَحْمِلُ فِينَا بَيْتَ شِعْرٍ بِمَكَانِ إِبِلِكَ.
قَالَ: أَبِإِبِلِي أَرَدْتَ الْمَجْدَ؟ قَالَ حَاتِمٌ: نَعَمْ.
فَقَالَ أَبُوهُ: وَاللَّهِ لا أَسْكُنُ مَعَكَ فِي بَلَدٍ أَبَدًا.
قَالَ حَاتِمٌ: إِذًا وَاللَّهِ لا أُبَالِي ذَلِكَ.
فَخَرَجَ أَبُوهُ وَتَرَكَ حَاتِمًا وَمَعَهُ جَارِيَتُهُ وَفَرَسُهُ وَفَلُوُّهَا، وَأَقْبَلَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَمِنْ قَيْسٍ يُرِيدُونَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ، فَلَقُوا حَاتِمًا، فَقَالُوا: إِنَّا تَرَكْنَا قَوْمَنَا يُثْنُونَ عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرْسَلُوا مَعَنَا إِلَيْكَ بِرِسَالَةٍ.
قَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَأَنْشَدَهُ الأَسَدِيُّونَ شِعْرًا لَعَبِيدِ بْنِ الأَبْرَصِ وَلِبِشْرِ بْنِ أَبِي خَازِمٍ الأَسَدِيَّيْنِ، يَمْتَدِحَانِهُ فِيهِ، وَأَنَشْدَ الْقَيْسِيُّونَ شِعْرَ النَّابِغَةِ يَمْتَدِحُهُ فِيهِ، فَلَمَّا أَنْشَدُوهُ، قَالَ: حَاجَتُكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا لَحَاجَةً.
قَالَ حَاتِمٌ: وَمَا هِيَ؟ قَالُوا: صَاحِبٌ لَنَا قَدْ أَرْجَلَ، وَإِنَّا لَنَرَاكَ مُعْسِرًا مِنَ الْمَالِ يَعْنُونُ مِنَ الإِبِلِ فَقَالَ حَاتِمٌ: خُذُوا فَرَسِي هَذَا فَاحْمِلُوا عَلَيْهَا صَاحِبَكُمْ، فَأَخَذُوهَا، فَعَمَدَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى فَلُوُّهِا فَرَبَطَتْهَا بِثْوبِهَا، كَيْ لا يَتْبَعَ أُمَّهُ، فَأَفْلَتْ وَتَبِعَ أُمَّهُ، فَاتَّبَعَتْهُ الْجَارِيَةَ لِتَرُدَّهُ، فَقَالَ حَاتِمٌ: مَا لَحِقَكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَكُمْ فَذَهَبُوا بِالْفَرَسِ وَفِلُوِّهَا وَبِالْجَارِيَةِ، وَمَضَوْا فِي مَسِيرِهِمْ ذَلِكَ فَمَرُّوا بِعَبْدِ اللَّهِ أَبِي حَاتِمٍ، فَعَرَفَ الْفَرَسَ وَفَلُوَّهَا وَالْجَارِيَةَ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَصَبْتُمْ هَذَا الَّذِي مَعَكُمْ؟ وَمَنْ أَعْطَاكُمْ؟ قَالُوا: مَرَرْنَا بِفَتًى كَرِيمٍ جَوَادٍ وَسِيمٍ، فَسَأَلْنَاهُ فَأَعْطَانَا، وَأَعْطَانَا مَا لَمْ نَسْأَلْهُ.
قَالَ: وَأَيْنَ تَرَكْتُمُوهُ؟ قَالُوا: بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا سَالِمًا.
وَقَالَ حَاتِمٌ فِي مَسِيرِ أَبِيهِ وَتَحَوُّلِهِ عَنْهُ، وَمَا صَنَعَ بِالإِبِلِ:
وَإِنِّي لَعَفُّ الْفَقْرِ مُلْتَمِسُ الْغِنَى ... وتَارِكُ شَكْلٍ لا يُوَافِقُهُ شَكْلِي
стр. 163
وَشَكْلِيَ شَكْلٌ لا يَقُومُ بِمِثْلِهِ ... مِنَ النَّاسِ إِلا كُلُّ ذِي ثِقَةٍ مِثْلِي
وَلِي نَيْقَةٌ فِي الْمَجْدِ وَالْبَذْلِ لَمْ يَكُنْ ... تَأَنَّقَهَا فِيمَنْ مَضَى أَحَدٌ قَبْلِي
وَأَجْعَلُ مَالِي دُونَ عِرْضِيَ جُنَّةً ... لِنَفْسِي وَأَسْتَغْنِي بِمَا كَانَ مِنْ فَضْلِي
وَمَا ضَرَّنِي إِنْ سَارَ سَعْدٌ بِأَهْلِهِ ... وَأَفْرَدَنِي فِي الدَّارِ لَيْسَ مَعِي أَهْلِي
سَيَكْفِي ابْتِنَائِي الْمَجْدَ سَعْدُ بْنَ حَشْرَجٍ ... وَأَحْمِلُ عَنْكُمْ كُلَّ مَا ضَاعَ مِنْ ثِقْلِ
وَلِي مَعَ بَذْلِ الْمَالِ وَالْجُودِ صَوْلَةٌ ... إِذَا الْحَرْبُ أَبْدَتْ عَنْ نَوَاجِذِهَا الْعُصْلِ
٢٧٨ - حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: " اجْتَمَعَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَوْمٌ فَتَذَاكَرُوا مُلُوكَ الْعَرَبِ حَتَّى ذَكَرُوا الزَّبَّاءَ بْنَتَ عَفْزَرَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ حَدِيثَ حَاتَمِ طَيِّئٍ وَمَاوِيَّةَ بِنْتِ عَفْزَرَ، وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِالزَّبَّاءِ، وَكَانَ اسْمُهَا مَاوِيَّةَ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَفَلا أُحَدِّثُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَإِنَّ مَاوِيَّةَ بِنْتَ عَفْزَرَ كَانَتْ مَلِكَةً، وَكَانَتْ تَتَزَوَّجُ مَنْ أَرَادَتْ، وَأَنَّهَا بَعَثَتْ غِلْمَانًا لَهَا، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَأْتُوهَا بِأَوْسَمِ مَنْ يَجِدُونَهُ بِالْحِيرَةِ، فَجَاءُوهَا بِحَاتِمٍ، فَقَالَتْ لَهُ: اسْتَقْدِمْ إِلَى الْفِرَاشِ، فَقَالَ: حَتَّى أُنْبِئَكِ بِحَالِي.
فَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَنْتَظِرُ صَاحِبَيْنِ لِي.
فَقَالَتْ: دُوْنَكَ فَاسْتَدْخِلِ الْمِجْمَرَ.
فَقَالَ حَاتِمُ: اسْتِي لَمْ تُعَوَّدِ الْمِجْمَرَ، فَأَرْسَلَهَا مَثَلا وَارْتَابَتْ بِهِ، وَسَقَتْهُ خَمْرًا، فَجَعَلَ يُهْرِيقُهُ تَحْتَ الْبَابِ وَلا تَرَاهُ، تَحْتَ اللَّيْلِ.
ثُمَّ قَالَ: مَا أَنَا بِقَارٍ وَلا ذَائِقٍ خَمْرًا حَتَّى أَنْظُرَ مَا فَعَلَ صَاحِبَايَ.
فَقَالَتْ: إِنَّا سَنُرْسِلُ إِلَيْهُمَا بِقِرًى.
فَقَالَ: لَيْسَ بِنَافِعِي شَيْئًا حَتَّى آتِيَهُمَا، فَأَتَاهُمَا، فَقَالَ: أَفَتَكُونَانِ عَبْدَيْنِ لِابْنَةِ عَفْزَرَ يَرْعَيَانِ عَلَيْهَا أَحَبُّ إِلَيْكُمَا أَمْ تَقْتُلُكُمَا؟ فَقَالا: كُلُّ هَذَا نَقُصُّهُ، أَيْ نَتَّبِعُ أَثَرَهُ، وَلَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ.
فَقَالَ حَاتِمٌ: فَشَأْنُكُمَا وَالرَّحِيلُ وَالنَّجَاءُ فِي الْبِلادِ عَنْهَا هَرَبًا، فَأَنْشَأَ حَاتِمٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُهَا فِي شِعْرِهِ وَمَا حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ الرِّيبَةِ، وَأَنَّهُ عَفِيفٌ لَيْسَ مِمَّنْ يَأْتِي الرِّيَبَ.
وَابْنَةُ عَفْزَرَ كَانَتْ بِالْحِيرَةِ، وَكَانَ النُّعْمَانُ مَنْ يِأْتِيهِ يُرِيدُ كَرَامَتَهُ أَنْزَلَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ:
حنَّتْ إِلَى الأَجْبَالِ أَجْبَالُ طَيٍّ ... وَجُنَّتْ جُنُونًا أَنْ رَأَتْ سَوْطَ أَحْمَرَا
أَحْمَرُ: قَالَ عَمِّي: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ يَسُوقُ لِحَاتِمٍ إِذَا وَفَدَ إِلَى الْمُلُوكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: أَحْمَرُ: اسْمُ رَجُلٍ كَانَ يَعْمَلُ السِّيَاطِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الطَّرِيقَ أَمَامَنَا ... وَإِنَّا لَمُحْيُو أَرْضِنَا إِنْ تَيَسَّرَا
فَيَا أَخَوَيْنَا مِنْ جَدِيلَةَ إِنَّمَا ... تُسَامَانِ ضَيْمًا مُسْتَبِينًا فَتَنْظُرَا
فَمَا نَكَرَاهُ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ مِلْقَطٍ ... أَرَاهُ وَقَدْ أُعْطَى الْمَقَادَةُ أَوْجَرَا
وَإِنِّي لَمِزْجَاءُ الْمَطِيِّ عَلَى الْوَجَا ... وَمَا أَنَا مِنْ خِلانِكِ ابْنَةَ عَفْزَرَا
стр. 164
وَمَا زِلْتُ أَسْعَى بَيْنَ نَابٍ وَدَارَةٍ ... بِلَحْيَانَ حَتَّى خِفْتُ أَنْ أَتَنَصَّرَا
وَحَتَّى حَسِبْتُ اللَّيْلَ وَالصُّبْحَ إِذْ بَدَا ... حِصَانَيْنِ مُشْتَالَيْنِ جَوْنًا وَأَشْقَرَا
وَإِنِّي لَوَهَّابٌ قَطُوعِي وَنَاقَتِي ... إِذَا مَا انْتَشَيْتُ وَالْكُمَيْتَ الْمُصَدَّرَا
لَشِعْبٌ مِنَ الرَّيَّانِ أَمْلِكُ بَابَهُ ... أُنَادِي بِهِ أَهْلَ الْكَبِيرِ وَجَعْفَرَا
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ خَطِيبٍ لَقِيتُهُ ... إِذَا قُلْتُ مَعْرُوفًا لَهُ قَالَ مُنْكَرَا
تُنَادِي إِلَى جَارَاتِهَا: إِنَّ حَاتِمًا ... أَرَاهُ لِعَمْرِي بَعْدَنَا قَدْ تَغَيَّرَا
تَغَيَّرْتُ إِنِّي غَيْرُ آتٍ دَنِيَّةً ... وَلا قَائَلٍ يَوْمًا لِذِي الْعُرْفِ مُنْكَرَا
رَأَتْنِي كَأَشْلاءِ اللِّجَامِ وَلَنْ تَرَى ... أَخَا الْحَرْبِ إِلا سَاهِمَ الْوَجْهِ أَغْبَرَا
أَخَا الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا ... وَإِنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ شَمَّرَا
مَتَى تَبْغِ وُدًّا مِنْ جَدِيلَةَ تَلْقَهُ ... مَعَ الشَّنِّ مِنْهُ بَاقِيًا مُتَأَثِّرَا
فَإِلا يُعَاودْنَا جَهَارًا نُلاقِهِمْ ... لأَعْدَائِنَا رِدْءًا دَلِيلا وَمُنْذِرَا
فَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي أَيَّ فَارِسٍ ... إِذَا الْخَيْلُ جَالَتْ فِي قَنًا قَدْ تَكَسَّرَا
وَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي بِيَ صُحْبَتِي ... إِذَا مَا الْمَطِيُّ بِالْفَلاةِ تَضَوَّرَا
وَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي أَيَّ يَاسِرٍ ... إِذَا وَرَقُ الطَّلْحِ الطِّوَالِ تَحَسَّرَا
فَلا هِيَ مَا تَرْعَى جَمِيعًا عِشَارَهَا ... وَيُصْبِحُ ضَيْفِي سَاهِمَ الْوَجْهِ أَغْبَرَا
مَتَى تَرَنِي أَمْشِي بِسَيْفِيَ وَسْطَهَا ... تَخَفْنِي وتُضْمِرْ بَيْنَهَا أَنْ تُجَزَّرَا
أَيْ لا تَخْتَرِطُ مِنَ الْفَرَقِ.
إِذَا حَالَ دُونِي مِنْ سُلامَانَ رَمْلَةٌ ... وَجَدْتُ تَوَالِي الْوَصْلِ عِنْدِيَ أْبَتَرا
"
إِنَّ حَاتِمًا دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ عِنْدِهَا، فَأَتَاهَا فَخَطَبَهَا، فَوَجَدَ عِنْدِهَا النَّابِغَةَ الذُّبْيَانِيَّ، وَرَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ النَبِيتِ، وَهُمْ مِنَ الأَوْسِ، فَقَالَتْ: انْقَلِبُوا إِلَى رِحَالِكُمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِيمَا حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءَ طَيِّئٍ، قَالُوا: كَانَتِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا: مَاوِيَّةُ نَذَرَتْ نَذْرًا، لا يَخْطِبُهَا كَرِيمٌ إِلا تَزَوَّجَتْهُ، وَلا يَخْطِبُهَا لَئِيمٌ إِلا جَدَعَتْهُ، فَتَنَاذَرَهَا النَّاسُ، فَقَدِمَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَبَلَيْنِ، جَبْلَيْ طَيِّئٍ، أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ الْجَدِيلِيُّ، وَزَيْدُ الْخَيْلِ النَّبْهَانِيُّ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ، وَحَاتِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَشْرَجِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَخْزَمَ بْنِ أَبِي أَخْزَمَ، وَاسْمُهُ هزُومَةُ، وَهُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ جَرْوَلِ بْنِ ثُعَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ طَيِّئٍ، فَقَالَتْ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: أَتَيْنَاكَ خُطَّابًا.
قَالَتْ: وَمَا الَّذِي قَدْ بَلَغَ مِنْ فِعَالِكُمْ أَنِ اجْتَرَأْتُمْ عَلَى خِطْبَتِي؟ فَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ: إِنِّي أَخَذْتُ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ شَارِبِي، فَقَالَتْ لِي سُعْدَى أَمِّي: إِنَّ لِأَخْذِكَ مِنْ شَعْرِ شَارِبِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَتَلَقَّطْتُ مَا كَانَ سَقَطَ مِنْ شَعْرِ شَارِبِي فَأَعْتَقْتُ بِكُلِ شَعْرَةٍ سَبِيَّةٍ مِنَ الْعَرَبِ.
وَلِي أَرْبَعَةُ آبَاءٍ قَدْ رَبَعُوا الْغَوْثَ وَجَدِيلَةَ، وَلِي أَرْبَعَةُ بَنِينَ كُلُّهُمْ مِنِّي خَلَفٌ.
قَالَتْ: أَمْسِكْ.
стр. 165
ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى زَيْدِ الْخَيْلِ، فَقَالَتْ: مَا الَّذِي جَرَّأَكَ عَلَى خِطْبَتِي؟ قَالَ: أَنَا زَيْدُ الْخَيْلِ، وَبِاسْمِي تُغِيرُ طَيِّئٌ عَلَى الْعَرَبِ، وَلِي مِرْبَاعُ كُلِّ غَارَةٍ، أَخَذْتُ طَرِيقِي، وَلَمْ أُلاحِ جَاهِلا، وَلَمْ أَمْنَعْ سَائِلا.
قَالَتْ: أَمْسِكْ.
ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى حَاتِمٍ فَقَالَتْ: مَا الَّذِي جَرَّأَكَ عَلَى خِطْبَتِي؟ قَالَ: أَنَا حَاتِمُ طَيِّئٍ الثَّعْلَبِيُّ، وَفَدْتُ عَلَى الْحَيَّيْنِ: الْغَوْثِ وَجَدِيلَةَ، وَأَنْهَبْتُ مَالِي ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وحَكَّمَتْنِي طَيِّئٌ فِي أَمْوَالِهَا.
فَقَالَتْ: قُوُلُوا شِعْرًا، وَاذْكُرُوا فِيهِ كَرِيمَ فِعَالِكُمْ مَا يُصَدِّقُ فِيهِ قَوْلَكُمْ، وَائْتُونِي بِهِ.
فَقَالَ: زَيْدُ الْخَيْلِ:
هَلا سَأَلْتِ بَنِي نَبْهَانَ مَا حَسَبِي ... عِنْدَ الطِّعَانِ إِذَا مَا احْمَرَّتِ الْحَدَقُ
وَآبَتِ الْخَيْلُ مُبْتَلا سَوَالِفُهَا ... بِالْمَاءِ يَسْفَحُ مِنْ لَبَّاتِهَا الْعَرَقُ
قَدْ أَطْعَنُ الْفَارِسَ الْحَامِي حَقِيقَتَهُ ... نَجْلاءَ يَذْهَبُ فِيهَا الزَّيْتُ وَالْخَرَقُ
وَأَطْعَنُ الْكَبْشَ والْخَيْلانُ وَاقِفَةٌ ... يَوْمَ الأَكُسِّ بِهِ مِنْ نَجْدَةٍ رَوَقُ
الْكُسُّ: الْقَصِيرُ الأَسْنَانِ، وَالرَّوَقُ: الطُّولُ فِي الأَسْنَانِ.
وَالْخَيْلُ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ فَارِسَهَا ... وَالْهَامُ مِنَّا وَمِنْ أَعْدَائِنَا فَلَقُ
إِذْ قَالَ أَوْسٌ أَمَا مِنْ طَيِّئٍ رَجُلٌ ... يَحْمِي الذِّمَارَ وَبِيضُ الْقَوْمِ تَأْتَلِقُ
وَالْجَارُ يَعْلَمُ أَنِّي غَيْرُ خَاذِلِهِ ... إِنْ نَابِ دَهْرٌ لِعَظْمِ الْجَارِ مُعْتَرَقُ
إِذْ لا أَرَى الْمَالُ رَبًّا بَلْ أَرَى غَبْنًا ... بُخْلا بِهِ وَمَنَايَا الْقَوْمِ تُعْتَلَقُ
هَذَا رِضَائِي فَإِنْ تَرْضَيْ فَرَاضِيَةٌ ... أَوْ تَسْخَطِي فَإِلَى مَنْ تُعْطَفُ الْعَنَقُ
فَقَالَ أَوْسُ: وَاللَّهِ يَا زَيْدُ لَقَدْ أَطْرَيْتَ نَفْسَكَ بِالثَّنَاءِ، وَخَصَّصْتَهَا بِالْكَرَمِ، وَلَسْتُ أَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِكَ، وَلَكِنِّي أَقُولُ:
أَمَاوِيَّ لَمْ يَخْطِبْكِ مِنْ حَيِّ مَذْحِجٍ ... كَأَوْسِ بْنِ لأْمٍ أَوْ كَزَيْدٍ وَحَاتِمِ
فَإِنْ تَنْكِحِي زَيْدًا فَفَارِسُ طَيِّئٍ ... إِذِا الْحَرْبُ يَوْمًا أَقْعَدَتْ كُلَّ قَائِمِ
وَمَعْقَلَ نَبْهَانَ الَّذِي يُتَّقَى بِهِ ... رَدَى الدَّهْرِ عِنْدَ الْحَادِثِ الْمُتَفَاهِمِ
وَإِنْ تَنْكِحِي مَاوِيَّةَ الْخَيْرِ حَاتِمًا ... فَمَا مِثْلُهُ فِينَا وَلا فِي الأَعَاجِمِ
فَتًى لا يَزَالُ الدَّهْرَ أَعْظَمُ هَمِّهِ ... فِكَاكُ أَسْيرٍ أَوْ مَعُونَةُ غَارِمِ
رَأَى أَنَّ مَا يَبْقَى مِنَ الْمَالِ هَالِكٌ ... فَأَعْطَى وَلَمْ يَحْفَلْ مَلامَةَ لائِمِ
وَإِنْ تَنْكِحِينِي تَنْكِحِي غَيْرَ فَاحِشٍ ... وَلا حَافِرٍ جَرْفِ الْعَشِيرَةِ هَادِمِ
وَلا مُتَّقٍ يَوْمًا إِذَا الْحَرْبُ شَمَّرَتْ ... بَأَنْفَسِهَا نَفْسِي فِعَالَ الأَشَائِمِ
وَإِنْ طَرَقَ الأَضْيَافُ لَيْلا وَعَرَّسُوا ... وَجَدْتِ ابْنَ سُعْدَى بِالْقِرَى غَيْرَ عَاتِمِ
فَأَيَّ امْرِئٍ أَهْدَى لَكِ اللَّهُ فَاقْبَلِي ... فَإِنِّي كَرِيمٌ مِنْ عُرُوقِ الأَكَارِمِ
وَقَالَ حَاتِمُ طَيِّئٍ فِي ذَلِكَ:
سَلِي الأَقْوَامَ يَا مَاوِيَّ عَنِّي ... وَإِنْ تَسْأَلِيهِمْ فَاسْأَلِينِي
تُخَبِّرْكِ الْمَعَاشِرُ وَالْمَصَافِي ... وَذُو الرَّحِمِ الَّذِي قَدْ يَجْتَدِينِي
بِأَنِّي لا يَهِرُّ الْكَلْبُ ضَيْفِي ... وَلا تُقْضَى نَجِيُّ الْقَوْمِ دُونِي
أَيْ لا يَتَنَاجُونَ فِي الأَمْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَشْهَدَهُمْ.
وَلا أَعْتَلُّ مِنْ قَنَعٍ بَمَنْعٍ ... إِذَا نَابَتْ نَوَائِبُ تَعْتَرِينِي
الْقَنْعُ: الطَّعَامُ الْكثِيرُ.
стр. 166
وَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ إِزَاءَ طَيٍّ ... وَتَأْبَى طَيٌّ أَنْ تَسْتَطِينِي
إِزَاؤُهَا: الْقَائِمُ بِأَمْرِهَا.
إِذَا عَوْرَاءُ مِنْ جَنْبٍ أَتَتْنِي ... عَنِ الأُذُنَيْنِ قُلْتُ لَهَا انْفُذِينِي
الْجَنْبُ: الْبَعِيدُ، وَيُقَالُ: الْقَرِيُبَ.
عُنِيتُ بِهَا كَأَنَ قِيلَتْ لِغَيْرِي ... وَلَمْ يَعْرَقْ لَهَا مَنِّي جَبِينِي
إِذَا أَنَا لَمْ أرَ ابْنَ الْعَمِّ فَوْقِي ... فَإِنِّي لا أَرْى ابْنَ الْعَمِّ دُونِي
وَمِنْ كَرَمٍ يَجُورُ عَلَيَّ قَوْمِي ... وَأيُّ الدَّهْرِ ذُو لَمْ يَحْسِدُونِي
وَذُو الْوَجْهَيْنِ يَلْقَانِي طَلِيقًا ... وَلَيْسَ إِذِا تَغَيَّبَ يَأتَلِينِي
بَصُرتُ بِعَيْنِهِ فَصَفْحُتُ عَنْهُ ... مُحَافَظَةً عَلَى حَسَبِي وَدِينِي
وَلَيْسَتْ شِيمَتِي شَتْمُ ابْنُ عَمِّي ... وَلا أَنَا مُخْلِفٌ مَنْ يَرْتَجِينِي
فَأَطْرَقَتْ مَاوَيَّةُ تُفَكِّرُ طَوِيلا فِي مَدْحِهِمْ أَنْفُسَهمْ، لا تُجِيبُهُمْ، ثُمَّ دَفَعَتْ رَأْسَهَا، فَقَالَتْ: انْصَرِفُوَا حَتَّى أُفَكِّرَ فِي نَقَائِبِكُمْ وَتَطْرِيَتِكُمْ أْنَفُسَكُمْ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا.
ثُمَّ إِنَّ حَاتِمًا دَعَتْهُ نَفْسُهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ فَخَطَبَهَا إِلَى نَفْسِهَا، فَوَجَدَ عِنْدَهَا النَّابِغَةَ وَرَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ النَّبِيتِ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَتْ لَهُمْ: انْقَلِبُوا إِلَى رِحَالِكُمْ، وَلَيْقُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ شِعْرًا يَذْكُرُ حُسْنَ فِعَالِهِ وَكَرَمَهُ، وَخَلائِقَهُ، وَمَنْصِبَهُ، فَإِنِّي لا أَتَزَوَّجُ إِلا أَكْرَمَكُمْ حَسَبًا، وَأَعْلاكُمْ مَنْصِبًا، وَأَشْعَرَكُمْ شِعْرًا، فَانْصَرَفُوا، وَنَحَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزُورًا، وَبَلَغَ مَاوِيَّةَ ذَلِكَ، فَلَبِسَتْ ثِيَابًا لِأَمَةٍ لَهَا وَاتَّبَعَتْهُمْ، فَأَتَتِ النَّبِيتِيَّ مُتَنَكِّرَةً، وَاسْتَطْعَمَتْهُ مِنْ جَزُورِهِ فَأَطْعَمَهَا ثَيْلَ جَزُورِهِ، وَالثَّيْلُ: الْقَضِيبُ.
فَأَخَذَتْهُ.
ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى النَّابِغَةِ، نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ، فَاسْتَطْعَمَتْهُ، فَأَطْعَمَهَا ذَنَبَ جَزُورِهِ، فَأَخَذَتْهُ، ثُمَّ أَتَتْ حَاتِمًا، فَوَجَدَتْهُ قَدْ نَصَبَ قِدْرَهُ، فَاسْتَطْعَمَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: اصْبِرِي أُعْطِيكِ مَا يُبْهِجُكِ.
فَانْتَظَرَتْ حَتَّى بَلَغَتْ قُدُورُهُ، فَأَطْعَمَهَا مِنْ عَجُزِ الْجَزُورِ، وَقِطْعةً مِنَ السَّنَامِ، وَمِثْلَهَا مِنَ الْمِخْدَشِ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَارِكِ.
ثُمَّ انْصَرَفَتْ، وَأَهْدَى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَيْهَا ظَهْرَ جَمَلِهِ، وَأَهْدَى إِلَيْهَا حَاتِمٌ مِثْلَ مَا أَهْدَى إِلَى جَارَاتِهِ.
وَكَانَ حَاتِمٌ إِذَا هُوَ نَحَرَ وَأَطْبَخَ لا يَدَعُ جَارَاتهِ إِلا بِهَدِيَّةٍ، وَصَبَّحُوهَا جَمِيعًا، فَاسْتَنْشَدَتْهُمْ، فَأَنْشَدَهَا النَّبِيتِيُّ:
هَلا سَأَلْتِ بَنِي النَّبِيتِ مَا حَسَبِي ... عِنْدَ الشِّتَاءِ إِذَا مَا هَبَّتِ الرِّيحُ
وَرَدَّ جَازُرُهُمْ حَرْفًا مُصَرَّمَةً ... فِي الرَّأْسِ مِنْهَا وَفِي الأَطْلاءِ تَمْلِيحُ
وَقَالَ رَائِدُهُمْ سِيَّانِ مَالَهُمُ ... مِثْلانِ مِثْلٌ لِمَنْ يَرْعَى وَتْسَرِيحُ
الصِّرَارُ: الَّذِي يُشَدُّ عَلَى ظَهْرِ النَّاقَةِ لِيَصُرَّ لَبَنَهَا فِي ضِرْعِهَا لِيَجْتَمِعَ مَحْفُوظًا.
إِذَا اللِّقَاحُ غَدَتْ مُلْقًى أَصُرَّتُهَا ... وَلا كَرِيمٌ مِنَ الْوِلْدَانِ مَصْبُوحُ
فَقَالَتْ: لَقَدْ ذَكَرْتَ مَكْرُمَةً إِنْ صَدَّقَ قِيلَكَ فِعْلُكَ.
ثُمَّ اسْتَنْشَدَتِ النَّابِغَةَ، فَأَنْشَدَهَا يَقُولُ:
هَلا سَأَلْتِ بَنِي ذُبْيَانَ مَا حَسَبِي ... إِذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الأَشْمَطَ الْبَرَمَا
стр. 167
البَرَمُ: الَّذِي لا يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمُ فِي أَيْسَارِ جَزُورِهِمْ، وَجَمْعُهُ أَبْرَامٌ
وَهَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ ذِي أَرَلٍ ... تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ مِنْ صُرَّادِهَا صِرَمَا
إِنِّي أُسَامِحُ أَيْسَارِي وَأَمْنَحُهُمْ ... مَثْنَى الأَيَادِي وَأَكْسُو الْجَفْنَةَ الأَدَمَا
فَلَمَّا أَنْشَدَهَا، قَالَتْ: مَا يَنْفَكُّ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا حَيِيتَ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَتْ لِحَاتِمٍ: يَا أَخَا طَيِّئٍ أَنْشَدَنِي، فَأَنْشَدَهَا:
أَمَاوِيَّ قَدْ طَالَ التَّجَنُّبُ وْالْهَجْرُ ... وَقَدْ عَذَّرْتِنِي فِي طِلابِكُمُ الْعُذْرُ
أَمَاوِيَّ إِمَّا مَانَعٌ فَمُبَيَّنٌ ... وَإِمَّا عَطَاءٌ لا يُنَهْنِهُهُ الزَّجْرُ
أَمَاوِيَّ إِنِّي لا أَقُولُ لِسَائِلٍ ... إِذَا جَاءَ يَوْمًا: حَلَّ فِي مَالِنَا نَذْرُ
أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهِ الصَّدْرُ
أَمَاوِيَّ إِنْ يُصْبِحْ صَدَايَ بِقَفْرَةٍ ... مِنَ الأَرْضِ لا مَاءٌ لَدَيَّ وَلا خَمْرُ
تَرَيْ أَنَّ مَا أَنْفَقْتُ لَمْ يَكُ ضَرَّنِي ... وَأَنَّ يَدِي مِمَّا بَخِلْتُ بِهِ صِفْرُ
أَمَاوِيَّ إِنِّي رُبَّ وَاحِدِ أُمِّهِ ... أَجَرْتُ فَلا قَتْلٌ عَلَيْهِ وَلا أَسْرُ
وَقَدْ عَلِمَ الأَقْوَامُ لَوْ أَنَّ حَاتِمًا ... أَرَادَ ثَرَاءَ الْمَالِ كَانَ لَهُ وَفْرُ
وَإِنِّيَ لا آلُو بِمَالِي صَنِيعَةً ... فَأَوَّلُهُ زَادٌ وَآخِرُهُ ذُخْرُ
يُفَكُّ بِهِ الْعَانِي وَيُؤْكَلُ طَيِّبَا ... وَمَا إِنْ تَعَرَّتْهُ الْقِدَاحُ وَلا الْخَمْرُ
وَلا أَلْطِمُ ابْنَ الْعَمِّ إِنْ كَانَ إِخْوَتِي ... شُهُودًا وَقَدْ أَوْدَى بِإِخْوَتِهِ الدَّهْرُ
وَلا آخُذُ الْمَوْلَى لِسُوءِ بَلائِهِ ... وَإِنْ كَانَ مَحْنُوَّ الضُّلُوعِ عَلَى عُمْرُ
غَنِينَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالْغِنَى ... وَكُلًّا سَقَانَاهُ بِكَأْسَيْهِمَا الدَّهْرُ
فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَةٍ ... غِنَانَا وَلا أَزْرَى بِأَحْسَابِنَا الْفَقْرُ
إِذَا أَنَا دَلانِي الَّذِينَ أُحِبُّهُمُ ... لَمْلَحُودَةٍ زُلْجٍ جَوَانِبُهَا غُبْرُ
وَأَثْنَوْا بِمَا قَدْ يَعْلَمُونَ وَغَيْرَهُ ... وَمَا إِنْ نَدَى مَا تَرَيْنَ وَلا سُخْرُ
وَقَامُوا عَلَى أَرْجَائِهِ يَدْفِنُونِي ... يَقُولُونَ: قَدْ أَوْدَى السَّمَاحَةُ وَالذِّكْرُ
وَرَاحُوا سِرَاعًا يَنْفُضُونَ أَكُفَّهُمْ ... يَقُولُونَ: قَدْ أَدْمَى أَظْافِرَنَا الْحَفْرُ
إِذَا الْمَرْءُ أَثْرَى ثُمَّ لَمْ يَكُ مَالُهُ ... غِنًى لأَدَانِيهِ فَحَالَفَهُ الْعُسْرُ
فَلَمَّا فَرَغَ حَاتِمٌ مِنْ إِنْشَادِهِ الشِّعْرَ، دَعَتْ لَهُمْ بِالْغَدَاءِ، وَقَدْ كَانَتْ أَمَرَتْ إِمَاءَهَا أَنْ يُقَدِّمْنَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ أَطْعَمَهَا حَيْثُ اسْتَطْعَمَتْهُمْ، فَقَدَّمَ الْإِمَاءُ إِلَيْهِمِ مَا أَمَرَتْهُنَّ، فَلَمَّا وَضَعْنَ الْإِمَاءُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذَلِكَ عَرَفَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ أَطْعَمَهَا، فَنَكَّسَ النَّبِيتِيُّ وَالنَّابِغَةُ رَأَسَيْهُمَا، فَلَمَّا رَأَى حَاتِمٌ ذَلِكَ رَمَى بِالَّذِي قَدَّمْنَ الْإِمَاءُ إِلَيْهِمَا، وَقَدَّمَ إِلَيْهِمَا مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
فَقَالَتْ: إِنَّ حَاتِمًا لَأَكْرَمُكُمْ وَأَشْعَرُكُمْ وَأَجْوَدُكُمْ، رَجُلٌ كَرِيمُ النِّسْبَةِ، تَعْرِفُهُ الْعَامَّةُ كَمَعْرِفَةِ الْخَاصَّةِ، لَهُ جُودٌ وَمَعْرُوفٌ وَبَذْلٌ، قَدْ قَبِلْتُ حَاتِمًا، وَرَضِيتُ بِهِ، فَقَامَا مُنْصَرِفَيْنَ مُسْتَحِيَيْنَ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى حَاتِمٍ، فَقَالَتْ: خَلِّ سَبِيلَ امْرَأَتِكَ، فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ، وَأَبْتَ أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا، فَانْصَرَفَ عَنْهَا.
стр. 168
ثُمَّ دَعَتْهُ نَفْسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى تَزَوُّجِهَا، وَحَلَّتْ بِقَلْبِهِ، وَمَاتَتِ امْرَأَتُهُ، فَزَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا، فَمَكَثَ عِنْدَهَا زَمَانًا، وَابْنُ عَمٍّ لِحَاتِمٍ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ، قَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ مَا تَصْنَعِينَ بِحَاتِمٍ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ مَلَكَ لَيُتْلِفَنَّ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ لَيَتَكَلَّفَنَّ، وَلِئِنْ مَاتَ لَيِتْرُكَنَّ وَلَدَكِ كَلًّا عَلَيْكِ وَعِيَالا عَلَى قَوْمِكِ، وَأَنَا لَكِ نَاصِحٌ مُشْفِقٌ، وَلَكِ مُحِبٌّ وَامِقٌ، فَطَلِّقِي، فَأَنَا أَتَزَوَّجُ بِكِ، وَأَنَا خَيْرٌ لَكِ مِنْ حَاتِمٍ، لِأَنِّي أَكْثَرُ مِنْهُ مَالا، وَأَحْسَنُ مِنْهُ حَالا، وَأَنَا أَمْسَكُ عَلَيْكِ وَعَلَى وَلَدِكَ مَا لَهُمْ، وَتَعِيشِينَ مَعِي عَيْشًا رَغْدًا، فَمَالِي لَكِ وَأَنَا قَعِيدٌ لَكِ.
فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى طَلَّقَتْ حَاتِمًا، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّ حَاتِمًا لَكَمَا ذَكَرْتَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَكُنَّ النِّسَاءُ هُنَّ اللَّوَاتِي يُطَلِّقْنَ الرِّجَالِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَانَ طَلاقُهُنَّ، إِنْ كُنَّ فِي بُيُوتٍ مِنْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، حَوَّلَنَّ بَابَهُ، فَإِذَا كَانَ بَابُهُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ حَوَّلْنَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ حَوَّلْنَهُ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ حَوَّلْنَهُ إِلَى قِبَلِ الشَّامِ، فَإِذَا جَاءَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ وَرَأَى ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهَا طَلَّقَتْهُ، فَيَدَعُ غِشْيَانَهَا، وَكَانَتْ مَاوِيَّةُ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ زَمَانِهَا، فَأَتَاهَا حَاتِمٌ فَوَجَدَهَا قَدْ حَوَّلَتْ خِبَاءَهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهَا، فَهَبَطَ حَاتِمٌ إِلَى بَطْنِ وادٍ مِنَ الأَوْدِيَةِ فَنَزَلَ بِهِ، وَاغْتَمَّ لِذَلكِ غَمًّا شَدِيدًا، وَلَمْ تَتَهَيَّأْ لَهُ حِيَلَةٌ فِيهَا.
وَدَخَلَ بِهَا مَالِكٌ، وَجَاءَ قَوْمٌ سَفَرٌ فَنَزَلُوا عَلَى بَابِ الْخِبَاءِ، كَمَا كَانُوا يَنْزِلُونَ كَعَادَاتِهِمْ بِحَاتِمٍ، فَمَا زَالَ قَوْمٌ يَنْزِلُونَ بَعْدَ قَوْمٍ حَتَّى تَوَافَوْا قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ رَجُلا، فَضَاقَتْ بِهْمُ مَاوِيَّةُ ذَرْعًا، فَقَالَتْ لَجَارِيَتِهَا: اذْهَبِي إِلَى ابْنِ عَمِّي مَالِكٍ، فَقُولِي لَهُ، إِنَّ أَضْيَافًا لِحَاتِمٍ قَدْ نَزَلُوا بِنَا، وَهُمْ فِي عِدَادِ خَمْسِينَ رَجُلا، فَأَرْسِلْ إِلَيْنَا بِنَابٍ نَقْرِهِمْ وَلَبَنٍ نَغْبِقْهُمْ.
وَالنَّابُ: الْمُسِنَّةُ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْغَبُوقُ: شُرْبُ اللَّبْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ.
وَقَالَتْ لِجَارِيَتَها: انْظُرِي إِلَى جَبِينِهِ وَفَمِهِ، فَإِنْ بَادَرَكِ بِالْقَوْلِ: أَيْ نَعَمْ فَأَقْبَلِي مِنْهُ، وَإِنْ ضَرَبَ بِلِحْيَتِهِ عَلَى زَوْرِهِ، أَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِهِ، فَاقْبَلِي وَدَعِيهِ.
قَوْلُهُ لِحْيَتُهُ عَلَى زُورُهُ: الْمَعْنَى إِنْ نَكَّسَ رَأْسَهُ وَضَرَبَ بِذَقْنِهِ عَلَى صَدْرِهِ.
فَأَتَتِ الْجَارِيَةُ مَالِكًا فَوَجَدَتْهُ مُتَوَسِّدًا وَطَبًا مِنَ اللَّبَنِ، وَتَحْتَ بَطْنِهِ وَطَبٌ آخرَ، وَهُوَ نَائِمٌ فَأَنْبَهَتْهُ، وَبَلَّغَتْهُ الرِّسَالَةَ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى رَأْسِهِ، فَحَكَّ رَأْسَهَ بِيِدِهِ، وَنَكَّسَ رَأَسَهُ مُفَكِّرًا، فَقَالَتْ لَهُ الْجَارِيَةُ: إِنَّمَا هِيَ اللَّيْلَةُ حَتَّى تُعْلِمَ النَّاسَ بِمَكانِ حَاتِمٍ، وَيَبْلُغَهُمْ حَالُهُ.
стр. 169
فَقَالَ: أَقْرِئِي عَلَى مَوْلاتِكِ السَّلامَ، وَقُولِي لَهَا هَذَا الَّذِي أَمَرْتُكِ أَنْ تُطَلِّقِي فِيهِ حَاتِمًا، وَمَا عِنْدِي نَابٌ مُسِنَّةٌ قَدْ تَرَكَتِ الْعَمَلَ، فَاسْتَحَقَّتِ النَّحْرَ، وَمَا كُنْتُ لِأَنْحَرَ صَغِيرةً بِشَحْمِ كُلاهَا مُقْبِلَةٌ لِلْخَيْرِ.
وَمَا عِنْدِي مِنَ اللَّبنِ مَا يَكْفِي أَضْيَافَ حَاتِمٍ.
فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْهَا بِمَا سَمِعَتْ مِنْهُ وَمَا رَأَتْ، وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: وَيْحَكِ اطْلُبِي حَاتِمًا بِالْوَادِي، فَإِنْ وَجَدْتِيهِ، فَقُولِي: إِنْ أَضْيَافَكَ قَدْ نَزَلُوا بِنَا اللَّيْلَةَ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِكَ كَمَا كُنْتَ، فَأَرْسِلْ إِلَيْنَا بِنَابٍ نُقْرِهِمْ وَلَبَنٍ نَغْبِقْهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ اللَّيْلَةُ حَتَّى يَعْرِفُوا حَالَكَ.
فَأَتَتِ الْجَارِيَةُ الْوَادِيَ فَصَرَخَتْ بِهِ، فَسَمِعَ صَوْتَهَا، فَقَالَ مُجِيبًا لَهَا: لَبَّيْكِ، قَرِيبًا دَعَوْتِ، فَانْتَبَهَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: إِنَّ مَاوِيَّةَ تُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَتَقُولُ: إِنْ أَضْيَافَكَ قَدْ نَزَلُوا بِنَا، فَأَرْسِلْ إِلَيْنَا بِنَابٍ نَنْحَرُهَا لَهُمْ، وَبِلَبَنٍ نَسْقِيهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِنَابٍ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْإِبِلِ فَأَطْلَقَ اثْنَيْنِ مِنْ عَقْلِهِمَا، ثُمَّ صَرَخَ بِهِمَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْخِبَاءِ، ثُمَّ بَادَرَهُمَا فَضَرَبَ عَرْاقِيبَهُمَا، فَصَرَخَتْ مَاوَيَّةُ مِنْ دَاخِلِ الْخِبَاءِ، تَقُولُ: لِهَذَا طَلَّقْتُكَ، وَقَالَتْ: تُبَذِّرُ مَالَكَ وَتُتْلِفُ مَا فِي يَدِكَ وَوَلَدُكَ مِنْ بَعْدِكَ كَلا عَلَى قَوْمِكَ.
فَأَنْشَأَ حَاتِمْ يَقُولُ:
هَلِ الدَّهْرُ إِلا الْيَوْمُ أَوْ أَمْسِ أَوْ غَدٌ ... كَذَاكَ الزَّمَانُ بَيْنَنَا يَتَرَدَّدُ
يَرُدُّ عَلَيْنَا لَيْلَةً ثُمَّ يَوْمَهَا ... فَمَا نَحْنُ مَا نَبْقَى وَلا الدَّهْرُ يِنْفَدُ
لَنَا أَجَلٌ مَا نَتَنَاهَى أَمَامَهُ ... فَنَحْنُ عَلَى آثَارِهِ نَتَوَرَّدُ
بَنُو ثُعَلٍ قَوْمِي فَمَا أَنَا مُدَّعٍ ... سِوَاهُمْ إِلَى قَوْمٍ وَلا أَنَا مُسْنَدُ
بِدَرْئِهِمُ أَغْشَى دُرُوءَ مَعَاشِرٍ ... وَيَحْنَفُ عِنَّا الأَبْلَخُ الْمُتَعَمِّدُ
فَمَهْلا فِدًى أُمِّي وَنَفْسِي وَخَالَتِي ... وَلا يَأْمُرنِي بِالدَّنِيَّةِ أَسْوَدُ
أَأَلانَ إِذْ ذُكِّيتُ وَاشْتَدَّ جَانِبِي ... أُسَامُ الَّتِي أَعْيَيْتُ إِذْ أَنَا أَمْرَدُ
فَهَلْ تُرِكَتْ قَبْلِي حَضُورَ مَكَانِها ... وَهَلْ أَنَا إِنْ أَعْطَيْتُ خَسْفًا مُخَلَّدُ
وَمُعْتَسِفٍ بِالرُّمْحِ مِنْ دُونِ صَحْبِهِ ... تَعَسَّفْتُهُ بِالرُّمْحِ وَالْقَوْمُ هُجَّدُ
فَخَرَّ عَلَى حَرِّ الْجَبِينِ وَدَادُهُ ... إِلَى الْمَوْتِ مَطْرُورَ الْوَقِيعَةِ مِذْوَدُ
فَمَا رُمْتُهُ حَتَّى أَزَحْتُ عَوِيصَهُ ... وَحَتَّى عَلاهُ حَالِكُ اللَّوْنِ أَسْوَدُ
إِذَا كَانَ بَعْضُ الْمَالِ رَبَّا لِأَهْلِهِ ... فَإِنِي بِحَمْدِ اللَّهِ مَالِي مُعَبَّدُ
يُفَكُّ بِهِ الْعَانِي وَيُؤْكَلُ طَيِّبًا ... وَيُعْطَى إِذَا ضَنَّ الْبَخِيلُ الْمُصَرِّدُ
إِذَا مَا الْبَخِيلُ الْخِبْءُ أَخْمَدَ نَارَهُ ... أَقُولُ لِمَنِ يَصْلَى بِنَارِيَ: أَوْقِدُوا
تَوَسَّعْ قَلِيلا أَوْ يَكُنْ ثَمَّ حَسْبُنَا ... وَمُوقِدُهَا الْبَادِي أَعَفُّ وَأَمْجَدُ
فَإِنَّ الجَّوادَ مَنْ تَلَفَّتَ حَوْلَهُ ... وَإِنَّ الْبَخِيلَ نَاكِسُ الطَّرْفِ أَقْوَدُ
كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ رَاضٍ دَنِيَّةً ... وَسَامٍ إِلَى فَرْعِ الْعُلا مُتَوَرَّدُ
وَدَاعٍ دَعَانِي دَعْوَةً فَأَجَبْتُهُ ... وَهَلْ يَدَعُ الدَّاعِينَ إِلا الْيَلَنْدَدُ
стр. 170
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ، قَالَ: " كَانَتْ سَفَّانَةُ بِنْتُ حَاتِمٍ مِنْ أَجْوَدِ نِسَاءِ الْعَرَبِ، وَكَانَ أَبُوهَا يُعْطِيهَا الصِّرْمَةَ مِنْ إِبِلِهِ، فَتَهَبُهَا وَتُعْطِيهَا النَّاسَ، فَقَالَ حَاتِمٌ: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّ السَّخِيَّيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا فِي مَالٍ أَتْلَفَاهُ، فَإِمَّا أَنْ أُعْطِيَ وَتَبْخَلِينَ، وَإِمَّا أَنْ تُعْطِي وَأَبْخَلُ، فَإِنَّهُ لا يَبْقَى عَلَى هَذَا شَيْءٌ.
وَكَانَ أَبُو جُبَيْلٍ، وَهُوَ عَبْدُ قَيْسِ بْنُ خَفَّافِ الْبُرْجُمِيُّ، أَتَى حَاتِمًا فِي دِمَاءٍ حَمَلَهَا عَنْ قَوْمِهِ، أَسْلَمُوهُ فِيهَا، وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ مَنْ يَحْمِلُهَا عَنِّي، وَكَانَ شَاعِرًا شَرِيفًا، فَأَتَى حَاتِمًا فَقَالَ لَهُ: قَدْ كَانَ بَيْنَ قَوْمِي دِمَاءٌ، فَتَوَاكَلُوهَا، وَإِنِّي حَمَلْتُهَا فِي مَالِي وَإِبِلِي، فَقَدَّمْتُ مَالِي، وَكُنْتَ أَمَلِي، فَإِنْ تَحْمِلْهَا، فَرُبَّ حَقٍّ قَدْ قَضَيْتَهُ، وَهُمٍّ قَدْ كَفَيْتَهُ، وَإِنْ حَالَ دُونَ ذَلِكَ حَائِلٌ، لَمْ أَذُمَّ يَوْمَكَ، وَلَمْ آيَسْ مِنَ غَدِكَ، ثُمَّ أَنْشَدَ:
حَمَلْتُ دِمَاءً لِلْبَرَاجِمِ جَمَّةً ... فَجِئْتُكَ لَمَّا أَسْلَمَتْنِي الْبَرَاجِمُ
وَقَالُوا سِفَاهًا: لِمَ حَمَلْتَ دِمَاءَنَا ... فَقُلْتُ لَهُمْ: يَكْفِي الْحَمَالَةُ حَاتِمٌ
مَتَى آتِهِ فَيِهَا يَقُلْ لِيَ مَرْحَبًا ... وَأَهْلا وَسَهْلا أَخَطَأَتْكَ الأَشَائِمُ
فَيَحْمِلُهَا عَنِّي وَإِنْ شِئْتُ زَادَنِي ... زِيَادَةَ مَنْ حَلَّتْ إِلَيْهِ الْمَكَارِمُ
يَعِيشُ النَّدَى مَا عَاشَ حَاتِمُ طَيِّئٍ وَإِنْ مَاتَ قَامْتَ لِلسَّخَاءِ مَآتِمُ
يُنَادِينَ مَاتَ الْجُودُ مَعْكَ فَلا تَرَى ... لَهُ مُجِيبًا مَا دَامَ لِلسَّيْفِ قَائِمُ
وَقَالَ رِجَالٌ أَنْهَبَ الْجُودُ مَالَهُ ... إِذَا خَلَّفَ الْمَالَ الْحُقُوقُ اللَّوَازِمُ
فَيُعْطِي الَّتِي فِيهَا الْغَنِيَّ كَأَنَّهُ ... لَتَصْغِيرِهِ تِلْكَ الْعَطِيَّةَ جَارِمُ
بِذَلِكَ أَوْصَاهُ عَدِيٌّ وَحَشْرَجٌ ... وَسَعْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَتِلْكَ الْقَمَاقِمُ
فَقَالَ لَهُ حَاتِمٌ: إِنِّي كُنْتُ لَأُحِبُّ أنْ يَأْتِيَنِي مِثْلُكَ مِنْ قَوْمِكَ، هَذَا مِرْبَاعِي مِنَ الْغَارَةِ عَلَى تَمِيمٍ، فَإِنْ وَفَتِ الْحَمَالَةَ، وَإِلا كَمَّلْتُهَا لَكَ، وَهِيَ مِائَتَا بَعِيرٍ سِوَى بَنِيِّهَا، وَفِصَالِهَا، مَعَ أَنِّي لَأُحِبُّ أَنْ لا تُؤْيِسَ قَوْمَكَ بِأَمْوَالِهِمْ، فَضَحِكَ أَبُو جُبَيْلٍ، ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ مَا أَخَذْتُمْ مِنَّا وَلَنَا مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ، وَأَيُّمَا بَعِيرٍ دَفَعْتَهُ إِلَيَّ وَلَيْسَ لَهُ ذَنَبٌ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَأَنْتَ مِنْهُ بَرِيٌّ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَزَادَهُ مِائَةً، وَانْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ حَاتِمٌ:
أَتَانِي الْبُرْجُمِيُّ أَبُو جُبَيْلٍ ... لَهَمٍّ فِي حَمَالَتِهِ طَوِيلِ
فَقُلْتُ لَهُ خُذِ الْمِرْبَاعَ دَهْرًا ... فَإِنِّي لَسْتُ أَرْضَى بِالْقَلِيلِ
عَلَى حَالٍ وَلا عَوَّدْتُ نَفْسِي ... عَلَى عَلاتِهَا عِلَلَ الْبَخِيلِ
فَخُذْهَا إِنَّهَا مِائَتَا بَعِيرٍ ... سِوَى النَّابِ الرَّدِيَّةِ وَالْفَصِيلِ
وَلا مَنٌّ عَلَيْكَ بِهَا فَإِنِّي ... رَأَيْتُ الْمَنَّ يُزْرِي بِالْجَمِيلِ
فَقَامَ الْبُرْجُمِيُّ وَمَا عَلَيْهِ ... مِنْ أَعْبَاءِ الْحَمَالَةِ مِنْ قَتِيلِ
يَجُرُّ الذَّيْلَ يَنْفُضُ مِذْرَوَيْهِ ... خَفِيفَ الظَّهْرِ مِنْ حَمْلٍ ثَقِيلِ
стр. 171
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: " كَانَتْ أُمُّ حَاتِمٍ ذَاتَ يَسَارٍ، وَأَسْخَى النَّاسِ، وَأَقْرَاهُمْ لِضَيْفٍ، كَانَتْ لا تُلِيقُ شَيْئًا تَمْلِكُهُ، وَاسْمُهَا غَنِيَّةُ بِنْتُ عَفِيفِ بْنِ امْرئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَخْزَمَ، فَلَمَّا رَأَى إِخْوَتُهَا إِتْلافَهَا حَجَرُوا عَلَيْهَا، وَمَنَعُوهَا مَالَهَا، حَتَّى إِذَا ظَنُّوا أَنَّهَا قَدْ وَجَدَتْ ذَلِكَ أَعْطَوْهَا صِرْمَةً مِنْ إِبِلِهَا، فَجَاءَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ هَوَازِنَ، كَانَتْ تَأْتِيهَا كُلَّ سَنَةٍ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ لَهَا: دُونَكِ هَذِهِ الصِّرْمَةُ خُذِيهَا، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَضَّنِي مِنَ الْجُوعِ شَيْءٌ لا أَمْنَعُ مَعَهُ سَائِلا أَبَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
لَعَمَرْيِ لَقَدْ مَا عَضَّنِي الْجُوعُ عَضَّةً ... فَآلَيْتُ أَلا أَمْنَعَ الدَّهْرَ جَائِعًا
فَمَاذَا عَسَيْتُمْ أَنْ تَقُولُوا لِأُخْتِكُمْ ... سِوَى عَذْلِكُمْ أَوْ عَذْلِ مَنْ كَانَ مَانِعًا
فَقُولا لِهَذَا اللائِمِي الْيَوْمَ: أَعْفِنِي ... وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَعَضَّ الأَصَابِعَا
وَلا مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ إِلا طَبِيعَةً ... فَكَيْفَ بِتَرْكِي يَا ابْنَ أُمِّ الطَّبَائِعَا
أَنْشَدَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِحَاتِمٍ:
وَعاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ... وَقَدْ غَابَ عَيِّوقُ الثُّرَيَّا فَعَرَّدَا
تَلُومُ عَلَى إِعْطَائِيَ الْمَالَ ضِلَّةً ... إِذَا ضَنَّ بِالْمَالِ الْبَخِيلُ وَصَرَّدَا
تَقَوُلُ: أَلا أمْسِكْ عَلَيْكَ فَإِنَّنِي ... أَرَى الْمَالَ عِنْدَ الْمُمْسِكِينَ مُعَبَّدَا
ذَرِينِي وَمَالِي إِنَّ مَالَكِ وَافِرٌ ... وَكُلُّ امْرِئٍ جَارٍ عَلَى مَا تَعَوَّدَا
وإِلا فَكُفِّي بَعْضَ لَوْمِكِ وَاجْعَلِي ... إِلَى رَأَيِ مَنْ تَلْحِينَ رَأْيَكِ مُسْنَدَا
أَلَمْ تَعْلَمِي أَنِّي إِذَا الضَّيْفُ نَابَنِي ... وَعَزَّ الْقِرَى أَقْرِي السَّدِيفَ الْمُسَرْهَدَا
وَأَنِّي لِأَعْرَاضِ الْعَشِيرَةِ حَافِظٌ ... وَحَقِّهِمْ حَتَّى أَكُونَ مُسَوَّدَا
يَقُولُونَ لِي: أَهْلَكْتَ مَالَكَ فَاقْتَصِدْ ... وَمَا كُنْتُ لَوْلا مَا تَقُولُونَ مُفْسِدَا
كُلُوا الْيَوْمَ مِنْ رِزْقِ الْعِبَادِ وَأَبْشِرُوا ... فَإِنَّ عَلَى الرَّحْمَنِ رِزْقَكُمُ غَدَا
سَأَذْخُرُ مِنْ مَالِي دِلاصًا وَسَابِحًا ... وَأَسْمَرَ خَطِّيًّا وَعَضْبًا مُهَنَّدَا
فَذَلِكَ يَكْفِينِي مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ ... مَصُونًا إِذَا مَا كَانَ عِنْدِي مُتَلِّدَا
قَالَ: وَأَنْشَدَنِي لَهُ:
مَهْلا نَوَارُ، أَقِلِّي اللَّوْمَ وَالْعَذَلا ... وَلا تَقُولِي لِشَيْءٍ فَاتَ مَا فَعَلا؟
وَلا تَقُولِي لِمَالٍ كُنْتُ أُهْلِكُهُ ... مَهْلا وَإِنْ كُنْتُ أُعْطِي الْجِنَّ وَالْخَبَلا
يَرَى الْبَخِيلُ سَبِيلَ الْمَالِ وَاحِدَةً ... إِنَّ الْجوَادَ يَرَى فِي مَالِهِ سُبُلا
إِنَّ الْبَخِيلَ إِذَا مَا مَاتَ يِتْبَعُهُ ... سُوءُ الثَّنَاءِ وَيَحْوِي الْوَارِثُ الْإِبِلا
اصْدُقْ حَدِيثَكَ إِنَّ الْمَرْءَ يَتْبَعُهُ ... مَا كَانَ يَبْنِي إِذَا مَا نَعْشُهُ حُمِلا
لا تَعْذِلِينِي عَلَى مَالٍ وَصَلْتُ بِهِ ... رَحْمًا وَخَيْرُ سَبِيلِ الْمَالِ مَا وَصَلا
يَسْعَى الْفَتَى وَحِمَامُ الْمَوْتِ مُدْرِكُهُ ... وَكُلُّ يَوْمٍ يُدَنِّي لِلْفَتَى أَجَلا
إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنِّي سَوْفَ يُدْرِكُنِي ... يَوْمِي وَأُصْبِحُ عَنْ دُنَيَايَ مُشْتَغِلا
فَلَيْتَ شِعْرِي وَلَيْتٌ غَيْرُ مُدْرَكَةٍ ... بِأَيِّ حَالٍ تُرَى أَضْحَى بَنُو ثُعَلا
اغْزُوا بَنِي ثُعَلٍ فَالْغَزْوُ جَدُّكُمُ ... عُدُّوا الرَّوَابِي وَلا تَبْكُوا لِمَنْ قُتِلا
стр. 172
وَيْهًا فِدًى لَكُمُ أُمِّي وَمَا وَلَدَتْ ... حَامُوا عَلَى مَجْدِكُمْ وَاكْفُوا مَنِ اتَّكَلا
إِذْ غَابَ مَنْ غَابَ عَنْهُمْ مِنْ عَشِيرَتِنَا ... وَأَبْدَتِ الْحَرْبُ نَابًا كَالِحًا عَصِلا
اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي ذُو مُحَافَظَةٍ ... مَا لَمْ يَخُنِّي خَلِيلِي يَبْتَغِي بَدَلا
فَإِنْ تَبَدَّلَ أَلْفَانِي أَخَا ثِقَةٍ ... عَفَّ الْخَلِيقَةِ لا نِكْسًا وَلا وَكِلا
قَالَ: وَأَنْشَدَنِي عَمِّي أَيْضًا:
أَنَا الْمُفِيدُ حَاتِمُ بْنُ سَعْدٍ ... أُعْطِي الْجَزِيلَ وَأَفِي بِالْعَهْدِ
وَشِيمَتِي الْبَذْلُ وَصِدْقُ الْوَعْدِ ... وَأَشْتَرِي الْحَمْدَ بِفِعْلِ الْحَمْدِ
أَوْرَثَنِي الْمَجْدَ بُنَاةُ الْمَجْدِ ... أَبِي وَجَدِّي حَشْرَجٌ ذُو الْوَفْدِ
هَلا سَأَلْتِ الْوَفْدَ عَنِّي وَحْدِي ... كَيْفَ طِعَانِي بِالْقَنَا وَشَدِّي
وَكَيْفَ ضَرْبِي بِالْحُسَامِ الْفَرْدِ ... وَكَيْفَ بَذْلِي الْمَالَ غَيْرَ كَدِّي
وَكَيْفَ تِضْيَافِي وَكَيْفَ قَصْدِي ... وَكَيْفَ إِطْلاقِي وَكَيْفَ رِفْدِي
وَأَنْشَدَنِي لَهُ أَيْضًا:
لا تَسْتُرِي قِدْرِي إِذَا مَا طَبْخَتِهَا ... عَلَيَّ إِذَا مَا تَطْبُخِيهِ حَرَامِ
وَلَكِنْ بِهَذَاكَ الْيَفاعِ فَأَوْقِدِي ... بِجَزْلٍ إِذَا أَوْقَدْتِ لا بِضَرامِ
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّليُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: أَغَارَتْ طَيِّئٌ عَلَى إِبِلِ النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْجَفْنِيِّ، وَقَتَلُوا ابْنًا لَهُ، وَكَانَ الْحَارِثُ إِذَا غَضِبَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ وَلَيَسْبِيَنَّ الذَّرَارِيَّ، فَحَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ مَنَ الْغَوْثِ بْنِ طَيِّئٍ أَهْلَ بَيْتٍ جَمِيعًا، حَتَّى لا يُبْقِي مِنْهُمْ مُقَاتِلا، عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ.
فَخَرَجَ يُرِيدُ طَيِّئًا، فَأَصَابَ مِنْ بَنِي عَدَيِّ بْنِ أَخْزَمَ، قَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلا، وَأَصَابَ رَئِيسَهُمْ، وَهَمَ بْنَ عَمْرٍو، وَأَصَابَ رَهْطَ حَاتِمٍ، وَحَاتِمٌ يَوْمَئِذٍ بِالْحِيرَةِ، عِنْدَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَأَصَابَتْهُمْ مُقَدِّمَاتُ خَيْلِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ حَاتِمٌ الْجَبَلَيْنِ، حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ مِنْ وَلَدَهِا، فَتَقُولُ: يَا حَاتِمُ أُسِرَ أَبُو هَذَا، وَجَعَلَتِ النِّسَاءُ تُكْثِرُ عَلَيْهِ.
فَلَمْ يَلْبِثْ إِلا لَيْلَةً حَتَّى سَارَ إِلَى النُّعْمَانِ، وَمَعَهُ مِلْحَانُ بْنُ حَارِثَةَ، وَكَانَ لا يُسَافِرُ إِلا وَهُوَ مَعَهُ، فَقَالَ حَاتِمٌ:
إِلا أَنْنِي قَدْ هَاجَنِي اللَّيْلَةَ الذِّكْرُ ... وَمَا ذَاكَ مِنْ حُبِّ النِّسَاءِ وَلا الأَشَرْ
وَلَكِنَّهُ مِمَّا أَصَابَ عَشِيرَتِي ... وَقَوْمِي بِأَقْرَانٍ، حَوَالَيْهِمُ الصِّيَرْ
لَيَالِيَ نُمْسِي بَيْنَ جَوٍّ وَمِسْطَحٍ ... نَشَاوَى لَنَا مِنْ كُلِّ سَائِمَةٍ جَزَرْ
فَيَا لَيْتَ خَيْرَ النَّاسِ حَيًّا وَمَيَّتًا ... يَقُولُ لَنَا خَيْرًا وَيَمْضِي الَّذِي ائْتَمَرْ
فَإِنْ كَانَ شَرًّا فَالْعَزَاءُ فَإِنَّنَا ... عَلَى وَقِعَاتِ الدَّهْرِ مِنْ قَبْلِهَا صُبَرْ
سَقَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ سَحًّا وَدِيمَةً ... جَنُوبَ السَّراةِ مِنْ مَآبٍ إِلَى زُغَرْ
بِلادَ امْرِئٍ لا يَعْرِفُ الذَّمُّ بَيْتَهُ ... لَهُ الْمَشْرَبُ الصَّافِي وَلا الْمَطْعَمُ الْكِدَرْ
تَذَكَّرْتُ مِنْ وَهْمِ بْنِ عَمْرٍو جَلادَةً ... وَجُرْأَةَ مَغْدَاهُ إِذَا صَارِخٌ بِكَرْ
فَأَبْشِرْ وَقرَّ الْعَيْنَ مِنْكَ فَإِنَّنِي ... أُحَيِّي كَرِيمًا لا ضَعِيفًا وَلا حَصِرْ
стр. 173
قَالَ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْجَفْنِيِّ، فَأَنْشَدَهُ، فَأُعْجِبَ بِهِ، وَاسْتَوْهَبَ مِنْهُ أَسْرَى قَوْمِهِ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ، وَكَانَ مَنْ وَهَبَ لَهُ مِنْهُمْ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ ثُمَّ أَنْزَلَهُ عِنْدَهُ، وَأَمَرَ بِحُسْنِ ضِيَافَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَبِتَعَهُّدِهِ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ وَالْخَمْرُ.
فَقَالَ لَهُ مِلْحَانُ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَقَوْمُكَ أَسْرَى فِي الأَغْلالِ؟ سَلْهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، وَيَهَبَهُمْ.
فَدَخَلَ عَلَى النُّعْمَانِ الثَّانِيَةَ، وَقَالَ قَصِيدَةً أُخْرَى، فَأَنْشَدَهُ إِيَّاهَا:
إِنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ أَضْحَتْ مِنْ صَنَائِعَكُمْ ... وَعَبْدَ شَمْسٍ أَبَيْتَ اللَّعْنَ فَاصْطَنِعِ
إِنَّ عَدِيًّا إِذَا مَلَّكْتَ جَانِبَهَا ... مَنْ أَمْرِ غَوْثٍ عَلَى مَرْأًى وَمُسْتَمَعِ
وَقَالَ أَيْضًا:
أَتْبِعْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَمْرَ إِخْوَتِهِمْ ... أَهْلِي فِدَاؤُكَ إِنْ ضَرُّوا وَإِنْ نَفَعُوا
لا تَجَعَلَّنَا أَبَيْتَ اللَّعْنَ ضَاحِيَةً ... كَمَعْشَرٍ صُلِمُوا الْآذَانَ أَوْ جُدِعُوا
أَوْ كَالْجَنَاحِ إِذَا شُلَّتْ قَوَادِمُهُ ... صَارَ الْجَنَاحُ لِفَضْلِ الرِّيشِ يَتَّبِعُ
فَأَطْلَقَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْحَارِثِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُمْ بَنُو عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَخْزَمَ بْنِ أَبِي أَخْزَمَ، وَبَقَيَ قَيْسُ بْنُ جَحْدَرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَضِيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَرْوَلٍ الأَجَئِيُّ، وَأَمُّهُ مِنَ بَنِي عَدِيٍّ، وَهُوَ جَدُّ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ نَفَرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ جَحْدَرٍ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: أَبَقِيَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنْشَدَهُ حَاتِمٌ:
فَكَكْتَ عَدِيًّا كُلَّهَا مِنْ إِسَارِهَا ... فَأَفْضِلْ وَشَفِّعْنِي بِقَيْسِ بْنِ جَحْدَرِ
أَبُوهُ أَبُونَا فَارْعٌ وَالأُمُّ أُمُّنَا ... فَأَنْعِمْ فَدَتْكَ النَّفْسُ نَفْسِي وَمَعْشَرِي
فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: هُوَ لَكَ، وَوَهَبَهُ لَهُ مَعَ جَمْيِعِ مَنْ أَسَرَ مِنْ قَوْمِهِ.
فَقَالَ حَاتِمٌ يَمْدَحُ النُّعْمَانَ بْنَ الْحَارِثِ، وَيَذْكُرُ مَا مَنَّ عَلَيْهِ مِنْ فِكَاكَ قَوْمِهِ، وَهِبَتِهِ إِيَّاهُمْ لَهُ:
أَبْلِغِ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو بِأَنِّي ... حَافِظُ الْوُدِّ مُرصِدٌ لِلثَّوَابِ
وَمُجِيبٌ دُعَاءَهُ إِنْ دَعَانِي ... عَجِلا وَاحِدًا وَذَا أَصْحَابِ
إِنَّمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ فَاعْلَمْ ... سَيْرُ تَسْعٍ لِلْعَاجِلِ الْمُنْتَابِ
فَثَلاثٌ مِنَ الشَّرَاةِ إِلَى الَحْالَةِ ... لِلْخَيْلِ جَاهِدًا وَالرِّكَابِ
وَثَلاثٌ يَرِدْنَ تَيْمَاءَ رَهْوًا ... وَثَلاثٌ يُغِرْنَ بِالْإِعْجَابِ
فَإِذَا مَا مَرَرْتَ فِي مُسْبَطَرٍّ ... فَأَجْمَحَ الْخَيْلُ مِثْلَ جَمْحِ الْكِعَابِ
بَيْنَمَا ذَاكَ أَصْبَحَتْ وَهْيَ عَضُدَى ... مِنْ سَبِيٍّ مَجْمُوعَةٍ وَنِهَابِ
لَيْتَ شِعْرِي مَتَى أَرَى قُبَّةً ... ذَاتَ قِلاعٍ لِلْحَارِثِ الْحَرَّابِ
فِي يَفَاعٍ وَذَاكَ مِنْهَا مَحَلٌّ ... فَوْقَ مَلْكٍ يُدِينُ بِالأَحْسَابِ
أَيُّهَا الْمُوعِدِيُّ فَإِنَّ لَبُونِي ... بَيْنَ حَقْلٍ وَبَيْنَ هَضَبٍ ذُبَابِ
حَيْثُ لا أَرْهَبُ الْعَدُوَّ وَحَوْلِي ... مِنْ هِضَابٍ مَحْفُوفَةٍ بِهِضَابِ
أَنْشَدَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لِحَاتِمٍ الطَّائِيِّ:
أَلا أَرِقَتْ عَيْنِي فَبِتُّ أُدِيرُهَا ... حِذَارَ غَدٍ وَأَحَجُّ أَلا يَضِيرُهَا
إِذَا النَّجْمُ أَمْسَى مَغْرِبَ الشَّمْسِ مَائِلا ... وَلَمْ يَكُ بِالْآفَاقِ بَرْقٌ يُنِيرُهَا
стр. 174
إِذَا مَا السَّمَاءُ لَمْ تَكُنْ غَيْرَ جُلْبَةٍ ... كَجِدَّةِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ يُنِيرُهَا
إِذَا الرِّيحُ جَاءَتْ مِنْ أَمَامِ أَطَائِفٍ ... وَأَخْلَفَ نَوْءُ الشِّعْرِ بَيْنَ دَبُورِهَا
فَإِنَّا نُهِينُ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ ضِنَّةٍ ... وَمَا يَشْتَكِينَا فِي السِّنِينَ ضَرِيرَهَا
إِذَا مَا الْبَخِيلُ الْخِبُّ هَرَّتْ كِلابُهُ ... وَشَقَّ عَلَى الضَّيْفِ الْغَرِيبِ عَقُورُهَا
فَإِنِّي جَبَانُ الْكَلْبِ بَيْتِي مُوطَّأٌ ... أَجُودُ إِذَا مَا النَّفْسُ شحَّ ضَمِيرُهَا
وَإِنَّ كِلابِي قَدْ أَقَرَّتْ وَعُوِّدَتْ ... قَلِيلٌ عَلَى مَنْ يَعْتَرِينِي هَرِيرُهَا
وَمَا تَشْتَكِي قِدْرِي إِذَا النَّاسُ أَمْحَلَتْ ... أُؤَثِّفُهَا طَوْرًا وَطَوْرًا أُمِيرُهَا
وَأُبْرِزُ قِدْرِي بِالْفِنَاءِ قَلِيلُهَا ... يُرَى غَيْرَ مَضْنُونٍ بِهِ وَكَثِيرُهَا
وَلَيْسَ عَلَى نَارِي حِجَابٌ يَكُفُّهَا ... لِمُسْتَوْبِصٍ لَيْلا وَلَكِنْ أَشِيرُهَا
فَلا وَأَبِيكَ مَا يَظَلُّ ابْنُ جَارَتِي ... يَطُوفُ حَوَالِي قِدْرَنَا مَا يَطُورُهَا
وَإِبْلِيَ رَهْنٌ أَنْ يَكُونَ كَرِيمُهَا عَقِيرًا ... أَمَامَ الْبَيْتِ حِينَ أُثِيرُهَا
وَمَا تَشْتَكِينِي جَارِتِي غَيْرَ أَنَّنِي ... إِذَا غَابَ عَنْهَا بَعْلُهَا لا أَزُورُهَا
سَيَبْلُغُهَا خَيْرِي وَيَرْجِعَ بَعْلُهَا ... إِلَيْهَا وَلَمْ تُقْصَرْ عَلَيَّ سُتُورُهَا
وَخَيْلٍ تُنَادِي لِلطِّعَانِ شَهِدْتُهَا ... وَلَوْ لَمْ أَكُنْ فَيْهَا لَسَاءَ عَذْيرُهَا
وَعَرْجَلَةٍ شُعْثِ الرُّءُوسِ كَأَنَّهُمْ ... بَنُو الْجِنَّ لَمْ تُطْبَخْ بِقِدْرٍ جَزُورُهَا
شَهِدْتَ وَدَعْوَانَا أُمَيْمَةَ أَنَّنَا ... بَنُو الْحَرْبِ نَصْلاهَا إِذَا اشْتَدَّ نُورُهَا
عَلَى مُهْرَةٍ كَبْدَاءَ قَوْدَاءَ ضَامِر ... ٍأَمِينٍ شَظَاهَا، مُطْمَئِنٍ نُسُورهَا
وَغَمْرَةُ مَوْتٍ لَيْسَ فِيهَا هَوَادَةٌ ... تَكُونُ صُدُورَ السَّمْهَرِيِّ جُسُورُهَا
صَبَرْنَا لَهَا فِي نَهْكِهَا وَمُصَابِهَا ... بِأَسْيَافِنَا حَتَّى يَبُوخَ سَعِيرُهَا
وَخُوصٍ دَقَاقٍ قَدْ حَدَوْتُ بِفِتْيَةٍ ... عَلَيْهِنَّ إِحْدَاهُنَّ قَدْ حُلَّ كُورُهَا
وَقَدْ عَلِمَتْ غَوْثٌ بِأَنَّا خِيَارُهَا ... إِذَا أَعْلَمَتْ بَعْدَ النَجِيِّ أُمُورُهَا
وَأَنِّي امْرُؤٌ مِنْ عُصْبَةٍ ثُعَلِيَّةٍ ... كَرِيمٌ غِنَاهَا مُسْتَعَفٌّ فَقِيرُهَا
وَأَقْسَمْتُ لا أُعْطِي الْمُلُوكَ ظَلامَةً ... وَحَوْلِي عَدِيٌّ كَهْلُهَا وَغَرِيرُهَا
وَأَنْشَدَنِي عَمِّي لِحَاتِمٍ:
أَهَاجَكَ نَصْبٌ أَمْ بِعَيْنِكَ عَائِرٌ ... إِلَى الصُّبْحِ لَمْ تَرْقُدْ فَيَوْمُكَ سَاهِرُ
وَمَا هَاجَنِي ذِكْرُ النِّسَاءِ وَإِنَّنِي ... طَرُوبٌ وَلَكِنْ غَيْرُ ذَلِكَ ذَاكِرُ
فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا سَلامَانَ مَالِكًا ... وَسَنْبَسَ هَلْ حَاذَرْتُمُ مَا أُحَاذِرُ
أُحَاذِرُ يَوْمًا أَنْ تَسِيرَ قَبَائِلٌ ... تُوَرِّثُ شَنْوَءًا بَيْنَهُمْ وتُظَاهِرُ
وَأَبْلِغْ أَبَا النُّعْمَانِ عَنِّي رِسَالةً ... وَذُو الْحِلْمِ قَدْ يُرْعَى إِلَى مَنْ يُؤَامِرُ
فَلَيْتَ أَبَا النُّعْمَانِ بُيِّنَ قَبْرُهُ ... وَكَيْفَ تُجْيبُ لِلدُّعَاءِ الْمَقَابِرُ
فَلَوْ كَانَ حَيًّا قَدْ أَبَاتَ عَدُوُّهُمْ ... عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مِمَّا يُحَاذِرُ
بِأَنَّ بَنِيهِ قَدْ تَنَاءَوْا بِدَارِهِمْ ... فَحَوْرَانُ أَدْنَى دَارِهِمْ فَأبَايِرُ
أَلا هَلْ أَتَى قَوْمِي بِأَنَّ مُحَارِبًا ... تُدَبَّرُ مِنْهَا الصُّهْوُ بَادٍ وَحَاضِرُ
وَحُلَّتْ بِلا جَارٍ مَبَاءَةَ نَبْتَلٍ ... وَحُلَّتْ جُدَيَّاتٌ وَحُلَّتْ مَصَاخِرُ
وَأَرْسَلَتِ الأَشْوَاكُ جَنْبِي بِوَاعَةٍ ... عِزِينٍ وَتَرْعَى بِالرَّدَاةِ الْعَشَائِرُ
стр. 175
وَهُمْ سَلَبُوا زَيْدًا غَدَاةَ قُرَاقِر ... رَوَاحِلَهُ وَالْمَوْتُ بِالنَّاسِ حَاضِرُ
فَلَمْ يُغْنِ زَيْدًا يَوْمَ ذَلِكَ نَفْرُهُ ... وَأَفْلَتَهُمْ يَعْدُو بِهِ ثَمَّ ضَامِرُ
بِزَخَّةَ مِنْ جَرْمٍ يُمَنُّونَ جِيفَةً ... وَلَمْ يُنْجِهِمْ مِنْ آلِ بُوْلانَ وَاقِرُ
فَأَيْنَ بَنُو الْعِلاتِ إِنِّي عَهِدْتُهُمْ ... إِذَا مَا انْتَدَوْا فَيْهِمْ نَدًى وَبَوَادِرُ
وَأَيْنَ بَنُو هِنْدٍ أَلا حَيَّ مِنْهُمُ ... فَيَسْعَوْا عَلَى مَا كَانَ قَدَّمَ عَامِرُ
وَأَلْهَى بَنِي الْعَلاتِ عَنَّا وَحَارِثًا ... عَبَائِرُ تُحْدِي خَلْفَهُنُّ الأَبَاعِرُ
وَحَنُّوا إِلَى فَتٍّ بِجَنْبِي بَسِيطَةٍ ... كَمَا حَنَّ للأَكْلاءِ نِيبٌ صَوَادِرُ
أَبَعْدَ بَنِي رُومَانَ شَدُّوا حِبَالَهُمْ ... بِحَبْلِ بَنِي جَدْعَاءَ لَمْ يَتَزَاجَرُوا
يَقُولُ لَهُمْ أَوْسٌ تَعَالَوْا جُنَيْبَةً ... أَلا إِنَّمَا أَوْسٌ وَجَدِّكَ فَاجِرُ
أَيَفْعَلُهَا فِي النَّاسِ قَوْمٌ عُمَارَةٌ ... لَهُمْ نَسَبٌ وَلا نِسَاءٌ حَرَائِرُ
تَبَيَّنْ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَهْدِي مِنَ الْعَمَى ... إِذَا مَا الْتَقَيْنَا أَيَّنَا أَنْتَ ضَائِرُ
فَإِنْ لا تُجِيبُونَا تصِرُّ خِيَامُنَا ... إِلَى مَذْحِجٍ إِنَّ الأُمُورَ دَوَائِرُ
وَيَنْأَى حَبْيبٌ عَنْ مَزَارِ حَبِيبِهِ ... وَتَرْمَحُ حَمِيرٌ دُونَنَا وَأَبَاقِرُ
وَيَنْأَى قَبِيلٌ لا قَرَابَةَ بَيْنَهُمْ ... لَهُمْ نَسَبٌ فِي أَصْلِ غَوْثٍ مَآثِرُ
وَإِنْ تَذْهُبُوا إِلَى دِيَافٍ وَأَرْضِهَا ... لنِيَّتِكُمْ فَإِنَّ أَصْلِي يُحَابِرُ
فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي جَدِيلَةَ مَالِكًا ... وَمَا إِنْ أُحِبُّ أَنْ تُؤَدَّى الْهَوَاجِرُ
فَتَاللَّهِ هَلْ كُنَّا اخْتَلَفْنَا وَأَنْتُمُ ... عَلَى النَّصْرِ مَا دَامَ اللَّيَالِي الْغَوَابِرُ
وَهَلْ تَعْلَمُونَ إِذْ نَزَلْنَا وَأَنْتُمُ ... وَلَيْسَ لَنَا إِلا الْإِلَهُ مُنَاصِرُ
عَطَاؤُكُمْ زَوْلٌ وَيُرْزَأُ مَالُكُمْ ... فَإِنِّي بِكُمْ وَلا مَحَالَةَ سَاخِرُ
فَلَمَّا أَخَذْتُمْ مَا أَرَدْتُمْ لِقَوْمِكُمْ ... وَأَدْرَكْتُمُ ثَأْرًا وَأُدْرِكَ وَاتِرُ
قَلَبْتُمْ لَنَا ظَهْرَ الْمِجَنِّ عَدَاوَةً ... فَأَيْدِيكُمُ بِالنَّصْرِ عَنَّا شَوَاجِرُ
وَأَنْشَدَنِي عَمِّي أَيْضًا لَهُ:
صَحَا الْقَلْبُ عَنْ هِنْدٍ وَعَنْ أُمِّ عَامِرٍ ... وَكُنْتُ أَرَاهُ عَنْهُمَا غَيْرَ صَابِرِ
وَدَبَّتْ وُشَاةٌ بَيْنَنَا وَتَقَاذَفَتْ ... نَوَى غُرْبَةٍ مِنْ بَعْدِ طُولِ التَّجَاوُرِ
وَفِتْيَانِ صِدْقٍ ضَمَّهُمْ دَلَجُ السُّرَى ... عَلَى ذُقُنٍ مِثْلَ السِّهَامِ ضَوَامِرِ
فَلَمَّا أَتَوْنِي قُلْتُ: خَيْرُ مُعَرِّسٍ ... وَلَمْ أَطَّرِحْ حَاجَاتِهِمْ بِمَعَاذِرِ
وَقُمْتُ لِمُوشِيِّ الْمُتُونِ كَأَنَّهُ ... شِهَابُ غَضًا فِي كَفِّ سَاعٍ مُبَادِرِ
فَيَشْقَى بِهِ عُرْقُوبُ كَوْمَاءَ جَبْلَةٍ ... عَقِيلَةِ كَوْمٍ كَالْهِضَابِ بَهَازِرِ
فَظَلَّ عُفَاتِي مُكْرَمِينَ وَطَابِخِي ... فَرِيقَانِ مِنْهُمْ: بَيْنَ شَاوٍ وَقَادِرِ
شَآمِيَّةً لَمْ تُتَّخَذْ لِدَحَامِسِ ... الطَّبِيخِ وَلا ذَمُّ الْخَلِيطِ الْمُجَاوِرِ
يُقَمِّصُ دَهْدَاقَ الْبَضِيعِ كَأَنَّهُ ... رُءُوسُ الْقَطَا الْكَدِرِ الدِّقَاقِ الْحَنَاجِرِ
كَأَنَ هَبِيرَ اللَّحْمِ فِي فَوَرَاتِهَا ... إِذَا اسْتَحْمَشَتْ أَيْدِي نِسَاءٍ حَوَاسِرِ
كَأَنَ أَنِيضَ اللَّحْمِ حِينَ تَغَطْمَطَتْ ... رِيَاحُ عَبِيرٍ بَيْنَ أَيْدِي الْعَوَاطِرِ
إِذَا أُنْزِلَتْ كَانَتْ هَدَايَا وَطُعْمَةً ... وَلَمْ تُخْتَزَنْ دُونَ الْعُيُونِ النَّوَاظِرِ
أَلا لَيْتَ أَنَّ الْمَوْتَ كَانَ حِمَامُهُ ... لَيَالِيَ حَلَّ الْحَيُّ أَكَنِافَ حَامِرِ
لَيَاليَ يَدْعُونِي الصِّبَا فَأُجِيبُهُ ... حَثِيثًا وَلا أَرْعَى إِلَى قَوْلِ زَاجِرِ
стр. 176
وَدَوَيَّةٍ قَفْرٍ تَعَاوَى سِبَاعُهَا ... عُوَاءَ الْيَتَامَى مِنْ حَذَارِ التَّرَاتِرِ
قَطَعْتُ بِمِرْدَاةٍ كَأَنَّ نُسُوعَهَا ... تُشَدُّ عَلَى قَرْمٍ عَلَنْدِي مُخَاطِرِ
وَأَنْشَدَنِي عَمِّي لِحَاتِمِ يَرْثِي مِلْحَانَ بْنَ حَارِثَةَ بْنَ سَعْدِ بْنِ حَشْرَجٍ:
لبَيْكِ عَلَى مِلْحَانَ صَيْفٌ مُدَفَّعٌ ... وَأَرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أَرْمَلا
إِذَا ارْتَحَلا لَمْ يَجِدَا بَيْتَ لَيْلَةٍ ... وَلَمْ يَلْبِسَا إِلا بِجَادًا وَخَيْعَلا
وَأَوْصَيْتَنِي أَنْ أَرْفَعَ الظَّنَّ صَاعِدًا ... وِصَاتَكَ وَاسْتُودِعْتُ تُرْبَا وَجَنْدَلا
فَلا انْفَكَّ رِمْسٌ بَيْنَ أَضْرَعَ فَاللِّوَى ... يَصَبُّ عَلَيْهِ اللَّهُ وَدْقًا مُجلَّلا
غَزَا حَاتِمٌ، فَأَصَابَ رَاحِلَةً لِبَعْضِ الْمُلُوكِ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ: الْمِزَاجُ، فَقَالَ:
فَلَوْ شِهِدَتْنَا بِالْمِزَاجِ لَأَيْقَنَتْ ... عَلَى ضُرِّنَا أَنَّا كِرَامُ الضَّرائِبِ
عَشِيَّةَ قَالَ ابْنُ الذَّمِيمَةِ عَارِضٌ ... إِخَالُ رَئِيسَ الْقَوْمِ لَيْسَ بِآيِبِ
وَمَا أَنَا بِالسَّاعِي بِفَضْلِ زِمَامِهَا ... لِأُشْرِعَهَا فِي الْحَوْضِ قَبْلَ الرَّكَائِبِ
وَمَا أَنَا بِالطَّاوِي حَقِيبَةَ رَحْلِهَا ... لِأَبْعَثَهَا خِفًّا وَأَتْرُكَ صَاحِبِي
إِذَا كُنْتَ ربًّا لِلْقَلُوصِ فَلا تَدَعْ ... رَفِيقَكَ يَمْشِي خَلْفَهَا غَيْرَ رَاكِبِ
أَنِخْهَا فَأَرْدِفْهُ فَإِنْ حَمَلَتْكُمَا ... فَدَاكَ وَإِنْ كَانَ الْعِقَابُ فَعَاقِبِ
وَمَرْقَبَةٍ دُونَ السَّمَاءِ عَلَوْتُهَا ... أُقَلِّبُ طَرْفِي فِي فَضَاءٍ سَبَاسِبِ
وَمَا أَنَّا بِالْمَاشِي إِلَى بَيْتِ جَارَتِي ... طَرُوقًا أُحَيِّيهَا كَآخَرَ جَانِبِ
وَلَسْتُ إِذَا مَا أَحْدَثَ الدَّهْرُ نَكْبَةً ... بِأَخْضَعَ وَلاجٍ بُيُوتَ الأَقَارِبِ
إِذَا أَوْطَنَ الْقَوْمُ الْبُيُوتَ وَجَدْتَهُمْ ... عُمَاةً عَنِ الأَخْبَارِ خُرْقَ الْمَكَاسِبَ
أَنْشَدَنِي عَمِّي لَهُ:
وَأَشْعَثَ مِعْزَالٍ يُسَوِّقُ هَجْمَةً ... بِوَادٍ تَغَشَّتْهُ السَّحَابَةُ مِنْ عَسَلِ
أُتِيحَ لَهُ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ ... حَمَامٌ وَمَا يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ يَفْعَلِ
وَكَانَ يَخَالُ الأَرْضَ قَفْرًا بَرِيَّةً ... وَمَنْ لا يَخَفْ زِوَّ الْمَنِيَّةِ يَجْهَلِ
فَمَا رَاعَهُ إِلا عُلُوُّ جَبِينِهِ ... بِعَضْبٍ جَلَتْ عَنْهُ مَدَاوِسُ صَيْقَلِ
فَخَرَّ وَأَلْقَى ثَوْبَهُ وَتَرَكْتُهُ ... لَدَى شَجَرَاتٍ كَالْعَكِيِّ الْمُجَدَّلِ
أَنْشَدَنِي عَمِّي لَهُ:
إِذَا مَا بِتُّ أَخْتَلُ عِرْسَ جَارِي ... لِيُخْفِيَنِي الظَّلامُ فَلا خَفِيتُ
أَأَفْضَحُ جَارَتِي وَأَخُونُ جَارِي ... فَلا وَأَبِيكَ أَفْعَلُ مَا حَيِيتُ
وَأَنْشَدَنِي عَمِّي لَهُ:
وَخِرْقٍ كَنَصْلِ السَّيْفِ قَدْ رَامَ مَصْدَفِي ... تَعَسَّفْتُهُ بِالرُّمْحِ وَالْقَوْمُ شُهَّدِي
فَخَرَّ عَلَى حُرِّ الْجَبِينِ بِضَرْبَةٍ ... تَقُطُّ صِفَاقًا مِنْ حَشًا غَيْرَ مُبْلَدِ
فَمَا رُمْتُهُ حَتَّى تَرَكْتُ عَوِيصَهُ ... بَقِيَّةَ عِرْقٍ يَحْفِزُ التُّرْبَ مِذْوَدِ
وَحَتَّى تَرْكَتُ الْعَائِدَاتِ يَعُدْنَهُ ... يَقُلْنَ فَلا تَبْعِدْ وَقُلْتُ لَهُ ابْعِدِ
فَطَافُوا بِهِ طَوْفَيْنِ ثُمَّ نَمَوْا بِهِ ... إِلَى ذَاتِ إِلْجَافٍ بِزَخَّاءَ قُرْدُدِ
ومَرْقَبَةٍ دُونَ السَّمَاءِ طَمِرَّةٍ ... سَبَقْتُ طُلُوعَ الشَّمْسِ عَنْهَا بِمَرْصَدِ
وِسَادِي بِهَا جَفْنُ السِّلاحِ وَتَارَةً ... عَلَى عُدَوَاءِ الْجَنْبِ غَيْرُ مُوسَّدِ
стр. 177
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا وَقَعَ حَرْبُ الْفَسَادِ، خَرَجَ حَاتِمُ حَتَّى نَزَلَ فِي بنِي بَدْرِ بْنِ عَمْرٍو زَمَنَ احْتَرَبَتْ جَدِيلَةُ وثُعَلٌ، وَكَانَ ذَلِكَ زَمَنَ الْفَسَادِ، وَكَانَ نُزُولُ حَاتِمٍ فِي بَنِي بَدْرِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حَصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، فَأَحْسَنُوا جِوارَ حَاتِمٍ، وَأَكْرَمُوهُ، فَقَالَ حَاتِمٌ فِي ذَلِكَ:
إِنْ كُنْتِ كَارِهَةً لِعِيشَتِنَا ... هَاتِي فَحُلِّي فِي بَنِي بَدْرِ
جَاوَرْتُهُمْ زَمَنَ الْفَسَادِ فَنِعْمَ ... الْحَيِّ فِي الْعَوْصَاءِ وَالْيُسْرِ
فَسُقِيتُ بِالْمَاءِ النَّمِيرِ وَلَمْ ... أَتْرُكْ أَوَاطِسَ حَمْأةِ الْجَفْرِ
وَدُعِيتُ فِي أُولَى النَّدِيِّ وَلَمْ ... يُنْظَرْ إِلَيَّ بِأَعْيُنٍ خُزْرِ
الضَّارِبُونَ لَدَى أَعَنَّتِهِمْ ... وَالطَّاعِنُونَ وَخَيْلُهُمْ تَجْرِي
وَالْخَالِطُونَ نَحِيتَهُمْ بِنُضَارِهِمْ ... وَذَوِي الْغِنَى مِنْهُمْ بِذِي الْفَقْرِ
٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا بَعْضُ نِسَائِهِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَنَا لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» .
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَدِيثُ أَبِي زَرْعٍ وَأُمِّ زَرْعٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ قَرْيَةً مِنَ قُرَى الْيَمَنِ كَانَ بِهَا بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَكَانَ مِنْهُمْ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَإِنَّهُنَّ خَرَجْنَ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُنَّ، فَقَالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: تَعَالَيْنَ فَلْنَذْكُرْ بُعُولَتَنَا بِمَا فِيهِمْ، وَلا نَكْذِبْ، فَتَبَايَعْنَ عَلَى ذَلِكَ، فَقِيلَ لِلأُولَى: تَكَلَّمِي بَنَعْتِ زَوْجِكِ.
فَقَالَتْ: اللَّيْلُ لَيْلُ تِهَامَةَ، وَالْغَيْثُ غَيْثُ عَمَامَةٍ، لا حَرٌّ وَلا وَخَّامَةٌ.
وَقِيلَ لِلثَّانِيَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ عَمْرَةُ ابْنَةُ عَمْرٍو، فَقَالَتْ: الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرَّيُحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، أَغْلِبُهُ وَالنَّاسُ يَغْلِبُ، وَقِيلَ لِلثَّالِثَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ حُيَيُّ بِنْتُ كَعْبٍ، فَقَالَتْ: مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ، ذُو إِبِلٍ كَثِيرَاتِ الْمَبَارِكِ، قَرِيبَاتِ المَسارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ، أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ، وَقِيلَ لِلرَّابِعَةِ: تَكَلَّمِي: وَهِيَ مَهْرَدُ ابْنَةُ أَبِي هَزُومَةَ، فَقَالَتْ: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى جَبَلٍ وَعْرٍ، لا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٌ فَيُنْتَقَى، وَقِيلَ لِلْخَامِسَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ كَبْشَةُ، قَالَتْ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي، وَقِيلَ لِلسَّادِسَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ هِنْدٌ، فَقَالَتْ: زَوْجِي كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَوَاءٌ، إِنْ حَدَّثْتُهُ مَسَكَ، وَإِنْ مَازَحْتُهُ فَلَكَ، وَالأَجْمَعَ كُلا لَكِ، وَقِيلَ لِلسَّابِعَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ بِنْتُ أَوْسِ بْنِ عَبْدٍ، فَقَالَتْ: زَوْجِي إِذَا أَكَلَ لَفَّ، وَإِذَا شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِذَا رَقَدَ الْتَفَّ، وَلا يُدْخِلُ الْكَفَّ فَيْعَرِفُ الْبَثَّ، وَقِيلَ لِلثَّامِنَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ حُيَيُّ بِنْتُ عَلْقَمَةَ، فَقَالَتْ: زَوْجِي إِذَا خَرَجَ أَسِدَ وَإِذَا دَخَلَ فَهِدَ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ، وَلا يَرْفَعُ الْيَوْمَ لِغَدٍ.
стр. 178
وَقِيلَ لِلتَّاسِعَةِ: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: زَوْجِي لا أَذْكُرُهُ، وَلا أَبُثُّ خَبَرَهُ، أَخَافُ أنْ لا أَذَرَهُ.
إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ، وَبُجَرَهُ.
وَقِيلَ لِلْعَاشِرَةِ: تَكَلَّمِي، وَهِيَ كَبْشَةُ ابْنَةُ الأَرْقَمِ، فَقَالَتْ: نَكَحْتُ الْعَشَنَّقَ، إِنْ سَكَتُّ عَلَّقَ، وَإِنْ تَكَلَّمْتُ طَلَّقَ.
قِيلَ لِأُمِّ زَرْعٍ وَهِيَ أُمُّ زَرْعٍ بِنْتُ أُكَيْمِلِ بْنِ سَاعِدٍ: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَنَقَلَنِي إِلَى أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، مَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيْهِ، وَأَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيْهِ، وَبَجَّحَ نَفْسِي فَتَبَجَّحْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا أَنَامُ وَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ، وَأَقُولُ وَلا أُقَبَّحُ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، وَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، مِلْءُ إِزَارِهَا، وَصُفْرُ رِدَائِهَا، وَزَيْنُ أُمَّهَاتِهَا وَنِسَائِهَا، خَرَجَ مِنْ عِنْدِي أَبُو زَرْعٍ، وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَإِذَا هُوَ بِأُمِّ غُلامَيْنِ كَالْفَهْدَيْنِ، تَرْمِي مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِالرُّمَّانَتَيْنِ، فَتَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَنِي، فَاسْتَبْدَلْتُ بَعْدَهُ، وَكُلُّ بَدَلٍ أَعْوَرُ، فَتَزَوَّجْتُ شَابًّا سَرِيًّا، رَكِبَ أَعْوَجِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًا، وَأَرَاحَ نَعِمًا ثَرِيًّا.
وَقَالَ: كُلِّي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَجَمَعَتُ أَوْعِيتَهُ، فَمَا تَعْدِلُ وِعَاءً وَاحِدًا مِنْ أَوْعِيَةِ أَبِي زَرْعٍ "
لَمَّا قَدِمَ مُصَعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْكُوفَةَ، دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الأَسَدِيُّ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الأَسَدِيُّ؟ قَالَ: فَوَجِلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَأَنْتَ الَّذِي تَقُولُ:
إِلَى رَجَبٍ أَوْ غُرَّةِ الشَّهْرِ بَعْدَهُ ... تُوَافِيكُمُ بِيضُ الْمَنَايَا وَسُودُهَا
ثَمَانُونَ أَلْفًا دِينُ عُثْمَانَ دِينُهَا ... مُسَوَّمَةٌ جَبْرِيلُ فَيْهَا يَقُودُهَا
قَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ.
قَالَ: فَإِنَّا قَدْ غَفَرْنَا لَكَ ذَنْبَكَ، وَأَمَرْنَا لَكَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
قَالَ: فَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا مُصْعَبًا إِنَّ خَيْرَهُ ... يُنَالُ بِهِ الْجَانِي وَمَنْ لَيْسَ جَانِيًا
وَيَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي يَعْلَمُونَهُ ... وَيُعْطِي مِنَ الْمَعْرُوفِ مَا لَيْسَ فَانِيَا
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، اجْتَازَ بِابْنِ ظَبْيَانَ عُبْيَدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ عَمِيَ، فَقَالَ لِقَائِدِهِ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ ظَبْيَانَ، قَالَ: بَلِّغْنِيهِ.
فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ، قَالَ:
أَبَا مَطَرٍ شُلَّتْ يَمِينٌ تَقَرَّعَتْ ... بِسَيْفِكَ رَأْسَ ابْنَ الْحَوَارِيِّ مُصْعَبِ
وَلا ظَفِرَتْ كَفَّاكَ بِالْخَيْرِ بَعْدَهُ ... وَلا زِلْتَ تَسْعَى فِي تبَابٍ مُتَبَّبِ
قَتَلْتَ امْرَأً كَانَتْ نَوَافِلُ فَضْلِهِ ... تَجُودُ عَلَى مَنْ بَيْنَ شَرْقٍ وَمَغْرِبِ
أَغَرٌّ كَأَنَ الْبَدْرَ سُنَّةُ وَجْهِهِ ... إِذَا مَا بَدَا فِي الْجَحْفَلِ الْمُتَكَتِّبِ
قَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ فَمَا أَفْلَحَنَا، وَلا أَنْجَحَنَا، فَهَلْ مِنْ مَخْرَجٍ؟ قَالَ: سَبَقَ السَّيْفُ الْعَذْلَ.
стр. 179
حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " وَقَعَ مِيَرَاثٌ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ آلِ أَبِي سُفْيَانَ وَبَنِي مَرْوَانَ، فَتَشَاحُّوا فِيهِ، وَتَضَايَقُوا فَلَمَّا قَامُوا، أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ عَلَى وَلَدِهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِقُرَيْشٍ دَرَجًا تَزُّلُ عَنْهَا أَقْدَامُ الرِّجَالِ، وَأَفْعَالا تَخْشَعُ لَهَا رِقَابُ الأَمْوَالِ، وَأَلْسُنًا تَكَلُّ مَعَهَا الشِّفَارُ الْمَشْحُوذَةُ، وَغَايَاتٍ تَقْصُرُ عَنْهَا الْجِيَادُ الْمَنْسُوبَةُ، فَلَوْ كَانْتِ الدُّنْيَا لَهُمْ، لَضَاقَتْ عَنْ سَعَةِ أَخْلاقِهِمْ، وَلَوِ احْتَفْلَتِ الدُّنْيَا مَا تَزَيَّنَتْ إِلا بِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ أُنَاسًا مِنْهُمْ تَخَلَّقُوا بِأَخْلاقِ الْعَوَامِّ، فَصَارَ لَهُمْ رِفْقٌ باللُّؤْمِ، وَخُرْقٌ بِالْحِرْصِ، فَلَوْ أَمَكَنَهُمْ قَاسَمُوا الطَّيْرَ أَرْزَاقَهَا، إِنْ خَافُوا مَكْرُوهًا تَعَجَّلُوا لَهُ الْغَمَّ، وَإِنْ عُجِّلَتْ لَهُمْ نِعْمَةٌ أَخَّرُوا عَلَيْهَا الشُّكْرَ، أَنْضَاءُ ذِكْرِ الْعَجْزِ، وَعَجَزَةُ حَمَلَةِ الشُّكْرِ
وحدثني أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " قَطَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ آلِ أَبِي سُفْيَانَ أَشْيَاءَ كَانَ يُجْرِيهَا عَلَيْهِمْ، لِتَبَاعُدٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْنَى حَقِّكَ مُتْعبٌ، وَتَقَصِّيِهِ فَادِحٌ، وَلَنَا مَعَ حَقِّكَ عَلَيْنَا حَقٌّ عَلَيْكَ، لِقَرَابَتِنَا مِنْكَ، وَإِكْرَامِ سَلَفِنَا لَكَ، فَانْظُرْ إِلَيْنَا بِالْعَيْنِ الَّتِي نَظَرُوا بِهَا إِلَيْكَ، وَضَعْنَا بِحَيْثُ وَضَعَتْنَا الرَّحِمُ مِنْكَ، وَزِدْنَا بِقَدْرِ مَا زَادَكَ اللَّهُ.
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَفْعَلُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَطِيَّتِي مَنِ اسْتَعْطَاهَا، فَأَمَّا مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَغْنِي بِنَفْسِهِ فَسَنَكِلُهُ إِلَى ذَلِكَ.
يُعَرِّضُ بِخَالِدٍ، ثُمَّ أَقْطَعَ عَمْرًا هِزَارَدرّ.
стр. 180
قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، فَقَالَ: أَبَالْحِرْمَانِ يُهَدِّدُنِي؟ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ يَدِهِ مَانِعَةٌ، وَعَطَاؤُهُ دُوْنَهُ مَبْذُولٌ، فَأَمَّا عَمْرٌو فَقَدْ أَعْطَى مِنْ نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ مِنَ الْحَبْسِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، صَاحِبِ الدَّوْلَةِ: مِنَ الأَسْيرِ فِي يَدَيْهِ بِلا ذَنْبٍ إِلَيْهِ، وَلا خِلافٍ عَلَيْهِ، أَمَّا بَعْدُ، فَآتَاكَ اللَّهُ حِفْظَ الْوَصِيَّةِ، وَمَنَحَكَ نَصِيحَةَ الرَّعِيَّةِ، وَأَلْهَمَكَ عَدْلَ الْقَضِيَّةِ، فَإِنَّكَ مُسْتَوْدَعٌ وَدَائِعَ، ومَوْلَى صَنَائِعَ، فَاحْفَظْ وَدَائِعَكَ، وَأَصْلِحْ صَنَائِعَكَ، فَإِنَّ الْوَدَائِعَ عَارِيَةٌ، وَالصَّنَائِعَ رَعِيَّةٌ، فَلا النِّعَمُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكَ بِمْنَذْورٍ نَدَاهَا، وَلا مَبْلُوغٍ مَدَاهَا، فَنَبِّهْ لِلْتَفَكُّرِ قَلْبَكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ، وَأَعْطِ مِنْ نَفْسِكَ مَنْ هُوَ تَحْتَكَ مِنَ الْعَفْوُ مَا تُحِبُّ أنْ يُعْطِيَكَ مَنْ هُوَ فَوْقَكَ مِنَ الْعَدْلِ وِالرَّأْفَةِ وَالأَمْنِ مِنَ الْمَخَافَةِ، فَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِأَنْ فَوَّضَ أَمُورَنَا إِلَيْكَ، فَاعْرِفْ لَنَا حَقَّنَا، فَإِنَّ عَلَيْنَا مِنْ نَقْلِ الْحَدِيدِ وَثِقَلِهِ أَذًى شَدِيدًا، مَعَ مُعَالَجَةِ الأَغْلالِ، وَقِلَّةِ رَحْمَةِ الْعُمَّالِ، الَّذِينَ تَسْهِيلُهُمُ الْغِلْظَةُ، وَتَيْسِيرُهُمُ الْفَظَاظَةُ، وَإِيرَادُهُمْ عَلَيْنَا الْغُمُومُ، وَتَوْجِيهُهِمْ إِلَيْنَا الْهُمُومُ، وَزِيَادَتُهُمُ الْحِرَاسَةُ، وِبَشارَتُهُمُ الْإِيَاسَةُ، فَإِلَيْكَ نُرْفَعُ كُرْبَةَ الشَّكْوَى، وَنَشْكُو شِدَّةَ الْبَلْوَى، وَمَتَى تَمِلْ إِلَيْنَا طَرْفًا، وَتَرِدْنَا مِنْكَ عَطْفًا، تَجِدْ عِنْدَنَا نُصْحًا، وَوُدًّا صَرِيحًا، لا يُضَيْعُ مِثْلُكَ مِثْلَهُ، وَلا يَنْفِي مِثْلُكَ أَهْلَهُ، فَارْعَ حُرْمَةَ مَنْ بِحُرْمَتِهِ أَدْرَكْتَ، وَاعْرِفْ حُجَّةَ مَنِ بِحُجَّتِهِ فَلَجْتَ، فَإِنَّ النَّاسَ مَنِ حَوَضِكِ رِوَاءٌ، وَنَحْنُ مِنْهُ ظِمَاءٌ، يَمْشُونَ فِي الأَبْرَادِ وَنَحْجِلُ فِي الأَقْيَادِ، بَعْدَ الْخَيْرِ وَالسَّعَةِ وَالْخَفْضِ وَالدَّعَةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلانُ، صَرِيخُ الأَخْيَارِ، وَمُنْجِي الأَبْرَارِ، النَّاسُ فِي دَوْلَتِنَا فِي رَخَاءٍ، وَنْحَنُ مِنْهَا فِي بَلاءٍ، حَيْثُ أَمِنَ الْخَائِفُونَ، وَرَجَعَ الْهَارِبُونَ، رَزَقَنَا اللَّهُ مِنْكَ التَّحَنُّنَ، وَظَاهَرَ عَلَيْنَا مِنْكَ التَّمَنُّنَ، فَإِنَّكَ أَمِينٌ مُسْتَوْدَعٌ، وَرَائِدٌ مُصْطَنَعٌ.
فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ خَافَهُ فَقَتَلَهُ.
حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي، مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفَسَهِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا ظَهَرَتِ الْمُسَوِّدَةُ، فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو أقُتِلَ مَرْوَانُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
следующие страницы →