Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
هو الموجب له فكيف يكون عالياً لا لذاته لكن تبعاً لكونه حاصلاً في تلك الجهة وهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والعادلون به علوًّا كبيراً فإن كلام هذا وأمثاله عدل بالله وإشراك به وجعل أنداد له وضرب أمثال له حيث جعل علوه وفوقيته على العالم بمنزلة علو الملك على سريره أو هو في هواء سطحه الذي قد سفل الرجل عنه فيكون دونه ويكون ذاك باقياً على علوه وجعل علوه محتاجاً إلى ما يعلوه به كما يحتاج الإنسان إلى السطح أو السرير فكلامه في علو الله تعالى يوجب أنه جعله مثل هذا العلو يجمع من التمثيل لله والعدل به ابتداءً ومن جحد علوه المستلزم لجحود ذاته انتهاءً ولهذا كان السلف والأئمة يصفون هؤلاء بالأمرين بأنهم ممثلون عادلون بالله
стр. 2137
وبأنهم معطلون جاحدون لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الذي قاله السلف والأئمة يلزمهم لزوماً لا محيد عنه وقد يظهر هذا تارة وكثيراً ما يظهر الأمران ولا ريب أنهم إنما عدلوا به في هذه المعاني لينفوها عنه ظانين أن هذا تنزيه لله وتقديس لم يقصدوا أن يثبتوا له مثلاً ولكن قدر المثل لينفوه لكن لزمهم التمثيل من وجهين أحدهما أنهم سووا بين الله وبين غيره في هذه المقاييس الشمولية المنطقية وهي الأمثال التي ضربوا له فجعلوه فرداً من أقراد تلك الأمور العامة وحكموا عليه بمثل ما حكموا به على سائر الأفراد حيث قالوا كل ما كان فوق غيره فلابد أن يكون كذا أو كل ما كان كذا فلابد أن يكون كذا وأيضا فإنهم مثلوه بغيره على ذلك التقدير وهو لا يكون مثلاً لغيره لا تحقيقاً ولا تقديراً من التقادير التي يقع فيها شبهة ونزاع على ذلك التقدير فـ علم أن له من الخصوص ما يقطع مماثلته لغيره الوجه الثاني أن هذه المعاني التي ينفونها هي ثابتة في نفس الأمر معلومة بالكتاب والسنة وبالفطرة والعقل وبالقياس أيضاً فإذا مثلوه فيها بالمخلوقات فقد صرحوا بجعل الأنداد
стр. 2138
له الأمثال والأسماء ثم إنهم عطلوا فجحدوا الحقائق التي هي ثابتة للرب وعطلوا ما في الكتاب والسنة والإجماع من بيان ذلك والدلالة عليه وعطلوا ما في القلوب من المعرفة الفطرية والقياسية فصاروا معطلين للحقيقة الخارجية والعلوم الثابتة بالنبوات المعروفة بالقلوب فعطلوا الشرع والعقل جميعاً مع دعواهم العقليات كما عطلوا التوحيد مع دعواهم أنهم هم الموحدون الوجه التاسع أن يقال قد قلت لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو الجهة أكمل من علو الباري ولم تذكر على ذلك حجة إلا قولك لأنه بتقدير أن تحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو فثبت أن تلك الجهة عالية عن العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عالياً لا لذاته لا تبعاً لكونه حاصلاً في الجهة
стр. 2139
فيقال لك أنت قد قدرت تقديراً أن الباري عن يمين العالم أو عن يساره ولم تذكر دليلاً على امتناع ذلك في الجهة وكل واحدة من هاتين الدعوتين ممنوعة فلا نسلم لك إمكان هذا التقدير في حق الباري ولا امتناعه في الجهة أو لا أسلم لك مجموع إمكان هذا وامتناع هذا بل قد يشتركان في الإمكان أو الامتناع فهذا المنع له ثلاث موجبات أحدها إمكانهما جميعاً والثاني امتناعهما جميعاً والثالث إمكان تيامن الجهة وتياسرها وامتناع تيامن الباري وتياسره فلم تذكر حجة تنفي واحداً من هذه الوجوه ونحن نذكر توجيه هذه الأجوبة فنقول الوجه العاشر أن الجهة والحيز إما أن تكون وجودية أو عدمية فإن كانت عدمية لم يجز أن توصف بعلو على العالم ولا سفول ولا يقال إن علو الباري تبع لها ولا أنه محتاج إليها ولا شيء من هذه الأمور فبطلت الحجة وإن كان الحيز والجهة أمراً وجوديًّا فمن المعلوم أنه إذا قدر تيامن الرب وتياسره فتقدير تيامن ذلك الشيء الموجود المسمى بالحيز والجهة أولى بالتيامن والتياسر فإن ذلك إن كان من صفات الرب الداخلة في مسمى اسمه فهي تبع له وإن كان
стр. 2140
شيئاً منفصلاً كالعماء أو العرش أو ما يقدر فإن تقدير التحول على هذا أولى من تقديره على الله فإن انتقال هذا وتحوله أولى بالجواز من انتقال الله تعالى وتحوله ولهذا لم ينازع في هذا المسلمون الذين ينازعون في جواز الحركة والانتقال على الله بل يجوزون ذلك على العرش وغيره وينازعون في جوازه على الله فظهر أن تقدير تيامن الحيز والجهة وتياسره أولى من
стр. 2141
تقدير ذلك في الرب وإذا كان كذلك فقوله إنه بتقدير أن يحصل ذات الرب في يمين العالم أو يساره لا يكون موصوفاً بالعلو وتلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرضها خالية عن العلو باطل قطعاً بل إن كانت شيئاً يحتمل الصفات بوصف العلو ويكون في الجهة فإن خلوه عن صفة العلو أولى من خلو الله عن صفة العلو على كل تقدير وإن كان شيئاً لم يحتمل هذه الصفة ولا يكون في جهة فهذا عدم لا يقال فيه إنه عالٍ عن العالم فضلاً عن أن يقال إن علوه لذاته وعلو الباري تبع له الوجه الحادي عشر أن كثيراً من المسلمين من الصفاتية الذين يقولون إن الرب فوق العالم وفوق العرش يقولون إنه لا يجوز عليه الحركة والانتقال ولا يتصور أن يتيامن أو يتياسر فضلاً عن أن يكون خالياً عن صفة العلو فيكون ما قدرته في حق الباري ممتنعاً بل أصحابك الذين يقولون إنه فوق العرش يقولون بذلك وإذا كان هذا التقدير ممتنعاً عندهم
стр. 2142
كان أدنى أحواله أن يكون كما ادعيته من علو الجهة أنها عالية لذاتها لا يمكن فرضها خالية عن هذا العلو فكيف وقد تقدم بيان أن الأمر ليس كذلك وإذا كان على أسوأ التقديرين يكون كل منهما مما يمنع زواله فيكون علو كل منهما لذاته فلا يكون علو الجهة أكمل من علو الله ولا يكون مستكملاً بها بل إن امتنع عليه الحركة والزوال امتنع تحوله عن العلو فإذا كنت في هذا المقام لو أشركت بالله فجعلت الجهة له عدلاً وشبهاً في مشاركتها له في العلو الذاتي لكان هذا الإشراك خيراً من أن يفضل علو الجهة على علوه ويجعل علوها بنفسها وعلوه بها يتبين أن الذي قلته أقبح من هذا الشرك ومن جعل الأنداد لله كما أن جحود فرعون الذي وافقتموه على أنه ليس فوق السموات رب العالمين إله موسى جحود لرب العالمين ولأنه في السماء كان أعظم من شرك المشركين الذين كانوا يقرون بذلك ويعبدون معه آلهة آخرى كحصين الخزاعي لما كان مشركاً وأمثاله الذي قال له النبي ﷺ كم تعبد اليوم
стр. 2143
إلهاً قال سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء فلا ريب أن شرك هذا أخف من جحود فرعون مع أن هذا لما قال النبي ﷺ فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فهو يعتقد أن الإله الذي في السماء أعظم من تلك
стр. 2144
الآلهة فأنتم لم ترضوا أن تجعلوا علو الله أكمل من علو غيره ولا جعلتموه مثل علوه بل جعلتم علو الغير أكمل من علوه وهو يحتاج إلى ذلك الغير الذي هو مستغنٍ عنه وكل هذا إفك وبهتان على رب العالمين الوجه الثاني عشر أن المسلمين الذين يجوزون عليه النزول والمجيء والإتيان والحركة قد يوافقون الأولين في أنه لا يكون إلا عالياً حتى يقولوا إنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ويقولون وصفه بهذه الصفات لا ينافي علوه فهؤلاء أيضاً يوجبون له العلو ويقولون إنه عالٍ بذاته ويمتنع أن يكون غير عالٍ وإن جوزوا عليه الحركة والانتقال وإذا كان كذلك فهؤلاء يقولون لا نسلم إمكان خروج الله عن صفة العلو
стр. 2145
بوجه من الوجوه حتى يقدر له تيامن أو تياسر يخرجه عن يكون موصوفاً بالعلو بل هذا ممتنع عندهم فإذا كان كذلك كان قولهم مثل قول إخوانهم المتقدمين في توجيه المنع فيقولون لا نسلم أن علو الجهة يكون أكمل من علوه وأنه محتاج إليها هذا لوكانت الجهة أمراً يمكن وصفه بالعلو بحيث يحتمل أن يكون في ذاته عالياً وإلا فإذا لم يكن كذلك بطل أصل الكلام الوجه الثالث عشر أن يقال هب أنه سلم لك أنه قد يتيامن أو يتياسر بحيث لا يكون موصوفاً بالعلو لكن لا يسلم أن الجهة التي توصف بالعلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن العلو فإن الذي يحتمل صفة العلو لا يكون إلا موجوداً إذا المعدوم لا يحتمل الصفات ولا يقال إنه في جهة العلو ولا في جهة السفل ولا في شيء من الجهات وإذا كان موجوداً كان تقدير خروجه عن صفة العلو أولى من تقدير كون الله ليس موصوفاً بالعلو على كل وجه من الوجوه فإن التحول والانتقال وجوازه على المخلوق أولى من جوازه على الخالق الوجه الرابع عشر أن كونه موصوفاً بعلو ذاته على العالم إما أن يكون واجباً له أو لا يكون فإن كان واجباً له فأنتم معاشر الجهمية من أعظم الناس سلباً لهذا الواجب عنه
стр. 2146
وتقولون إن علوه إنما هو بالقدرة فقط فإن الذي يقول إنه تارة يكون عالياً بذاته على العالم وتارة يكون غير عالٍ بل إما متيامناً متياسراً أو غير ذلك مع كونه عالياً بالقدرة التي أثبتموها في الحالين هو أعظم وصفاً لله بصفة الكمال منكم حيث أثبت له العلو الذي أثبتموه وزاد عليكم بأن أثبت له من العلو الذي هو كمال ما لم تثبتوه أنتم ثم هو مع هذا إذا وصفه وزاد عليكم بأن أثبت له من الذي هو كمال ما لم تثبتوه أنتم ثم هو مع هذا إذا وصفه بما يقتضي أن يكون علو الجهة أكمل منه مثل تجويز عدم العلو عليه بعض الأوقات هو أحسن حالاً منكم فليس لكم أن تبطلوا قوله بتصحيح قولكم فإن كان علو ذاته على العالم ليس بصفة الكمال لم يصح أن يقال علو الجهة أكمل من علوه لأن التفضيل في الكمال يقتضي الاشتراك
стр. 2147
فيه فإذا كان كل واحد من علو ذاته على العالم ومن علو الجهة على العالم ليس هو صفة كمال لم يكن أحدهما أكمل من الآخر فبطلت هذه الحجة وظهر أن هذه الحجة باطلة على التقديرين ولله الحمد الوجه الخامس عشر أن يقال أنتم تقولون ليس علوه إلا علو القدرة فإذا قدر أنه جعل نفسه متيامناً عن العالم أو متياسراً بل جعل نفسه في غمام بل جعل نفسه تحت العرش ونحو ذلك مما فيه علو شيء فوقه مع كونه مقتدراً على ذلك وعلى كل شيء ومقتدراً على تغيير كل شيء وتحويله وجعل العالي سافلاً وجعل السافل عالياً لم يخرج بذلك عما يستحقه من صفة العلو عندكم وخروجه عن العلو بالجهة لا ينافي الكمال عندكم فلا يكون في ذلك نقص بحال حتى يكون مستكملاً وغير مستكمل ولو قيل إنه في الجهة أو قيل إنه واجب أن يكون في الجهة أو واجب أن يكون متحيزاً فإن الذي قد يقول هذا قد لا يقول إن ذلك صفة كمال بل هو جائز عليه كما يجوز ما يجوز من أفعاله وكما تجوز رؤيته وذلك ليس بنقص فأنتم موافقون على أن كونه غير عالٍ بالجهة ليس بصفة نقص فالذي يقول إنه عال إذا قال لكم سواء في حقه علا على العالم أو لم يعل وسواء كان في الجهة أو لم يكن هو في
стр. 2148
الحالين غير موصوف بصفة نقص بل هو موصوف بالقدرة على هذا كله فإن هذا القائل أثبت له من صفة القدرة التي هي العلو عندكم أعظم مما أثبتموه ولم يثبت له نقصاً بحال وإذا كان كذلك لم يجب أن يكون علوه بالجهة لا كمالاً ولا نقصاً إذا كانت قدرته كاملة على التقديرين وهو العلو عندكم وإذا كان كذلك لم يكن ما هو أعلى منه لو كان موجوداً أكمل منه ولم يكن هو مستكملاً بذلك الغير لأن ذلك فرع كون ذلك كمالاً وهذا قد وافقتموه على أنه ليس بكمال وهو قد وافقكم على ما هو كمال وأثبته أكمل مما أثبتموه فلا يلزم من قال إنه على العرش أن يكون غيره أكمل منه ولا أنه مستكمل بغيره الوجه السادس عشر أن يقال هب أن العلو بالجهة كمال فأنتم تقولون إن العلو بالقدرة أكمل منه فإذا وافقكم موافق على هذا وقال علو القدرة أكمل من علو بالجهة وكل شيء موجود سواء كان حيزاً أو جهة أو شيئاً غير ذلك فإن الله قادر عليه مدبر له قاهر له فإذا قدر أنه تيامن أو تياسر أو نزل حتى يجعل شيئاً أعلى منه بالجهة فهو أعلى من ذلك الشيء بالقدرة والربوبية والتدبير وهو الذي جعله في تلك الجهة بمشيئته واختياره وذلك الشيء مفتقر إلى الله والله غني عنه وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون أكمل من الله في العلو ولا أن يكون الرب مستكملاً به وأن الرب خرج عن صفة العلو
стр. 2149
مع لزومها لذلك بل الرب موصوف بالعلو الحقيقي عندكم على ذلك والقهر له والتدبير وذلك موصوف بأنه تحت حكم الله وأمره فإذا شاء الرب أن يرفع جهته مع كونه مدبراً له لم يلزم أن يكون هذا نقصاً على الأصول التي سلمتموها كما يضربون به المثل فيقولون إن الملك هو أعلى من رعيته وإذا كان مكان بعض رعيته فوق مكانه ولهذا يقال لمجلسه المجلس العالي والسامي وإن كان مجالس بعض رعيته أعلى حيزاً منه فإذا كان الأمر كذلك فقولك لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو تلك الجهة أكمل من علو الباري أتريد به أن علوه ليس إلا بالجهة فقط ليس هو قادراً على العالم مدبراً له أم تريد أن علوه بالجهة مع ما له من العلو بالقدرة فإن أردت الأولى فهو أعظم الكفر وأبطل الباطل ولا يقوله مسلم ولا عاقل يقر بالصانع بل المؤمنون متفقون على أن الله قادر على العالم وليس العالم قادراً عليه فإذا ضموا إلى ذلك أنه عال بالجهة والحيز وفرض أن من العالم ما علا عليه بعض الأعيان بالجهة فقط بل لو علا عليه دائماً بالجهة فقط مع علو الرب عليه بالقدرة لكان علو الرب أكمل من علو ذلك فكيف إذا كان الرب هو الذي دبره وهو الذي علاه
стр. 2150
وبمشيئته وأمره يكون جميع شئونه الوجه السابع عشر قولك يلزم أن يكون الباري ناقصاً بذاته مستكملا بغيره إنما يصح إذا كان الحيز والجهة غيراً له وذلك إنما يصح لو كان الحيز والجهة أمراً منفصلاً عنه فأما إذا كان الحيز هو حده ونهايته فالجهة كونه بحيث يشار إليه لم يكن هناك غيراً له عند الصفاتية الذين يقولون ليست صفاته غيره ومن سمى هذا غيراً كان قوله مستكملاً بغيره كقوله مستكملاً بعلمه وقدرته وحياته وذلك مثل قوله مستكملاً بنفسه وهذا ليس بممتنع بل هو واجب كالكلام في كماله كالكلام في وجوده وقد تقدم الكلام في قول القائل هو واجب بنفسه وما يدخل في ذلك من صفاته وأنه لا يكون موجوداً إلا بما تستحقه ذاته من صفاته بل لا يكون موجود قط إلا كذلك ففرض عدم ذلك جحد لجميع الموجودات وتكلمنا على لفظ الغير والحيز والافتقار ونحو ذلك وكذلك القول في
стр. 2151
قول القائل هو مستكمل بغيره إذا فسر ذلك الغير بما هو من صفاته اللازمة لم يكن ذلك ضارًّا بل أمر واجب فإن الكمال لا يكون بأمور وجودية لا يكون بالأمور العدمية وهو سبحانه كامل بتلك الأمور الوجودية التي حقيقته وذاته عليها الوجه الثامن عشر أن ذلك الغير الذي جعلته مستكملاً به أو غير غني عن الله أم غير مفتقر إلى الله إن قلت إنه غني عن الله فليس في الوجود شيء غني عن الله بل جميع الكائنات مفتقرة إليه وإن قلت بل هو المفتقر إلى الله كان معنى قولك إنه يكون مستكملاً بما هو مفتقر إليه والأمر المفتقر إليه إما أن يكون من لوازم ذاته وإما أن يكون كائناً بمشيئته واختياره فيعود الأمر إلى أنه مستكمل بذاته ومشيئته التي هي من لوازم ذاته فيكون ذلك الاستكمال بذاته كما تقدم وحينئذ فلا يصح قولك ناقص لذاته ومستكمل بغيره لأن ذاته مستلزمة لذلك الكمال فلا يتصور نقصها الوجه التاسع عشر أنك زعمت في نهايتك أن امتناع النقص على الله لم يعلم بالعقل وإنما ثبت امتناع النقص عليه إذا أثبته بالإجماع وقد تقدم بعض حكاية ألفاظه في ذلك وقال في مسألة السمع والبصر لما احتج أصحابه بأن ضد ذلك
стр. 2152
نقص وقال في الأسولة على الحجة ولئن سلمنا أن ضد السمع والبصر نقص فلما قلتم إن النقص على الله محال قال واعلم أن أجود ما قيل في بيان هذه المقدمة بالإجماع وعلى هذا تصير الدلالة السمعية لأن الذي يدل على كون الإجماع حجة إما الآيات وإما الأخبار وإذا كان الأمر كذلك كان المستمسك في الابتداء بالآيات الدالة على كونه سميعاً بصيراً أولى من ذكر هذه الطريقة الطويلة والإجماع لم ينعقد على أمور معينة بل كل مسلم ينزه الله عما يعتقده نقصاً وإذا كان هذا فالجهة فيها نزاع عظيم بين الناس وأكثر المسلمين بل أكثر العالمين بل سلف الأمة وأئمتها يقولون بأن الله تعالى فوق العالم وعلى العرش فإن كان هذا نقصاً لم يكن قد انعقد الإجماع على نفيه وأنت قد زعمت أن العقل ينفي عنه النقص فلا يكون معك حجة على نفي هذا الذي سميته نقصاً لا من عقل ولا من سمع ولا يصح قولك وذلك محال هذا لو كان هذا الذي سميته نقصاً مستمراً
стр. 2153
فكيف إذا كان فيه استكمال بالغير فإنه من المعلوم أن الناقص المستكمل بغيره خير من الناقص الذي ليس مستكملاً لا بنفسه ولا بغيره وبهذا الوجه وأمثاله يتبين أن هؤلاء الجهمية مع ما هم عليه من التعطيل الذي زخرفوه بثوب التنزيه فإنهم لا ينزهون الله تعالى عما يجب تنزيهه عنه من النقايص والعيوب بل يصفونه بالفقر والحاجة وبغير ذلك من الصفات كما بيناه في غير هذا الموضع ويعترف أئمة كلامهم أن العقل لا يقتضي تنزيه الله عن النقص وإنما يأخذون مقدمات سلمها لهم المسلِّمون فيحتجون بها على المسلِّمين في إبطال دينهم وهذا شأن المنافقين الذين يجادلون بكتاب الله تعالى كما في الحديث موقوفا على عمر ومرفوعاً إلى النبي ﷺ قال إنما أخاف على أمتي زلة عالم وجدال منافق بالقرآن والأئمة المضلين وكما في حديث عبد الملك بن عمير عن ابن أبي ليلى
стр. 2154
عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إني أخاف عليكم ثلاثاً وهي كائنة زلة العالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تفتح عليكم ورواه أن أبي حاتم والنجاد وغيرهما من حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث زلة عالم وجدال منافق
стр. 2155
بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فاتهموها على أنفسكم وهذا مشهور من حديث كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال سمعت رسول اله ﷺ يقول إني أخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قيل وما هي يا رسول الله قال زلة العالم وحكم جائر وهوى متبع وروي من حابر وحديث الأئمة والمضلين محفوظ وأصله في الصحيح فروى ثوبان عن رسول الله ﷺ أنه قال أخوف ما أخاف على أمتي بعدي الأئمة المضلون
стр. 2156
ويروى من حديث أبي الدرداء وشداد ابن أوس وأما اللفظ الذي ذكرناه فهو محفوظ عن عمر بن الخطاب من حديث ابن المبارك ووكيع وغيرهما عن مالك بن
стр. 2157
مِغوَل سمعت أبا حصين يذكر عن زياد بن حدير قال قال عمر بن الخطاب يهدم الإسلام زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون وفي مسند الإمام أحمد ثنا يزيد بن هارون ثنا ديلم بن غزوانا لعبدي ثنا ميمون
стр. 2158
الكردي عن أبي عثمان النهدي قال إني لجالس تحت منبر عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس فقال في خطبته سمعت رسول الله ﷺ يقول إني أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان وفي رواية أخرى يتكلم
стр. 2159
بالحكمة ويعمل بالفجور ورواه من حديث مالك بن دينار عن ميمون ولفظه حذرنا رسول الله ﷺ كل منافق عليم ورووا عن عمر بن الخطاب أنه قال أخوف ما أخاف على هذه الأمة الذين يتأولون القرآن على غير تأويله
стр. 2160
ومن المشهور عن عمر أنه قال إذا جادلكم أهل البدع بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أهل السنن أعلم بكتاب الله تعالى منهم فإن المنافق لا يعتقد وجوب اتباع الكتاب والسنة واتباع الإجماع إذ ليس في باطن الأمر متدين باتباع النص والإجماع بل يأخذ من النص والإجماع ما يحتج به
стр. 2161
على المؤمنين في تنفيق نفاقه وترويج غشه وتلبيسه وإذا كان كذلك فما يرفع الله به الدرجات كما رفع درجات إبراهيم ويوسف ﵉ أن يحتج عليهم بالحجج الدافعة لهم وأن يكيدوا كيداً حسناً لدفع كيدهم وعدوانهم على الإيمان وأهله فلا يمكنون من القدح في الإيمان بما يسلمه لهم المؤمنون بل إذا عارضوا ما يقوله المؤمنون من الحق بحجج يسلم لهم المؤمنون بعض مقدماتها بين لهم أن تلك الحجج عليهم لا لهم أو أنها على فساد قولهم وفعلهم أدل منها على ما عارضوه من الحق بل لو كان المتنازعان مبطلين كأهل الكتاب والمشركين إذا تجادلوا أو تقاتلوا كان المشروع نصر أهل الكتاب على المشركين بالقدر الذي يوافقهم عليه المؤمنون إذا لم يكن في ذلك مفسدة تقاوم هذه المصلحة فإن ذلك من الحق الذي يفرح به المؤمنون كما قال تعالى الم ﴿١﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٥﴾ [الروم ١-٥] فإنها نزلت كما استفاض في التفسير والمغازي والحديث في اقتتال الروم النصارى والفرس
стр. 2162
المجوس كانت المجوس قد غلبت النصارى على أرض الشام وغيرها فغلبت الروم وفرح بذلك مشركو قريش لأن المجوس إليهم أقرب من النصارى لأن كليهما لا كتاب له واغتم لذلك المؤمنون لأن النصارى إليهم أقرب لأنهم أهل كتاب فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ فأخبره لنبي ﷺ أن الروم سوف تغلب فارس بعد ذلك في بضع سنين وخاطرهم أبو بكر على هذا قبل تحريم ذلك وظهرت الروم على فارس بعد ذلك فهؤلاء الجهمية قد سلم لهم المؤمنون أن الله غني عن كل ما سواه فإنه سبحانه مقدس عن كلا نقص وأنه أحد لا مثل له والجهمية في الحقيقة لا يعتقدون فيه هذا المعنى ولا هذا التنزيه ولا هذه الوحدانية بل يثبتون له أمثالاً ويصفونه بالحاجة وما تستلزم الحاجة ولا ينزهونه عن النقائص والعيوب وقد يصرحون بذلك تارة وتارة بأنه ليس على ذلك دليل عقلي فالاتحادية منهم كصاحب
стр. 2163
الفصوص وغيره يصرحون بأنه موصوف بكل ما يوصف به كل موجود من عيب ونقص وغير ذلك وهؤلاء المتكلمون منهم كالرازي يصرحون بأن العقل لا ينفي عنه النقائص وبذلك يظهر أن تسميته لما عطله من الصفات تقديساً كتسمية
стр. 2164
الملاحدة تعطيلهم تقديساً وقد علموا أن المسلمين يقولون إنه منزه عن النقص فأخذوا هذا اللفظ يجحدون به ما يستحق من صفات الحمد زاعمين أن ذلك نقص كما زعم أن علوه على العرش نقص أو مستلزم للنقص كما زعم أنه مستلزم للحاجة وأنه مستلزم لعدم الوحدانية فتبين لهم صورة الحال وهو أن هذه الأمور التي يوافق المسلمون على نفيها وإن كنتم لا تقيمون على نفيها حجة عقلية هي على فساد قولكم أدل منها على فساد قول من ينازعكم من أهل الإثبات وإن كان مخطئاً في بعض ما يقوله إذا كان خطؤه أقل من خطئكم وهو مع ضلاله عن بعض الهدى أقرب إليه منكم وإذا كان الأمر كذلك قيل لك أولاً فهؤلاءالذين يزعمون أنهم ينفون عن الله النقص بكونه على العرش قد بينا أنهم يصفونه بالنقص إما تصريحاً وإما لزوماً ويصرحون بأن العقل لا ينفي النقص عن الله كانوا لم ينفوا ذلك إلا بالإجماع فلم يجمع المسلمون على قولهم فلا يكون معهم حجة على نفي كونه على العرش لو كان فيه ما زعموه من النقص
стр. 2165
والاستكمال بالغير فكيف والنقص إنما هو لازم على قولهم كما قد بين ذلك غير مرة وقيل لك ثانياً هب أن هذا متناقض لكن إذا كانوا قد جمعوا في قولهم من إثبات كونه على العرش وبين نفي كونه جسماً فإما أن يكون إثبات هذا ونفي هذا متناقضاً أو لا يكون فإن لم يكن متناقضاً صح قولهم وبطل قولك في نفي الجهة فإذا كان هذا متناقضاً لم يكن إلزامهم لوازم أحد النقيضين بأولى من إلزامهم النقيض الآخر فإن حقيقة هذا عند من يقول إنهم تناقضوا أنهم قد قالوا هو فوق العرش ليس فوق العرش وهو جسم وهو ليس بجسم ومثل هذا إما أن يجعل لهم قولين فيكون لهم قول بأنه فوق العرش ولوازمه وهو أنه جسم وقول بأنه ليس بجسم ولوازمه وهو أنه ليس فوق العرش أو يذكر قولهم المتناقض على جهته ولا يلزمون لوازم النفي دون لوازم الإثبات ولا لوازم الإثبات دون لوازم
стр. 2166
النفي بل يثبت اللازم كما أثبت الملزوم وإن قيل إن فيها تناقضاً وإذا كان كذلك لم يجز أن يلزموا بلوازم نفي الجسم المستلزمة نفي لوازم كونه على العرش فلا يلزموا بأن يكون متحيزاً أو غير متحيز فإن ذلك لا يلزمهم ما داموا جامعين بين النفي والإثبات وهذا بين ولهذا لا يزال هؤلاء وأمثالهم يميلون إلى النفاة من وجه وإلى المثبتة من وجه وقيل لك ثالثاً هب أن هؤلاء متناقضون في إثبات موجود ليس بجسم فوق العالم فقولك بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه أعظم تناقضاً فإن قولك موجود يقضي ثبوت أحد الأمرين فإذا نفيتهما فقد نفيت لازم الوجود المعلوم بالفطرة الضرورية لاسيما وقد علم بالضرورة الفطرية أن الله فوق العالم وأن ما يكون لا داخل العالم ولا خارجه فإنه لا يكون إلا معدوماً وقالوا لك رابعاً لا نسلم أن هذا تناقض بل قد علمناه بالضرورة الفطرية والضرورة الدينية والأدلة السمعية والعقلية أنه فوق العرش وعلمنا بما وافقتنا عليه من الأدلة العقلية وما
стр. 2167
تذكر في موافقتنا من الأدلة الشرعية أنه ليس بجسم وموجب الأدلة الصحيحة لا تتناقض وإذا لم تتناقض فإذا قدرنا فوق العالم ما ليس بجسم لم يمكن أن يكون في حيز كما تكون الأجسام وحينئذ ما تذكره من اللوازم في هذه الحجة وفي نظائرها من الحجج مثل لزوم كونه منقسماً أو جوهراً فرداً وكونه في حيز أو أكثر من حيز ممنوعة
стр. 2168
فصل وقد ذكر في نهايته على نفي الجهة حجة أخرى فنذكرها وإن كانت موادها داخلة فيما ذكرناه ليكمل ما ذكره في ذلك فقال المسألة الثانية في أنه ليس في الجهة قال وقبل الخوض في الاستدلال لابد من البحث عما لا يكون جسماً هل يعقل حصوله في الجهة أم لا فإن لم يعقل حصوله كانت الدلالة على نفي الجسمية كافية في نفي الجهة قال وزعم من أثبت الجهة ونفى الجسمية أنّا نعلم بالضرورة اختصاص الأكوان بالجهات المخصوصة مثل الكون القائم بأعلى الجدار والكون القائم بأسفله
стр. 2169
ولا يضرنا في ذلك ما يقال الأكوان إنما تحصل في الجهات على طريق التبعية لمحلها لأنا نقول الحصول في الجهة أعم من الحصول في الجهة بالاستقلال أو التبعية وتسليم الخاص يتضمن تسليم العام فإذا سلمتم اختصاص الأكوان بالجهات على سبيل التبعية فقد سلمتم اختصاص الأكوان بالجهات ومتى ثبت ذلك ثبت أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسماً نفي اختصاصه بالجهة والحيز وإذا ثبت ذلك وجب علينا بعد الفراغ من نفي الجسمية عن الله إقامة الدليل على نفي حصوله في الجهة والحيز يقال هذا الذي ذكره يمكن الجواب عنه بأن يقال لا يحصل في الجهة إلا الحيز أو ما قام به أو يقال لا يحصل في الجهة على سبيل الاستقلال إلا الجسم أو لا يحصل في الجهة على سبيل الاستقلال أو التبعية إلا الجسم أو ما قام به وأي هذه
стр. 2170
العبارات قيل لم يكن ما ذكره دليلاً على إمكان أن يكون في الجهة قائم بنفسه غير الجسم ونحن نذكر حجته قال فنقول الباري تعالى لو كان حصوله في جهة لكان إما أن يكون في أكثر من حيز واحد أو لا يكون إلا في حيز واحد والأول باطل لأن الحاصل في أحد الحيزين إما أن يكون هو الحاصل في الحيز الثاني أو غيره والأول باطل وإلا لكان الشيء الواحد حاصلاً دفعة واحدة في حيزين وهو محال ولو عقل ذلك فليعقل مثله في الجسم حتى يحصل الجسم الواحد دفعة واحدة في حيزين وأنه محال والثاني أيضاً محال أما أولاً فلأنه يلزم منه انقسام ذاته وهو محال على ما مر وأما ثانياً فلأن اختصاص كل جزء منه بحيزه إما أن يكون واجباً أو جائزاً والقسمان باطلان على ما سيأتي وأما إن قيل بأنه في حيز واحد فهو باطل لوجهين الأول بأنه يكون أقل القليل ويتعالى الله عنه والثاني فلأن حصوله في ذلك الحيز إما أن يكون واجباً أو غير واجب والأول باطل إذ لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله في سائر الأحياز
стр. 2171
لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة سائر الأحياز ولو كان كذلك لكانت الأحياز أموراً وجودية لأن العدم الصرف يستحيل أن يخالف بعضه بعضاً ولو كانت الأحياز أموراً وجودية لكان إما يمكن الإشارة الحسية إليها أو لا يمكن فإن أمكن فذلك الشيء إما أن يكون منقسماً فيكون الباري الحال فيه منقسماً أو لا يكون منقسماً فيكون ذلك الشيء مختصاً بجهة دون جهة فيكون للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل وإن لم يمكن الإشارة الحسية إلى الحيز الذي حصل الباري تعالى فيه وجب استحالة الإشارة الحسية إلى الباري تعالى لأنا نعلم بالضرورة أن ما لا يمكن الإشارة الحسية إلى جهته استحالت الإشارة الحسية إليه فإذاً لا يكون الباري في الجهة وهو المطلوب وأما إن لم يكن حصول الباري واجباً فاختصاصه بها لابد وأن يكون لفاعل مختار سواء إن كان بواسطة معنى أو لا بواسطة معنى وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار فهو محدث فاختصاص الباري بالحيز محدث فهو إذاً في الأزل ما كان حاصلاً في الحيز والشيء الذي لا يكون كذلك استحال أن يصير محتاجاً إلى الحيز فثبت أن الباري يمتنع
стр. 2172
أن يكون في الأحياز والجهات قال ويمكن أن يعتمد في هذه المسألة أيضاً على أنه لو كان في الجهة لكان منقسماً لأن الجانب الذي منه يلينا غير الجانب الذي لا يلينا وذلك يوجب انقسام ذاته لكنا بينا أن الانقسام عليه تعالى محال فحصوله في الجهة والحيز أيضاً محال قال وهذا الكلام إنما يدفع القول بنفي الجزء الذي لا يتجزأ ولم يذكر في نهايته على نفي الجهة إلا هذا الكلام وقد تقدم ما ذكره على نفي الجسم وهذه الحجة هي مثل الحجة الرابعة التي ذكرها في تأسيسه لكن فيها حشواً وزيادة مستغنى عنها لا حاجة إليها وهؤلاء القوم من أعظم الناس إتياناً بحشو القول الكثير الذي تقل فائدته أو تعلم مضرته كما يروى فيهم عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ أنه قال أنا ضمين وذمتي
стр. 2173
رهينة لا يهيج على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على الهدى سنخ أصل وإن أبغض الناس إلى الله تعالى رجل قمش علماً حتى إذا ارتوى من ماء آجن وامتلأ من غير طائل سماه أشباهه من الناس عالماً فإن نزلت به إحدى الشبهات هيأ له حشو الرأي من قيله فلا هو سكت عما
стр. 2174
لا يعلم فيسلم ولا تكلم بما يعلم فيغنم تصرخ منه الدماء وتبكي منه الفروج الحرام ومن أحق الناس بهذا هؤلاء المتكلمون في أصول الدين بغير كتاب الله وسنة رسوله ويوقعون بين الأمة العداوة والبغضاء بما لا أصل له حتى قد يكفرون من خالفهم ويبيحون قتلهم وقتالهم كما يفعل أهل الأهواء من الخوارج
стр. 2175
والرافضة والجهمية والمعتزلة كما فعله هذا المؤسس في كتابه هذا وأمثاله حيث كفر الذين خالفوه وهم أحق بالإيمان بالله ورسوله منه بدرجات لا تحصى ولا حول ولا قوة إلا بالله ولهذا كان التكفير لمن يخالفهم من أهل السنة والجماعة من شعار المارقين كما قال النبي ﷺ فيما استفاض عنه من الأحاديث الصحيحة في صفة الخوارج يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وفي رواية يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل
следующие страницы →