← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الموضع كما هو حجة على أولئك في المواضع الأُخَر فإذا ذكروا فرقاً فإن كان ذلك الفرق صحيحاً لم يصح النقض بالجسم والعرض وإن لم يكن الفرق صحيحاً لم يكن نفيهم لمسمى الجسم والعرض صحيحاً على التقديرين فلا يلزم بطلان هذه الحجة الوجه الثالث وأما قوله في الوجه الثالث إن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان وساق التقسيم إلى آخره حتى يلزم كونه محايثاً للعالم أو مبايناً عنه في أي جهة كان وذلك يقتضي أن لا يختص بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذاته من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال فعنه أجوبة أحدها أنه ليس كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان بل من الأجسام الموجودة ما يمتنع من بقاء حقيقته أن يكون من الآخر إلا في جهة معينة كما أن رأس الإنسان يمتنع أن يكون إلا فوق وبطن قدمه يمتنع أن يكون إلا في أسفله ولو غير ذلك خرج عن حقيقته وكذلك العرش يمتنع أن يكون في أسفل سافلين وأسفل سافلين يمتنع أن يكون فوق العرش

стр. 2347

الثاني أن يقال ما تعني بقولك فلابد وأن يكون محايثاً له أو مبايناً عنه في أي جهة كان أتعني أن العقل يشهد أنه لابد من وجوب المباينة ولو بأي جهة كان أو تعني أنه لابد مع وجوب المباينة من جواز المباينة من جميع الجهات فهذان معنيان متغايران فإن وجوب مطلق المباينة من غير تعيين جهة غير وجوب المباينة ووجوب جوازها بكل جهة فإن عني أن كل موجودين فإنه ولابد أن يتحايثا أو يباين أحدهما الآخر وأنه لابد مع ذلك أن يجوز مباينته من جميع الجهات فهذا القدر ليس معلوماً بالبديهة ولا بالحس وكثير من الناس ينازع في كثير من ذلك وبالجملة ليس هذا هو العلم البديهي الذي يعلم في المشهودات فإنا لا نعلم أن كل ما هو قائم بنفسه يجوز أن يكون في جميع الجهات من كل قائم بنفسه هذا لا يعلم بالبديهة بحال وإذا لم يكن معلوماً بالبديهة لم يجب أن يعلل بعلة تعم الوجود حتى نعلم ثبوته وحينئذ فمن الناس من يقول ليس هذا ثابتاًً لجميع المخلوقات ومنهم من يثبته للمخلوق دون الخالق وإذا كان الأمر كذلك فإن المنازع يقول قد قام الدليل على أن هذا ليس ثابتاً لجميع الموجودات وليس هو مما علم بالبديهة أنه يشترك فيه جميع

стр. 2348

المشهودات فلا يكون نظير حجتنا إذا علم اختصاصه ببعض الموجودات فإنه يعلل بما يختص به الوجه الرابع أن الاستدلال بما يجب لكل موجودين والواجب لكل موجودين أن يكونا متباينين أو متحايثين أما كون أحدهما يصح أن يكون مبايناً للآخر من جميع جهاته فهذا ليس هو الواجب لكل موجودين والحجة كانت فيما يلزم الموجود من المحايثة أو المباينة واللازم له أصل المباينة أما المباينة من جميع الجهات فليس ذلك بلازم وإن كان جائزاً بل يجوز أن يجعل الله بعض الأشياء لا تباين إلا بجهة معينة الخامس أن يقال ليس للعالم إلا جهتان وهي العلو والسفل فأما العلو فهو مختص بالله تعالى وأما أسفل سافلين فذلك سجين وهو المركز الذي لا يسع إلا الجوهرالفرد

стр. 2349

وكل قائم بنفسه فإنه يصح أن يكون مبايناً عنه بجميع الجهات لأن كل ما سواه يصح أن يكون فوقه وإن كان كذلك فيقال بموجب المعارضة وهو أن الله تعالى يجوز أن يكون مبايناً للعالم من جميع جهاته لأن جميع جهاته لأن جميع جهاته هي العلو ليس له جهة أخرى فظهر القول بموجب الحجة ألا ترى أن سطح العرش مباين للعالم كذلك السادس أن قوله ذلك يستلزم صحة الحركة عليه من الفوق إلى السفل وهم لا يقولون بذلك فنقول هذا قياس إلزامي وفي صحة الحركة نزاع مشهور

стр. 2350

وهم يدعون ثبوت الفارق فإن صح ما يدعونه من الفارق وإلا كانت هذه الحجة حجة عليهم في المسألتين جميعاً ولا يتعضل ذلك كما تقدم نظيره وأما قوله في الرابع إن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو مركباً من الجواهر وكون كل موجود في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد أن يكون معللاً بالوجود فوجب أن يكون الباري على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه عندهم ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف من الأجزاء والأبعاض فيقال له أما تسمية صفاته عرضاً فإن منهم من سمى صفاته أعراضاً مع أن النزاع في ذلك لفظي وذلك أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين ينفون الصفات لما رأوا أن الصفات تقوم بالأجسام وهي الأعراض أيضاً وبها أو ببعضها احتجوا

стр. 2351

على حدوث الموصوف الذي قامت به وقالوا به وقالوا إنها لا تقوم إلا بمتحيز ولا تقوم إلا بمحدث نفوها عن الله تعالى وقالوا من أثبتها فقد قالوا إنه يقوم به الأعراض وهي لا تقوم إلا بمتحيز فيكون متحيزاً محدثاً فسلك معهم مثبتة الصفات ثلاثة مسالك أحدها قول من يقول له صفات لكن ليست أعراضاً أو لا تسمى أعراضاً لأن العرض ما يعرض لمحله ويزول عنه وصفاته لازمة لذاته ليست زائلة عنها وهذا مما قوى عند هؤلاء أن يقولوا الأعراض لا تبقى زمانين أصلاً ليكون هذا فرقاً بين صفات الله تعالى وصفات المخلوقين من تسمية صفات المخلوقات أعراضاً دون صفات الخالق وبهذا وأمثاله انتحلوا دعوى السنة في قولهم الأعراض لا تبقى زمانين لأن هذا

стр. 2352

مما وكدوا به في اعتقادهم مذهب أهل السنة في ثبوت صفات الله تعالى وهذه طريقة الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم والمسلك الثاني طريقة من لا ينازعهم في تسمية صفات الله تعالى أعراضاً كما لا ينازعهم في تسمية من قامت به من الصفات جسماً ولا يقول أيضاً بأن الأعراض لا تبقى بل الأعراض التي في الحس باقية هي باقية كالألوان وغيرها بخلاف ما ليس باقياً كالحركة وهؤلاء يقولون هب أن الأعراض قامت به وهب أنه جسم فليس يلزم من ذلك محذور وهذا قول طوائف من الصفاتية من الكرامية والشيعة ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم والمسلك الثاني أن لا يقولوا صفاته أعراض ولا يقولوا ليست أعراضاً كما لا يقولون إنه جسم ولا أنه ليس بجسم لأن ذلك كله بدعة مذموم عند سلف الأمة وأئمتها ولأن النزاع في ذلك إن كان في معنى وجب إثبات المعنى الحق دون المعنى الباطل فيسأل النفاة المثبتة ما أرادوا بذلك فإن أثبتوا حقاً وباطلاً أقر الحق دون الباطل وكذلك النفاة إن نفوا حقاً

стр. 2353

وباطلاً نفى الباطل دون الحق ومن أثبت حقاً أو نفى باطلاً أقر ومن أثبت باطلاً أو نفى حقاً منع وإن كان النزاع في اللفظ فما يوصف به الباري نفياً وإثباتاً من الأسماء والصفات فالمتبع فيه الشريعة فلا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا من الإثبات ولا من النفي والله قد أخبر أنه أحد صمد ونزه نفسه عن الوالد والولد والشريك والكفو والسمي والحاجة والنوم وغير ذلك مما دل عليه القرآن ولم يذكر هو ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان به أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا أن صفاته ليست بعرض ولا قائمة بالغير ولا نحو ذلك وكذلك في الإثبات له الأسماء الحسنى التي يدعى بها وليس في تلك الأسماء أنه جسم ولا جوهر ونحو ذلك ولا أن صفاته تسمى أعراضاً ونحو ذلك فلم يكن واحد من هذين مشروعاً على الإطلاق ولا هو أيضاً منهياً عنه على الإطلاق بل إذا أثبت الرجل معنى حقاً ونفى معنى باطلاً واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب لأنها من لغة المخاطب ونحو ذلك لم يكن ذلك منهياً عنه لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه وهذا جائز بل مستحب أحياناً بل واجب أحياناً وإن لم يكن ذلك مشروعاً على الإطلاق كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته وأصول الدين

стр. 2354

باصطلاحهم الخاص إذا كانت المعاني التي تبين لهم هي معاني القرآن والسنة تشبه قراءة القرآن بغير العربية وهذه الترجمة تجوز لإفهام المخاطب بلا نزاع بين العلماء وأما قراءة الرجل لنفسه فهذا لايجوز عند عامة أهل العلم لا في الصلاة ولا في خارج الصلاة وجوَّزه بعضهم مطلقاً لكن لمن لم يحسن العربية لكن المخاطبة ليست كإقراء القرآن لكن تشبه ذكره والثناء عليه والدعاء له بما لم يوِّقت الشارع فيه شيئاً بعينه ولهذا يكره أيضاً عند كثير من العلماء أو أكثرهم تغيير العربية إلا للحاجة ومنهم من لم يكرهه إذا تبيين ذلك فجوابه من وجوه أحدها أن هذا الوجه الذي ذكره هو من الوجوه

стр. 2355

الإلزامية وهذه ليست بحجه لا للناظر ولا للمناظر كما تقدم غير مرة وذلك أن هذه الحجة إما أن توجب أن كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام أو لا توجبه فإن لم توجبه فلا يضر وإن أوجب ذلك ولم يذكر الفارق فرقاً بين الموضعين وإلا كانت حجة عليهم في الموضعين وكان له أن يقول أنا إنما أثبت الجسم والجوهر والعرض لكذا وكذا فإن كان هذا فرقاً صحيحا بطل الإلزام وإن لم يكن فرقاً صحيحاً تاماً امتنع الحكم إذ ليس في ذلك نص ولا إجماع عام الوجه الثاني أن يقال كون الموجود في الشاهد جوهراً فرداً أو ليس بجوهر فرد ليس ذلك بمشهود ولا معلوم بحس ولا ضرورة كالعلم بأن الموجود في الشاهد إما مباين وإما محايث بل في ذلك نزاع عظيم بين المتكلمين وهذا المؤسس هو من المتوقفين في إثبات الجوهر الفرد وقد حكى التوقف فيه عمن حكاه من أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني وإذا لم يكن هذا معلوماً بالحس والاضطرار لم يكن نظير تلك الحجة

стр. 2356

الوجه الثالث أن من ينكر الجوهر الفرد من أهل الكلام والفلسفة أو من توقف فيه يمنع الانقسام إلى هذه الثلاثة وهؤلاء طوائف كثيرون الوجه الرابع أن قوله إن المباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو يكون مركباً من الجواهر وكون كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد وأن يكون معللاً بالوجود يقال له ليس كون الأشياء القائمة بأنفسها في الشاهد مركبة من الجواهر وإنها إما جوهر فرد وإما جسم مؤتلف مما يعلم لا بحس ولا بضرورة كما يعلم أن الموجود إما أن يقوم بنفسه وإما أن يقوم بغيره بل في ذلك نزاع عظيم بين الناس نفياً وإثباتاً ووقفاً وإذا كان كذلك لم يكن نظيراً له الوجه الخامس أن من يقول الجسم واحد في نفسه ليس مركباً من الجواهر من أهل الكلام والفلسفة سواء قالوا ينقسم إلى جزء لا يقبل القسمة أو قالوا يقبل القسمة إلى ما لا يتناهى ينازعون في هذا الانقسام ويقولون لا نسلم أن القائم بنفسه لا يكون إلا مركباً من الأجزاء أو جوهراً فرداً وهؤلاء طوائف كثيرة

стр. 2357

الوجه السادس أن يقال قد مر الكلام على معنى القسمة والتركيب وأن حاصله يعود إلى تميز شيء من شيء كامتياز صفة من صفة وأن ذلك مما يجب الاعتراف به في حق كل موجود فإنه يمتنع أن يكون شيء من الموجودات بدون ذلك وإن كان كذلك لم يكن ما يلزم الوجود مما سموه انقساماً وتركيباً محالاً فإذا أوجبت الحجة القول به قيل به الوجه السابع أن يقال إن عنيت بكونه عرضاً أنه صفة قائمة بالموصوف ويكون منقسماً أي فيه نوع تميز فهذا يلتزمه أهل الإثبات للعلو وإن عنيت بكونه عرضاً أنه يعرض ثم يزول وبكونه منقسماً مركباً أنه يقبل التفرق والاجتماع بعد التفرق فيقال هذا وصف له بعدم بعد الوجود وبوجود بعد عدم وإذا كان هذا كذلك لم يمتنع أن يكون الموجب لذلك متضمناً للعدم فإن الممتنع تعليل الأمر الوجودي كالرؤية ولزوم أحد الوصفين الموجودين بما فيه عدم أما الوصف المشتمل على عدم فلا يمتنع تعليله بالوصف المشتمل على عدم يوضح ذلك الوجه الثامن وهو أن العرض ... الذي يختص به المخلوق جوهر عند من يقول بذلك ويفرق بين صفة الخالق وصفة المخلوق مما يمتنع بقاؤه ويجب عدم بعد وجوده وأقل ما في ذلك أنه يجوز عدمه بعد وجوده والجسم المخلوق إما

стр. 2358

أن يكون متفرقاً في نفسه منقسما قسمة حقيقة بحيث يكون بعضه منفصلاً عن بعض وإما أن يكون قابلاً لذلك وعلى التقديرين فلا يكون هذا الحكم صفة للموجود من حيث هو موجود فإن الموجود من حيث هو موجود لا يكون واجب العدم ولا واجب التفرق والانفصال وإذا كان كذلك كان نفس هذا الوصف المذكور يوجب أن يخص ما يجوز عليه العدم والتفرق الوجه التاسع أن وجوب العدم أو التفرق لا يجوز تعليله بالوجود فإن الوجود نفسه لا يوجب التفرق والعدم فإن العدم ينافى الوجود والشيء لا يكون موجباً لما ينافيه وكذلك التفرق هو نوع من عدم الكمال فإن الاجتماع صفة كمال وقوة والافتراق ينقص تلك القوة والكمال وكذلك يسمى الشيء جميلاً والجمال مشتق من الإجمال الذي هو الجمع والضم ولهذا يقال كل ألم في العالم فأصله من تفرق واجتماع فكون الشيء موجوداً أو مقصوداً بحيث يحصل به الفرح والسرور لا يناسب تفرقه واختلاله وإنما يناسب اجتماعه وإكماله ولهذا كان الاسم الصمد فيه معنى الاجتماع المنافي للتفرق وفيه اجتماع الخلق إليه بحيث يكون هو المقصود لهم في العبادة في الدعاء والعبد لابد له من قصد يقصده والشيء

стр. 2359

إنما يقصد لنفسه أو لغيره والله هو المقصود المعبود لنفسه وهو المدعو المسئول الذي يسأل منه كل شيء وإذا كان كذلك تبين أن هذا الحكم لا يجوز تعليله بالوجود المطلق ولا بما يشتمل على الوجود الواجب وأما قوله في الوجه الخامس إن كل موجود يفرض مع العالم فهو إما أن يكون مساوياً للعالم أو زائداً عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار فانقسام الموجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الثلاثة للأربعة كذا حكم لابد له من علة ولا علة إلا الوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة فيقال له عن هذه أيضاً وجوه أحدها أن هذه أيضاً حجة إلزامية لا حقيقية فالذي ينفي هذه الأقسام عن الباري إما أن يذكروا فرقاً صحيحاً أو لا يذكروه فإن ذكروه بطل إلزامهم بذلك في حجة المباينة والمحايثة وإن لم يذكروا فرقاً صحيحاً كان ذلك حجة عليهم

стр. 2360

في الموضوعين كما تقدم نظيره وحينئذ فلا يكون هذا حجة لا في نظر ولا في مناظرة فإن هذا ليس متفقاً على نفيه بل أكثر أهل الإثبات يلتزم أحد الأقسام الوجه الثاني أن يقال هذا التقسيم باطل فإن كل ما نشهده فهو جزء من العالم سواء كان قائماً بنفسه أو بغيره فكيف يقال فيما هو بعض العالم إما أن يكون مساوياً للعالم أو أزيد منه أو أنقص منه ومن المعلوم أنه لا يكون إلا أنقص منه وإذا كان لا يصح أن يكون مساوياً له ولا أزيد وبهذا يظهر أن هذا ليس نظير الحجة فإن تلك مضمونها أن كل موجود يلزمه أحد الأمرين إما المحايثة لغيره وإما المباينة له والوجود ينقسم إلى قسمين محايث ومباين ولا يمكن أن يقال الموجود المشهود يلزمه أحد هذه الأقسام إنما يلزمه واحد منها معين وهو النقص الوجه الثالث أن هذا الذي ذكره إنما هو فيما يقدر وجوده ويفرض مع العالم ومعلوم أن ما يقدر وجوده ويفرض لا يعلم حكمه بالحس ولا بالبديهة كما يعلم حكم الموجود المشهود المحسوس مع الموجود المشهود المحسوس فإن تلك الحجة مبناها على ما علم بالحس والضرورة ثم النظر هل ذلك معلل بما يتناول الوجود الواجب أو بما يخص غيره وأما الموجودات المقدرة فحكمها لا يعلم بحس ولا ضرورة وإنما

стр. 2361

يعلم بالقياس على ماعلم وجوده الوجه الرابع أن هذا إذا كان في الوجود المقدر مع العالم فذلك الموجود إما أن يكون هو الله أو غيره فإن كان غيره فقد علم أنه معدوم لأن كل مايقدر وجوده سوى الله فهو من العالم فلا يمكن تقدير موجود غير الله خارج عن مجموع خلقه وإن كان المراد بهذا الموجود هو الله كان المعنى أن الله لا يخلو إما أن يكون أكبر من العالم أو أصغر أو بقدره وإذا كان هذا هو المعنى المقدر فاحتجاجه بهذا على أن الباري موصوف بأحد هذه الأقسام هو استدلال بالشيء على نفسه فالدليل هو غير المدلول ويكون التقدير أن الرب الموجود مع العالم إما أن يكون مساوياً له أو أكبر أو أصغر وإذا كان كذلك فهو إما أن يكون مساوياً أو أكبر أو أصغر ومعلوم أن هذا باطل فضلاً أن يكون نظير الحجة وقد ظهر بما نبهنا عليه في الكلام على هذه الحجة أن قوله ونحن بعد أن بالغنا في تنقيحها وتقريرها أوردنا عليه هذه الأسئلة القاهرة والاعتراضات القادحة ليس الأمر كما قاله فإن الحجة لم يستوف تقريرها كما يجب وليس ما ذكره من الاعتراض كما زعم هذا مع أنا لم نستوف الكلام في تقريرها ولا في الأجوبة على أسولته لأن المقصود حكاية ما ذكره هو من الحجة وذكر ما ينبه على الحكم العادل بينه وبين خصومه

стр. 2362

فصل قال الرازي الشبهة الثالثة للكرامية في إثبات كونه تعالى ف الجهة قالوا ثبت أن تعالى تجوز رؤيته ولرؤية تقتضي مواجهة المرئي أو مواجهة شيء هو في حكم مقابلته وذلك يقتضي كونه تعالى مخصوصاً بجهة قال والجواب اعلم أن المعتزلة والكرامية توافقوا على أن كل مرئي لابد وأن يكون في جهة إلا أن المعتزلة قالوا لكنه ليس في الجهة فوجب أن لا يكون مرئياً والكرامية قالوا لكنه مرئي فوجب أن يكون في الجهة وأصحابنا نازعوا في هذه المقدمة وقالوا لا نسلم أن كل مرئي فإن مختص بالجهة بل لا نزاع في أن الأمر في الشاهد كذلك فلِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وتقريره أن هذه المقدمة إما أن تكون مقدمة بديهية أو استدلالية فإن كانت بديهية لم يكن في إثبات كونه تعالى مختصاً بالجهة حاجة إلى هذا الدليل وذلك لأنه ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس مختص بالجهة وثبت أن الباري جل وتعالى قائم بالنفس فوجب القطع بأنه تعالى مختص بالجهة لأن العلم الضروري حاصل بأن كل ما ثبت في الشاهد

стр. 2363

وجب أن يكون في الغائب كذلك فإذا كان هذا الوجه حاصلاً في إثبات كونه تعالى في الجهة كان إثبات كونه في الجهة بكونه مرئياً ثم إثبات أن كل ما كان مرئياً فهو مختص بالجهة تطويل من غير فائدة ومن غير مزيد شرح وبيان وأما إن قلنا إن قولنا كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة بديهية بل هي مقدمة استدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلاً تصير هذه المقدمة يقينية وأيضاً فكما أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا إذا كان مقابلاً أو في حكم المقابل للرائي فكذلك لا نعقل مرئياً إلا إذا كان صغيراً أو كبيراً أو ممتداً في الجهات أو مؤتلفاً من الأجزاء وهم يقولون إنه تعالى يرى لا صغيراً ولا كبيراً ولا ممتداً في الجهات والجوانب والأحياز فإذا جاز لكم أن تحكموا بأن الغائب مخالف للشاهد في هذا الباب فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إن المرئي في الشاهد وإن وجب كونه مقابلاً للرائي إلا أن المرئي في الغائب لا يجوز أن يكون كذلك والكلام على ما ذكره من وجوه

стр. 2364

أحدها أن ما ذكره عن المعتزلة والكرامية ليس هو قولهم فقط بل قول عامة طوائف بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين وهو قول جماهير مثبتي الصفات ونفاتها ولا يعرف القول بإثبات الرؤية مع نفي كون الله تعالى فوق العالم إلا عن هذه الشرذمة وهم بعض أتباع الأشعري ومن وافقهم وليس ذلك قول أئمتهم كما يقول هؤلاء وإن كانوا هم وغيرهم يقولون إن في كلام أئمتهم تناقضاً أو اختلافاً فقد قدمنا أن تناقض من كان إلى الإثبات أقرب هو أقل من تناقض من كان إلى النفي أقرب وقد قدمنا أن العلم بأنه فوق العالم أعظم من العلم بأنه يرى فعلم ذلك بالعقل أعظم في الطريقة البديهية والقياسية وعلم ذلك بالسمع أعظم لما في الكتاب والسنة من الدلالات الكثيرة التي لا يحيها إلا الله تعالى على أن الله فوق ولهذا تجد هؤلاء الذين يثبتون الرؤية دون العلو عند تحقيق الأمر منفقين لأهل السنة والإثبات يفسرون الرؤية التي يثبتونها بنحو ما يفسرها به المعتزلة وغيرهم من الجهمية فهم ينصبون الخلاف فيها مع المعتزلة ونحوهم ويتظاهرون بالرد عليهم

стр. 2365

وموافقة أهل السنة والجماعة في إثبات الرؤية وعند التحقيق فهم موافقون للمعتزلة إنما يثبتون من ذلك نحو ما أثبته المعتزلة من الزيادة في العلم ونحو ذلك مما يقوله المعتزلة في الرؤية أو يقول قريباً منه ولهذا يعترف هذا الرازي بأن النزاع بينهم وبين المعتزلة في الرؤية قريب من اللفظي فعلم أن هؤلاء حقيقة باطنهم باطن المعتزلة الجهمية المعطلة وإن كان ظاهرهم ظاهر أهل الإثبات كما أن المعتزلة عند التحقيق حقيقة أمرهم أمر الملاحدة نفاة الأسماء والصفات بالكلية وإن تظاهروا بالرد عليهم والملاحدة حقيقة أمرهم حقيقة من يجحد الصانع بالكلية هذا لعمري عند التحقيق وأما عوام الطوائف وإن كان فيهم فضيلة وتميز فقد يجمعون بين المتناقضات تقليداً وظناً ولذا لا يكونون جاحدين وكافرين مطلقاً لأنهم يثبتون من وجه وينفون من وجه فيجمعون بين النفي والإثبات قال الأشعري في الإبانة باب الرد على الجهمية

стр. 2366

نفيهم علم الله وقدرته قال الله تعالى أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النسا ١٦٦] وقال سبحانه وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فصلت ٤٧ فاطر ١١] وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه فقال سبحانه فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ [هود ١٤] وقال وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة ٢٥٥] وذكر تعالى القوة فقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت ١٥] وقال سبحانه ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾ [الذاريات ٥٨] وقال الله تعالى وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات ٤٧] قال وزعمت الجهمية والدرية أن الله لا علم له ولا حياة ولا سمع ولا بصر وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم من ذلك خوف السيف من إظهارهم ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لا علم ولا قدرة لله فقد قالوا ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح

стр. 2367

بذلك فأتوا معناه وقالت إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن نثبت له علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وهؤلاء الذين ذكر قولهم قالوا ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير وهؤلاء شر من الملاحدة الذين تقدم ذكرهم وحكاية الرازي قولهم الذين يقولون لا نقول موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل فإن أولئك امتنعوا من التسمية بالضدين لم ينفوا أن يكون هو تعالى في نفسه موصوفاً بأحدهما فهؤلاء الذين نفوا ذلك أعظم من أولئك وقد أخبر أن قول المعتزلة مأخوذ من هؤلاء وكذلك قال في كتاب المقالات لما قال وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء والصفات فقال الحمد لله لذي بصرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة المتحيرين الذين نفوا صفات الله رب العالمين وقالوا إنه جل ثناؤه وتقدست

стр. 2368

أسماؤه لا صفات له وأنه علم له ولا قدرة له ولا حياة له وسمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله التي يوصف لنفسه قال وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك قال وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الأيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير

стр. 2369

حكيم جليل في حقيقة القياس قال وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً تَشَتَّتَت فيه أهواؤهم واضطربت فيه أقاويلهم اهـ ثم ذكر بينهم نزاعاً كثيراً يس هذا موضعه وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتاب ذم الكلام في آخره لما عقد باباً في ذكر

стр. 2370

هؤلاء الأشعرية المتأخرين فقال باب في ذكر كلام الأشعري ولما نظر المبرزون من علماء الأمة إلا على التعطيل البحت وأن قطب مذهبهم ومنتهى عقيدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء وما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشا فراراً من الإثبات وذهاباً عن التحقيق وأن ولهم سميع بلا سمع بصير بلا بصر عليم بلا علم قادر بلا قدرة إله بلا نفس ولا شخص

стр. 2371

ولا صورة ثم قالوا لا حياة له ثم قالوا لا شيء فإنه لو كان شيئاً لأشبه الأشياء حاولوا حول مقال رؤوس الزنادقة القدماء إذ قالوا الباري لا صفة له ولا لا صفة خافوا على قلوب ضعفاء المسلمين وأهل الغفلة وقلة الفهم منهم إذ كان ظاهر تعلقهم بالقرآن وإن كان اعتصاماً به من بالسيف واجتناباً به منه وإذ هم يرون التوحيد ويخاوضون المسلمين ويحملون الطيالسة فأفصحوا بمعائبهم وصاحوا بسوء ضمائرهم ونادوا على خبايا نكتهم فيا طول ما لقوا في أيامهم من سيوف الخلفاء وألسن العلماء وهجران الدهماء فقد شحنت كتاب تكفير الجهمية من مقالات علماء الإسلام

стр. 2372

فيهم ودأب الخلفاء فيهم ودق عامة أهل السنة عليهم وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة ثقلت عليهم الوحشة وطالت عليهم الذلة وأعيتهم الحيلة إلا أن يظهروا الخلاف لأوليهم والرد عليهم ويصبغوا كلامهم صبغاً يكون ألواح للأفهام وأنجع في العوام من أساس أوليهم تحدوا بذلك المساع وليتخلصوا من خزي الشناعة فجاءت بمخازيق تراءى للعين بغير ما في الحشايا ينظر الناظر الفهم في جذرها فيرى مخ الفلسفة يكسي لحاء السنة وعقد الجهمية وينحل ألقاب الحكمة يردون على اليهود قولهم يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة ٦٤] فينكرون الغل وينكرون اليد فيكونون أسوأ حالاً من اليهود لأن الله سبحانه أثبت الصفة ونفى العيب واليهود

стр. 2373

أثبتت الصفة وأثبتت العيب وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب ويردون على النصارى في مقالتهم في عيسى وأمه فيقولون لا يكون في المخلوق غير المخلوق فيبطلون القرآن فلا يخفى على ذوي الألباب أن كلام أولهم وكلام آخرهم كخيط السحارة فاسمعوا الآن يا ذوي الألباب وانظروا ما فضل هؤلاء على أولئك أولئك قالوا قبح الله مقالهم إن الله موجود بكل مكان وهؤلاء يقولون ليس هو في مكان ولا يوصف بأين وقد قال المبلغ ﷺ عن الله لجارية معاوية بن الحكم ﵁ أين الله وقالوا هو من فوق كما هو من تحت لا ندري أين هو ولا يوصف بمكان فليس هو في السماء وليس هو في الأرض وأنكروا

стр. 2374

الجهة والحد وقال أولئك ليس له كلام إنما خلق كلاماً وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به منذ تكلم لم ينقطع الكلام ويوجد كلامه في موضع ليس هو به ثم يقولون ليس هو في مكان ثم قالوا ليس له صوت ولا حروف وقالوا هذا زاج وورق وهذا صوف وخشب وهذا إنما قصد به النفس وأريد به التفسير وهذا صوت القاري أما ترى أن منه حسناً غير حسن وهذا لفظه أو ما تراه مجازاً به حتى قال رأس من رؤوسهم أو يكون قرآن من

стр. 2375

لبد وقال الآخر من خشب فراوغوا فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك ثم قالوا غير مخلوق ومن قال مخلوق كافر وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود لفظية الجهمية الذكور بمرة والجهمية الإناث بعشر مرات

стр. 2376

وأولئك قالوا لا صفة وهؤلاء يقولون وجه كما يقال وجه النهار ووجه الأمر ووجه الحديث وعين كعين المتاع وسمع كأذن الجدار وبصر كما يقال جداران هما يتراءيان ويد كيد المنة والعطية والأصابع كقولهم خراسان بين أصبعي الأمير والقدمان كقولهم جعلت الخصومة تحت قدمي والقبضة كما قيل فلان في قبضتي أي أنا أملك أمره وقال الكرسي العلم والعرش الملك والضحك والرضى والاستواء والاستيلاء والنزول القبول والهرولة مثله شبهوا من وجه وأنكروا من وجه وخالفوا السلف وتعدوا الظاهر فردوا الأصل ولم يثبتوا شيئاً ولم يبقوا موجوداً ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسنة فقالوا لا نفسرها نجريها عربية كما وردت وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة وأرادوا بهذه المخرقة أن يكون عوام المسلمين أبعد غياباً عنها وأعيا ذهاباً منها ليكونوا أوحش عند ذكرها وأشمس عند

стр. 2377

سماعها وكذبوا بل التفسير أن يقال وجه ثم لا يقال كيف وليس كيف في هذا الباب من مقال المسلمين فأما العبارة فقد قال الله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة ٦٤] وإنما قالوها هم بالعبرانية فحكاها عنهم بالعربية وكان رسول الله ﷺ يكتب كتابه بالعبرانية فيها أسماء الله وصفاته فيعبر بالألسنة عنها ويكتب إليه بالسريانية فيعبر له زيد بن ثابت ﵁ بالعربية والله تعالى يدعى بكل لسان باسمه فيجيب ويحلف بها فيلزم وينشد فيجاز ويوصف فيعرف ثم قالوا ليس ذات الرسول ﷺ بحجة وقالوا ما هو بعدما مات بمبلغ فلا يلزم به الحجة فسقط من أقاويلهم

стр. 2378

على ثلاثة أشياء أنه ليس في السماء رب وفي الروضة رسول ولا في الأرض كتاب كما سمعت يحيى بن عمار يحكم به عليهم وإن كانوا يموهونها وورّوا عنها واستوحشوا من تصريحها فإن حقائقها لازمة لهم وأبطلوا التقليد فكفَّروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام المسلمين وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم فكفَّروا السلف وقالت طائفة منهم الفرض لا يتكرر فأبطلت الشرائع

стр. 2379

وسموا الإثبات تشبيهاً فعابوا القرآن وضللوا الرسول فلا تكاد ترى منهم رجلاً ورعاً ولا للشريعة معظماً ولا للقرآن محترماً ولا للحديث موقراً وسلبوا التقوى ورقة القلب وبركة التعبد ووقار الخشوع واستفضلوا الرسول فانظر فلا هو طالب آثاره ولا تتبع أخباره ولا يناضل عن سننه ولا هو راغب في أسوته يتقلب بمرتبة العلم وما عرف حديثاً واحداً تراه يهزأ بالدين ويضرب له الأمثال ويتلعب بأهل السنة ويخرجهم أصلاً من العلم تنفر لهم عن بطانة إلا خانتك ولا عن عقيدة إلا رابتك وألبسوا ظلمة الهوى وسلبوا هبة الهدى فتنبو عنهم الأعين وتشمئز منهم القلوب قال وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي وقد سمعت محمداً العمري النسابة أبا المعالي

стр. 2380

يقول سمعت أبا الفضل الحارثي القاضي بسرخس يقول سمعت زاهراً بن أحمد يقول أشهد لما مات أبو الحسن الأشعري متحيراً بسبب مسألة تكافؤ الأدلة فلا جزى الله امرءاً أناط مخاريقه بمذهب الإمام المطلبي رحمه الله تعالى وكان من أبر خلق الله قلباً وأصونهم سمتاً وأهداهم هدياً وأعمقهم علماً وأقلهم تعمقاً وأوقرهم للدين وأبعدهم من التنطع وأنصحهم لخلق الله جزاه خيراً قال فرأيت قوماً منهم يجتهدون في قراءة القرآن وحفظ حروفه والإكثار من ختمه ثم اعتقاده فيه ما قد بيناه اجتهاد روغان كالخوارج وذكر بإسناده من حديث سفيان الثوري

стр. 2381

عن الصلت بن بهرام عن المنذر بن هوذة عن خرشة ابن الحر أن حذيفة بن اليمان قال إنا آمنا ولم نقرأ وسيجيء قوم يقرؤون القرآن ولا يؤمنون وبإسناده من حديث زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن

стр. 2382

عوف قال سمعت ابن عمر يقول لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وبإسناده من حديث إسماعيل ب مهاجر عن أبيه عن ابن عمر قال إنا كنا صدور هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ وصالحيهم وما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك وكان القرآن قد ثقل عليهم رزقوا علماً به وعملاً

стр. 2383

وأن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون شيئاً منه قلت ومثل ذلك معروف عن جندب بن عبد الله البجلي أنه قال أوتينا الإيمان قبل أن نقرأ القرآن ثم أوتينا القرآن فازددنا إيماناً وإنكم تأتون القرآن قبل الإيمان فتوسل أحدكم

стр. 2384

وهذا الرازي لما ذكر مسألة الرؤية في نهايته وذكر فيها حجج النفاة والمثبتة كان ما ذكره من حجج النفاة العقلية والسمعية أظهر مما ذكره من حجج المثبتة وهذه عادته في كثير من مناظرته يحتج بالباطل من السفسطة وفروعها بما لا يحتج بمثله للحق وقال في مسألة الرؤية بعد أن ذكر مسالكها العقلية فظهر من مجموع ما ذكرناه أن الأدلة العقلية ليست قوية في هذه المسألة قال واعلم أيضاً أالتحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها يقرب أن يكون لفظياً وسنبينه إن شاء الله تعالى الوجه الثاني أن هذا الرجل قد اعترف هو ومن يوافقه أن الرؤية التي دل عليها الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة بل الإدراك المنفي عن الله في قوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام ١٠٣] يدل على أن الله تعالى في الجهة وذلك يقتضي دلالة الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على شيئين على رؤية الله تعالى وعلى أنه في الجهة وذكر اعتراف فضلاء المعتزلة بأن النبيين كانوا يعتقدون ذلك

стр. 2385

أما الأول فإنه لما ذكر الحجج السمعية التي للمعتزلة على نفي الرؤية قال وهذه الشبه أربع الأولى وهي الأقوى التمسك بقوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ قال واعلم أن هذه الآية تارة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يُرى بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة وتارة على استحالة كوننا رائين له أما الوجه الأول فإنما يتم بإثبات أمور أربعة أحدها أن إدراك البصر هو الرؤية قال ويدل عليه أمران أحدهما أنه لا فرق في اللغة بين أن رأيت فلاناً ببصري وبين أن يقال أدركته ببصري كما لا فرق بين أن يقال أدركته بأذني وسمعته بأذني وثانيهما أن أهل اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية وذلك يدل على أن العرب يستعملوا إدراك البصر بمعنى الرؤية
следующие страницы →