← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

يقول القائل لمن أعطى الناس أو مدحهم أو أكرمهم أو ولاهم نسيتني فلم تفعل ما فعلت بفلان ولا يكون غافلاً بل يكون ذاكراً له لكن تركه على عمد لأنه لا يستحق ذلك ويقال لمن عاقب غيره فجعله في السجن ونحوه نسيت فلانا وهو يخطر بقلبه ويشعر به لكنه لا يذكره بخير كما يذكره غيره فإن النسيان ضد الذكر كما قال تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف ٢٤] ويقال إذا نسي ذكره أتذكر كذا أم نسيته والذكر المطلوب من الغير لا يراد به مطلق الذكر بل يراد به تذكره بخير ثناءً عليه وإما إحسانا إليه وقد يراد بلفظ الذكر الذكر بالشر والذم كقوله تعالى وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) [الأنبياء ٣٦] أي يذكر آلهتكم بالذم والعيب وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الذي يستحقه وهو الذكر بالمدح والثناء هُمْ كَافِرُونَ

стр. 4762

وهذا يعرف بما يقرن باللفظ فإذا ذكر من يبغض الشخص ويعاديه وقيل هو يذكره علم أنه يذكره بالشر وإذا ذكر من يحبه ويواليه وقيل إنه يذكره علم أنه يذكره بالخير وقد علم أن الرسول ﷺ يبغض آلهتهم قلما قالوا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء ٣٦] عرف أن المراد ذكرها بالشر ولما ذمهم على أنهم كافرون بذكر الرحمن علم أن المراد ما يستحقه من الذكر كما قال وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر ٤٥] وقال وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) [الإسراء ٤٦] والذين نسوا الله قد كان يخطر بقلوبهم ويشعرون به ويدعونه عند الضرورة وإذا سئلوا من خلقهم قالوا الله لكنهم لم يذكروه الذكر الذي يستحقه فلم يذكروا كتابه المنزل وأمره ونهيه وخبره كما قال تعالى في الآية الأخرى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) [طه ١٢٤-١٢٦] فالآيات كما أتته ولم يذكرها بل أعرض عنها وإن كان شاعراً بها فكان الجزاء من جنس العمل لا يذكر بما

стр. 4763

يذكر به المؤمنون من الجزاء بالحسنى بل ينسى فلا يذكر هذا الذكر وإن كان معلوماً لله لا يجوز أن يكون مجهولاً له وهو كما قال قتادة نُسوا من الخير لم ينسوا من الشر ومما يبين هذا قوله ﷺ في الحديث الصحيح من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهذا الذكر هو جزاء ذكره وهو عالم به سواء ذكره أو لم يذكره ومن لم يذكر الله بل أعرض عن ذكره فإن الله

стр. 4764

تعالى يعرض عن ذكره بالخير وهذا نسيان له من الخير فتبين أن لفظ النسيان المضاف إلى الله لا يدل على عدم العلم ألبتة وهذا كلفظ الرؤية والسمع فإن السمع متعلق بالأقوال والقول خبر وطلب والمطلوب من سمع الخبر صدقه ومن سمع الطلب إيجابة الطالب فلهذا يعبر بالسمع عن التصديق والإجابة كقول المصلي سمع الله لمن حمده أي أجاب دعاه ولو أريد السمع المجرد أو السمع مع نقص المسموع فهو يسمع لمن حمده ولمن لم يحمده كما قال تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران ١٨١] وقال تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) [طه ٤٦] وقال الملك للنبي ﷺ إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك

стр. 4765

وقد قال الخليل إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) [إبراهيم ٣٩] فهذا كقوله سمع الله لمن حمد أي أجاب دعاه فإنه يجيب الداعي كما قال تعالى وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) [سبأ ٥٠] وقال النبي ﷺ إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً وقال تعالى في ذم قوم

стр. 4766

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة ٤٢] وقال سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [المائدة ٤١] أي مطيعين لهم يستجيبون لهم كما قال تعالى وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة ٤٧] أي مطيعون لهم ويقال فلان ما سمع كلام فلان إذا كان لا يصدقه فيما يخبر به ولا يطيعه فيما يأمر ويشير وهو يسمع كلام فلان إذا كان يصدقه ويقبل منه ما يشير به وكذلك الرؤية فالنظر يراد به نظر المحبة أو الرحمة والعطف ومنه قوله تعالى وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران ٧٧] إذ كان المحبوب والمرحوم ينظر إليه والبغيض يعرض عنه وفي الصحيحين عن النبي ﷺ ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان

стр. 4767

وملك كذاب وعائل مستكبر وقد قال الله تعالى للمنافقين وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة ١٠٥] وقال تعالى ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) [يونس ١٤] وهو يعم عمل الخير والشر وكل موضع من هذه المواضع فمع اللفظ ما يدل على المراد به ولا يستوي هذا وهذا وكذلك لفظ النسيان وغيره والنسيان المناقض للعلم قد أخبر في غير موضع بما يوجب تنزيهه عنه مثل قوله وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) [مريم ٦٤] وفي قوله تعالى فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) [طه ٥٢] بل في نفس الصورة التي قال فيها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) [طه ١٢٦] قال تعالى لَا يَضِلُّ رَبِّي

стр. 4768

وَلَا يَنْسَى (٥٢) [طه ٥٢] فإنه أخبر أنه يوم القيامة يحاسب العباد بأعمالهم ويثيبهم بها على وجه التفصيل وهو قد أحصاها وهم نسوها قال تعالى يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) [المجادلة ٦] وهو مع ذلك قد أمر الملائكة بكتب أعمالهم وهو الذي أنطق الأعضاء وجعلها تخبر بما كان فمن جعل الأعضاء عالمة شاهدة بما مضى كيف لا يكون هو عالم بما مضى شاهد به وهو لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء

стр. 4769

فصل قال الرازي الفصل الثالث في الطريق الذي يعرف به كون الآية محكمة أو متشابهة اعلم أن هذا موضع عظيم وذلك لأن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات الموافقة لمذهب خصمه متشابهة فالمعتزلة تقول إن قول الله تعالى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف ٢٩] محكمة وقوله تعالى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان ٣٠] متشابهة والسني يقلب القضية في هذا الباب والأمثلة كثيرة فلابد هاهنا من قانون أصلي يرجع إليه في هذا الباب

стр. 4770

فنقول إذا كان لفظ الآية والخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل وإلا لخرج الكلام عن أن يكون مفيداً وخرج القرآن عن أن يكون حجة ثم ذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيًّا أو عقليّا وأما القسم الأول فنقول هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما لإبقاء الآخر بأولى من العكس اللهم إلا أن يقال أحد الدليلين قاطع والآخر ظاهر فالقاطع راجح على الظاهر أو يقال كل واحد منهما وإن كان ظاهراً إلا أن أحدهما أقوى إلا أنا نقول أما الأول فباطل لأن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية لأنها

стр. 4771

موقوفة على نقل اللغات ونقل وجوه النحو والتصريف وعلى عدم الاشتراك والمجاز والتخصيص والإضمار وعلى عدم المعارض العقلي والنقلي وكل واحدة من هذه المقدمات مظنونة والموقوف على المظنون أولى أن يكون ظنيّا فثبت أن شيئاً م الدلائل اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيًُّا وأما الآخر وهو أن يقال أحد الدليلين الظاهرين أقوى من الآخر إلا أنه على هذا التقدير يصير ترك أحد الظاهرين لتقرير الظاهر الآخر مقدمة ظنية والظنون لا يجوز التعويل عليها في المسائل العقلية القطعية فثبت بما ذكرنا أن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح لا يجوز إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره

стр. 4772

محال ممتنع فإذا حصل هذا المعنى فعند ذلك يجب على المكلف أن يقطع بأن مراد الله تعالى من هذا اللفظ ليس ما أشعر به ظاهره ثم عند هذا المقام من جوز التأويل عدل إليه ومن لم يجوزه فوّض علمه إلى الله تعالى وبالله التوفيق وقال في تفسيره في تتمة هذا الفصل فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وبترجيح تأويل على تأويل وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلالة اللفظية وأنها ظنية كما بينا لاسيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في

стр. 4773

غاية الضعف ومثل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال قال فلهذا التحقيق المتين ذهبنا إلى أن بعد إقامة الدلائل العقلية على أن حمل اللفظ على ظاهره محال ولا يجوز الخوض في تعيين التأويل فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب فيقال في هذا الفصل من التناقض والفساد والإلحاد ما الله تعالى أعلم به ولكن ننبه على بعضه فإن ما ذكره في هذا الفصل هو عمدة لأهل الإلحاد وذلك بوجوه الأول أن ما ذكره من أن كل أهل مذهب يجعلون

стр. 4774

ما وافق قولهم محكماً وما وافق قول خصمهم متشابهاً إنما هو لاعتقادهم أن الدليل العقلي يدل على قولهم دون قول خصمهم لا لاعتقادهم أن في نفس الآيات ما يبين الاشتباه عما احتجوا به دون ما احتج به منازعوهم فإن الاشتباه العارض حاصل من الجميع إذ قد اشتبهت هذه الآيات على قوم وهذه على قوم وأما الاشتباه العام اللازم الذي يرجع إلى دلالة اللفظ فهذا يشترك الناس في العلم به لا يكون هذا متشابهاً عند طائفة محكماً عند طائفة وبالعكس وإذا كانت كل طائفة تجعل قولها محكماً لأنه هو الموافق للدليل العقلي عندهم فهذا هو القول الذي فرّق به بين المحكم والمتشابه لأن كل طائفة تدعي أن العقل معها ويكون الذي أنكره هو الذي قرره

стр. 4775

يبين ذلك الوجه الثاني وهو أن يقال معلوم أن كل طائفة من الطوائف المنازعين في مسائل الأصول مثل الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية والمتفلسفة وغيرهم تدعي كل طائفة أن العقل يدل على صحة قولها وأن ذلك أدلة قطعية

стр. 4776

وهذا موجود في كتبهم وكلامهم ويعرفه من له أدنى معرفة في هذا الشأن وإذا كان كذلك فما ذكره من الفرقان لا يزيل ما ذكره من النزاع بل ما ذكره من المقرر بما أنكره من أن كل طائفة تجعل المحكم ما وافقها والمتشابه ما وافق خصمها وقد رأينا الكتب المصنفة في ذلك ففي كتب القدرية النافية من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة دعوى أن الأدلة العقلية توجب أن العبد هو المحدث لفعله وقد يدعون على ذلك العلم الضروري كما ادعاه أبو الحسين ثم إثبات الصانع عندهم مبني على هذا فإنه به يعلم افتقار الفعل إلى الفاعل ومن لم يعلم هذا لم يعلم افتقار الفعل إلى الفاعل وكذلك ما يثبتونه من التعديل والتجوير وهو مبني عندهم على ما يقولون إنه معلوم بالاضطرار من مسائل التحسين والتقبيح فما وافق هذا عندهم فهو محكم وما خالفه فهو متشابه

стр. 4777

والقدرية المجبرة أتباع الجهم بن صفوان يقولون بل المعلوم بصريح العقل أن الله خلق كل شيء وأنه لا يجوز أن يكون غير الله محدثاً لشيء وأن الحسن والقبح إنما يعقل في حق من ينتفع بشيء ويتضرر بشيء والرب تعالى منزه عن ذلك فيجوز عليه فعل كل شيء وهذا عندهم هو الأصل المعلوم بصريح العقل وما وافقه محكم وما خالفه متشابه والرازي يعتمد في تفسيره على هذا في الجواب عما يحتج به المنازعون من الآيات الكثيرة التي يحتج بها القاضي عبد الجبار وغيره فيجيب بمسألة الداعي والعلم وهو أن الله

стр. 4778

خلق داعي العبد فيكون خالقاً لفعله وأنه يعلم ما سيكون فيمتنع خلاف المعلوم وعلى هذا تبطل حجة المعتزلة لأن عندهم يمتنع التكليف بالممتنع وما هو من فعل الغير وحقيقة الأمر أن هذا الجواب جدلي التزامي ليس بجواب علمي فإن عامة أهل السنة يقرون بهذا وهو أن الله خالق أفعال العباد ويقولون مع هذا إن الله يخلق بحكمة ولسبب وأنه منزه عن أن يعاقب أحداً بلا ذنب وغير ذلك من الظلم ويقولون إن الأفعال مشتملة على صفات كانت لأجلها حسنة وسيئة كما هو مبسوط في موضعه والمقصود هنا أن ما ذكره من القانون يدعيه كل طائفة فهو حجة لما أنكره عليهم لا رافع لما أنكره الوجه الثالث قوله إذا كان لفظ الآية أو الخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل

стр. 4779

وإلا لخرج الكلام عن أن يكون مفيداً ولخرج القرآن عن أن يكون حجة فيقال له إن هذا اللازم هو لازم لك بل هو حقيقة قولك فإن الحجة عندك إنما هو الدليل العقلي والقرآن إنْ وافقه فالاعتماد عليه لا على القرآن وإن خالفه أخذت به لا بالقرآن والقرآن لا يستفاد به ما دل عليه ولا يحتج به بل إما أن يعرض عنه فلا ينظر بحال وإما أن يجتهد في رفع دلالته بالاحتمالات لا في تقرير دلالته فالقرآن على قولك ليس بحجة ولا يفيد في هذا الباب وإنما يحتج به عندك في المسائل الظنية الفروعية وتلك يجوز فيها العدول عن ظاهر إلى ظاهر أرجح منه بالإجماع وأنت قد قررت هنا أنه لا يجوز العدول عن ظاهر مرجوح إلى ما هو أرجح منه فلم يبق عندك في هذا للقرآن في هذا الباب

стр. 4780

حرمة أصلا ولا فيه فائدة ولا هو حجة فبطل احتجاجك الوجه الرابع أنك قد صرحت في كتابك في نهاية العقول وغيره أن الاستدلال بالقرآن والأدلة السمعية في مسائل الأصول لا يجوز بحال لأن الاحتجاج بها موقوف على نفي المعارض العقلي وهذا النفي لا يمكن العلم به فلا يعلم شرط الاستدلال بها فكل ظاهر يحتج به يقال فيه هذا المعنى غير معلوم لتوقفه على انتفاء المعارض العقلي الوجه الخامس أنك قد صرحت هنا وفي غير هذا الموضع أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يفيد العلم وحينئذ فالظاهر سواء عارضه دليل عقلي أو لم يعارضه لا يحصل به علم عندك وإذا أقر الظاهر فإنما يفيد عندك الظن والظن لا يجوز الاحتجاج به في الأصول فكل آية دلت على مسألة أصولية لا يجوز الاحتجاج بها عندك بل يجب أن يكون من المتشابه وعلى هذا فليس القرآن في هذا الباب منقسماً عندك إلى محكم ومتشابه ومع هذا

стр. 4781

فإنه مناقض لما تقرره فهو مخالف لصريح القرآن والسنة والإجماع وهو باطل عقلاً وشرعاً الوجه السادس أنك قد قدمت أن المحكم نوعان نص وظاهر وأن النص ما يكون موضوعاً لمعنى لا يحتمل غيره وهنا قد جعلت الألفاظ ليس فيها شيء من ذلك بل ما من لفظ إلا ويحتمل معنى آخر وأن نفي المعنى الآخر لا يكون إلا ظنا فغايتها أن تكون ظاهرة فإن قلت النص ما ظن أنه لا يحتمل إلا معنى والظاهر ما يحتمل معنيين وظن رجحان أحدهما فيقال لك وهذا كله لا يجوز عندك التمسك به في هذه المسائل فلا يكون محكماً بل متشابهاً وهذا مناقض بقولك ولإجماع الأمة الوجه السابع أن الله أخبر أن من الكتاب آيات محكمات هن الأصل الذي يُبْنَى عليه ويستدل به ويتبع والمتشابه يرد إليه وعلى هذا علماء المسلمين يقولون المحكم هو الأصل والمتشابه يرد إليه وأنت جعلت الأصل هو

стр. 4782

ما زعمته من العقل وجعلت القرآن كله محكمه ومتشابهه يرد إليه فما خالفه كان متشابهاً فلم يبق في القرآن محكم يرد إليه المتشابه ولا هو أم الكتاب وأصله الوجه الثامن أنه على قولك لا سبيل لأحد إلى أن يعرف شيئا من القرآن محكما فإن ذلك يمكن إذا علم انتفاء المعارض العقلي وهذا النفي غير معلوم فلا يجزم بأن شيئاً منه محكم فإن قلت أنا أقول إن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح لا يجوز إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره محال ممتنع قيل وأنت تقول إن حمله على ظاهره لا يجب إلا إذا قام الدليل العقلي على أن ظاهره حق وما لم يعضده دليل عقلي لم يجزم بثبوته كما لا يجزم بنفيه إلا إذا نفاه الدليل العقلي فالمعتمد عندك في الجزم بالنفي والإثبات على الدليل العقلي والقرآن عديم التأثير لا يجزم بنفي ما نفاه ولا بإثبات ما أثبته وهذه حال من لا يؤمن بالله وبكتابه وحال من لا يؤمن بما أنزل

стр. 4783

الله تعالى من الكتاب ولا بما أرسل من الرسل الوجه التاسع قولك إنه لا يترك الدليل السمعي لدليل أرجح منه لأن الترجيح لا يكون إلا ظنا والظن لا يجوز التعويل عليه في المسائل العقلية القطعية فيقال لك فرق بين رجحان الاعتقاد واعتقاد الرجحان فأنت قد ذكرت هذا الفرق كما ذكره أبو الحسين البصري وغيره واعتقاد الرجحان قد يكون علماً فإذا اعتقد أن هذا الظاهر أرجح من هذا الظاهر فهذا يكون معلوماً مستيقناً وكذلك يجب العمل بهذا الراجح ويكن العامل عاملاً بعلم لا بظن وحينئذ فإذا تعارض ظاهران وقد علم رجحان أحدهما جزمنا بأن إرادة الله لذلك الشيء أرجح وكان هذا الجزم علماً فلمَ لا يجوز ذلك وإن لم يجزم بوجود المراد وهذا الجزم ينتفع به نفعاً عظيماً

стр. 4784

الوجه العاشر هب أنا لا نجزم بشيء بل نرجح إرادة أحدهما على الآخر فإذا قلنا إرادة هذا أرجح وغلب على الظن أن هذا هو المراد كما في كثير من الآيات والأحاديث التي تنازع الناس في تفسيرها فغلب على الظن رجحان أحد الأقوال فِلمَ لا يجوز هذا وما المانع منه وليس هذا تعويلا على الظن في مسألة عقلية قطعية بل في مسألة سمعية غير قطعية فإن التقدير أن هذا لم يخالف دليلاً قطعيا بل العقل يجوز إرادة هذا وإرادة هذا والسمع قد رجّح أحدهما ترجيحا ظنيا فِلمَ لا يجوز مثل هذا الترجيح وهذا هو الظاهر الذي هو أحد مسمى المحكم عندك الوجه الحادي عشر أن من الناس من يقول مسائل الأصول لا يجوز التمسك فيها إلا بأدلة يقينية لا ظنية هذا على وجهين فإن كان مما أمرنا فيها باليقين كاليقين بالوحدانية والإيمان بالرسول والإيمان باليوم الآخر مما أمرنا فيه باليقين لم يمكن إثباتها إلا بأدلة يقينية وأما ما لا يجب علينا فيه

стр. 4785

اليقين كتفاصيل الثواب والعقاب ومعاني بعض الأسماء والصفات فهذه إذا لم يكن فيها دليل قطعي يدل على أحد الطرفين كان القول مما يترجح من الأدلة أن هذا هو الظاهر الراجح قولاً عدلاً مستقيماً بل كان خيراً من الجهل المحض وأيضا فمن الناس من لا يقدر على العلم في جميع ما يتنازع فيه الناس وفي دقيق المسائل فإذا تكلم بحسب طاقته واجتهاده فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها الوجه الثاني عشر أنه إذا لم يجز القول بالظن الراجح فالقول بالجهل والكذب والقول الباطل أولى أنه لا يجوز فإن هذا لا يجوز بالإجماع وما يذكرونه مما يسمونه أدلة عقلية على نفي ما دل عليه القرآن والسنة من الصفات إنما هي أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق لا علماً ولا ظنًّا بل جهلاً مركباً كما بينا هذا في غير موضع كما وصف الله تعالى حال الكفار بقوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) [النور ٣٩] الوجه الثالث عشر قوله إذا كان لفظ الآية والخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل ولا يكون لفظيًّا فيقال هذا قرع وقوع هذا فِلمَ قلت إن الأخبار يعارضها

стр. 4786

دليل عقلي قطعي وقد بسطنا هذا في مواضع وبينا أن هذا غير واقع بل لابد أن يبين الله مراده حتى يحصل بكلامه الهدى والبيان وتقوم به الحجة فما كان ظاهراً غير مراد بينه بآية أخرى كما في الخاص والعام فأما أن يكون دالاً على غير الحق وهو لم يبين الحق الذي أراده فهذا غير واقع بل غير الله إذا تكلم بكلام ولم يبين مراده بكلامه كان معيباً مذموماً فرب العالمين أولى بتنزيهه عن كل عيب وذم وعن أن يتكلم بكلام ولم يبين به مراده بل يظهر منه غير ما أراده والذي أراده لا يدل عليه ألبتة كما يزعمه هؤلاء المعطلة الملحدون الوجه الرابع عشر قوله ليس ترك ظاهر أحدهما لإبقاء الآخر بأولى من العكس فيقال له أحدهما مفسر للآخر مبين للمراد به ليس معارضاً له إلا عند من لا يفهم كقوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ

стр. 4787

تُقَاتِهِ [آل عمران ١٠٢] وقوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن ١٦] فإن قوله مَا اسْتَطَعْتُمْ مفسر لقوله حَقَّ تُقَاتِهِ ورافع لظن من يظن أن الله أمر الناس بحق تقاته الذي لا يستطيعونه وهذا هو الذي أراده من قال من المتقدمين أن هذه ناسخة لتلك أرادوا أنها ناسخة للظن الفاسد من معناها ولم يريدوا أن الله أمر الناس بما لا يستطيعونه من تقواه ثم نسخ ذلك ولكن رقع ما يظن أن الآية دالة عليه يسمونه نسخاً فإنه من إلقاء الشيطان وقد قال تعالى فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) [الحج ٥٢] ولكن من الناس من لم يعرف مرادهم بلفظ النسخ وعادتهم واصطلاحهم فيه فيظن أنهم أرادوا به معناه الخاص فيكون قد أمروا بما لا يستطيعه العباد وهذا لم يقع في الشريعة قط ولا عرف أن السلف رحمهم الله تعالى فهموا هذا من الآية وهكذا إذا كانت إحدى الآيتين دلت على المعنى دلالة راجحة فإنها تقضي على

стр. 4788

الدلالة المرجوحة وتفسرها الوجه الخامس عشر قوله إن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية قد أبطلناه عي مواضع ونحن ننبه هنا على بطلانه فنقول هذا القول من أعظم السفسطة وهو من أعظم أنواع السفسطة التي في الوجود ولهذا لم يعرف هذا القول عن طائفة معروفة من طوائف بني آدم لا المسلمين ولا غيرهم لظهور فساده فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق وأن بني آدم يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضاً ويفهم بعضهم مراد بعض علماً ضروريًّا أعظم من علمهم بالعلوم النظرية والنطق للإنسان أظهر صفات الإنسان التي تميز بينه وبين البهائم ولظهور ذلك قوله تعالى فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) [الذاريات ٢٣] ولهذا يقول من يقول في الإنسان إنه الحيوان الناطق ثم البهائم يفهم بعضها

стр. 4789

مراد بعض بأصوات تصوتها وقد تسمى منطقاً لها كما قال سليمان ﵇ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل ١٦] وقد ذكر قول النملة أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) [النمل ١٨] فالنملة قالت للنمل قولاً يتضمن أمراً وتحذيراً وسليمان ﵇ فهم ما قالته فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) [النمل ١٩] وهو أيضاً خاطب الهدهد وخاطبه بما حكاه الله حيث قال الهدهد له أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) [النمل ٢٢-٢٨] بل هو ينطق الجماد بأصوات يفهمها من يفهمها من الآدميين كما قال تعالى عن داود ﵇ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ ١٠] وقال تعالى إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) [ص ١٨]

стр. 4790

والحصى قد سبح في كف النبي ﷺ وقال ابن مسعود كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل وكان

стр. 4791

أبو الدرداء وسلمان الفارسي يسمعان تسبيح القدر وقال

стр. 4792

النبي ﷺ إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن وهذا باب واسع فهو سبحانه لعموم هدايته هدى مخلوقاته وجعل بعضها يفهم عن بعض مراده بما ألهمه الله من نطق أو غيره وهذا لبسطه موضع آخر ولكن المقصود هنا أن دلالة الأدلة القطعية القولية على مراد المتكلم ومعرفة المستمع بمراده وفهمه لكلامه هو ما يعرفه جميع بني آدم علماً ضروريًّا قبل علمهم بالأدلة العقلية المجردة فالطفل إذا صار فيه تمييز

стр. 4793

علم مراد أبيه وأمه بما يخاطبانه به وفهمه لمراد الأم أسبق إليه من العلم بالأدلة العقلية النظرية فإن هذا مما يعلم به مراد المتكلم اضطرارا ولا يتوقف قهم الصغير لكلام مربيه أبيه وأمه وغيرهما لا على نقل اللغة والنحو والتصريف ولا على نفي المجاز والإضمار والتخصيص والاشتراك والنقل والمعارض العقلي والسمعي بل يعلم مرادهم بكلامهم اضطراراً لا يشك فيه ثم سائر بني آدم يخاطب بعضهم بعضاً ويفهم مرادهم من غير احتياج إلى شيء من تلك المقدمات ويكتبون الكتب إلى الغائب الذي لا يراهم ولا يرى حركاتهم فيعلمون مراد الكاتب اضطراراً في أكثر ما يكتبه وإن كان بعض ذلك قد يظن أو لا يفهم لكن الأغلب أنهم يعلمون مراده اضطراراً وهذا موجود

стр. 4794

في مكاتبة العامة والخاصة ومن يخاطبهم فإذا كان الخط الدال على اللفظ يعلم به المراد اضطراراً في أكثر ما يكتب فاللفظ الذي هو أقرب إلى المعنى المراد أولى أن يعلم به المراد اضطرارا ثم إذا كان هذا البيان والدلالة موجوداً في كلام العامة الذين لا يعدون من أهل العلم فأهل العلم أولى بأن يبينوا مرادهم وأن يفهم مرادهم من خطابهم وإذا كان هذا في العلماء الذين ليسوا بأنبياء فالأنبياء أولى إذا كلموا الخلق وخاطبوهم أن يبينوا مرادهم وبأن يفهم الناس ما بينوه بكلامهم ثم رب العالمين أولى أن يكون كلامه أحسن الكلام وأتمه بياناً وقد قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم ٤] فهو إنما أرسل الرسل بلسان قومهم الذين خاطبوهم أولا ليبن الرسول ما أراده وما أوحاه الله إليه من الرسالة فكيف يجوز أن يقال إنهم لم يبينوا المراد وأن أقوالهم لم تدل على مرادهم فلم يبينوا ما أوحي إليهم بياناً قاطعاً لأنهم بينوه بلفظهم وهذا يقول إن شيئا من الأدلة

стр. 4795

اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيًّا مع أن هذا القول كما تقدم لا يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم لا من المسلمين ولا من غيرهم ولا عن عالم معروف إذ كان هذا القول في غاية السفسطة وجحد الحقائق وإنما الذي يقوله بعض الناس هو القدح في بعض الأدلة اللفظية والسمعية كما قد يقدحون في بعض ... الأدلة العقلية أما القدح في الجنس فهذا لا يعرف في جنس المتكلمين عن طائفة من الآدميين ولكن هذا الرجل كثير السفسطة والتشكيك فهو من أعظم المتكلمين سفسطة وتشكيكاً وهذا من جملة سفسطته لا يعرف من جنس المتكلمين من هو أعظم تقريراً للشكوك والشبهات الباطلة وأضعف جواباً عنها منه وتقريره لما يقدح في جنس الأدلة القولية النطقية الدالة على مراد المتكلم هو من هذا الباب بل هذه الأدلة الدالة

стр. 4796

على مراد المتكلم هي أبين وأظهر عند جميع بني آدم من جنس الأدلة العقلية المجردة ولهذا تجد كل أمة يرجعون إلى قول قائل مقبول القول عندهم هم أقل اختلافا في معرفة مراده من الذين يرجعون إلى مجرد الأدلة العقلية المجردة ولهذا كان غير أهل الكتاب من أصناف المشركين من فلاسفة الهند واليونان والعرب وغيرهم أعظم اختلافا فيما يدعونه من الأدلة العقلية من اختلاف أهل الكتاب في مراد الأنبياء ثم أهل الحديث والسنة الذين يرجعون إلى حديث الرسول ﷺ مع رجوعهم إلى القرآن أقل اختلافا من غير أهل العلم بذلك ومن يرد أخباراً صحيحة لزعمه أنها أخبار آحاد لا تفيد العلم أو يقبل أخباراً ضعيفة أو موضوعة يظنها صحيحة فهؤلاء أكثر اختلافا من أهل المعرفة بالحديث لأنهم إذا كانوا أعرف بالحديث فالحديث يدلهم على مراد الرسول فيكون الاختلاف بينهم أقل من أولئك وأمة محمد وإن

стр. 4797

كانوا قد اختلفوا في أشياء فهذا من لوازم النشأة الإنسانية فالشهوات والشبهات لازمة للنوع الإنساني كما قال تعالى وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) [الأحزاب ٧٢] لم يخلص أحد من البشر عن ذلك لكن من كان أفضل وأكمل كانت معرفته بالحق أكمل وعمله به أكمل وأمة محمد أكمل في معرفته والعمل به فهم أفضل الأمم ثم أهل السنة وأهل المعرفة بحديث رسول الله ﷺ وبمعانيه والمتبعون لذلك هم أكمل علماً وعملاً من غيرهم فهم أعلم الناس يقيناً ومعرفة لاتباعهم الرسول ومعرفتهم بكلامه وعلمهم بذلك ونطقهم به بخلاف ما زعمه هؤلاء من أن الأدلة النطقية لا يمكن أن يقطع فيها بمراد المتكلم وأيضا فقد علم أن الرسول ﷺ أعلم الناس بالحق وأنصح الخلق للخلق وأكمل الناس بياناً وعبادة ودلالة على الحق وإذا اجتمع العلم والقدرة والإرادة وجب وجود المطلوب فكيف يكون أعظم الناس معرفة وبياناً ودلالة لم يعرف مراده مع أن

стр. 4798

الناس قد عرفوا مراد جميع من تكلم في العلوم وقطعوا بمرادهم في أكثر ما قالوه والمظنون والمشكوك فيه قليل مغمور بالنسبة إلى المعلوم المقطوع به فالفقهاء يعرفون مراد أئمتهم المصنفين للكتب وكذلك النحاة والأطباء وكذلك المصنفون في علوم الحديث والتفسير وغير ذلك فإذا كان هؤلاء قد بينوا مرادهم مع أن البيان غير واجب عليهم فكيف لا يبين الرسول ﷺ مراده مع أن الله تعالى قد أوجب عليه البلاغ المبين وقد بسط الكلام على فساد هذا الأصل الذي هو من أعظم السفسطة عقلاً ومن أعظم الإلحاد في كلام الله تعالى شرعاً وصاحبه جحد نعمة الله في تعليمه البيان والقرآن وقال تعالى الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) [الرحمن ١-٤] في

стр. 4799

ما زعمه من أن بيان الإنسان وكلامه ونطقه لا يعلم به مراده والقرآن الذي علمه الله تعالى لعباده وتكلم به لا يُعلم به مراده وهذا جحد لنعمة القرآن والبيان وقد تقدم ما ذكرناه من الآيات على أن القرآن لا يجوز أن يشتمل على ما لا يعلم منه المراد وأن الله تعالى سماه بياناً وهدى ونورا وأمر بتدبره والتفكر فيه وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه بينه وعرف بمعناه وإذا كان هذا يدل على فساد قول من يقول إن بعضه لا يعلم منه المراد فمن قال إن شيئا من الدلائل السمعية لا يعلم بها المراد ولا يحتج بها في المسائل العلمية هو أولى بالفساد من قول أولئك من وجوه كثيرة وقد ذم الله تعالى في غير موضع من لم يفهم كلامه وجعلهم من الكفار والمنافقين كقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ

стр. 4800

عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) [محمد ١٦] وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام ٢٥] وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) [يونس ٤٢] وما ذكره الرازي من أنه موقوف على عشر مقدمات ظنية والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنيًّا وهو نقل اللغة والنحو والتصريف وعلى عدم المجاز والنقل والاشتراك والإضمار والتخصيص وعدم المعارض العقلي والسمعي دعوى باطلة من وجوه أحدها أن العلم بمراد المتكلم من عادته وحاله وداعيته وقصده أمر معلوم عنده بالاضطرار كما قصده بالأفعال الاختيارية مثل أكله وشربه ولباسه وركوبه وغير ذلك من أفعاله فكما أنه إذا أكل وشرب وإن كان الأكل والشرب يحصل باختياره فإنه يعلم أنه أكل وشرب ليشبع وأنه يشبع بالأكل والشرب وإن كان قد يقع أحيانا خلاف ذلك وكذلك يعلم دلالة أصواته الدالة بالطبع وإن كانت باختياره وبغير اختياره مثل النفخ والنحنحة والعطاس
следующие страницы →