Полный текст (4 879 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
على مراد المتكلم هي أبين وأظهر عند جميع بني آدم من جنس الأدلة العقلية المجردة ولهذا تجد كل أمة يرجعون إلى قول قائل مقبول القول عندهم هم أقل اختلافا في معرفة مراده من الذين يرجعون إلى مجرد الأدلة العقلية المجردة ولهذا كان غير أهل الكتاب من أصناف المشركين من فلاسفة الهند واليونان والعرب وغيرهم أعظم اختلافا فيما يدعونه من الأدلة العقلية من اختلاف أهل الكتاب في مراد الأنبياء ثم أهل الحديث والسنة الذين يرجعون إلى حديث الرسول ﷺ مع رجوعهم إلى القرآن أقل اختلافا من غير أهل العلم بذلك ومن يرد أخباراً صحيحة لزعمه أنها أخبار آحاد لا تفيد العلم أو يقبل أخباراً ضعيفة أو موضوعة يظنها صحيحة فهؤلاء أكثر اختلافا من أهل المعرفة بالحديث لأنهم إذا كانوا أعرف بالحديث فالحديث يدلهم على مراد الرسول فيكون الاختلاف بينهم أقل من أولئك وأمة محمد وإن
стр. 4797
كانوا قد اختلفوا في أشياء فهذا من لوازم النشأة الإنسانية فالشهوات والشبهات لازمة للنوع الإنساني كما قال تعالى وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) [الأحزاب ٧٢] لم يخلص أحد من البشر عن ذلك لكن من كان أفضل وأكمل كانت معرفته بالحق أكمل وعمله به أكمل وأمة محمد أكمل في معرفته والعمل به فهم أفضل الأمم ثم أهل السنة وأهل المعرفة بحديث رسول الله ﷺ وبمعانيه والمتبعون لذلك هم أكمل علماً وعملاً من غيرهم فهم أعلم الناس يقيناً ومعرفة لاتباعهم الرسول ومعرفتهم بكلامه وعلمهم بذلك ونطقهم به بخلاف ما زعمه هؤلاء من أن الأدلة النطقية لا يمكن أن يقطع فيها بمراد المتكلم وأيضا فقد علم أن الرسول ﷺ أعلم الناس بالحق وأنصح الخلق للخلق وأكمل الناس بياناً وعبادة ودلالة على الحق وإذا اجتمع العلم والقدرة والإرادة وجب وجود المطلوب فكيف يكون أعظم الناس معرفة وبياناً ودلالة لم يعرف مراده مع أن
стр. 4798
الناس قد عرفوا مراد جميع من تكلم في العلوم وقطعوا بمرادهم في أكثر ما قالوه والمظنون والمشكوك فيه قليل مغمور بالنسبة إلى المعلوم المقطوع به فالفقهاء يعرفون مراد أئمتهم المصنفين للكتب وكذلك النحاة والأطباء وكذلك المصنفون في علوم الحديث والتفسير وغير ذلك فإذا كان هؤلاء قد بينوا مرادهم مع أن البيان غير واجب عليهم فكيف لا يبين الرسول ﷺ مراده مع أن الله تعالى قد أوجب عليه البلاغ المبين وقد بسط الكلام على فساد هذا الأصل الذي هو من أعظم السفسطة عقلاً ومن أعظم الإلحاد في كلام الله تعالى شرعاً وصاحبه جحد نعمة الله في تعليمه البيان والقرآن وقال تعالى الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) [الرحمن ١-٤] في
стр. 4799
ما زعمه من أن بيان الإنسان وكلامه ونطقه لا يعلم به مراده والقرآن الذي علمه الله تعالى لعباده وتكلم به لا يُعلم به مراده وهذا جحد لنعمة القرآن والبيان وقد تقدم ما ذكرناه من الآيات على أن القرآن لا يجوز أن يشتمل على ما لا يعلم منه المراد وأن الله تعالى سماه بياناً وهدى ونورا وأمر بتدبره والتفكر فيه وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه بينه وعرف بمعناه وإذا كان هذا يدل على فساد قول من يقول إن بعضه لا يعلم منه المراد فمن قال إن شيئا من الدلائل السمعية لا يعلم بها المراد ولا يحتج بها في المسائل العلمية هو أولى بالفساد من قول أولئك من وجوه كثيرة وقد ذم الله تعالى في غير موضع من لم يفهم كلامه وجعلهم من الكفار والمنافقين كقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ
стр. 4800
عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) [محمد ١٦] وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام ٢٥] وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) [يونس ٤٢] وما ذكره الرازي من أنه موقوف على عشر مقدمات ظنية والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنيًّا وهو نقل اللغة والنحو والتصريف وعلى عدم المجاز والنقل والاشتراك والإضمار والتخصيص وعدم المعارض العقلي والسمعي دعوى باطلة من وجوه أحدها أن العلم بمراد المتكلم من عادته وحاله وداعيته وقصده أمر معلوم عنده بالاضطرار كما قصده بالأفعال الاختيارية مثل أكله وشربه ولباسه وركوبه وغير ذلك من أفعاله فكما أنه إذا أكل وشرب وإن كان الأكل والشرب يحصل باختياره فإنه يعلم أنه أكل وشرب ليشبع وأنه يشبع بالأكل والشرب وإن كان قد يقع أحيانا خلاف ذلك وكذلك يعلم دلالة أصواته الدالة بالطبع وإن كانت باختياره وبغير اختياره مثل النفخ والنحنحة والعطاس
стр. 4801
والقهقهة وغير ذلك فكيف بأحواله الدالة بقصده واختياره التي قد علم من حاله أنه يقصد به الإفهام والبيان فالعلم بمراده بهذه أظهر وأقوى وإذا جُوّز أن يكون أراد غير ما دل على إرادته فإن تلك الأفعال والأحوال قد يقصد بها غير ما يدل عليه في العادة فقد يبكي الرجل محالا حتى يظهر حزنه وهو كاذب كما جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً يبكون وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف ١٨] الوجه الثاني أن الناس مع الرسول ﷺ إما شاهد له قد سمع كلامه وإما غائب بلغه كلامه فالمشاهدون له قد بين لهم مراده مع القول بتعيين ما أراده فلما أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج بين لهم مسمى هذه الألفاظ ولم يحوجهم في ذلك إلى أن يعرفوا مسمى هذه الألفاظ من كلام غيره فلم يحتاجوا إلى نقل لغة غيره ولا نفي احتمالات ولا نفي معارض بل علموا مراده بهذه الألفاظ لما بينه لهم مع القول معرفة ضرورية ونقلوا ذلك إلى من بعدهم نقلا يفيد اليقين
стр. 4802
والعلم أعظم من اليقين والعلم بنفس ألفاظه فحصل العلم لمن شاهده ولمن غاب عنه أعظم من ألفاظه وقد يكون في الذين شاهدوه من لم يسمع كلامه لكنه علم مراده وما أمر به وما نهى عنه ولم يسمع نفس اللفظ إما لبعده وإما لغيبته وهو إنما يسأل عما أراده ليس له غرض في نفس اللفظ فعلم المراد بالاضطرار واللفظ لا يعرفه الوجه الثالث أن علم المخاطبين بالمعنى الذي أراده المتكلم أهم عندهم من العلم بلفظه ولهذا إنما يبحثون عن ذلك وهو الذي ينقلونه عنه ويبلغونه عنه فإن الله تعالى قد حكى عن الأمم المتقدمين من الأنبياء وأتباعهم وتكذيبهم أقوالاً كثيرة ولم ينقل لفظ أحد منهم وإنما نقل معنى كلامه باللغة العربية وبنظم القرآن المخالف لسائر نظم الكلام مع أن أولئك تكلموا بغير العربية وبغير نظم القرآن
стр. 4803
وهو الصادق فيما حكاه عنهم إذ كان المقصود هو معاني ألفاظهم لا نفس الألفاظ وكذلك الناس ينقلون مذاهب العلماء وأقوالهم بغير ألفاظهم وهم متفقون على هذا وحديث الرسول ﷺ إذا فهم معناه جازت روايته بالمعنى عند الجمهور ومن منعه فإنما منعه خوفاً من تقصير المبلغ في أداء المعنى الذي أراده وأما مع العلم بالمعنى فلا ريب فيه
стр. 4804
وقد اتفق المسلمون على أن القرآن والحديث يترجم بغير لفظ الرسول ﷺ وغير لغته لمن احتاج إلى ترجمته ممن لا يعرف بالعربية بل وللعربي الذي لا يعرف لغة الرسول ﷺ ويبين معانيه لمن يعرف لغته ولكن ليس هو من أهل العلم بخصائص كلامه كما قال ابن عباس ﵄ التفسير أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعرفه العلماء وتفسير لا يعلمه
стр. 4805
إلا الله تعالى فعامة الأمة يعلمون معاني القرآن الظاهرة المنقولة بالتواتر من غير حاجة إلى شيء من تلك المقدمات وهو يسألون عن معاني القرآن والحديث ليفهموها ويعرفوها وإن كانوا لا يحفظون لفظ الحديث ولكن قد عرفوا معناه فيفتون به ولهذا قال أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلينا من حفظه فاهتمامهم بفهم المعنى أعظم من اهتمامهم باللفظ وإذا كان كذلك كانت معرفته ونقله أبلغ من معرفة اللفظ وإذا كان لفظ
стр. 4806
القرآن وكثير من الحديث منقولاً بالتواتر فنقل المعنى أولى ولهذا الوجه والذي قبله إذا سمعت الأمة عوامها وخواصها قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران ٩٧] علموا أن المراد البيت الذي بمكة وأن الحج هو الأعمال المشروعة وأكثرهم لا يحفظ هذه الآية الوجه الرابع أن أهل العلم بالكتاب والحديث قد نفلوا لغة الرسول ﷺ التي خاطبنا بها ولم يحتج مع ذلك إلى نقل لغة أحد غير الرسول ﷺ ولهذا لا يحتاج علماء الدين إلى أهل اللغة في فهم القرآن والحديث إلا في مواضع يسيرة يحتاج بعضهم إليها كألفاظ غريب القرآن والحديث والفقه ومعانيها فلا يحتاجون في ذلك إلى نقل أهل اللغة وإن احتاج إلى ذلك بعضهم أو ذكر ذلك على سبيل الاستشهاد والاعتبار كما يقوى الدليل بالدليل فكل ما احتاج المسلمون إلى نقله من لغة القرآن فهم يتبعون عندهم نقلاً معلوماً مقطوعاً به إلا مواضع قليلة خفيت على بعضهم فصارت عنده
стр. 4807
مظنونة أو مجهولة الوجه الخامس أن قوله إنه موقوف على نفي المجاز والاشتراك والإضمار والتخصيص وقد يقول والنقل فيقال هذا تكثير للمقدمات من غير حاجة فهو كما لو قيل موقوف على نفي مجاز الزيادة والنقص والاستعارة فهذا تكثير بلا فائدة بل يكفي أن يقال على نفي احتمال آخر للفظ سواء احتمل ذلك بطريق المجاز أو الاشتراك أو الإضمار والتخصيص نوع من المجاز فإن اللفظ إما أن تكون دلالته على المعنيين سواء فهو المشترك وإما أن يكون هو بمجرده يدل على معنى وبالقرينة يدل على معنى آخر وهو المجاز وهذا على رأي من يقول إن في اللغة مجازاً وأما من نفى ذلك وقالا ما ثم إلا دلالة مطلقة أو مقيدة به فالمطلق مقيد بالإطلاق والمقيد مقيد بالقيد اللفظي كما يقول إن صيغة الأمر والنهي والعموم تدل عند تجردها على معنى الأمر والنهي والاستغراق ومع القرينة على التخصيص أو التهديد وبتجردها عن القرينة المخصصة إلى قرينة تبين المراد فإذا قيل اللفظ المجازي ما دل مع القرينة
стр. 4808
والحقيقة ما دل بمجرده قيل إن يُعن التجريد والإطلاق من كل وجه فما في ألفاظ الكلام ما هو كذلك بل كلها مقترنة بغيرها فإن الكلام إما جملة اسمية وإما جملة فعلية وكل منهما أقل ما يأتلف من لفظين مفردين وكل منهما مقترن بالآخر ليس واحد منهما مجرداً مطلقاً عن جميع القرائن وإن عنى بالتجريد والإطلاق أن يكون مجرداً عن بعض القرائن فهذا حق وجميع الكلام يدل مع قرينة على معنى ومع عدمها وقرينة أخرى على معنى آخر حتى لفظ الإنسان فإنه يقال إنسان العين والألفاظ التي هي صريحة في الأحكام مثل لفظ الطلاق والنكاح وغيرهما قد يقترن بها ألفاظ تزيل دلالتها باتفاق المسلمين كما إذا قيل أنت طالق من وثاق فهذا لا يقع به الطلاق بالاتفاق أو قال يا دنيا غري غيري قد طلقتك ثلاثاً أو قال ودي من ودك طالق فهذا لا تطلق به الزوجة باتفاق المسلمين والكلام على مسمى الحقيقة مبسوط في مواضع أخر
стр. 4809
والذي لابد منه أن اللفظ إذا ما دل على معنى دلالة فلابد أن ينفي احتماله لغير ذلك المعنى وإذا جاز أن يراد به ذلك المعنى الآخر النافي لهذا المعنى لم تكن دلالته قطعية لكن إذا علم المراد قطعاً علم دلالة الفظ عليه ثم ذلك المعنى الآخر إن لم يكن منافياً لهذا المعنى لم تضر دلالة اللفظ عليه إذ دل عليهما جميعاً وأما إن نافى هذه الدلالة كان ضدًّا للمعنى المراد ومعلوم أن العلم بثبوت أحد الضدين ينفي العلم بثبوت الآخر فنفس العلم بالمراد ينفي كل احتمال يناقض كل ذلك وهكذا الكلام في نفي المعارض العقلي والسمعي فإنه إذا علم المراد علم قطعاً أنه لا ينفيه دليل آخر لا سمعي ولا عقلي لأن ذلك نقيض له وإذا علم ثبوت الشيء علم انتفاء نقيضه قطعاً فحاصل كلامه ثلاث مقدمات أنه موقوف على ما يدل على المراد وعلى ما ينفي ضده ونقيضه فيقال الدال على المراد يستلزم الدلالة على ضده ونقيضه فلا يحتاج إلا إلى العلم بالمراد فقط والعلم بالمراد كثيراً ما يكون علماً اضطراريًّا كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة فإن الإنسان إذا سمع
стр. 4810
مخبرًا يخبر بأمر قد يحصل عنده ظن ثم يقوى بالخبر الآخر حتى يكون علمًا ضروريًّا وكذلك إذا سمع كلام المتكلم فقد يعلم مراده ابتداء وقد يظنه ثم يتكرر كلام المتكلم أو يتكرر سماعه له ولما يدل على مراده فيصير علمه بمراده ضروريّا وقد يكون العلم بالمراد استدلاليّا نظريّا وحينئذ فذلك يتوقف على مقدمة واحدة وقد يتوقف على مقدمتين وعلى أكثر أما دعوى المدعي أن كل استدلال بدليل لفظي على مراد المتكلم يتوقف على عشر مقدمات فهذا باطل قطعاً وأبطل منه أن كل مقدمة فهي ظنية بل عامة المقدمات التي يتوقف عليها فهم ومراد المتكلم وقد تكون قطعية في غالب الأمر لمن تدبر ذلك فإن قيل إذا كان المراد قد بينه المتكلم بغير ذلك اللفظ ونقل عنه متواتراً لم يكن مستفاداً من اللفظ بل يكون مستفاداً من ذلك النقل قيل لهم نقلوا المراد ونقلوا أنه هو المراد باللفظ وأن اللفظ دال عليه كما نقلوا وجوب الحج وأن وجوبه مراد بقوله
стр. 4811
تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران ٩٧] وأنه أريد بهذا اللفظ وجوب حج البيت الذي بمكة وكذلك قوله تعالى شَهْرُ رَمَضَانَ [البقرة ١٨٥] وقوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة ٤٣] ونحو ذلك فإذا سمع هذا اللفظ علم قطعاً أنه أريد به هذا المعنى كما علم أن هذا المعنى قصده الرسول ﷺ وأراده فكلاهما معلوم قطعاً فلو قال قائل أنا أوجب الحج وصيام شهر رمضان فإن ذلك منقول بالتواتر لكن أقول صيام رمضان المراد به موالاة ثلاثين رجلاً وحج البيت المراد به حج بيوت العلم والحكمة والمراد به صلاة الجمعة كان هذا معلوم الفساد بالاضطرار وأيضاً فإذا عُرّف ما أريد باللفظ ابتداء من لم يعرف معناه فيطلب معرفة معناه فيفسر له بالمعنى المعلوم المنقول عن الرسول ﷺ وإذا سمع اللفظ ذكره ما أمر الله تعالى به وما اخبر به فيذكر ما أوجب الله تعالى عليه وما أخبر الله تعالى به ليفعل هذا ويصدق هذا ونحن لا ننكر أن بعض الناس قد يتوقف فهمه لبعض الألفاظ على ما ذكره من المقدمات الظنية لكن المنكر دعواه العموم والغلبة فإن
стр. 4812
غالب آيات القرآن في حق غالب الناس لا يتوقف على عشر مقدمات ظنية كما ذكره بل هذا من أظهر البهتان وإن قدر إن بعض الآيات يتوقف على هذا في حق بعض الناس فذلك لقوة جهله وبعده عن معرفة الرسول وما جاء به كمن يكون حديث عهد بالإسلام أو قد نشأ ببادية بعيدة عن دار العلم والإيمان فإنه قد لا يعرف أن الله تعالى أوجب الحج والصيام بل ولا الصلاة ولا حرم الخمر فلا يجعل هذا حكماً في حق غالب المسلمين كذلك إذا قُدر أن بعض الناس لم يحصل له علم بمعنى بعض الآيات إلا لتوقف ذلك على أدلة ظنية في حقه لم يلزم أن لا يحصل العلم بها وبغالب القرآن لغيره وإن قُدر أنه لم يحصل لم يجز أن يقال إن العلم بالمراد غير ممكن كما قال هذا القائل إن شيئاً من الأدلة اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيّا فنفي إمكان القطع عن شيء من الألفاظ وهذا أشد فساداً من أن يقال إن شيئاً من الأدلة العقلية لا يمكن أن يكون قطعيّا لأن العلم بمراد المتكلم أظهر
стр. 4813
وأنشر وليس المراد بكون الدليل العقلي والسمعي قطعيّا إلا كونه يدل على مراد المتكلم ثم المتكلم إن كان ممن يعلم أن مراده حق وأنهم معصومون من الكذب عمداً وخطأً فيما يبلغونه ويخبرون به عن الله تعالى وهم قد أخبروا عن الله تعالى بهذا المعنى الذي أراده فحينئذ نقطع بأن هذا حق في نفس الأمر وأما إن لم يكن المتكلم كذلك بل يجوز عليه الخطأ فإنا نقطع بمراده لا لكونه صواباً وحقًّا وأيضاً فالأدلة السمعية تدل بطريقتين تارة تدل بمجرد الخبر فإن ما أخبر به الصادق المصدوق لا يكون إلا حقًّا وتارة يكون قد بين الأدلة العقلية التي تدل على ما أخبر به أو على إمكانه والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله تعالى الدالة عليه وعلى وحدانيته وعلى علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته والدالة على أمره ونهيه وإباحته ووعده ووعيده وكذلك ما يخلقه من
стр. 4814
الآيات العيانية فإنها تدل على نفسه وخلقه وقدرته ومشيئته وتدل أيضاً على أمره ونهيه وحبه وبغضه وسخطه ورضاه كما تدل عقوباته للمكذبين للأنبياء على أمره لهم بالإيمان بالأنبياء ومحبة ذلك وعلى نهيه عن تكذيبهم وبغضه لذلك فالآيات المخلوقة العيانية تدل على قدرته وعلى شرعه لهم وعلى خلقه وعلى أمره وكذلك الآيات المنزلة المسموعة القرآنية تدل على هذا وعلى هذا وقد دل بهذه الآيات القولية على الاستدلال بتلك الآيات العيانية العقلية فإنه يدل على الدلائل العقلية والسمعية كلاهما وإذا فهمما دل عليه من الدلائل العقلية وعرفت دلالتها على المطلوب بمجرد العقل وإن لم يخبر بها النص كان هذا دليلاً عقليًّا قطعيّا وكان مستفاداً من الأدلة السمعية واللفظية لكونها هي التي دلت عليه وأرشدت إليه ونبهت عليه وإذا كان هذا موجوداً مما يستفاد من كلام المخلوقين فما يستفاد من كلام الخالق أعظم وأعلى والله تعالى أعلم
стр. 4815
وقد تبين في غير موضع أن هؤلاء المتكلمين الجهمية والمتفلسفة الدهرية ليس معهم أدلة عقلية تعارض القرآن وتقوم مقام القرآن فما سلكوه في إثبات الصانع وصفاته طرق فاسدة لا تغني عن أدلة القرآن العقلية الدالة على ذلك فضلاً عن أن تعارضها وهذا أحد ما يبين به فساد ما يذكرونه من تقديم مثل هذه الأدلة على دلالة القرآن عقليها وخبريها ولا ريب أن طريقهم فيه من النفاق والإلحاد والجهل ما يطول وصفه ولذلك قال الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره علماء الكلام زنادقة وكان الذين يشيرون إليهم خيراً من هذا وأمثاله وكذلك قال الشافعي لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا
стр. 4816
الإشراك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام في الأحداث وقال حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة والشافعي أشار إلى كلام حفص الفرد وأمثاله وكان على طريقة ضرار بن عمرو وأحمد أشار إلى كلام هذا وأمثاله فإنه كان أفضل من ناظر وأبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وهو من أتباع
стр. 4817
حسين النجار وكلام أولئك خير من كلام هؤلاء الذين جمعوا إلى تعطيل أولئك إلحاد الفلاسفة مع أن أولئك لم يظهروا كل ما في قلوبهم للأئمة فالجهمية لم تكن تظهر لهم لا داخل العالم ولا خارجه وإنما أظهروا أنه في كل مكان فالأئمة استعظموا ما أظهروه فكيف ما أبطنوه والذي أبطنه أولئك هو خير من قول الملاحدة الذين جمعوا بين أقوال الجهمية والفلاسفة الدهرية وقد كان الثقة يحدث عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه لما رأى
стр. 4818
قوله إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين لعنه على ذلك وقال هذا تعطيل الإسلام وقد بسط هذا في مواضع والمقصود هنا أن يتبين أن دعواه أن كل دليل سمعي موقوف على مقدمات ظنية دعوى باطلة معلوم فسادها بالاضطرار ولو صح هذا لكان لا يجزم أحد بمراد أحد ولكان العلم بمراد كل متكلم لا يكون إلا ظنًّا وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار وإذا كان آحاد العامة قد بين مراده بكلامه حتى يقطع بمراده فالعلماء أولى بذلك وإذا كان العلماء المصنفون في العلوم يقطع بمرادهم في أكثر ما يقولونه كما يقطع بمراد الفقهاء والأطباء والحُسّاب وغيرهم فالرسول الذي هو أكمل الخلق علماً وبياناً ونصحاً أولى أن يبين مراده ويقطع به وكلام الله تعالى أكمل من كلام الرسول ﷺ وأكمل بياناً فهو أولى
стр. 4819
بالقطع بمراد الرب فيه من كلام كل أحد ومعاني الكلام منقولة بالتواتر معلومة بالاضطرار أعظم من ألفاظه والمسلمون كلهم يعلمون بالاضطرار أن الله تعالى أمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس في الوضوء وبالاغتسال من الجنابة وبالتيمم وأن الله تعالى أمر بالصلاة إلى الكعبة وأمر بالحج إلى البيت الذي بمكة والطواف به والتعريف بعرفات وصوم شهر رمضان وامتناع الصائم من الأكل والشرب والنكاح وغير ذلك من معاني القرآن وأكثرهم لا يحفظون حروف القرآن فمعانيه التي دلت عليها هي معلومة عندهم بالاضطرار منقولة بالتواتر أعظم من العلم بألفاظه الدالة على تلك المعاني ولا يحتاجون في ذلك إلى نقل اللغة ولا نفي المعارض بل الأمر موقوف على مقدمة واحدة وهو العلم بمراد المتكلم وهذا قد يعلم اضطراراً وقد يعلم بأدلة قطعية وقد يكون ظنًّا كذلك العلم بما أخبر له الرسول ﷺ من أسماء الرب وصفاته ومن اليوم الآخر كثير منه أو أكثره معلوم عند الأمة اضطراراً نقلاً متواتراً
стр. 4820
وإن كان أكثرهم لا يحفظون حروفه وإذا سمعوا حروفه علموا قطعاً أنها دالة على تلك المعاني المعلومة عندهم كما إذا سمعوا قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران ٩٧] علموا أن المراد بلفظ البيت البيت الذي بمكة وإذا سمعوا شهر رمضان علموا أن المراد بهذا اللفظ بالشهر التاسع الذي بين شعبان وشوال وإذا سمعوا خلق السموات والأرض علموا أن المراد بذلك أنه هو الذي أحدثهما وابتدأهما وأنشأهما لا أنهما قديمتان ملازمتان له وإذا سمعوا قوله تعالى كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى [البقرة ٧٣] وقوله كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) [فاطر ٩] علموا أن المراد بذلك إحياء الموتى للقيامة وإذا سمعوا قوله تعالى وتقدس إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) [طه ٤٦] علموا أن ذلك معنى أنه سميع بصير وأمثال ذلك كثير الوجه السادس عشر أن هذا القول مضمونه جحد
стр. 4821
الرسالة في الحقيقة وإن أقر بها بلسانه بل مضمونه أن ترك الناس بلا رسول يرسل إليهم خير من أن يرسل إليهم الرسول وأن الرسول ﷺ لم يهتد به أحد في أصول الدين بل ضل به الناس وإنما اهتدوا بعقلهم الذي لم يحتاجوا فيه إلى الرسول وذلك أن القرآن على ما زعمه هؤلاء لا يستفاد منه علم ولا حجة بل إذا علم بالعقل شيء اعتقد ثم القرآن إن كان موافقاً لذلك أقر لكونه معلوماً بذلك الدليل الذي استنبطناه لا لكون الرسول أخبر به ولا لكونه أرشد إلى دليل عقلي يدل عليه وإن كان الظاهر مخالفاً للعقل اتبعنا العقل وكان ذلك الظاهر وجوده كعدمه إما نصًّا وإما ظاهراً فاحتاجوا إما إلى التأويل وإما إلى التفويض لئلا يضلوا وغيرهم ضل باتباع ما جاء به الرسول ﷺ وكان مجيء الرسول ﷺ مقتضياً لضلال قوم فكانت الطائفتان
стр. 4822
بسببه في ضلال وسعر وإنما اهتدوا بعقلهم الذي لم يحتاجوا فيه إلى الرسول فهذا حقيقة قول هؤلاء الملحدين وسيأتي اعترافه بهذا وجوابه عنه بجواب الملحدين الوجه السابع عشر أن هذا وأمثاله يتناقضون فتارة يقول نحن نعلم انتفاء الظاهر لكن لا نعلم المراد وتارة يقول بل الرسول ﷺ خاطب العامة بما يوافق ما عندهم فلو خاطبهم ابتداء بإثبات ما ليس بجسم ولا متحيز ولا يشار إليه قالوا هذا عدم محض فوقعوا في التعطيل فكان الصلح أن يأتي بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما لزمهم وهذا كلام من يريد من العامة فهم تلك المعاني وهي باطلة في نفس الأمر عند هؤلاء وعلى هذا فقد أراد
стр. 4823
منهم فهم الباطل الذي دل عليه بلفظه وهذه طريقة أهل التخييل الذين يقولون أرادوا أن يتخيلوا ما ينفعهم وإن لم يكن حقًّا وطريقة أهل التأويل نفي إرادة هذا المعنى والجهل بما أراد وهذا يناقض هذا وهذا وأمثاله يتناقضون فتارة يجعلونه هكذا وتارة هكذا في كلا الأمرين على الباطل وقد نزه الله تعالى رسوله ﷺ عن أن يريد المعاني الباطلة أو أن يقصر في بيان ما أراده فالأول كذب وإضلال وتلبيس وإظهار ما هو كذب وإن قيل إنه لم يقصد الكذب بل الرسول كما أنه أعلم اخلق بالحق فهو أنصحهم لهم وأعظمهم رغبة في تعريفهم وتعليمهم وهداهم وهو أحسنهم بياناً وأتمهم برهانا قال تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى
стр. 4824
اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) [الشورى ٥٢-٥٣] وقال تعالى فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) [النمل ٧٩] وقال تعالى قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) [يوسف ١٠٨] فإن قيل فإذا كان ما ذكره فاسداً لا يحصل به الفرق بل هو عزل القرآن بالكلية فما الفرق بين المحكم والمتشابه قيل المتشابه نوعان أحدهما ما يكون بسبب المستمع لقصور منه أو تقصير فهذا لا يختص بنوع من الكلام بل قد يعرض في جميع أنواعه لكن ما يكون فيه من التشابه يكون هذا فيه أقوى فإنه يبقى التشابه من الطرفين وصاحب هذا المقام هو مأمور أن يعمل بما تبين له معناه ويؤمن بما اشتبه عليه كما قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد وابن ماجه رحمهما الله تعالى وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن
стр. 4825
أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم أقبلت أما وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حَجْرة إذا ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضباً قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول بهذا أمرتم بهذا هلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً فما
стр. 4826
عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه وقال عمر بن الخطاب ﵁ اتبعوا ما تبين لكم من الكتاب وما لا فدعوه وإذا كان القرآن نزل يصدق بعضه بعضاً فمن الممتنع أن يكون فيه تناقض واختلاف تضاد فمن فهم آية فآمن بها وظن أن الأخرى تناقضها فليعلم أنه مبطل في ذلك وأن معنى الأخرى يوافقها لا يخالفها وإن لم يفهم معنى الآيتين آمن بهما ووكل علمهما إلى الله تعالى وأما التشابه الذي يكون في نفس الآية فهذا لا يكون إلا مقرونا بالإحكام والبيان والهدى فإن الله تعالى قد أحكم كتابه كله وبينه وجعله هدى وأمر بتدبره لكن من الآيات ما لا اشتباه
стр. 4827
فيه بوجه ومنها ما فيه اشتباه من بعض الوجوه وإن كان ذلك مع الإحكام والبيان مثل لفظ إنا ونحن ونحو ذلك وكل آية فقد أراد الله تعالى وتقدس بها معنى وعلى ذلك المعنى دل فلا يجوز أن تكون دلالة القرآن على ما أراده الرب تعالى وعناه وعلى غيره سواء بل هذا لا يجوز في كلام آحاد العلماء فكيف في كلام رب العالمين وإذا كان القرآن لا تناقض في دلالته فالمذهبان إن كان القرآن دل عليهما فكلاهما حق كقول من يقول إن العبد فاعل لفعله وقول من يقول إن الله تعالى هو الذي جعله فاعلاً فكلاهما حق والقرآن قد دل على هذا ولى هذا فأخبر أن العباد فاعلون وأنهم هم الذين يكفرون ويؤمنون ويعملون وقال الخليل وابنه عليهما الصلاة والسلام رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ [البقرة ١٢٨] ونحو ذلك وقال رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ
стр. 4828
ذُرِّيَّتِي [إبراهيم ٤٠] وأمر عباده أن يقولوا اهدنا الصراط المستقيم ونحو ذلك وإن كان كلاهما باطلاً فالقرآن ينفيهما جميعا كقول من يقول إن العبد لا قدرة له ولا مشيئة ولا فعل وقول من يقول بل هو الذي يخلق فعله دون الله فالقرآن ينفي هذا وهذا بل نفس الآيات إذا كانت دالة على ما يقول فهي تدل كما يدل أمثال ذلك من الكلام والأدلة وإلا لم تدل ودلالة الكلام على المراد تعرف تارة بالضرورة وتارة بالاستدلال ويستدل على ذلك بما نقله الأئمة وبما كان يقوله السلف يفسرون به القرآن بدلالة السنة وبدلالة سائر الآيات وغير ذلك كما أن النصارى لما ادعوا أن قوله إنا ونحن تدل على قولهم إن الآلهة ثلاثة وقالوا في قوله تعالى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة ١٣٣] أن الآلهة ثلاثة كان في هذا تشابه فإن لفظ نحن يستعمل في الواحد الذي له شركاء وفي الواحد المعظم المطاع الذي له مماليك تطيعه والعطف يكون لتغاير الصفات ويكون لتغاير الذوات فهو أمر متشابه والمحكم في القرآن كقوله تعالى وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة ١٦٣] وقوله تعالى وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النحل ٥١] وقوله تعالى أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ
стр. 4829
مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الأنعام ١٩] وقوله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء ١١٠] وقوله تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة ٧٣] وأمثال ذلك فيرد إليه المتشابه ويعلم أن قوله إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ [البقرة ١٣٣] عطف لتغاير الصفات كقوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد ٣] وكقوله تعالى رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) [الدخان ٧-٨] وقوله تعالى إنا ونحن لعظمة الرب تعالى وان ما سواه مخلوق مملوك له من الملائكة وغيرهم فهو أحق بنون العظمة ممن استعمل هذا اللفظ فيه من الملوك وإن كان اللفظ نفسه لا اشتباه فيه وإذا اشتبه على هذا لقصور فهمه بُيّن له ذلك بنظائره ولهذا كان السلف رضي الله تعالى عنهم يسمون ما أشكل على بعض الناس حتى فهم منه غير المراد متشابهاً
стр. 4830
كما صنف الإمام أحمد رحمه الله تعالى كتاباً في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله فهو لم ينكر عليهم مسمى التأويل بل إنه أنكر أن يتأولوه على غير متأوله وهو التأويل الباطل والمراد بالتأويل التفسير وليس المراد صرفه إلى الاحتمال المرجوح وقوله فيما شكّت فيه من متشابه القرآن هو ما تشابه عليها وإن كان الله تعالى قد أحكم ذلك وبينه لكن
стр. 4831
لقصورهم وتقصيرهم تشابه عليهم حتى شكوا فيه فهذا هذا والله تعالى أعلم الوجه الثامن عشر أن هذا القول في تأويل القرآن ومعناه يضاهي قول المشركين في تنزيل القرآن ولفظه ومعناه ولا ريب أن المقصود من الألفاظ هو المعنى فمن وافق المشركين في معاني القرآن على ما قالوه فإنما آمن بلفظ فقط فهو منافق يظهر الإسلام بلفظه به دون قلبه من جنس الذين قال الله تعالى فيهم إنهم يقولون للرسل نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون ١] قال الله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) [المنافقون ١] ومن جنس الذين قالوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ
стр. 4832
قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) [البقرة ٨-١٣] وإذا لقوا الآيات ونظائرها وذلك أن المشركين وكل من كذب لما كذّبوا بأن القرآن منزل من الله وكذّبوا الرسول بما جاء به حادوا واختلفوا ماذا يقولون في الكتاب والرسول وقالوا أقوالا متناقضة يظهر فسادها لكل من تأملها وآخرون منهم لما رأوا هذه الأقوال متناقضة أمسكوا عنها فلم يقولوا شيئا منها لكنهم اقتصروا على تكذيب القرآن والرسول لما زعموا أنه قام عندهم أدلة تدل على أنه ليس برسول الله ولا القرآن منزل من الله تعالى فعلموا بموجب تلك الأدلة ثم بعد ذلك قالوا فليكن أي شيء كان وليس علينا تعيين ما هو فهكذا الذين جوزوا معاني القرآن التي أرادها الله تعالى ورسوله بالكتاب والسنة صاروا في القرآن والحديث حزبين حزباً يحملون كلام الله ورسوله على معان أخر يظهر للمتأمل أن الله لم يردها ولا هي معنى كلامه وقال آخرون يكفينا أن تنفى تلك المعاني وبعد
стр. 4833
هذا فليدل القرآن والحديث على أي شيء دل ليس علينا أن نعرف ما دل عليه فهم مشتركون في جحد المعاني التي أرادها الله تعالى ورسوله ثم ادعى بعضهم معاني أنها هي المرادة والاعتبار بين أنها ليست مرادة فالذي أراده الله تعالى ورسوله جحدوه وقالوا إن الدليل عندنا بنفيه والذي حملوا عليه كلام الله ورسوله لم يرده الله تعالى ولا رسوله فقال آخرون نحن نوافقكم على جحد ما جحدتموه من تلك المعاني وأما ما فسرتم به القرآن والحديث فقد ظهر بطلانه أيضا فنحن نعرض عن تدبر القرآن والحديث وفهم معناه ولا يضرنا بعد ذلك دلالته على أي شيء دل فهؤلاء يأمرون بالجحد لمعاني التنزيل وبالجهل البسيط في تفسير القرآن وتأويله وأولئك يأتون بالجهل المركب في التفسير والتأويل فهؤلاء كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) [النور ٣٩] وأولئك كظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) [النور ٤٠]
стр. 4834
وأهل العلم والإيمان الذين أوتوا القرآن والإيمان هم كما قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) [النور ٣٥] فإن هذا النور هو نور الإيمان والقرآن جميعا كما قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) [الشورى ٥٢-٥٣] وبذلك فسره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم ﵃ كما روى عبد بن حميد حدثنا عبد الله بن يوسف عن أبي
стр. 4835
جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور ٣٥] قال بدأ بنور نفسه فذكره ثم ذكر نور المؤمنين فقال مثل نوره أي مثل نور المؤمن قال ولذلك كان أبي يقرؤها مثل نور المؤمن قال هو عند جعل الإيمان والقرآن في صدره قال المشكاة قال صدره فيها مصباح فالمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره قال الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ قال فالزجاجة قلبه قال الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ قال فقلبه بما استنار بالقرآن والإيمان كأنه كوكب دري يقول يضيء يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ
следующие страницы →