← Тафсир

Тафсир · id 288

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ 1

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (688 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الصلاة، ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة، ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: شاقةٌ (١)، ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ أي: الساكنين الخاضعين لربهم، وللمفسرين من السلف في تفسير الخاشعين عباراتٌ مختلفةٌ في اللفظ مُتَّفقةٌ في المعنى؛ كقول بعضهم: «المتواضعين» (٢)، وقول بعضهم: «الخاضعين» (٣). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾: معنى ﴿يَظُنُّونَ﴾: يعلمون ويُوقنون كما قال المؤلِّف، والظنُّ يأتي بمعنى العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠]، ويأتي بمعنى الشك (٤)، واعتبر ذلك ابنُ جرير من قَبيل المشترك اللفظي، فالعربُ تُطلِقُ الظنَّ على اليقين والشك، كما تُطلِق على الظلمة: سدفة، وعلى الضياء: سدفة (٥). وقوله: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: يعني يوم القيامة إذا بُعثوا. وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ أي: ويعلمون أنهم إلى ربهم راجعون، فَيُنبئهم بأعمالهم، ويجزيهم عليها. ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ أولاد يعقوب ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ﴾ أي: على آبائكم من الإنجاء من فرعونَ، وفلقِ البحرِ، وتظليلِ الغمامِ، وغير ذلك؛ بأن تشكروها بطاعتي ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمَّدٍ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ خافون في ترك الوفاء به دون غيري

стр. 107

﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ من القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوَّة ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِرٍ بِهِ﴾ من أهل الكتاب لأنَّ [مَنْ] (١) خَلفَكم تَبَعٌ لكم فإثمُهم عليكم ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ تستبدلوا ﴿بِآيَاتِي﴾ التي في كتابكم من نعت محمَّدٍ ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عوضًا يسيرًا من الدنيا؛ أي: لا تكتموها خوفَ فوات ما تَأخذونه من سَفَلتِكم ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ خافون في ذلك دون غيري. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ تخلِطوا ﴿الْحَقَّ﴾ الذي أَنزلتُ عليكم ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الذي تَفترونه (٢) ﴿وَ﴾ لَا ﴿تَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ نعت محمَّدٍ ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه الحق ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ صلُّوا مع المصلِّين محمَّدٍ وأصحابه. ونزل فِي علمائهم وكانوا يقولون لأَقربائهم المسلمين: اثبتوا على دين محمَّدٍ فإنه حقٌّ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ بالإِيمان بمحمَّدٍ ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تتركونها فلا تأمرونها به ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ التوراةَ، وفيها الوعيدُ على مخالفة القول العملَ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ سُوءَ فِعلكم فترجعون؟ فجملةُ النسيان محلُّ الاستفهام الإنكاري. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ اطلبوا المعونةَ على أموركم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ الحبس للنفس على ما تكره ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ أفردها بالذكر تعظيمًا لشأنها، وفي الحديث: ((كَانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ بَادَرَ إِلَى الصَّلَاة)) (٣). وقيل:

стр. 108

الخطابُ لليهود لَمَّا عاقَهم عن الإيمان الشَّرهُ وحُبُّ الرياسة فأُمروا بالصبرِ وهو الصوم؛ لأنهُ يكسرُ الشهوةَ، والصلاةَ؛ لأنها تُورثُ الخشوعَ وتنفي الكِبْرَ ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاةُ ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ ثقيلةٌ ﴿إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الساكنين إلى الطاعة ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يوقنون ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ بالبعث ﴿وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فِي الْآخرة فيجازيهم. وقولُ المؤلِّف: (أولاد يعقوب): في هذا بيانُ المراد بإسرائيل أنه نبيُّ اللهِ يعقوب، ومعنى إسرائيل: عبد الله (١)؛ كإسماعيل وجبرائيل. وقولُه: (أي: على آبائكم من الإنجاء من فرعونَ، وفلقِ البحرِ، وتظليلِ الغمامِ، وغير ذلك؛ بأن تشكروها بطاعتي): لأنَّ الإنعامَ على الآباء إنعامٌ على الذريَّة؛ كما قال تعالى عن العبد الشاكر (٢) في دعائه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥]، وأخبر عن نبي الله سليمانَ بمثل ذلك؛ لذلك أمر اللهُ بني إسرائيل أن يذكروا ما أنعم الله به على آبائهم ممَّا قصَّه تعالى في هذه الآيات التالية، ومن نِعم الله على بني إسرائيل ما ذَكَّر به موسى قومَه إذ قال: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٠].

стр. 109

وقولُه: (الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمَّدٍ)، وقولُه: (الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة): العهدُ اسمُ مصدرٍ مُضاف إلى مفعوله في الجملتين؛ فيكون التقدير في الجملة الأولى: أوفوا بعهدي الذي أخذتُه عليكم؛ فيدخل في ذلك كلُّ ما أخذه اللهُ على بني إسرائيل من المواثيق؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ … ﴾ الآية [البقرة: ٨٣]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ … ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]. والتقدير في الجملة الثانية: أوفي بعهدكم الذين عهدته إليكم؛ فيدخلُ في ذلك كلُّ ما وعدَ اللهُ به بني إسرائيل من الثواب العاجل والآجل؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ﴾ الآية [المائدة: ١٢]. وقولُه: (خافون في ترك الوفاء به دون غيري): الرهبةُ: خوفٌ مع الفرار من المخوف (١)، لكنَّ اللهَ الفرارُ منه إليه، والضمير المنصوب «إياي»: مفعولٌ به

стр. 110

مقدَّم لدلالة على القصر، ولهذا قال المؤلِّف: (دون غيري)، وقد يكون مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُه ما بعدَه، فيكون من باب الاشتغال (١). وقولُه: (من القرآن): بيانٌ للمراد من المنزَّل أنه القرآنُ المنزَّلُ على محمَّدٍ ﷺ ، وهذا الأمر تأكيدٌ لِمَا تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾؛ لأنَّ الإيمانَ بالرسول والقرآن ممَّا أخذَ اللهُ به الميثاقَ على بني إسرائيل. وقولُه: (من التوراة … ) إلى آخره: بيانٌ للمراد بما معهم، وأنَّ القرآن شاهدٌ للتوراة بأنها منزلة من عند الله، وبموافقتها فيما دلَّت عليه من توحيد الله وصدق رسله، وإن كان ناسخٌ لبعض ما فيها من الشرائع. وقولُه: (من أهل الكتاب … ) إلى آخره: يريد أنَّ قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي: من أهل الكتاب؛ لأنه قد كفر به قبل ذلك المشركون من أهل مكةَ وغيرهم، فهم أوَّل كافرٍ به مطلقًا (٢). وقولُه: (خوفَ فوات ما تَأخذونه من سَفَلتِكم): السفلةُ: هم لؤماءُ الناسِ وغوغاؤهم، وهم الفَسَقةُ الخبثاءُ اللؤماء (٣). وقولُه: (في ذلك): يريد فيما نُهوا عنه؛ في قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾. وقولُه: (دون غيري): ينبِّه إلى ما في الآية من القَصْر؛ لتقديم المفعول: إياي. وقولُه: (الذي أنزلتُ عليكم): أسند فعلَ الإنزالِ إلى المتكلِّم؛ لأنَّ الآية خطابٌ من الله لعلماء أهل الكتاب، وفي تفسير «الباطل» قال: الذي تفترونه.

стр. 111

وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ما كتبتموه هو الحقُّ، ولذا قال المؤلِّفُ في تفسير الحقِّ الذي كتموه: هو نعتُ محمَّدٍ ﷺ . وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: (أنه الحق)؛ أي: وأنتم تعلمون أنَّ ما كتمتموه من نعتِ محمَّدٍ ﷺ هو الحق، وجملة: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال. وقول المؤلِّف في تفسير البر أنَّه الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ؛ يقتضي أنَّ من علماء اليهود مَنْ يأمرُ العامَّةَ بالإيمان بالنبي ﷺ وهو لم يؤمنْ به، وهذا لا يُستَبعدُ، ولكنَّ البرَّ في الآية أعمُّ ممَّا ذكرَه المؤلِّفُ (١). وقوله في الكتاب أنه التوراة: صحيحٌ، ولا يحتملُ الكتابُ غيرَ التوراةِ؛ لأنَّ الخطابَ لعلماء بني إسرائيل. وقولُه: (فترجعون): أي عن سوء فعلِكم. وقولُه: (فجملة النسيان): يريد قولَه تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ﴾. وقولُه: (محل الاستفهام الإنكاري): يريد أنَّ الاستفهامَ الإنكاري في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يتعلَّقُ بقوله سبحانه عنهم: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ﴾ لا بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾، فالأمرُ بالبرِّ خيرٌ وفعلٌ لواجبٍ كما تقدَّم بيانُه. وقولُه: (اطلبوا المعونة على أموركم): هذا تفسير قوله: ﴿اسْتَعِينُوا﴾؛ لأنَّ السين والتاء تدلان على الطلب؛ مثل: استغفروا؛ أي: اطلبوا المغفرة. وقولُه: (الحبس للنفس على ما تكره): تفسيرٌ للصبر، وهو يشملُ أنواعَ الصبر الثلاثة:

стр. 112

- الصبرُ على المصائب. - والصبرُ عن المعاصي. - والصبرُ على طاعة الله. - وقد فسَّرَ بعضُ السَّلفِ الصبرَ في هذه الآية بالصوم (١). وقولُه: (أفردها بالذكر): أي الصلاة، يريد: خصَّها بالذكر من بين الفرائض والعبادات؛ إظهارًا لفضلها. وقولُه: (وفي الحديث … ) إلى آخره: رواه أبو داود وأحمد وابن جرير، ومعنى: «حزبه أمر» أي: نزل به أمرٌ مهم (٢). وقولُه: (وقيل: الخطابُ لليهود … ) إلى آخره: هذا يوافقُ اختيارَ ابن جرير كما سبق. * * *

стр. 113

وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧]: هذه الآيةُ نظيرُ الآية المتقدِّمة من حيث المخاطَب، والمقصودُ بالخطاب هو التذكيرُ بنِعم الله، وتقدَّمَ أنَّ المراد بإسرائيلَ: نبيُّ الله يعقوب (١). وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: أي نعمي التي أنعمتُ عليكم وعلى آبائكم، واشكروها بالإيمان بمحمَّدٍ ﷺ واتِّباعِه. وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ المعنى: واذكروا أني فضَّلتُكم على العالمين، وتفضيلهم على العالمين هي إحدى نِعَمِه العظيمة عليهم؛ فَعطْفُ هذه النِّعمة على ما قَبلها من عَطْفِ الخاصِّ على العام (٢). وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾: أي عالَم زمانِهم فلا يكونون أفضل من أمَّة محمَّدٍ ﷺ (٣)، وأعاد في هذه الآية الخطابَ لبني إسرائيل، والأمر بذكر نعمه تأكيدًا، ولأمرهم باتِّقاء اليوم الذي لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولِتذكيرهم بالنِّعمِ التي أنعمَ اللهُ بها على آبائهم؛ كما في الآيات من قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾. * * *

стр. 114

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة: ٤٨]: ﴿وَاتَّقُوا﴾: أي اتخذوا وقايةً من الإيمان والعملِ الصالح تَقيكم شرَّ ذلك اليوم. ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: أي لا يُغني أحدٌ عن أحدٍ، ولا تكون نفسٌ فداءً عن نفسٍ، ولو كان أقربَ قريب؛ كقوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: أي ولو وُجدَ شافعٌ لم تُقبل شفاعتُه، ولكن ليس هناك من يشفع للظالمين؛ أي المشركين؛ كما قال تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أي فداء؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] (١). ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾: أي ليس لهم مَنْ ينصرُهم، ويُنجيهم من عذاب الله. ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ بالشكر عليها بطاعتي ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ أي آباءكم ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عالمي زمانهم. ﴿وَاتَّقُوا﴾ خافوا ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ فيه ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ هو يوم القيامة ﴿وَلَا تُقْبَلُ﴾ بالتاء والياء ﴿مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي ليس لها شفاعة فتقبل ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شافعين﴾. ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ فداء ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يُمنعون من عذاب الله.

стр. 115

وقولُ المؤلِّف: (فيه): الضميرُ يعود لليوم، ولا بُدَّ من هذا التقدير؛ لأنَّ الجملة صفةٌ ليومٍ فلا بُدَّ لها من رابط. وقولُه: (بالتاء والياء): يُشير إلى أنَّ فيها قراءتين: ﴿تُقْبَلُ﴾ و ﴿يُقْبَلُ﴾ (١). وقولُه: (ليس لها شفاعةٌ فتُقبل): أراد به دفعَ توهُّم أنَّ للكفار مَنْ يشفعُ لهم، ولكن شفاعتُهم لا تُقبل. وقولُه: (فداء): هذا تفسيرُ ﴿عَدْلٌ﴾، والمرادُ به: ما تقدِّمه النفسُ لتفتدي من العذاب لو أمكنها ذلك. * * *

стр. 116

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ [البقرة: ٤٩ - ٥٠]: هذا شُروعٌ في ذِكر نِعَمه على بني إسرائيل التي أمرهم بذكرها، مع التذكير بما جرى منهم من السَّيئات، وما جرى عليهم من الابتلاءات، وأولُ هذه النِّعم نجاتُهم من آل فرعون الذين كانوا يُعذِّبونهم، ومن عذابهم ذبحُ أَبنائهم، واستبقاء نسائهم للخدمة، وفيما جرى عليهم من التعذيب، وما جرى لهم من النَّجاة ابتلاءٌ عظيمٌ، وهذا ما تضمَّنَه قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ … ﴾ الآية، فـ «إذْ»: ظرفٌ يدلُّ على الزمن الماضي، وهو مُتعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: اذكروا حين نجيناكم؛ كما قدَّره المؤلِّف، و «آل فرعون»: هم فرعون وقومه. ﴿فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: يعني يُذيقونكم أشدَّ العذاب؛ كما قال المؤلِّف، وجملة: يسومونكم: في موضع نصب على الحال من الضمير في نجيناكم؛ على ما ذكر المؤلِّف، ويُحتملُ أن تكون حالًا من آل فرعون (١). وقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: تفصيلٌ وبيانٌ لنوع العذاب. وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾: اسمُ الإشارة راجعٌ إلى العذاب أو الإنجاء كما ذكر المؤلِّف، ويُحتملُ أن يعودَ إلى مجموع الأمرين (٢)، فإنَّ كُلًّا من الأمرين بلاء؛ أي: ابتلاء من الله، والابتلاءُ يكون بالنِّعم، ويكون بالمصائب؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ويُطلَقُ البلاءُ على ما به الابتلاء

стр. 117

من النِّعم والمصائب، وذلك من باب التسميةِ بالمصدر أو اسم المصدر؛ فإنَّ البلاءَ اسمُ مصدرٍ، ومن أعظم النِّعم عليهم فلْقُ البحرِ لهم، وجعلُه يبسًا، وطرقًا يسلكونها آمنين، ومن نِعمِه إغراقُ عدوِّهم فرعونَ وقومه، وهم ينظرون إليهم؛ كما دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾: الواو عاطفة، وإذ ظرف مُتعلِّقٌ بـ ﴿اذْكُرُوا﴾، و ﴿فَرَقْنَا﴾: أي فلقنا البحرَ حتى صار الماءُ فِرقين، كل فرقٍ كالطود العظيم، وبينهما طرقٌ يبسٌ لا يخافون دَرَكًا، ولا يخشون غرقًا. وقوله تعالى: ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ﴾: الباءُ سببية؛ المعنى: فرقنا البحر بسببكم لنجاتكم، ومن تمام نعمتِه عليكم إغراقُ فرعون وآله، و ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ إليهم وهم يغرقون، فجمعَ اللهُ لهم بين نعمتين: نجاتهم، وهلاك عدوهم وقد غَشِيَهم من اليمِّ ما غَشَيهم. ﴿وَ﴾ اذكروا ﴿إذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ أي: آباءكم، والخطابُ به وبما بعده للموجودين في زمن نبينا بما أنعم اللهُ على آبائهم تذكيرًا لهم بِنَعم الله ليؤمنوا ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ﴾ يُذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أشدّهُ، والجملة حال من ضمير نجيناكم ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بيانٌ لِمَا قبله ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ المولودين ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾ يَستبْقون ﴿نِسَاءَكُمْ﴾ لقول بعضِ الكهنةِ له: إنَّ مولودًا يُولدُ في بني إسرائيل يكون سببًا لذهاب ملكك ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ العذابُ أو الإنجاءُ ﴿بَلَاءٌ﴾ ابتلاءٌ أو إنعامٌ ﴿مِنْ رَّبّكُمْ عَظَيِمٌ﴾. ﴿وَ﴾ اذكروا ﴿إذْ فَرَقْنَا﴾ فَلقْنا ﴿بِكُمْ﴾ بسببكم ﴿الْبَحْرَ﴾ حتى دخلتموه هاربين من عدوِّكم ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من الغرق ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه معه ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى انطباق البحر عليهم.

стр. 118

وقولُ المؤلِّف: (المولودين): يُشير إلى أنهم يذبحونهم صغارًا رُضَّعًا، ولهذا كان موسى رضيعًا حين ألقته أمُّه في التابوت. وقولُه: (لقولِ بعض الكهنة … ) إلى آخره: يُشير إلى سبب ذبحِ فرعون وقومِه أبناءَ بني إسرائيل (١)، وهذا خبرٌ إسرائيليٌّ لا يُقطَعُ به؛ لأنه يُحتمل أنَّ السبب غيرُ ذلك. وقولُه: (ابتلاءٌ أو إنعامٌ): فيه المقابلةُ بين الابتلاء والإنعام، وهو مبنيٌّ على أنَّ أكثر ما يُطلَقُ البلاءُ على المصائب، وإلَّا فالابتلاءُ يكون بالخير والشر؛ كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]؛ أي: النِّعم والمصائب. * * *

стр. 119

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥١ - ٥٣]: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ الواو عاطفة، و «إِذْ»: ظرفٌ مُتعلِّقٌ بـ «اذكروا»، واعدَ اللهُ موسى أن يأتيه عند جبل سيناء على رأس أربعينَ ليلةٍ، وقد واعده ثلاثينَ ليلة ثمَّ أتمَّها بعشرٍ؛ فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعينَ، ثم لمَّا ذهب موسى لميقات ربِّه، صنع السامريُّ لبني إسرائيلَ عِجلًا من الحُلي الذي كان معهم، وقال لهم: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [طه: ٨٨]، فأطاعوه وعكفوا عليه، وأنكر عليهم نبيُّ الله هارون ﵇ فأَبوا أن يتركوا العكوفَ على العجل الذي اتخذوه إلهًا، وقد فصَّلَ اللهُ قصةَ العجل في سورة الأعراف (١) وسورة طه (٢)، وأشار اللهُ إلى ذلك في هذه الآية؛ فقال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾، وأصلُ الظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه (٣). وفي هذه الآية تذكيرٌ للموجودين من بني إسرائيل بقبيحِ ما صنعه أسلافُهم؛ تحذيرًا لهم من أن يركبوا طريقَهم بعصيان هذا الرسول محمَّدٍ ﷺ كما عصى آباؤهم موسى رسولَ الله إليهم، وفي هذا المقام يُذكِّرهم بنعمتين أنعم اللهُ بهما على مَنْ قبلهم: أُولاهما: عفوه تعالى عن الذين تابوا من عبادة العجل. والنعمةُ الثانية: ما آتى اللهُ موسى من الكتاب، وهو التوراة، وفيها الفرقان، وذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾، فدخل مضمونُ هاتين

стр. 120

الآيتين في عِداد النِّعم التي أمرَ اللهُ بني إسرائيلَ بذكرِها وشكرها، وبيَّن تعالى في الآيتين حكمتَه من العفو، ومن إيتاء الكتابِ، وكلُّ هذه الخطابات في الآيات السابقة واللاحقة هي خطاباتٌ لليهود الذين كانوا حولَ المدينة؛ لأنهم من بني إسرائيل. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ بأَلفٍ ودونها ﴿مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ نعطيه عند انقضائِها التوراة لتعملوا بها ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ﴾ الذي صاغه لكم السامريُّ إِلهًا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي بعد ذهابه إلى ميعادنا ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ باتخاذه لوضعِكم العبادةَ في غير محلّها ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ محونا ذنوبَكم ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الاتخاذ ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمتنا عليكم ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراةَ ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ عطفُ تفسيرٍ؛ أي: الفارق بين الحقِّ والباطل، والحلال والحرام ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ به من الضلال. وقولُ المؤلِّف: (بألفٍ ودونها): إشارةٌ إلى أنَّ فيها قراءتين: ﴿وَاعَدْنَا﴾، و ﴿وَعَدْنَا﴾ (١). وقولُه: (نعطيه عند انقضائِها التوراة لتعملوا بها): يُبيّنُ المؤلِّفُ بهذا أنَّ مواعدةَ اللهِ لموسى ليعطيه التوراة مكتوبةً في الألواح، يدلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ … ﴾ الآيات. [الأعراف: ١٤٤].

стр. 121

وقولُه: (محونا ذنوبكم): أي التي أَعظمُها: اتخاذُ العجل معبودًا؛ فاللهُ عفا عنهم وغفر لهم لَمَّا تابوا إليه، وجعل ذلك نعمةً يستحقُّ تعالى عليها الشكر، ولذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا﴾: إعرابُه كنظائره؛ أي: واذكروا حين آتينا موسى الكتابَ والفرقانَ. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: أي لتهتدوا بالإيمان بالكتاب؛ وهو التوراة، وتعملوا بما فيها. وقولُه: (عطف تفسير … ) إلى آخره: معناه أنَّ الفرقانَ هو التوراةُ؛ لأنها متضمِّنة للفرقان بين الحقِّ والباطل والهدى والضلال والحلال والحرام (١)؛ كما ذكر المؤلِّف. * * *

стр. 122

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤]: إنَّ أعظمَ عِصيانِ بني إسرائيل في عهد موسى ﵇ اتخاذهم العجلَ إلهًا من بعد ما ذهب موسى لميعاد ربه، ولذا يذكر اللهُ بني إسرائيل الموجودين حول المدينةِ في عهد النبي ﷺ بما صنَعَهُ آباؤهم تحذيرًا لهم من أن يسلكوا طريقَهم في المعصية، وفي هذه الآية يُذكِّرُهم بدعوة موسى ﵇ لقومه - الذين اتخذوا العجلَ - إلى التوبة، مُبيِّنًا لهم أنهم ظلموا أنفسَهم أعظمَ الظلم؛ وهو الشرك، ومُبيّنٌ لهم ما شرعَ لهم طريقًا لصدق التوبة، واعتبار القتل لأنفسهم طريقًا للتوبة هو من الآصار (١) التي حُمِّلتْ عليهم، وذلك في قول موسى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. ثم أخبر تعالى بتوبته عليهم مخاطبًا بذلك بني إسرائيل الموجودين حين نزول القرآن؛ فقال تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾، فهو على سننِ ما تقدَّم في الآيات من الخطابات: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ﴾، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾، ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الذين عبدوا العجلَ ﴿يَا قَوْمِ إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسكُمْ بِاِتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ﴾ إلهًا ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئُكُمْ﴾ خالقِكم من عبادته ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ﴾ أي: ليقتلَ البريءُ منكم المجرمَ ﴿ذَلِكُمْ﴾ القتلُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ فوفقكم لفعل ذلك وأرسل عليكم سحابةً سوداءَ لئلّا

стр. 123

يبصرَ بعضكم بعضًا فيرحمه حتى قتل منكم نحو سبعين ألفًا ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ قَبِلَ توبتَكم ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ﴾. وقولُ المؤلِّف: (إلهًا): تقديرٌ للمفعول الثاني للمصدر المضاف إلى فاعله، وهو: «اتخاذكم»، والمفعولُ الأول: العجلُ؛ لأنَّ «اتخذ» ينصبُ مفعولين. وقولُه: (وأرسل عليكم سحابةً سوداء … ) إلى آخره (١): هذا من أخبار أهلِ الكتاب التي لا تُصدَّقُ ولا تُكذَّبُ، لكنْ أصلُ القصة ثابتُ في القرآن، كما في هذه الآية. وقولُه: (قبل توبتكم): التوبةُ من الله تأتي لمعنيين (٢): أحدهما: توفيقُ العبدِ للتوبة، وهذه قد تُقيَّدُ بالمشيئة؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. والثاني: قبولها؛ ولهذا قال المؤلِّف: (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ قَبِلَ توبتَكم). وجملة: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ﴾: مستأنفة للتعليل، ولا محل لها من الأعراب. * * *

стр. 124

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٧]: قول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾: الواو عاطفةٌ، و «إذ» ظرفٌ يدلُّ على الزمن الماضي، والتقدير: اذكروا حين قلتم، وفي هذا تذكيرٌ لبني إسرائيل بما صدر من آبائهم من القول القبيح: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، فأَخذتهم الصَّاعقةُ فماتوا، ثم بعثهم اللهُ من بعد موتهم، وفي الآيتين تذكيرٌ لبني إسرائيل الموجودين بسيئةٍ من سيّئات أَسلافهم، وعقوبةِ اللهِ لهم، ثم الإنعامِ عليهم ببعثهم بعد موتهم بالصاعقة، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى … ﴾ الآية: هذا امتنانٌ من الله على بني إسرائيل الذريَّة الموجودين في عهد النبوة بما أَنعم به على آبائهم من تظليلهم بالغمام وقايةً لهم من حرِّ الشمس، وإنزالِ المنِّ والسَّلوى عليهم، وهما من أطيب الطعام؛ فالمنّ: نوعٌ من الحلوى (٢)، والسَّلوى: نوعٌ من الطيور الناعمة يقال له: السُّمَانَى (٣)؛ كما ذكر المؤلِّف. ثم أخبر تعالى أنه قال لبني إسرائيل الذين أنزل عليهم المنَّ والسَّلوى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، والأمرُ أمرُ إباحةٍ وامتنانٍ (٤)، ونهاهم عن الطغيان؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١]، ولكنهم عصوا، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ أي: ما ظلموا اللهَ بمعصيته، ولكن ظلموا أنفسهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.

стр. 125

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ وقد خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل وسمعتم كلامَه ﴿يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِن لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ عيانًا ﴿فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ﴾ الصيحةُ، فمتم ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ما حل بكم ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ أحييناكم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمتنا بذلك. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ﴾ سترناكم بالسحاب الرقيق من حر الشمس فِي التيه ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ فيه ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ هما الترنجبين والطير السُّمَانَى - بتخفيف الميم والقصر - وقلنا: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ولا تدَّخروا، فكفروا النِّعمةَ وادَّخروا، فقطع عنهم ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بذلك ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنَّ وَبَاله عليهم. وقولُ المؤلِّف: (وقد خرجتم مع موسى): يُبيّن بهذا أنَّ الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ هم الذين حضروا مع موسى لميقات ربه، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] (١). وقولُه: (لتعتذروا إلى الله من عبادةِ العجلِ): يقتضي أنَّ موسى جاء لميقات ربِّه مرَّتين؛ مرَّةً قبل عبادةِ قومهِ للعجل، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، ومرَّةً بعد اتخاذهم العجلَ، وهو المذكور في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا … ﴾ الآيات، ففي المجيءِ الأوَّلِ كلَّمه ربُّه، وطلبَ موسى النظرَ إليه، وتجلَّى اللهُ للجبل، وخرَّ موسى صعقًا، وأعطاه اللهُ التوراةَ، وأخبره اللهُ بفتنةِ بني إسرائيل بالعجل، وإضلالِ السَّامري لهم؛ كما في قوله:

стр. 126

﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]. والظاهرُ أنه لم يكن معه أحدٌ من قومه في هذه المرَّةِ، ولكنَّ اللهَ قد واعدَ بني إسرائيل أن يأتوا مع موسى لجانب الطور؛ كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠]، فتقدَّمهم موسى عَجِلًا إلى ربَّه، وكانوا على أَثره؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣ - ٨٤]، ولكنهم تخلَّفوا وأَخلفوا الموعدَ لِمَا ابتلوا به من اتخاذ العجلِ إلهًا بإضلال السامريِّ لهم، فرجع موسى إلى قومه غضبانَ أسفًا، ومعه الألواحُ فيها التوراةُ؛ فذكَّرهم بمواعدة الله لهم، وأنكر عليهم إخلافَهم الموعد، واتخاذهم العجل إلهًا، وعاتبَ أخاه هارونَ وأنكر عليه إذ لم يتبعه حين ضلَّ قومُه كما في سورة طه. وفي المرَّةِ الثانية كان معه سبعون رجلًا من قومه، وهم الذين اختارهم من قومه لميقات ربِّه، وليس في هذه المرِّةِ طلب النظر من موسى، ولا تجلٍّ، ولكن الذين معه طلبوا أنْ يُريهم اللهَ جهرةً، وهم الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، فأخذتهم الصاعقةُ فماتوا ثم بعثهم اللهُ، وفصَّل اللهُ ذلك في هاتين الآيتين. والصاعقةُ: صيحةٌ عظيمةٌ، وهي الرجفةُ المذكورة في قوله: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، وسُمِّيت الصاعقةُ رجفةً؛ لأنها تُحدِثُ رجفانًا في الأرض؛ أي: زلزلةً (١)، كما سمَّى اللهُ صيحةً ثمودٍ وصيحةَ مدين رجفةً في سورة الأعراف والعنكبوت، والله أعلم. وأمَّا قولُ المؤلِّف: (وسمعتم كلامَه): فليس في الآيات تصريحٌ بذلك، ولكنه وردَ في الآثار المرويَّة في تفسير الآية (٢)؛ فظهرَ ممَّا تقدَّم أنَّ اللهَ كلَّم موسى ثلاث مرات:

стр. 127

- الأولى: عند إرساله كما ذكر ذلك مفصَّلًا في طه والنمل والقصص، وأُشير إليه في سُورٍ أخرى. - الثانية: تكليمُه في مجيئه الأول، وهو المذكور في سورة الأعراف؛ في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ … ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣ - ١٤٥]، وهو المشار إليه كذلك في قوله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٣ - ٨٥]. - الثالثة: تكليمُه في مجيئه الثاني، وهو المشار إليه في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى نَرَى اللَّه جَهْرَة﴾، هذا القولُ من سيئات بني إسرائيل، وتعنتاتهم، وقد ذمَّهم اللهُ بذلك وعاقبهم بأخذ الصاعقة لهم حتى ماتوا ثم بعثهم ليشكروه، ويتوب إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فجعل تعالى بَعْثَهم بعد موتِهم نعمةً يستحقُّ عليها الشكرَ، فإنهم إذا بعثوا أَمكنهم أن يتوبوا، ولهذا قال موسى في دعائه بعدما أخذتهم الرجفة: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ أي: تُبنا إليك (١). وقولُه: (ما حل بكم): هذا تقديرُ المفعول به لتنظرون، وهو يدلُّ على أنَّ أخذَ الصاعقةِ لهم في حال يقظتهم، وهو أبلغُ في إحداث الرعبِ والفزعِ.

стр. 128

وقولُه: (سترناكم بالسَّحاب الرقيق من حرِّ الشمس): فسَّر ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ﴾: بـ «سترناكم»، وهذا بعضُ معنى الكلمة، وقد عُدِّي الفعلُ بـ «على»، فهو مُضمَّنٌ معنى جعلنا الغمام عليكم؛ أي: من فوقكم يَقِيكم حرَّ الشمس، وفسَّرَ الغمامَ بالسحاب الرقيق، إذًا هو نوعٌ من السحاب، فالسحابُ يكون رقيقًا وغليظًا. وقولُه: (فِي التيه): يُبيِّن بذلك أن تظليلَهم بالغمام وإنزالَ المنِّ والسَّلوى عليهم كان في زمن التيه، وهو مدة أربعين سنة كما في آية المائدةِ، هذا هو المشهورُ (١)، ويظهر أنه قد حصل لهم أيضًا قبل التيه بعد أن نجاهم اللهُ من عدوهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَأنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، والظاهرُ أنَّ هذا خطابٌ لبني إسرائيل الذين كانوا مع موسى بعد نجاتهم، ومجاوزتهم البحر، فتكون نظيرَ قوله تعالى عن موسى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. وعلى هذا فالخطاب في آية «طه» وآية «إبراهيم» لبني إسرائيل الموجودين في عهد موسى، وتُشبههما آية الأعراف: ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ … ﴾ الآية، وذلك بخلاف ما في سورة البقرة؛ فإنه خطابٌ لبني إسرائيل الموجودين في زمن النبي ﷺ تذكيرًا لهم بِنَعم الله على أسلافهم، وتحذيرًا لهم ممَّا وقع من أسلافهم من أنواع الظلم والعصيان.

стр. 129

فعُلِمَ ممَّا تقدَّم أنَّ الخطابَ في أوَّل هذه الآية: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ لبني إسرائيلَ الذرية الموجودين في عهد النبي ﷺ ، وهم: اليهود، والخطاب في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لبني إسرائيل الأسلاف الذين أنزلَ عليهم المنَّ والسَّلوى، ويؤيد هذا التفصيلَ أنَّ سورةَ البقرة مدنيةٌ، وكثيرٌ من آياتها الخطابُ فيها لليهود الذين كانوا حولَ المدينة، وأمَّا سورةُ «الأعراف»، و «طه»، و «إبراهيم»، فهي سُورٌ مكيةٌ، وأكثر ما فيها أخبارٌ عن بني إسرائيل في عهد موسى. وقولُه: (فيه): أي في التيه. وقولُه: (الترنجبين): نوعٌ من الطلِّ حلوٌ يجدونه على الشجر (١). وقولُه: (وقلنا): يفيد أنَّ قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: مقولُ قولٍ مُقدَّرٍ حُذِفَ لدلالة الكلامِ عليه، والجملةُ خبرٌ مُستأنفٌ معطوفٌ على ما قبله من الأفعال: وظللنا، وأنزلنا. وقولُه: (ولا تدخروا … )، إلى قوله: (فقطع عنهم): هذا من التفسير بالمأثور، وإذا صحَّ أنهم قد نُهوا عن الادِّخار؛ فالادخارُ يكون من الطغيان الذي نُهوا عنه في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١] (٢). وقولُه: (بذلك): أي بمخالفتهم أمرَ الله ونهيَه. وقولُه: (لأنَّ وباله عليهم): يريد أنَّ معصيتهم لله ظلمٌ لأنفسهم؛ لأنَّ شرَّ المعصية واقعٌ عليهم، ولن يضرُّوا اللهَ شيئًا. * * *

стр. 130

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨]: القول في هذا الظرفِ «إذ» والجملةِ المضافِ إليها؛ كالقول في نظائرِه فيما تقدَّم من الآيات وفيما يأتي، فالتقديرُ: اذكروا وقتَ قلنا لآبائكم: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾، وهي بيتُ المقدسِ (١)، وهي الأرضُ المقدَّسةُ المذكورةُ في سورة المائدة، وكانت كثيرةَ الخيرات من أنواع الفواكه والثمار، ولهذا قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾؛ أي: رزقًا واسعًا هنيئًا (٢). ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾: أي باب القرية. ﴿سُجَّدًا﴾: أي رُكَّعًا خضوعًا لله. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: أي مسألتنا حطة؛ المعنى: أن تحطَّ عنا خطايانا. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾: وعدٌ لهم بمغفرة ذنوبهم إذا استغفروا الله، وسألوه أن يحطَّ عنهم الخطايا. ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾: بفعل الأعمالِ الصالحةِ الخالصةِ لله الموافقةِ لشرعه، والمحسنين إلى عباده، وهذا وعدٌ بالزيادة على المغفرة يزيدهم أجرًا عظيمًا. ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ لهم بعد خروجهم من التيه: ﴿اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة﴾ بيتَ المقدس أو أريحا ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ واسعًا لا حَجْر فيه ﴿وَادْخُلُوا الْبَاب﴾ أي: بابها ﴿سُجَّدًا﴾ مُنحنينَ ﴿وَقُولُوا﴾: مسألتنا

стр. 131

﴿حِطَّةٌ﴾ أي: أن تحطَّ عنَّا خطايانا ﴿نَغْفِرْ﴾ وفِي قراءة بالياء وبالتاء مبنيًا للمفعول فيهما ﴿لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالطاعة ثوابًا. وقولُ المؤلِّف: (لهم): المناسب «لكم» بصيغة الخطاب؛ ليتفق مع سياق الآية السابقة وما قبلها. وقولُه: (بعد خروجهم من التيه): أي الذي أصابهم يوم حُرِّمَ عليهم دخول القرية أربعين سنة بعد أنْ أُمروا بدخولها، فعصوا، كما في سورة المائدةِ، فلمَّا انقضتِ المدةُ، وخلصوا من التيه، غزا بهم نبيُّهم فقاتلَ الكفرة الجبارين فأظهره اللهُ عليهم، ثم قيل لبني إسرائيل بعد الفتح: ﴿اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة … ﴾ الآية، وأُمروا عند دخولها بقولٍ وفعلٍ؛ أن يدخلوا بابَ القريةَ سجدًا، وأن يقولوا: ﴿حِطَّة﴾. وقولُه: (منحنين): يُبيِّنُ أنه ليس المرادُ بالسجود السجودَ على الجبهة على الأرض، بل الركوع؛ لأنه لا يمكن الدخول بهيئة السجود؛ بل بهيئة الركوع (١). وقولُه: (مسألتنا): يُبيّن أنَّ ﴿حِطَّةٌ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه: مسألتنا. وقولُه: (أن تحطَّ عنَّا خطايانا): تفسيرٌ لقوله: ﴿حِطَّةٌ﴾، وحطّ الخطايا بالمغفرة. وقولُه: (وفي قراءة … ) إلى آخره: أفاد أنَّ في هذه الكلمة ثلاثُ قراءاتٍ؛ بالنون مبني للمعلوم ﴿نَغْفِرْ﴾، وهي قراءةُ الجمهور، وبالتاء والياء مبني للمفعول ﴿تُغْفَرْ﴾، و ﴿يُغفَرْ﴾ (٢).

стр. 132

وقولُه: (ثوابًا): هو المفعول الثاني لـ «نزيد»، والمفعول الأول ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، وقد ذكر المفسرون والمؤرِّخون أنَّ موسى وهارون ﵉ ماتا في التيه، وخلفهما على بني إسرائيل يوشعُ بن نون (١)؛ وهو الذي فُتحت قريةُ بيت المقدس على يديه، كما جاء في السنَّة عن النبي ﷺ أنَّ يوشعَ بن نون لَمَّا أشرف على فتح القرية وقتَ صلاةِ العصر، وخشي أن تغربَ الشمس؛ دعا اللهَ أن يحبسها عليهم ليتمَّ الفتحَ قبل غروب الشمس (٢)، وعلى هذا فأمر بني إسرائيل بدخول القرية، ودخول الباب سجدًا، وأن يقولوا: ﴿حِطَّةٌ﴾. كلُّ هذا بعد فتح القرية، والمبلِّغُ لهم ذلك هو يوشعُ بن نون ﵇. * * *

стр. 133

قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩]: يخبر تعالى في هذه الآية عن بني إسرائيل الذين قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾، وقيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾، وقيل لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وقد ظلموا أنفسَهم بمعصية الله؛ بدّل هؤلاء الظالمون من بني إسرائيل القولَ الذي قيل لهم قولًا غيره؛ كما جاء في الحديث المتفق عليه قال رسول الله ﷺ : ((قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، فبدَّلوا، فدخلوا يزحفون على أَسْتاهِهم (١)، وقالوا: حبةٌ في شعرةٍ)) (٢). ثم أخبر تعالى أنَّه عاقبهم فأنزلَ عليهم رجزًا من السماء؛ أي عذابًا، قيل: إنه الطاعون (٣). وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾: أي بسبب فِسقهم؛ أي: خروجهم عن طاعة الله بما ارتكبوه من التبديل، وفي الآية الأخرى: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾ [الأعراف: ١٦٢]. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ منهم ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فقالوا: حبةٌ في شعرةٍ، ودخلوا يزحفون على أستاههم ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر مُبالغةٌ فِي تقبيح شأنهم ﴿رِجْزًا﴾ عذابًا

стр. 134

طاعونًا ﴿مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فِسقهم؛ أي: خروجهم عن الطاعة، فهلك منهم في ساعةٍ سبعون ألفًا أو أقل. وقولُ المؤلِّف: (فيه وضع الظاهر موضع المضمر): يُريد أنَّ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ هم الذين تقدَّم ذكرُهم في قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فالمناسبُ على هذا أن يقال: فأنزلنا عليهم، فكان ذِكْرهم بالاسم الموصول دون الضمير هو من قَبيل وضعِ الاسمِ الظاهرِ موضعَ المضمر، ويشهدُ لقول المؤلِّفِ قولُه تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ١٦٢]. وقولُه: (فهلك منهم فِي ساعةٍ سبعون ألفًا أو أقل): هذا ممَّا ذكره المفسرون (١)، وهو من الإسرائيليات؛ فالله أعلم. * * *

стр. 135

قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]: قوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى﴾: المعنى والتقدير: اذكروا حين استسقى موسى؛ كما في نظائره فيما سبق، و «إذ»: ظرفٌ يدلُّ على الزمن الماضي، و ﴿اسْتَسْقَى﴾: أي طلب موسى السُّقيا من الله تعالى، وذلك حين طلب منه بنو إسرائيل السُّقيا لَمَّا عطشوا في التِّيه، فأوحى الله إليه أن اضربْ بعصاكَ الحجرَ، فضربَه ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، وجاء في الأعراف: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ﴾، والانبجاسُ: أقوى من الانفجار (١)، وجاءتِ العيونُ بعدد أسباطِ (٢) بني إسرائيل؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ … ﴾ [سورة الأعراف: ١٦٠] الآية. وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: أي كلُّ سِبطٍ من بني إسرائيل قد عَلِمَ نصيبَه من الماء والمكان الذي يَرِدُ عليه، ثم قيل لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾، وهذا أمرُ إباحةٍ وامتنانٍ. وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾: أي ولا تُفسدوا في الأرض قاصدين الفساد. ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ أي: طلب السُّقيا ﴿لِقَوْمِهِ﴾ وقد عطشوا فِي التِّيه ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ وهو الذي فرَّ بثوبه، خفيفٌ مربعٌ كرأس الرجل رُخامٌ أو كذَّانٌ، فضربه ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ انشقَّتْ وسالت

стр. 136

﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بعدد الأَسباط ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ سبطٍ منهم ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ موضعَ شربهم فلا يشركهم فيه غيرهم. وقلنا لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مؤكدةٌ لعاملها من «عَثِيَ» بكسر المثلثة: أفسد. وقولُ المؤلِّف: (وهو الذي فرَّ بثوبه … ) إلى آخره: هذا من الإسرائيليات التي لا يُجزَم فيها بإثباتٍ أو نفي (١). وقولُه: (وقلنا لهم): يُبيّن به أنَّ قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: مقول قولٍ محذوف قدَّره المؤلِّف: (وقلنا لهم)، والخطابُ فيه لبني إسرائيل في عهد موسى، والخطابُ في أول الآية الذي قدَّرناه: واذكروا لبني إسرائيل في عصر النبوة؛ كنظائره المتقدِّمة. * * *

стр. 137

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١]: المخاطَبُ في هذه الآية هم المخاطبون في الآيات السابقة، الموجودون من بني إسرائيل في عهد النبي ﷺ ، وأخصُّهم بالخطاب في هذه الآيات من قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: هم اليهودُ الذين كانوا حول المدينة؛ تذكيرًا لهم بِنِعَم الله على أسلافهم ليشكروها، وتذكيرًا لهم بما كان لآبائهم من المخالفات وما نزل بهم من العقوبات ليحذروها، فقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ تقديره: واذكروا حين قال قومُ موسى لموسى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، يعنون به المنَّ والسَّلوى، وذلك يوم كانوا في التيه. وقوله: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾: طلبوا من موسى أنْ يدعو اللهَ بأنْ يُخرج لهم هذه البقول والحبوب؛ فهي آثرُ عندهم من المنِّ والسَّلوى، وكلُّ هذه الأسماء معروفةٌ، والفوم: هو الحنطة، وهي نوعٌ من البُرِّ. فردَّ عليهم نبيُّ الله موسى بأنَّ ما طلبوا أدنى من الذي أعطاهم اللهُ؛ فقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. والاستبدال: كالاشتراء، يتعدَّى بنفسه إلى المأخوذ، وإلى المتروك بالباءِ؛ فهو في معنى: أتشترون الأدنى بالأعلى والأفضل. والأدنى: هو ما طلبوه من البقول والحبوب، والذي هو خيرٌ: ما أنزل اللهُ عليهم من المنِّ والسَّلوى.

стр. 138

وقولهم لموسى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ … ﴾ إلى آخره: هو ممَّا عُدَّ في مساويهم وكفرهم النعمةَ. وقول موسى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾: توبيخٌ لهم وإنكارٌ عليهم. وقوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: ظاهرُه أنَّه من تمام كلامِ موسى، وقال: بعضُ المفسرين أنَّه مقولُ قولٍ محذوفٍ، والتقدير: قلنا اهبطوا مصرًا، والأول أظهر (١). وقوله: ﴿مِصْرًا﴾: بالتنوين قرأ الجمهور؛ أي: مصرًا من الأمصار، وقرئ: ﴿مِصْرَ﴾ بلا تنوين (٢)، وعليه فالمراد: مصر، البلد المعروفة التي خرج منها بنو إسرائيل، وقال ابنُ جريرٍ في القراءة الأولى: «لا أستجيزُ القراءةَ بغيرها» (٣). وقوله: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾: أي ما ذكرتم وطلبتم موجودٌ فيه. وقوله: ﴿وَضُرِبَتْ﴾: الواو للاستئناف، ﴿وَضُرِبَتْ﴾: جُعلت عليهم الذلة لازمةً. و ﴿الذِّلَّةُ﴾: الهوانُ والجبنُ. ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾: الفقرُ، وسُمِّيَ مسكنةً لأنَّه يُورثُ السكونَ وقلةَ الحركةِ (٤).

стр. 139

﴿وَبَاءُوا﴾: أي رجعوا بأعظم الخسران، وهو غضبُ الله عليهم، والجملةُ معطوفةٌ على جملة ﴿وَضُرِبَتْ﴾، والجملتان لا محلَّ لهما من الإعراب. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾: أي ما ذُكر هو بسبب كُفرِهم بآيات الله، وقتلهم النبيين بغيرِ الحقِّ، وممن قتلوه من الأنبياء: أشعيا (١)، وزكريا، ويحيى، على ما ذكر المفسرون (٢). وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾: قيل: تأكيدٌ للمعنى السابق، ويحتمل: أن يكون بيانًا لسببِ السببِ، وكفرهم بآيات الله وقتلُهم النبيين سببٌ لضرب الذلَّةِ وحلولِ الغَضَبِ، وعصيانُهم وعدوانُهم سببٌ لخذلانهم الذي أوجبَ لهم الكفرَ بآيات الله وقتلَ الأنبياء (٣). ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ﴾ أي: نوعٍ منه ﴿وَاحِدٍ﴾ وهو المنُّ والسَّلوى ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّك يُخْرِجْ لَنَا﴾ شيئًا ﴿مِمَّا تُنْبِت الْأَرْضُ مِنْ﴾ للبيان ﴿بَقْلهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ حنطتها ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلهَا قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أخس ﴿بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أشرف، أي: أتأْخذونه بدله، والهمزةُ للإنكارِ، فأبوا أن يرجعوا فدعا اللهَ؛ فقال تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ انزلوا ﴿مِصْرًا﴾ من الأمصار ﴿فَإِنَّ لَكُمْ﴾ فيه ﴿مَا سَأَلْتُمْ﴾ من

стр. 140

النبات ﴿وَضُرِبَتْ﴾ جُعلتْ ﴿عَلَيْهِمِ الذِّلَّةُ﴾ الذلُّ والهوانُ ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: أثر الفقرِ من السكون والخزي، فهي لازمةٌ لهم وإن كانوا أغنياءَ لزومَ الدرهمِ المضروبِ لِسِكَّتِه ﴿وَبَاءُوا﴾ رجعوا ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه ذَلِكَ﴾ أي: الضرب والغضب ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ كزكرياء ويحيى ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: ظلمًا ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يتجاوزون الحدَّ في المعاصي. وكرَّره للتأكيد. وقولُ المؤلِّف: (﴿مِنْ﴾ للبيان): يريد ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾، فإنها بيانٌ لِمَا في قوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ﴾، ومن الأولى في قوله: ﴿مِمَّا﴾ ابتدائية. وقولُه: (حنطتها): فسَّر الفومَ بالحنطة، وهو قولُ الأكثر (١)، وقيل: الفوم: الثوم (٢)؛ فالأولُ يُناسبُه ذِكر العدسِ، والثاني: يُناسبُه ذِكر البصلِ، فاللفظُ مُحتملٌ للمعنيين. وقولُه: (فأبوا أن يرجعوا): يريد أنهم أصرُّوا على طلبهم فلم ينفع فيهم قول موسى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. وقولُه: (فدعا الله): أي دعا موسى ربَّه. وقولُه: (فقال تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾): هذا يقتضي أنَّ قولَه: ﴿اهْبِطُوا﴾ من كلام الله، وهذا خلافُ ظاهر القرآن، وليس لِمَا ذكره دليلٌ.

стр. 141

وقولُه: (لازمة لهم … لزومَ الدِّرهم المضروبِ لِسِكَّتِه): هذا مأخوذٌ من قوله: ﴿ضُرِبَتْ﴾. وقولُه: (رجعوا): تفسيرٌ لـ ﴿بَاءُوا﴾، فهي بمعنى آبُوا، مع أنها عكس حروفها في الترتيب (١). وقولُه: (أي: الضرب والغضب): بيانٌ للمشار إليه في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ على تأويل المذكور. وقولُه: (أي: ظلمًا): تفسيرٌ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، ولا مفهوم لهذا القيد؛ لأنَّ قتلَ الأنبياء لا يكون إلا بغير الحقِّ، فذِكْرُه إظهارٌ لمنشأ القُبح تشنيعًا عليهم. وقولُه: (وكرَّره للتأكيد): سبق بيانُ أنه من باب بيان سببِ السبب. * * *

стр. 142

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]: يُخبرُ تعالى في هذه الآية عن الطوائف الأربعِ التي تنقسمُ كلُّ واحدةٍ منها إلى مؤمنين وغير مؤمنين؛ أنَّ مَنْ آمنَ منهم وعملَ صالحًا؛ فله أَجرُه عند الله، فالذين آمنوا هم من أظهر الإيمان بمحمد ﷺ منهم الصادق ومنهم المنافق، كما ذكر في أول السورة. ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: هم اليهود، وهم المنتسبون لشريعة التوراة والإيمان بموسى ﵇، ومعنى هادوا: أي صاروا يهودًا، وأصلُ التسميةِ من قول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تُبنا إليك. ﴿وَالنَّصَارَى﴾: هم المنتسبون لعيسى ﵇، ونصارى جمعُ نصراني، وفي أصل التسميةِ خلافٌ كثيرٌ، والأقرب أنه من قول الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] (١). ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: قيل: هم قوم كانوا يعبدون الكواكبَ، وقيل: يعبدون الملائكةَ، ومنهم قومُ إبراهيم ﵇، وهم طوائف، ومنهم الصابئةُ الحنفاء (٢). والصابئون: جمعُ صابئٍ بالهمز، أو جمعُ صابٍ بالياء، وبالهمز قرأ الجمهورُ، وقرأ نافع بالياء (٣). وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾: مَنْ: اسمُ شرطٍ، أو اسمٌ

стр. 143

موصولٌ مُضمَّنٌ معنى الشرط، وهو مبتدأ، وجملةُ ﴿آمَنَ﴾: فعلُ الشرطِ أو صلةُ الموصولِ، وفي الكلام ضميرٌ مُقدَّرٌ مجرورٌ بمن يعود على الطوائف الأربع تقديره: «مَنْ آمنَ منهم بالله واليوم الآخر» (١). ومعنى: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾: صدَّقَ وأيقن بالله وحده ربًا وإلهًا، وباليوم الآخر؛ وهو يومُ القيامة، يومُ البعث والنشور والجزاء. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: معطوفٌ على ﴿آمَنَ﴾، و ﴿صَالِحًا﴾: صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ تقديره: عملَ عملًا صالحًا. وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: جوابُ الشرط، واقترنت جملةُ الجواب بالفاء لأنها اسمية، و ﴿أَجْرُهُمْ﴾: ثوابهم. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في موضعِ نصبٍ على الحال من ﴿أَجْرُهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: من مستقبَلٍ. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾: على فائتٍ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالأنبياء من قبل ﴿وَاَلَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود ﴿وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ طائفةٌ من اليهود أو النصارى ﴿مَنْ آمَنَ﴾ منهم ﴿بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ﴾ في زمن نبيِّنا ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بشريعته ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهمْ﴾ أي: ثوابُ أعمالهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ رُوعي في ضمير ﴿آمَنَ﴾ و ﴿وَعَمِلَ﴾ لفظُ ﴿مَنْ﴾، وفيما بعده معناها. وقولُ المؤلِّف: (بالأنبياء من قبل): في هذا التعميم نظرٌ؛ فإنه يؤول إلى أنَّ المراد بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: هم مَنْ آمنَ من اليهود والنصارى، ويصير تكرارٌ مع قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢).

стр. 144

وقولُه: (طائفةٌ من اليهود أو النصارى): هذا أحدُ الأقوال في المراد بالصابئين، وفي المراد بهم خلافٌ كثيرٌ. وقولُه: (منهم): هذا تقديرٌ للضمير الرابط لجملة خبر «إنَّ». وقولُه: (في زمن نبيِّنا): هذا التقييدُ فيه نظرٌ، والصواب: أنَّ هذا الوعدَ عامٌّ لكلِّ مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وعملَ صالحًا في زمن أيِّ نبيٍّ من الأنبياء مُتبعًا له. وقولُه: (بشريعته): يريد الشريعةَ التي هو مُكلَّفٌ بالعمل بها. وقولُه: (ثوابُ أعمالهم): فسَّر الأجرَ بالثواب، وتسميةُ الثوابِ أجرًا كثيرٌ في القرآن؛ كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١]. وقولُه: (رُوعي في ضمير ﴿آمَنَ﴾ … ) إلى آخره: المقررُ عند النحاة أنَّ مِنْ الشرطية أو الموصولة لفظها مفردٌ مذكَّرٌ، ويختلف معناها بحسب سياقِ الكلام، ولهذا يقول المؤلِّف: إنه رُوعي في الفعلين ﴿آمَنَ﴾ و ﴿وَعَمِلَ﴾ لفظُ ﴿مَنْ﴾، وهو الإفرادُ والتذكيرُ، وفيما بعده معناها، وهو الجمع. * * *

стр. 145

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [البقرة: ٦٣]: الخطابُ في هذه الآية لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي ﷺ ، فهي نظيرُ الآياتِ السابقة، والمقصود: تذكيرُهم بما جرى لأسلافهم، فتقدير الكلام: واذكروا حين أخذنا ميثاقَكم؛ أي: العهدَ من آباءكم، ورفعنا فوقهم الطور، وقلنا لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: اقبلوا ما جاءكم به نبيُّكم موسى ﵇ من الكتاب؛ وهو التوراة، وما فيه من الموعظة وتفصيلِ الأحكام، وخذوه بقوة؛ أي: بجدٍّ وعزمٍ صادق، ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ بالعمل به وتبليغه للناس. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾: أي لتتَّقوا بذلك سخطَ الله وعذابَه، فتكونوا من المتقين. ﴿وَ﴾ اذكروا ﴿إذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ عهدكم بالعمل بما في التوراة ﴿وَ﴾ قد ﴿رَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّورَ﴾ الجبل اقتلعناه من أصله عليكم لما أبيتم قبولها وقلنا ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ بالعمل به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ النار أو المعاصي. وقولُ المؤلِّف: (اذكروا): أي بني إسرائيل، وهم اليهودُ الذين حول المدينةِ؛ كما في الآيات السابقة واللاحقة. وقولُه: (قد) في ﴿رَفَعْنَا﴾: يقتضي أنه جعلَ الواو للحال، ويحتمل أنها عاطفةٌ على ﴿أَخَذْنَا﴾. وقولُه: (الجبل … ) إلى آخره: يدُّل لِمَا ذكره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١].
следующие страницы →