← Тафсир

Тафсир · id 288

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ 1

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (688 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقولُه: (لازمة لهم … لزومَ الدِّرهم المضروبِ لِسِكَّتِه): هذا مأخوذٌ من قوله: ﴿ضُرِبَتْ﴾. وقولُه: (رجعوا): تفسيرٌ لـ ﴿بَاءُوا﴾، فهي بمعنى آبُوا، مع أنها عكس حروفها في الترتيب (١). وقولُه: (أي: الضرب والغضب): بيانٌ للمشار إليه في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ على تأويل المذكور. وقولُه: (أي: ظلمًا): تفسيرٌ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، ولا مفهوم لهذا القيد؛ لأنَّ قتلَ الأنبياء لا يكون إلا بغير الحقِّ، فذِكْرُه إظهارٌ لمنشأ القُبح تشنيعًا عليهم. وقولُه: (وكرَّره للتأكيد): سبق بيانُ أنه من باب بيان سببِ السبب. * * *

стр. 142

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]: يُخبرُ تعالى في هذه الآية عن الطوائف الأربعِ التي تنقسمُ كلُّ واحدةٍ منها إلى مؤمنين وغير مؤمنين؛ أنَّ مَنْ آمنَ منهم وعملَ صالحًا؛ فله أَجرُه عند الله، فالذين آمنوا هم من أظهر الإيمان بمحمد ﷺ منهم الصادق ومنهم المنافق، كما ذكر في أول السورة. ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: هم اليهود، وهم المنتسبون لشريعة التوراة والإيمان بموسى ﵇، ومعنى هادوا: أي صاروا يهودًا، وأصلُ التسميةِ من قول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تُبنا إليك. ﴿وَالنَّصَارَى﴾: هم المنتسبون لعيسى ﵇، ونصارى جمعُ نصراني، وفي أصل التسميةِ خلافٌ كثيرٌ، والأقرب أنه من قول الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] (١). ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: قيل: هم قوم كانوا يعبدون الكواكبَ، وقيل: يعبدون الملائكةَ، ومنهم قومُ إبراهيم ﵇، وهم طوائف، ومنهم الصابئةُ الحنفاء (٢). والصابئون: جمعُ صابئٍ بالهمز، أو جمعُ صابٍ بالياء، وبالهمز قرأ الجمهورُ، وقرأ نافع بالياء (٣). وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾: مَنْ: اسمُ شرطٍ، أو اسمٌ

стр. 143

موصولٌ مُضمَّنٌ معنى الشرط، وهو مبتدأ، وجملةُ ﴿آمَنَ﴾: فعلُ الشرطِ أو صلةُ الموصولِ، وفي الكلام ضميرٌ مُقدَّرٌ مجرورٌ بمن يعود على الطوائف الأربع تقديره: «مَنْ آمنَ منهم بالله واليوم الآخر» (١). ومعنى: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾: صدَّقَ وأيقن بالله وحده ربًا وإلهًا، وباليوم الآخر؛ وهو يومُ القيامة، يومُ البعث والنشور والجزاء. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: معطوفٌ على ﴿آمَنَ﴾، و ﴿صَالِحًا﴾: صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ تقديره: عملَ عملًا صالحًا. وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: جوابُ الشرط، واقترنت جملةُ الجواب بالفاء لأنها اسمية، و ﴿أَجْرُهُمْ﴾: ثوابهم. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في موضعِ نصبٍ على الحال من ﴿أَجْرُهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: من مستقبَلٍ. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾: على فائتٍ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالأنبياء من قبل ﴿وَاَلَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود ﴿وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ طائفةٌ من اليهود أو النصارى ﴿مَنْ آمَنَ﴾ منهم ﴿بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ﴾ في زمن نبيِّنا ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بشريعته ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهمْ﴾ أي: ثوابُ أعمالهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ رُوعي في ضمير ﴿آمَنَ﴾ و ﴿وَعَمِلَ﴾ لفظُ ﴿مَنْ﴾، وفيما بعده معناها. وقولُ المؤلِّف: (بالأنبياء من قبل): في هذا التعميم نظرٌ؛ فإنه يؤول إلى أنَّ المراد بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: هم مَنْ آمنَ من اليهود والنصارى، ويصير تكرارٌ مع قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢).

стр. 144

وقولُه: (طائفةٌ من اليهود أو النصارى): هذا أحدُ الأقوال في المراد بالصابئين، وفي المراد بهم خلافٌ كثيرٌ. وقولُه: (منهم): هذا تقديرٌ للضمير الرابط لجملة خبر «إنَّ». وقولُه: (في زمن نبيِّنا): هذا التقييدُ فيه نظرٌ، والصواب: أنَّ هذا الوعدَ عامٌّ لكلِّ مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وعملَ صالحًا في زمن أيِّ نبيٍّ من الأنبياء مُتبعًا له. وقولُه: (بشريعته): يريد الشريعةَ التي هو مُكلَّفٌ بالعمل بها. وقولُه: (ثوابُ أعمالهم): فسَّر الأجرَ بالثواب، وتسميةُ الثوابِ أجرًا كثيرٌ في القرآن؛ كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١]. وقولُه: (رُوعي في ضمير ﴿آمَنَ﴾ … ) إلى آخره: المقررُ عند النحاة أنَّ مِنْ الشرطية أو الموصولة لفظها مفردٌ مذكَّرٌ، ويختلف معناها بحسب سياقِ الكلام، ولهذا يقول المؤلِّف: إنه رُوعي في الفعلين ﴿آمَنَ﴾ و ﴿وَعَمِلَ﴾ لفظُ ﴿مَنْ﴾، وهو الإفرادُ والتذكيرُ، وفيما بعده معناها، وهو الجمع. * * *

стр. 145

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [البقرة: ٦٣]: الخطابُ في هذه الآية لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي ﷺ ، فهي نظيرُ الآياتِ السابقة، والمقصود: تذكيرُهم بما جرى لأسلافهم، فتقدير الكلام: واذكروا حين أخذنا ميثاقَكم؛ أي: العهدَ من آباءكم، ورفعنا فوقهم الطور، وقلنا لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: اقبلوا ما جاءكم به نبيُّكم موسى ﵇ من الكتاب؛ وهو التوراة، وما فيه من الموعظة وتفصيلِ الأحكام، وخذوه بقوة؛ أي: بجدٍّ وعزمٍ صادق، ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ بالعمل به وتبليغه للناس. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾: أي لتتَّقوا بذلك سخطَ الله وعذابَه، فتكونوا من المتقين. ﴿وَ﴾ اذكروا ﴿إذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ عهدكم بالعمل بما في التوراة ﴿وَ﴾ قد ﴿رَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّورَ﴾ الجبل اقتلعناه من أصله عليكم لما أبيتم قبولها وقلنا ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ بالعمل به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ النار أو المعاصي. وقولُ المؤلِّف: (اذكروا): أي بني إسرائيل، وهم اليهودُ الذين حول المدينةِ؛ كما في الآيات السابقة واللاحقة. وقولُه: (قد) في ﴿رَفَعْنَا﴾: يقتضي أنه جعلَ الواو للحال، ويحتمل أنها عاطفةٌ على ﴿أَخَذْنَا﴾. وقولُه: (الجبل … ) إلى آخره: يدُّل لِمَا ذكره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١].

стр. 146

وقولُه: (وقلنا): يُبيِّنُ بهذا أنَّ قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ مقولُ قولٍ محذوف يدلُّ عليه سياقُ الكلام (١)، والخطابُ فيه لبني إسرائيل الأوَّلين، والخطابُ في أوَّلِ الآية لبني إسرائيل الآخِرين، فأوَّلُ الآية إنشاءٌ، وفي ضمنه إخبارٌ عن بعض ما جرى لبني إسرائيل من أخذِ الميثاق ورفعِ الطور، والتكليف بالعمل بالتوراة. * * *

стр. 147

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ [البقرة: ٦٤]: المخاطَبون في هذه الآية هم المخاطَبون في الآية التي قبلها، تذكيرًا لهم بما كان من أسلافهم من الإعراض بعد أَخْذِ الميثاقِ عليهم، ومع هذا الإعراضِ بعد الميثاقِ يذكرُ منَّته عليهم بفضله ورحمته بالعفو عنهم والتوبةِ عليهم وصرفِ العذابِ عنهم، ولولا ذلك لكانوا من الخاسرين، وهم: المستوجِبون للعذاب المحرومون من الثواب. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الميثاق عن الطاعة ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم بالتوبة أو تأخير العذاب ﴿لَكُنْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ الهالكين. * * *

стр. 148

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥]: المخاطَبون في هذه الآية هم المخاطَبون في الآيات السابقة، وتقدَّم أنهم بنو إسرائيل الموجودون في عهد النبي ﷺ النازلون حول المدينةِ مِنْ طوائفِ اليهود، يُذكِّرهم اللهُ في هذه الآية ما جرى من أسلافهم من الاحتيال على ما حرَّم اللهُ من الصيد يوم السبت، وهو المرادُ بالاعتداء، وما حلَّ بهم من العقوبة بسبب ذلك؛ ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾، والأمرُ أمرُ تكوينٍ لا يتخلَّفُ مُقتضاه، فصاروا قِردةً فمُسخت صورهم من صورة الإنسان إلى صورة القرد، والقردةُ: جمع قرد، وهو حيوانٌ معروفٌ. وقوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾: أي ذليلين مُهانين (١). ﴿وَلَقَدْ﴾ لام قسمٍ ﴿عَلِمْتُمُ﴾ عرفتم ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ تجاوزوا الحدَّ ﴿مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ بصيد السمك وقد نهيناهم عنه وهم أهل أي لة ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ مُبعدين، فكانوها وهلكوا بعد ثلاثة أيام. وقولُ المؤلِّف: (فكانوها): أي صاروا قردةً. وقولُه: (وهلكوا بعد ثلاثة أيام): مثل هذا ممَّا يُتلقَّى عن بني إسرائيل، ولكنه لا يثبتُ إلَّا بدليلٍ عن النبي ﷺ ، ومن المشهور عند العلماء أنَّ الممسوخين لا يعيشون ولا يتوالدون (٢). والقردةُ: جنسٌ من الحيوان موجودٌ

стр. 149

قبل وقوع المسخ في بعض الأمم، وقد زعم بعضُ ملاحدةِ اليهود وهو المسمَّى: «داروين»، أنَّ أصلَ الإنسان قردٌ فتطوَّر حتى صار إنسانًا بصورته المعروفة، وتُعرف بنظرية «داروين» (١)، وهي مُناقضةٌ لِمَا أخبر اللهُ به في قصَّة خلقِ آدم ﵇، فهي نظريةٌ باطلةٌ، ومَن يعتقد صحَّتها فهو كافرٌ؛ لأنه مُكذِّبٌ لِمَا جاء في القرآن في شأن خلق الإنسان. * * *

стр. 150

قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦]: يُخبِرُ تعالى أنه جعل عقوبةَ هؤلاء المعتدين باستحلال ما حرَّم اللهُ من الصيد يوم السبت بالحيلة التي ارتكبوها، وهي نصبُ الشِّباك يوم الجمعة، وأخذُ ما فيها يومَ الأحد، زاعمين أنهم لم يفعلوا ما نُهوا عنه من الصيد يوم السبت، فمسخهم اللهُ قردةً، فقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: أي جعلنا هذه العقوبة ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾؛ يعني: ما قبلها من ذنوبهم وما بعدها ممَّا يفعل بعضُ الناس كفعلهم. وقد ذكر ابنُ جريرٍ اختلافَ المفسرين في مرجع الضمير في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾، و ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، ورجَّح أنه يعود على العقوبة، ورواه عن ابن عباس (١)، ورجح ابن كثير أنه يعود على القرية (٢)، ويشهدُ له قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٣٦]، وعلى هذا فما بين يديها وما خلفها: ما حولها من القرى. والنَّكَال: التخويفُ والعقوبة (٣). وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾: أي تذكيرًا وتحذيرًا للمتقين الذين يخافون عذابَ الله، ويتَّقون سخطَه بفعل ما أمرهم به وتركِ ما نهاهم عنه. ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي تلك العقوبة ﴿نَكَالًا﴾ عبرةً مانعةً من ارتكاب مثل ما عملوا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفهَا﴾ أي: للأمم التي في زمانها أو بعدها

стр. 151

﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ اللهَ، وخُصُّوا بالذِّكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. وقولُ المؤلِّف: (عبرةً مانعةً من ارتكاب مثل ما عملوا): يريد أنَّ من سمع بهذه العقوبة يعتبر نفسه بمَن حلَّتْ به هذه العقوبة بسبب معصيته؛ فيحذر أن يفعلَ فعلهم فيُصيبه ما أصابَهم. وقولُه: (أي: للأمم التي في زمانها أو بعدها): يُبين بهذا المراد: بما بيْن يديها وما خلفها؛ وهم الناسُ الذين كانوا موجودين وقتَ العقوبة والذين جاؤوا مِنْ بعدهم. وقولُه: (وخُصُّوا بالذِّكر … ) إلى آخره: يريد أنَّ هذه العقوبةَ موعظةٌ لكلِّ مَنْ سمع بها، ولكنَّ المنتفعين بذلك هم الذين يخافون اللهَ؛ فلذلك خُصُّوا بالذِّكر. * * *

стр. 152

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧]: لا يزال الكلامُ مُتصلًا خطابًا لبني إسرائيل الموجودين زمنَ النبي ﷺ ، ولذا نقول في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾: واذكروا حين قال موسى لقومه، وقومُه: هم بنو إسرائيل، وهذا خبرٌ من الله عن موسى أنه قال لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، وقد بيَّن سبحانه في الآيات التالية سببَ أمرِ بني إسرائيل أن يذبحوا بقرةً، والحكمةَ من ذلك، كما في الآيتين (٧٢ و ٧٣). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: إخبارٌ من موسى ﵇ لقومه أنَّ اللهَ يأمرهم بذبح بقرةٍ، ولَمَّا لم يعقلوا الحكمةَ من هذا الأمر ولم يكن عندهم إيمانٌ يوجُبُ التسليمَ لأمر الله أساؤوا الظنَّ بموسى ﵇ فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، فظنُّوا أمرَهم بذبح بقرةٍ استهزاءً من موسى بهم، ثم صاروا يتعنَّتون بالأسئلة عن البقرة، عن سِنِّها وعن لونها وعن صفتها، وفي كلِّ مرَّةٍ يدعو موسى ربه فيُجيبهم عمَّا سألوا، فكلَّما سألوا شُدِّد عليهم، ولو امتثلوا من أول الأمر لأجزأهم أيَّ بقرةٍ يذبحونها، ولكنَّهم لم يذبحوها إلَّا بعد تمنُّعٍ وتعنُّتٍ، وما كادوا يفعلون؛ كما قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]. وفي قصَّة البقرةِ ذِكْرُ بعضِ مساوئ بني إسرائيل؛ كجراءتهم على أنبيائهم، وعصيانِهم لأمر الله، وقسوةِ قلوبهم. ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ وقد قُتِل لهم قتيلٌ لا يُدرَى قاتلُه وسألوه أن يدعو الله أن يُبيّنه لهم فدعاه ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا

стр. 153

بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤًا﴾ مهزوءًا بنا حيث تُجيبنا بمثل ذلك ﴿قَالَ أَعُوذُ﴾ أمتنع ﴿بِاَللَّهِ﴾ من ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ المستهزئين. وقولُ المؤلِّف: (اذكر): الأظهرُ تقدير: اذكروا. وقولُه: (وقد قُتِل لهم قتيلٌ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا سببَ الأمرِ بذبح بقرةٍ؛ وهو قصة القتيلِ كما في الآيتين. وقولُه: (مهزوءًا بنا): يُبيِّن أنَّ هُزوًا مصدرٌ بمعنى اسم المفعول. وقولُه: (أمتنع): هذا تفسيرٌ لـ ﴿أَعُوذُ﴾؛ فالمعنى: أمتنعُ بالله؛ لأنَّ العائذَ يطلبُ من المستعاذ به أن يَعصمَه ويمنعَه مما يضرُّه. وقولُه: (المستهزئين): تفسيرٌ لـ ﴿الْجَاهِلِينَ﴾؛ لأنَّ في الاستهزاء بالخبر عن الله أعظمُ الجهل. * * *

стр. 154

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٦٨ - ٧١]: هذا أوَّل أسئلتهم التعنُّتيَّة، ومضمونُه: السؤالُ عن سنِّ البقرة كما يدلُّ عليه الجواب؛ قال موسى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ﴾؛ أي: إن ربي يقول: ﴿بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ﴾. ومضمونُ الجواب أنها ليست مُسنَّةً ولا صغيرةً، وهو معنى ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾، بل هي وسطٌ؛ وهو معنى ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، والعوانُ من البقر: هي التي ولدت بطنًا أو بطنين (١). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا … ﴾ الآية: هذا هو السؤال الثاني عن لونها وقد أجيبوا بأنها صفراء صفرة شديدة مع حسنها، وهو: معنى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾؛ يعني: تعجب الناظرين إليها. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾: هذا هو السؤالُ الثالث، ومضمونُه: السؤالُ عن صِفتها، وقد أُجيبوا بأنها ليست مُذلَّلة بالحرثِ والسقي، ولا ذاتَ ألوانٍ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾؛ أي: ليست عاملةً، وليس في جلدها لونٌ يُخالف لونَها، وهذا معنى قوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ (٢).

стр. 155

وقوله: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾: إظهارٌ لقبولهم الأمرَ بذبح البقرة، وقد صَدَقوا وكَذَبوا؛ فصَدَقوا بقولهم لنبي الله موسى: ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، وكَذَبوا في تقييد ذلك؛ بقولهم: ﴿الْآنَ﴾؛ يعنون ما أُجيبوا به في سؤالهم الثالث، وقد جاء نبيُّ الله موسى بالحقِّ في كلِّ ما أخبرهم به عن ربه. وقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾: إخبارٌ من الله بأنهم بعدما أذعنوا بالقول امتثلوا بالفعل بأنْ ذبحوا البقرةَ التي انطبقت عليها تلك الصفاتُ المذكورةُ في الآيات. وقوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾: أي قبل ذبحِها لم يمكن منهم قربٌ من فعل ما أُمروا به مما يدلُّ على شدَّة إعراضِهم عن الطاعة، ولكنهم لَمَّا قامت عليهم الحجَّةُ أذعنوا، وذلك في قوله: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا﴾. فلمَّا علموا أنه عزم ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أي: ما سنُّها؟ ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ مُسِنَّةٌ ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ صغيرة ﴿عَوَانٌ﴾ نصفٌ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المذكورِ من السنين ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ به من ذَبْحها. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ شديدُ الصُّفرة ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ إليها بحسنها؛ أي: تُعجبهم. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أسائمةٌ أم عاملةٌ؟ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ أي: جنسَه المنعوت بما ذكر ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ لكثرتِه فلم نهتدِ إلى المقصودة ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها. وفي الحديث: ((لو لم يستثنوا لَمَا بُيِّنتْ لهم آخر الأبد)) (١). ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ غيرُ مذلَّلةٍ بالعمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ تقلبها للزراعة والجملة صفةُ «ذلول» داخلةٌ في النفي ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ الأرض المهيأة للزراعة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾

стр. 156

من العيوب وآثارِ العمل ﴿لَا شِيَةَ﴾ لون ﴿فِيهَا﴾ غير لونها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ نطقتَ بالبيان التامِّ. فطلبوها فوجدوها عند الفتى البارِّ بأمِّه فاشتروها بملءِ مَسْكِها ذهبًا ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاء ثمنها. وفي الحديث: ((لو ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت لأجزأتهم ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد اللهُ عليهم)). وقولُ المؤلِّف: (نصفٌ): أي وسطٌ بين الصغيرة والكبيرة. وقولُه: (المذكور من السنين): يريد أنَّ اسمَ الإشارة راجعٌ إلى الفارض والبكر. وقولُه: (به مِنْ ذَبْحها): الجارُ والمجرورُ الأوَّلُ متعلِّقٌ بـ ﴿تُؤْمَرُونَ﴾، والجارُ والمجرورُ الثاني بيانٌ لِمَا الموصولة في قوله: ﴿مَا تُؤْمَرُونَ﴾. وقولُه: (أسائمةٌ أم عاملةٌ؟): بيانٌ لمضمون سؤالهم الثالث كما يدلُّ عليه الجواب. وقولُه: (لكثرته فلم نهتدِ إلى المقصودة): يريد أنهم اعتذروا في هذه المرَّةِ عن عدم الذبح الذي أُمروا به بتشابه البقر لكثرتها، فلم تتميز البقرةُ المقصودة بما ذكر من سنِّها ولونها؛ لذلك لم يهتدوا إليها، لكنَّهم طَمِعوا أن يهتدوا، وردُّوا ذلك إلى مشيئة الله فأحسنوا. والحديثُ الذي أشار إليه المؤلِّفُ لم يثبتْ مرفوعًا، وقال ابنُ كثير: إنه غريب، وأحسنُ أحواله أن يكون موقوفًا على أبي هريرة (١). وقولُه: (مُذلَّلةٌ): يريد أنَّ ﴿ذَلُولٌ﴾ فعولٌ بمعنى اسم المفعول.

стр. 157

وقولُه: (والجملةُ صفةُ «ذلول» … ) إلى آخره: يريد أنَّ جملةَ ﴿تُثِيرُ﴾ صفةُ ﴿ذَلُولٌ﴾، فهي في موضع رفعٍ. وقولُه: (داخلةٌ في النفي): يعني أنها لا تعمل في حراثةِ الأرض، ولا سقي الحرث؛ أي: سانية (١). وقولُه: (لون ﴿فِيهَا﴾ غير لونها): يريد أنه ليس فيها لونٌ يُخالِفُ لونَ جلدها. وقولُه: (نطقت بالبيان التام … ) إلى آخره: تفسيرٌ لقوله: ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. وقولُه: (فوجودها … ) إلى آخره: يشيرُ إلى قصةٍ إسرائيليةٍ في شأن البقرة (٢). وقولُه: (لغلاء ثمنها): مبنيٌّ على تلك القصة، فالله أعلم. وقولُه: (وفي الحديث … ) إلى آخره: هذا طرفٌ من الحديث المتقدِّم الذي رجَّح ابنُ كثيرٍ وقفه على أبي هريرة. * * *

стр. 158

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢]. المخاطَبون في هذه الآية هم المخاطَبون في الآيات السابقة، وهم بنو إسرائيلَ الموجودون وقتَ نزولِ القرآن، والتقدير في هذه الآية كالتقدير في نظائرها؛ فالمعنى: واذكروا حين قتلتم، فالذين قتلوا وتدارؤوا وكتموا هم الأسلافُ، وأضيف إلى الخالفين لأنهم أمة واحدة، وقد سبق تقريرُ هذا المعنى مرَّات (١). وقوله: ﴿نَفْسًا﴾: أي إنسانًا معصومًا. وقوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾: أي تدافعتم بدعوى كلٍّ منكم البراءةَ من دم القتيل، ومنكم مَنْ يعلمُ ذلك ويكتمُه (٢). وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾: أي مظهرٌ ما تكتمونه من معرفة القاتل. ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ﴾ فيه إدغامُ التاء في الأصل في الدال؛ أي: تخاصمتم وتدافعتم ﴿فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ مُظهِرٌ ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ من أمرِها، وهذا اعتراضٌ، وهو أوَّلُ القصَّة. وقولُ المؤلِّف: (فيه إدغام التاء في الأصل في الدال … ) إلى آخره: لأنَّ أصل الفعل تدارأتم، فقُلبت التاءُ دالًا ساكنة وأُدغمت في الدال، فوزن ادارأتم: اتفاعلتم (٣).

стр. 159

وقولُه: (من أمرها): أي من أمرِ النَّفس؛ وهو القتيل (١). وقولُه: (وهذا اعتراض): يشيرُ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ﴾. وقولُه: (وهو أوَّل القصَّة): يريد أنَّ قتل هذه النفس؛ هو سببُ أمرهم بذبح بقرةٍ، وما تَبِع ذلك من سؤال وجواب. * * *

стр. 160

وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٣]: يخبرُ تعالى أنه أمرهم بعد ذبح البقرة أنْ يضربوا القتيلَ ببعض البقرة؛ أي: ببعضٍ منها، ولم يُعيَّن هذا البعضُ، فيجزئهم الضربُ بأيِّ عضوٍ من أعضائها، أو جزءٍ من أجزائها، ولا معنى للاختلاف في تعيين البعضِ الذي يضربونه به (١). وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾: يدلُّ على أنهم لَمَّا ضربوه ببعض البقرة حَيَا، وجاء في الروايات الإسرائيلية أنه تكلَّم، وسمَّى قاتله (٢)، وظاهرُ القرآن يشهدُ بصحِّة ذلك. وقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾: يدلُّ على أنَّ إحياءَ هذا القتيل آيةٌ بينةٌ على قدرة الله على بعث الأموات. ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ أي القتيلُ ﴿بِبَعْضِهَا﴾ فضُرب بلسانها أو عجبِ ذنبها فحيي، وقال: قتلني فلانٌ وفلانٌ، لابنَيْ عمه، ومات، فحُرِما الميراث وقُتلا. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ الإحياءُ ﴿يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائلَ قدرتِه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون فتعلمون أنَّ القادرَ على إحياء نفسٍ واحدةٍ قادرٌ على إحياء نفوسٍ كثيرةٍ فتؤمنون.

стр. 161

وقولُ المؤلِّف: (فضُرب بلسانها … ) إلى آخره: هذا بعضُ ما جاء في الروايات الإسرائيلية، فمنه ما هو حقٌّ؛ وهو ما دلَّ عليه القرآنُ كإحيائه، ومنها ما لا دليلَ عليه؛ كالبعض الذي ذكر أنهم ضربوه به أو أنَّ القاتل ابنا عمِّه، ومثل هذا لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّبُ. وقولُه: (الإحياءُ): يريد أنَّ اسمَ الإشارة في كذلك يرجع إلى إحياء القتيل المفهوم من السياق. وقولُه: (دلائل قدرته): أي التي منها إحياءُ هذا القتيل. وقولُه: (تتدبرون … ) إلى آخره: أي تتدبرون قدرةَ الله على إحياء القتيل؛ فتعلمون قدرته على إحياء الموتى على كثرتهم لقوله: ﴿مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة﴾ [لقمان: ٢٨]. * * *

стр. 162

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ [البقرة: ٧٤]: المخاطَبون في هذه الآية هم المخاطَبون في الآيات السابقة، وهم بنو إسرائيل الحاضرون، والذين قَسَت قلوبُهم: هم بنو إسرائيل المتقدِّمون الذين جَرَت على أيديهم قصَّةُ القتيل وقصَّةُ البقرة؛ يخبر تعالى عنهم بأنها قَسَت قلوبُهم بعدما جرى منهم التدافعُ في أمر القتيل والتعنُّت في شأن البقرة وإظهار الله ما كانوا يكتمون. ومعنى قَسَت قلوبهم: اشتدَّتْ ولم تَلِن بعدما رأوا من آيات الله، فصارت في قسوتها مثل الحجارة أو أشد، ويدلُّ على أنها أشدُّ: أنَّ من الحجارة ما يتفجَّر منها الأنهار، ومنها ما يتشقَّقُ منه الماءُ، ومنها ما يهبطُ من المكان العالي بسبب خشيته لله. ثم يقول تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ للذين قَسَت قلوبهم فداموا على المعصية حتى قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيُّها اليهودُ! صَلُبت عن قبول الحقِّ ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات ﴿فَهْيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ في القسوة ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ منها ﴿وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّر مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ فيه إدغامُ التاء في الأصل في الشين ﴿فَيَخْرُج مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ ينزلُ من علو إلى سفل ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وقلوبكم لا تتأثرُ ولا تلينُ ولا تخشع ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وإنما يؤخِّركم لوقتكم. وفي قراءةٍ بالتحتية، وفيه التفاتٌ عن الخطاب.

стр. 163

وقولُ المؤلِّف: (صَلُبت عن قبول الحقِّ): تفسيرٌ للقسوة بالصلابة، والأصلُ أنَّ هذا في الحسيات، ولكنه استُعمل في المعنويات على وجه الاستعارةِ المكنيَّة؛ إذ شبَّه القلوبَ بالحجارة (١). وقولُه: (فيه إدغامُ التاء في الأصل في الشين): يريد أنَّ أصلَ ﴿يَشَّقَّقُ﴾ يتشقَّقُ، وسُكِّنت التاءُ ثم أُدغمت في الشين، وعلى هذا فأصلُ ﴿يَشَّقَّقُ﴾ يتشقَّقُ، فوزن الكلمة: يتفعَّل كما تقدَّم في «ادارأتم». وقولُه: (وقلوبكم لا تتأثرُ ولا تلينُ ولا تخشع): بيانٌ لحال قلوبهم، وأنها أقسى من الحجارة، فالحجارةُ تتفجَّرُ وتتشقَّقُ وتهبطُ، وقلوبُ أولئك لا تلين ولا تخشع. وقولُه: (وإنما يؤخِّرُكم لوقتكم): بيانٌ أنَّ إمهالهم لا لغفلةِ الله عنهم؛ بل ليبلغوا آجالهم. وقولُه: (وفي قراءةٍ بالتحتية … ) إلى آخره: يريد أنَّ للكلمة قراءتين ﴿تَعْمَلُونَ﴾ و ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، والتحتية: هي الياء؛ لأنها منقوطةٌ من تحت، والقراءةُ بالتاء على الخطاب، وهو المناسبُ لأوَّل الآية، والقراءةُ بالياء فيه التفاتٌ عن الخطاب إلى الغيبة كما ذكر المؤلِّفُ. * * *

стр. 164

قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥]: ينهى اللهُ - تعالى - المؤمنينَ عن إحسان الظنِّ باليهود والطمعِ في إيمانهم، وهم الذين فريقٌ منهم يسمعون كلامَ الله المنزَّل على موسى، وهو التوراةُ ثم يحرفونه؛ أي: يُغيّرون لفظَه أو معناه بعد ما فهموا مرادَ اللهِ منه، وهم يعلمون قُبحَ فعلِهم، فمَن هذه حالُه لا طمعَ في إيمانهم؛ لأنهم ارتكبوا الباطلَ قاصدين وعامدين، ولهذا قال: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾، وفي هذا تيئيس للمؤمنين من إيمانهم. ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيُّها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: اليهود ﴿لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ﴾ طائفةٌ ﴿مِنْهُمْ﴾ أحبارهم ﴿يَسْمَعُونَ كَلَام اللَّه﴾ في التوراة ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ يُغيرونه ﴿مِنْ بَعْد مَا عَقَلُوهُ﴾ فهموه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مُفترون؟ والهمزة للإنكار؛ أي: لا تطمعوا فلهم سابقةٌ في الكفر. وقولُ المؤلِّف: (أيُّها المؤمنون): بيانٌ للمخاطَبين في الآية. وقولُه: (أي: اليهود): بيانٌ للمراد في الذين لا طمع في إيمانهم، ويدلُّ له أنَّ الحديثَ في الآيات السابقة عنهم. وقولُه: (أحبارهم): بيانٌ للمراد بالفريق الموصوفين بالتحريف، وهم علماءُ اليهود، وهذا هو الصحيحُ، والصحيحُ أيضًا: أنَّ المرادَ بكلام الله التوراةُ (١)، ولهذا قال المؤلف: (في التوراة).

стр. 165

وقولُه: (يُغيّرونه): أي يُغيّرون معانيه بما يوافق أهواءهم، ومن أجل ذلك يُغيّرون حروفَه. وقولُه: (والهمزةُ للإنكار): يريد أنَّ همزةَ الاستفهام في أوَّل الآية للإنكار الذي معناه النهي، والأحسنُ في إعراب الفاء التي بعد همزة الاستفهام أنها عاطفةٌ على محذوف؛ فيكون التقديرُ: أتحسنون الظنَّ في هؤلاء وحالُهم ما ذُكِرَ، فتطمعون في إيمانهم (١)؟ * * *

стр. 166

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ [البقرة: ٧٦]: يُخبر تعالى عن المنافقين من اليهود أنهم إذا لقوا المؤمنينَ أظهروا لهم الإيمان وقالوا: ﴿آمَنَّا﴾؛ أي: قد آمنَّا، وإذا مَضوا إلى شياطينهم، وخلا بعضُهم ببعضٍ فإنهم يحذرونهم أن يُحدِّثوا المسلمين بما أعطاهم الله من العلم في التوراة مما يكون حجَّةً للمسلمين عليهم، وأنَّ ذلك خلافُ العقل؛ لقولهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾، فتبيَّن أنَّ قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ آخرُ ما أخبر اللهُ به من قول الرؤساء المتبوعين لأتباعهم لائمينَ لهم وموبِّخين على تحديثهم المسلمين بما يكون حجَّة لهم عليهم (١). ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ أي: منافقو اليهود ﴿الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ بأنَّ محمَّدًا نبيٌّ وهو المبشَّرُ به في كتابنا ﴿وَإِذَا خَلَا﴾ رجعَ ﴿بَعْضهمْ إلَى بَعْض قَالُوا﴾ أي: رؤساؤهم الذين لم يُنافقوا لمَن نافقَ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ أي: المؤمنين ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ﴾ أي: عرَّفكم في التوراة من نعت محمَّدٍ ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ ليخاصموكم، واللام للصيرورة ﴿بِهِ عِنْد رَبِّكُمْ﴾ في الآخرة، ويُقيموا عليكم الحجَّةَ في ترك اتّباعه مع علمكم بصدقِه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنهم يُحاجُّونكم إذا حدَّثتموهم فتنتهوا؟

стр. 167

وقولُ المؤلِّف: (وهو المبشَّرُ به في كتابنا): يشير إلى معنى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. وقولُه: (رجع): يُشير إلى أنَّ ﴿خَلَا﴾ في الآية ضُمِّن معنى: «رجع» بدليل التعدية بـ «إلى» (١). وقولُه: (أي: رؤساؤهم … ) إلى آخره: يُشيرُ إلى أنَّ الواو في ﴿قَالُوا﴾ تعودُ إلى بعض الثانية المخفوضة بـ «إلى»، وهم الرؤساءُ الذين سُمُّوا في الآية السابقةِ في أوَّلِ السورة بالشياطين. وقولُه: (أي: المؤمنين): بيانٌ لمرجع الضمير المنصوب في قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾. وقولُه: (أي: عرفكم … ) إلى آخره: تفسيرٌ للفتح بالمعرفة، ولا ريب أنَّ العلمَ بالحقِّ فتحٌ يفتحُه اللُه لِمَنْ يشاء؛ المعنى: أتحدثون المؤمنين بما تعلمون من صفة محمد ﷺ فيحتجُّون عليكم بذلك؟ وقولُه: (واللام للصيرورة … ) إلى آخره: يريد أنَّ اللام في قوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ لامُ العاقبةِ وليست للتعليل؛ فالمعنى: إذا حدَّثتموهم يؤول الأمرُ بكم وبهم إلى أنْ يُخاصموكم عند ربكم بعلمكم بصفة محمد ﷺ (٢). * * *

стр. 168

وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة: ٧٧]: هذا توبيخٌ وتهديدٌ من الله للمنافقين ورؤسائهم على ما فعلوا من النفاق وتلقّيهم الوصايا من رؤسائهم، هذا مع علمهم أنَّ الله يعلم ما يُسرِّون وما يعلنون. قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ الاستفهامُ للتقرير والواو الداخلُ عليها للعطف ﴿أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يُخفون وما يُظهرون من ذلك وغيره فيرعووا عن ذلك. وقولُ المؤلِّف: (والواو الداخلُ عليها للعطف): يريد أنَّ الواو التي بعد الهمزة عاطفةٌ للجملة التي بعدها على جملةٍ محذوفةٍ بعد الهمزة؛ فالتقدير: أيفعلون ذلك ولا يعلمون أنَّ اللهَ يعلم ما يُسرِّون وما يُعلنون؟ فأفادتِ الآية عِلمَ اللهِ بكلِّ ما يُسِرُّون وما يعلنون؛ لأنَّ «ما» من صيغ العموم. وقولُه: (فيرعووا عن ذلك): أي يرجعوا عن نفاقهم وإفسادهم خوفًا من الله تعالى الذي يعلم ما يُسرِّون وما يُعلنون. * * *

стр. 169

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]: يخبر تعالى أنَّ من اليهود فريقًا آخر هم أُمِّيُّون لا يفهمون معاني كتابهم التوراة، فلا يعلمون منها إلَّا التلاوة، وهو معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾، فهم يعلمون ألفاظها، ولا يعلمون معانيها، إلَّا ظنٌّ يظنونه، وهؤلاء هم عوامهم، وهذا على أحد القولين في تفسير: ﴿أَمَانِيَّ﴾؛ وهو أنَّ ﴿أَمَانِيَّ﴾ جمع أمنية؛ أي: قراءة (١)، وضعَّفَ ابنُ جرير هذا القولَ (٢) وكذا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٣)، وقالوا: أنَّ هذا يناقض قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾، والأُميُّ هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، فكيف مع ذلك يوصفون بالعلم بقراءة الكتاب؟ والاستثناء على هذا القول متصلٌ. والقول الثاني في الأماني: أنها الأحاديثُ الباطلةُ والتَّخرُّصات والتشهِّيات التي يُمنُّون بها أنفسهم (٤)، ومن ذلك قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، قال الله: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١]. وقولهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾، قال الله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. والاستثناء على

стр. 170

هذا القول منقطع؛ فالمعنى: لا يعلمون الكتابَ لكن يتمنَّون أماني لا حقيقةَ لها، ويدَّعون من عِلم الكتاب ما ليسوا منه في شيءٍ، ومع ذلك هم شاكون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾، والظنُّ في هذا الموضع هو الشكُّ. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي اليهود ﴿أُمِّيُّونَ﴾ عوام ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ التوراةَ ﴿إلَّا﴾ لكن ﴿أَمَانِيَّ﴾ أكاذيبَ تلقَّوها من رؤسائهم فاعتمدوها ﴿وَإِنْ﴾ ما ﴿هُمْ﴾ في جحد نبوة النبي وغيره مما يختلقونه ﴿إلَّا يَظُنُّونَ﴾ ظنًّا، ولا عِلم لهم. وقولُ المؤلِّف: (أكاذيب … ) إلى آخره: هذا مضمون القول الثاني في معنى أماني. وقولُه: (ما): هذا تفسير: لـ «إنْ» يريد أن يبين أنها نافية. وقولُه: (في جحد … ) إلى آخره: يُبيّن أنَّ اليهود لا مُستند لهم في أقوالهم الباطلة إلَّا الظن، والظنُّ أكذبُ الحديث. * * *

стр. 171

وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩]. المخبَر عنهم في هذه الآية بالكذب على الله فيما يكتبونه ليتوصلوا بذلك إلى عَرَض من الدنيا من مالٍ أو رئاسةٍ، الظاهرُ أنهم الفريق الذين وصفوا بأنهم يسمعون كلامَ الله ثم يُحرِّفونه، أو هم فريقٌ منهم وقد توعَّدهم الله في هذه الآية بالويل ثلاث مرات، والويل: هو العذابُ الشديدُ. ﴿فَوَيْلٌ﴾ شدة عذاب ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي مُختلقًا من عندهم ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من الدنيا وهم اليهود، غيروا صفة النبي ﷺ في التوراة وآيةَ الرجم وغيرها، وكتبوها على خلاف ما أُنزل ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المختلق ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من الرُّشا. وقولُ المؤلِّف: (شدة عذاب): هذا أحسنُ وأجمعُ ما فُسِّرَ به الويل (١)، وقد ذُكر في سياق الدعاء عليهم والوعيد لهم. وقولُه: (مُختلقًا من عندهم): يُبيِّن أنَّ الذي يكتبونه ليس هو التوراة المنزلة؛ بل كذبٌ يفترونه ويزعمون أنه من التوراة. وقولُه: (من الدنيا وهم اليهود … ) إلى آخره: يُبيِّن أنَّ المذكورين في الآيات المذمومين هم اليهود، وأنَّ غايتهم الحظُّ العاجلُ، وهو متاعُ الدنيا،

стр. 172

ومتاعُ الدنيا قليلٌ ولو كانت كلها؛ كما يُبيّن المؤلِّفُ أنَّ ممَّا حرَّفوه أو كتموه صفة نبينا محمد ﷺ . * * *

стр. 173

وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠]: يذكر تعالى في هذه الآية بعض أقوال اليهود الباطلة؛ التي افتروها على الله، وهو قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾؛ أي: قليلة، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى في آل عمران: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [آل عمران: ٢٤]، وقد أكذبهم الله في الآية التالية بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾: الاستفهام للإنكار الذي يؤول إلى النفي. و ﴿أَمْ﴾ هي: المنقطعة المؤولة بـ «بل» وهمزة الاستفهام، فالمعنى: بل أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ (١)، وهذا استفهام توبيخٍ لهم على افترائهم الكذب على الله، ومَن قال على الله بغير علم فهو مفترٍ كذاب. ﴿وَقَالُوا﴾ لَمَّا وعدهم النبيُّ النارَ ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ تُصيبنا ﴿النَّارُ إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ قليلةً، أربعين [يومًا] (٢)، مدَّة عبادة آبائهم العجل ثم تزول ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ حذف منه همزة الوصل استغناءً بهمزة الاستفهام ﴿عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ميثاقًا منه بذلك ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ به؟ لا ﴿أَمْ﴾ بل ﴿تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 174

وقولُ المؤلِّف: (أربعين يومًا … ) إلى آخره: هذا من الإسرائيليات؛ فلا يجزم بأنه مُرادهم بالأيام المعدودة (١). وقولُه: (حذف منه همزة الوصل … ) إلى آخره: يُبيّن أنَّ فعل «اتخذ» كان مبدوءًا بهمزة وصل مكسورة فلما اتصل الفعل بهمزة الاستفهام سقطت همزة الوصل. وقولُه: (ميثاقًا منه بذلك): تفسيرُ العهد من الله بالميثاق فيه نظرٌ، إذ لم يرِدْ أَخذُ الميثاق من الله، والأولى تفسيرُ العهد من الله بالوعد المؤكَّدِ الذي لا يُخلَف (٢). * * *

стр. 175

وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [البقرة: ٨١ - ٨٢]: يُبيِّنُ تعالى في هاتين الآيتين أنَّ مصيرَ الكافرين النار خالدين فيها، ومصيرَ المؤمنين الجنة خالدين فيها. وقوله: ﴿بَلَى﴾: ردٌّ لِمَا تزعمُه اليهود من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. والسيئة هي الكفر. ومعنى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: أي غَلبت عليه سيئاته فلا يصلُ إليه خيرٌ من أي جانب، وبهذا استوجبوا دخول النار والخلود فيها، وأمَّا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فمصيرُهم الجنة خالدين فيها. فهذان الفريقان - فريقُ السُّعداء وفريقُ الأشقياء - نقيضان في أحوالهما وأعمالهما ومآلهما. ﴿بَلَى﴾ تمسُّكم وتَخلدون فيها ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَة﴾ شركًا ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَته﴾ بالإِفراد والجمع أي: استولت عليه وأحدقت به من كلِّ جانبٍ بأن مات مشركًا ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ رُوعي فيه معنى «من». ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقولُ المؤلِّف: (تمسُّكم، وتَخلدون فيها): يُبيِّنُ بهذا أن ﴿بَلَى﴾ تُفيد إبطالَ النفي، وإثباتَ المنفي في قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾. وقولُه: (شركًا): تفسيرٌ للسيئة الموجبة للكفر والخلود في النار (١).

стр. 176

وقولُه: (بالإفراد والجمع): يريد أنَّ خطيئةَ فيها قراءتان: خطيئة وخطيئات (١). وقولُه: (استولت عليه): يعني غلبت عليه، فلا يفعل خيرًا حتى مات كافرًا فاستحقَّ الخلود في النار. وقولُه: (رُوعي فيه معنى «من»): يريد أنَّ خالدون - وهو جمع - روعي فيه معنى: «مَنْ» في قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾، فإنَّ لفظَها مفردٌ ومعناها الجمع. * * *

стр. 177

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]: في هذه الآية عودٌ إلى خطاب اليهود؛ لتذكيرهم بنعم الله على آبائهم وما جرى منهم من المخالفات، وما حلَّ بهم من العقوبات، وفي كلِّ ما تقدَّم تُضافُ هذه الأمور إلى المخاطبين لكن في هذا الموضع أُضيف أخذُ الميثاق إلى بني إسرائيل فيشمل الأولين منهم والآخرين. وفي ذكرهم بنسبهم الذي عُرفوا به تجديدٌ لِمَا افتتح به الخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ولينبني عليه خطابهم في الآيتين التاليتين، وقد دلَّت هذه الآية على ما تضمَّنه الميثاقُ وهو ثمانيةُ أمور: ١ - أنهم لا يعبدون إلا الله. ٢ - الإحسان إلى الوالدين. ٣ - الإحسان إلى ذوي القربى. ٤ - الإحسان إلى اليتامى. ٥ - الإحسان إلى المساكين. ٦ - أن يقولوا للناس حسنًا؛ أي: قولًا حسنًا. ٧ - إقام الصلاة. ٨ - إيتاء الزكاة. والخطاب في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ … ﴾ إلى آخره، لبني إسرائيل كلهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي أعرضتم عن العمل بالميثاق.

стр. 178

وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾: يدلُّ على أنهم لم يُعرضوا كلّهم بل أعرض أكثرُهم؛ فمعنى الآية: واذكروا حين أخذنا ميثاق بني إسرائيل بألا يعبدوا إلَّا الله ويحسنوا بالوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ويقولوا للناس حسنًا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولكنه قد تولَّى عن العمل بهذا الميثاق كثيرٌ منهم أو أكثرُهم. والخطابُ في أول الآية وآخرها لأهل الكتاب الموجودين زمنَ النبوة، خصوصًا اليهود الذين حول المدينة. والخطاب في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ … ﴾ إلى آخره: لبني إسرائيل الذين أَخذ اللهُ منهم الميثاق. ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل﴾ في التوراة وقلنا: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ بالتاء والياء ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ خبرٌ بمعنى النهي. وقُرئ ﴿لا تعبدوا﴾ ﴿وَ﴾ أحسنوا ﴿بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا﴾ برًّا ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ القرابة عطف على الوالدين ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَقُولُوا لِلنَّاسِ﴾ قولًا ﴿حَسَنًا﴾ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد، والرفق بهم، وفي قراءةٍ بضمِّ الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة﴾ فقبلتم ذلك ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفاتٌ عن الغيبة، والمرادُ: آباؤهم ﴿إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه كآبائكم. وقولُ المؤلِّف: (اذكر): جعل الخطاب للنبي ﷺ ، ولعلَّ الذي أوجب له ذلك التصريحُ بذكر بني إسرائيل بالاسم الظاهر، والأظهرُ أنه خطابٌ لبني إسرائيل في عهد النبي ﷺ (١)، يُذكرهم تعالى الميثاق الذي أخذ

стр. 179

على آبائهم؛ كقوله تعالى في آيتين من هذه السورة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. وتقدَّمَ بيانُ وجه جعل الخطاب لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي ﷺ تذكيرًا لهم بنعم الله على آبائهم ليشكروها (١). وقولُه: (في التوراة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا أنَّ الميثاق الذي أخذه اللهُ من بني إسرائيل بما تضمَّنه من الشرائع المذكورة في هذه الآية هو مما أنزله الله في التوراة. وقولُه: (بالتاء والياء): يُبيِّنُ أنَّ في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ قراءتين؛ ﴿لا تعبدون﴾ و ﴿لا يعبدون﴾ (٢)، ومعناهما: واحد، وهو طلبٌ بصيغة الخبر. وقولُه: (أحسنوا): هذا تقديرُ الفعل المحذوف المعطوف على النهي؛ المفهوم من قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَبِالْوَالِدَيْن﴾: مُتعلِّقٌ بـ «وأحسنوا». وقولُه: (عطف على الوالدين): فيكون المعنى: وأحسنوا بذي القربى إحسانًا واليتامى والمساكين. وقولُه: (قولًا): يُبيِّنُ أنَّ ﴿حَسَنًا﴾ صفةٌ لموصوفٍ محذوف تقديره: قولًا حسنًا. وقولُه: (من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … ) إلى آخره: بيانٌ للقول الحسن وأنه عامٌّ لكلِّ قولٍ سديد يرضاه الله تعالى. وقولُه: (وفي قراءة … ) إلى آخره: يُبيّنُ أنَّ في الكلمة قراءتين: ﴿حسنًا﴾ بفتح الحاء والسِّين، وبضمِّ الحاء وسكون السين (٣)، وهو على هذه القراءة

стр. 180

مصدرٌ وصف به مبالغة، فإنَّ الوصفَ بالمصدر يدلُّ على كمال الصفة في الموصوف؛ كقولك: زيدٌ عدلٌ؛ أي: عادلٌ. وهذا قولٌ حُسن؛ أي: حَسَنًا. وقولُه: (فقبلتم ذلك): يريد أنَّ كلَّ ما تقدَّم من أمرٍ أو نهيٍ داخلٌ في الميثاق، وأنَّ بني إسرائيل قبلوا ذلك؛ كما يدلُّ له قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. وقولُه: (أعرضتم عن الوفاء به): يُبيِّنُ أنَّ معنى ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: أعرضتم، فعُلم أنهم لم يَفوا بالميثاق. وقولُه: (فيه التفاتٌ عن الغيبة، والمراد: آباؤهم): يريد أنَّ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ التفاتٌ؛ أي: انتقالٌ عن الخبر عن بني إسرائيل بأخذ الميثاق منهم إلى خطاب بني إسرائيل الموجودين في عهد النبي ﷺ ، وهم اليهود، والمرادُ: توبيخُ الموجودين، والخبر عن أسلافهم، كما قيل في نظائر ذلك في الآيات السابقة؛ كقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]. وقولُه: (عنه كآبائكم): يريد وأنتم يا معشر يهود، مُعرِضون عن موجب الميثاق كما أعرض آباؤكم من قبل، وعلى هذا فالجملةُ مُستأنفةٌ، فكأنه قيل: وأنتم مُعرضون كما أعرض أباؤكم، فتضمَّنت الآية الخبرَ عن إعراض الآباء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وعن إعراض الأبناء في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (١). * * *
следующие страницы →