← Тафсир

Тафсир · id 288

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ 1

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (688 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقولُه: (ماكثونَ أبدًا … ) إلى آخره: يعني مقيمون في الجنة أبدًا فلا يموتون ولا يخرجون، كما قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦]، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]. * * *

стр. 72

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧]: يخبر - تعالى - أنه لا يستحيي من ضربِ المثل ببعض الأشياء الحقيرة، بأنه - تعالى - حكيمٌ يريد بيان الحقِّ لعباده في كلِّ طريق للعباد ويحصل لهم به الفرقان بين الحق والباطل؛ لهذا ضرب المثل بالذبابِ والعنكبوت، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ الآية [العنكبوت: ٤١]، ولو شاء - تعالى - لضرب المثل بأحقرَ من العنكبوت كالبعوضة. ومن حكمته - تعالى - في ذلك: ابتلاءُ العباد ليتميَّز المؤمن من الكافر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وبضرب هذا النوع من الأمثال يهدي الله كثيرًا ويُضِلُّ به كثيرًا؛ يهدي به المؤمنين، ويُضِلُّ به الفاسقين الذين يعترضون على الله في كلامه وبيانه؛ فيقولون فيما ضربه اللهُ من الأمثال مُعترضين على الله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. وأما الذين آمنوا فلا يعترضون على الله؛ لأنهم يعلمون أن ما جاء عن الله كلُّه حقٌّ. والفاسقون: هم الخارجون عن طاعة الله بالكفر والنفاق ونقضِ الميثاق، ومِن فِسقِهم قَطْعُ ما أمرَ الله به أن يُوصل، وإفسادهم في الأرض بالمعاصي وبالصدِّ عن سبيل الله وقد حكم - تعالى - عليهم بالخسران؛ فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾، والكفار والمنافقون هم أخسرُ الناس؛ لأنهم صائرون إلى النار خالدين فيها، فبذلك يخسرون أنفسَهم وأهليهم؛ كما قال

стр. 73

تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. ونزلَ ردًّا لقول اليهود لَمَّا ضرب الله المثلَ بالذبابِ في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبهُمْ الذُّبَاب شَيْئًا﴾ والعنكبوت في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت﴾ ما أرادَ الله بذكرِ هذه الأشياء الخسيسةِ؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ يجعلَ ﴿مَثَلًا﴾ مفعولٌ أول ﴿مَا﴾ نكرةٌ موصوفة بما بعدها مفعولٌ ثان أي: مثل كان، أو زائدة لتأكيدِ الخِسَّة، فما بعدها المفعول الثاني ﴿بَعُوضَة﴾ مفردُ البعوضِ وهو صغارُ البَقِّ ﴿فَمَا فَوْقهَا﴾ أي: أكبرُ منها أي: لا يترك بيانُه لِمَا فيه مِنْ الحِكَم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: المثل ﴿الحَقُّ﴾ الثابت الواقع موقعه ﴿مِنْ رَبّهمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا﴾ تمييزٌ أي: بهذا المثل، و «ما» استفهامُ إنكارٍ مبتدأٌ و «ذا» بمعنى الذي، بصلته خبرُهُ أي: أيُّ فائدةٍ فيه؟ قال - تعالى - في جوابِهم ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أي: بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾ عن الحقِّ لكفرِهم به ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ مِنْ المؤمنين لتصديقِهم به ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الخارجينَ عن طاعتِه ﴿الَّذِينَ﴾ نَعْتٌ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه﴾ ما عَهِدَهُ إليهم في الكتبِ من الإيمان بمحمَّدٍ ﴿مِنْ بَعْد مِيثَاقِهِ﴾ توكيدِهِ عليهم ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل﴾ مِنْ الإيمان بالنبي والرَّحمِ وغيرِ ذلك و «أنْ» بدلٌ مِنْ ضميرِ «به» ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي والتعويقِ عن الإيمان ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفونَ بما ذُكِرَ ﴿هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ لمصيرِهم إلى النارِ المؤبَّدةِ عليهم. وقولُ المؤلِّف: (ونزلَ ردًّا … ) إلى آخره: يذكر هنا سببَ نزول هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾، وذلك أنَّ الله لَمَّا ضرب المثلَ بالذباب وبالعنكبوت

стр. 74

لأصنام المشركين قال الكفار والمنافقون: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ومعنى قولهم: أنَّ هذه الأشياء حقيرةٌ فكيف يضرب اللهُ المثلَ بهذه الأشياء الحقيرة التي يُستحيا من ذكرها؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١)، فإنَّ ضَرْبَ الأمثال من طرق بيانِ الحق وإبطالِ الباطل، لذلك يضرب الله المثلَ بما شاء بعوضةً أو أكبر من البعوضة أو أصغر من البعوضة. وقولُه: (يجعلَ): فيه تفسيرُ ضربِ المثل بالجَعْلِ، والجَعْلُ: بمعنى: التصيير، ينصبُ مفعولين، وجعل المثل تشبيه الشيء بالشيء، ولذا جعل المؤلِّف مثلًا مفعولًا أولًا، و «ما» نكرة موصوفة. وقولُه: (لا يترك بيانُه لِمَا فيه من الحِكَمِ): يريد أنَّ معنى الآية أنَّ الله لا يتركُ ضربَ المثَلِ بما شاء من صغيرٍ وكبيرٍ؛ لأنَّ في ضربِ المثل حِكَمًا، وهو بيان الحق. وقولُه: (أي: المثل): يريد أنَّ الضمير في قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ يعود إلى المثل الذي ضربَه الله، فالمعنى: أنَّ الذين آمنوا بالله ورسوله يؤمنون بأنَّ المثلَ الذي يضربه الله يعلمون أنه الحق، أي: الموافقُ للحكمة المحصِّل للمقصود. وقولُه: (تمييزٌ): يريد أنَّ ﴿مَثَلًا﴾ منصوبٌ على التمييز؛ لقولهم: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾، وقدَّره المؤلِّف بقوله: «ماذا أراد الله بهذا المثل مثلًا» (٢)، فاسم الإشارة راجعٌ إلى المثل الذي ضربه الله في ضرب المثل بالعنكبوت والذباب. وقولُه: (و «ما» استفهامُ إنكارٍ مبتدأٌ … ) إلى آخره: يريد أنَّ «ما» في قولهم: «ماذا» اسم استفهام، وهي: مبتدأ فهي في موضعِ رفع، والاستفهام إنكار أي: استنكارٌ واعتراضٌ من الكفار على ما ضربه الله من المثل، فالمعنى: أيُّ فائدةٍ

стр. 75

من ضرب ذلك المثل؟ و «ذا» في قولهم ﴿مَاذَا﴾ اسم موصول بمعنى: الذي، وجملة ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ صلةُ الموصول، والموصول وصلتُه خبرُ المبتدأ الذي هو: «ما» الاستفهامية. وقولُه: (قال - تعالى - في جوابِهم … ) إلى آخره: يريد أنَّ قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جوابٌ لقول الكفار: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وقد تضمَّن الجواب بيانَ حكمته - تعالى - في ضرب المثل؛ وهي ابتلاء العباد فيهتدي به مَنْ آمن بأنه الحق - وهم كثيرٌ - ويُضِلُّ به مَنْ طعن في حكمة لله مِنْ ضرب المثل حتى قالوا: ماذا أراد الله بضرب هذا المثل، فإنه لا تظهرُ فيه حكمة فأيُّ فائدة في ضربه المثلَ؟ فصار ضَرْبُ المثل سببًا لهداية المؤمنين وسببًا لضلال الكافرين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. وقولُه: (الخارجينَ عن طاعتِه): يريد أنَّ الفاسقين هم الكفار والمنافقون، فَفِسْقُهُم هو الفِسق الأكبر، وهو: المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. وفي قول المؤلِّف: (الخارجينَ) إشارةٌ إلى أصل معنى الفِسق في اللغة، وهو الخروج عن الشيء، ومنه قولهم: «فسقتِ الرُّطبةُ مِنْ قشرها» أي: خرجتْ (١). وقولُه: (نَعْت): يريد أنَّ الاسم الموصول بصلتِه نعتٌ للفاسقين، فالموصول في محل نصب؛ لأنَّ الفاسقين مفعولٌ به ليضل، والاستثناء مُفرَّغ. وقولُه: (مَا عَهِدَهُ إليهم … ) إلى آخره: هذا تفسيرٌ للعهد الذي ينقضونه، وهو أنَّ مما عهد الله به إلى أهل الكتاب أن يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ إذا

стр. 76

بعث إليهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به (١)، والآية عامة لكل عهدٍ من الله، والأول هو المناسب لسببِ النزول (٢). وقولُه: (توكيدِهِ عليهم): أصل الميثاق: العهدُ المؤكَّدُ، لكنه هنا اسم مصدر؛ بمعنى: التوثيق؛ فالمعنى: ينقضون عهد الله من بعد توكيدِه عليهم. وقولُه: (مِنْ الإيمان بالنبي والرَّحمِ وغيرِ ذلك): هذا بيانٌ من المؤلِّف للمراد بالموصول في قوله تعالى: ﴿مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ﴾ أي: يقطعون الذي أَمر الله بوصلِه. وقولُه: (و «أنْ» بدلٌ مِنْ ضميرِ «به»): يريد أنَّ المصدر المؤول مِنْ «أن» والفعل بدلٌ من الضمير المجرور في «به» فيكون التقدير: أمر الله به بأن يوصل؛ أي: بوصلِه. وقولُه: (بالمعاصي والتعويقِ عن الإيمان): يريد أنَّ الإفساد في الأرض يكون بمعاصي الله والصدِّ عن سبيله. وقولُه: (الموصوفونَ بما ذُكِرَ): يريد أنَّ اسم الإشارة: ﴿أُولَئِكَ﴾ راجعٌ إلى الموصوفين بنقضِ عهد الله، وقطعِ ما أمر الله بوصله. وقولُه: (لمصيرِهم إلى النارِ المؤبَّدةِ عليهم): هذا تعليل، فالمعنى: أنهم خسروا لمصيرهم إلى النار، وقد دلَّ القرآن على الذي خسروه، وهو أنفسهم وأهلوهم؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، فهذا هو الخسران المذكور في هذه الآية، والله أعلم. * * *

стр. 77

وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨]: هذا توبيخٌ من الله للكافرين بالله واليوم الآخر وتعجُّبٌ من حالهم، وهم يعلمون أحوالَ الموت والحياة، وقد كانوا أمواتًا في الأصلاب والأرحام فأحياهم الله هذه الحياة الدنيا ثم يميتهم فيفارقون الدنيا، ثم يُحيهم يوم القيامة فيَبعثهم من القبور ثم يرجعون إلى الله ليجزيهم بأعمالهم، فهم يعلمون الموتتين والحياة الأولى ويُنكرون الحياة الأخرى فكفروا بذلك بربهم. ﴿كَيْفَ تَكْفُرونَ﴾ يا أهلَ مكة ﴿باللهِ و﴾ قد ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ نُطَفًا فِي الأصلَاب ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحامِ والدنيا بنفخِ الروح فيكم. والاستفهامُ للتعجيبِ مِنْ كُفْرهمْ مع قيام البرهان، أو لِلتَّوْبِيخِ ﴿ثُمَّ يُمِيتكُمْ﴾ عِنْد انتهاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعثِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تُرَدُّونَ بعد البعث فيُجازيكم بأعمالِكم. وقولُ المؤلِّف: (يا أهلَ مكة): يريد أنَّ الخطابَ في الآية للكفار بمكة، وهذا التخصيص غير صحيح؛ لأنَّ ذلك خلافُ ظاهر الآية، بل الخطاب للكفار والمنافقين الذين تقدم ذِكْرُهم في أول السورة، وذُكِروا فيما بعد، وأيضًا فالسورة مدنية فالمخاطَبُ بها الكفار من أهل الكتاب والمنافقين. وقوله تعالى: ﴿وكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾: زاد المؤلِّف «قد» الدالَّة على التحقيق، والواو للحال.

стр. 78

وقولُه: (نُطَفًا فِي الْأَصْلَاب): تفسيرٌ لقوله: ﴿أمواتًا﴾ (١)، وهي الموتة التي لم يتقدمْها حياةٌ، وهي الموتة الأولى في قوله - تعالى - عن الكفار: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، والموتة الثانية: هي موتُهم بعد إحيائهم في الدنيا، والإحياءةُ الثانية حين يُنفخ في الصور ويُبعثون من القبور، وهي المذكورة في قوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. وقولُه: (في الأرحامِ والدنيا بنفخِ الروحِ فيكم): هذه الحياة الأولى، ومبدؤُها نفخُ الروح في الجنين، وتشمل هذه الحياة أطوارَ الإنسان جنينًا وطفلًا وما بعد ذلك من أطوار الإنسان في هذه الدنيا. وقولُه: (والاستفهامُ للتعجيبِ … ) إلى آخره: يريد أنَّ الاستفهامَ في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ المقصود منه: التعجُّب مِنْ كفرهم، أو التوبيخ على كفرهم (٢) مع ما يعلمونه ويشاهدونه مِنْ خلق الله لهم، ونقلهم من طور إلى طور بالإحياء والإماتةِ، وذلك برهانٌ على كمال قدرته وحكمته، فمنه المبدأُ وإليه المعاد - وهو الرجوع إليه بعد البعث - للجزاء على الأعمال، ولهذا قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. * * *

стр. 79

وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]: يخبر - تعالى - في هذه الآية ممتنًا على عباده بأنه خلق لهم جميع ما في الأرض من أسباب المنافع من أنواع النبات والحيوان والمعادن، ثم صعد إلى السماء فخلق السمواتِ وجعلهُنَّ سبعًا، ثم أخبر أنه بكلِّ شيء عليمٌ، فدلَّت الآيةُ على كمال رحمته وكمال قدرته وإحاطة علمه، وذلك يقتضي أنه الإلهُ الحقُّ، لا يستحقُّ العبادةَ سواهُ، وفي ضمن ذلك تقريعٌ للذين كفروا به فأشركوا به وجحدوا ما أخبرَ به من البعث والجزاء، وبهذا يظهر اتصالُ هذه الآية بالتي قبلها، فالمخاطبون بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ هم الذين قيل لهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. وقال دليلًا على البعثِ لَمَّا أنكروه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الأرضِ وما فيها ﴿جَمِيعًا﴾ لِتَنتفِعُوا به وتَعتبرُوا ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ بعد خلقِ الأرضِ أي: قصدَ ﴿إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ الضميرُ يرجعُ إلى السماء؛ لأنها في معنى الجملةِ الآيلةِ إليه، أي: صيَّرَها كما في آية أخرى: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ [فصلت: ١٢] ﴿سَبْعَ سَمَاوَات وَهْوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم﴾ مُجملًا ومُفصَّلًا، أفلا تَعتبرون أنَّ القادرَ على خلقِ ذلك ابتداءً - وهو أعظم منكم - قادرٌ على إعادتِكم؟ وقولُ المؤلِّف: (أي: الأرضِ وما فيها): يريد أنَّ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ يتضمَّن خلقَ الأرض وما فيها؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ كما فصل ذلك في سورة فصلت.

стр. 80

وقولُه: (لِتَنتفِعُوا به وتَعتبرُوا): يشير إلى ما تدلُّ عليه اللام في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ من الامتنان بما خلقَه الله في الأرض من النعم لمصلحة العباد. وقولُه: (بعد خلقِ الأرضِ أي: قصدَ): هذا بيانٌ لمعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، وأنَّ ذلك بعد خلق الأرض كما تدلُّ عليه الآيات في سورة فصلت، وفسَّر المؤلِّف: ﴿اسْتَوَىْ﴾ بقَصَدَ، وهو معنى قول بعضهم: عمدَ، وهو معنى صحيح (١)، والأَولى: تفسيرُه بصعد (٢)؛ لأنَّ كلًّا منهما يتعدى بـ «إلى». وقولُه: (الضميرُ يرجعُ إلى السماء): يريد ضمير جمع المؤنث «هُنَّ»، يقول: يرجع إلى السماء، وهو مفرد، فعَوْدُ الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار ما هي صائرةٌ إليه، وهو كونها سبعَ سموات، وأصل معنى السماء: العُلُو من سماء يسمو (٣)، وكانت السماء دخانًا كما في آية فصلت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهْيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، قال المفسِرون: وهذا الدخان هو بخارُ الماء الذي عليه العرش (٤)، فسوَّى الله من هذه السماء سبعَ سماوات، كما قال في سورة

стр. 81

فصلت: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]. وقولُه: (مُجملًا ومُفصَّلًا): يريد أنَّ الله يعلم كلَّ الأشياء جملةً، ويعلم كلَّ واحدٍ منها بمفرده، ويعلم الكليات والجزئيات. وقولُه: (أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ … ) إلى آخره: يشير إلى أنَّ ذِكر خلق السموات والأرض وعلمه بكلِّ شيءٍ سِيقَ للدلالة به على قدرته - تعالى - على البعث، وهذا في القرآن كثيرٌ؛ كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. * * *

стр. 82

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]: يذكر تعالى بقوله حين قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: سأجعل فيها مَنْ يخلف مَنْ سبقَه مِنْ المخلوقات وهو آدمُ وذريته، وهم أممٌ يخلف بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]، وقد أطلعَ - سبحانه - الملائكةَ على ما يحصل من بني آدم من الإفساد في الأرض وسفكِ الدماء، لذلك قالوا متعجّبين مِنْ خلق مَنْ هذه صفته من الإفساد وسفك الدماء وجعلِهم خلفاءَ في الأرض، هذا وهم - أي: الملائكةُ - قائمونَ بما يليق بالله من حقِّه عليهم تسبيحًا وتحميدًا وتقديسًا، وإنما صدر هذا التعجُّبُ من الملائكة؛ لعدم علمهم بحكمته - تعالى - في خلقه وتدبيره، ولذلك جاء الرد قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾. ﴿و﴾ اذكرْ يا محمد ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يَخْلُفُنِي في تنفيذِ أحكامي فيها، وهو آدم ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا﴾ بالمعاصي ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يُرِيقهَا بالقتل كما فعلَ بنو الجانِّ، وكانوا فيها فلمَّا أفسدوا أرسلَ اللهُ عليهم الملائكة فطردوهُم إلى الجزائرِ والجبالِ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ مُتَلَبِّسِينَ (١) ﴿بِحَمْدِكَ﴾ أي: نقولُ: سبحان الله وبحمده ﴿وَنُقَدِّسُ لَك﴾ نُنَزِّهكَ عما لا يليقُ بكَ، فاللام زائدةٌ، والجملة حالٌ، أي: فنحن أحقُّ بالاستخلافِ ﴿قَالَ﴾ تَعَالَى ﴿إنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِنْ المصلحة في استخلافِ آدم وأنَّ ذريتَه فيهم المطيعُ

стр. 83

والعاصي فيظهرُ العدلُ بينهم، فقالوا: لن يخلقَ ربُّنا خلقًا أكرمَ عليه مِنَّا ولا أعلمَ لِسَبْقِنَا له ورؤيتِنا ما لم يره، فخلقَ الله - تعالى - آدمَ مِنْ أديمِ الأرض أي: وجهها، بأن قبضَ منها قبضةً من جميع ألوانِها وعُجنتْ بالمياه المختلفة وسوَّاه ونفخَ فيه الروحَ فصار حيوانًا حساسًّا بعد أن كان جمادًا. وقولُ المؤلِّف: (اذكرْ يا محمد): يريد أنَّ الظرف «إذ» متعلِّقٌ بمحذوف تقديره: اذكر؛ فالمعنى: اذكر أيها النبي، حين قال الله للملائكة. وقولُه: (يَخلُفُني في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم): ما ذكره المؤلِّف في تفسير الخليفة، وهو أنَّ الخليفة آدم، وأنه خليفةٌ عن الله في تنفيذ أحكامه، هذا أحدُ الأقوال في معنى الخليفة (١)، واستشهد لهذا القول بقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، قيل: ويؤيد هذا التفسير أنَّ الخبرَ عن الخليفة ذُكِرَ توطئةً لقصة آدم، ويُشكِلُ على هذا قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ لأنَّ آدم لا يكون منه ذلك، وأيضًا الخليفة إنما يكون لِمن يغيب أو يموت، فالله لا يجوز أن يكون له خليفةٌ لهذا المعنى، بل هو - تعالى - يكون خليفةً لمن شاء عند غيبتِه أو بعد موته كما جاء في دعاء السفر: ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)) (٢)، وكما قال ﷺ في حديث الدجال: ((إنْ يخرجْ وأنا فيكم فأنا حَجِيْجُهُ دونَكم، وإن يخرجْ ولستُ فيكم فامرئٍ حجيجُ نفسِه، واللهُ خَليفتي على كلِّ مسلمٍ)) (٣).

стр. 84

وبهذا يُعلم أنَّ الصواب أنَّ المراد بالخليفة آدم وذريتُه؛ فإنَّ الله جعلهم خلائفَ في الأرض؛ أي: يخلُف بعضُهم بعضًا، وآدمُ ﵇ خليفةٌ عمَّن سكن الأرض قبلَه من الجن أو الملائكة على قول جمهور المفسرين (١)، وعليه: فخليفة فعليةٌ بمعنى: فاعل، ويصح أن يكون بمعنى مفعول؛ أي: مُستخلَف، فاللهُ استخلف آدم عمَّن قبلَه واستخلف ذريتَه بعضَهم عن بعض وجعلهم خلائفَ في الأرض، وشواهد هذا المعنى في القرآن كثيرٌ. وقولُه: (بالمعاصي)، وقولُه: (يُرِيقهَا بِالْقَتْلِ … ) إلى آخره: تضمَّن كلامُ المؤلِّف أنَّ الإفساد في الأرض بفعل المعاصي؛ وهي جميع ما حرَّمه الله، وأنَّ سفكَ الدماء يكون بالقتل، وهو من الإفساد في الأرض، فَعَطْفُه على الإفساد مِنْ عطف الخاص على العام، وتضمَّن كلام المؤلِّف الإشارة إلى سبب قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وهو أنهم قاسوا آدمَ وذريته على سكان الأرض قبل آدم، وقد قيل: أنهم الجن كما أشار المؤلِّف (٢). وقولُه: (مُتَلَبِّسِينَ): يريد أنَّ المعنى أننا نسبِّحكَ مُتَلَبِّسِين بحمدك، فالباء للملابسة، فيصير المعنى: نقول: سبحان الله وبحمده أو سبحان الله والحمد

стр. 85

لله، والتسبيحُ: هو التنزيه عن النقائص والعيوب (١)، والحمدُ: هو الثناء بصفات الكمال (٢). وقولُه: (نُنَزِّهكَ عما لا يليقُ بكَ … ) إلى آخره: فسَّر التقديسَ بالتنزيه، وهذا معنى مَنْ فسَّره بالتطهير، فيصير معنى نقدِّسُكَ هو معنى نسبِّحُك، وقد ذُكر التسبيح قبل فلا بدَّ من الفرق إذن بين التسبيح والتقديس، وقد ذُكِرا معًا، والأَولى تفسير التقديس بالتنزيه والتعظيم (٣)؛ ليظهرَ وجهُ الجمع بينهما. وقولُه: (اللام زائدةٌ): يريد اللام الداخلةَ على ضمير المخاطَب، وهو: «الكاف» في قوله: ﴿نُقَدِّسُ لكَ﴾. وقولُه: (والجملة حالٌ): يريد أنَّ الجملةَ الاسمية التي بعد الواو حال. وقولُه: (مِنْ المصلحة في استخلافِ آدمَ … ) إلى آخره: في هذا ردٌّ على الملائكة في تفضيلِهم أنفسَهم على الخليفة الذي يكون من ذريته مَنْ يُفسد ويَسفك الدماء، وذلك لقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، وأنهم لذلك أولى بالاستخلاف، ومما يعلمه - تعالى - مِنْ أمر الخليفة ما يكون من ذريته من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وما يكون من الابتلاء الذي يحصل به من الأعمال التي هي أحبُّ إلى الله من أعمالِ الملائكة؛ كالتوبة من الذنوب، والجهاد في سبيل الله، وبذلِ الأنفس والأموال في ذلك مما جعل الله ثمنَهُ الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، فخلقَ اللهُ آدمَ ليجعلَه الخليفة في الأرض للحِكَمِ التي يعلمها، ثم أظهر - سبحانه - فضلَ آدم على الملائكة بالعلم كما في الآيات التي بعد هذه الآية.

стр. 86

وقولُه: (فَقَالُوا: لن يخلقَ ربُّنا خلقًا أكرمَ عليه مِنَّا ولا أعلمَ): نسبةُ هذا القول إلى الملائكة لا يجوز الجزمُ به - لأنه مِنْ الغيب - إلَّا بنقلٍ صحيح (١). وقولُه: (فخلقَ الله - تعالى - آدمَ مِنْ أديمِ الأرض … ) إلى آخره: ما دلَّ عليه من أنَّ آدم خُلِقَ من تراب من طين فهو معلوم بالضرورة من دَلالة القرآن، وأمَّا سائر ما تضمَّنه الكلام من التفصيل فقد جاءت فيه آثارٌ كثيرة رواها ابن جرير وغيره (٢)، ثم إنَّ قول المؤلِّف: (فخلقَ اللهُ آدم) يقتضي أنَّ قوله تعالى: ﴿إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كان قبل خلقِ آدم، وظاهرُ سياق القرآن أنه بعدَه، وخلقُ آدمَ تعقبُه وجودُ الملائكة له بأمرِ الله تعالى، ثم إنه - تعالى - أظهر فضلَ آدم عليهم بتعليمه أسماءَ كلِّ شيء، وعجز الملائكة عن معرفتها حتى أنبئَهم آدم بها بأمر الله - تعالى - كما في الآيات التالية، وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ متقدِّمٌ على قوله: ﴿إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. * * *

стр. 87

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣]: يخبر - تعالى - في هذه الآيات أنه علَّم آدمَ الأسماء كلها، وهي: أسماء أجناس الأشياء (١)، ثم إنه - تعالى - عرض هذه المسمَّيات على الملائكة، قال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، فاعتذروا وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾، ثم إنه - تعالى - أمر آدم أن يُعْلِمَ الملائكةَ بأسماء هذه الأشياء، فلما أخبرهم آدم بها ظهر فضلُه بذلك عليهم، وقال الله للملائكة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ .. ﴾ أي: في السموات والأرض ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ فلما علّمَه - سبحانه - وخفي على الملائكة الحِكمُ والمصالحُ المترتبة على استخلافِ آدم وذريته بالأرض؛ أقرَّ الملائكةُ بالعجز وفوَّضُوا العلم إلى الله - تعالى - وآمنوا بكمال علم الله وحكمته لقولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ أي: أسماءَ المُسمَّيات ﴿كُلَّهَا﴾ حتى القصعة والقُصَيعة، والفَسوة والفسيّة، بأنْ ألقى في قلبِه عِلْمَها ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أي: المسمَّيَات، وفيهِ تغليبُ العقلاء ﴿عَلَى الْمَلَائِكَة فَقَالَ﴾ لهم تبكيتًا: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ المسمَّيات ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أني لا أخلقُ أعلمَ منكم أو أنكم أحقُّ بالخلافةِ،

стр. 88

وجوابُ الشرط دلَّ عليه ما قبلَهُ ﴿قَالُوا سُبْحَانك﴾ تنزيهًا لكَ عن الاعتراضِ عليكَ ﴿لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا﴾ إيَّاه ﴿إنَّكَ أَنْتَ﴾ تأكيدٌ للكافِ ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يخرجُ شيء عن علمِه وحكمتِه. ﴿قَالَ﴾ تعالى ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾ أيْ: الملائكة ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ المُسمَّيات فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمِه، وذكرَ حِكمتَه التي خُلِقَ لها ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ﴾ تعالى لهم موبِّخًا ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّيَ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما غابَ فيهما ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ ما تُظهرون من قولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا … ﴾ إلخ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تُسِرُّون من قولِكم: «لن يخلقَ ربنا أكرمَ عليه مِنَّا ولا أعلمَ»؟ وقولُ المؤلِّف: (أي: أسماءَ المُسمَّيات): أي الألفاظ الدالَّة على معانيها، وهي: أجناس الأشياء، والاسم هو: اللفظُ الدالُّ، والمسمَّى هو: المعنى المدلول عليه باللفظ. وقولُه: (بأنْ ألقى في قلبه عِلمَها): هذا بيانٌ لكيفية تعليم الله آدم الأسماء، والقرآن دلَّ على التعليم، ولم يدلَّ على الكيفية فالواجبُ الوقوف عند ما ورد به النص، والله أعلم. وقولُه: (أي: المسمَّيَات) يريد؛ أن الضمير في قوله: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ يعود إلى المسمَّيات المفهومة من ذكر الأسماء. وقولُه: (وفيهِ تغليبُ العقلاء): وجهُ ذلك: أن المسمَّيات عامةً للعقلاء وغيرهم، وضمير الجمع الذي بالهاء والميم مختصٌّ بالعقلاء لذلك كان في عَوده إلى المسميات تغليبٌ للعقلاء.

стр. 89

وقولُه: (تبكيتًا): أي قال لهم ﴿أَنْبِئُونِي﴾ على وجهِ التبكيت (١) لهم على تفضُّلِهم على آدم، وأنهم أولى بالاستخلاف منه، فامتحنَهم الله بعرضِ المسمَّيات عليهم واستخبارِهم عن أسمائها؛ ليظهرَ عجزَهم وفضلَ آدم عليهم. وقولُه: (الْمُسَمَّيات): يريد أنَّ هؤلاء اسم إشارة إلى المسمَّيات المعروضة على الملائكة. وقولُه: (في أني لا أخلقُ أعلمَ منكم أو أنكم أحقُّ بالخلافةِ): يبيِّن المؤلِّف بما ذكر دعوى الملائكة التي طُولب بالبرهان على صدقِهم فيها، وهو علمُ الأسماء، ودعواهم تلك يدلُّ عليها قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. وقولُه: (وجوابُ الشرط دلَّ عليه ما قبلَهُ): الشرطُ قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾، وجوابه محذوف دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. وقولُه: (تنزيهًا لكَ): هذا تفسير لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ إذ معنى التسبيح: التنزيه، و «سبحان» مصدرٌ بمعنى التنزيه لا يتصرف؛ لأنه ملازمٌ للنصب. وقولُه: (عن الاعتراضِ عليك): تنبيهٌ إلى أنَّ قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ لم يكن على وجهِ الاعتراض، بل هو السؤالُ عن الحكمة. وقولُه: (تأكيدٌ للكافِ): يريد بذلك الضميرَ المنفصل ﴿أَنْتَ﴾، ذُكِرَ تأكيدًا للضمير المتصل الواقع اسم إنَّ وهو: الكاف ﴿إِنَّكَ﴾، فكلٌّ من الضمير المتصل والمنفصل في محلِّ نصبٍ بـ «إنَّ». وقولُه: (الذي لا يخرجُ شيء عن علمِه وحكمتِه): يريد أنَّ علمَه محيطٌ بكل شيء، وأنَّ له حكمةٌ في كلِّ شيء. وقولُه: (أي: الملائكةُ): يريد أنَّ الضمير بالهاء والميم في قوله: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ يعود على الملائكة. وقولُه: (المسمَّيات): يريد أنَّ الضمير في قوله: ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ راجعٌ إلى المسمَّيات، فيكون التقدير: أَنْبِئهُم بأسماء المسمَّيات.

стр. 90

وقولُه: (فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمه): هذا هو الإنباء بأسماء المسمَّيات؛ المعنى: أنَّ آدم امتثل أمرَ ربِّه فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمه الذي يُعرف به. وقولُه: (وذكرَ حِكمتَه التي خُلِقَ لها): ليس في الآية ما يدل على هذا المعنى الذي ذكره المؤلِّف. وقولُه: (مُوَبِّخًا): يريد أنَّ الاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ الآية للتوبيخِ، وهو العَتَبُ واللَّومُ. وقولُه: (ما غابَ فيهما): هذا تفسيرٌ لغيب السموات والأرض، والظاهر - والله أعلم - أنَّ قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ إشارةٌ إلى قوله: ﴿إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقولُه: (ما تُظهرون من قولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾) إلَخْ: هذا بيانٌ للقول الذي أظهروه. وقولُه: (تُسِرُّونَ): هذا تفسيرٌ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. وقولُه: (لن يخلقَ ربُّنا أكرمَ عليه مِنَّا ولا أعلمَ): تقدَّم أنَّ إضافةَ هذا القول إلى الملائكة لا يجوز الجزمُ به إلا بحجَّةٍ من كتابٍ أو سنَّة. * * *

стр. 91

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]: يذكِّرُ - تعالى - بقوله للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، والقول المشار إليه في الآية هو قولُه تعالى للملائكة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ كما في سورة الحِجر وص [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢]، فالمعنى في الآية: اذكرْ حين قلنا للملائكة: ﴿اسْجُدُوا﴾، و «إذ» ظرفٌ في موضعِ المفعول به لـ «اذكرْ» المقدَّر. وقوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾: أي سجد الملائكة كلُّهم أجمعون كما في سورة الحجر وص. وقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾: أي إنَّ إبليس لم يسجد لآدمَ، منعَه من السجود الاستكبارُ، فصار بذلك من الكافرين كما هو في علمِ الله، والصواب: أنَّ إبليسَ لم يكن من الملائكة بل مِنْ الجنِّ (١)؛ لقوله - تعالى - في الكهف: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. ﴿وَ﴾ اذكُرْ ﴿إذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم﴾ سجودَ تحيةٍ بالانحناء ﴿فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيس﴾ هو أبو الجنِّ، كان بين الملائكةِ ﴿أَبَى﴾ امتنعَ من السجود ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ تكبَّرَ عنه وقال: أنا خيرٌ منه ﴿وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ في علمِ الله.

стр. 92

وقولُ المؤلِّف: (اذكُرْ): تقديرٌ للعامل في الظرف «إذ»، وعلى هذا فـ «إذ» مبنيٌ على السكون في محلِّ نصبِ مفعولٍ به لـ «اذكر». وقولُه: (سجودَ تحيةٍ بالانحناء): أمَّا قولُه: (سجودَ تحية): طاعةً لله لا سجودَ عبادة (١)، فحقٌّ، وأما قولُه: (بالانحناءِ): فمعناه أنَّ سجودَ الملائكة ليس على جباههم بل هو ركوعٌ، وهذا محتملٌ، فقد يُطلَق السجودُ على الركوع؛ كما قال - تعالى - لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]، ولكن لا نجزم بأنَّ سجودَ الملائكة لآدم كان ركوعًا، فالله أعلم (٢). وقولُه: (هو أبو الجنِّ): هذا صحيح (٣)، يدلُّ له قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ الآية [الكهف: ٥٠]. وقولُه: (كان بين الملائكةِ): يريد أنَّ إبليس كان مع الملائكة حين أُمروا بالسجود لآدم فدخل في الأمر تبعًا. وقولُه: (امتنعَ من السجود): هذا تفسير لقوله تعالى: ﴿أَبَى﴾. وقولُه: (تكبَّرَ عنه): يريد أنَّ الحاملَ له على تركِ السجود الاستكبار. وقولُه: (وقال: أنا خيرٌ منه): لم يُذكر معنى هذا القول في هذه السورة، ولكنه ذُكِرَ في الأعراف والحِجر والإسراء وص. وقولُه: (فِي علمِ الله): يريد أنَّ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ

стр. 93

الْكَافِرِينَ﴾ بمعنى: أنَّ الله عَلِمَ بعلمِه القديم أنَّ إبليس سيكفر، وليس معنى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أنْ قد كفر قبلَ أن يؤمَرَ بالسجود ويعصي، بل قبل أمرِه بالسجود ومعصيتِه كان مؤمنًا (١). * * *

стр. 94

وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٧]: يخبرُ - تعالى - في هذه الآية عن إسكانِه لآدم وزوجِه الجنة والإذنِ لهما بالأكل من الجنة حيث شاءا، ونهيهِ لهما عن الأكل مِنْ شجرة، إمَّا شجرةٍ معينةٍ أو جنس شجرة من أشجار الجنة، وأنَّ ذلك كلّه كان بقولٍ قالَه لآدمَ وزوجه. وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: أي بالأكل منها. وقوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾: أي تصيران بسبب أكلِكُما من الشجرة من الظالمين، والفاء سببيةٌ، ثم أخبر - سبحانه - بأنَّ الشيطان قد أزلَّ آدم وزوجَه، أي: أوقعَهُما في الزَّلل؛ وهي المعصية، وذلك بالأكل من الشجرة، أزلَّهما بسبب أنَّ الله أسكنَهُما الجنة حسدًا منه لهما، وهذا معنى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾، وقُرئ: ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ (١) وضعَّف ابن جرير هذه القراءة (٢)، وقال: أنها لا تناسبُ مع قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾؛ لأن معنى: «أَزَالَهُمَا» أخرجهما فيلزم من ذلك التَّكرار. وقوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾: أي أخرجَ الشيطانُ آدمَ وزوجَه مما كانا فيه من النعيم في الجنة بسبب ما زيَّنه لهما من المعصية التي نُهيا عن قربانها، ثم أخبر - تعالى - أنه قال لآدم وزوجه وإبليس: ﴿اهْبِطُوا .. ﴾؛ أي: من الجنة، وهي في السماء إلى الأرض، و ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وقيل لهم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: مكان تستقرُّون فيه ومتاعٌ تتمتعون به إلى وقتِ الأجل المقدَّر، ثم أخبر - تعالى - أنَّ آدم - أي: وزوجَه - تلقّيا من ربهما كلماتٍ علَّمهم اللهُ إياها يُعبِّران بها عن

стр. 95

توبتِهما واعترافِهما بذنبهما، وهذه الكلمات هي المذكورة في سورة الأعراف: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، فتاب الله عليهما وغفرَ ذنبَهما بأنه - سبحانه - توَّابٌ أي: كثيرُ التوبة على عبادِه رحيمٌ بهم. ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ﴾ تأكيدٌ للضمير المستترِ ليَعطفَ عليه ﴿وَزَوْجُكَ﴾ حواء بالمدِّ، وكان خَلْقُها مِنْ ضلعِهِ الأيسرِ ﴿الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا﴾ أَكْلًا ﴿رَغَدًا﴾ واسعًا لا حَجْرَ فيه ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ بالأكلِ منها، وهي الحِنطة أو الكَرْم أو غيرهما ﴿فَتَكُونَا﴾ فتصيرا ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ العاصينَ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ إبليسُ أذهبَهما، وفي قراءة: ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ نحَّاهما ﴿عَنْهَا﴾ أي: الجنة بأنْ قالَ لهما: هَلْ أدلُّكما عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ؟ وَقَاسَمَهُمَا بالله إنه لهما لِمَنْ النَّاصِحين فأكَلَا منها ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ مِنْ النعيم ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ إلى الأرضِ أي: أنتما بما اشتملْتُما عليه مِنْ ذريتكما ﴿بَعْضُكُمْ﴾ بعضُ الذرية ﴿لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ مِنْ ظلمِ بعضكم بعضًا ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع قرار ﴿وَمَتَاعٌ﴾ ما تتمتعون به من نباتها ﴿إِلَى حِينٍ﴾ وقت انقضاء آجالكم ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبّه كَلِمَاتٍ﴾ ألهمَهُ إيَّاها، وفي قراءة: بنصب آدم ورفعِ كلماتٌ، أي: جاءَهُ؛ وهي: ﴿رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا﴾ الآية، فدعا بها ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قَبِل توبتَه ﴿إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ على عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم. وقولُ المؤلِّف: (تأكيدٌ للضمير المستترِ ليعطفَ عليه): يريد أنَّ الضمير المنفصل وهو «أنت» جاء في الجملة تأكيدًا للضمير المستتر الواقع فاعلًا لفعل الأمر «اُسكن».

стр. 96

وقولُه: (ليَعطفَ عليه): أي ليعطفَ على الضمير المستترِ، فإنه ضميرُ رفعٍ متصلٍ، ولا يجوز العطفُ على ضمير الرفع المتصل إلَّا أن يفصلَ بينهما بفاصلٍ كضمير الفصل، وهو في هذه الجملة «أنت»، وزوج معطوف على الضمير المستتر. وقولُه: (حواء … ) إلى آخره: هذا اسمُ زوجِ آدم، وهو المعروف، وجاء تسميتها في الصحيح: ((لولا حواءُ لمْ تَخُنْ أُنْثَى زوجَها)) (١)، وليستِ الخيانة بفعل الفاحشة (٢)، ولهذا يقال للنساء: بنات حواء. وقولُه: (وكان خَلْقُها مِنْ ضلعِهِ الأيسرِ): أي مِنْ ضلعِ آدم من جنبِه الأيسر، أمَّا خلقُها من آدم فهو نصُّ القرآن؛ قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، وأمَّا خلقُها من الضِّلع فجاء في السنَّة (٣). وقولُه: (أَكْلًا): قدَّرَ المصدر؛ ليُبيِّنَ أنَّ ﴿رَغَدًا﴾ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: أَكْلًا رغدًا، والأولى تقديره رزقًا (٤). وقولُه: (واسعًا لا حَجْرَ فيه): معناه أنَّ الرزق الذي أُذِنَ لهما بأكله من الجنة واسعٌ لا حجرَ فيه ولا حرجَ، فلهما أن يأكلا من جميع أشجارِ الجنة إلَّا التي نُهيا عنها، ولذا قيل في معنى: ﴿رَغَدًا﴾: واسعًا هنيئًا (٥)، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ أي: في أيِّ مكان من الجنة.

стр. 97

وقولُه: (بالأَكل منها): بيانٌ للمنهي عنها المتعلِّق بالشجرة يدلُّ لذلك قوله قبل ذلك: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾، فقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: كالاستثناءِ من الإباحةِ العامة المفهومةِ من قوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾. وقولُه: (وهي الحِنطة أو الكَرْم أو غيرهما): لم يقل دليلًا على تعيينِ الشجرة المنهي عنها أو جنسِها فلا معنى للخوض في ذلك. وقولُه: (فتَصيرَا): لأنَّ من معاني كانَ: صار، وذلك إذا وقعتْ بعد فاءِ السببية كما هنا. وقولُه: (العاصينَ): بيانٌ لنوع الظلم، وأنه مِنْ ظلم العبد نفسَه بالمعصية لا بالكفر. وقولُه: (إبليسُ أذهبَهما): فسَّرَ الشيطانَ بإبليس الذي امتنعَ من السجود لآدم، وأَزَلَّهُمَا أذهبهما، فالمعنى: أذهبَهما إبليس عن الجنة فصار لعدوِّهما اسمانِ: إبليس والشيطان، وإبليسُ من الإبلاس، وهو: اليأسُ من رحمة الله (١)، والشيطان قيل: مِنْ شاط، وقيل: مِنْ شَطَنَ (٢). وقولُه: (وفي قراءةِ: ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ نحَّاهما): قلتُ: القراءتان متقاربتان لفظًا ومعنى، على ما ذكره المؤلِّف في معنى «أَزَلَّهُمَا» قال: أذهبَهما، والصوابُ أنَّ معناهما مختلفٌ؛ «فأزَّلَهُمَا» مِنْ الزَّلل، و «أزالهما» من الإزالة. وقولُه: (أي: الجنة … ) إلى آخره: بيَّن مَرْجِعَ الضميرِ في قوله تعالى: ﴿عَنْهَا﴾، ثم ذكر المؤلِّف ﵀ حيلةَ الشيطان في إخراج آدم وزوجِه من الجنة، وذلك مبيَّن في سورة الأعراف وطه، ففي الأعراف قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا … ﴾ [الأعراف: ٢٠] إلى قوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وفي سورة طه: قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا .. ﴾ الآية [طه: ١٢١، ١٢٠].

стр. 98

وقولُه: (من النعيمِ): بيانٌ لما كان فيه من الحال الحسنة في الجنة، وقد بيَّن - سبحانه - ذلك في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى *﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، وقوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]. وقولُه: (إلى الأرضِ … ) إلى آخره: الهبوطُ ضدُّ الصعود، وكلاهما يتعدَّى بـ «إلى»، وكان هبوطُ آدم وزوجِه من الجنة إلى الأرض، وجاء في هذه الآية أمرُهما بالهبوط بصيغة الجمع، وتأوَّلَه المؤلِّف: بأنه خطابٌ لآدم وزوجِه بلفظ الجمع؛ لاشتمالِهما على الذرية التي ستكون منهما، وهذا مِنْ أحسن التوجيه (١)، وقد قيل: بأنه خطابٌ لآدمَ وزوجِه وإبليس، وهذا أجود؛ لقوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وإبليس: عدوٌّ لآدم وزوجه وذريتهما، وعليه فلا إشكالَ في جمع الضمير (٢). وقولُه: (بعضُ الذرية): هذا التفسير يتضمَّن أنَّ العداوةَ المذكورة هي التي تكون بين بني آدم، وأظهرُها وأكثرُها العداوة بين المؤمنين والكفار، ومن أسباب العداوة ما سببُهُ الظلم بين الناس. وقولُه: (موضعُ قرار): يريد أنَّ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ اسمُ مكانٍ من استقرَّ، والاستقرارُ في المكان هو: الثباتُ فيه (٣). وقولُه: (ما تتمتعونَ به من نباتها): أصل المتاع اسمُ مصدر بمعنى التمتُّع، وهو الانتفاع بالشيء (٤)، وقد يُعبَّر به عن المتمتَّعِ به، وقد مشى المؤلِّف على هذا فقال: المتاع: ما يُتَمتَّعُ به من نبات الأرض، والصحيح: أنه عامٌّ لكلِّ ما

стр. 99

يُنتفع به مما خلقَه الله لعباده في الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (١). وقولُه: (وقتَ انقضاءِ آجالكم): من المعلوم بالحسِّ والشرع أن تمتُّعُ الإنسان بما في الأرض من متاعٍ غايتُه الأجل المقدر لحياته فينتهي المتاع بانتهاء الحياة. وقولُه: (ألهمَهُ إياها … ) إلى آخره: هذا تفسير لـ «تلقى»؛ فمعنى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: ألهمَه الله كلمات، وعلى قراءة رفع ﴿كَلِمَاتٌ﴾ المعنى: فجاه من ربِّه كلماتٌ، وهذا الكلمات بينها - تعالى - في سورة الأعراف: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وهذا استغفارٌ متضمِّنٌ للتوبة النَّصوح، فقَبِلَ اللهُ توبتهما؛ لأنه - تعالى - هو التوَّاب الذي يُوفِّقُ من شاء للتوبة، ويقبل التوبة ممن تاب إليه، وهو الرحيم بعباده، وتوبتُه على التائبين من رحمتِه بهم. * * *

стр. 100

وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]: يخبر - تعالى - أنه أمرَ آدمَ وزوجَه وإبليسَ بالهبوط إلى الأرض كما في الآية السابقة. وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾: تأكيدٌ لمعنى الواو في قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، وأعادَ الأمر بالهبوط - والله أعلم - بذكر ما يترتَّبُ عليه مما لم يُذكر في الأمرِ الأول، وذلك قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ وهو ما بعثَ به رُسُلَهُ، ثم ذكر حالَ الناس مع هذا الهدى وأنَّهم فريقان: متبعٌ له، ومُعرضٌ عنه، وحُكْمَ كلِّ فريق، وذلك قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) … ﴾ الآيتين. ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ مِنْ الجنة ﴿جَمِيعًا﴾ كرَّرَهُ ليَعْطِفَ عليه ﴿فَإِمَّا﴾ فيه إدغامُ نونِ «إنْ» الشرطية في «ما» المزيدة ﴿يَأْتِيَنكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ كتابٌ ورسولٌ ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ فآمنَ بي وعملَ بطاعتي ﴿فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة بأنْ يدخلوا الجنة ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ كُتُبنَا ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ماكثونَ أَبدًا لَا يَفْنَونَ ولا يَخرجون. وقولُ المؤلِّف: (مِنْ الجنةِ): الهبوطُ من الجنة يدلُّ على أنها في العُلو. وقولُه: (كَرَّرَهُ): أي كرَّرَ الأمرَ بالهبوط، وقد جاء الأمرُ بالهبوط في هذه الآية، والآية السابقة؛ يقول المؤلِّف: (كَرَّرَهُ لِيَعْطِف عَلَيْهِ) وليس قولُه هذا بظاهرٍ؛ فإنه ليس في الآية عطفٌ، ولو قال: كرَّره ليذكر ما سيكونُ بعد الهبوط، وذلك في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنكُمْ مِنِّي هُدًى … ﴾، إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾.

стр. 101

وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا﴾ يقول المؤلِّف: (فيهِ إدغامُ نونِ «إنْ» الشرطية في «ما» المزيدة): لذلك تُنطَقُ ميمًا مشدَّدة، والفاء للتفريع. وقوله تعالى: ﴿يأْتِيَنكُمْ﴾: فعلُ الشرط مبنيٌّ على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وهو في محلِّ جزم. وقوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ دَلالةٌ وإرشادٌ بكتاب مُنزَّل، ونبيِّ مُرسَل، ولذا قال المؤلِّف: (﴿هُدًى﴾ كتابٌ ورسولٌ). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾: الفاء واقعةٌ في جواب الشرط «إن»، و «مَنْ» اسمُ شرط. وقوله تعالى: ﴿تَبِعَ هُدَايَ﴾: قال المؤلِّف: (فآمن بي وعمل بطاعتي)، وهذا تفسيرٌ صحيحٌ، فاتباع الهدى يتحققُ بالإيمان بالله والعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: الفاء واقعةٌ في جواب «مَنْ» الشرطية، ونفيُ الخوف والحزن عنهم يتضمَّنُ السعادةَ بالأمن والسرور، وذلك في الجنة، ولذلك قال المؤلِّف: (بأنْ يدخلوا الجنةَ). وقوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الموصول مبتدأ، وكفروا؛ أي: كفروا الله؛ أي: جحدوه. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: قال المؤلِّف: (﴿بِآيَاتِنَا﴾: كُتبنا)، وهذا تفسيرٌ للآيات بالآيات الشرعية، ولكنَّ الآيةَ تعمُّ الآيات الشرعية والكونية كالمعجزات، فالكفار كذَّبوا بآيات لله كلها. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم الإشارة عائدٌ إلى الذين كفروا وكذَّبوا. وقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أي هم أهلُ النار. وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ﴾: قال المؤلِّف: (﴿خَالِدُونَ﴾: مَاكثونَ أَبَدًا لَا يَفْنَوْنَ وَلَا يَخْرُجُونَ). كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]. * * *

стр. 102

وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٦]. هذا خطابٌ من الله خاصٌ ببني إسرائيل بعد الخطاب العام لجميع الناس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ … ﴾ إلى آخر قصة آدم وإبليس. وإسرائيلُ: هو نبيُّ الله يعقوب بن إسحاق ﵉، وفي ذِكْر نَسبِهم إلى إسرائيلَ تنويهٌ بفضله وتحريضٌ لبَنِيه على الاستجابة لدعوة الرسول ﷺ ؛ كما يقال: يا بني العبد الصالح، اقتدوا بأبيكم، واستقيموا (١). والمقصودون بهذا الخطاب أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم بنو إسرائيل، واليهودُ أخصُّ بذلك؛ لأنهم الموجودون حولَ المدينة في عهد النبي ﷺ ، والمقصود: تذكيرُهم بأسلافهم، وما جرى لهم أو عليهم من النِّعم والابتلاءات، وما جرى منهم من المخالفات في عهد موسى رسول الله إليهم وبعده، وامتنانٌ على المخاطَبين، ودعوةٌ لهم إلى شكر لله والإيمانِ بهذا الرسول، وتحذيرٌ لهم من الإصرار على التكبُّر والعصيان. ثم أمر اللهُ بني إسرائيل أن يؤمنوا بما أنزلَ اللهُ على محمَّدٍ ﷺ وهو القرآنُ، وهو مُصدِّقٌ لِمَا معهم من التوراة والإنجيل؛ أي: شاهدٌ بصدقهما، وينهاهم تعالى عن المبادرة إلى الكفر به، وذلك قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.

стр. 103

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: هذا نهيٌ من الله لأحبار اليهود أن يؤثروا الدنيا على الآخرة، فيستبدلوا بآيات الله التي عندهم ثمنًا؛ أي: عرضًا من الدنيا قليلًا يُعطَونه ليُحرِّفوا أو يكتموا آياتِ الله التي فيها الخبرُ عن الرسول ﷺ وَصِفَتُه، ثم أكَّد الأمرَ بالخوف منه فقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾. وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾: هذه الجملةُ إعرابُها كالتي قبلها ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾، وهذا أمرٌ من الله لأَحبار اليهود أن يتَّقوه فلا يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، والتقوى: هي امتثالُ الأوامر والنواهي خوفًا من الله تعالى، ولهذا قال المؤلِّف: - تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ -: (خَافُونِ فِي ذَلِكَ دون غيري). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾: اللَّبس: خلطُ الشيء بالشيء حتى لا يتميَّزْ أحدُهما من الآخر (١)، والآية نهيٌ لليهود عن خلط الحقِّ المنزَّل عليهم بالباطل الذي افتروه من تشريعاتٍ وتحريفاتٍ، ولذا قال المؤلِّف في تفسير كلمات الآية: في معنى ﴿تَلْبِسُوا﴾: تخلطوا، ﴿الْحَقَّ﴾: الذي أنزلتُ عليكم، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: الذي تفترونه. وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾: الواو: قيل عاطفة؛ فالتقدير: ولا تكتموا الحقَّ؛ فتفيد الآية النهيَ عن كلٍّ من الأمرين على انفراد: اللبس والكتمان، ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ مجزومٌ بلا الناهية، وقيل: الواو واو المعيَّة، والفعلُ منصوبٌ بأنْ بعدها، فتفيدُ الآية على هذا الإعراب: النهيَ عن الجمع بين الأمرين - اللبس والكتمان -، وهذا اختلافٌ في الإعراب ودلالةِ الكلام (٢)، وأمَّا الحكمُ فمعلومٌ أنَّ كلًّا من اللبس والكتمان حرامٌ مجتمعَين أو منفردَين،

стр. 104

والجمعُ بينهما أقبحُ، والحقُّ الذي نُهوا عن كتمانه: ما عندهم من الخبر عن بعثة النبيِّ ﷺ وصفتِه، وما يجب عليهم من الإيمان به واتِّباعه (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾: هذا أمرٌ من الله لأهل الكتاب بالدخول في الإسلام، وإقامةِ الصلاة المكتوبة، وإيتاءِ الزكاة المفروضة في شريعة محمَّدٍ ﷺ ، والركوعِ مع الراكعين النبي ﷺ وأصحابه، وهذا كأمرِ المشركين بالعبادة والصلاة إيمانًا بالله ورسوله، وعملًا بشريعته؛ قال تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٨]. وما أُمِر به أهلُ الكتاب في هذه الآية من إقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة مُتابعةً للرسول ﷺ هو نظيرُ ما أُخذ عليهم من الميثاق أن يقيموا الصلاةَ ويؤتوا الزكاةَ المفروضة عليهم في شريعتهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ .. ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾. ثم وبَّخَ اللهُ بني إسرائيل - وهم: اليهود - على أَمْرهم الناسَ بالبرِّ - وهو: العمل الصالح - وترك المعاصي، وتركهم أنفسَهم فلا يفعلون ما أَمروا به غيرَهم، ولا يتركون ما نُهوا عنه، وهذا معنى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، يفعلون ذلك على عِلم، ولذا قال سبحانه: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة، ومعلومٌ أنَّ أَمْرَ الإنسانِ غيرَه بما ينفعه، وتركَه نفسَه جهلٌ وسَفَهٌ، ولذا قال تعالى منكرًا على الذين سلكوا هذا المسلك: ﴿فَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾، فَعُلم من هذه الآية أنَّ مَنْ يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر رياءً، وهو في نفسه في السرِّ يُخالفُ ما يُظهره مذمومٌ ومُستحقٌّ للوعيد المذكور في حديث أسامة في الصحيحين في شأن الرجل الذي يُلقى في النار فتندلقُ أقتابه … الحديث (٢).

стр. 105

أمَّا مَنْ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر صادقًا ولكنه مُقصِّرٌ في نفسه؛ فهو مأجورٌ على قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى جهاده لنفسه، وليس هو من أهل هذه الآية، ولا حديثِ أسامة، ويغلطُ بعض الناس في فهم هذه الآية فيظنُّ أنَّ مَنْ كان مقصرًا في طاعة الله ورسوله لا يجوز له أن يأمرَ غيرَه وينهاه، وهذا يُحقِّقُ للشيطان غرضًا؛ وهو تركُ أكثر الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنَّ التقصير فيما يجب من طاعة الله وترك معصيته هو الغالبُ على الناس؛ فالواجبُ على المسلم أن يجاهدَ نفسَه ليقومَ بما يجب عليه، ويجاهدَ غيرَه بالأمر والنهي، فكلٌّ من الجهادين واجبٌ لا يُترَكُ أحدُهما للتقصير في الآخر (١). ثم أمرَ اللهُ بالصبر والصلاة فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، والمخاطَبُ بهذا هم بنو إسرائيل على ما اختاره ابنُ جرير (٢)، وذهب ابنُ كثير إلى أنه أمرٌ عام لم يُقصَد به أهلُ الكتاب خاصَّةً (٣)، وكلٌّ من القولين له وجهٌ، فقول ابن جرير هو المناسبُ لسياق الكلام؛ لأنَّ قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ معطوف على ما تقدَّم من الأوامر والنواهي من قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. وما قاله ابنُ كثير هو: ما يقتضيه المعنى؛ فقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ عامٌّ من حيث المعنى، خاصٌّ من حيث اللفظ، وهكذا القول في كلِّ الأوامر والنواهي المتقدِّمة؛ الأصلُ أنها خطابٌ لبني إسرائيل، ولكنَّ حُكمَها ومعناها عامٌّ، فنحن أمَّة محمَّدٍ ﷺ مُكلَّفون بما في هذه الآيات من الأوامر والنواهي، فعلينا امتثالها طاعةً لله وعملًا بوصاياه (٤). وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾: أمرٌ من الله بالاستعانة على كلِّ الأمور المهمة بالصبر والصلاة، وهي الصلواتُ الخمسُ، أو الصلاةُ مُطلقًا فتشملُ نوافلَ

стр. 106

الصلاة، ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة، ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: شاقةٌ (١)، ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ أي: الساكنين الخاضعين لربهم، وللمفسرين من السلف في تفسير الخاشعين عباراتٌ مختلفةٌ في اللفظ مُتَّفقةٌ في المعنى؛ كقول بعضهم: «المتواضعين» (٢)، وقول بعضهم: «الخاضعين» (٣). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾: معنى ﴿يَظُنُّونَ﴾: يعلمون ويُوقنون كما قال المؤلِّف، والظنُّ يأتي بمعنى العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠]، ويأتي بمعنى الشك (٤)، واعتبر ذلك ابنُ جرير من قَبيل المشترك اللفظي، فالعربُ تُطلِقُ الظنَّ على اليقين والشك، كما تُطلِق على الظلمة: سدفة، وعلى الضياء: سدفة (٥). وقوله: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: يعني يوم القيامة إذا بُعثوا. وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ أي: ويعلمون أنهم إلى ربهم راجعون، فَيُنبئهم بأعمالهم، ويجزيهم عليها. ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ أولاد يعقوب ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ﴾ أي: على آبائكم من الإنجاء من فرعونَ، وفلقِ البحرِ، وتظليلِ الغمامِ، وغير ذلك؛ بأن تشكروها بطاعتي ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمَّدٍ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ خافون في ترك الوفاء به دون غيري

стр. 107

﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ من القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوَّة ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِرٍ بِهِ﴾ من أهل الكتاب لأنَّ [مَنْ] (١) خَلفَكم تَبَعٌ لكم فإثمُهم عليكم ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ تستبدلوا ﴿بِآيَاتِي﴾ التي في كتابكم من نعت محمَّدٍ ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عوضًا يسيرًا من الدنيا؛ أي: لا تكتموها خوفَ فوات ما تَأخذونه من سَفَلتِكم ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ خافون في ذلك دون غيري. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ تخلِطوا ﴿الْحَقَّ﴾ الذي أَنزلتُ عليكم ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الذي تَفترونه (٢) ﴿وَ﴾ لَا ﴿تَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ نعت محمَّدٍ ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه الحق ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ صلُّوا مع المصلِّين محمَّدٍ وأصحابه. ونزل فِي علمائهم وكانوا يقولون لأَقربائهم المسلمين: اثبتوا على دين محمَّدٍ فإنه حقٌّ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ بالإِيمان بمحمَّدٍ ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تتركونها فلا تأمرونها به ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ التوراةَ، وفيها الوعيدُ على مخالفة القول العملَ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ سُوءَ فِعلكم فترجعون؟ فجملةُ النسيان محلُّ الاستفهام الإنكاري. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ اطلبوا المعونةَ على أموركم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ الحبس للنفس على ما تكره ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ أفردها بالذكر تعظيمًا لشأنها، وفي الحديث: ((كَانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ بَادَرَ إِلَى الصَّلَاة)) (٣). وقيل:

стр. 108

الخطابُ لليهود لَمَّا عاقَهم عن الإيمان الشَّرهُ وحُبُّ الرياسة فأُمروا بالصبرِ وهو الصوم؛ لأنهُ يكسرُ الشهوةَ، والصلاةَ؛ لأنها تُورثُ الخشوعَ وتنفي الكِبْرَ ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاةُ ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ ثقيلةٌ ﴿إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الساكنين إلى الطاعة ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يوقنون ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ بالبعث ﴿وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فِي الْآخرة فيجازيهم. وقولُ المؤلِّف: (أولاد يعقوب): في هذا بيانُ المراد بإسرائيل أنه نبيُّ اللهِ يعقوب، ومعنى إسرائيل: عبد الله (١)؛ كإسماعيل وجبرائيل. وقولُه: (أي: على آبائكم من الإنجاء من فرعونَ، وفلقِ البحرِ، وتظليلِ الغمامِ، وغير ذلك؛ بأن تشكروها بطاعتي): لأنَّ الإنعامَ على الآباء إنعامٌ على الذريَّة؛ كما قال تعالى عن العبد الشاكر (٢) في دعائه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥]، وأخبر عن نبي الله سليمانَ بمثل ذلك؛ لذلك أمر اللهُ بني إسرائيل أن يذكروا ما أنعم الله به على آبائهم ممَّا قصَّه تعالى في هذه الآيات التالية، ومن نِعم الله على بني إسرائيل ما ذَكَّر به موسى قومَه إذ قال: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٠].

стр. 109

وقولُه: (الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمَّدٍ)، وقولُه: (الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة): العهدُ اسمُ مصدرٍ مُضاف إلى مفعوله في الجملتين؛ فيكون التقدير في الجملة الأولى: أوفوا بعهدي الذي أخذتُه عليكم؛ فيدخل في ذلك كلُّ ما أخذه اللهُ على بني إسرائيل من المواثيق؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ … ﴾ الآية [البقرة: ٨٣]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ … ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]. والتقدير في الجملة الثانية: أوفي بعهدكم الذين عهدته إليكم؛ فيدخلُ في ذلك كلُّ ما وعدَ اللهُ به بني إسرائيل من الثواب العاجل والآجل؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ﴾ الآية [المائدة: ١٢]. وقولُه: (خافون في ترك الوفاء به دون غيري): الرهبةُ: خوفٌ مع الفرار من المخوف (١)، لكنَّ اللهَ الفرارُ منه إليه، والضمير المنصوب «إياي»: مفعولٌ به

стр. 110

مقدَّم لدلالة على القصر، ولهذا قال المؤلِّف: (دون غيري)، وقد يكون مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُه ما بعدَه، فيكون من باب الاشتغال (١). وقولُه: (من القرآن): بيانٌ للمراد من المنزَّل أنه القرآنُ المنزَّلُ على محمَّدٍ ﷺ ، وهذا الأمر تأكيدٌ لِمَا تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾؛ لأنَّ الإيمانَ بالرسول والقرآن ممَّا أخذَ اللهُ به الميثاقَ على بني إسرائيل. وقولُه: (من التوراة … ) إلى آخره: بيانٌ للمراد بما معهم، وأنَّ القرآن شاهدٌ للتوراة بأنها منزلة من عند الله، وبموافقتها فيما دلَّت عليه من توحيد الله وصدق رسله، وإن كان ناسخٌ لبعض ما فيها من الشرائع. وقولُه: (من أهل الكتاب … ) إلى آخره: يريد أنَّ قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي: من أهل الكتاب؛ لأنه قد كفر به قبل ذلك المشركون من أهل مكةَ وغيرهم، فهم أوَّل كافرٍ به مطلقًا (٢). وقولُه: (خوفَ فوات ما تَأخذونه من سَفَلتِكم): السفلةُ: هم لؤماءُ الناسِ وغوغاؤهم، وهم الفَسَقةُ الخبثاءُ اللؤماء (٣). وقولُه: (في ذلك): يريد فيما نُهوا عنه؛ في قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾. وقولُه: (دون غيري): ينبِّه إلى ما في الآية من القَصْر؛ لتقديم المفعول: إياي. وقولُه: (الذي أنزلتُ عليكم): أسند فعلَ الإنزالِ إلى المتكلِّم؛ لأنَّ الآية خطابٌ من الله لعلماء أهل الكتاب، وفي تفسير «الباطل» قال: الذي تفترونه.
следующие страницы →