← Тафсир

Тафсир · id 288

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ 1

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (688 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقولُه: (بالإفراد والجمع): يريد أنَّ خطيئةَ فيها قراءتان: خطيئة وخطيئات (١). وقولُه: (استولت عليه): يعني غلبت عليه، فلا يفعل خيرًا حتى مات كافرًا فاستحقَّ الخلود في النار. وقولُه: (رُوعي فيه معنى «من»): يريد أنَّ خالدون - وهو جمع - روعي فيه معنى: «مَنْ» في قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾، فإنَّ لفظَها مفردٌ ومعناها الجمع. * * *

стр. 177

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]: في هذه الآية عودٌ إلى خطاب اليهود؛ لتذكيرهم بنعم الله على آبائهم وما جرى منهم من المخالفات، وما حلَّ بهم من العقوبات، وفي كلِّ ما تقدَّم تُضافُ هذه الأمور إلى المخاطبين لكن في هذا الموضع أُضيف أخذُ الميثاق إلى بني إسرائيل فيشمل الأولين منهم والآخرين. وفي ذكرهم بنسبهم الذي عُرفوا به تجديدٌ لِمَا افتتح به الخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ولينبني عليه خطابهم في الآيتين التاليتين، وقد دلَّت هذه الآية على ما تضمَّنه الميثاقُ وهو ثمانيةُ أمور: ١ - أنهم لا يعبدون إلا الله. ٢ - الإحسان إلى الوالدين. ٣ - الإحسان إلى ذوي القربى. ٤ - الإحسان إلى اليتامى. ٥ - الإحسان إلى المساكين. ٦ - أن يقولوا للناس حسنًا؛ أي: قولًا حسنًا. ٧ - إقام الصلاة. ٨ - إيتاء الزكاة. والخطاب في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ … ﴾ إلى آخره، لبني إسرائيل كلهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي أعرضتم عن العمل بالميثاق.

стр. 178

وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾: يدلُّ على أنهم لم يُعرضوا كلّهم بل أعرض أكثرُهم؛ فمعنى الآية: واذكروا حين أخذنا ميثاق بني إسرائيل بألا يعبدوا إلَّا الله ويحسنوا بالوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ويقولوا للناس حسنًا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولكنه قد تولَّى عن العمل بهذا الميثاق كثيرٌ منهم أو أكثرُهم. والخطابُ في أول الآية وآخرها لأهل الكتاب الموجودين زمنَ النبوة، خصوصًا اليهود الذين حول المدينة. والخطاب في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ … ﴾ إلى آخره: لبني إسرائيل الذين أَخذ اللهُ منهم الميثاق. ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل﴾ في التوراة وقلنا: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ بالتاء والياء ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ خبرٌ بمعنى النهي. وقُرئ ﴿لا تعبدوا﴾ ﴿وَ﴾ أحسنوا ﴿بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا﴾ برًّا ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ القرابة عطف على الوالدين ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَقُولُوا لِلنَّاسِ﴾ قولًا ﴿حَسَنًا﴾ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد، والرفق بهم، وفي قراءةٍ بضمِّ الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة﴾ فقبلتم ذلك ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفاتٌ عن الغيبة، والمرادُ: آباؤهم ﴿إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه كآبائكم. وقولُ المؤلِّف: (اذكر): جعل الخطاب للنبي ﷺ ، ولعلَّ الذي أوجب له ذلك التصريحُ بذكر بني إسرائيل بالاسم الظاهر، والأظهرُ أنه خطابٌ لبني إسرائيل في عهد النبي ﷺ (١)، يُذكرهم تعالى الميثاق الذي أخذ

стр. 179

على آبائهم؛ كقوله تعالى في آيتين من هذه السورة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. وتقدَّمَ بيانُ وجه جعل الخطاب لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي ﷺ تذكيرًا لهم بنعم الله على آبائهم ليشكروها (١). وقولُه: (في التوراة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا أنَّ الميثاق الذي أخذه اللهُ من بني إسرائيل بما تضمَّنه من الشرائع المذكورة في هذه الآية هو مما أنزله الله في التوراة. وقولُه: (بالتاء والياء): يُبيِّنُ أنَّ في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ قراءتين؛ ﴿لا تعبدون﴾ و ﴿لا يعبدون﴾ (٢)، ومعناهما: واحد، وهو طلبٌ بصيغة الخبر. وقولُه: (أحسنوا): هذا تقديرُ الفعل المحذوف المعطوف على النهي؛ المفهوم من قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَبِالْوَالِدَيْن﴾: مُتعلِّقٌ بـ «وأحسنوا». وقولُه: (عطف على الوالدين): فيكون المعنى: وأحسنوا بذي القربى إحسانًا واليتامى والمساكين. وقولُه: (قولًا): يُبيِّنُ أنَّ ﴿حَسَنًا﴾ صفةٌ لموصوفٍ محذوف تقديره: قولًا حسنًا. وقولُه: (من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … ) إلى آخره: بيانٌ للقول الحسن وأنه عامٌّ لكلِّ قولٍ سديد يرضاه الله تعالى. وقولُه: (وفي قراءة … ) إلى آخره: يُبيّنُ أنَّ في الكلمة قراءتين: ﴿حسنًا﴾ بفتح الحاء والسِّين، وبضمِّ الحاء وسكون السين (٣)، وهو على هذه القراءة

стр. 180

مصدرٌ وصف به مبالغة، فإنَّ الوصفَ بالمصدر يدلُّ على كمال الصفة في الموصوف؛ كقولك: زيدٌ عدلٌ؛ أي: عادلٌ. وهذا قولٌ حُسن؛ أي: حَسَنًا. وقولُه: (فقبلتم ذلك): يريد أنَّ كلَّ ما تقدَّم من أمرٍ أو نهيٍ داخلٌ في الميثاق، وأنَّ بني إسرائيل قبلوا ذلك؛ كما يدلُّ له قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. وقولُه: (أعرضتم عن الوفاء به): يُبيِّنُ أنَّ معنى ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: أعرضتم، فعُلم أنهم لم يَفوا بالميثاق. وقولُه: (فيه التفاتٌ عن الغيبة، والمراد: آباؤهم): يريد أنَّ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ التفاتٌ؛ أي: انتقالٌ عن الخبر عن بني إسرائيل بأخذ الميثاق منهم إلى خطاب بني إسرائيل الموجودين في عهد النبي ﷺ ، وهم اليهود، والمرادُ: توبيخُ الموجودين، والخبر عن أسلافهم، كما قيل في نظائر ذلك في الآيات السابقة؛ كقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]. وقولُه: (عنه كآبائكم): يريد وأنتم يا معشر يهود، مُعرِضون عن موجب الميثاق كما أعرض آباؤكم من قبل، وعلى هذا فالجملةُ مُستأنفةٌ، فكأنه قيل: وأنتم مُعرضون كما أعرض أباؤكم، فتضمَّنت الآية الخبرَ عن إعراض الآباء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وعن إعراض الأبناء في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (١). * * *

стр. 181

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٦]: الخطابُ لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي ﷺ وهم اليهود حول المدينة كما تقدَّم في نظائر هذه الآية، والتقدير: واذكروا حين أخذنا ميثاقكم؛ أي: عهدكم المؤكد، وهو العهد الذي أُخِذ على آبائهم، وموجبه لازم لهم. وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: بيانٌ لِمَا تضمَّنه الميثاقُ من التكليف، وهو أمران: الأول: ألَّا يسفكوا دماءهم؛ أي: لا يقتل بعضهم بعضًا. والثاني: ألَّا يُخرجوهم من ديارهم؛ أي: بإجلائهم عنها. وقوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾: أي قبلتم ما تضمَّنه الميثاقُ ووافقتم عليه وأنتم تشهدون بذلك على أنفسكم، ثم أنتم يا هؤلاء المخاطَبون بهذا القرآن بعد ذلك تنقضون الميثاقَ؛ فيقتل بعضُكم بعضًا ويُخرج بعضُكم بعضًا من ديارهم. وقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: يعني: تتعاونون على إخراجهم بالإثم والعدوان؛ أي: بغير حق. وقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾: يعني: مَنْ وقع في الأسر منهم لدى العدو تُفادوهم؛ أي: تفتكُّوهم ببذل فدائهم، وهذا مما يجب عليكم

стр. 182

وهو من الإيمان بالكتاب، وقتالهم هو من الكفر بالكتاب، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾: تأكيدٌ لِمَا تضمَّنه الميثاقُ من النهي عن إخراج بعضهم من أهل مِلتهم من ديارهم. وقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: إنكارٌ على اليهود وتوبيخٌ لهم على نقضهم الميثاق وتناقضهم في الإيمان بالكتاب، إذ يقتل بعضُهم بعضًا، ويخرجونهم من ديارهم، وإذا أُسر أحدٌ منهم عند عدوهم فادوهم، فمُفاداةُ أسراهم هو من الواجب عليهم، وهو من إيمانهم بالكتاب، وقتل بعضهم بعضًا هو من كُفْرهم بالكتاب، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. ويوضِّحُ المفسِّرون مضمون الآيتين بذكر ما تُشير إليه من حال اليهود بعضهم مع بعضٍ قبل مَبعث النبي ﷺ ، فيذكرون أنَّ اليهودَ الذين كانوا حول المدينة ثلاثُ قبائل: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، وكان جيرانُهم الأوس والخزرج، وهم مشركون عُبَّاد أوثان، تكون بينهم حروب في الجاهلية، وكان بين اليهود والأوس والخزرج حِلفٌ، فيقاتل اليهود بعضهم بعضًا كل مع حلفائه، فيقتلونهم ويُخرجونهم من ديارهم (١)، وهذا ما نهاهم الله عنه في الميثاق بقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، ثم إذا أُسر أحدٌ من اليهود عند الأوس أو الخزرج فإنَّ اليهود يُفادونهم وهو واجبٌ عليهم في التوراة، وقتلُ بعضهم بعضًا وإخراجهم من ديارهم حرامٌ عليهم في التوراة، ولهذا قال الله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.

стр. 183

ثم توعَّد اللهُ اليهودَ على ذلك بالخزي في الدنيا وبأشدِّ العذاب في الآخرة فقال: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، ثم أخبر تعالى أنَّ علمَه محيطٌ بأعمالهم فقال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾، ثم بيَّن سبحانه أنَّ الذي حملهم على ما فعلوا من الكفر بالكتاب ونقض الميثاق هو إيثارُ الدنيا على الآخرة فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. الإشارة إلى الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، يُخبر تعالى عنهم بأنهم آثروا الدنيا على الآخرة فاستبدلوا الدنيا بالآخرة، وجعلوا حظوظ الدنيا عوضًا عن حظِّ الآخرة؛ لذلك يصيرون في الآخرة إلى أشد العذاب ولا يُخفَّفُ عنهم العذابُ، ولا هم يُنصرون فيُنقذون من العذاب. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ﴾ وقلنا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ تُريقونها بقتل بعضكم بعضًا ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ﴾ لا يُخرجْ بعضُكم بعضًا من داره ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ قبلتم ذلك الميثاق ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسكم. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ يا ﴿هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسكُمْ﴾ يقتل بعضُكم بعضًا ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارهمْ تَظَّاهَرُونَ﴾ فيه إدغامُ التاء في الأصل في الظاء. وفي قراءةٍ بالتخفيف على حذفها: تتعاونون ﴿عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ﴾ بالمعصية ﴿وَالْعُدْوَان﴾ الظلم ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وفي قراءةٍ ﴿أَسْرَى تَفْدُوهُمْ﴾ وفي قراءة ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ تُنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره، وهو مما عهد إليهم ﴿وَهْوَ﴾ أي الشأن ﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخْرَاجُهمْ﴾ متصلٌ بقوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ﴾، والجملةُ بينهما اعتراضٌ؛ أي كما حرم ترك الفداء، وكانت قريظة حالفوا الأوس، والنضير الخزرج، وكان كلُّ فريقٍ يُقاتلُ مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم، فإذا أسروا فدوهم، وكانوا إذا سئلوا لم

стр. 184

تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: أمرنا بالفداء، فيقال فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن يستذل حلفاؤنا. قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب﴾ وهو الفداءُ ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو تركُ القتل والإخراج والمظاهرة ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلَّا خِزْيٌ﴾ هوانٌ وذلٌّ ﴿فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وقد خُزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلونَ﴾ بالياء والتاء ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ بأن آثروها عليها ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يُمنعون منه. وقولُ المؤلِّف: (فيه إدغامُ التاء … ) إلى آخره: يُبيّن أنَّ قوله: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ أصلُها تتظاهرون، وفيها قراءتان بحذف التاء الثانية وتخفيف الظاء ﴿تَظَاهَرُونَ﴾، والقراءةُ الأخرى بتسكين التاء الثانية وإدغامِها في الظاء مع التشديد ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ (١)، وهي القراءة الأولى التي ذكرها المؤلف. والتظاهرُ: التعاون (٢)، وفسَّر المؤلفُ الإثم بالمعصية والعدوان بالظلم، فعَطْفُ العدوانِ على الإثم من عطفِ الخاص على العام. وقولُه: (وفي قراءة أسرى … ) إلى آخره: يُشير إلى القراءات في الآية، ففي ﴿أسرى﴾ قراءتان: ﴿أَسْرَى﴾ و ﴿أُسَارَى﴾، وفي كلٍّ من القراءتين قُرِئَ ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ و ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ (٣).

стр. 185

وقولُه: (وهو مما عهد إليهم): يعني مفاداة الأسرى ممَّا فرض عليهم. وقولُه: (الشأن): يريد أنَّ الضميرَ المنفصل هو ضميرُ الشأن، وتُفسِّرُه الجملةُ بعده. وقولُه: (متَّصلٌ بقوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ﴾): يريد أنَّ قوله: ﴿وَهْوَ مُحرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ مُتعلِّق بقوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا﴾، فالمعنى: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، والحال أنَّ ذلك الإخراجَ حرامٌ عليكم. وقولُه: (والجملة بينهما اعتراض … ) إلى آخره: الجملةُ المعترضةُ هي قوله: ﴿تَظَّاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ﴾. وقولُه: (وهو الفداء)، وقولُه: (وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة): يُبيِّنُ أنهم مأمورون في التوراة بذلك كلِّه، فامتثلوا في المفاداة، وهذا هو إيمانهم ببعض الكتاب، ولم يمتثلوا في ترك القتال والإخراجِ والمظاهرةِ؛ بل قتلوا وأخرجوا، وهذا هو البعضُ الذي كفروا به من الكتاب. وقولُه: (وقد خُزوا … ) إلى آخره: يريد أنَّ الخزي الذي توعَّد به في الدنيا قد تحقَّقَ بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وضرب الجزية. وقولُه: (بالياء والتاء): يريد أنَّ في ﴿يعملون﴾ قراءتين ﴿تَعْمَلُونَ﴾ و ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (١). * * *

стр. 186

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧]: يُخبر تعالى في هذه الآية أنه آتى موسى ﵇ الكتابَ؛ وهو التوراة، وإن كان قد تقدَّم الخبرُ بذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، ثم أخبر بذلك في هذه الآية تمهيدًا لِمَا سيذكره بعدُ من إرسال الرُّسل وإيتاء عيسى البيِّنات وتأييده بروح القدس، وإنكاره تعالى على بني إسرائيل استكبارَهم عن اتّباع الرُّسل الذين أُرسلوا إليهم منهم فكذبوهم وقتلوا بعضهم. وقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾: يعني: وأرسلنا من بعده رسلًا وهم أنبياء بني إسرائيل المتعبدون بشريعة التوراة، وسمَّاهم رسلًا لأنهم مأمورون بالدعوة إلى الله والحكم بين الناس بالتوراة، وخصَّ منهم عيسى بن مريم ﵇ فقال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، والبينات: هي الآيات التي أجراها الله على يده ﵇، إذ جعله يخلق من الطين كهيئة الطيرِ فينفخُ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ويُبرئُ الأكمه والأبرص ويُحي الموتى - بإذن الله -، وروح القدس قيل: جبريل، وقيل: الوحي الذي به حياةُ القلوب والأرواح (١)، والقُدُسُ: هو الطُهر (٢)، وإضافةُ الرُّوحِ إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة. وقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ﴾: الخطابُ لليهود الذين كانوا زمن النبي ﷺ ، والاستفهامُ توبيخٌ لليهود المخاطبين على استكبار آبائهم على مَنْ أُرسل إليهم، ففريقًا من الرسل كذَّبوه وفريقًا قتلوه، وإنما استحقَّ اليهودُ الذمَّ والتوبيخَ لأنهم مشوا على طريق أسلافهم في تكذيب الرسل وعداوتهم.

стр. 187

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أي: أتبعناهم رسولًا في أثر رسول ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ المعجزات؛ كإحياء الموتى وإبراءِ الأكمه والأبرص ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قوَّيناه ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة؛ أي: الروح المقدسة: جبريل، لطهارته يسير معه حيث سار. فلم تستقيموا ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى﴾ تُحبُّ ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾ من الحقِّ ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبَّرتم عن اتِّباعه جواب «كُلَّمَا» وهو محل الاستفهام، والمراد به التوبيخ ﴿فَفَرِيقًا﴾ منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ كعيسى ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ المضارع لحكاية الحال الماضية. أي: قتلتم؛ كزَكريا ويحيى. وقولُ المؤلِّف: (يسير معه حيث سار): بيانٌ لنوعٍ من التأييد وهو أنَّ جبريل يسير مع المسيح حيث سار. وقولُه: (جواب «كُلَّمَا»): يُبيّن بذلك أنَّ «كلَّما» أداةُ شرطٍ، ففعل الشرط ﴿جَاءَكُمْ﴾، وجوابُ الشرط ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ فكذبتم أو قتلتم. وقولُه: (وهو محلُّ الاستفهام): يريد أنَّ جوابَ الشرط هو مُتعلِّق الاستفهام. وقولُه: (والمرادُ به التوبيخ): يعني: المراد بالاستفهام التوبيخ. وقولُه: (المضارع لحكاية الحال الماضية): يُبيِّنُ أنَّ المضارع ليس خبرًا عن حال حاضرة بل خبرًا عن حال ماضية؛ لأنَّ القتلَ كان في الماضي؛ فالمعنى: فريقًا كذبتم ولم تقتلوهم، وفريقًا كذَّبتموهم وقتلتموهم، وفي الآية دلالةٌ على أنَّ عِنادَ بني إسرائيل وتعنَّتهم لم يقتصر على رسولهم موسى ﵇؛ بل كانت حالهم مع الرسل من بعد موسى كحالهم مع موسى ﵇، إلى أن جاء نبيُّنا

стр. 188

محمد ﷺ خاتم النبيين، فكان اليهودُ من أشد الناس عداوةً له وتكذيبًا وحسدًا، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ هذه الآية نظير الآيات التي خُوطب بها بنو إسرائيل الموجودون زمن النبي ﷺ التي أولها: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. * * *

стр. 189

وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٨٨ - ٩٠]: يُخبر تعالى في هذه الآية عن اليهود الذين كانوا هم المخاطَبين في الآيات السابقة، أخبر عنهم بلفظ الغيبة، ففيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبية أنهم قالوا معتذرين عن عدم قبول دعوة النبي ﷺ على وجه الاستهزاء أنَّ قلوبَهم غُلْفٌ؛ أي: عليها غشاءٌّ يمنعها من الفهم، و ﴿غُلْفٌ﴾: جمعُ أغْلف، وهو الذي في غلاف (١)، وهذا نظيرُ ما أخبر اللهُ به عن المشركين في قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]. ثم أكذبهم اللهُ في زعمهم عدمَ الفهم لِمَا جاء به الرسولُ، فبيَّن سبحانه أنَّ عدم إيمانهم بسبب أن لعنهم الله بسبب كُفْرهم أوَّل مرة، وطبع على قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]، وقال هنا: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾، واللعن من الله: هو الإبعاد من الرحمة. ثم أخبر تعالى عن حال اليهود مع القرآن فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾: أي القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، ومن نعته أنه مصدقٌ لِمَا معهم من كتب الله، وهي التوراة والإنجيل؛ أي: شاهدٌ لها بالصِّدق؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤]، ودالٌّ على ما دلَّت عليه من أصول الإيمان.

стр. 190

وقوله: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾: أي التوراة والإنجيل. وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جملةٌ معترضةٌ يُحتمل أن تكون حالًا، ويُحتمل أن تكون مُستأنفة لبيان أنهم على معرفةٍ بالرسول والكتاب (١). ومعنى: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يستنصرون اللهَ على مَنْ يقاتلهم من العرب المشركين ببعث محمد ﷺ ، وكانوا يتوعَّدون الأوسَ والخزرجَ، وكانوا في الجاهلية كفارًا مشركين لا يؤمنون بكتابٍ ولا رسولٍ، وكان اليهود إذا قاتلوهم يتوعَّدونهم بأنه يخرج رسولٌ في آخر الزمان، فإذا خرج آمنوا به وقاتلوا معه، فينتصرون عليهم. وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾؛ وهو الكتابُ أو الرسولُ، ﴿كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾؛ أي: حقَّت لعنةُ الله عليهم؛ فوضع الظاهرَ موضعَ المُضمر بإثبات وَصْفِ الكفر لهم. وجملة ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾: بدلٌ من جملة ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾؛ لترتيب جواب الشرط، فيكون المعنى: «ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم كفروا به». وقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾: تقبيحٌ لِمَا اعتاضوا به عن أنفسهم، والاشتراءُ في هذا الموضع: البيعُ في قول أكثر المفسرين (٢)، ويشهدُ له قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ أي: باعوا؛ فالشراء في هذه الآية بمعنى البيع بالاتفاق؛ فالمعنى: بئس الشيء باعوا به أنفسهم وأخذوه عوضًا عنها؛ وهو كفرهم بما أنزل الله في التوراة على موسى، وهو: البشارة بمحمد ﷺ والأمر بالإيمان به واتباعه، وكذا كفرهم بما أنزل

стр. 191

الله على محمد ﷺ من الكتاب. وفاعل «بئس»: الاسم الموصول في قوله: ﴿بِئْسَمَا﴾، والمخصوص بالذم المصدر المؤول في قوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ﴾، وهو في محل رفع. و ﴿بَغْيًا﴾: مفعول لأجله، والبغي: الحسدُ والظلمُ والعدوانُ؛ فالمعنى: كفروا بما أنزل اللهُ حسدًا للنبي ﷺ أنْ بُعث من بني إسماعيل لا من بني إسرائيل. ﴿وَقَالُوا﴾ للنبي استهزاء: ﴿قُلُوبنَا غُلْفٌ﴾ جمعُ «أغلف» أي مُغشاة بأغطية فلا تعي ما تقول. قال تعالى: ﴿بَلْ﴾ للإضراب ﴿لَعَنَهُمْ اللَّه﴾ أبعدهم عن رحمته وخذلهم عن القبول ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ وليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ «ما» زائدة لتأكيد القلة، أي: إيمانهم قليلٌ جدًا ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة وهو القرآن ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قبل مجيئه ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يستنصرون ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ من الحقِّ وهو بعثة النبي ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ حسدًا وخوفًا على الرياسة. وجواب «لَمَّا» الأولى دلَّ عليه جوابُ الثانية ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا﴾ باعوا ﴿بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: حظَّها من الثواب، و «ما» نكرة بمعنى «شيئًا» تمييزٌ لفاعل «بئس»، والمخصوص بالذم: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ أي: كفرهم ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّه﴾ من القرآن ﴿بَغْيًا﴾ مفعول له، لـ ﴿يَكْفُرُوا﴾، أي: حسدًا على ﴿أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ﴾ بالتخفيف والتشديد ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الوحي ﴿عَلَى مَنْ يُشَاءُ﴾ للرسالة ﴿مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا﴾ رجعوا ﴿بِغَضَبٍ﴾ من الله بكفرهم بما أنزل، والتنكيرُ للتعظيم ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ استحقُّوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَاب مُهِينٌ﴾ ذو إهانة.

стр. 192

وقولُ المؤلِّف: (للإضراب): يريد أنَّ «بل» تُفيد الإضراب؛ وهو الانتقالُ عن إثبات حكمٍ لشيءٍ بإثباتِه لغيره، فتبيَّن بذلك أنَّ السببَ الحقيقيَّ في عدم قَبولهم دعوةَ الرسول ﷺ هو اللعنُ من الله والطبعُ على قلوبهم. وقولُه: (وخذلهم عن القبول): أي لم يوفِّقهم لقبول الحقِّ، فالخذلانُ عدم التوفيق. وقولُه: (وليس عدم قَبولهم لخللٍ في قلوبهم): يريد أنَّ كفرَهم أوَّلَ مرَّةٍ هو سببُ عدم قبولهم، لا لمانعٍ في قلوبهم كما زعموا بقولهم: ﴿قُلُوبنَا غُلْفٌ﴾. وقولُه: (ما زائدة لتأكيد القلة): يُريدُ أنَّ «ما» المتصلة بقليل مؤكدة لِمَا يفيده قليل، ولهذا فسَّره بقوله: (قليلٌ جدًا). و «قليلًا»: صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ مقدَّم؛ عامله: يؤمنون؛ فالتقدير: فيؤمنون إيمانًا قليلًا ما. وقولُه: (وهو القرآن): بيانٌ للمراد بالكتاب المصدّق الذي جاء من عند الله. وقولُه: (قبل مجيئه): بيانٌ للمُضاف إليه المحذوف في قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل مجيء الكتاب الذي هو القرآن. وقولُه: (يستنصرون): هذا معنى ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾؛ لأنَّ الفتحَ هو النصر، والاستفتاحُ: طلبُ النصر، وكانوا يدعون اللهَ أن ينصرهم على الكفار (١). وقولُه: (يقولون … ) إلى آخره: بيانٌ لِمَا كانوا يدعون به في استفتاحهم، وهو يدلُّ على أنهم على علمٍ بمبعث النبي ﷺ ولذا كانوا يترقَّبون مبعثه. وقولُه: (وجواب «لَمَّا» الأولى … ) إلى آخره: لَمَّا الأولى في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾، ولَمَّا الثانية في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، وجوابها قوله: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾، وجواب «لَمَّا» الأولى محذوفٌ دلَّ عليه جواب «لَمَّا» الثانية؛ فالتقدير: ولَمَّا جاءهم كتاب من عند الله مصدقٌ لِمَا معهم كفروا به.

стр. 193

وقولُه: (باعوا): هذا تفسيرُ ﴿اشْتَرَوْا﴾، وهذا من مواضع مجيء «اشترى» بمعنى باع؛ فيكون ﴿اشْتَرَوْا﴾ في الآية مثل قوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: باعوا به أنفسهم، ولهذا كانت الباءُ داخلةً على المأخوذ في الآيتين. وقولُه: (حظها من الثواب): تفسيرٌ لقوله: (باعوا أنفسهم)؛ فالمعنى: باعوا حظَّهم من الثواب في الآخرة بأعظم أسباب العذاب وهو الكفر بما أنزل الله. وقولُه: (و «ما» نكرة بمعنى شيئًا … ) إلى آخره: هذا أحدُ الأقوال في «ما» التي بعد «بئس»، وقيل: «ما» اسم موصول بمعنى الذي، فتكون في موضع رفعِ فاعلٍ لـ «بئس»، وهذا أظهر لفهم المعنى (١). وقولُه: (من القرآن): بيانٌ لِمَا في قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقيل: ما أنزل الله في التوراة في شأن محمد ﷺ ، والأولُ هو ما يقتضيه السياق، ولو قيل إنَّ قولَه: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ عامٌّ لكان له وجهٌ (٢). وقولُه: (مفعول له … ) إلى آخره: يُبيّن بذلك إعراب ﴿بَغْيًا﴾ ومعناها؛ فالمعنى: كفروا بما أنزل الله حسدًا على إنزال الله من فضله على من يشاء من عباده، وهو ما أنزله من الكتاب والحكمة على محمد ﷺ . وقولُه: (بالتخفيف والتشديد): يُبيّن أنَّ في قوله: ﴿أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ﴾ قِراءتين؛ بتشديد الزاي وتخفيفها (٣).

стр. 194

وقولُه: (الوحي): تفسيرٌ للفضل المنزَّل وهو الوحيُ المتضمنُ للإنباء والإرسال. وقولُه: (للرسالة): يُبيّن أنَّ ﴿يَشَاءُ﴾ مضمَّنٌ معنى يختار؛ فالمعنى: على مَنْ يختاره للرسالة. وقولُه: (رجعوا): فيه أنَّ معنى: «باء» رجع، فهي مثل «آب» في المعنى، مع أنها عكسها في ترتيب الحروف (١). وقولُه: (من الله بكفرهم … ) إلى آخره: يريد أنَّ المعنى: رجعوا بغضبٍ عظيمٍ من اللهِ بسبب كفرهم بما أنزل الله على محمد ﷺ . وقولُه: (استحقوه … ) إلى آخره: يُبيِّن أنَّ معنى ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾: أنَّ اللهَ قد غضب عليهم بكفرهم بما أنزل الله على محمد ﷺ ، على غضبٍ استحقُّوه قبل ذلك بسبب تحريفِ التوراة وكفرهم بعيسى ﵇، فكفروا مرَّتين، وغضب الله عليهم مرتين (٢). وقولُه: (ذو إهانة): معناه أنَّ عذابَ الكافرين فيه إهانةٌ وإذلالٌ لهم. * * *

стр. 195

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ [البقرة: ٩١]: يُخبر تعالى في هذه الآية عن قول اليهود إذا دُعوا إلى الإيمان بالقرآن رَدُّوا بأنهم لا يؤمنوا إلَّا بما أُنزل عليهم ولا يؤمنون بغيره، هذا والذي دعوا إلى الإيمان به هو الحق وهو مصدقٌ لِمَا معهم شاهدٌ له، ثم يُبيِّنُ سبحانه أنهم كاذبون فيما ادَّعوا من الإيمان بما أُنزل عليهم، بدليل قتلهم أنبياءَ الله بغيرِ حقٍّ؛ ولذا قال: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ القرآن وغيره ﴿قَالُوا نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: التوراة قال تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾ الواو للحال ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ سواه أو بعده من القرآن ﴿وَهْوَ الْحَقُّ﴾ حال ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال ثابتة مؤكدة ﴿لِمَا مَعَهُمْ قُلْ﴾ لهم: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتم ﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالتوراة، وقد نهيتم فيها عن قتلهم. والخطابُ للموجودين في زمن نبيِّنا بما فعل آباؤهم لرضاهم به. وقولُ المؤلِّف: (القرآن وغيره): بيانٌ للمُراد بالموصول في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، والمراد: بغير القرآن: الحكمة؛ وهي السنَّة، وعلى هذا فالمراد ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: ما أنزل على محمد ﷺ من الكتاب والحكمة. وقولُه: (أي: التوراة): بيانٌ لِمَا يدعي اليهودُ الإيمانَ به، وهو ما أَنزلَ الله على موسى ﵇؛ وهو التوراة، وهي أعظمُ كتابٍ أنزله اللهُ غير القرآن.

стр. 196

وقولُه: (الواو للحال): أي: وهم يكفرون بما وراءه، ويحتمل أنَّ الواو للاستئناف، لبيان ما يتضمَّنه قولهم: ﴿نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ من نفي الإيمان بما سواه (١). وقولُه: (سواه أو بعده من القرآن): يريد أنَّ «وراء» بمعنى سِوى أو عدى (٢)؛ فالمعنى: يكفرون بما سوى ما أنزل عليهم. وقولُه: (حال): يريد أنَّ جملةَ ﴿وَهْوَ الْحَقُّ﴾ حالٌ في موضع نصب، وهي حالٌ من الموصول في قوله: ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾. وقولُه: (لهم): يريد مَنْ وجّه الخطاب إليهم، وهم: اليهود. وقولُه: (أي قتلتم): يريد أنَّ قوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ ليس حكايةَ حالٍ حاضرةٍ بل حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ القتل لم يكن من المخاطَبين بل من أسلافهم (٣). وقولُه: (بالتوراة … ) إلى آخره: يريد أنَّ المعنى: إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾؟ وقد كان القتلُ من أسلافهم والخطابُ والعتابُ لليهود الموجودين الذين إذا قيل لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، واستحقُّوا اللوم على ما فعله آباؤهم لرضاهم به. * * *

стр. 197

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ [البقرة: ٩٢]: يُخبر تعالى خبرًا مؤكدًا بـ «قد» والقسم بأنَّ موسى جاء بني إسرائيل بالبينات؛ وهي الآيات الواضحاتُ، وهي التسع الآيات المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠١]، ثم إنَّ بني إسرائيل من بعد مجيء موسى بالبينات وبعد ذهابه لميقات ربه أضلَّهم السَّامريُّ فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار، فقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [طه: ٨٨]، فاتخذوه إلهًا وعكفوا عليه وعصوا نبيَّ الله هارون لَمَّا نهاهم، وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ [ط: ٩١]، فكانوا بذلك ظالمين أعظمَ الظلم، وهو الشرك، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾. ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى في سورة النساء في عرض قبائح اليهود: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣]. ونظيرهما قوله تعالى في الآيات السابقة في خطاب بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥١ - ٥٢]. ثم أُعيد الخبرُ عن هذا المعنى في هذه الآية توبيخًا لليهود الذين إذا قيل لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾؛ أي: ولا نؤمنُ بغيره، والخطابُ في هذه الآية والتي بعدها لليهود الموجودين زمنَ النبي ﷺ المخاطبين في الآيات السابقة من قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وما في هذه الآية عَودٌ على خطابهم بعد الخبر عنهم بلفظ الغيبة من قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هو

стр. 198

من مقول القول الذي أُمر به النبي ﷺ أن يقولَه لهم في قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾، وفيه توبيخٌ وتكذيبٌ لهم في قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾. ﴿وَلَقَدْ جاءَكُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات؛ كالعصا واليدِ وفَلْقِ البحر ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ﴾ إلهًا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد ذهابه إلى الميقات ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ باتخاذه. وقولُ المؤلِّف: (بالمعجزات … ) إلى آخره: التعبيرُ عن حُججِ الرسل بالمعجزات هو من اصطلاح المتكلِّمين، واسمها في الكتاب والسنَّة: آيات، وبينات، وبراهين (١). وقولُه: (إلهًا): تقديرٌ للمفعول الثاني: ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾، فإنَّ «اتخذ» ينصب مفعولين. وقولُه: (أي: بعد ذهابه إلى الميقات): فيه بيانُ أنَّ اتخاذ بني إسرائيل العجلَ في مدة ذهاب موسى لميقات ربه، ويشهدُ لذلك الآيات من سورة «طه»؛ كقوله تعالى لموسى: ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٥ - ٨٦]. وقولُه: (باتخاذه): يُبيِّن أنَّ سبب وصفهم بالظلم اتخاذُهم العجل إلهًا، ومعلومٌ أنَّ اتخاذهم العجلَ إلهًا هو أظلم الظلم؛ لأنَّ ذلك من الشرك الأكبر. * * *

стр. 199

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ [البقرة: ٩٣]. يُذكِّرُ تعالى في هذه الآية بني إسرائيل الموجودين زمن النبي ﷺ بما جرى لإسلافهم من أَخْذِ الميثاق ورفعِ الطور فوقهم؛ ليوفوا بعهد الله فيعملوا بما جاءهم به موسى بالألواح، ثم إنهم أصروا على العصيان، فلمَّا قيل لهم اسمعوا؛ قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، فهذه ثلاثةُ أمورٍ تُكذِّبُهم وتُبطل زعمَهم الإيمان بما أُنزل عليهم: فأول الأمور الثلاثة: قتلهم أنبياء الله. الثاني: اتخاذهم العجل من بعد ما جاءهم موسى بالبينات. الثالث: قولهم لَمَّا أُمروا بالأخذ بما في التوراة قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. وهذه الأمور وإن كانت من فِعل أسلافهم فاليهود الموجودون ماضون على طريقهم راضون بأفعالهم؛ فلذا توجَّه الخطابُ لهم بالتكذيب والتوبيخ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ المعنى: واذكروا حين أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطورَ، وقلنا لكم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾، المعنى: اقبلوا ما جاءكم به موسى من التوراة في الألواح واعملوا به، واسمعوا سماعَ استجابة وطاعة. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، أي: سمعنا بآذاننا. وقولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾، قيل: أنهم قالوا ذلك بلسان المقال، وقيل قالوا ذلك: بلسان الحال (١)، وكلٌّ من الأمرين واقعٌ منهم، كما يدل لذلك قوله

стр. 200

تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾: أي حُبب إليهم العجلُ الذي اتخذوه إلهًا، وتخلَّلَ حبُّه في قلوبهم حتى كأنَّ العجل حلَّ في قلوبهم، وهذا الوصف يختصُّ بالذين أصرُّوا على عبادة العجل ولم يتوبوا، فعوقبوا بأن أُشرب حبُّه في قلوبهم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾: هذا أمرٌ من الله لنبيِّه أن يقول لليهود الذين قالوا نؤمن بما أنزل علينا، واتبعوا أسلافَهم الذين قتلوا أنبياءَ الله واتخذوا العجل إلهًا من دون الله، أن يقول لهم: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ قتلَ الأنبياءِ واتخاذَ العجل، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ كما تزعمون. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ على العمل بما في التوراة ﴿وَ﴾ قد ﴿رَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّورَ﴾ الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم وقلنا: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ واجتهادٍ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما تؤمرون به سماعَ قبولٍ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرَك ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمِ الْعِجْلَ﴾ أي: خالط حبُّه قلوبَهم كما يُخالط الشراب ﴿بِكُفْرِهِمْ قُلْ﴾ لهم: ﴿بِئْسَمَا﴾ شيئًا ﴿يَأْمُرُكُم بِهِ إيمَانكُمْ﴾ بالتوراة: عبادة العجل ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بها كما زعمتم. المعنى: لستم بمؤمنين لأنَّ الإيمان لا يأمر بعبادة العجل، والمراد آباؤهم؛ أي: فكذلك أنتم لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمدًا، والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.

стр. 201

وقولُ المؤلِّف: (على العمل بما في التوراة): يدلُّ له ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾. وقولُه: (قد): تقديره: قد بعد الواو، يُبيِّنُ به أنَّ الواوَ واوُ الحال. وقولُه: (الجبل … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ رفعَ الجبل فوقهم تهديدٌ لهم ليعملوا بما في التوراة. وقولُه: (وقلنا … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ قولَه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ مقولُ قولٍ محذوف تقديره: وقلنا لكم. وقولُه: (بجدٍّ واجتهادٍ): تفسيرٌ لقوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾، المعنى: اعملوا بما في التوراة بعزمٍ وصدقِ رغبةٍ لا مع فتورٍ وكسلٍ. وقولُه: (شيئًا): يُبيِّنُ بذلك أنَّ «ما» المتصلة بـ «بئس»: نكرةٌ في محلِّ نصبٍ على التمييز (١). وقولُه: (عبادة العجل): هذا هو المخصوصُ بالذمِّ بـ «بئس»، والإيمانُ الذي يأمرُ بذلك ليس بالإيمان الذي يرضاه الله. وقولُه: (بها كما زعمتم … ) إلى آخره: يريد أنَّ المعنى: إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون بقولكم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، فبئس ما يأمرُكم به إيمانُكم من عبادة العجل، ونسبةُ الأمر إلى الإيمان تهكُّمٌ بهم، ودِلالةٌ على أنَّ الإيمان الحقَّ لا يأمر بعبادة غير الله، فالإيمانُ الذي زعموا باطلٌ (٢). والخطاب من قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمَانكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، لليهود الموجودين، تذكيرًا لهم بقبائح أسلافهم، وتحذيرًا لهم من السير على طريقهم. * * *

стр. 202

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦]. يأمر اللهُ نبيَّه أن يُظهِرَ كذبَ اليهود في زعمهم أنَّ الدار الآخرة - وهي الجنة - لهم دون غيرِهم، ويُباهلهم بالدعاء بالموت على الكاذب منهم أو من المسلمين، وذلك في قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾ [الجمعة: ٦]. ثم أخبر تعالى أنهم لن يتمنوا الموت بسبب ما يعلمون من أنفسهم من قبيح ما قدَّمته أيديهم من الكفر والتكذيب والعصيان مما يستوجبون به عذابَ الله؛ فقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾، وقال في الآية الأخرى مثل ذلك. ودلَّ قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ أنَّ دعواهم أنَّ الدارَ الآخرةَ لهم ظلمٌ منهم. وتفسيرُ الآية بالمباهلة مرويٌّ عن ابن عباس بأسانيدَ صحيحة، قاله ابنُ كثيرٍ ورجَّحه (١)، وضعَّفَ القولَ بأنَّ مقصودَ الآية مُطالبتهم بتمني الموت لأنفسهم إن كانوا صادقين في زعمهم، ولا ريب أنَّ القول الأول أظهرُ (٢).

стр. 203

ثم أكَّد تعالى امتناعَ تمنِّيهم للموت لشدَّة حِرصهم على الحياة؛ فقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾، وهم أحرصُ على الحياة من المشركين، ومِن حِرصهم على الحياة: أنَّ أحدَهم يودُّ لو يُعمَّرُ ألفَ سنةٍ، ثم أخبر تعالى أنَّ ذلك لا يُنجيهم من عذاب الله؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾، المعنى: أنَّ اللهَ عليمٌ بأعمالهم وسيجزيهم عليها بعدلٍ وحكمةٍ. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿إنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ أي: الجنة ﴿عِنْد اللَّه خَالِصَة﴾ خاصة ﴿مِنْ دُون النَّاس﴾ كما زعمتم ﴿فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تعلَّق بتمنِّيه الشرطان على أنَّ الأولَ قيدٌ في الثاني؛ أي: إن صدقتم في زعمكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها الموت فتمنوه. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ﴾ مِنْ كُفْرِهم بالنبيِّ المستلزم لكذبهم ﴿وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ﴾ الكافرين فيجازيهم. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ لام قسم ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة وَ﴾ أحرص ﴿من الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المنكرين للبعث عليها؛ لِعِلْمهم بأنَّ مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له ﴿يَوَدُّ﴾ يتمنى ﴿أَحَدهمْ لَو يُعَمَّر أَلْف سَنَة﴾ «لو» مصدرية بمعنى «أن» وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول «يود» ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: أحدهم ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ مُبعده ﴿مِنْ الْعَذَاب﴾ النار ﴿أَنْ يُعَمَّر﴾ فاعل «مزحزحه» أي تعميره ﴿وَاَللَّه بَصِير بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء والتاء فيجازيهم. وقولُ المؤلِّف: (تعلَّق بتمنِّيه): يُريد أنَّ جوابَ الشرط ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه ﴿فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ﴾، وهو جوابُ الشرط الأول، ووجهُ ترتيب الجواب على الشرط أنَّ الموتَ هو الطريقُ لدخول الجنة لمن كان من أهلها،

стр. 204

ومَن قطع لنفسه بالجنة حُقَّ له أن يتمنى الموتَ، ولعلم اليهود بكذبهم بما زعموا لأنفسهم لم يتمنوا الموت مع شدَّة حرصهم على الحياة. وقولُه: (الشرطان … ) إلى آخره: يريد بالشرط الأول قوله: ﴿إنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّار الْآخِرَةُ﴾، ويريد بالشرط الثاني: ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقولُه: (الكافرين): فسَّرَ الظلمَ بالكفر الذي هو أظلم الظلم؛ كما قال تعالى: ﴿والكافرون هم الظَّالمون﴾. وقولُه: (لام قسم): يريد اللامَ المتصل بها «تجدنَّ»، والدليلُ على أنها لام القسم؛ تأكيدُ الفعل بالنون الثقيلة. وقولُه: (أحرص): يريد أنَّ المعنى: وأحرص من الذين أشركوا، وهذا من عطف الخاصِّ على العام (١). وقولُه: (المنكرين للبعث … ) إلى آخره: تفسيرٌ للمشركين عُبَّادِ الأوثان (٢)؛ لأنهم يُنكرون البعثَ بخلاف أهل الكتاب. وقولُه: (عليها): أي على حياة؛ فالمعنى: احرص من المشركين على حياة. وقولُه: (لعلمهم … ) إلى آخره: تعليلٌ لكون اليهود أحرص من المشركين على الحياة؛ لأنهم يعلمون أنَّ مصيرهم النار، بخلاف المشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث فلا يؤمنون بجنة ولا نار. وقولُه: (لو مصدرية … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ مفعول «يود» هو المصدر المؤول من «لو» وصلتها (٣).

стр. 205

وقولُه: (أي: أحدهم): تفسيرٌ للضمير المنفصل «وما هو». وقولُه: (بالياء والتاء): إشارةٌ إلى أنَّ في الآية قراءتين ﴿يعملون﴾ بالياء، ﴿وتعملون﴾ بالتاء (١). * * *

стр. 206

وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ [البقرة: ٩٧]: أمر اللهُ نبيَّه في هذه الآية أن يقول ردًّا على اليهود في قولهم: إنَّ جبريل الذي يأتي محمدًا بالوحي هو عدو يهود، وذلك أنهم سألوا الرسول مَنْ يأتيه بالوحي؛ فقال: ((جبريل))، فقالوا ما قالوا (١)، فأخبر تعالى أنَّ جبريل هو الموكل بالوحي فهو المنزل للقرآن على قلب النبي محمد ﷺ بإذن الله، فهو المَلَك الذي اصطفاه الله للنزول بالقرآن على قلب خاتم النبيين كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]، ومَن هذا شأنُه لا يُعاديه إلَّا مُلحدٌ كفور، وقد وصف الله تعالى هذا القرآن الذي نزل به جبريل بثلاث صفات، وموقعها في الكلام أحوال منصوبة، وذلك في قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾، وما بين يديه: ما قبلَه من كتب الله كالتوراة والإنجيل، وخصَّ المؤمنين بما في القرآن من الهدى والبشرى؛ لأنهم المنتفعون بما في القرآن من ذلك، وجبريلُ هو الملك الذي ينزل بالوحي على الأنبياء، وهو الذي نزل بالقرآن على قلب محمد ﷺ كما في هذه الآية وآية الشعراء، وهو الروحُ الأمينُ وروحُ القُدُس، قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ … ﴾ الآية [النحل: ١٠٢]، وهو ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ المذكور في سورة النجم، وهو الرسولُ الكريمُ المذكور في سورة التكوير. وجبريلُ على وزن قطمير، وهي لغة أهل الحجاز

стр. 207

في هذا الاسم، وبها قرأ الجمهور (١)، وفيه لغات وقراءات أخرى ذكرها المفسرون (٢)؛ ومعنى جبريل: عبد الله (٣). والخلاصةُ في تفسير الآية: أنها نزلت للردِّ على اليهود في قولهم: إنَّ جبريلَ عدوهم، فهم أعداء له، هذا وجبريل ولي الله ومصفاه من الملائكة، وهو الذي نزّل القرآن بأمر الله، ومَن يكن عدوًّا له فهو عدوٌّ لله، ومن يكن عدوًّا لله فاللهُ عدوُّه كما في الآية التالية، فقد باء اليهودُ بقولهم في جبريل بعداوة الله، ويشهدُ لمعنى الآية من السنَّة قولُه ﷺ في الحديث القدسي؛ قال الله تعالى: ((مَنْ عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب)) (٤)، وفي لفظ: ((فقد بارزني بالمحاربة)) (٥). والآية وإن نزلت في اليهود فهي عامَّةٌ كما يفيد العموم لفظ «من» الشرطية؛ فحكمُها لا يختصُّ باليهود. وسأل ابنُ صوريا النبيَّ أو عمرَ عمَّن يأتي بالوحي من الملائكة فقال: ((جبريل))، فقال: «هو عدونا يأتي بالعذاب، ولو كان ميكائيل لآمنا لأنه يأتي بالخصب والسلم»، فنزل:

стр. 208

﴿قُلْ﴾ لهم ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيل﴾ فليمت غيظًا ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ أي القرآن ﴿عَلَى قَلْبك بِإِذْنِ﴾ بأمر ﴿اللَّه مُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيْهِ﴾ قَبْله من الكتب ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَبُشْرَى﴾ بالجنة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقولُ المؤلِّف: (وسأل ابنُ صوريا النبيَّ … ) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سبب نزول الآية (١). وقولُه: (فليمت غيظًا): مُستنبطٌ من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهذا يتضمن أنه أشرفُ الملائكة، فمَن يُعاديه لم يضرَّ إلا نفسه. وقولُه: (أي: القرآن): تفسيرٌ للضمير المنصوب بالفعل نزله. وقولُه: (بأمر): تفسير للإذن في قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهو يحتمل الإذن الكوني أو الشرعي أو هو شاملٌ لهما. وقولُه: (بالجنة): لأنها الأجرُ الكبيرُ الذي يُبشِّر به القرآنُ المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. * * *

стр. 209

وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨]: يُخبر تعالى أنَّ مَنْ عاداه أو عادى أولياءه من الملائكة أو الرُّسلِ أو جبريلَ وميكالَ؛ فهو كافرٌ، والله عدوٌّ للكافرين. ومَن في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ شرطية، وجوابُ الشرط قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾، وفعل الشرط: كان وما بعدها. والواو في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ بمعنى «أو»؛ لأنَّ كلَّ مَنْ عادى واحدًا من المذكورين فهو كافرٌ، والله عدوه (١). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾: قال المفسرون في هذه الجملة: وُضِعَ الظاهرُ مَوضعَ المضمر في موضعين: الأول: قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: وُضعَ موضع «فإنه»، وذلك لمنع اللبس على السامع؛ قاله ابن جرير (٢). والثاني: قوله: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾: مَوضع «عدو لهم»، وذلك لإفادة عموم الحكم، وهو عداوةُ الله لكلِّ كافرٍ، ولإثبات وصف الكفر لمن يكون عدوًّا لله، أو لأحدٍ من أوليائه (٣). وعَطْفُ جبريل وميكال على الملائكة مِنْ عطف الخاص على العام؛ لأنهما داخلان في اسم الملائكة (٤). وفي ميكال لغاتٌ وقراءات ذكرها

стр. 210

المفسرون وأهلُ القراءات، وميكال بلا همز ولا ياء؛ لغةُ أهل الحجاز، وبها قرأ حفص (١) عن عاصم (٢) (٣). ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ بكسر الجيم وفتحها بلا همز وبه بياء ودونها ﴿وَمِيكَال﴾ عطفٌ على الملائكة، مِنْ عَطْفِ الخاصِّ على العام. وفي قراءة: ﴿مِيكَائِيل﴾ بهمزة وياء، وفي أخرى بلا ياء ﴿فَإِنَّ اللَّه عَدُوّ لِلْكَافِرِينَ﴾ أوقعه موقع «لَهُمْ» بيانًا لحالهم. وقولُ المؤلِّف: (بكسر الجيم وفتحها … ) إلى آخره: ذكر فيها أربع لغات، وذكر في: (مِيكَال) ثلاث لغات وثلاث قراءات. وقولُه: (أوقعه موقع «لهم»): يريد وضعَ الظاهر مَوضع المضمر. وقولُه: (بيانًا لحالهم): وهي الكفر. * * *

стр. 211

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠٣]: يُخبر تعالى مُمتنًا على نبيِّه بما أنزل عليه من الآيات البينات؛ وهي القرآن، وأنه مع ظهور دلالتها وقوة حجيتها لا يكفر بها إلَّا الفاسقون الخارجون عن طاعة الله، وفي هذا تعريضٌ باليهود الذين كفروا بالكتاب، فكفروا بما فيه من الآيات، ومِن فِسقهم أنهم كلَّما عاهدوا عهدًا نبذه فريقٌ منهم فلم يوفوا به، هذا وأكثرهم لا يؤمنون بما جاءهم من الآيات البينات. ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ [الأنفال: ٥٦]، والاستفهام في قوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ للإنكار والتوبيخ (١). وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: شاهدٌ بصدق ما معهم من كتب الله من التوراة والإنجيل، مُقِرٌّ به.

стр. 212

﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أي طرح فريقٌ من الذين أُوتوا الكتاب - وهم اليهود - كتابَ الله وراء ظهورهم، وهو التوراة الناطقة بالخبر عن بعثة النبي ﷺ وبصفته فلم يعملوا بما توجبه من الإيمان بمحمد ﷺ ، بل أعرضوا عنها إعراضًا تامًا؛ كإعراض من يجعل الشيءَ خلف ظهرِه لا يبالي به ولا يلتفتُ إليه، ولم يقف كفرُهم وضلالُهم عند حدِّ الإعراض عن هدى الله الذي بعث به رسولَه، بل تعوضوا عن ذلك باتباع ما تتلوا الشياطين من السحر زاعمين أنه الذي قام عليه مُلك سليمان ﵇، وقد كَذَبوا، فلم يكن نبيُّ اللهِ سليمان ساحرًا، ولكن الشياطين هم الذين يُعلِّمون الناسَ السحر، فعُلم بذلك أنَّ اليهود تعوَّضوا عن اتباع كتب الله ورسله باتِّباع الشياطين وتَعلُّمِ السحر منهم، وهذا ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: الأظهرُ أنَّ «ما» اسم موصول معطوف على السحر؛ أي: يعلمون السحر ويُعلِّمونهم ما أنزل على الْمَلكين الذين بابل (١)؛ وهو موضعٌ معروفٌ بالعراق (٢)، وسموا الملكين هاروت وماروت، والذي أُنزل عليهما نوعٌ من السحر، ولذا تتعلَّمُه الشياطين وتُعلِّمُه الناس، وإنزاله على الْمَلكين إنزالٌ كونيٌ بإلهامٍ أو غيره ليكون فتنة؛ أي: ابتلاء للناس. وأَذِن اللهُ لهما بتعليمه لمن يطلب ذلك منهم، مع تحذيره وبيان أنَّ تعلُّمَه كفرٌ وأنَّ اللهَ جعلهما فتنةً فلا يغترُّ بتعليمهما من يطلبُ عِلمَ السحر

стр. 213

منهما، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، و «ما» في قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ نافيةٌ. ثم بيَّن تعالى أنَّ ما يتعلَّمُه الناسُ من هاروت وماروت يتوصَّلون به إلى التفريق بين المرء وزوجه، بتبغيض كلٍّ منهما إلى الآخر، ثم بيَّن تعالى أنَّ الذين تعلَّموا عِلم السِّحر لن يضرُّوا به أحدًا إلَّا بإذن الله؛ الإذن الكوني، وهو مشيئته، فقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ثم أخبر أنَّ الذين يتعلَّمون السحر يتعلَّمون ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ لأنه يُفضي بهم إلى الكفر بالله والظلم لعباد الله. ثم أخبر تعالى خبرًا مؤكدًا بأَّن الذين يتعلمون السحر ويستبدلونه بالعلم الذي جاءت به الرسلُ أخبر تعالى أنهم يعلمون أنَّ مَنْ فعل ذلك ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ يعني: من نصيبٍ (١). ثم ذمَّهم على إيثار ما يضرُّ على ما ينفع؛ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾، و ﴿شَرَوْا﴾ بمعنى: باعوا؛ فالمعنى: باعوا أنفسهم بما فيه هلاكُهم وشقاؤهم، والمعنيون بذلك هم اليهودُ الذين أخبر الله عنهم في أول الآية بأنهم نبذوا كتابَ الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر، ثم أخبر تعالى بأنهم لو آمنوا بالله وكتبه ورسوله واتقوا ربَّهم بفعل الواجبات وترك المحرمات؛ لكان لهم من ثواب الله ما هو خيرٌ لهم مما اختاروه وآثروه وتعلَّموه؛ فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ المعنى: لو كانوا يعلمون العلمَ النافعَ لَمَا آثروا ما يضرُّ على ما ينفع، ولكنهم لا يعلمون.

стр. 214

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إلَيْك﴾ يا محمد ﴿آيَات بَيِّنَات﴾ واضحات. ردٌّ لقول بن صوريا للنبي ما جئتنا بشيء. ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الفَاسِقُون﴾ كفروا بها ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ اللَّه ﴿عَهْدًا﴾ على الإيمان بالنبي إن خرج أو النبي ألا يعاونوا عليه المشركين ﴿نَبَذَهُ﴾ طرحه ﴿فَرِيق مِنْهُمْ﴾ بنقضه؟ جواب «كلما» وهو محل الاستفهام الإنكاري ﴿بَلْ﴾ للانتقال ﴿أكثرهم لا يؤمنون﴾ ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه﴾ محمد ﷺ ﴿مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّه﴾ أي: التوراة ﴿وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ أي: لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما فيها من أنه نبيٌّ حق أو أنها كتاب الله ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ عطف على «نبذ» ﴿مَا تَتْلُو﴾ أي: تلت ﴿الشَّيَاطِينُ عَلَى﴾ عهد ﴿مُلْكِ سُلَيْمَان﴾ من السِّحر، وكانت دفنته تحت كرسيه لما نُزِع ملكه، أو كانت تسترقُ السمعَ وتضمُّ إليه أكاذيب وتُلْقِيه إلى الكهنة فيدونونه، وفشا ذلك وشاع أنَّ الجنَّ تعلمُ الغيب، فجمع سليمانُ الكتب ودفنها، فلما مات دلَّت الشياطينُ عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر، فقالوا: إنما مَلَكَكُم بهذا فتعلَّموه ورفضوا كتب أنبيائهم. قال تعالى تبرئةً لسليمان وردًّا على اليهود في قولهم: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرًا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: لم يعمل السِّحر لأنه كُفْرٌ ﴿وَلَكِنَّ﴾ بالتشديد والتخفيف ﴿الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْرَ﴾ الجملة حال من ضمير كفروا ﴿و﴾ يُعلِّمونهم ﴿مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ أي: ألهماه من السحر، وقُرئ بكسر اللام الكائنين ﴿بِبَابِل﴾ بلدٌ في سواد العراق ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدل أو عطف بيانٍ للملكين. قال ابن عباس: هما ساحران كانا يعلمان السحر. وقيل ملكان أُنزلا لتعليمه ابتلاءً من الله للناس ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ﴾

стр. 215

زائدة ﴿أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ له نصحًا ﴿إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة﴾ بلية من الله للناس ليمتحنهم بتعليمه، فمَن تعلَّمه كفرَ ومَن تركه فهو مؤمنٌ ﴿فَلَا تَكْفُر﴾ بتعلُّمه، فإن أبى إلَّا التعليم علماه ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ بأن يُبَغَّضَ كُلٌّ إلى الآخر ﴿وَمَا هُمْ﴾ أي السحرة ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ بالسحر ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّه﴾ بإرادته ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ﴾ في الآخرة ﴿وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ وهو السحر ﴿وَلَقَدْ﴾ لام قسم ﴿عَلِمُوا﴾ أي اليهود ﴿لَمَنْ﴾ لام ابتداء معلقة لما قبلها و «مَنْ» موصولة ﴿اشْتَرَاهُ﴾ اختاره أو استبدله بكتاب الله ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق﴾ نصيب في الجنة ﴿وَلَبِئْسَ مَا﴾ شيئًا ﴿شَرَوْا﴾ باعوا ﴿بِهِ أَنْفُسهمْ﴾ أي: الشارين؛ أي: حظَّها من الآخرة أن تعلموه حيث أوجب لهم النار ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلَّموه ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ أي اليهود ﴿آمَنُوا﴾ بالنبي، والقرآن ﴿وَاتَّقَوْا﴾ عقاب الله بترك معاصيه كالسحر، وجواب «لو» محذوف؛ أي: لأُثيبوا، دلَّ عليه: ﴿لَمَثُوبَة﴾ ثواب، وهو مبتدأ، واللام فيه للقسم ﴿مِنْ عِنْد اللَّه خَيْر﴾ خبره مما شروا به أنفسهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنه خيرٌ لَمَا آثروه عليه. وقولُ المؤلِّف: (ردٌّ لقول ابن صوريا): هذا إشارةٌ إلى سبب نزول الآية (١). وقولُه: (كفروا بها): هذا تقديرٌ لمدخول همزة الاستفهام المعطوف عليه ما بعده بالواو، والتقدير: أكفروا بها وكلَّما عاهدوا اللهَ عهدًا نبذه فريقٌ منهم. وقولُه: (على الإيمان بالنبي … ) إلى آخره: بيانٌ لمضمون العهد.
следующие страницы →