← Тафсир

Тафсир · id 288

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ 1

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (688 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠٣]: يُخبر تعالى مُمتنًا على نبيِّه بما أنزل عليه من الآيات البينات؛ وهي القرآن، وأنه مع ظهور دلالتها وقوة حجيتها لا يكفر بها إلَّا الفاسقون الخارجون عن طاعة الله، وفي هذا تعريضٌ باليهود الذين كفروا بالكتاب، فكفروا بما فيه من الآيات، ومِن فِسقهم أنهم كلَّما عاهدوا عهدًا نبذه فريقٌ منهم فلم يوفوا به، هذا وأكثرهم لا يؤمنون بما جاءهم من الآيات البينات. ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ [الأنفال: ٥٦]، والاستفهام في قوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ للإنكار والتوبيخ (١). وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: شاهدٌ بصدق ما معهم من كتب الله من التوراة والإنجيل، مُقِرٌّ به.

стр. 212

﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أي طرح فريقٌ من الذين أُوتوا الكتاب - وهم اليهود - كتابَ الله وراء ظهورهم، وهو التوراة الناطقة بالخبر عن بعثة النبي ﷺ وبصفته فلم يعملوا بما توجبه من الإيمان بمحمد ﷺ ، بل أعرضوا عنها إعراضًا تامًا؛ كإعراض من يجعل الشيءَ خلف ظهرِه لا يبالي به ولا يلتفتُ إليه، ولم يقف كفرُهم وضلالُهم عند حدِّ الإعراض عن هدى الله الذي بعث به رسولَه، بل تعوضوا عن ذلك باتباع ما تتلوا الشياطين من السحر زاعمين أنه الذي قام عليه مُلك سليمان ﵇، وقد كَذَبوا، فلم يكن نبيُّ اللهِ سليمان ساحرًا، ولكن الشياطين هم الذين يُعلِّمون الناسَ السحر، فعُلم بذلك أنَّ اليهود تعوَّضوا عن اتباع كتب الله ورسله باتِّباع الشياطين وتَعلُّمِ السحر منهم، وهذا ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: الأظهرُ أنَّ «ما» اسم موصول معطوف على السحر؛ أي: يعلمون السحر ويُعلِّمونهم ما أنزل على الْمَلكين الذين بابل (١)؛ وهو موضعٌ معروفٌ بالعراق (٢)، وسموا الملكين هاروت وماروت، والذي أُنزل عليهما نوعٌ من السحر، ولذا تتعلَّمُه الشياطين وتُعلِّمُه الناس، وإنزاله على الْمَلكين إنزالٌ كونيٌ بإلهامٍ أو غيره ليكون فتنة؛ أي: ابتلاء للناس. وأَذِن اللهُ لهما بتعليمه لمن يطلب ذلك منهم، مع تحذيره وبيان أنَّ تعلُّمَه كفرٌ وأنَّ اللهَ جعلهما فتنةً فلا يغترُّ بتعليمهما من يطلبُ عِلمَ السحر

стр. 213

منهما، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، و «ما» في قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ نافيةٌ. ثم بيَّن تعالى أنَّ ما يتعلَّمُه الناسُ من هاروت وماروت يتوصَّلون به إلى التفريق بين المرء وزوجه، بتبغيض كلٍّ منهما إلى الآخر، ثم بيَّن تعالى أنَّ الذين تعلَّموا عِلم السِّحر لن يضرُّوا به أحدًا إلَّا بإذن الله؛ الإذن الكوني، وهو مشيئته، فقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ثم أخبر أنَّ الذين يتعلَّمون السحر يتعلَّمون ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ لأنه يُفضي بهم إلى الكفر بالله والظلم لعباد الله. ثم أخبر تعالى خبرًا مؤكدًا بأَّن الذين يتعلمون السحر ويستبدلونه بالعلم الذي جاءت به الرسلُ أخبر تعالى أنهم يعلمون أنَّ مَنْ فعل ذلك ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ يعني: من نصيبٍ (١). ثم ذمَّهم على إيثار ما يضرُّ على ما ينفع؛ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾، و ﴿شَرَوْا﴾ بمعنى: باعوا؛ فالمعنى: باعوا أنفسهم بما فيه هلاكُهم وشقاؤهم، والمعنيون بذلك هم اليهودُ الذين أخبر الله عنهم في أول الآية بأنهم نبذوا كتابَ الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر، ثم أخبر تعالى بأنهم لو آمنوا بالله وكتبه ورسوله واتقوا ربَّهم بفعل الواجبات وترك المحرمات؛ لكان لهم من ثواب الله ما هو خيرٌ لهم مما اختاروه وآثروه وتعلَّموه؛ فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ المعنى: لو كانوا يعلمون العلمَ النافعَ لَمَا آثروا ما يضرُّ على ما ينفع، ولكنهم لا يعلمون.

стр. 214

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إلَيْك﴾ يا محمد ﴿آيَات بَيِّنَات﴾ واضحات. ردٌّ لقول بن صوريا للنبي ما جئتنا بشيء. ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الفَاسِقُون﴾ كفروا بها ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ اللَّه ﴿عَهْدًا﴾ على الإيمان بالنبي إن خرج أو النبي ألا يعاونوا عليه المشركين ﴿نَبَذَهُ﴾ طرحه ﴿فَرِيق مِنْهُمْ﴾ بنقضه؟ جواب «كلما» وهو محل الاستفهام الإنكاري ﴿بَلْ﴾ للانتقال ﴿أكثرهم لا يؤمنون﴾ ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه﴾ محمد ﷺ ﴿مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّه﴾ أي: التوراة ﴿وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ أي: لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما فيها من أنه نبيٌّ حق أو أنها كتاب الله ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ عطف على «نبذ» ﴿مَا تَتْلُو﴾ أي: تلت ﴿الشَّيَاطِينُ عَلَى﴾ عهد ﴿مُلْكِ سُلَيْمَان﴾ من السِّحر، وكانت دفنته تحت كرسيه لما نُزِع ملكه، أو كانت تسترقُ السمعَ وتضمُّ إليه أكاذيب وتُلْقِيه إلى الكهنة فيدونونه، وفشا ذلك وشاع أنَّ الجنَّ تعلمُ الغيب، فجمع سليمانُ الكتب ودفنها، فلما مات دلَّت الشياطينُ عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر، فقالوا: إنما مَلَكَكُم بهذا فتعلَّموه ورفضوا كتب أنبيائهم. قال تعالى تبرئةً لسليمان وردًّا على اليهود في قولهم: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرًا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: لم يعمل السِّحر لأنه كُفْرٌ ﴿وَلَكِنَّ﴾ بالتشديد والتخفيف ﴿الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْرَ﴾ الجملة حال من ضمير كفروا ﴿و﴾ يُعلِّمونهم ﴿مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ أي: ألهماه من السحر، وقُرئ بكسر اللام الكائنين ﴿بِبَابِل﴾ بلدٌ في سواد العراق ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدل أو عطف بيانٍ للملكين. قال ابن عباس: هما ساحران كانا يعلمان السحر. وقيل ملكان أُنزلا لتعليمه ابتلاءً من الله للناس ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ﴾

стр. 215

زائدة ﴿أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ له نصحًا ﴿إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة﴾ بلية من الله للناس ليمتحنهم بتعليمه، فمَن تعلَّمه كفرَ ومَن تركه فهو مؤمنٌ ﴿فَلَا تَكْفُر﴾ بتعلُّمه، فإن أبى إلَّا التعليم علماه ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ بأن يُبَغَّضَ كُلٌّ إلى الآخر ﴿وَمَا هُمْ﴾ أي السحرة ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ بالسحر ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّه﴾ بإرادته ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ﴾ في الآخرة ﴿وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ وهو السحر ﴿وَلَقَدْ﴾ لام قسم ﴿عَلِمُوا﴾ أي اليهود ﴿لَمَنْ﴾ لام ابتداء معلقة لما قبلها و «مَنْ» موصولة ﴿اشْتَرَاهُ﴾ اختاره أو استبدله بكتاب الله ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق﴾ نصيب في الجنة ﴿وَلَبِئْسَ مَا﴾ شيئًا ﴿شَرَوْا﴾ باعوا ﴿بِهِ أَنْفُسهمْ﴾ أي: الشارين؛ أي: حظَّها من الآخرة أن تعلموه حيث أوجب لهم النار ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلَّموه ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ أي اليهود ﴿آمَنُوا﴾ بالنبي، والقرآن ﴿وَاتَّقَوْا﴾ عقاب الله بترك معاصيه كالسحر، وجواب «لو» محذوف؛ أي: لأُثيبوا، دلَّ عليه: ﴿لَمَثُوبَة﴾ ثواب، وهو مبتدأ، واللام فيه للقسم ﴿مِنْ عِنْد اللَّه خَيْر﴾ خبره مما شروا به أنفسهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنه خيرٌ لَمَا آثروه عليه. وقولُ المؤلِّف: (ردٌّ لقول ابن صوريا): هذا إشارةٌ إلى سبب نزول الآية (١). وقولُه: (كفروا بها): هذا تقديرٌ لمدخول همزة الاستفهام المعطوف عليه ما بعده بالواو، والتقدير: أكفروا بها وكلَّما عاهدوا اللهَ عهدًا نبذه فريقٌ منهم. وقولُه: (على الإيمان بالنبي … ) إلى آخره: بيانٌ لمضمون العهد.

стр. 216

وقولُه: (وهو محلُّ الاستفهام الإنكاري): يريد أنَّ مُتعلّق الاستفهام في قوله: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ هو قوله: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ﴾، فالمنكر هو نبذهم للعهد بنقضِه وتركِ الوفاء به. وقولُه: (للانتقال): يريد أنَّ «بل» تُفيد الانتقال من وصف فريقٍ منهم بنبذ العهد إلى وصفِ أكثرهم بعدم الإيمان. وقولُه: (ما فيها … ) إلى آخره: بيانٌ لِمُتعلق العلم المنفي عنهم؛ فالتقدير: كأنَّ الذين نبذوا الكتابَ وراء ظهورهم - وهو التوراة - لا يعلمون ما فيها من الخبر بنبوة محمد ﷺ ، أو كأنهم لا يعلمون أنَّ التوراةَ حقٌّ، وهم يعلمون ولكنهم معاندون (١). وقولُه: (عطف على «نبذ»): يريد أنَّ فعل ﴿اتبعوا﴾ - وهو مُسندٌ إلى واو الجماعة - معطوفٌ على فعل «نبذ» - المسند إلى فريق -، فأفاد العطفُ بالواو أنهم جمعوا بين نبذِ الكتاب واتباعِ ما تتلوا الشياطين، فتركوا الحقَّ وأخذوا الباطل. وقولُه: (أي: تلت): يُبيِّن بهذا أنَّ الفعلَ المضارع «تتلوا» حكايةُ حالٍ ماضية، وهذا محتملٌ، ويُحتملُ أنه خبرٌ عن الحال الحاضرة؛ لأنَّ الشياطين يتلون علمَ السحر في الماضي والحاضر والمستقبل (٢). وقولُه: (عهد): يُبيِّن بذلك معنى ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ وهو أنَّ المراد: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: في زمن سليمان ﵇. وقولُه: (من السحر … ) إلى آخره: بيانٌ لِمَا تتلوا الشياطين.

стр. 217

وما ذَكَره من دفن السحر تحت كرسي سليمان، وما دوَّنته الكهنةُ من الأكاذيب في كتب، وأنَّ سليمان ﵇ أخذ هذه الكتب ودَفَنها، إلى آخر ما ذكره: هو من أخبار بني إسرائيل التي يجب عرضُها على الشرع، فما دلَّ على صدقه وجب تصديقُه، وما دلَّ على كذبه وجب تكذيبه، وما لا وجب التوقف فيه. وقولُه: (قال تعالى تبرئةً لسليمان وردًّا على اليهود … ) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا أنَّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تبرئة لنبي الله سليمان من الكفر بعلم السحر والعمل به، وفيه تكذيبٌ لليهود فيما زعمته أنَّ سليمان كان ساحرًا ولم يكن نبيًّا. وقولُه: (الجملة حال … ) إلى آخره: يريد: أنَّ جملة ﴿يُعلِّمون﴾ حال من واو الجماعة (١) في قوله: ﴿كفروا﴾، فالشياطين كفروا حال تعليمِهم السحر للناس. وقولُه: (يعلمونهم): يُبيِّنُ بهذا أنَّ الاسمَ الموصول في قوله: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ معطوفٌ على السحر؛ فالمعنى: يُعلِّمون الناسَ السحر ويُعلمونهم ما أُنزل على الملكين. وقولُه: (بكسر اللام): تثنية ملِك واحد الملوك، وردَّ ابنُ جريرٍ هذه القراءةَ واعتبرها شاذَّة (٢). وقولُه: (الكائنين): هذا مُتعلق الجار والمجرور ببابل، فالباء ظرفية بمعنى في. وقولُه: (بلد في سواد العراق): هذا هو المشهورُ عن المفسرين (٣).

стр. 218

وقولُه: (بدل أو عطف بيان للملكين): هذا صحيحٌ فهما في موضع جر بالفتحة لأنهما ممنوعان من الصرف. وقولُه: (قال ابن عباس … ) إلى آخره: الصوابُ أنهما ملكان كما هو ظاهر القرآن (١). وقولُه: (زائدة): أي زائدة لتأكيد العموم. وقولُه: (له نصحًا): يُبيِّنُ أنَّ قول الملكين لمن يريد أن يتعلَّم منهما السحر هو نصحٌ منهما له ليترك تعلُّمه، فدلَّ ذلك على أنهما مَلَكان لا ساحران. وقولُه: (بلية من الله للناس … ) إلى آخره: فيه تفسيرُ الفتنة بالبلية (٢)؛ فمعنى قول الملكين ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾: أي ابتلاءٌ من الله للعباد، ليتبيَّنَ مَنْ يؤثِرُ تعلُّمَ السحرِ والكفرِ على الإيمان فيكفر بذلك، ومَن يؤثِرُ الإيمان على السحر فيترك تعلُّمَه فيكون مؤمنًا. وقولُه: (فإنْ أبى إلا التعليم علَّماه): يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾. وقولُه: (أي: السحرة): وهم الذين تعلَّموا السِّحر من الملكين. وقولُه: (زائدة): أي لتأكيد العموم. وقولُه: (بإرادته): تفسيرٌ للإذن، وهو الإذنُ الكوني والإرادة الكونية التي بمعنى المشيئة؛ فالمعنى: إلَّا بمشيئته تعالى. وقولُه: (في الآخرة): لأنَّ الضررَ في الآخرة أعظمُ من الضرر في الدنيا، والسحرُ ضررٌ على صاحبه في الدنيا والآخرة.

стр. 219

وقولُه: (لام قسم): يريد اللام التي قبل «قد»، فقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ خبرٌ مؤكَّدٌ بالقسم عن علم اليهود بضررِ السحر. وقولُه: (أي: اليهود): يريد أنَّ الواو في قوله: ﴿عَلِمُوا﴾ تعودُ إلى اليهود لأنهم المذكورون في أول الآية في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. وقولُه: (لام ابتداء): يريد أنَّ اللام في قوله: ﴿لَمَنْ﴾ لامُ الابتداء. وقولُه: (مُعلقة لما قبلها): يُبيِّنُ أنَّ لام الابتداء لما وقعت في صدر الجملة بعد «علموا» صار الفعل معلقًا عن العمل بنصب مفعولين، وهذا هو معنى التعليق، فجملة ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق﴾ في موضع نصب بـ ﴿عَلِمُوا﴾، و «من»: اسم موصول مبتدأ، وجملة ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ﴾: في موضع رفع خبر. وقولُه: (بكتاب الله): يريد أنَّ اليهود اشتروا السحر فأخذوه وتركوا كتابَ الله؛ لأنَّ الباء تدخل على المتروك. وقولُه: (نصيب في الجنة): تفسيرٌ للخلاق، وهو الحظُّ الذي ينال به الفلاح، ولا يكون إلا في الجنة (١). وقولُه: (شيئًا): يريد أنَّ «ما» المتصلة ببئس في موضع نصب على التمييز. وقولُه: (باعوا): تفسيرٌ لـ ﴿شَرَوْا﴾، وهذا هو معنى «شرى» في اللغة وفي القرآن (٢). وقولُه: (أن تعلموه): هو المخصوص بالذم؛ فالمعنى: باعوا أنفسهم بتعلم السحر المفضي بهم إلى الشقاء الدائم.

стр. 220

وقولُه: (حقيقة ما يصيرون إليه … ) إلى آخره: هذا تقديرٌ لمفعول «يعلمون» في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، فيكون المعنى: لو كانوا يعلمون حقيقةَ ما يصيرون إليه من عذاب الله ما تعلَّموا السحر. وقولُه: (أي: اليهود): يُفيد أنَّ الآية من تمام الكلام عن اليهود في الآيات السابقة، وفيها ترغبيهم في الإيمان والتقوى ببيان عاقبة ذلك، والمثوبة مصدرٌ ميمي بمعنى الثواب، وهو الثوابُ من عند الله، وذلك خيرٌ لهم مما باعوا به أنفسهم، وجواب «لو» الأولى جملة ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وجواب «لو» الثانية محذوفٌ تقديره: لو كانوا يعلمون العلمَ الصحيح لَمَا آثروا الكفرَ والسحرَ على الإيمان والتقوى. وبعد: فقد دلَّت هذه الآية، وهي الثانية بعد المئة على تحريم السحر، وتحريمِ تعلُّمه وتعليمه والعمل به، وذلك من وجوه: الأول: ذم اليهود باتباعهم له. الثاني: أنه من علم الشياطين؛ تتلوه، وتعلمه. الثالث: أنه كفرٌ؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾. الرابع: أنه وسيلةٌ للتفريق بين الزوجين وإفسادِ ما بينهما من المودة. الخامس: أنه يضرُّ ولا ينفع. السادس: أنَّ مَنْ اشترى علمَ السحر ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق﴾. السابع: قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١). ومما ينبغي أن يُعلَم أنَّ السحر نوعان:

стр. 221

سحرٌ حقيقي، وله آثار حقيقيةٌ على المسحور، وهو المذكور في هذه الآية، ولكن لا يصل به الساحر إلى قلب الأعيان (١)، ولا ليقول للشيء: كن فيكون؛ فذلك لله وحده. والثاني: سحرٌ تخيلي، يخيلُ به الساحر على الأبصار، ومنه سحرُ سحرةِ فرعون؛ كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] (٢). * * *

стр. 222

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]: ينهى اللهُ المؤمنين في هذه الآية أن يقولوا للنبي ﷺ : ﴿رَاعِنَا﴾؛ لأنه لفظٌ يحتملُ حقًّا وباطلًا؛ لأنه إمَّا من المراعاة: وهي الرِّفقُ والتيسيرُ في المعاملة، أو الرعونة: وهي الحمقُ والصَّلفُ في القول (١)؛ لذلك كان اليهودُ يُخاطبون بها النبيَّ ﷺ ويريدون المعنى القبيح، فنهى الله المؤمنين عن أن يقولوا ذلك في خطابهم للنبي ﷺ ؛ حتى لا يتذرَّع اليهودُ بذلك إلى مقصودهم إذا سمعوا المؤمنين يقولونها، فنهى المؤمنون عن ذلك سدًّا للذريعة، ولذا عُدَّت هذه الآية من أدلة قاعدةِ سدِّ الذرائع (٢). وأمر اللهُ المؤمنين أن يقولوا: ﴿انْظُرْنَا﴾؛ يعني: انظر إلينا، فحُذِف حرف الجر، واتصل الضميرُ بالفعل، فهو من الحذف والإيصال. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: أي سماعَ قبولٍ واستجابةٍ وطاعةٍ لكلِّ ما أمركم اللهُ به ورسولُه، وفي هذا تأكيدٌ لِمَا سبقَ في الآية من النهي والأمر. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾: وعيدٌ لجميع الكافرين، وهو أخصُّ باليهود، والأليم: المؤلم الموجع. ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا﴾ للنبي ﴿رَاعِنَا﴾ أمر من «المراعاة»، وكانوا يقولون له ذلك، وهي بلغة اليهود سبٌّ من «الرعونة»، فسُرُّوا بذلك وخاطبوا بها النبيَّ، فنهي المؤمنون عنها ﴿وَقُولُوا﴾ بدلها: ﴿انْظُرْنَا﴾ أي: انظر إلينا ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما تؤمرون به سماعَ قبول ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم هو النار.

стр. 223

وقولُ المؤلِّف: (للنبي): بيانٌ لمتعلق الحكم. وقولُه: (أمر من المراعاة … ) إلى آخره: فيه بيانُ سبب نزول الآية (١). وقولُه: (بدلها): أي قوله» ﴿انْظُرْنَا﴾ بدل عن قولهم: ﴿رَاعِنَا﴾، فما أمروا به بدلوا عمَّا نهوا عنه. * * *

стр. 224

وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥]: يُخبر تعالى عن كفَّار أهلِ الكتاب وعن المشركين أنهم لا يُحبون أن يُنزل اللهُ على نبيِّه والمؤمنين شيئًا من الخير من عِلمٍ أو نصرٍ أو رزقٍ، بل يُبغضون ذلك ويحسدون المؤمنين على ذلك، يدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠]، وهم بذلك يُعارضون حكمةَ الله وتدبيره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ من النبوة وغيرها، وهو تعالى ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾؛ أي: العطاء والإحسان البالغ غاية العظمة كثرةً وكمالًا. ﴿مَا يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ من العرب، عطف على أهل الكتاب، و «مِنْ» للبيان ﴿أَنْ يُنْزَل عَلَيْكُم مِنْ﴾ زائدة ﴿خَيْرٍ﴾ وحي ﴿مِنْ رَبّكُمْ﴾ حسدًا لكم ﴿وَاَللَّه يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ﴾ بنبوَّته ﴿مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وقولُ المؤلِّف: (عطف على أهل الكتاب): يريد أنَّ المشركين معطوفٌ على المجرور بـ «من» ولا الذين كفروا من المشركين، وأهل الكتاب منهم كفار ومنهم مؤمنون وأمَّا المشركون فكلُّهم كفارٌ. وقولُه: (من للبيان): يريد «من» في قوله: ﴿مِنْ أَهْل الْكِتَابِ﴾، فمِن: بيانٌ للمراد بالموصول في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

стр. 225

وقولُه: (زائدة): يريد من في قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ زائدة؛ لتأكيد العموم (١). وقولُه: (وحي): تفسيرٌ للخير، والخيرُ في الآية أعمُّ من ذلك. وقولُه: (حسدًا لكم): بيانٌ للحامل لهم على عدم المودَّةِ لنزول الخير. * * *

стр. 226

وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧]: يُخبر تعالى نبيَّه والمؤمنين خبرًا فيه بشرى لهم، أنه لا ينسخُ آيةً من آيات الكتاب التي أنزلها على نبيِّه إمَّا برفع حُكمِها أو إنساء لفظها إلَّا أتى بخيرٍ منها؛ أي: بأيسر منها لفظًا أو أخفِّ حُكمًا أو أنفع لهم، وإن كان حكمُ الثانية أشقَّ، أو يأتي بآيةٍ مثلها لا أخفَّ ولا أثقلَ (١)، ومَردُّ ذلك إلى حِكمته - تعالى - وعِلمه وقدرته، وعموم ملكه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وما في هذه الآيةِ مِنْ ذِكر النسخِ وحِكمته جاء في سياق الردِّ على اليهود؛ لأنهم زعموا أنَّ النسخ يمتنع على الله؛ لأنه يتضمَّنُ البداء من الله؛ وهو أن يعلم من الأمر ما لم يكن عالمًا به (٢)، ليتوصَّلوا بذلك إلى نفي نسخِ شريعةِ التوراة بشريعة القرآنِ، وإلى الطعنِ في نبوة محمَّدٍ ﷺ ، وإلى الطعنِ في شريعة محمَّدٍ ﷺ بنسخ استقبالِ بيت المقدس بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة كما سيأتي في الآيات من اثنتين وأربعين إلى خمسين بعد المئة (٣)، وجاء ذِكرُ النسخِ وحِكمتِه في هذه الآية تمهيدًا لِمَا سيأتي من أمر تحويلِ القبلة. ومعنى النسخ في اللغة: الإزالة، تقول: نسختِ الشمسُ الظلَّ، ويُطلَقُ على نقل الكتاب، تقول: نسختُ الكتابَ؛ أي: نقلتُ المكتوب بكتابة مثله في مكان آخر (٤).

стр. 227

وفي اصطلاح أهلِ الأصولِ: رفعُ حُكمٍ ثبتَ بدليلٍ متقدِّمٍ بدليلٍ مُتأخِّرٍ (١). و ﴿مَا﴾: اسمُ شرطٍ في محل نصب مفعول به «للنّسخ»، وفعلُ الشرط وجوابُه مجزومان بها، و ﴿نُنْسِهَا﴾ معطوفٌ على ننسخ مجزومٌ بحذف الياء. وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾: الاستفهامُ للتقرير، والمعنى: قد علمت أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، فيدخل في قدرته شرعُ الأحكام ونسخ ما شاء منها. وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي قد علمتَ أنَّ اللهَ له مُلك السماوات والأرض، ومما يدخل في ملكه التصرُّفُ بالأحكام بالإثبات والنسخ. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾: تهديدٌ لليهود الطاعنين في حِكمته وأحكامِه، وفي الكلام التفاتٌ مِنْ خطاب النبي ﷺ إلى خطاب جماعةِ المؤمنين؛ لتحذير المؤمنين من الانخداع بشُبهات الكافرين التي يحملون بها المؤمنين على الأسئلة التي لا تليقُ بمقام النبي ﷺ ولا تليقُ بحال المؤمنين الموقنين، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، فالمعنى: ليس لكم وليٌّ من دون الله يتولاكم بما ينفعكم، ولا نصيرٌ ينصركم على مَنْ يُريدكم بسوءٍ، أو يُنقذكم من عذابٍ يَحِلُّ بكم. ولَمَّا طعنَ الكفارُ في النسخ وقالوا إنَّ محمَّدًا يأمر أصحابَه اليوم بأمرٍ وينهى عنه غدًا أنزل الله: ﴿مَا﴾ شرطية ﴿نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي نزلَ حُكمها إمَّا مع لفظها أو لا. وفي قراءةٍ بضمِّ النون، من أنسخ؛ أي: نأمرك أو جبريل

стр. 228

بنسخها ﴿أو نَنْسَأْهَا﴾ نُؤَخِّرْها فلا نُزِل حكمها ونرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ. وفي قراءة بلا همز من النسيان؛ أي: نُنسِكْها؛ أي: نمحُها من قلبك، وجواب الشرط ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر ﴿أَوْ مِثْلهَا﴾ في التكليف والثواب ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِير﴾ ومنه النسخُ والتبديلُ، والاستفهام للتقرير. ﴿أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ يفعل فيهما ما يشاء ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿وَلِيّ﴾ يحفظكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يمنع عذابَه عنكم إن أتاكم. وقولُ المؤلِّف: (ولَمَّا طعن الكفارُ … ) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سببِ نزول هذه الآية في شأن النسخ (١). وقولُه: (نُزِل حكمها … ) إلى آخره: تضمن الإشارة إلى أصل معنى النسخ في اللغة، وهو الإزالة، وأنَّ نسخَ الآية تارةً يكون بحُكمِها ولفظِها، وتارةً يكون للحُكم مع بقاء اللفظ. وقولُه: (وفي قراءةٍ بضمِّ النون … ) إلى آخره: يُشير إلى قراءةٍ مرجوحةٍ ردَّها ابنُ جرير، قال إنها خلافُ الحُجَّةِ من القَرَأَة؛ أي: جمهور القراء (٢). وقولُه: (أو نَنْسَأْهَا … ) إلى آخره: مشى المؤلِّفُ في هذا الحرف على إحدى القراءات، وهي: بفتح النون والهمز (٣)، من النسأ؛ وهو: التأخيرُ كالبيع نسيئة؛ أي: إلى أجل (٤)، وفسَّرَ المؤلِّفُ هذه القراءةَ بتأخير النزول، فتضمَّنت

стр. 229

الآيةُ على هذا نوعين من الآيات؛ آيةٌ نزلت ثم نُسخ حُكمها، وآيةٌ أُخِّر نزولها، وفي كلٍّ من النوعين وعدَ اللهُ أن يأتي بخيرٍ منها أو مثلها. وقولُه: (وفي قراءة بلا همزة من النسيان … ) إلى آخره: يذكر القراءة الأخرى، وهي التي بضمِّ النون بلا همزٍ، وجزمِ الفعل بحذف حرف العلة، وهي من النسيان الذي هو ذهابُ الشيءِ من القلب، ولهذا قال المؤلف - مُفسِّرًا هذه القراءة -: (أي: نمحُها من قلبك)؛ لأنَّ الخطابَ فيها للنبي ﷺ بدليل قوله بعدها: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾. وقولُه: (وجواب الشرط): أي: المفهوم من «ما» الشرطية؛ جوابه هو قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ﴾. وقولُه: (في السهولة أو كثرة الأجر): يُبيِّنُ بهذا أنَّ الخيرَ الموعود هو ما ينفع العباد في العاجل إذا كان النسخُ إلى الأخفِّ والأسهلِ، أو الآجلِ بكثرة الأجرِ إذا كان النسخُ إلى أثقلَ من الأول. وقولُه: (في التكليف والثواب): يُبيِّنُ أنَّ الآيةَ الثانية تكون مِثل الأولى في التكليف من حيث السهولة والمشقة، وفي الثواب؛ أي: من حيث مقدار الأجر. وقولُه: (يفعل فيهما ما يشاء): يُشير إلى أنَّ من مُقتضى مُلكه التصرفُ في الأحكام بالنسخ والتبديل والتقديم والتأخير. وقولُه: (أي: غيره): تفسيرٌ لقوله: (من دونه). وقولُه: («من» زائدة): يريد: «من» في قوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾، يقول: زائدة؛ أي: لتأكيد العموم. وقولُه: (يحفظكم)، وقولُه: (يمنع عذابه): بيانٌ للفرق بين الوليِّ والنصيرِ، فالوليُّ: هو الجالبُ للمنافع، والنصيرُ: هو الدافعُ للمضار، والله تعالى هو الوليُّ والنصيرُ، وما للعباد من دونه وليٌّ ولا نصيرٌ؛ لأنه لا يأتي بالحسنات ولا يدفع السيئات غيره. فعُلمَ ممَّا تقدَّم أمورٌ:

стр. 230

١ - سببُ نزول الآية؛ وهو إنكارُ اليهود النسخَ وطعنهم على النبي والمؤمنين بتحويل القبلة. ٢ - أنَّ في ﴿ننسخ﴾ قراءتين؛ بفتح النون والسين، وهي: أصحُّ القراءتين، وبضم النون وكسر السين، وهي: التي ردَّها ابنُ جرير. ٣ - أنَّ في ﴿نُنْسِهَا﴾ ثلاثُ قراءات: بضمِّ النونِ وحذفِ الياءِ للجزم، وبفتحِ النون والهمزة الساكنة من «النَّسْأ» بمعنى: التأخير، وبفتحِ النونِ وحذفِ الألف من النسيان؛ بمعنى: الترك. ٤ - الاستفهامُ في الآيتين للتقرير، والخطابُ في اللفظ للنبي ﷺ والمعنى: عام للمؤمنين. ٥ - الإشارةُ إلى الدليل العقلي على جواز النسخ بذكر عموم قدرة الله وعموم ملكه. * * *

стр. 231

وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨]: يُنكر تعالى على مَنْ يسأل الرسولَ ﷺ من المؤمنين سؤالَ تعنُّتٍ واعتراضٍ على شرعه، وإنما يكون هذا من المنافقين الذين يُظهرون الإيمان وهم بخلاف ما يظهرون، وقد ذُكروا في أوِّل السورة، وأنهم بذلك يُشبهون بني إسرائيل في تعنُّتهم على موسى ﵇ كما في قصة البقرة، وذِكْرُ ذلك في الآية يُشعر بوقوعه؛ وأنه سببُ نزول الآية (١). ثم يُبيِّنُ تعالى أنَّ هذا المسلكَ قد يُفضي بصاحبه إلى الكفر أو هو كفر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾؛ أي: مَنْ يشتري الكفرَ بالإيمان فيتعوَّضُ عن الإيمان بالكفر فقد ضلَّ سواءَ السبيل؛ أي: أخطأ سبيلَ الله، وذهب عنه إلى سُبل الغي والفساد، و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: هي المنقطعةُ، فهي بمعنى بل (٢)، وهمزة الاستفهام الإنكاري. والخطابُ في قوله: ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ للمؤمنين، فهو متصلٌ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، والمراد؛ بقوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾: محمد ﷺ ، والرسولُ يُضافُ إلى مُرسلِه، وإلى مَنْ أُرسِل إليه. ونزل لَمَّا سأله أهلُ مكة أن يوسِّعها ويجعل الصفا ذهبًا: ﴿أم﴾ بل ﴿أتُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ أي: سأله قومه ﴿مِنْ قَبْل﴾ من قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّه جَهْرَةً﴾ وغير ذلك ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ﴾ أي

стр. 232

يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل﴾ أخطأ الطريقَ الحقَّ، والسواءُ في الأصل: الوسطُ (١). وقولُ المؤلِّف: (ونزل … ) إلى آخره: يُشيرُ إلى أنَّ سببَ نزول هذه الآية هو سؤالُ أهل مكة، وفي هذا نظرٌ، فإنَّ سورةَ البقرة مدنيةٌ، والأظهرُ أنَّ السببَ سؤالُ بعض المؤمنين كما تقدَّم. وقولُه: (من قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّه جَهْرَةً﴾): هذا بعض أسئلة بني إسرائيل التعنتية وهي كثيرةٌ. وقولُه: (أخطأ الطريقَ الحقَّ): فسَّر الضلالَ بالخطأ؛ لأنَّ ضلَّ في الآية متعدٍّ بنفسه، و ﴿سواء﴾: مفعولٌ به، ويتعدَّى بـ «عن»؛ فيُقال: ضلَّ سواءَ السبيل، وضلَّ عن سواءِ السبيل. * * *

стр. 233

وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]: يُخبر تعالى عن كثيرٍ من أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - بأنهم يودُّون أن يُطيعهم المؤمنون في التحوُّل عن الإيمان إلى الكفر، والحاملُ لهم على ذلك الحسدُ، وأخصُّ الطائفتين بذلك اليهودُ كما وصفَهم اللهُ بذلك؛ في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، ولم يكن ذلك منهم لجهلٍ أو شبهةٍ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. ثم أمرَ سبحانَه بالعفو والصفح عنهم، وذلك بالصبر على أذاهم حتى يأتيَ اللهُ بأمره؛ وهو النصرُ عليهم بإجلائهم أو قتلهم، وقد وقع ذلك في طوائفِ اليهود حولَ المدينة كما في سورة الحشر والأحزاب، وفي هذا بشارةٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين، وتأكيدًا لهذا الوعد والوعيد أخبرَ تعالى أنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾. والعفو: هو تركُ المؤاخذة على الذنب بترك العقوبة. والصفح: هو الإعراضُ وتركُ التثريبِ والعتابِ، فهو أبلغُ من العفو (١). ﴿وَدَّ كَثِير مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب لَوْ﴾ مصدرية ﴿يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْد إيمَانكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾ مفعول له، كائنًا ﴿مِنْ عِنْد أَنْفُسهمْ﴾ أي: حملتهم عليه أنفسُهم الخبيثةُ ﴿مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ في التوراة ﴿الْحَقّ﴾ في شأن النبي ﷺ ﴿فَاعْفُوا﴾ عنهم؛ أي: اتركوهم ﴿وَاصْفَحُوا﴾ أعرضوا فلا

стр. 234

تجازوهم ﴿حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ﴾ فيهم من القتال ﴿نَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقولُ المؤلِّف: (مصدرية): يريد أنها من الحروف التي تُؤوَّل مع الفعل بعدها بمصدر، وتقدير ذلك هنا: ودَّ كثيرون من أهل الكتاب ردَّكم. وقولُه: (مفعول له): يُبيِّنُ إعراب ﴿حسدًا﴾ بأنه مفعولٌ لأجله، فنصبه على المفعولية، فعلم بذلك أنَّ الحسدَ هو الحاملُ لهم على هذه المودَّة، وهذا الحسدُ متمكِّنٌ في نفوسهم وقلوبهم، وهذا هو معنى ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسهمْ﴾. وقولُه: (كائنًا): صفةٌ لحسد، والجار والمجرور ﴿مِنْ عِنْدِ﴾ مُتعلقٌّ بـ «كائنًا». وقولُه: (في شأن النبي ﷺ : يعني تبيَّن لهم الاعتقادُ الحقُّ في شأن النبي محمد ﷺ ، وتبيَّن لهم ذلك بدلائلَ كثيرةٍ. * * *

стр. 235

وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠]: يأمر اللهُ - تعالى - عبادَه المؤمنين بإقام الصلاة؛ وهي الصلوات الخمس التي كتبها اللهُ على عباده في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وبإيتاء الزكاة؛ وهي الحقُّ الذي فرضَه الله على الأغنياء في أموالهم، ويُبشرهم تعالى أنَّ ما قدَّموه لأنفسهم من خيرٍ - أي: عمل صالح - فإنهم يجدون ثوابَه موفورًا مُضاعفًا عند ربهم، ثم أخبر سبحانه أنه بصيرٌ بأعمال عباده حسناتهم وسيئاتهم، وهو بصيرٌ بأحوالهم ونيَّاتهم فيها، فيجزيهم بالحسنات بحسب تفاضلهم فيها، ويُضاعِف لهم الثوابَ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئةِ ضِعفٍ إلى ما شاء الله، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. والبصيرُ: من البصر بالشيء، وهو كمالُ العلم به، فهي من معنى: أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وليست من البصر بمعنى الإبصار الذي هو بمعنى الرؤية؛ فالبصيرُ من المعنى الأول يأتي مقرونًا بالخبير، ومن المعنى الثاني يأتي مقرونًا بالسميع (١)، وقد عُلِمَ مما تقدَّم أنَّ الخطاب في هذه الآيات للمؤمنين من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠]. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ طاعةٍ؛ كصِلةٍ وصدقةٍ ﴿تَجِدُوهُ﴾ أي: ثوابه ﴿عِنْد اللَّه إنَّ اللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ فيجازيكم به. * * *

стр. 236

وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢]: يُخبر تعالى عن اليهود والنصارى أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، ومعنى ذلك أنَّ الجنةَ مختصَّةٌ بهم، وخالصةٌ لهم من دون الناس، وهذا ما سبق الإشارةُ إليه في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤] (١)، و ﴿أَوْ﴾ للتقسيم والتنويع بعد الإجمال؛ فالمعنى: وقالت اليهود: لن يدخلَ الجنةَ إلا من كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخلَ الجنةَ إلا من كانوا نصارى (٢). ثم بيَّنَ تعالى أنه لا حقيقةَ لقولهم، بل هو محضُ أماني، وأنهم لا برهان لهم على ما قالوا؛ فقال تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾، وهذا أمرُ تعجيزٍ، ثم بيَّنَ أنَّ المستحقَّ لدخول الجنة وله الأجر عند الله هو مَنْ أسلم وجهَه لله بعبادته وحده لا شريك له، وهو محسنٌ باتباع الرسولِ، فذلك الذي له الأجرُ عند الله ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾. وفي هذه الآية عَودٌ إلى الإخبار عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وذِكرُ أقوالهم الباطلة بعد ما مرَّ في الآيات السابقة من خطاب للمؤمنين أمرًا ونهيًا وتحذيرًا وإرشادًا، لكنَّ المعني في الآيات التي قبل ذلك من «٤٠» إلى «١٠٣» هم اليهود، والمعني: في هذه الآية «١١١» وما بعدها الطوائفُ الثلاثُ؛ اليهود والنصارى والمشركون.

стр. 237

وفي قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ ردٌّ لنفي في قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، فالمعنى: بل يدخلُها ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، و ﴿مَنْ﴾ شرطيةٌ، وجوابُ الشرط قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ جمعُ هائدٍ ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ قال ذلك يهودُ المدينة ونصارى نجران لَمَّا تناظروا بين يدي النبي ﷺ ؛ أي قال اليهود: لن يدخلَها إلَّا اليهود. وقال النصارى: لن يدخلَها إلَّا النصارى ﴿تِلْكَ﴾ القولة ﴿أَمَانِيُّهمْ﴾ شهواتهم الباطلة ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حجَّتَكم على ذلك ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه. ﴿بَلَى﴾ يدخلُ الجنةَ غيرهم ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ﴾ أي انقاد لأمره، وخُصَّ الوجهُ لأنه أشرفُ الأعضاء فغيره أولى ﴿وَهْوَ مُحْسِن﴾ موحِّدٌ ﴿فَلَهُ أَجْرُه عِنْد رَبّه﴾ أي: ثواب عمله الجنة ﴿وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة. وقولُ المؤلِّف: (جمعُ هائدٍ): يُبيِّنُ بهذا أنَّ هودًا جمعُ هائدٍ لا مفرد، ونظيرُه: عُوذ جمع عائذ (١). وقولُه: (قال ذلك يهودُ المدينة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الآية نزلت على سبب، وهو ما ذكره من القصة (٢).

стр. 238

وقولُه: (القولة): يريد أنَّ اسمَ الإشارة في قوله: ﴿تلك﴾ راجعٌ إلى الفعلة من القول. وقولُه: (شهواتهم الباطلة): أي التي يتمنَّونها ويطمعون في حصولها، ومنها: دخولهم الجنة دون غيرهم. وقولُه: (حجَّتكم على ذلك): فسَّر البرهانَ بالحجة، وهو الحجةُ القاطعةُ المفيدة لمدلولها؛ فالبرهانُ أخصُّ من الحجة. وقولُه: (فيه): أي فيما تدعونه من اختصاصكم بدخول الجنة. وقولُه: (يدخل الجنة غيرهم): يُبيِّنُ أنَّ ﴿بلى﴾ إبطالٌ للنفي في قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾، فكلُّ ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهْوَ مُحْسِن﴾ فإنه يدخل الجنة. وقولُه: (انقاد لأمره): فسَّرَ الإسلامَ بالانقياد؛ لأنَّ الإسلام استسلامٌ وتسليمٌ. وقولُه: (خص الوجه … ) إلى آخره: فالمعنى: مَنْ أسلم وجهَه فقد أسلمَ بكليَّته لربه وخضع له (١)، وهذا يتضمَّنُ إخلاصَ الدِّين لله وعبادته وحده لا شريك له. وقولُه: (موحدٌ): فسَّر الإحسان بالتوحيد، وفي هذا التفسير نظرٌ؛ فإنَّ التوحيد هو معنى إسلام الوجه لله، فلا بدَّ أن يكون الإحسانُ معنى آخر، وهو اتباع الرسول ﷺ (٢).

стр. 239

وقولُه: (أي ثواب عمله الجنة): تفسيرٌ للأجر عند الله، وبذلك يظهر الردُّ على اليهود والنصارى في نفي دخول غيرهم الجنة. وقولُه: (في الآخرة): يُبيِّنُ أنَّ الوعد بعدم الخوف والحزن يكون في الآخرة، وهذا هو الأهمُّ؛ لأنَّ الخوفَ والحزن في الدنيا مآلهما إلى الزوال، وقد جاء التصريحُ بالوعد بالأمن وذهاب الحزن؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]، وقوله عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. * * *

стр. 240

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣]: يُخبر تعالى عن اختلاف اليهود والنصارى، وأنَّ كلًّا من الطائفتين تذمُّ الأخرى وأنها ليست على شيءٍ من الحق، مع أنهم يقرؤون كتبَ الله - التوراة والإنجيل -. كذلك يُخبر تعالى عن الذين لا يعلمون - وهم المشركون الذين لا عِلم عندهم لأنهم لا كتاب لهم - أنهم قالوا في كلِّ مَنْ خالفهم من اليهود والنصارى وغيرهم: ليسوا على شيءٍ، مثل قول اليهود والنصارى بعضهم لبعض. ثم أخبر تعالى أنه يحكم بين جميع المختلفين يوم القيامة فيُبيِّنُ المحقَّ منهم من المُبطل؛ كما قال تعالى في حكمة البعث: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل: ٣٩]. ﴿وَقَالَتْ الْيَهُود لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْء﴾ مُعْتَدٍّ به وكفرت بعيسى ﴿وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُود عَلَى شَيْء﴾ مُعْتَدٍّ به وكفرت بموسى ﴿وَهُمْ﴾ أي: الفريقان ﴿يَتْلُونَ الْكِتَاب﴾ المنزلَ عليهم، وفي كتاب اليهود تصديقُ عيسى، وفي كتاب النصارى تصديقُ موسى، والجملةُ حال ﴿كَذَلِكَ﴾ كما قال هؤلاء ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي المشركون من العرب وغيرهم ﴿مِثْل قَوْلهمْ﴾ بيانٌ لمعنى ذلك. أي: قالوا لكلِّ ذي دينٍ: ليسوا على شيءٍ ﴿فَاَللَّه يَحْكُم بَيْنهمْ يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمرِ الدِّين، فيدخل المحقُّ الجنةَ، والمبطلُ النارَ.

стр. 241

وقولُ المؤلِّف: (مُعْتَدٍّ به … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ مرادَ اليهود بهذا القول نفيُ أن يكون مع النصارى شيءٌ من الحقِّ يُعتدُّ به لهم، ولا إيمان مَنْ آمن منهم بعيسى، فتضمَّن قولُ اليهود كفرهم بعيسى ﵇. وقولُه: (معتد به … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ قول النصارى في اليهود من جنس قولِ اليهود في النصارى، كلٌّ منهما يتضمَّنُ جحد ما عند الطائفة الأخرى من الحقِّ والكفرَ بنبيِّها. وقولُه: (المنزل عليهم): معناه أنَّ المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وفي كلِّ كتابٍ دلالةٌ على الحقِّ الذي عند الطائفة الأخرى، فكانوا بهذا التَّجاحُدِ كافرين بالكتاب الذي نزل عليهم؛ لأنَّ كتابهم يُكذبهم فيما قالوه في الطائفة الأخرى. وقولُه: (وفي كتاب اليهود … ) إلى آخره: هو معنى ما تقدَّم أنَّ كلًّا من الكتابين يدلُّ على الحقِّ الذي مع الطائفة الأخرى. وقولُه: (والجملة حال): يعني قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾، فالمعنى: قالوا ما قالوا وهم يتلون الكتاب الذي يُكذِّبُهم؛ لأنه يدلُّ على نقيض قولهم، وبعد: فقولُ اليهود في النصارى هو لازمٌ لقولهم: «لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا»، ومضمونُ قول النصارى في اليهود هو لازمُ قول النصارى: «لن يدخلَ الجنةَ إلا من كانوا نصارى»، فمضمون كلٍّ من الآيتين رقم: «١١١» و «١١٣» لازمٌ لمضمون الآية الأخرى. وقولُه: (كما قال هؤلاء): أي مثل قول اليهود في النصارى وقول النصارى في اليهود قال الذين لا يعلمون؛ فالمعنى: قال الذين لا يعلمون وهم المشركون في اليهود والنصارى ليسوا على شيءٍ.

стр. 242

وقولُه: (أي المشركون من العرب وغيرهم): هذا أصحُّ ما قيل في بيان المراد بالذين لا يعلمون (١)، وأخطأ خطأً بيِّنًا مَنْ قال: المرادُ بهم اليهود أو النصارى، ويؤيد أنَّ المرادَ بهم المشركون قوله تعالى فيما سيأتي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، والراجحُ في هذه الآية أنَّ المرادَ بالذين لا يعلمون كفارُ العرب، كما ذكره ابنُ كثير ورجَّحه (٢)، وهو قول الجمهور؛ قاله ابن عطية (٣) والقرطبي (٤). وقولُه: (بيان لمعنى ذلك … ) إلى آخره: يريدُ أنَّ قوله تعالى: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: بيانٌ لمعنى اسم الإشارة في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، فالمعنى أنَّ الذين لا يعلمون قالوا لكلِّ مَنْ خالفهم في الدينِ: ليسوا على شيء؛ كقول اليهود للنصارى، وقول النصارى لليهود. وقولُه: (فيدخل المحقُّ الجنةَ والمبطلُ النارَ): هذا تفسيرٌ للحكم في الآية بالحكم الجزائي الفعلي، والآية تشمل هذا، وتشمل الحكمَ البياني القولي المذكور في قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩]، فإنه تعالى يُبيِّنُ لهم المحقَّ من المبطل، ثم يدخل المحقُّ الجنةَ والمبطلُ النارَ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. * * *

стр. 243

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]: يُخبر تعالى عن حال مَنْ يمنع مساجد الله التي أفضلُها المسجدُ الحرام، يمنعها من أنْ يُذكَر فيها اسمُ الله، ويصدُّ مَنْ يقصدها بذكر اسم الله فيها، وفعلِ ما شرع اللهُ فيها من العبادات، وهذا الصدُّ أعظم سعي في خرابها، فإنَّ عمارتَها بذكر اسم الله فيها وإقامِ الصلاة فيها؛ وأعظمُ الصدِّ عن ذلك الصدُّ عن المسجد الحرام، فأخبر تعالى أنَّ مَنْ هذه حالُه فلا أحد أظلم منه. ﴿وَمَنْ﴾ في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: اسمُ استفهامٍ إنكاري، وهو بمعنى النفي، فالتقدير: لا أحدَ أظلم. ثم أخبر تعالى أنَّ أولئك الظالمين لا يحقُّ لهم دخول مساجد الله، ولا يليقُ بهم إلَّا أن يدخلوها خائفين ذليلين مقهورين، ثم أخبر تعالى عن سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة؛ فقال: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾؛ وهو الفضيحةُ والعارُ، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾؛ وهو عذاب النار. ﴿وَمَنْ أَظْلَم﴾ أي: لا أحدَ أظلم ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمه﴾ بالصلاة والتسبيح ﴿وَسَعَى فِي خَرَابهَا﴾ بالهدم أو التعطيل، نزلت إخبارًا عن الروم الذين خرَّبوا بيت المقدس، أو في المشركين لَمَّا صدُّوا النبيَّ ﷺ عامَ الحديبية عن البيت ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلَّا خَائِفِينَ﴾ خبر بمعنى الأمر؛ أي: أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحدٌ آمنًا. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ هوانٌ، بالقتل والسبي والجزية ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ هو النار.

стр. 244

وقولُ المؤلِّف: (نزلت إخبارًا عن الروم … ) إلى آخره: يُبيِّن بذلك أنَّ المعنيَّ بالذمِّ والوعيد المذكور في الآية هم النصارى الذي خرَّبوا بيتَ المقدس، أو المراد: المشركون الذين صدُّوا النبيَّ ﷺ وأصحابَه عن المسجد الحرام، وما ذكرَه حقٌّ ولكنَّ الآية عامَّةٌ في جميع المساجد (١)، ويدخل فيها المسجد الحرام والمسجد الأقصى دخولًا أوليًّا، وكذا ما في الآية من ذمٍّ ووعيدٍ عامٌّ لجميع المانعين مساجدَ الله أن يُذكَر فيها اسمُه، وجميعِ الساعين في خرابها، ويدخلُ النصارى والمشركون في الذمِّ والوعيدِ دخولًا أوليًّا، وسياقُ الآيات السابقةِ واللاحقةِ يشهد للقولين، ففيها ذكرُ المشركين والنصارى، ومن ذلك آياتُ تحويل القبلة الآتية. وقولُه: (خبر بمعنى الأمر … ) إلى آخره: يعني قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾، ويُبيِّنُ أنَّ هذا الخبرَ مُتضمِّنٌ أمر المؤمنين بإخافة الكفار، فلا يدخلوا المساجد إلا خائفين من سلطان المسلمين. ولا يَرِدُ على هذا دخولُ نصارى نجران مسجدِه (٢)؛ فإنهم غير مُطمئنين ولا يقدرون على أن يفعلوا فيه ما شاؤوا؛ لأنَّ الولاية فيه والحكم للرسول ﷺ .

стр. 245

وقولُه: (هوان … ) إلى آخره: الهوانُ: الذلةُ والصَّغارُ (١)، فقد أخزاهم اللهُ بما ألزمهم من الذِّلة والصَّغارِ؛ بالقتل والأسْرِ والسَّبي وأخذِ الجزية. * * *

стр. 246

وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]: بعدما ذكر اللهُ ما يدلُّ على فضل المساجد فقد أضافها إلى نفسه تعالى وذمَّ وتوعَّدَ المانعين لها أن يُذكَر فيها اسمُه، والمساجدُ مواضعُ الصلاة، أخبر تعالى في هذه الآية بسعة ملكه، فله المشرقُ والمغربُ، فإلى أيِّ جهةٍ وجَّه المصلي فهناك جهةُ القبلة إذا كان قد أمر الله بها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: قبلة الله، وعلى هذا فليست الآية من آيات الصفات؛ لأنَّ المراد بالوجه: «الجهة» (١). وقيل: المرادُ بالوجه: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ الذي هو صفته الموصوف بالجلال والإكرام، ويدل لهذا المعنى قوله ﷺ : ((إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله ﵎ قبل وجهه، فلا يبصقنَّ قبل وجهه)) (٢)، وعلى هذا فالآية من آيات الصفات؛ لأنها دالةٌ على إثبات الوجه لله تعالى (٣)، والآية تحتمل القولين، والقولُ الأوَّلُ هو قولُ جمهور المفسرين (٤)، وهو الذي يدلُّ عليه

стр. 247

السياق، ويشهدُ لهذا قولُه تعالى في شأن تحويل القبلة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]. وينبغي أن يعلم أن اختلاف المفسرين من أهل السنة في تفسير الوجه في الآية لا يستلزم اختلافهم في إثبات الوجه صفة لله تعالى؛ فإن أهل السنة مجمعون على إثبات وجه الله تعالى؛ للأدلة على إثباته من الكتاب والسنة، وإن اختلفوا في عد هذه الآية من جملة تلك الأدلة. ونزل لَمَّا طعن اليهودُ في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجَّهت: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: الأرضُ كلُّها؛ لأنهما ناحيتاها ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وجوهكم في الصلاة بأمره ﴿فَثَمَّ﴾ هناك ﴿وَجْه اللَّه﴾ قبلته التي رضيها ﴿إنَّ اللَّه وَاسِعٌ﴾ يسع فضلُه كلَّ شيءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بتدبير خلقه. وقولُ المؤلِّف: (ونزل لَمَّا طعن اليهود … ) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سبب نزول الآية (١). وقولُه: (وجوهكم في الصلاة بأمره): فيه بيانُ مفعول ﴿تُوَلُّوا﴾، والحال التي يتعلَّقُ بها هذا الأمر، وهي: الصلاة، وأنَّ تعيين القبلة بأمر الله. وقولُه: (هناك): بيانٌ لمعنى «ثَمَّ»، وأنه اسم إشارة للبعيد؛ فـ «ثَمَّ» و «هناك» معناهما واحدٌ، والمشار إليه هو الناحية من المشرق أو المغرب أو غيرهما التي وجه المصلي إليها وجهه.

стр. 248

وقولُه: (قبلته التي رضيها): هذا قولُ جمهور السَّلف، ويفرحُ به أهل التأويل من نفاة الصفات؛ لاعتقادهم أنَّ الوجه في الآية كالوجه في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وهم لا يُثبتونَ الوجهَ لله تعالى، فظنوا أنَّ تفسيرَ الوجه في الآية بالقبلة من التأويل، وليس الأمرُ كما يظنون، فالوجهُ في الآية عند مَنْ فسَّرهُ بالقبلة بمعنى الجهة؛ وهذا صحيحُ في اللغة، وعلى هذا فلا تكون الآيةُ من آيات الصفات، وقال بعضُ المفسرين: هي من آيات الصفات، فتكون كقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، والراجحُ: القولُ الأوَّلُ. وقولُه: (يسع فضلُه كلَّ شيءٍ): فسَّر الواسعَ من أسماء الله بسعةِ الفضل؛ وهو الجود والعطاء، واسم الله «الواسع»: معناه أوسعُ من ذلك، فيدخل فيه سعةُ الفضلِ والرحمةُ والعلمُ والقدرةُ والملكُ (١). وقولُه: (بتدبير خلقه): هذا حقٌّ؛ لكن لو قال: بكلِّ شيءٍ كان أولى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]. * * *

стр. 249

وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧]: يُخبر تعالى في هذه الآيات عن اليهود والنصارى والمشركين أنهم قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فاليهود قالوا: عُزيرٌ ابنُ الله، والنصارى قالوا: المسيحُ ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكةُ بناتُ الله؛ كما ذكر الله ذلك عنهم، ثم سبَّح نفسَه عن قول المفترين من اليهود والنصارى والمشركين، ثم ذكر تعالى البرهانَ العقلي على امتناع أن يكون له سبحانه ولدٌ؛ فأخبر عن مُلكه للسموات والأرض وقنوت العوالم له، وأنه المبدعُ للسماوات والأرض؛ يعني المُبتدِئ لخلقهما على غيرِ مثالٍ سَبَق، وأنه تعالى إذا أراد أمرًا فما هو إلا أن يقول له كن فيكون كما أراد، وهذه الأمور الأربعة تدلُّ على كمال غِناه سبحانه، وأنَّ كلَّ ما سواه مخلوقٌ ومُفتقرٌ إليه، فعُلم أن لو كان له ولدٌ لكان مخلوقًا، ولم يكن ولدًا إلا بالاصطفاء كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤]، ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى في سورة يونس: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]. ﴿وَقَالُوا﴾ بواو ودونها أي: اليهود والنصارى ومَن زعم أنَّ الملائكة بنات الله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له عنه ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ملكًا وخلقًا وعبيدًا، والمُلكيَّةُ تنافي الولادة. وعبر بـ «ما» تغليبًا لِمَا لا يعقل ﴿كُلّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مطيعون، كلٌّ بما يُرادُ منه، وفيه تغليبُ العاقل. ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ موجدهما لا على مثالٍ

стр. 250

سَبَقَ ﴿وَإِذَا قَضَى﴾ أراد ﴿أَمْرًا﴾ أي: إيجاده ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ أي: فهو يكون، وفي قراءةٍ بالنصب جوابًا للأمر. وقولُ المؤلِّف: (بواو ودونها): يُشير إلى قراءتين بإثباتِ واوِ العطف وحذفِها (١). وقولُه: (أي: اليهود … ) إلى آخره: يريد أنَّ واوَ الجمع في ﴿قَالُوا﴾ راجعةٌ إلى الطوائف الثلاث. وقولُه: (تنزيهًا … ) إلى آخره: يريد أنَّ معنى ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهٌ لله عن الولد. وقولُه: (والملكية تنافي الولادة): يُبيِّنُ وجهَ أنَّ ملكَه تعالى للسماوات والأرض دليلٌ على امتناع أن يكون لله ولدٌ. وقولُه: (وعبر بـ (ما) … ) إلى آخره: يريد أنَّ الله أخبر عن أهل السماوات والأرض بما التي هي في اللغة لغيرِ العاقل على وجه التغليب (٢). وقولُه: (مطيعون): تفسيرٌ لقوله: ﴿قَانِتُونَ﴾، معناه: جميعُ أهل السماوات والأرض مطيعون لله؛ أي: مُنقادون لحكم الله ومُقِرُّون بالعبودية له طوعًا أو كرهًا كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وهذا دليلٌ على امتناع أن يكون لله ولدٌ؛ إذ من الممتنع أن يكون العبدُ ولدًا لسيِّده، ولذا فإنَّ كلَّ مَنْ قيل أنه ولدُ الله فهو عبدٌ لله، وشواهد هذا في القرآن كثيرةٌ؛ كما في سورة النساء ومريم والأنبياء.
следующие страницы →