وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]:
بعدما ذكر اللهُ ما يدلُّ على فضل المساجد فقد أضافها إلى نفسه تعالى وذمَّ وتوعَّدَ المانعين لها أن يُذكَر فيها اسمُه، والمساجدُ مواضعُ الصلاة، أخبر تعالى في هذه الآية بسعة ملكه، فله المشرقُ والمغربُ، فإلى أيِّ جهةٍ وجَّه المصلي فهناك جهةُ القبلة إذا كان قد أمر الله بها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: قبلة الله، وعلى هذا فليست الآية من آيات الصفات؛ لأنَّ المراد بالوجه: «الجهة» (١).
وقيل: المرادُ بالوجه: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ الذي هو صفته الموصوف بالجلال والإكرام، ويدل لهذا المعنى قوله ﷺ : ((إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله ﵎ قبل وجهه، فلا يبصقنَّ قبل وجهه)) (٢)، وعلى هذا فالآية من آيات الصفات؛ لأنها دالةٌ على إثبات الوجه لله تعالى (٣)، والآية تحتمل القولين، والقولُ الأوَّلُ هو قولُ جمهور المفسرين (٤)، وهو الذي يدلُّ عليه
стр. 247
السياق، ويشهدُ لهذا قولُه تعالى في شأن تحويل القبلة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]. وينبغي أن يعلم أن اختلاف المفسرين من أهل السنة في تفسير الوجه في الآية لا يستلزم اختلافهم في إثبات الوجه صفة لله تعالى؛ فإن أهل السنة مجمعون على إثبات وجه الله تعالى؛ للأدلة على إثباته من الكتاب والسنة، وإن اختلفوا في عد هذه الآية من جملة تلك الأدلة.
ونزل لَمَّا طعن اليهودُ في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجَّهت: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: الأرضُ كلُّها؛ لأنهما ناحيتاها ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وجوهكم في الصلاة بأمره ﴿فَثَمَّ﴾ هناك ﴿وَجْه اللَّه﴾ قبلته التي رضيها ﴿إنَّ اللَّه وَاسِعٌ﴾ يسع فضلُه كلَّ شيءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بتدبير خلقه.
وقولُ المؤلِّف: (ونزل لَمَّا طعن اليهود … ) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سبب نزول الآية (١). وقولُه: (وجوهكم في الصلاة بأمره): فيه بيانُ مفعول ﴿تُوَلُّوا﴾، والحال التي يتعلَّقُ بها هذا الأمر، وهي: الصلاة، وأنَّ تعيين القبلة بأمر الله.
وقولُه: (هناك): بيانٌ لمعنى «ثَمَّ»، وأنه اسم إشارة للبعيد؛ فـ «ثَمَّ» و «هناك» معناهما واحدٌ، والمشار إليه هو الناحية من المشرق أو المغرب أو غيرهما التي وجه المصلي إليها وجهه.
стр. 248
وقولُه: (قبلته التي رضيها): هذا قولُ جمهور السَّلف، ويفرحُ به أهل التأويل من نفاة الصفات؛ لاعتقادهم أنَّ الوجه في الآية كالوجه في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وهم لا يُثبتونَ الوجهَ لله تعالى، فظنوا أنَّ تفسيرَ الوجه في الآية بالقبلة من التأويل، وليس الأمرُ كما يظنون، فالوجهُ في الآية عند مَنْ فسَّرهُ بالقبلة بمعنى الجهة؛ وهذا صحيحُ في اللغة، وعلى هذا فلا تكون الآيةُ من آيات الصفات، وقال بعضُ المفسرين: هي من آيات الصفات، فتكون كقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، والراجحُ: القولُ الأوَّلُ.
وقولُه: (يسع فضلُه كلَّ شيءٍ): فسَّر الواسعَ من أسماء الله بسعةِ الفضل؛ وهو الجود والعطاء، واسم الله «الواسع»: معناه أوسعُ من ذلك، فيدخل فيه سعةُ الفضلِ والرحمةُ والعلمُ والقدرةُ والملكُ (١).
وقولُه: (بتدبير خلقه): هذا حقٌّ؛ لكن لو قال: بكلِّ شيءٍ كان أولى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥].
* * *
стр. 249
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧]:
يُخبر تعالى في هذه الآيات عن اليهود والنصارى والمشركين أنهم قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فاليهود قالوا: عُزيرٌ ابنُ الله، والنصارى قالوا: المسيحُ ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكةُ بناتُ الله؛ كما ذكر الله ذلك عنهم، ثم سبَّح نفسَه عن قول المفترين من اليهود والنصارى والمشركين، ثم ذكر تعالى البرهانَ العقلي على امتناع أن يكون له سبحانه ولدٌ؛ فأخبر عن مُلكه للسموات والأرض وقنوت العوالم له، وأنه المبدعُ للسماوات والأرض؛ يعني المُبتدِئ لخلقهما على غيرِ مثالٍ سَبَق، وأنه تعالى إذا أراد أمرًا فما هو إلا أن يقول له كن فيكون كما أراد، وهذه الأمور الأربعة تدلُّ على كمال غِناه سبحانه، وأنَّ كلَّ ما سواه مخلوقٌ ومُفتقرٌ إليه، فعُلم أن لو كان له ولدٌ لكان مخلوقًا، ولم يكن ولدًا إلا بالاصطفاء كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤]، ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى في سورة يونس: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].
﴿وَقَالُوا﴾ بواو ودونها أي: اليهود والنصارى ومَن زعم أنَّ الملائكة بنات الله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له عنه ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ملكًا وخلقًا وعبيدًا، والمُلكيَّةُ تنافي الولادة. وعبر بـ «ما» تغليبًا لِمَا لا يعقل ﴿كُلّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مطيعون، كلٌّ بما يُرادُ منه، وفيه تغليبُ العاقل. ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ موجدهما لا على مثالٍ
стр. 250
سَبَقَ ﴿وَإِذَا قَضَى﴾ أراد ﴿أَمْرًا﴾ أي: إيجاده ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ أي: فهو يكون، وفي قراءةٍ بالنصب جوابًا للأمر.
وقولُ المؤلِّف: (بواو ودونها): يُشير إلى قراءتين بإثباتِ واوِ العطف وحذفِها (١).
وقولُه: (أي: اليهود … ) إلى آخره: يريد أنَّ واوَ الجمع في ﴿قَالُوا﴾ راجعةٌ إلى الطوائف الثلاث.
وقولُه: (تنزيهًا … ) إلى آخره: يريد أنَّ معنى ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهٌ لله عن الولد.
وقولُه: (والملكية تنافي الولادة): يُبيِّنُ وجهَ أنَّ ملكَه تعالى للسماوات والأرض دليلٌ على امتناع أن يكون لله ولدٌ.
وقولُه: (وعبر بـ (ما) … ) إلى آخره: يريد أنَّ الله أخبر عن أهل السماوات والأرض بما التي هي في اللغة لغيرِ العاقل على وجه التغليب (٢).
وقولُه: (مطيعون): تفسيرٌ لقوله: ﴿قَانِتُونَ﴾، معناه: جميعُ أهل السماوات والأرض مطيعون لله؛ أي: مُنقادون لحكم الله ومُقِرُّون بالعبودية له طوعًا أو كرهًا كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وهذا دليلٌ على امتناع أن يكون لله ولدٌ؛ إذ من الممتنع أن يكون العبدُ ولدًا لسيِّده، ولذا فإنَّ كلَّ مَنْ قيل أنه ولدُ الله فهو عبدٌ لله، وشواهد هذا في القرآن كثيرةٌ؛ كما في سورة النساء ومريم والأنبياء.
стр. 251
وقولُه: (كلٌّ بما يُرادُ منه): يريد أنَّ كلَّ أحدٍ من أهل السماوات والأرض قانتٌ؛ أي: مطيعٌ بما يُراد منه.
وقولُه: (وفيه تغليبُ العاقل): يريد أنَّ جمعَ المذكر السالم في قوله: ﴿قَانِتُونُ﴾ والأصلُ أنه يختصُّ بالعاقل، وقد وصف به أهل السماء والأرض؛ لذلك قال المؤلِّف: (وفيه تغليبُ العاقل). وقولُه: (إيجاده): يُشير إلى أنَّ قوله: ﴿أَمْرًا﴾ على تقدير حذف مُضاف؛ المعنى: إذا أراد إيجادَ أمرٍ؛ أي: شيءٍ.
وقولُه: (فهو يكون … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ في ﴿يَكُون﴾ قراءتين: الرفعُ والنصبُ (١)، فعلى قراءة الرفعِ الفعل خبرُ مبتدأ محذوف؛ قدَّره المؤلِّف: (فهو يكون)، وعلى قراءة النصبِ فالفعلُ جوابُ الأمر في قوله: كن، والفعلُ منصوبٌ بـ «أن» بعد الفاء.
* * *
стр. 252
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ [البقرة: ١١٨]:
يُخبر تعالى عن الذين لا يعلمون؛ وهم المشركون الذين لا كتاب لهم ككفار قريش؛ أنهم قالوا على وجه التعنُّتِ والعناد للرسول ﷺ قالوا: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ فنسمع كلامَه ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ خارقةٌ تدلُّ على أنك رسولٌ كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]، قال الله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، وكذلك قول بني إسرائيل لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، قال الله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: في عدم الإيمانِ والانقيادِ، فتشابهت أقوالُهم، ثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾: أي أوضحنا وفصَّلنا الآيات المبينة للحقِّ بينها ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾، وهم الذين يستمعون لها ويتدبَّرونها فيؤمنون ويوقنون بما دلَّت عليه، وهؤلاء هم المنتفعون بآيات الله ولذا خُصُّوا بالذِّكر.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: كفارُ مكة للنبي ﴿لَوْلَا﴾ هلَّا ﴿يُكَلِّمنَا اللَّه﴾ أنك رسوله ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَة﴾ مما اقترحناه على صِدقك ﴿كَذَلِكَ﴾ كما قال هؤلاء ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ﴾ من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم ﴿مِثْل قَوْلهمْ﴾ من التعنُّتِ وطلبِ الآيات ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ﴾ في الكفر والعناد، فيه تسليةٌ للنبي ﷺ ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يعلمون أنها آيات فيؤمنون، فاقتراح آيةٍ معها تعنُّتٌ.
стр. 253
وقولُ المؤلِّف: (هلَّا): تفسيرٌ لقولهم: ﴿لولا﴾؛ فـ «لولا» و «هلا» معناهما التحضيضُ على حصول المطلوب (١).
* * *
стр. 254
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩]:
يُخبر تعالى نبيَّه مُسلِّيًا له بأنه مُرسَلٌ بالحق؛ أي: بالصدق والعدل، بالهدى ودينِ الحقِّ؛ أي: العلم النافع والعمل الصالح، وأنَّ اللهَ أرسله بشيرًا لِمَنْ آمن به بثواب الله ونذيرًا لمن كفر به من عذاب الله، ويُخبر اللهُ نبيَّه أنه غيرُ مسؤول عن الكافرين أصحاب الجحيم بعد تبليغهم رسالاتِ الله، فما على الرسول إلَّا البلاغُ المبين.
﴿إنَّا أَرْسَلْنَاك﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالهدى ﴿بَشِيرًا﴾ مَنْ أجاب إليه بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ مَنْ لم يُجِب إليه بالنار ﴿وَلَا تُسْأَل عَنْ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ النار؛ أي: الكفارُ ما لهم لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ، وفي قراءة بجزم ﴿تسأل﴾ نهيًا.
وقولُ المؤلِّف: (وفي قراءة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ في قوله: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ قراءتين؛ إحداهما: بضمِّ التاء بالبناء للمفعول ولا نافية، والفعلُ المضارع مرفوعٌ، والمعنى: لا يسألك اللهُ عن إيمان مَنْ كفر بك فليس عليك هداهم، ولكنَّ اللهَ يهدي مَنْ يشاء، وهذه قراءةُ الجمهور، والجملةُ على هذه القراءة خبرية، والقراءةُ الثانية بفتح التاء، وجزمِ الفعل المضارع، ولا ناهية فتكون؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ٣٧]، والجملةُ على هذه القراءة طلبيةٌ (١)، وضعَّفَ ابنُ جرير هذه القراءة لفظًا ومعنى (٢).
* * *
стр. 255
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]:
هذا خبرٌ من الله لنبيه على إصرار اليهود والنصارى على تكذبيهم بنبوته، وحرصهم على إضلاله وأنه لا يُرضيه منهم إلا أن يتَّبعهم على مِلَّتهم بناءً على زعمهم أنهم هم الذين على الهدى كما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وسيأتي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥].
ثم أمر اللهُ نبيَّه أن يقول: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ الذي أنزله في كتبه وأرسلَ به رُسلَه ﴿هُوَ الْهُدَى﴾؛ أي: الدِّين الحق، لا ما خالفه من الأديان الباطلة والشرائع المُحدثة، ثم حذَّر اللهُ نبيَّه من اتباع أهوائهم بطاعتهم فيما يدعون إليه، وأخبر تعالى خبرًا مؤكدًا أنه إن فعل ذلك بعد الذي جاءه من العلم، ومنه العلم بكفرهم وضلالهم وبطلان الدِّين الذي هم عليه كما تقدَّم في الآيات السابقة إن فعل ذلك؛ فما له من الله من وليٍّ ولا نصيرٍ يمنعه من الله إنْ أراد أن يُحلَّ به عقابَه على اتباع أهواءِ اليهود والنصارى.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِع مِلَّتهمْ﴾ دينهم ﴿قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه﴾ الإسلام ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ وما عداه ضلالٌ ﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسم ﴿اتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ﴾ التي يدعونك إليها فرضًا ﴿بَعْد الَّذِي جَاءَك مِنْ الْعِلْم﴾ الوحي من الله ﴿مَا لَك مِنْ اللَّه من ولي﴾ يحفظك ﴿ولا نصير﴾ يمنعك منه.
стр. 256
وقولُ المؤلِّف: (وما عداه ضلالٌ): أي ما عدا الإسلام من الأديان ضلالٌ، وهذا المعنى مُستفادٌ من الحصر كما يدلُّ عليه تعريفُ الطرفين في قوله: ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ (١).
وقولُه: (فرضًا): يُريد أنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ذُكر على سبيل الفرضِ والتقدير؛ لأنه ﷺ معصومٌ، فاتباعه لِمِلَّتهم ممتنعٌ لعصمته.
وقولُه: (الوحي من الله): يُريد عِلمَ النبوةِ الشامل لمعرفة الحقِّ من الباطل من العلوم والأعمال. وقولُه: (يحفظك … ) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا الفرقَ بين الولي والنصير، فالوليُّ هو الذي يقوم بمصالح مَنْ وَليه، والنصيرُ هو الذي يدفعُ عنه المضار، ويمنعه ممَّن يريده بسوء، فبين الوليِّ والنصيرِ عمومٌ وخصوصٌ من وجه، لكنَّ الوليَّ أخصُّ بجلب المنافعِ وحفظِ المصالح، والنصيرَ أخصُّ بدفع المضارِّ (٢)؛ فالمعنى: فمتى فعلت ما نُهيتَ عنه حقَّ عليك عقابُ الله، وما لك من الله من وليٍّ يحفظك ولا نصيرٍ ينصرك ويمنعك من عذاب الله، وهذه الآيةُ نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥].
* * *
стр. 257
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١]:
هذا خبرٌ من الله - تعالى - عن طائفةٍ من أهل الكتاب - وهو التوراة - بأنهم يقرؤونه ويتَّبعونه بالعمل بما فيه من الأحكام، وهؤلاء هم المؤمنون به حقًا، وهذا من العام الذي أُريد به الخصوصُ؛ لأنَّ الذين هذه صفتُهم بعضُ أهل الكتاب، ثم أخبر تعالى عن الذين يكفرون بالكتاب لأنهم الخاسرون، فعُلم بذلك أنَّ الذين يتلونه حقَّ تلاوته هم الرَّابحون.
﴿الذين آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب﴾ مبتدأ ﴿يَتْلُونَهُ حَقّ تِلَاوَته﴾ يقرؤونه كما أنزل - والجملة حال و «حق» نصبٌ على المصدر - والخبر: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ نزلت في جماعةٍ قدِموا من الحبشة وأسلموا ﴿وَمَنْ يَكْفُر بِهِ﴾ أي: بالكتاب المُؤْتَى بأن يُحرِّفه ﴿فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (يقرؤونه كما أنزل): هذا أحدُ التفسيرين للتلاوة في هذه الآية (١)، والثاني: ﴿يَتْلُونَهُ حَقّ تِلَاوَته﴾: يتَّبعونه حقَّ اتباعه (٢).
стр. 258
وقولُه: (والجملة حال): هذا أحدُ الوجهين في إعرابها، وعليه فجملة: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ خبرُ المبتدأ كما ذكره المؤلف، والثاني: أنَّ جملة: ﴿يَتْلُونَهُ﴾ خبرُ المبتدأ، وعليه فجملة: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ مستأنفة (١).
وقولُه: (نصبٌ على المصدر): لأنه مُضافٌ إلى مصدر؛ وهو التلاوة حقَّ تلاوته، وهو مِنْ إضافةِ الصفة إلى الموصوف؛ لأن المعنى: يتلونه تلاوةً حقًّا.
وقولُه: (أي: بالكتاب المؤتى بأن يحرِّفه): تفسيرٌ للضمير المجرور في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُر بِهِ﴾؛ وهو التوراة على ما اختاره ابن جرير (٢).
وقولُه: (لمصيرهم … ) إلى آخره: لا ريب أنَّ المصيرَ إلى النار أعظمُ خزيٍ وأعظمُ خَسارٍ.
* * *
стр. 259
وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ [البقرة: ١٢٢ - ١٢٣]:
تقدَّم نظيرُ هاتين الآيتين «٤٧» و «٤٨»؛ أمَّا الآيةُ الأولى فتقدَّم مثلها بلفظها ومعناها، وأمَّا الآيةُ الثانيةُ فتقدَّمت بقريبٍ من لفظها ومعناها، ومن الفرق بينهما أنَّ النفسَ المنفيَّ عنها قبول الشفاعة وأخذ العدل في الآية الأولى هي النفسُ الجازية، والنفسَ المنفيَّ عنها قبول العدل ونفي نفع الشفاعة في الآيةِ الأخيرة هي النفسُ المجزي عنها، ويظهر ذلك بعود الضمائر، وما سوى ذلك قد تقدَّم عند ذكر الآيتين «٤٧» و «٤٨»، ويُلاحظ أنَّ هاتين الآيتين «١٢٢»، «١٢٣» خُتم بهما خطابُ بني إسرائيل والخبرُ عنهم، فخُتمت الآياتُ في ذلك بمثل ما بُدئت به من قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ تقدَّم مثله ﴿واتقوا﴾ خافوا ﴿يوما لا تجزي﴾ تغني ﴿نَفْس عَنْ نَفْس﴾ فيه ﴿شَيْئًا وَلَا يقبل منها عدل﴾ فداء ﴿ولا تنفعها شَفَاعَة وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله.
* * *
стр. 260
وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٤ - ١٢٥]:
يُذكِّرُ اللهُ نبيَّه والمؤمنين ويُخبرهم أنه ابتلى خليلَه إبراهيمَ بكلماتٍ تتضمَّنُ أوامر ونواهي، فأتمهنَّ إبراهيمُ بالعمل بها، فجزاه اللهُ بأن جعله للناس إمامًا يُتَّبَع ويُقتدى به في طاعته لله وشكره لنعمه.
وقد اختلف المفسرون في تعيين المرادِ بالكلمات التي ابتُلي بها إبراهيمُ اختلافًا كثيرًا حكاه ابنُ جرير، ومما قيل في ذلك: أنها المناسكُ، أو أنها خِصالُ الفطرة، واختار ابنُ جرير أنه لا يجوز الجزمُ بأنَّ المرادَ جميعُ ما ذُكر من الأقوال، ولا الجزمُ بتعيين بعضها، فكلُّ ذلك مُحتملٌ، واللهُ أعلم بما أراد (١).
فسأل إبراهيمُ ﵇ ربَّه أن يجعل من ذرِّيته أئمةً فوعده اللهُ ذلك، ولكنْ هذا الوعدُ الذي سمَّاه اللهُ عهدًا لا يَنالُ الظالمين من ذرية إبراهيم، فلا يكون من ذرِّيته إمامًا إلَّا من الصالحين المحسنين، وقد أخبر تعالى أنه صَدَقَ وعْدَه لخليله فجعل من ذرِّيته أئمةً؛ فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٢ - ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
ثم يُذكِّرُ تعالى بنعمةٍ أخرى على خليله إبراهيم ﵇ وعلى أتباعه، وهو هذا البيت الذي جعله اللهُ مَثابةً للناس يتردَّدون إليه حُجَّاجًا وعُمَّارًا، وجعله سببًا لأمنِ كلِّ ما حوله من الحرم، وذلك بسبب دعاء إبراهيم ﵇.
стр. 261
ثم أمر سبحانه المرتادين لهذا البيت أن يتَّخذوا من مقام إبراهيم مُصلًّى؛ أي: يُصلُّوا عنده، وهو الحَجَرُ الذي كان يقوم عليه عند بنائه للبيت؛ فقال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ولَمَّا فرغ النبيُّ ﷺ من طواف القدوم في حجته أتى المقامَ فصلَّى عنده وتلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١).
ثم أخبر سبحانه أنه أمرَ إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من الأقذار والأنجاس الحسِّيَّةِ والمعنويةِ ليكون مهيئًا للطائفين به والعاكفين والمصلِّين عنده؛ فقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾، ومعنى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾: أمرناهما، وعدي الفعل بـ «إلى»؛ لأنه مُضمَّنٌ معنى: أوحينا؛ فالمعنى: أوحينا إليهما الأمر بتطهير البيت، و «أنَّ» في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾: تفسيرية، وهي التي تأتي بعد القول أو ما في معناه.
﴿وَ﴾ اذكر ﴿إذْ ابْتَلَى﴾ اختبرَ ﴿إبْرَاهِيمَ﴾ وفي قراءةٍ إبراهام ﴿رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ بأوامرَ ونواهٍ كلَّفه بها؛ قيل: هي مناسكُ الحجِّ، وقيل: المضمضةُ والاستنشاقُ والسِّواكُ وقصُّ الشاربِ وفرقُ الرأسِ وقلمُ الأظفارِ ونتفُ الإبطِ وحلقُ العانةِ والختانُ والاستنجاءُ ﴿فَأَتَمّهنَّ﴾ أدَّاهُنَّ تامَّات ﴿قَالَ﴾ تعالى له: ﴿إنِّي جَاعِلك لِلنَّاسِ إمَامًا﴾ قدوةً في الدين ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أولادي اجعلْ أئمة ﴿قَالَ لَا يَنَال عَهْدِيَ﴾ بالإمامة ﴿الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين منهم، دلَّ على أنه ينالُ غير الظالم. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ الكعبةَ ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ مرجعًا يثوبون إليه من كلِّ جانبٍ ﴿وَأَمْنًا﴾ مأمنًا لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره، كان الرجلُ يَلقى قاتلَ أبيه فيه فلا يُهيجه ﴿واتَّخِذُوا﴾
стр. 262
أيها الناس ﴿مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم﴾ هو الحَجَرُ الذي قام عليه عند بناء البيت ﴿مُصَلًّى﴾ مكانَ صلاةٍ بأن تصلُّوا خلفه ركعتي الطواف، وفي قراءةٍ: بفتح الخاء خبر ﴿وَعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل﴾ أمرناهما ﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿طَهِّرَا بَيْتِي﴾ من الأوثان ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه ﴿وَالرُّكَّع السُّجُود﴾ جمعُ راكع وساجد: المصلِّين.
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): هذا تقديرٌ لمتعلق الظرف، وقد تقدَّمت الآياتُ نظيرَ هذا كثيرًا، وأول ذلك قوله تعالى: ﴿إذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠].
وقولُه: (اختبرَ): تفسيرٌ للابتلاء بالاختبار، وهو كثيرٌ في القرآن، وأكثر ما يَرِدُ من تصاريف الفعل الثلاثي: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ﴿لَهُوَ الْبَلَاءُ﴾ [الصافات: ١٠٦].
وقولُه: (قدوة في الدين): المعنى يقتدي به مَنْ بعده من النبيين والصالحين في التوحيد وطاعةِ الله والبراءةِ من المشركين حتى أمر النبي ﷺ باتباع ملَّته قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وقد أخبر تعالى بتحقُّقِ هذه الإمامة في إبراهيم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]، فمعنى ﴿أُمَّة﴾: أي إمامًا وقدوة (١).
وقولُه: (أولادي … ) إلى آخره: معناه أنَّ إبراهيم دعا ربَّه كما جعله إمامًا أن يجعل من ذرِّيته أئمةً فيدومَ الخيرُ ويعمُّ.
وقولُه: (بالإمامة) معناه: أنَّ عهد الله بالإمامة - وهو جعله مَنْ يشاء إمامًا - لا يصلُ لظالمٍ من ذرية إبراهيم، وإنما يجعل الإمامةَ في الصالحين من ذريته.
стр. 263
وقولُه: (الكافرين منهم): تفسيرٌ للظلم بالكفر، وهذا هو الأكثرُ في القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ - أي: دعوت غير الله - ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
وقولُه: (دلَّ على أنه ينال غير الظالم): هذا من الاستدلال بمفهومِ الصفةِ (١)، وهو الصحيحُ. وقولُه: (الكعبة): فسَّرَ البيتَ بالكعبة، والبيتُ والكعبةُ والمسجدُ الحرام يختلُف معناها في المواضع التي وردت في القرآن؛ فتارةً يُراد بالبيت الكعبة نفسها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وتارةً يُرادُ به الكعبة وما حولها من المسجد؛ كقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وتارةً يُراد بالكعبة جميع الحرم؛ كقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وتارةً يُرادُ بالبيت الكعبة وما حولها من المسجد وجميع الحرم؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]، وتارةً يُراد بالمسجد: المصلَّى حول الكعبة؛ كقوله ﷺ : ((لا تُشَدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام … )) الحديث (٢)، وقيل: جميع الحرم، والأول أظهر (٣)، وقد يُراد بالمسجد الحرام جميع الحرم؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وقد يُرادُ المصلَّى حول الكعبة وجميع الحرم؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].
стр. 264
وقولُه: (مرجعًا يثوبون إليه من كلِّ جانب): مثابٌ ومثابةٌ: مصدرٌ ميميٌّ من ثاب؛ بمعنى: رجع، وسُمِّيَ البيت مثابةً؛ لأنَّ الناسَ كلَّما سافروا عنه رجعوا إليه حاجين أو معتمرين (١)؛ فالمعنى: واذكروا حين جعلنا البيتَ مثابةً للناس.
وقولُه: (مأمنًا): أي مكانًا آمنًا، وهو من التسمية بالمصدر.
وقولُه: (أيها الناس): يُبيِّنُ أنَّ الخطابَ عامٌّ للناس، ويدلُّ له قوله تعالى قبل ذلك: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: المؤمنين.
وقولُه: (بفتح الخاء خبر … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ في: ﴿اتَّخذُوا﴾ قراءتين بفتح الخاء، وكسر الخاء (٢)، وبفتحها يكون الفعل ماضيًا، والجملة خبرية، وبكسر الخاءِ يكون أمرًا والجملةُ طلبية؛ لأنَّ الفعل يكون ماضيًا، وبكسر الخاء يكون أمرًا.
وقولُه: (أي: بأن): هذا يقتضي أن تكون ﴿أَنْ﴾ مصدرية، والأظهر أنها تفسيريةٌ فلا يحتاج إلى تقدير حرف.
* * *
стр. 265
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦]:
يُذكِّرُ تعالى نبيَّه والمؤمنين مخبرًا لهم بدعاء خليله إبراهيم للبلد الحرام بأن يجعله آمنًا ويرزق أهله المؤمنين بالله واليوم الآخر من كلِّ الثمرات، فأجاب اللهُ دعاءَه، وأخبر تعالى أنَّ رِزقَه لا يختصُّ بمَن آمن بالله واليوم الآخر من أهل الحرم؛ بل يرزق مَنْ كفر منهم متاعًا قليلًا ثم يصير بكفره إلى النار وبئس المصير؛ فمعنى الآية: واذكروا حين قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾ أي: هذا البلد كما في سورة إبراهيم «٣٥»، فاسم الإشارة هو المفعول الأول لـ ﴿اجْعَلْ﴾، و ﴿بَلَدًا﴾ هو المفعول الثاني، و ﴿آمِنًا﴾ صفة؛ أي: يأمنُ مَنْ يحلُّ فيه مما يحصل لمن حولَه من نهبٍ وقتلٍ؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: أي التي تُجلَبُ إليهم من البلدان ذات العيون والبساتين؛ لأنَّ مكة ليست ذات زرع وأشجار وثمار، وخصَّ ﵇ بهذا الدعاء مَنْ آمنَ بالله واليوم الآخر؛ لأنهم الذين يستعينون بنِعَمِه ورزقه على طاعته، ولكنه تعالى أخبر أنه يمتعُ برزقه مَنْ كفر متاعًا قليلًا ثم يجزيه على كفره بعذاب النار، فبيَّنَ سبحانه أنَّ رِزقه في الدنيا يشمل البرَّ والفاجرَ والمؤمنَ والكافرَ.
﴿وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا﴾ المكان ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ ذا أمنٍ، وقد أجاب اللهُ دُعاءَه فجعله حَرَمًا لا يُسفكُ فيه دمُ إنسانٍ، ولا يُظلَمُ فيه أحدٌ، ولا يُصادُ صيدُه، ولا يُختلى خلاه ﴿وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات﴾ وقد فعل، بنقل الطائف من الشام إليه، وكان أقفر لا زرع به ولا ماء ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ
стр. 266
وَالْيَوْم الْآخِر﴾ بدل من «أهله» وخصَّهم بالدعاء لهم موافقة لقوله: «لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ» ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿وَ﴾ أرزقُ ﴿مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ﴾ بالتشديد والتخفيف، في الدنيا بالرزق ﴿قَلِيلًا﴾ مدَّةَ حياته ﴿ثُمَّ أَضْطَرّهُ﴾ ألجئه في الآخرة ﴿إلَى عَذَاب النَّار﴾ فلا يجد عنها محيصًا ﴿وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ المرجع هي.
وقولُ المؤلِّف: (المكان): يُبيِّنُ أنَّ المشار إليه المكان، ولو قال: البلاد؛ لكان أولى؛ لأنه المذكور في سورة إبراهيم.
وقولُه: (ذا أمنٍ … ) إلى آخره: معناه: فيه أَمنٌ بسبب حُرمته؛ فلا يُسفَكَ فيه دمٌ، ولا يُنفَّر صيدٌ، ولا يُعضَدُ شجرُه، ولا يُختلى خَلاه؛ كما جاء في الصحيحين عن ابن عباس وأبي شريح (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
وقولُه: (وقد فعل … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الله أجاب دعاء إبراهيم ﵇.
وأمَّا قولُه: (بنقل الطائف من الشام إليه): يبدو أنَّ هذه خرافة (٢)، والصواب: أنَّ اللهَ أجاب دعاءَه بأن جعل الثمار تُجبَى إليه من كلِّ مكان؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].
وقولُه: (بدل من أهله): أي بدلُ بعضٍ من كل، وهو اسم موصول في موضع نصب.
стр. 267
وقولُه: (وخصَّهم بالدعاء لهم … ) إلى آخره: يعني أنَّ إبراهيمَ خصَّ مَنْ آمن بالله واليوم الآخر بالدعاء لهم بالرزق من الثمرات.
وقولُه: (تعالى … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ معنى الجملة: قال اللهُ تعالى: وأَرزقُ مَنْ كفرَ كما أَرزقُ مَنْ آمنَ، لكن مَنْ كفرَ أُمتِّعُه قليلًا في الدنيا ثم أضطره إلى النار يوم القيامة.
وقولُه: (بالتشديد والتخفيف): يُشير إلى أنَّ في التاء من ﴿أمتعه﴾ قراءتين؛ بالتشديد: ﴿أمتّعه﴾، والتخفيف: ﴿أمتِعه﴾ (١).
وقولُه: (مدَّة حياته): تفسيرٌ للقليل، ومتاعُ الدنيا قليلٌ مهما طالت مدَّتُه؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
وقولُه: (أُلجِئُه في الآخرة): معناه: أنَّ اللهَ يُدخلُ الكافرَ النارَ بدفعٍ، بقوةٍ؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣].
وقولُه: (المرجع هي): بيانٌ لمعنى المصير، وبيانٌ للمخصوص؛ فالمصير فاعل «بئس»، والمخصوص بالذم قولُه: (هي).
* * *
стр. 268
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩]:
يُذكِّر اللهُ - تعالى - نبيَّه والمؤمنين مخبرًا لهم ببناء إبراهيمَ وإسماعيلَ البيت داعيين ربَّهما؛ أن يتقبَّل منهما، وأن يجعلهما مسلمين له، ويجعل من ذرِّيتهما أمَّةً مسلمةً له، وأن يُريهما مناسكهما التي يتعبَّدان لله بها؛ وهي: مناسك الحج، وأن يتوبَ عليهما، ويبعثَ في ذرِّيتهما رسولًا منهم يتلو عليهم آياتِ الله ويُعلمهم الكتابَ والحكمةَ ويزكِّيهم، وقد أجاب اللهُ دعاءهما لأنفسهما وذرِّيتهما، وأعظمُ ذلك بعثة محمد ﷺ من ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقد كان ﷺ بالصفة التي دعا بها إبراهيُم وإسماعيل، وامتنَّ اللهُ بذلك على المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، فهدى اللهُ به إلى الإسلام كثيرًا من ذرية إسماعيل، فكان ذلك من إجابة الله لذلك الدعاء.
﴿وَ﴾ اذكر ﴿إذْ يَرْفَع إبْرَاهِيم الْقَوَاعِد﴾ الأُسُسَ أو الجدرَ ﴿مِنْ الْبَيْت﴾ يبنيه - مُتعلِّقٌ بـ «يرفع» - ﴿وَإِسْمَاعِيل﴾ عطف على إبراهيم يقولان: ﴿رَبّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ بناءنا ﴿إنَّك أَنْت السَّمِيع﴾ للقول ﴿الْعَلِيم﴾ بالفعل. ﴿ربَّنَا وَاجَعَلْنا مُسْلِمَيْن﴾ مُنقادين ﴿لَكَ وَ﴾ اجعل ﴿مِنْ ذُرِّيتِنَا﴾ أولادنا ﴿أُمَّةً﴾ جماعةً ﴿مُسْلِمَةً لَك﴾ ومن للتبعيض وأتى به لتقدم قوله له: ﴿لَا يَنَال عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَأَرِنَا﴾ عَلِّمْنا ﴿مَنَاسِكنَا﴾ شرائعَ
стр. 269
عبادتِنا أو حجِّنا ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّك أَنْت التَّوَّاب الرَّحِيم﴾ سألاه التوبة مع عِصمتهما تواضعًا وتعليمًا لذريتهما. ﴿رَبّنَا وَابَعْث فِيهِمْ﴾ أي: أهل البيت ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ من أنفسهم، وقد أجاب الله دعاءَه بمحمد ﷺ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتك﴾ القرآن ﴿وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَة﴾ ما فيه من الأحكام ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يُطهِّرُهم من الشِّرك ﴿إنَّك أَنْت الْعَزِيز﴾ الغالبُ ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صُنعِه.
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): تقديرٌ لمتعلِّقِ الظَّرف؛ أي: «اذكر» أو «اذكروا» حين رفعَ إبراهيمُ وابنُه إسماعيلَ قواعدَ البيت الذي هو الكعبة، وعبَّر بالمضارع عن الماضي خلافَ ما مرَّ في الآيات؛ لاستحضار الحالِ الماضية (١)، ويُعبِّرُ عن ذلك النُّحاة بحكاية حالٍ ماضية.
وقولُه: (الأُسسَ أو الجُدُر): يُشيرُ بذلك إلى اختلاف المفسرين في المراد بالقواعد؛ فقال بعضهم: المراد الأُسس؛ وهي ما يلي الأرضَ مما يعتمدُ عليه البناء (٢)، وقيل: الجُدُرُ جمعُ جِدار (٣)، ورفع الأسُس بإبرازها ورفع الجُدُر بتطويلها، وقد ذكر كثيرٌ من المفسرين عند هذه الآية في شأن بناءِ البيت رواياتٍ كثيرةٍ جُلُّها من الإسرائيليات إلَّا ما رواه البخاريُّ عن ابن عباس (٤).
стр. 270
وقولُه: (يبنيه): الجملةُ حاليةٌ؛ فالتقدير: يرفعُ القواعدَ حالَ بنائه للبيت.
وقولُه: (مُتعلِّق بـ «يرفع»): يريد أنَّ الجار والمجرور من البيت مُتعلِّقٌ بفعل ﴿يَرْفَعُ﴾.
وقولُه: (عطف على إبراهيم): يُبيِّنُ أنَّ ﴿إِسْمَاعِيلُ﴾ مرفوعٌ بالعطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، وأنه فاعلٌ، فهو يرفع القواعدَ مع أبيه.
وقولُه: (يقولان): يُبيِّنُ أنَّ قولَ إبراهيم وإسماعيل ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا … ﴾ إلى آخره: مقولُ قولٍ محذوفٍ في موضع نصبٍ على الحال من إبراهيم وإسماعيل.
وقولُه: (بناءنا): تقديرٌ لمفعول ﴿تَقَبَّلْ﴾؛ المعنى: تقبَّل عملنا في بناء البيت.
وقولُه: (للقول)، وقولُه: (بالفعل): يريد أنَّ يُفرِّقَ بذلك بين مُتعلّق السمعِ ومُتعلّق العلم، فيُناسب ما تقدَّم ذِكره عن إبراهيم وإسماعيل من قولٍ وفعلٍ، ولو قال: السميع الدعاء، العليم بما في الأنفس؛ لكان أولى (١).
وقولُه: (مُنقادين): تفسيرٌ للإسلام بالمعنى اللغوي وهو الاستسلام والانقياد، وأمَّا معناه في الشرع: فهو الاستسلامُ لله وحدَه بعبادته وحده لا شريك له وبطاعته في أمره ونهيه.
وقولُه: (اجعل): تقديرٌ للفعل المحذوف المعطوف على ﴿اجعلنا مسلمين لك﴾.
وقولُه: (أولادنا): تفسيرٌ للذرية بالأولاد ليشمل البنين والبنات.
стр. 271
وقولُه: (جماعة): هذا أحدُ معاني الأمَّة (١)، وهو المناسبُ هنا.
وقولُه: (ومن للتبعيض): يُريد «من» التي في ﴿مِنْ ذِرِّيتِنا﴾.
وقولُه: (وأتى به … ) إلى آخره: أي أتى بـ «من» التي للتبعيض؛ يقول: أتى بالتبعيض موافقة لقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقولُه: (عَلِّمنا): تفسيرٌ للرؤية بالعلم؛ فجَعلَ ﴿أَرِنَا﴾ من الرؤية العلمية لا البصرية، وهذا هو المناسب إذا أُريد بالمناسك الأعمال.
وقولُه: (شرائعَ عبادتِنا أو حجِّنا): يُشير إلى أنَّ المناسك قد يُراد بها جميع العبادات أو أعمال الحج خاصَّة، وهذا الثاني أظهر (٢).
وقولُه: (سألاه التوبة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ سؤال إبراهيم وإسماعيل التوبةَ ليس لذنوبٍ وقعت منهما؛ لأنهما معصومان من الذنوب، فسؤالهما التوبة تواضعٌ منهما لله، واعترافٌ منهما بالتقصير في حقِّه تعالى، وليُقتدى بهما في ذلك (٣).
وقولُه: (أي: أهل البيت): هذا تفسيرٌ للضمير المجرور في قوله: ﴿فيهم﴾ ولو قال: (أي: في ذريتنا)؛ لأنهم المذكورون في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾، وهم: أهل البيت؛ لكان أولى؛ لأنَّ تغييرَ العبارة يُوهِم أنهم شيءٌ آخر.
وقولُه: (من أنفسهم … ) إلى آخره: أي من جنسهم ومن نسبهم وبِلغتهم، وقد أجاب اللهُ دعاءَ خليلِه إبراهيمَ فبعث اللهُ محمَّدًا خاتم النبيين ﷺ ، بعثه اللهُ من بني هاشم من قريش من كنانة من بني إسماعيل بن إبراهيم ﵉؛
стр. 272
كما قال ﷺ : ((إنَّ الله اصطفى كِنانةَ من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كِنانة، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)) (١).
وقولُه: (القرآن): بيانٌ للمراد بالآيات؛ فالمعنى: يقرأُ عليهم القرآنَ ويُعلِّمهم إيَّاه ويُبيِّنُ لهم ما فيه من الأحكام بقوله، وهذا البيانُ هو السنَّةُ، وهي الحكمةُ، فهو ﷺ ﴿يُعَلِّمُهُمُ الكَتَابَ وَالحِكْمةَ﴾؛ أي: القرآنَ والحديثَ (٢).
وقولُه: (يُطهِّرهم من الشرك): هذا أحدُ معنيي يزكيهم، والثاني: يُربيهم بأحسن الأخلاق (٣) التي أفضلها: إخلاصُ الدِّين لله، كما يُطهِّرُهم من رذائل الأخلاق التي أقبحها الشركُ بالله.
وقولُه: (الغالب): هذا أحد معاني العزيز، فيكون بمعنى القاهر، ومن معاني العزيز: القويُّ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ (٤).
وقولُه: (فِي صنعه) معناه: ذو حكمةٍ في خلقه للمخلوقات، وهو ذو حكمةٍ في أمره، فهو حكيمٌ في شرعِه وقَدَرِه.
* * *
стр. 273
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠]:
يُخبرُ تعالى أنه لا أحدَ يرغب عن مِلَّة إبراهيم؛ أي: يُعرض عنها زاهدًا فيها فيتركها مُؤثِرًا لغيرها عليها، لا أحدَ يفعل ذلك ﴿مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؛ أي: سفهت نفسه فآثرت الأدنى على الأعلى، والشرَّ على الخير، والضارَّ على النافع.
﴿وَمَنْ﴾: اسمُ استفهام؛ معناه: النفي.
و ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: هي إخلاصُ الدِّين لله بعبادته وحده لا شريك له، وهي دينُ الإسلام الذي هو خيرُ الأديان، ولا يقبلُ اللهُ من أحدٍ دينًا سواه.
و ﴿نَفْسَهُ﴾: منصوبٌ على التمييز، وهو محول عن فاعل. ثم أخبر تعالى أنه اصطفى إبراهيمَ في الدنيا بأن جعله نبيًّا ورسولًا واتخذه خليلًا، وجعله إمامًا للناس، وأنه في الآخرة من عباد الله الصالحين.
﴿وَمَنْ﴾ أي: لا ﴿يَرْغَب عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم﴾ فيتركها ﴿إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه﴾ جهلَ أنها مخلوقة لله يجب عليها عبادته أو استخف بها وامتهنهَا ﴿وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ اخترناه ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بالرسالة والخُلَّةِ ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ﴾ الذين لهم الدرجات العُلى.
وقولُ المؤلِّف: (أي: لا): يُبيِّنُ أنَّ الاستفهام إنكاريٌّ معناه النفي؛ فالتقدير: لا يرغبُ أو لا أحدَ يرغب.
وقولُه: (فيتركها): لأنَّ مَنْ رَغِب عن شيءٍ تركه.
وقولُه: (جهل أنها مخلوقة لله … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ ﴿سَفِهَ﴾ يجوز أن يكون متعديًا ويجوز أن يكون لازمًا، وتقدَّم أنَّ الأصل: سفهت نفسه، فـ ﴿نَفْسَهُ﴾ في الآية منصوبٌ على التمييز محول عن فاعل.
стр. 274
وقولُه: (اخترناه): لأنَّ معنى الاصطفاء الاختيار، وهو افتعالٌ من الصفو، قُلبت فيه التاءُ طاءً لتقارُب مخرجيهما.
وقولُه: (بالرسالة والخلة): وأيضًا الإمامة.
* * *
стр. 275
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣]:
يُخبرُ تعالى عن وقت اصطفائه لإبراهيم، وهو حين ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾؛ أي: استسلم بكمال الطاعةِ وإخلاصِ العبادةِ، فأجاب إبراهيمُ ربَّه لِمَا دعاه إليه وأمره به؛ ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه هي الربوبية العامَّةُ؛ وهي تقتضي الاستسلام لله من كلِّ أحدٍ، وبسبب هذا الاستسلام من إبراهيم ﵇ اصطفاهُ ربُّه وابتلاه ليرقِّيه في درج الكمال من العلم النافع والعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣].
ثم أخبر تعالى أنَّ إبراهيم ﵇ وصَّى بكلمة الإسلام؛ وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾؛ وهي كلمةُ التوحيد؛ لا إله إلا الله، وصَّى بها إبراهيمُ بَنِيه ووصَّى بها يعقوبُ بَنِيه قائلين: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾؛ وهو دين الإسلام، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾؛ أي: اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم عليه.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ … ﴾ الآية: خطابٌ من الله لليهود والنصارى بصيغة الاستفهام الإنكاري الذي معناه النفي؛ فإنَّ ﴿أَمْ﴾ هي: المنقطعةُ التي تُفَسَّر بـ «بل» والاستفهام؛ أي: لم تكونوا شهداء؛ أي: حاضرين عند يعقوبَ حين حضرَه الموتُ، وحين أكَّد وصيَّته لبنيه بلزوم الدين الذي اصطفاه الله لهم؛ أكَّد ذلك بسؤال بَنِيه عمَّا يعبدون من بعده؛ ليَعلم لزومَهم لوصيَّته ويطمئنَّ قلبُه على ثباتهم واستقامتهم على التوحيد، وأجابوه بما يُثلِجُ
стр. 276
صدرَه ويُقِرُّ عَينَه؛ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾، وبهذا المشهد الذي كان فيه يعقوب وبنوه وما قال لهم وما قالوه له أبلغُ ردٍّ على ما يزعمه اليهودُ والنصارى من أنَّ يعقوب بل وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق على اليهودية أو النصرانية، كما يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، فأكذبهم اللهُ بما تضمَّنته هذه الآياتُ من قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾، وبقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧].
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾: قيل: الجملةُ معطوفةٌ على جملة ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾، وقيل: إنها حالٌ من فاعل ﴿نَعْبُدُ﴾ (١).
اذكر ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبّه أَسْلِمْ﴾ انقَدْ لله وأخلص له دينك ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَوَصَّى﴾ وفي قراءةٍ أوصى ﴿بِهَا﴾ بالملة ﴿إبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب﴾ بنيه قال: ﴿يَا بَنِيّ إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ الدِّين﴾ دين الإسلام ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ نهى عن ترك الإسلام وأمرَ بالثبات عليه إلى مصادفة الموت. ولَمَّا قال اليهودُ للنبي: ألست تعلم أنَّ يعقوبَ يومَ مات أوصى بَنيه باليهودية؟ نزل: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء﴾ حضورًا ﴿إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ إذْ بدل من «إذ» قبله ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ بعد موتي ﴿قَالُوا نَعْبُد إلَهك وَإِلَه آبَائِك إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾ عَدُّ إسماعيل من الآباء تغليبٌ، ولأنَّ العمَّ بمنزلة الأب ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ بدل من «إلهك»
стр. 277
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ و «أم» بمعنى همزة الإنكار، أي: لم تحضروه وقت موتِه، فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به!
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): تقديرٌ لمتعلّق الظرف ﴿إِذْ قَالَ﴾؛ فالمعنى: اذكر حين قال له ربُّه أسلم، وقيل: إنَّ الظرفَ مُتعلّق بـ ﴿اصْطَفَى﴾ كما تقدَّم، وهو أظهر.
وقولُه: (انقد لله … ) إلى آخره: بيانٌ لمعنى ﴿أَسْلِمْ﴾ و ﴿أَسْلَمْتُ﴾، والإسلامُ لله هو الانقيادُ بكمال الطاعة وإخلاص العبادة.
وقولُه: (وفي قراءة أوصى): معنى القراءتين واحد، ومعناهما: العهدُ بالشيءِ والأمرُ به، إلَّا أَّن قراءة التشديد تدلُّ على التكرير؛ وهي الأكثرُ في القرآن وبها قرأ أكثر القرأة (١).
وقولُه: (بالملة): هذا بيانٌ لمرجع الضمير في قوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾، وقد تقدَّم ذكرُها في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢)، وقيل: الضميرُ يعود على الكلمة (٣)، وهي قول إبراهيم: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والمعنى واحد (٤).
وقولُه: (بنيه): يريد أنَّ المعنى: ووصَّى يعقوبُ بنيه.
стр. 278
وقولُه: (قال): يُبيِّنُ أنَّ جملةَ ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ مقولُ قولٍ محذوف، وهو بيانٌ لنصِّ الوصية.
وقولُه: (دين الإسلام): بيانٌ للدين المصطفى كما يدلُّ له قوله: ﴿إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ودينُ الإسلام هو دينُ الله الذي بعث به رُسُلَه وأنزل به كتبه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقولُه: (نهى عن ترك الإسلام … ) إلى آخره: هذا تفسيرٌ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ المعنى: اثبتوا على الإسلام مدى الحياةِ، فيأتيكم الموتُ وأنتم عليه، وتُشبه هذه الآية قولَه تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
وقولُه: (ولما قال اليهود للنبي ألست تعلم أن يعقوب … ) إلى آخره: تضمَّنَ ذِكر سبب نزول هذه الآية، وهذا مشهورٌ في سبب نزول هذه الآية (١)، ويُصدِّقُ معناه قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٤٠]، وقد أكذبهم اللهُ بما ذكر من وصيَّة إبراهيم ويعقوب.
وقولُه: (حضورًا): أي لم تكونوا حضورًا عند موتِ يعقوب فتسمعوا وصيَّته لليهودية أو النصرانية كما تزعمون، وهو لم يوصِ إلَّا بالإسلام.
وقولُه: (بدل من إذ قبله): يريد أنَّ ﴿إذ﴾ في قوله: ﴿إذ قال﴾ بدلٌ من ﴿إذ﴾ في قوله: ﴿إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾، وعلى هذا فوقت قول يعقوب لبنيه هو وقتُ حضور الموت.
وقولُه: (عد إسماعيل من الآباء … ) إلى آخره: الذي عدَّ إسماعيلَ من الآباء هم أبناءُ يعقوب؛ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾، ثم ذكروا إبراهيمَ
стр. 279
وإسماعيل وإسحاق، وهذا جارٍ على لغةِ العرب، يجعلون العمَّ بمنزلة الأب فيعدُّونه من جملة الآباء (١)، ومن ذلك قوله ﷺ : ((أمَا شعرت أنَّ عمَّ الرجلِ صِنو (٢) أبيه؟)) (٣).
وقولُه: (بدل من إلهك): فيؤول المعنى: نعبدُ إلهًا واحدًا وهو إلهك وإله آبائك، وقيل: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ منصوبٌ على الحال من ﴿إِلَهِكَ﴾؛ وهي: حالٌ لازمة؛ بمعنى: أنه تعالى لم يزل ولا يزال إلهًا واحد (٤).
وقولُه: (وأم بمعنى همزة الإنكار … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ ﴿أم﴾ المنقطعة المتضمنة للاستفهام، وهو الاستفهامُ الإنكاري الذي يدلُّ على النفي، ولهذا قال المؤلِّف: (﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾؛ أي لم تحضروه).
* * *
стр. 280
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]:
الإشارةُ إلى أمة إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه، يُخبر تعالى عنهم بأنهم أمَّة قد خَلَت؛ أي: مَضَت، فقَدِموا على ما قَدَّموا من أعمالهم الصالحة، فلهم ما كسبوا من ثواب أعمالهم الصالحة مختصٌّ بهم لا يَعدوهم إلى غيرهم، فيبطل الاتِّكال في النجاة على أعمالهم بسبب الانتساب إليهم، ولكم أيها اليهود والنصارى ما كسبتم من جزاء أعمالكم مختصٌّ بكم، وكلٌّ مسؤولٌ عن عمله، لا أنتم مسؤولون عنهم ولا هم مسئولون عنكم، كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١].
﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، والإشارةُ إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما، وأُنِّثَ لتأنيث خبره ﴿أُمَّة قَدْ خَلَتْ﴾ سَلَفت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من العمل؛ أي: جزاؤه، استئناف ﴿وَلَكُمْ﴾ الخطابُ لليهود ﴿مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كما لا يسألون عن عملكم، والجملةُ تأكيدٌ لِمَا قبلها.
وقولُ المؤلِّف: (مبتدأ): يُبيِّنُ أنَّ اسمَ الإشارة مبتدأٌ، وخبره ﴿أمة﴾، قال: وأُنِّث لتأنيث الخبر. قال: والمشارُ إليهم إبراهيم ويعقوب وبنوهما.
وقولُه: (سَلَفت): هذا تفسيرٌ لِـ ﴿خَلَتْ﴾، وفي معناه: مضت.
وقولُه: (استئناف): يُريدُ أنَّ جملةَ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ مُستأنفة.
وقولُه: (الخطاب لليهود): لو قال: والنصارى؛ كان أولى، كيف وقد قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
стр. 281
وقولُه: (كما لا يسألون عن عملكم): معناه أنَّ الحكمَ واحدٌ، فكما أنَّ لكلٍّ عملُه، فكلٌّ لا يُسأَلُ عن عمل غيره.
وقولُه: (والجملةُ تأكيدٌ لِمَا قبلها): يريد قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ فإنها تأكيدٌ لقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
* * *
стр. 282
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]:
يُخبرُ تعالى في هذه الآية عن قولٍ باطلٍ من أقوال اليهود والنصارى، ومضمونه الدعوةُ إلى اليهودية أو النصرانية؛ لأنها الهدى بزعمهم، فمَن تهوَّدَ أو تنصَّرَ اهتدى بزعمهم، ومفهومه: أنَّ ما لم يكن يهوديًا أو نصرانيًا فليس على هدى، فنفوا بذلك الهدى عن مِلَّة إبراهيم، فلذلك دعوا إلى الدخول في اليهودية أو النصرانية. ثم أمر اللهُ سبحانه نبيَّه بإكذابهم وبيانِ أنَّ الهُدى في مِلَّة إبراهيم النبيِّ الحنيفِ المائلِ عن الشرك إلى التوحيد، البريء من الشرك والمشركين، وهذا القولُ الباطلُ هو لازم قولهم فيما سبق ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ «أو»: للتفصيل، وقائلُ الأول يهودُ المدينة، والثاني نصارى نجران ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿بَلْ﴾ نتَّبع ﴿مِلَّة إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ حالٌ من «إبراهيم»، مائلًا عن الأديان كلِّها إلى الدِّين القيِّم ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (أو للتفصيل): يعني بعد الإجمال في قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: اليهود والنصارى؛ فيكون المعنى: وقالت اليهودُ: كونوا يهودًا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا (١). وقولُه: (وقائل الأول … ) إلى آخره: إشارةٌ إلى سبب النزول.
وقولُه: (لهم): أي قل يا محمَّد لليهود والنصارى.
стр. 283
وقولُه: (نتبع): أي قل يا محمَّد: لا أتَّبع اليهودية ولا النصرانية؛ بل أتَّبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾.
وقولُه: (مائلًا عن الأديان كلها إلى الدين القيم): تفسيرٌ لقوله: ﴿حَنِيفاً﴾، وفيه بيانُ أنَّ الدِّينَ الحقَّ ملَّةُ إبراهيم؛ وهي دينُ الإسلام، وكلُّ دينٍ سواه باطلٌ.
* * *
стр. 284
وقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]:
يأمر اللهُ المؤمنين بمحمَّدٍ ﷺ أن يقولوا: آمنا بالله وبكلِّ ما أنزلَ الله من كتابٍ وبكلِّ نبيٍّ أرسله اللهٌ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: ربًّا وإلهًا، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾؛ وهو القرآنُ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ من الوحي بالشرائع، والأسباط هم: أولاد يعقوب.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني: من التوراة والإنجيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: من الكتب والشرائع؛ المعنى: وقولوا: آمنَّا بما أُوتي موسى وعيسى وما أُوتي النبيونَ من ربهم.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: نؤمن بهم جميعًا ولا نفرِّقُ بينهم في الإيمان.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾: أي مُستسلمون مُنقادون لأمر ربِّنا، والجملةُ مُستأنفة أو حالٌ، وقد تضمَّنت هذه الآية ثلاثةً من أصول الإيمان: الإيمانُ بالله، وكتبه، ورسله.
وهذا يستلزم ملَّة إبراهيم التي أمر الله نبيه باتباعها في قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
وفي الآيتين إبطالٌ لدعوة اليهود والنصارى إلى ملَّتهم.
﴿قُولُوا﴾ خطابٌ للمؤمنين: ﴿آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا﴾ من القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيم﴾ من الصُّحف العشر ﴿وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط﴾ أولاده ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من التوراة ﴿وَعِيسَى﴾
стр. 285
من الإنجيل ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبّهمْ﴾ من الكتب والآيات ﴿لَا نُفَرِّق بَيْن أَحَد مِنْهُمْ﴾ فنؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ كاليهود والنصارى ﴿ونحن له مسلمون﴾.
وقولُ المؤلِّف: (من الصحف العشر): يُبيِّنُ أنَّ المرادَ بما أنزل على إبراهيم هي صُحفُ إبراهيم، وقد ذُكرت في سورة النجم والأعلى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]، ولكن لم يذكر في الآيتين عددها، والله أعلم.
وقولُه: (أولاده): أي أولاد إبراهيم.
وقولُه: (فنؤمن ببعض … ): إلى آخره: بيانٌ لمعنى التفريق بين الأنبياء.
* * *