وقولُه: (كما لا يسألون عن عملكم): معناه أنَّ الحكمَ واحدٌ، فكما أنَّ لكلٍّ عملُه، فكلٌّ لا يُسأَلُ عن عمل غيره.
وقولُه: (والجملةُ تأكيدٌ لِمَا قبلها): يريد قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ فإنها تأكيدٌ لقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
* * *
стр. 282
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]:
يُخبرُ تعالى في هذه الآية عن قولٍ باطلٍ من أقوال اليهود والنصارى، ومضمونه الدعوةُ إلى اليهودية أو النصرانية؛ لأنها الهدى بزعمهم، فمَن تهوَّدَ أو تنصَّرَ اهتدى بزعمهم، ومفهومه: أنَّ ما لم يكن يهوديًا أو نصرانيًا فليس على هدى، فنفوا بذلك الهدى عن مِلَّة إبراهيم، فلذلك دعوا إلى الدخول في اليهودية أو النصرانية. ثم أمر اللهُ سبحانه نبيَّه بإكذابهم وبيانِ أنَّ الهُدى في مِلَّة إبراهيم النبيِّ الحنيفِ المائلِ عن الشرك إلى التوحيد، البريء من الشرك والمشركين، وهذا القولُ الباطلُ هو لازم قولهم فيما سبق ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ «أو»: للتفصيل، وقائلُ الأول يهودُ المدينة، والثاني نصارى نجران ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿بَلْ﴾ نتَّبع ﴿مِلَّة إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ حالٌ من «إبراهيم»، مائلًا عن الأديان كلِّها إلى الدِّين القيِّم ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (أو للتفصيل): يعني بعد الإجمال في قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: اليهود والنصارى؛ فيكون المعنى: وقالت اليهودُ: كونوا يهودًا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا (١). وقولُه: (وقائل الأول … ) إلى آخره: إشارةٌ إلى سبب النزول.
وقولُه: (لهم): أي قل يا محمَّد لليهود والنصارى.
стр. 283
وقولُه: (نتبع): أي قل يا محمَّد: لا أتَّبع اليهودية ولا النصرانية؛ بل أتَّبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾.
وقولُه: (مائلًا عن الأديان كلها إلى الدين القيم): تفسيرٌ لقوله: ﴿حَنِيفاً﴾، وفيه بيانُ أنَّ الدِّينَ الحقَّ ملَّةُ إبراهيم؛ وهي دينُ الإسلام، وكلُّ دينٍ سواه باطلٌ.
* * *
стр. 284
وقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]:
يأمر اللهُ المؤمنين بمحمَّدٍ ﷺ أن يقولوا: آمنا بالله وبكلِّ ما أنزلَ الله من كتابٍ وبكلِّ نبيٍّ أرسله اللهٌ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: ربًّا وإلهًا، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾؛ وهو القرآنُ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ من الوحي بالشرائع، والأسباط هم: أولاد يعقوب.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني: من التوراة والإنجيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: من الكتب والشرائع؛ المعنى: وقولوا: آمنَّا بما أُوتي موسى وعيسى وما أُوتي النبيونَ من ربهم.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: نؤمن بهم جميعًا ولا نفرِّقُ بينهم في الإيمان.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾: أي مُستسلمون مُنقادون لأمر ربِّنا، والجملةُ مُستأنفة أو حالٌ، وقد تضمَّنت هذه الآية ثلاثةً من أصول الإيمان: الإيمانُ بالله، وكتبه، ورسله.
وهذا يستلزم ملَّة إبراهيم التي أمر الله نبيه باتباعها في قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
وفي الآيتين إبطالٌ لدعوة اليهود والنصارى إلى ملَّتهم.
﴿قُولُوا﴾ خطابٌ للمؤمنين: ﴿آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا﴾ من القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيم﴾ من الصُّحف العشر ﴿وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط﴾ أولاده ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من التوراة ﴿وَعِيسَى﴾
стр. 285
من الإنجيل ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبّهمْ﴾ من الكتب والآيات ﴿لَا نُفَرِّق بَيْن أَحَد مِنْهُمْ﴾ فنؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ كاليهود والنصارى ﴿ونحن له مسلمون﴾.
وقولُ المؤلِّف: (من الصحف العشر): يُبيِّنُ أنَّ المرادَ بما أنزل على إبراهيم هي صُحفُ إبراهيم، وقد ذُكرت في سورة النجم والأعلى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]، ولكن لم يذكر في الآيتين عددها، والله أعلم.
وقولُه: (أولاده): أي أولاد إبراهيم.
وقولُه: (فنؤمن ببعض … ): إلى آخره: بيانٌ لمعنى التفريق بين الأنبياء.
* * *
стр. 286
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧]:
لَمَّا أمر اللهُ المؤمنين بمحمد ﷺ بما يحصل به الإيمانُ الحقُّ ويحصل به الاهتداءُ؛ أخبر أنَّ مَنْ آمن مثل إيمانهم مِنْ أيِّ أمَّةٍ فقد اهتدى، ومَن أعرض عن هذا الإيمان فقد شاقَّ اللهَ ورسولَه، وسيكفي اللهُ نبيَّه والمؤمنين شرَّهم. والمقصودون: بهذا الخبر أولًا: اليهودُ والنصارى؛ لأنَّ سياقَ الآيات فيهم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧﴾: أي السميعُ لأقوالكم، يسمع ما تقولون، وما يقال لكم، والعليم بما في صدوركم، ويعلم ما تُسِرُّون وما تُعلنون، وهذا من كفايته لنبيِّه والمؤمنين، فهي نظيرُ قوله تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بِمِثْلِ﴾ مثل زائد ﴿مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان به ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق﴾ خلاف معكم ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّه﴾ يا محمَّد شقاقَهم ﴿وَهْوَ السَّمِيع﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيم﴾ بأحوالهم، وقد كفاه إيَّاهم بقتل قُريظة، ونفي النضير، وضربِ الجزية عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (أي: اليهود والنصارى): لفظُ الآية عامٌّ لكنَّ اليهود والنصارى أخصُّ بهذا الحكم؛ لأنَّ سياقَ الآيات فيهم والكلام معهم.
وقولُه: (مثل زائد): فيكون المعنى: فإن آمنوا بما آمَنتُم به، وزيادةُ «مثل» للتأكيد. وقيل: «مثل» ليست زائدة، فيكون المعنى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ﴾؛
стр. 287
أي: لو كان له مثل فآمنوا به. وقيل: الباء زائدة للتأكيد (١)، والمعنى المرادُ لا يختلفُ على كلِّ تقديرٍ وهو: فإن آمنوا بما آمنتم به أو آمنوا إيمانًا مثل إيمانكم.
وقولُه: (عن الإيمان به): أي عن الإيمان بما آمنتم به كما ذكر في الآية السابقة.
وقولُه: (خلاف معكم): فَسَّر الشِّقاق بالخلاف، وليس الشِّقاقُ مجرَّدَ الخلاف؛ بل خلافٌ مع عداوةٍ وكيدٍ وحربٍ، والأظهرُ أنَّ الشِّقاقَ من المشقَّة (٢).
وقولُه: (يا محمد … ) إلى آخره: بيانٌ للمخاطَب الذي تدلُّ عليه «الكاف» في «يكفيك»، وهو المفعول الأول، وأنَّ المفعولَ الثاني وهو ضميرُ الجمع على تقدير مُضاف قدَّرَه المؤلف بقوله: (شقاقهم).
وقولُه: (وقد كفاه إياهم … ) إلى آخره: بيانٌ أنَّ وعدَ الله لنبيِّه أنْ يكفيَه إيَّاهم قد تحقَّقَ.
* * *
стр. 288
وقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]:
هذه الآية متصلةٌ - لفظها ومعناها - بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ … ﴾ الآية، فهي داخلةٌ في مقول القول.
وقوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ … ﴾ الآية: معترض. والصِّبغةُ: اسمُ هيئةٍ من الصَّبغ بالفتح، وهو تلوينُ الشيء ببعض الألوان، والصِّبغُ بالكسر: ما يصبغ به (١)، وصِبغةُ الله: دينُ الله، وقيل: فطرةُ الله (٢)، وأصلها التوحيد، وتدخل فيها خصالُ الفطرة، والقولان معناهما واحدٌ؛ فصبغةُ الله: دينُ الإسلام، ودينُ الله هو دينُ الإسلام بما فيه من الاعتقادات والأخلاق والعبادات، وسُمِّي الدينُ صِبغة؛ لأنَّ المسلم بتخلُّقه بأخلاقه وعمله بشرائعه وآدابه يكون الدِّينُ له هيئةً ظاهرةً كالشيء المصبوغ (٣)، وأُضيفت الصِّبغةُ إلى الله تشريفًا كما أُضيفَ الدِّينُ إلى الله؛ كما في قوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ٢]، وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾: إقرارٌ من المؤمنين بأنه لا أحدَ أحسن من الله دينًا؛ أي: دينه الذي شرعه لعباده أحسنُ دينٍ، ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾: كقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾؛ أي: عابدون له وحده لا نشرك به شيئًا، كما يفيدُه القصرُ المفهوم من تقديم الجار
стр. 289
والمجرور في قوله: ﴿لَهُ﴾، وقد قيل سُمِّي الدِّينُ صبغةً في هذا الموضع في مقابل الصبغة عند النصارى الذي يُسمونه التعميد، وهو غمسُ الطفل في الماء المقدَّس عندهم، - وهو: المعمودية - حتى يكون نصرانيًا، وهكذا من يدخل في النصرانية يُعَمِّدونه؛ أي: يأمرونه بالاغتسال من ذلك الماء لتصحَّ نصرانيته (١)، وذكروا عن اليهود ما يشبه هذا وهو أنَّ مَنْ يتوبُ منهم يجب عليه الغُسل لتصحَّ توبتُه (٢)، وهذا له وجهٌ؛ لأنَّ سياق الآيات مع اليهود والنصارى، وعلى هذا فتسميةُ دِين الإسلام ﴿صِبْغَةً﴾ هو من باب المشاكلة (٣).
﴿صِبْغَة اللَّه﴾ مصدرٌ مؤكد لـ "آمنا"، ونصبه بفعلٍ مُقدَّر، أي: صبغنا الله، والمراد بها دينه الذي فطرَ الناسَ عليه، لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب ﴿وَمَنْ﴾ أي: لا أحد ﴿أَحْسَن مِنْ اللَّه صِبْغَة﴾ تمييز ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (مصدرٌ مؤكد لآمنا): معناه: أنَّ ﴿صبغةَ الله﴾ مفعولٌ مُطلَقٌ مؤكدٌ لمعنى جملة ﴿آمنا بالله﴾ إلى آخره؛ فإنَّ مضمون الجملة الإيمانُ والإسلام، وهذا جِماعُ الدين، وصبغةُ الله: دينُ الله، فظهر بذلك أنَّ صبغةَ الله مصدرٌ مؤكد لمعنى الجملة.
стр. 290
وقولُه: (ونصبه بفعل مقدر … ) إلى آخره: هذا يقتضي أنَّ ﴿صبغةَ﴾ مصدرٌ مؤكَّدٌ لذلك الفعل المقدر، والأظهرُ: القولُ الأولُ؛ أنه مفعولٌ مُطلَقٌ مؤكدٌ بمعنى الجملة (١).
وقولُه: (والمراد بها): أي المراد بالصبغة.
وقولُه: (دينه الذي فطرَ الناسَ عليه): هذا قولُ جمهور المفسرين.
وقولُه: (لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب): يُبيِّنُ بهذا سببَ تسمية الدِّين صبغة؛ يقول: سُمِّي الدِّينُ صبغةً؛ لظهور أثره على المسلم كما تقدم.
وقولُه: (أي: لا أحد): لأنَّ الاستفهامَ إنكاريٌّ، فهو بمعنى النفي.
وقولُه: (تمييز): يريد أنَّ صبغةَ منصوبٌ على التمييز بـ «أفعل» التفضيل.
* * *
стр. 291
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ [البقرة: ١٣٩]:
يأمر اللهُ نبيَّه بالإنكار على أهل الكتاب اليهود والنصارى جدالهم في الله؛ أي: في توحيده وإخلاص العبادة له، والحال أنه سبحانه ﴿رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾؛ لأنه خالقنا ومالكنا ومُدبِّر أمرنا، فليس أحدٌ منَّا أولى به من الآخَر إلا بحسب كمال الإيمان وكمال الإخلاص وتحقيق التوحيد، وكلٌّ منَّا له عمله لا يُسأَلُ عنه غيرُه، فكلٌّ بريءٌ من عمل غيرِه كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١].
وقد رُوي في سبب نزول هذه الآية أنَّ أهلَ الكتاب قالوا للمسلمين: نحن أولى بالله منكم وديننا خير من دينكم؛ لأنَّ نبيَّنا قبل نبيِّكم وكتابَنا قبل كتابكم (١)، فأمر اللهُ نبيَّه والمؤمنين أن يُنكروا عليهم ذلك الجدال وهذه الدعوة، فليس الفضلُ بتقدُّمِ الزمان، ويدلُّ على أنَّ هذا الإرشاد من الله للنبي والمؤمنين أنه أفردَ ضميرَ الخطاب ثم جمعه؛ فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾، فكان المعنى: قل يا محمد ويا أيها المؤمنون لليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أولى بالله منكم ودينهم خيرٌ من دينكم، ولذا قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، قولوا لهم: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾؛ أي: تخاصموننا وهو ربنا جميعًا، وكلٌّ له عمله، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ العبادةَ، لا نشركُ به شيئًا، وأنتم به مشركون بعبادتكم العجل واتخاذِ المسيح وأمِّه إلهين من دون الله، واتخاذ الأحبارِ والرهبان أربابًا من دون الله، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
стр. 292
قال اليهود للمسلمين: نحن أهل الكتاب الأول، وقِبلتُنا أقدمُ، ولم تكن الأنبياءُ من العرب، ولو كان محمدٌ نبيًّا لكان منا، فنزل: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ تخاصموننا ﴿فِي اللَّهِ﴾ أن اصطفى نبيًّا من العرب ﴿وَهْوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ فله أن يصطفي مَنْ يشاء ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾ نجازى بها ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ﴾ تجازون بها، فلا يبعد أن يكون في أعمالنا ما نستحقُّ الإكرامَ به ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ الدِّين والعمل دونكم، فنحن أولى بالاصطفاء، والهمزةُ للإنكار، والجمل الثلاث أحوال.
وقولُ المؤلِّف: (قال اليهود للمسلمين … ) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سبب النزول كما تقدَّم.
وقولُه (لهم): يُبيِّنُ أنَّ المعنى: قل لهم - أي: لليهود والنصارى - ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ … ﴾ الآية. وقولُه: (فله أن يصطفي مَنْ يشاء): أي إنَّ هذا مُقتضى ربوبيته - تعالى -، فلا حَجْرَ عليه من أحدٍ في تدبيره.
وقولُه: (والهمزة للإنكار … ) إلى آخره: يريد همزةَ الاستفهام في قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، والجمل الثلاث: ﴿وَهْوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ﴾.
* * *
стр. 293
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ [البقرة: ١٤٠]:
مضمون هذه الآية هو من جملة ما أمر اللهُ به نبيَّه والمؤمنين بإنكاره على اليهود والنصارى، و ﴿أَمْ﴾ هي: المنقطعةُ التي بمعنى بل وهمزة الاستفهام فأفادت الانتقال من إنكارٍ إلى إنكار، وهي عاطفةٌ لـ «تقولون» على «تحاجون»، والاستفهامُ في الجملتين للإنكار والتوبيخ، فهي والمعطوف بها داخلان في مقول ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾.
وقول اليهود والنصارى: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾؛ محضُ افتراء سببُه كتمان الشهادة التي تلقَّوها عن الله، وأنَّ هؤلاء الأنبياء مسلمون لا يهود ولا نصارى، ثم أمر اللهُ نبيَّه أن يوبخهم وينكرَ عليهم جهلهم وتطاولهم ولا علم عندهم فقال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، وأنهم بهذا الافتراء والكتمان ظالمون، فلا أحدَ أظلم منهم بكتمانهم الشهادة التي عندهم من الله، وأنَّ الله ليس بغافلٍ عمَّا يفعلون، ويُحتمل أنَّ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ … ﴾ إلى آخر الآية؛ كلامٌ مُستأنفٌ من كلام الله - تعالى - ليس داخلًا فيما أُمر به النبيُّ ﷺ أن يقوله، ثم أمر اللهُ نبيَّه أن يُنكرَ عليهم دعواهم، وأنه لا علمَ عندهم بما قالوا، وإنما العلمُ عند الله، وقد أخبرنا أنَّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ كانوا مسلمين كما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣].
﴿أَمْ﴾ بل أ ﴿يَقُولُونَ﴾ بالياء والتاء ﴿إنَّ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ﴾ لهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَم أَمْ اللَّه﴾ أي: الله أعلم. وقد برأ منهما إبراهيم بقوله: ﴿مَا كَانَ إبْرَاهِيم يَهُودِيًّا وَلَا
стр. 294
نَصْرَانِيًّا﴾ والمذكورون معه تَبَعٌ له ﴿وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ كَتَمَ﴾ أخفى عن الناس ﴿شَهَادَة عِنْده﴾ كائنةً ﴿مِنْ اللَّه﴾ أي: لا أحد أظلم منه، وهم اليهود كتموا شهادةَ اللهِ في التوراة لإبراهيم بالحنيفية ﴿وَمَا اللَّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تهديدٌ لهم.
وقولُ المؤلِّف: (بل): يُبيِّنُ بذلك أنَّ ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة التي تُفسر بـ «بل»، وهمزة الاستفهام فتفيد الانتقال والتوبيخ.
وقولُه: (بالياء والتاء): يُبيِّنُ أنَّ في الآية قراءتين، ﴿تَقُولُونَ﴾، و ﴿يَقُولُونَ﴾ (١)، وضعَّفَ ابنُ جريرٍ القراءةَ بالياء، وصوَّبَ القراءة بالتاء (٢)؛ لأنَّ الجملة معطوفة على ﴿تُحَاجُّونَنَا﴾، والجملتان خطابٌ لأهل الكتاب، والقراءةُ بالياء تؤدِّي إلى أن يكون في الكلام التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة. وقولُه: (لهم): أي مخاطبًا اليهود والنصارى.
وقولُه: (أي: الله أعلم): يشيرُ بذلك إلى أنَّ الجوابَ بدهيٌّ.
وقولُه: (وقد برأ منهما إبراهيم … ) إلى آخره: يُشير إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إبْرَاهِيم يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾.
وقولُه: (والمذكورون معه تبعٌ له): المذكورون معه: أبناؤه.
وقولُه: (تبعٌ له): يعني: في البراءة من اليهودية والنصرانية.
وقولُه: (كائنة): بيانٌ لِمُتعلق الظرف، وهو: عنده؛ أي: شهادة كائنة عنده.
стр. 295
وقولُه: (وهم اليهود … ) إلى آخره: الظاهرُ أنَّ الآيةَ تعمُّ اليهودَ والنصارى (١).
وقولُه: (تهديدٌ لهم): يريد قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: الذين افتروا على إبراهيمَ وبنيه وكتموا الشهادة التي عندهم من الله.
* * *
стр. 296
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة: ١٤١]:
تقدَّم مثلُ هذه الآية لفظًا ومعنى: [١٣٤]، وتقدَّم الكلامُ عليها (١)، وهذه الآيةُ تأكيدٌ لمضمون الآية السابقة، وجاءت هذه الآيةُ بمناسبةِ ذكر إبراهيم وبنيه، واسمُ الإشارة في هذه الآية راجعٌ إليهم، كما قيل مثل ذلك في الآية السابقة، وهذه الآيةُ خاتمةٌ للحديث عن إبراهيم وبنيه والرد على اليهود والنصارى فيما قالته فيهم.
﴿تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يعملون﴾ تقدَّم مثله.
* * *
стр. 297
وقوله تعالى: ﴿* سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]:
يُخبر تعالى عن السفهاء -وهم اليهود والمنافقون- أنهم سيقولون طاعنين على المسلمين في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الآتي ذِكرُه في الآيات؛ فيقول هؤلاء السفهاء عن المسلمين: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، فردَّ اللهُ عليهم بقوله: ﴿لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؛ أي: جميع الجهات ملكه، يوجِّه عبادَه إلى استقبال ما شاء منها، وما أمرهم تعالى باستقباله هو الهدى، ولهذا قال: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (١٤٢)﴾.
وقوله تعالى: ﴿السُّفَهَاء﴾ يعني: المنافقين؛ مُطابِقٌ لقوله فيما تقدَّم أول السورة: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وحقيقة السَّفَه: الجهلُ والغباءُ وضعفُ العقل (١)، وكلُّ مَنْ طعن في شرع الله وحكمته فهو من أسفه السفهاء، والله أعلم.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ الجُهَّال ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ اليهود والمشركين: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ أيُّ شيءٍ صرفَ النبيَّ والمؤمنين ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ على استقبالها في الصلاة، وهي: بيت المقدس، والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب﴾ أي: الجهات كلها، فيأمُر بالتوجه إلى أيِّ جهةٍ شاء، لا اعتراض عليه ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ هدايته ﴿إلَى صِرَاطٍ﴾ طريقٍ ﴿مُسْتَقِيم﴾ دين الإسلام، أي: ومنهم أنتم.
стр. 298
وقولُ المؤلِّف: (الجهال): بيانٌ لأصل معنى السفهاء، والمرادُ بهم في الآية: اليهودُ والمشركون (١)، وذكرُهم بوصف السَّفه ذمٌّ لهم وتحقيرٌ وهو وصفٌ لجميعهم، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، والسفهاءُ بعض الناس.
وقولُه: (أيّ شيء … ) إلى آخره: يُبيِّن أنَّ «ما» للاستفهام التعجبي، و ﴿وَلَّاهُمْ﴾؛ أي: صرفهم. وقولُه: (على استقبالها): أي مُقيمين على استقبالها.
وقولُه: (الإتيان بالسين … ) إلى آخره: يريد: السين التي في ﴿سيقول﴾؛ وهي تدلُّ على أنَّ هذا القول من السفهاء يكون في المستقبل، فالإخبارُ به إخبارٌ عن المستقبل، والمستقبلُ من الغيب، ولهذا قال المؤلف: إنَّ هذا من الإخبار بالغيب.
وقولُه: (أي: الجهات كلها): يُبيِّنُ أنَّ ذِكر المشرق والمغرب ليس لتقييد؛ بل عبَّر بالمشرق والمغرب عن جميع الجهات.
وقولُه: (هدايته): هذا تقديرٌ لمفعول ﴿يشاء﴾.
وقولُه: (دين الإسلام): تفسيرٌ للصراط بالإسلام، ومنه استقبالُ بيت المقدس قبل النسخ، ومنه استقبالُ المسجد الحرام بعد نسخ القبلة الأولى، وكلُّ مَنْ أطاع الله فهو على صراطٍ مستقيمٍ، وقد هدى اللهُ نبيَّه والمؤمنين بتحويل القبلة ﴿إلى صراط مستقيم﴾.
* * *
стр. 299
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]:
يمتنُّ اللهُ -تعالى- على أمة محمد ﷺ بأن جعلهم أمَّةً وسطًا؛ يعني: خيارًا عدولًا، والحكمةُ من ذلك أن يكونوا شهداء على الناس؛ لأنَّ رسلهم قد بلَّغوهم، ويكون الرسول محمد ﷺ شهيدًا على أمته؛ كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١].
ثم يُبيِّنُ تعالى حكمته من تحويل القبلة، وهي: الابتلاءُ، فيظهرُ ويتميَّزُ مَنْ يتبعُ الرسولَ فيستقبل القبلة الثانية كما استقبل القبلة الأولى طاعةً لله ورسوله، ومَن يُنكر تحويلَ القبلة ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، ويعلمُ اللهُ الفريقين وجودين متمايزين، فهذا مؤمنٌ متَّبعٌ للرسول، وهذا مكذِّبٌ معارضٌ لِمَا جاء به الرسولُ.
ثم أخبر تعالى عن قضية تحويلِ القبلة بأنها عظيمةٌ شاقَّةٌ إلا على مَنْ هداه الله لمعرفة الحقِّ واتباعه؛ لأنهم يؤمنون بأنَّ ذلك حكم من عند الله وله فيه حكمةٌ بالغةٌ، وأنَّ استقبالَ المسجد الحرام أحبُّ إلى الله وأفضلُ من بيت المقدس.
ثم ردَّ تعالى على مَنْ سأل عن صلواتِ مَنْ مات وهو يستقبل بيت المقدس؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس (١)؛ لأنهم محسنون، والله لا يضيعُ عمل المحسنين، وكلُّ ما بيَّنه
стр. 300
اللهُ في هذه الآية؛ هو من رأفته ورحمته تعالى بعباده، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (١٤٣)﴾.
دل على هذا: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما هديناكم إليه ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ يا أمة محمد! ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ خيارًا عدولًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس﴾ يوم القيامة: أن رسلهم بلغتهم ﴿وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أنه بلغكم ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ صيّرنا ﴿الْقِبْلَة﴾ لك الآن، الجهة ﴿الَّتِي كُنْت عَلَيْهَا﴾ أولًا، وهي الكعبة وكان ﷺ يُصلِّي إليها، فلمَّا هاجر أُمِرَ باستقبال بيت المقدس تألُّفًا لليهود، فصلَّى إليه ستةَ أو سبعةَ عشر شهرًا، ثم حوَّل ﴿إلَّا لِنَعْلَم﴾ عِلمَ ظهورٍ ﴿مَنْ يَتَّبِع الرَّسُول﴾ فيُصدِّقُه ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِب عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: يرجع إلى الكفر، شكًّا في الدين وظنًّا أنَّ النبي ﷺ في حِيرةٍ من أمره، وقد ارتدَّ لذلك جماعةٌ ﴿وَإِنْ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوفٌ؛ أي: وإنها ﴿كَانَتْ﴾ أي: التولية إليها ﴿لَكَبِيرَة﴾ شاقَّةٌ على الناس ﴿إلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّه﴾ منهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إيمَانكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يثيبكم عليه؛ لأنَّ سببَ نزولها: السؤالُ عمَّن مات قبل التحويل ﴿إن الله بالناس﴾ المؤمنين ﴿لرؤوف رَحِيم﴾ في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفةُ: شدَّةُ الرحمة، وقدَّم الأبلغَ للفاصلة.
وقولُ المؤلِّف: (دل على هذا) اسم الإشارة راجع إلى قوله: (ومنهم أنتم) أي: ممن هداه الله إلى صراط مستقيم؛ يريد: أنه دل على هدايتهم إلى صراط مستقيم قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا … الآية﴾.
стр. 301
وقولُه: (كما هديناكم إليه): يُبيِّنُ أنَّ اسم الإشارة في قوله: ﴿وكذلك﴾ راجعٌ إلى هداية المؤمنين إلى الصراط المستقيم؛ فالمعنى: كما هديناكم إلى الصراط جعلناكم أمةً وسطًا.
وقولُه: (صيَّرنا): فسَّرَ الجعلَ في الآية بالتصيير؛ فلهذا قال: ﴿جعلنا﴾ صيَّرنا، وصيَّرَ يقتضي مفعولين، وليس في الآية لفظٌ يصلح مفعولًا ثانيًا، والأظهرُ أنَّ المعنى: وما شرعنا (١) استقبالَ القبلة التي كنت عليها، -وهي: بيت المقدس- ثم صرفناك عنها إلى الكعبة إلَّا ليتبيَّن مَنْ يتَّبعك ممن لا يتَّبعك.
وقولُه: (وهي الكعبة): بيانٌ للمراد بالقبلة التي كان عليها النبي ﷺ يوم كان بمكة، وهذا أحدُ القولين (٢)، والقولُ المشهور، وهو قول الجمهور، أنَّ المرادَ بالقبلة التي كان عليها النبيُّ ﷺ هي بيتُ المقدس (٣)؛ إذ كان يستقبلها بعد الهجرة ستة عشر شهرًا (٤)، فكان عليها هذه المدةَ ثم صُرف عنها إلى استقبال الكعبة في المسجد الحرام، وهذا التحويلُ هو الذي صار فتنةً، فبيَّن به ﴿مَنْ يتَّبعُ الرسول ممن ينقلبُ على عقبيه﴾.
стр. 302
وقولُه: (علم ظهور): المراد: علمَ الأشياء ظاهرةً موجودةً، وهو تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه موجودةً أو معدومةً.
وقولُه: (وقد ارتد لذلك جماعة): يريد أنَّ تحويلَ القبلة صار سببًا لردَّةِ جماعةٍ من المنتسبين إلى الإسلام، فالغالبُ أنهم ممَّن لم يدخل الإيمان إلى قلوبهم (١).
وقولُه: (واسمها محذوف … ) إلى آخره: قلت: وخبرُها جملة ﴿كانت﴾.
وقولُه: (التولية إليها): هذا تقدير اسم كان، وخبرها «كبيرة».
وقولُه: (منهم): أي: من الناس.
وقولُه: (في عدم إضاعة أعمالهم): يريد أنَّ من رأفتِه ورحمتِه عدمُ إضاعة أعمال الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؛ بل يُثيبهم على صلواتهم؛ لأنهم مطيعون لله.
وقولُه: (والرأفةُ: شدة الرحمة): بيانٌ للفرق بين الرأفة والرحمة، وهو أنَّ الرأفةَ كمالُ الرحمة (٢). وقولُه: (وقدم الأبلغ للفاصلة): يريد: لتناسبِ رؤوسِ الآي ولو مع آيةٍ واحدةٍ فخُتمت هذه الآيةُ باسمه تعالى الرحيم، كما خُتمت الآيةُ قبلها بالصراط المستقيم.
* * *
стр. 303
وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
يُخبر الله -تعالى- نبيَّه بأنه يرى تقلُّبَ وجهه في السماء ناظرًا ومُنتظرًا أن يأتيه الوحي بتوجيهه إلى الكعبة بدلًا عن استقبال بيت المقدس، ثم يَعدُ اللهُ نبيَّه أن سَيوليه قبلةً يرضاها، فوفَّى اللهُ بوعده فأمر نبيَّه والمؤمنين أن يُولُّوا وُجوهَهم شطرَ المسجد الحرام؛ فقال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ثم أخبر تعالى أنَّ الذين أُوتوا الكتابَ يعلمون أنَّ تحويلَ القبلة هو الحقُّ من ربهم، ثم أخبر تعالى أنه ليس غافلًا عما يعمل العباد من المؤمنين وأهل الكتاب وغيرهم، فقال: ﴿وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون (١٤٤)﴾.
﴿قَدْ﴾ للتحقيق ﴿نَرَى تَقَلُّب﴾ تصرف ﴿وَجْهك فِي﴾ جهة ﴿السَّمَاء﴾ مُتطلِّعًا إلى الوحي ومُتشوِّفًا للأمر باستقبال الكعبة، وكان يودُّ ذلك لأنها قبلة إبراهيم، ولأنه أدعى إلى إسلام العرب ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ نُحَوِّلَنَّكَ ﴿قِبْلَة تَرْضَاهَا﴾ تُحبها ﴿فَوَلِّ وَجْهك﴾ استقبل في الصلاة ﴿شَطْر﴾ نحو ﴿الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ أي: الكعبة ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ خطابٌ للأمة ﴿فَوَلُّوا وُجُوهكُمْ﴾ في الصلاة ﴿شَطْره وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: التولي إلى الكعبة ﴿الْحَقّ﴾ الثابت ﴿مِنْ رَبّهمْ﴾ لِمَا في كتبهم في نعت النبيِّ من أنه يتحوَّلُ إليها ﴿وَمَا اللَّه بِغَافِلٍ عما تعملون﴾ بالتاء، أيها المؤمنون من امتثال أمره، وبالياء؛ أي: اليهود من إنكار أمر القبلة.
стр. 304
وقولُ المؤلِّف: (تصرف): تفسيرٌ لتَقلُّب الوجه، ولو قال تكريرُ نظرك للسماء مرَّةً بعد مرة لكان أظهر لفهم المعنى.
وقولُه: (جهة): يُبيِّنُ أنَّ ﴿في السماء﴾ على تقدير مضاف؛ المعنى: في جهة السماء.
وقولُه: (متطلعًا إلى الوحي … ) إلى آخره: بيانٌ لمقصود الرسول في نظره إلى السماء، وتقلُّب وجهه.
وقولُه: (نُحَوِّلَنَّكَ): هذا من التفسير باللازم؛ فإنه يلزم من توليته جهة الكعبة تحويل القبلة. وقولُه: (نحو): أي جهة.
وقولُه: (الكعبة): فسَّرَ ﴿المسجد﴾ بالكعبة، والمراد: وما حولها من البناء المعَدِّ للصلاة والطواف فيه.
وقولُه: (في الصلاة): يُبيِّنُ أنَّ استقبال القبلة إنما يجب في الصلاة لا في كلِّ حال.
وقولُه: (التولي إلى الكعبة): تفسيرٌ للضمير في قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، المعنى: أنَّ أهلَ الكتاب يعلمون أنَّ تحويلَ القبلة إلى الكعبة هو الحقُّ، ولعلَّ ذلك لأنه مذكور في كتبهم كما ذكر المؤلف.
وقولُه: (بالتاء … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ في الآية قراءتين بالتاء على الخطاب للمؤمنين، وبالياء خبرًا عن أهل الكتاب، واللهُ -تعالى- ليس بغافلٍ عمَّا يعمل العبادُ مؤمنينَ أو كافرين.
* * *
стр. 305
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَمِنَ الظَّالِمِين (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥]:
يُخبر -تعالى- نبيَّه في هذه الآية خبرًا مؤكدًا بأنه لو جاءهم بكلِّ آيةٍ ما تَبِعوا قِبلتَه؛ أي: ما استقبلوا قبلتَه، وأنه ﷺ لن يتَّبعَ قِبلتهم، وأنه لن يتَّبعَ اليهودُ قِبلةَ النصارى ولا النصارى قبلةَ اليهود، ثم يُحذِّر الله نبيَّه عن اتباع أهواء الكفار من اليهود والنصارى، وذلك في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَمِنَ الظَّالِمِين (١٤٥)﴾؛ أي: الكافرين.
﴿وَلَئِنْ﴾ لام قَسَم ﴿أَتَيْت الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب بِكُلِّ آيَة﴾ على صِدقك في أمر القبلة ﴿مَا تَبِعُوا﴾ أي: لا يتبعون (١) ﴿قِبْلَتك﴾ عنادًا ﴿وَمَا أَنْت بِتَابِعٍ قِبْلَتهمْ﴾ قطعٌ لطمعه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها ﴿وَمَا بَعْضُهمْ بِتَابِعٍ قِبْلَة بَعْض﴾ أي: اليهود قبلة النصارى وبالعكس ﴿وَلَئِنْ اتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ﴾ التي يدعونك إليها ﴿مِنْ بَعْد مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ﴾ الوحي ﴿إنَّك إذًا﴾ إن اتبعتهم فرَضًا ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (لامُ قَسَم): يُريد اللام التي قبل «إن»، فتفيدُ تأكيدَ الخبر بالقَسَم.
وقولُه: (على صدقك … ) إلى آخره: بيانٌ لمتعلّق الآيات؛ فالمعنى: لو أَتيتَ الذين أُوتوا الكتابَ -اليهود- بكلِّ آيةٍ تدلُّ على صِدقك في تحويل القبلة ما صدَّقوك ولا اتبعوا قبلتك.
стр. 306
وقولُه: (عنادًا): يُبيِّنُ أنَّ عدمَ اتباعهم لقبلة النبي ﷺ كان عنادًا لا جهلًا؛ لأنهم يعلمون أنه الحق.
وقولُه: (قطع لطمعه في إسلامهم … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الآية تدلُّ على أنَّ الطاعنين في تحويل القبلة من أهل الكتاب لن يُسلموا فيستقبلوا قبلة النبي ﷺ ، وتدلُّ على أنَّ النبيَّ ﷺ لم يرجع إلى استقبال بيت المقدس، فلا طمع في إسلامهم ولا طمع لهم في عودة النبي ﷺ إلى قبلتهم.
وقولُه: (فرضًا): يُريدُ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ اتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ﴾: على سبيل الفرض والتقدير، لا أنَّ ذلك مُتوقَّعٌ أو ممكن بل ممتنعٌ؛ لأنه ﷺ معصومٌ من اتباع أهواءِ الكافرين.
* * *
стр. 307
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧]:
يُخبرُ -تعالى- عن أهل الكتاب أنهم يَعرفون الرسولَ ﷺ وصِدقَه فيما جاء به من القرآن وتحويلِ القبلة معرفةً تامَّةً كما يعرفون أبناءَهم، ولكنَّ فريقًا منهم يكتمون الحقَّ الذي يعلمونه. والضميرُ المنصوب في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ قيل: يعودُ إلى الرسول، وقيل: إلى تحويل القِبلة إلى الكعبة (١)، والقولُ الأول يتضمَّنُ الثاني، وهذه المعرفةُ مما يجدونه في كتبِهم من ذِكْرِ النبي ﷺ وصفاتِه وما يجيءُ به من الشرع، ومنه تحويلُ القبلة إلى المسجد الحرام.
ثم يؤكِّدُ أنَّ ما أمرَ به من استقبال المسجد الحرام هو الحقُّ الذي لا يجوز أن يكون فيه شكٌّ، فلهذا نهى اللهُ نبيَّه أن يكون من المُمْترينَ فيه في قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين (١٤٧)﴾ أي: الشاكين (٢)، وهو ﷺ معصومٌ من ذلك.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: محمدًا ﴿كَمَا يعرفون أبناءَهم﴾ بِنَعْتِهِ في كتبِهم. قال ابنُ سلَّام: لقد عرفتُه حين رأيتُه كما أعرفُ ابني، ومعرفتي لمحمدٍ أشدّ (٣) ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ﴾ نعتَهُ
стр. 308
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ هذا الذي أنت عليه ﴿الْحَقّ﴾ كائنًا ﴿مِنْ رَبّك فَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّين فيه؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغُ من: (لَا تَمْتَرِ).
* * *
стр. 309
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]:
يخبر -تعالى- أن لكلِّ أمةٍ جهة؛ أي: قِبلة يتوجَّهُ إليها ويستقبلُها؛ فالمعنى: لكلٍ قبلة (١)، فتشبه هذه الآية قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٢).
ثم يأمر -تعالى- بالتسابق إلى الخيرات وهي الأعمال الصالحة المُفضية إلى الجنَّات، ثم يخبر -تعالى- عن كمال قدرته وأنه سيَجمعُ العبادَ ليومِ المعاد فيأتي بهم من أيِّ مكانٍ كانوا فيه؛ فقال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١٤٨)﴾.
﴿وَلِكُلٍّ﴾ من الأمم ﴿وِجْهَة﴾ قبلة ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ وجهَه في صلاته. وفي قراءة: ﴿مُوَلَّاهَا﴾ (٣). ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ بادروا إلى الطاعات وقبولِها ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّه جَمِيعًا﴾ يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* * *
стр. 310
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٤٩ - ١٥٠]:
يؤكد -تعالى- في هاتين الآيتين أمرَه نبيَّه والمؤمنين باستقبال المسجد الحرام حيث كانوا من الأرض، ومِن أي مكانٍ خرجوا، ويؤكد -سبحانه- الخبرَ بأن استقبال المسجد الحرام هو الحقُّ، فقد أمر بذلك في الآيات السابقة، وأخبر بأنه الحقُّ؛ أي: حكمٌ شرعَه اللهُ وفرضَه؛ ثم أخبر عن حكمتِه فيما شرعَ من استقبال البيت الحرام، وذلك قوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ومعنى ذلك: أنهم لو لم يستقبلوا المسجد الحرام لاحتجَّ عليهم أهل الكتاب بما هو موجودٌ في كتبِهم من أنه ﷺ يستقبل قبلة إبراهيم، واحتج عليهم المشركون كذلك، وقالوا: إنه ترك قبلةَ إبراهيم الذي يزعم أنه مأمورٌ باتِّباع مِلَّتِه. وقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ وهم اليهود والمنافقون الذين طعنوا في تحويل القِبلة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
ثم أمر الله المؤمنين بخشيتِه ونهاهم عن خشيةِ الظالمين من الكفار والمنافقين، وبيَّنَ -تعالى- أنَّ من حكمتِه في تحويل القبلة: إتمامُ النعمة على المؤمنين وليكونوا مهتدين، فإنَّ التوجُّه في الصلاة جهةَ المسجد الحرام من الهدى الذي شرَعَهُ الله لنبيِّه محمد ﷺ ولأُمته؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (١٤٢)﴾.
стр. 311
وما ذكرتُه هو معنى ما ذكره الشيخُ عبد الرحمن السعدي ﵀ (١) وهو من أحسن ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ … ﴾ الآية، وللطاهر ابن عاشور كلامٌ حسنٌ في الربط بين الآيات المتعلِّقةِ بتحويل القبلة من أربعةٍ وأربعين إلى خمسين بعد المائة (٢).
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْت﴾ لسفرٍ ﴿فَوَلِّ وَجْهك شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام وَإِنَّهُ لَلْحَقّ مِنْ رَبّك وَمَا اللَّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء تقدَّم مثلُه، وكرَّره؛ لبيان تساوي حكمِ السفر وغيره. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْت فَوَلِّ وَجْهك شَطْر الْمَسْجِد الحرام وحيث ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهكُمْ شَطْره﴾ كرَّره للتأكيد ﴿لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ﴾ اليهود أو المشركين ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: مجادلةٌ في التولّي إلى غيرِه لتنتفي مجادلتهم لكم، من قول اليهود: يجحدُ دينَنا ويتبعُ قِبلتَنا، وقول المشركين: يدَّعي ملَّة إبراهيمَ ويخالفُ قبلتَه ﴿إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالعناد فإنهم يقولون: ما تحوَّلَ إليها إلَّا ميلًا إلى دين آبائه، والاستثناءُ متَّصلٌ، والمعنى: لا يكون لأحدٍ عليكم كلامٌ إلَّا كلام هؤلاء ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ تخافوا جدالَهم في التولي إليها ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ بامتثال أمري ﴿وَلِأُتِمّ﴾ عطفٌ على «لِئَلَّا يَكُون» ﴿نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بالهداية إلى معالم دينِكم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق.
وقولُ المؤلِّف: (بالتاء والياء): إشارةٌ إلى القراءتين في قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وقراءة الجمهور بالتاء على الخطابِ للمؤمنين، وبالياء على الإخبار عن أهل الكتاب.
стр. 312
وقولُه: (وكرَّره … ) إلى آخره: أي: كرَّرَ الأمرَ لاستقبال البيت، وما ذكره المؤلِّفُ من حكمةِ التكرار توجيهٌ حسنٌ (١).
وقولُه: (اليهود أو المشركين): الظاهرُ هو العموم؛ فالمراد: بالناس اليهود والمشركون.
وقولُه: (مجادلة في التولي … ) إلى آخره: أي: مخاصمةٌ، وهذا معنى ما ذكره ابنُ جرير (٢).
* * *
стр. 313
وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُون (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢]:
هذه الآية متصلةٌ في المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، ومن تمامِها تحويلُ القبلة إلى البيت الحرام، والكاف للتشبيه، فالمعنى: كما أنعَمْنا عليكم بإرسال رسولٍ منكم ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا … ﴾ الآية، والخطاب للمؤمنين؛ فتضمَّنت الآيةُ الأولى الامتنانَ من الله للمؤمنين بإرسال خاتَمِ النبيين، وبما جاء به من الكتاب والحكمة، وأخبر -تعالى- أنه يتلو على المؤمنين الآياتِ ويُعلِّمهم الكتابَ والحكمةَ مما كانوا لا يعلمون، فهذه الآيةُ نظير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ … ﴾ الآية من سورة آل عمران [آل عمران: ١٦٤].
ثم أَمر في الآية الثانية بذكرِه وشكرِه، ونهى عن الكفر به، وذِكرُه من شكرِه، فعطفُ الشكرِ على الذِّكرِ مِنْ عطفِ العام على الخاصِّ، وأَخبر -تعالى- أنَّ مِنْ جزاء الذاكرين والشاكرين أَنْ يَذكرهم ويَشكرهم، وفي هذا أبلغُ ترغيبٍ في ذِكره -تعالى- وشكره.
﴿كما أَرْسَلْنَا﴾ متعلِّق بـ «أتم»، أي: إتمامًا كإتمامِها بإرسالِنا ﴿فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ محمدًا ﷺ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتنَا﴾ القرآن ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يُطهِّركم من الشرك ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَاب﴾ القرآنَ ﴿وَالْحِكْمَة﴾ ما فيه من الأحكام ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي﴾ بالصلاة والتسبيح ونحوه ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ قيل: معناه أُجَازِكُم، وفي الحديث عن الله: ((مَنْ ذكرني
стр. 314
في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومَن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ مِنْ مَلئِه)) (١) ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ نعمتي بالطاعة ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ بالمعصية.
وقولُ المؤلِّف: (متعلِّق بـ: «أُتم» … ) إلى آخره: يُوضِّحُ بهذا المشبَّه والمشبَّه به؛ فالمشبَّه: إتمام النعمة بتحويل القبلة، والمشبَّهُ به: إتمام النعمة بإرسال رسولٍ بهذه الصفة يتلو ويُزكِّي ويُعلِّم. وقولُه: (يُطهِّرُكم من الشرك): تفسيرٌ للزكاة بالطهارة من الشرك، ولا ريبَ أنَّ هذا أعظم تطهيرٍ، ولكن زكاة النفسِ أعمُّ من ذلك (٢)، والمُزكِّي حقيقةً هو الله، وإضافةُ الزكاة إلى الرسول ﷺ مِنْ إضافة الشيء إلى سببِهِ.
وقولُه: (ما فيه مِنْ الأحكام): هذا أحدُ معاني الحكمة، وقيل: الحكمة هي السُّنة، وهذا أظهرُ وأشهرُ (٣).
وقولُه: (بالصلاةِ والتسبيح ونحوه): بيانُ أنَّ ذِكْرَنا لله يعمُّ أنواع العبادات القولية والعملية. وقولُه: (قيل: معناه أُجَازِكُم … ) إلى آخره: تفسيرُ ذِكْرِ الله للمؤمنين بالمجازاة؛ أي: بالثواب تأويلٌ (٤)، والصواب: تفسيرُ الآية بالحديث
стр. 315
القدسيِّ الذي ذكرَه المؤلف، وقد دلَّت الآيةُ والحديثُ على أنَّ هذا الذِّكر مِنْ الله لعبدِه جزاءٌ على ذِكْرِ العبد لربِّه، فهو مِنْ قَبيل: «الجزاء مِنْ جنس العمل» (١).
وقولُه: (نعمتي بالطاعة … ) إلى آخره: يُبيِّن أنَّ شُكرَ الله على نعمِه يكون بطاعتِه، وكُفرَ نعمِه يكون بمعصيتِه.
* * *
стр. 316
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]:
هذا أمرٌ من الله لعباده المؤمنين بأن يستعينوا بالصبر وبالصلاة على جميع ما أَهمَّهُم مِنْ أمر دينهم ودنياهم، والصبرُ يشمل أنواعَ الصبر الثلاثة: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله (١).
والصلاةُ تشمل الصلواتِ المفروضة وصلاةِ التطوع؛ أي: الفرائض والنوافل، ثم يُرَغِّبُ فيما أمر به من الصبر بمعيَّتِه للصابرين؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (١٥٣)﴾، وما أمرَ الله به المؤمنين في هذه الآية قد أمرَ به بني إسرائيل في أولِ السورة في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]، والخطابُ في الآيات المتقدِّمة للمؤمنين من أمة محمد ﷺ ، وقد صُرِّحَ بوصف الإيمان في هذه الآية، ومناسبةُ هذه الآية لِمَا قبلَها مِنْ وجهين:
أولًا: مِنْ جهة أنَّ الأمرَ باستقبال المسجد الحرام مطلوبٌ في الصلاة، بل شرطٌ لصحَّتِها.
وثانيًا: مِنْ جهة ما تقدَّم مِنْ أذى اليهود والمنافقين بالاحتجاجِ على المؤمنين، والاحتجاج عليهم في تحويل القِبلة، ولذا نهى اللهُ عن خشيتِهم وأمرَ بالصبر على أذاهم، وأمَّا مناسبةُ الآية لِمَا بعدها مِنْ الآيات فظاهرةٌ، والآية كالمقدِّمة للآيات بعدها إلى قوله: ﴿الْمُهْتَدُون (١٥٧)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤]:
هذا نهيٌ من الله لعباده المؤمنين؛ أن يقولوا لِمَنْ يُقتل في سبيل الله أنهم أمواتٌ كسائر الأموات، فإنهم وإن فارقوا الحياةَ الدنيا بالقتلِ فإنهم أحياءٌ عند الله حياةً برزخيةً ليست كحياتهم في الدنيا، ولكنَّ المؤمنين لا يشعرون بهذه الحياة؛ لأنها مِنْ أحوال الغيب. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: معطوفٌ على قوله: ﴿اسْتَعِينُواْ﴾. و ﴿أَمْوَاتٌ﴾: خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم أموات.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه﴾: هم ﴿أَمْوَات بَلْ﴾ هم ﴿أَحْيَاءٌ﴾ أرواحُهم في حواصلِ طيورٍ خُضْرٍ، تسرحُ في الجنة حيث شاءتْ لحديثٍ بذلك، ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ تعلمون ما هم فيه.
وقولُ المؤلِّف: (أرواحهم … ) إلى آخره: الحديثُ الذي أشار إليه هو في «مسلم» مُطوَّلًا في باب: بيان أنَّ أرواح الشهداء في الجنة (١).
* * *
стр. 319
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]:
يُخبِر -تعالى- في هذه الآيات خبرًا مؤكدًا بأنه -تعالى- سيَبتلي عبادَه المؤمنين بأنواعٍ من البلاءِ في الأموال والأنفس، بشيءٍ من الخوف والجوع ونَقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات؛ ليُظهر صبرَهم، ولذا أمر الله نبيَّه أن يُبَشِّرَ الصابرين لما لهم عند الله، ووصفَهم بأنهم الذين إذا أصابتْهُم مصبيةٌ؛ قالوا: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون﴾؛ أي: نحن ملكُه وعبيدُه وصائرونَ إليه، ثم أخبر بجزائِهم وأثنى عليهم؛ فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون (١٥٧)﴾: والصلاة مِنْ الله على عبادِه الصابرين: ذكرُه لهم وثناؤُه عليهم، والرحمةُ معنىً يقوم بالربِّ، وهو ضدُّ الغضب والعذاب، فيقتضي الرّضا عن المرحوم وصرفَ العذاب، يدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤]، وقوله -تعالى- في الكتاب الذي عنده فوق العرش: ((إنَّ رحمتِي تغلبُ غضبِي)) (١)، والمهتدون العالِمون بالحقِّ العاملون به، ومِن هُداهم: الصبرُ لله والتسليمُ لحكمه والرضا بقضائه.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ﴾ للعدو ﴿وَالْجُوعِ﴾ القَحْط ﴿وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ﴾ بالهلاك ﴿وَالْأَنْفُس﴾ بالقتلِ والموتِ والأمراضِ ﴿وَالثَّمَرَات﴾ بالجوائحِ؛ أي: لِنَخْتَبِرَنَّكُمْ فننظرُ أتصبرون أم لا؟ ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾ على البلاء بالجنةِ. هم ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بلاءٌ ﴿قَالُوا إنَّا لِلَّهِ﴾ ملكًا وعبيدًا يفعلُ بنا ما يشاء ﴿وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في
стр. 320
الآخرة فيُجازينا، في الحديث: ((مَنْ استرجعَ عند المصيبة آجَرَه اللَّه فيها وأَخلفَ عليه خيرًا)) (١). وفِيه: أَنَّ مصباح النَّبيّ ﷺ طفِئَ، فاسترجعَ، فقالت عائشة: إنَّمَا هذا مِصباحٌ، فقال: ((كلُّ ما ساءَ المؤمن فهو مُصيبةٌ)) رواه أبو داود في مراسيلِهِ (٢). ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ مغفرةٌ ﴿مِنْ رَبّهمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نعمةٌ ﴿وأولئك هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ إلى الصواب.
وقولُ المؤلِّف: (للعدو، القحطِ، بالقتلِ، بالجوائحِ): نبَّهَ بذلك على أهم أسباب الخوف والجوع والنقص.
وقولُه: (بالجنة): لأنها مِنْ أعظم ما يُبشَّرُ به المؤمن، ويدخل في البشارة: الصلواتُ والرحمةُ من الله كما في الآية.