وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]:
هذا أمرٌ من الله لعباده المؤمنين بأن يستعينوا بالصبر وبالصلاة على جميع ما أَهمَّهُم مِنْ أمر دينهم ودنياهم، والصبرُ يشمل أنواعَ الصبر الثلاثة: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله (١).
والصلاةُ تشمل الصلواتِ المفروضة وصلاةِ التطوع؛ أي: الفرائض والنوافل، ثم يُرَغِّبُ فيما أمر به من الصبر بمعيَّتِه للصابرين؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (١٥٣)﴾، وما أمرَ الله به المؤمنين في هذه الآية قد أمرَ به بني إسرائيل في أولِ السورة في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]، والخطابُ في الآيات المتقدِّمة للمؤمنين من أمة محمد ﷺ ، وقد صُرِّحَ بوصف الإيمان في هذه الآية، ومناسبةُ هذه الآية لِمَا قبلَها مِنْ وجهين:
أولًا: مِنْ جهة أنَّ الأمرَ باستقبال المسجد الحرام مطلوبٌ في الصلاة، بل شرطٌ لصحَّتِها.
وثانيًا: مِنْ جهة ما تقدَّم مِنْ أذى اليهود والمنافقين بالاحتجاجِ على المؤمنين، والاحتجاج عليهم في تحويل القِبلة، ولذا نهى اللهُ عن خشيتِهم وأمرَ بالصبر على أذاهم، وأمَّا مناسبةُ الآية لِمَا بعدها مِنْ الآيات فظاهرةٌ، والآية كالمقدِّمة للآيات بعدها إلى قوله: ﴿الْمُهْتَدُون (١٥٧)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤]:
هذا نهيٌ من الله لعباده المؤمنين؛ أن يقولوا لِمَنْ يُقتل في سبيل الله أنهم أمواتٌ كسائر الأموات، فإنهم وإن فارقوا الحياةَ الدنيا بالقتلِ فإنهم أحياءٌ عند الله حياةً برزخيةً ليست كحياتهم في الدنيا، ولكنَّ المؤمنين لا يشعرون بهذه الحياة؛ لأنها مِنْ أحوال الغيب. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: معطوفٌ على قوله: ﴿اسْتَعِينُواْ﴾. و ﴿أَمْوَاتٌ﴾: خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم أموات.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه﴾: هم ﴿أَمْوَات بَلْ﴾ هم ﴿أَحْيَاءٌ﴾ أرواحُهم في حواصلِ طيورٍ خُضْرٍ، تسرحُ في الجنة حيث شاءتْ لحديثٍ بذلك، ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ تعلمون ما هم فيه.
وقولُ المؤلِّف: (أرواحهم … ) إلى آخره: الحديثُ الذي أشار إليه هو في «مسلم» مُطوَّلًا في باب: بيان أنَّ أرواح الشهداء في الجنة (١).
* * *
стр. 319
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]:
يُخبِر -تعالى- في هذه الآيات خبرًا مؤكدًا بأنه -تعالى- سيَبتلي عبادَه المؤمنين بأنواعٍ من البلاءِ في الأموال والأنفس، بشيءٍ من الخوف والجوع ونَقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات؛ ليُظهر صبرَهم، ولذا أمر الله نبيَّه أن يُبَشِّرَ الصابرين لما لهم عند الله، ووصفَهم بأنهم الذين إذا أصابتْهُم مصبيةٌ؛ قالوا: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون﴾؛ أي: نحن ملكُه وعبيدُه وصائرونَ إليه، ثم أخبر بجزائِهم وأثنى عليهم؛ فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون (١٥٧)﴾: والصلاة مِنْ الله على عبادِه الصابرين: ذكرُه لهم وثناؤُه عليهم، والرحمةُ معنىً يقوم بالربِّ، وهو ضدُّ الغضب والعذاب، فيقتضي الرّضا عن المرحوم وصرفَ العذاب، يدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤]، وقوله -تعالى- في الكتاب الذي عنده فوق العرش: ((إنَّ رحمتِي تغلبُ غضبِي)) (١)، والمهتدون العالِمون بالحقِّ العاملون به، ومِن هُداهم: الصبرُ لله والتسليمُ لحكمه والرضا بقضائه.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ﴾ للعدو ﴿وَالْجُوعِ﴾ القَحْط ﴿وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ﴾ بالهلاك ﴿وَالْأَنْفُس﴾ بالقتلِ والموتِ والأمراضِ ﴿وَالثَّمَرَات﴾ بالجوائحِ؛ أي: لِنَخْتَبِرَنَّكُمْ فننظرُ أتصبرون أم لا؟ ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾ على البلاء بالجنةِ. هم ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بلاءٌ ﴿قَالُوا إنَّا لِلَّهِ﴾ ملكًا وعبيدًا يفعلُ بنا ما يشاء ﴿وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في
стр. 320
الآخرة فيُجازينا، في الحديث: ((مَنْ استرجعَ عند المصيبة آجَرَه اللَّه فيها وأَخلفَ عليه خيرًا)) (١). وفِيه: أَنَّ مصباح النَّبيّ ﷺ طفِئَ، فاسترجعَ، فقالت عائشة: إنَّمَا هذا مِصباحٌ، فقال: ((كلُّ ما ساءَ المؤمن فهو مُصيبةٌ)) رواه أبو داود في مراسيلِهِ (٢). ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ مغفرةٌ ﴿مِنْ رَبّهمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نعمةٌ ﴿وأولئك هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ إلى الصواب.
وقولُ المؤلِّف: (للعدو، القحطِ، بالقتلِ، بالجوائحِ): نبَّهَ بذلك على أهم أسباب الخوف والجوع والنقص.
وقولُه: (بالجنة): لأنها مِنْ أعظم ما يُبشَّرُ به المؤمن، ويدخل في البشارة: الصلواتُ والرحمةُ من الله كما في الآية.
стр. 321
وقولُه: (هم): يريد أن الاسم الموصول خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ؛ تقديره: هم، والجملةُ مُستأنَفة، والأظهرُ أنَّ الاسمَ الموصولَ صفةٌ للصابرين (١).
وقولُه: (مغفرةٌ) (نعمةٌ): تفسيرٌ قاصرٌ.
وقولُه: (إلى الصواب): يُريدُ في الأقوال والأعمال.
* * *
стр. 322
وقوله تعالى: ﴿* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيم (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]:
الصفا والمروةَ جبلانِ صغيرانٍ أحدُهما في الجنوب الشرقيّ من البيت عند جبلِ أبي قُبَيسٍ (١)، والمروة في الشمال الشرقي عند جبل قُعَيْقِعَان (٢)، وقد أخبر -سبحانه- في هذه الآية أنهما من شعائرِ الله؛ أي: من معالم دينِه، فلذا شُرِعَ الطواف بهما بالتردُّدِ بينهما بدءًا بالصفا وذهابًا إلى المروة سبعَ مراتٍ، ذهابُه مرة ورجوعُه مرة، فينتهي بالمروة، ويسعى في بطن الوادي وهو ما بين العلمَين.
وقد شرع الله الطوافَ بهما في كلِّ حجٍّ وعمرةٍ، لقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وكان النبي ﷺ يطوف بهما في كل حجٍّ وعمرةٍ، وقال: ((خُذُوا عَنِّي مناسِكَكُم)) (٣)؛ فعُلم أنه لا يشرعُ الطواف بينهما إلا للحاجِّ والمعتمر.
وقد اختلف العلماءُ في حكم الطوافِ بينهما؛ فقيل: سُنَّة، وقيل: واجب، وقيل: ركن، والأقرب أنه واجب (٤).
стр. 323
وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي: فلا حرجَ ولا إثمَ على مَنْ طاف بهما؛ أي: سعى بينهما.
وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾: هو حجةُ مَنْ قال أنَّ الطوافَ في الصفا والمروة سنَّةٌ.
وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيم (١٥٨)﴾: ترغيبٌ في كلِّ ما هو طاعة، وكلُّ طاعة لله خيرٌ، والله لا يُضيع أجرَ المحسنين؛ لأنه شاكرٌ عليمٌ، والظاهرُ أنَّ هذه الآيةَ مُرتبطةٌ بآيات القبلة؛ لِمَا بين الصفا والمروة والبيتِ الذي هو القِبلة من الارتباط المكانيّ والحكميّ.
﴿إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة﴾ جبلانِ بمكة ﴿مِنْ شَعَائِر اللَّهِ﴾ أعلام دينِه، جمعُ شَعيرة ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ﴾ أي: تلبَّسَ بالحج أو العمرة، وأصلُهما القصدُ والزيارةُ ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ إثمَ ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ فيه إدغامُ التاء في الأصل في الطاء ﴿بِهِمَا﴾ بأنْ يسعى بينهما سبعًا. نزلت لَمَّا كره المسلمون ذلك؛ لأنَّ أهلَ الجاهلية كانوا يطوفون بهما وعليهما صَنَمانِ يمسحونهما (١). وعن ابن عباس أنَّ السعي غيرُ فرض؛ لِما أفادَه رفعُ الإثم من التخيير (٢)؛ وقال الشافعي وغيرُه: ركنٌ (٣). وبيَّنَ ﷺ فريضتَه بقوله:
стр. 324
((إنَّ اللهَ كتبَ عليكُمُ السعيَ)) رواه البيهقي وغيره (١). وقال: ((أَبدأُ بما بدأَ اللهُ به)) يعني: الصفا، رواه مسلم (٢)، ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ وفي قراءةٍ بالتحتيةِ وتشديدِ الطاء مجزومًا، وفيه إدغامُ التاء فيها، ﴿خَيْرًا﴾ أي: بخيرٍ، أي: فعملَ ما لم يجبْ عليه من طوافٍ وغيره ﴿فَإِنَّ اللَّه شَاكِرٌ﴾ لعملِهِ بالإثابة عليه ﴿عَلِيمٌ﴾ به.
وقولُ المؤلِّف: (جبلانِ بمكة): أي: جبلان معروفان بمكة.
وقولُه: (أعلام دينِه): أي: مِنْ أَعلام الدين الظاهرةِ التي يحبُّ اللهُ تعظيمَها، وتعظيمُ الصفا والمروة بالطواف بهما وهو السعيُ بينهما كما بيَّنَهُ الرسول ﷺ .
وقولُه: (أي: تلبَّسَ بالحجِّ أو العمرة): أي: مَنْ دخل في أحدهما بأنْ أحرمَ بحجٍّ أو عمرةٍ. وقولُه: (وأصلُهما القصد والزيارة): يريد أصل معنى الحج والعمرة في اللغة؛ فبيَّنَ أنَّ معنى الحج في اللغة: القصد (٣)، ومعنى العمرة: الزيارة (٤)، وخص بعض المحققين الحج بالقصد إلى معظم (٥).
стр. 325
وقولُه: (فيه إدغامُ التاء في الأصل في الطاء): يُبيِّنُ أن أصل ﴿يَطَّوَّفَ﴾ «يَتطوَّفَ» فسُكنت التاء وقُلبت طاء وأُدغمت في الطاء.
وقولُه: (بأنْ يسعى بينهما): بيانٌ لمعنى الطواف بالصفا والمروة أنه السعي بينهما سبعًا، يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة.
وقولُه: (نزلت … ) إلى آخره: تضمَّن الإشارةَ إلى سبب النزول، وبيان حكم السعي، وما يبدأُ به وهو الصفا، للحديث الذي ذكره، والله -تعالى- قد بدأ بالذِّكر بالصفا؛ لذا قال ﷺ : ((أبدأُ بما بدأَ اللهُ به)).
وقولُه: (وفي قراءةٍ .. ) إلى آخره: يُريد أنَّ «تتطوَّع» في الآية قُرئ ﴿يَطَّوَّعْ﴾ بصيغة الفعل المضارع (١)، وأصله: «يَتطوَّع» فسُكِّنت التاءُ وقُلبت طاءً، وأُدغمت في الطاء.
* * *
стр. 326
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]:
يذمُّ -تعالى- في هذه الآية ويتوعَّدُ الذين يكتمون ما أنزل الله مِنْ الآيات البيِّنات وما فيها من الهدى فأخبر أنه -تعالى- يَلعنُهُم، ويلعنُهم اللَّاعنون، واللَّعْنُ هو: الإبعاد عن رحمة الله (١)، واللَّعنُ مِنْ الله يكون قولًا وفعلًا، ومن العباد دعاءً.
وقوله: ﴿اللاَّعِنُون﴾: يشمل: الملائكة والناس، وفي ذلك تعريضٌ باليهود في كِتمانهم لصفة النبي ﷺ ، أو هم المَعنيُّون بالآية، وعلى ذلك ففيها عَوْدٌ إلى ذِكر مذامِّ اليهود ومساويهم، وقد استثنى من هذا الوعيد الذين تابوا من كِتمان آياتِ الله وأصلحوا أعمالَهم وبيَّنوا ما قد كتموا، فقال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُوا﴾، ثم أكَّد هذا الاستثناء بالوعد المؤكّد لأنه يتوبُ عليهم، فقال: ﴿فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: يقبل توبتَهم، وأكَّد هذا الوعدَ بأنه -تعالى- ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيم (١٦٠)﴾، فتوبتُه على التائبين هو مِنْ مقتضى هذين الاسمين: التواب الرحيم.
ونزلَ في اليهود ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الناس ﴿مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ كآية الرجم ونعت محمد ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ التوراة ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ يبعدهم من رحمته ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون، أو كل شيء: بالدعاء عليهم باللعنة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾
стр. 327
رجعوا عن ذلك ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عملهم ﴿وَبَيَّنُوا﴾ ما كتموا ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقبل توبتهم ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين.
وقولُ المؤلِّف: (ونزلَ في اليهود): إشارةٌ إلى أنَّ هذه الآية نزلتْ في اليهود.
وقولُه: (الناس): يريد أنَّ الاسمَ الموصولَ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقدير: إنَّ الناس الذين يكتمون.
وقولُه: (كآيةِ الرجم … ) إلى آخره: بيانٌ لبعض ما كتمَهُ اليهود من آيات التوراة.
* * *
стр. 328
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُون (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢]:
هذا وعيدٌ شديدٌ من الله تعالى للذين كفروا بالله ورسولِه وكتابِه من أهل الكتاب والمشركين وماتوا على ذلك، توعَّدهم اللهُ بأنْ حقَّت ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين (١٦١)﴾، فباؤوا بسخطِ الله وعذابه خالدين في لعنةِ الله مُبعدين عن رحمته، وعذابُهم شديدٌ دائمٌ فلا يُخفَّفُ عنهم، ولا ينظرون؛ أي: لا يُمهلون إذا وردوا النار.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ حالٌ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: هم مُستحقُّون ذلك في الدنيا والآخرة. والناسُ قيل: عامٌّ، وقيل: المؤمنون. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: اللعنةُ، أو النار المدلولُ بها عليها ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ طرفةَ عين ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يُمْهلون لتوبةٍ أو معذرةٍ.
وقولُ المؤلِّف: (حال): يريد جملة ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؛ فالمعنى: ماتوا في حالِ كفرِهم.
وقولُه: (أي: هم مستحقّون ذلك … ) إلى آخره: يُبين أنَّ اللَّعنةَ حلَّتْ عليهم بسبب كفرِهم فاستحقُّوا اللعنةَ من الله والملائكة والناس أجمعين.
وقولُه: (والناسُ قيل: عامٌّ، وقيل: المؤمنون): أقول: الأولُ هو الصواب؛ لاقتران كلمةِ «الناس» بـ «أل» التي للاستغراق، ولتأكيده بأجمعين (١).
стр. 329
وقولُه: (اللعنة أو النار): يُبيِّنُ مَرجعَ الضمير المجرور في قوله: ﴿فيها﴾، والخلودُ في اللعنة يستلزم الخلودَ في النار (١).
* * *
стр. 330
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]:
يُخبِرُ -تعالى- أنَّ المعبودَ الحقَّ معبودٌ واحدٌ ولا معبود بحقٍّ سواه، وهو الله تعالى، وهذا خبرٌ متضمِّنٌ للأمر بمقتضاه، وهو الإيمانُ بمضمون هذا الخبر، وذلك باعتقادِ أنَّ الإلهَ الحقَّ واحدٌ وهو اللهُ الرحمنُ الرحيمُ، مع اعتقادِ أنَّ كلَّ معبودٍ سواه باطلٌ، فتضمَّن هذا الخبرُ: الأمرَ بالإيمان بالله، وإفرادَه بالعبادة وتركَ عبادة ما سواه، والبراءةَ منه، وذلك هو الكفرُ بالطاغوت، فدلَّت الآيةُ على معنى: لا إله إلا الله، وهي: العروةُ الوثقى التي لا تنفصمُ، فمَنِ استمسكَ بها نجا؛ فأَشبهتْ هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وأشبهتِ البسملةَ من حيث اشتمالِها على الأسماء الثلاثة: الله، الرحمن، الرحيم، وتقدَّمَ الكلامُ في هذه الأسماء في الكلام على الآيتين الأولى والثانية من سورة الفاتحة (١).
ونزل لَمَّا قالوا: صِفْ لنا ربَّك: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ المستحقُّ للعبادة منكم ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا نظيرَ له في ذاتِه ولا في صفاتِه ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ هو ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (لا نظيرَ له): تفسيرٌ لمعنى الواحد، وهذا أحدُ معاني الواحد، وقد ذكره ابنُ جرير، وقدَّمهُ وهو معنى صحيح (٢)، وأظهرُ منه أنَّ معنى ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أي: لا اثنان؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِنْ مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]:
يُنبِّهُ -تعالى- في هذه الآية عبادَه على أدلة إلهيتِه وربوبيتِه، وهي: آياتُه الكونية، وهذه الآيات قد اشتمل عليها ما ذكرَهُ اللهُ من المخلوقات؛ خلقِ السمواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ والفلكِ التي تجري في البحر، وما أنزلَ الله من السماء مِنْ ماءٍ، وما بثَّ في الأرض من الدوابِّ، والرياح التي يُصرِّفُها الله، والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض، في كلِّ ذلك آياتٌ دالةٌ على وجودِ الله وربوبيتِه وإلهيتِه وكمال قدرتِه وحكمتِه ورحمتِه.
وإنما ينتفع بهذه الآيات مَنْ يتفكَّرُ في هذه المخلوقات، ويهتدي بها إلى ما يجبُ عليه من الإيمان به -تعالى- وتوحيدِه واتِّباعِ رسلِه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الألْبَاب (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، وأولُوا الألباب: هم أهلُ العقول النَّيِّرة الزكية، ولذا قال في سورة البقرة: ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون (١٦٤)﴾، فمَن لم يتفكَّرْ في هذه المخلوقات ويُسبِّحْ بحمد خالقِها ولم يتدبَّر الآيات فهو مِنْ الغافلين.
وطلبوا آية على ذلك، فنزل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما من العجائب ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان ﴿وَالْفُلْكِ﴾ السفن ﴿الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ ولا ترسب، موقرة ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من التجارات والحمل ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ
стр. 333
مَاءٍ﴾ مطر ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها ﴿وَبَثَّ﴾ فرق ونشر به ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ لأنهم ينمون بالخصب الكائن عنه ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ تقليبها جنوبًا وشمالًا، حارة وباردة ﴿وَالسَّحَابِ﴾ الغيم ﴿الْمُسَخَّرِ﴾ المذلل بأمر الله يسير إلى حيث شاء الله ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بلا علاقة ﴿لَآيَاتٍ﴾ دلالات على وحدانيته تعالى ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون.
وقولُ المؤلِّف: (وطلبوا … ) إلى آخره: يُبيّن بذلك سببَ نزول هذه الآية وهو أنَّ المشركين طلبوا دليلًا على أنَّ الإله واحدٌ فنزلت (١).
وقولُه: (وما فيهما مِنْ العجائب): يريد ما في السماء والأرض مِنْ الآيات العجيبة كالشمسِ والقمر والنجوم في السماء، والجبال والأنهار والبحار في الأرض.
وقولُه: (بالذهابِ والمجيء … ) إلى آخره: فُسِّرَ اختلافُ الليل والنهار بتعاقبِهما والزيادة والنقص فيهما.
وقولُه: (ولا ترسب): يُبيِّنُ أنَّ السفنَ تجري على ظهرِ البحر، وهي: موقرة؛ أي: مُحمَّلة (٢)، ولا ترسب؛ أي: لا تغوص في الماء فتغرق بِمَنْ فيها.
وقولُه: (من التجارات والحمل): مِنْ منافع السفن: حملُ الأثقال، ونقلُ الأموال، والانتقالُ بين البلدان.
وقولُه: (ونشر به … ) إلى آخره: أي: نشرَ بالماء النازلِ، فإذا نزلَ الغيث كثرتْ الدوابُّ وانتشرتْ.
стр. 334
وقولُه: (تقليبها … ) إلى آخره: يُبيّن أنَّ معنى تصريفُ الرياح: تغييرُ جهاتها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا وبين ذلك، وتغييرُ أحوالها بالحرِّ والبرد وبالشدَّة واللِّين.
وقولُه: (بلا علاقة): يريد أنَّ السحابَ بين السماء والأرض ليس مُعلَّقًا في شيءٍ.
* * *
стр. 335
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَاب (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَاب (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧]:
يُخبر -تعالى- في هذه الآيات عن صنفٍ من الناس ذامًّا لهم ومتوعِّدًا، وهم: المشركون الذين اتخذوا من دون الله آلهةً جعلوهم أندادًا لله؛ أي: نظراء وأشباهًا فهم يعبدونَهم ويُحبِّونهم كحُبِّهم لله؛ فسوَّوهم بالله في العبادة والمحبّة، ولكن المؤمنين الموحدين على الضدِّ من ذلك، فإنهم يحبّون الله أشدّ مِنْ حبِّ المشركين له ولم يجعلوا لله ندًّا في المحبة؛ لذلك لا يعبدون إلا الله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾.
ثم أخبر -تعالى- عن حالِ الظالمين أنفسهم بالشرك بالله حين يرون العذابَ يومَ القيامة، فإنهم في ذلك اليوم يعلمون أنَّ القوة كلّها لله؛ فلا يطمعون في نصيرٍ يُنقذهم من عذاب الله، ويعلمون أنَّ عذابَ الله شديدٌ، وفي ذلك اليوم يتبرأُ المتبوعون من الذين اتَّبعوهم في الكفر والشرك، ثم يرى الجميعُ النار فيتمنَّى الأتباعُ لو رُدُّوا إلى الدنيا ليَتبرؤوا من أئمَّتِهم في الكفر والضلال؛ مجازاةً لهم على تبرُّئهم منهم.
وقوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ﴾ في موضع مفعولَيْ «يرى» في قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾، ﴿وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَاب﴾: معطوفٌ على جملة: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ﴾.
وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ﴾ وهم الرؤساء والكبراء؛ تبرَّؤوا مِنْ الذين اتَّبعوهم؛ أي: جحدُوا عبادتَهم لهم وجحدوا أنهم أضلُّوهم، ورأى الجميعُ عذابَ الله فتقطَّعتْ المُوادَّة التي كانت بينَهم، ثم قال الأتباعُ: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا
стр. 336
كَرَّةً﴾؛ أي: عودةً إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِنْ الرؤساء المستكبرين ﴿كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا﴾، فالأتباعُ يتمنَّون الردَّ إلى الدنيا ليتبرَّؤوا من الذين تبرَّؤوا منهم، وهذا معنى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا﴾، وفي ذلك اليوم يريهم اللهُ أعمالَهم القبيحة التي يتحسَّرون منها ندمًا على تفريطِهم كما قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس: ٥٤]، ولكن لا ينفعُ الندمُ لذلك اليوم ولا يُخلِّصُهم من عذاب الله، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ المعنى: أنَّ الله يُرِي التابعينَ والمتبوعينَ أعمالَهم فتكون حسراتٍ عليهم فيُدخلهم بها النار دخولًا لا خروجَ بعده، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار (١٦٧)﴾، والظرفُ في قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ بدلٌ من الظرف في قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره ﴿أَنْدَادًا﴾ أصنامًا ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ بالتعظيمِ والخضوعِ ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي كحُبِّهم له ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنْ حُبِّهم للأنداد؛ لأنهم لا يعدلون عنه بحالٍ ما، والكفار يعدلون في الشدَّة إلى الله ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ تُبِصِرْ يا محمد ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ باتخاذ الأنداد ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ بالبناء للفاعل والمفعول يُبصِرون ﴿الْعَذَابَ﴾ لرأيت أمرًا عظيمًا، وإذ بمعنى إذا ﴿أَنَّ﴾ أي: لأنَّ ﴿الْقُوَّةَ﴾ القدرة والغلبة ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ حال ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ وفي قراءة: ﴿يَرَى﴾ بالتحتية. والفاعل؛ قيل: ضمير السامع، وقيل ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فهي بمعنى: يعلم، و «أَنَّ» وما بعدها سدتْ مسدَّ المفعولين، وجواب لو محذوف. والمعنى: لو علموا في الدنيا شدةَ عذابِ الله وأنَّ القدرةَ لله وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة؛ لَمَا اتخذوا من دونه أندادًا. ﴿إِذْ﴾ بدل من إذ قبله ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ أي: الرؤساء ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾
стр. 337
أي: أنكروا إضلالهم ﴿وَ﴾ قد ﴿رَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ﴾ عطفٌ على تبَّرأَ ﴿بِهِمِ﴾ عنهم ﴿الْأَسْبَابُ﴾ الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من الأرحام والمودة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ رجعةً إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ أي: المتبوعين ﴿كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ اليومَ، ولو: للتمنِّي، ونتبرأ جوابُه ﴿كَذَلِكَ﴾ كما أراهم شدةَ عذابِه وتبرأ بعضهم من بعض ﴿يُرِيهِمِ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ السيئةَ ﴿حَسَرَاتٍ﴾ حال، نداماتٍ ﴿عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ بعد دخولها.
وقولُ المؤلِّف: (أصنامًا): فسَّرَ الأنداد بالأصنام، والأصنامُ من الأنداد، والأنداد؛ هم: النُّظَراء والأشباهُ فيَعمُّ كلَّ ما اتخذه المشركون إلهًا مع الله صنمًا أو غيره (١).
وقولُه: (بالتعظيم والخضوع): هذا من تفسير الشيءِ بأثرِه فإن التعظيمَ والخضوعَ أثرُ المحبة. وقولُه: (كحبِّهم له): يُبيِّن أن المشركين يُحبُّون أندادَهم كحبِّهم لله فلَزِمَ من ذلك التسوية بين الله والأنداد في المحبَّة.
وقولُه: (مِنْ حبِّهم للأنداد … ) إلى آخره: يُبيِّن بذلك أن حبَّ المؤمنين لله أشدُّ من حبِّ المشركين لأندادِهم، ثم يُوضِّح هذا التفاوت في شدَّة المحبة بين حبِّ المؤمنين لله وحبِّ المشركين لأندادِهم بأن المؤمنين يدعون ربَّهم في الشدَّة والرخاء، ولا يعدلون عنه لغيره، وأما المشركون فينسون أندادَهم في الشدَّة، ويُخلصون الدعاء لله.
وقوله: (﴿وَلَوْ تَرَى … ﴾ … ) إلى آخره: مشى على قراءة نافعٍ وابنِ عامر «بالتاء» المنقوطة من فوق على الخطاب للنبي ﷺ أو كلِّ مَنْ يصلح
стр. 338
له؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾؛ أي: تُبْصِرُ، وقرأ الجمهورُ بالياء المُثناة التحتية (١) على الخبرِ عن الظالمين، وجوابُ «لو» محذوفٌ كما هو الغالب؛ فالمعنى على قراءة الجمهور: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: يعلموا حين يرون العذاب أن جميعَ القوةِ لله فليس لغيره قوةٌ يدفع بها عن نفسِه أو غيره، ويعلموا أن اللهَ شديدُ العقاب، لرأوا أمرًا عظيمًا هائلًا وعلمُوا ضعفَهم وعَجْزَهم وعَجْزَ آلهتِهم؛ فالرؤيةُ في الفعل الأول؛ بمعنى: العلم، وفي الفعل الثاني؛ بمعنى: الإبصار؛ فالأولى: علميّة، والثانية: بصريّة، وعلى قراءة نافع وابن عامر: الرؤية بصريّة في الموضعين، كما فسَّرها المؤلِّف (٢).
وقولُه: (باتِّخاذِ الأنداد): تفسيرٌ للظلم بالشرك، وهو تفسيرٌ صحيحٌ يدلُّ له أول الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾.
وقولُه: (بالبناء للفاعل والمفعول): يُشيرُ إلى أنَّ ﴿يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ قُرِئَ بفتح ياءِ المضارع على البناء للفاعل، وبضمِّها على البناء للمفعول؛ ﴿يَرون﴾ و ﴿يُرون﴾ (٣).
وقولُه: (لرأيت أمرًا عظيمًا): هذا تقديرٌ لجواب «لو» على قراءة ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ بالتاء على الخطاب.
وقولُه: (وإذ بمعنى: إذا): يُبيِّن بذلك أنَّ «إذ» التي هي ظرفٌ للزمن الماضي؛ بمعنى: إذا لما تعلَّقت بأمرٍ مستقبلٍ صارت بمعنى: «إذا» التي
стр. 339
للمستقبل، وصار وضعُ «إذ» مكانَ «إذا» من نوعِ الخبرِ بالماضي عن المستقبل كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩].
وقولُه: (أي: لأنَّ): يريد أنَّ جملة ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ تعليلٌ لجواب «لو» فالمعنى: لرأيت أمرًا عظيمًا لأنَّ القوة لله جميعًا، وذلك على قراءة: ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وهي التي مشى عليها المؤلِّفُ كما تقدَّم.
وقولُه: (القدرة والغلبة): هذا تفسيرُ القوة في قوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ وهو تفسيرٌ صحيحٌ. وقولُه: (حال): يريد أنَّ ﴿جَمِيعًا﴾ في الآية حالٌ من الضمير المستتر في الجار والمجرور ﴿لِلَّهِ﴾ العائد على قوة.
وقولُه: (وفي قراءة … ) إلى آخره: رجع كلامُه إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
وقولُه: (بالتَّحتيَّة): يعني المنقوطة مِنْ تحت، فيكونُ الكلامُ خبرًا عن الذين ظلموا.
وقولُه: (والفاعل … ) إلى آخره: يريد: فاعل ﴿يَرَى﴾ وذكر فيه قولين؛ قيل: ضميرُ السَّامع فتكون الرؤية بصريَّة، وقيل: الفاعلُ الاسم الموصول ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهو الصواب، وعلى هذا فالرؤية علميَّة (١).
وجملة ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ سدَّتْ مَسَدَّ مفعولَي ﴿يَرَى﴾ في قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ كما ذكر المؤلِّف. وقولُه: (والمعنى .... ) إلى آخره: تعبيرٌ صحيحٌ مناسبٌ لِما تقدَّم من كلام المؤلِّف.
وقولُه: (أنكروا إضلالَهم): هذا تفسيرٌ لتبرّي الرؤساءُ المتبوعين مِنْ التابعين المستضعفين؛ أي قالوا: لم نُضِلَّهم بل هم الذين ضلُّوا.
стр. 340
وقولُه: (قد): يُبيّنُ أنَّ جملةَ ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ حال، وأنَّ التقدير؛ وقد رأوا.
وقولُه: (عنهم): يشيرُ إلى أنَّ الباءَ بمعنى: «عن»؛ في قوله: ﴿بِهِمِ﴾، وهذا يقتضي أنَّ ﴿تقطَّعَتْ﴾ ضُمن معنى ذهبتْ أو زالتْ، وقيل: الباء للملابسة، وهذا يقتضي تشبيهَ الأتباعِ والمتبوعين بقومٍ متمسِّكين بحبال ليَنجوا فانقطعتْ بهم فهلكوا، ذكره ابنُ عاشور ورجَّحه (١).
وقولُه: (الوُصَل … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الأسبابَ التي تقطَّعتْ بهم في ذلك اليوم هي الأسبابُ التي كان يتواصلون بها في الدنيا من المُوادَّةِ والقرابةِ وغيرها من الصِّلات التي تكون بين الناس.
وقولُه: (ولو للتَّمنِّي): يعني أنها ليست شرطيَّةً فلا تحتاج إلى جواب.
وقولُه: (ونتبرأُ جوابه): في هذا نظر؛ فقوله: (فنتبرأ) من جملة المُتمنَّى لا جواب لِـ «لو».
وقولُه: (كما أراهُم … ) إلى آخره: يُبيِّن بما ذكر معنى: كذلك، وهو أَّن الكاف للتشبيه، وأنَّ اسمَ الإشارة يعودُ إلى أنَّ الله أراهُم النار؛ فالمعنى: كما أراهم الله النارَ يُريهم أعمالَهم، وتكون عليهم حسرات، والحسرةُ: شدَّةُ الندمِ والحزنِ، وأشدُّ ما تكون حسرتُهم إذا ذُبِحَ الموت، وقيل لهم: ((يا أهل النار خلودٌ ولا موت)) (٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
* * *
стр. 341
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُون (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]:
هذا خطابٌ من الله لجميعِ الناس مُمتنًّا عليهم بما خلق لهم في الأرض من أنواعِ المآكلِ الطيبةِ من الحبوب والثمار والحيوان، وأَمرهم بالأكل مما خلقَهُ لهم وأباحَهُ لهم ونهاهم عن اتباعِ خطوات الشيطان، وهي: كلُّ ما يأمر به، وذلك إمَّا بمجاوزة الحلالِ إلى الحرامِ، وإمَّا بتحريم الحلال كما فعل المشركون؛ وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآية لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
وقد أخبر -تعالى- عن المشركين أنهم جمعُوا إلى الشركِ تحريمَ ما لم يُحرِّمْه اللهُ، وفصَّلَ ذلك في آياتٍ من سورة الأنعام ثم قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠].
ثم حذَّرَ مِنْ اتباع خطوات الشيطانِ ببيانِ أنه عدوٌّ بيَّنُ العداوةِ للناس، وأنه لا يأمرُ إلَّا بالسوء والفحشاء والقولِ على الله بغير علمٍ، والسوءُ: كلُّ معصية، والفاحشةُ: كلُّ ما اشتدَّ قُبحُهُ (١)، والقولُ على الله بغير علمٍ هو مِنْ افتراء الكذبِ على الله، وهذا شاملٌ لكلِّ ما لا طريقَ إلى معرفتِه إلَّا الوحي من أسماء الله وصفاتِهِ وشرائع دينِهِ.
ونزل فيمَن حرَّم السوائبَ ونحوَها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالًا﴾ حالٌ ﴿طَيِّبًا﴾ صفةٌ مؤكدةٌ أو مُستلَذًّا ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ﴾ طُرُقَ
стр. 342
﴿الشَّيْطَانِ﴾ أي: تزيينه ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بيِّنُ العداوة ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾ الإثم ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾ القبيح شرعًا ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم ما لم يحرمْ، وغيره.
وقولُ المؤلِّف: (ونزلَ … ) إلى آخره: إشارةٌ إلى سببِ نزول هذه الآيات (١).
وقولُه: (صفة مؤكدة أو مُستلَذًّا): فسَّرَ الطَّيّبَ بالحلالِ أو المُستلذِّ، والراجحُ هو الثاني (٢)؛ لأنه يتضمَّنُ زيادةَ معنى.
وقولُه: (أي: تزيينه): هذا تفسيرٌ لخطوات الشيطان؛ فخطواتُ الشيطانِ: كلُّ ما يُزيِّنُه للإنسان من أنواع المعاصي.
وقولُه: (بيِّن العداوة): فسَّرَ المبين بالبيِّن فهو مِنْ «أبان»؛ بمعنى: «بانَ»؛ لا مِنْ «أبانَ الشيء»؛ أي: «بيَّنه»، وهذا التفسير هو المناسب للسِّياق.
وقولُه: (الإثم): فسَّرَ السوءَ بالإثم، وهذا يعمُّ الذنوب كلَّها.
وقولُه: (القبيح شرعًا): هذا تفسيرٌ للفحشاء ولا يتضحُ به الفرقُ بين السوء والفحشاء، فإنَّ كلَّ إثمٍ قبيحٌ شرعًا.
وقولُه: (من تحريم ما لم يحرم): يُبيِّنُ أنَّ تحريمَ ما لم يُحرِّمْهُ اللهُ كفعل المشركين هو مِنْ القول على الله بغير علمٍ.
* * *
стр. 343
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧٠ - ١٧١]:
يُخبرُ تعالى عن المشركين أنهم إذا دُعوا إلى اتِّباع ما أَنزل اللهُ على رسوله؛ قالوا: لا نتَّبعه، بل نتَّبعُ ما أَلفينا عليه آباءنا؛ أي: ما وجدنا، وهذا دأْبُ المشركين من الأُمم، يردُّون على الرُّسل ويحتجُّون باقتدائهم بآبائهم كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُون (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣].
قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾، المعنى: أَيتَّبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون؛ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ، وفي هذه الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة.
ثم ضرب لهؤلاء الكافرين في جهلهم وعدمِ عقلِهم مَثَلًا بالماشية التي لا تعقل مما تسمع إلا دعاءَ ونداءَ الراعي، ثم وصفهم تعالى بأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؛ لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس، فلهم آذانٌ لا يسمعون بها خيرًا، وأَعينٌ لا يُبصرون بها الآيات، وأَلسنٌ لا يتكلَّمون بها في حقٍّ، ولهذا قال تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾، فلا يتفكَّرون ولا يتذكَّرون؛ لأنهم بإِعراضِهم سدُّوا على أنفسهم أبوابَ الهداية.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أَي: الكفار ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه﴾ من التوحيد وتحليل الطيبات ﴿قَالُوا﴾ لا ﴿بَلْ نَتَّبِع مَا أَلْفَيْنَا﴾ وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من عبادة الأصنام وتحريم السوائب والبحائر (١)؛ قال تعالى: ﴿أَ﴾ يتبعونهم
стр. 344
﴿ولو كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ من أَمْرِ الدِّين ﴿وَلَا يَهْتَدُون﴾ إلى الحقِّ، والهمزة للإنكار. ﴿وَمَثَلُ﴾ صفةُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومَن يدعوهم إلى الهدى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ يُصوِّتُ ﴿بِمَا لَا يَسْمَع إلَّا دُعَاء وَنِدَاء﴾ أي: صوتًا ولا يُفهم معناه؛ أي: هم في سماع الموعظةِ وعدمِ تدبُّرها كالبهائم تسمعُ صوتَ راعيها ولا تفهمه، هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الموعظةَ.
وقولُ المؤلِّف: (من أَمْرِ الدِّين): يُبيِّنُ أنَّ قوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ ليس عامًّا لأَمر الدنيا والدِّين؛ لأنَّ لهم عقولًا يعقلون بها أمورَ دُنياهم، لكن لا يعقلون شيئًا من أَمْرِ الدِّين؛ لأَنهم مُعرضون مُستكبرون.
* * *
стр. 345
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]:
هذا خطابٌ من الله للمؤمنين يأمرهم فيه ممتنًا عليهم ومبيحًا لهم الأكل من طيبات ما رزقَهم، ويأمرهم بشكره تعالى على ما أَولاهم من الرزق، ويُبيِّنُ تعالى أنَّ طاعتَه وشكرَه هو مُقتضَى عبادتهم له وحده لا شريك له، والشكرُ: هو الطاعةُ والتعظيم والثناء في مقابل النعمة (١)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون (١٧٢)﴾.
ثم أخبر تعالى عبادَه بما حرَّمه من المطاعم الخبيثةِ، وهي: الميتةُ والدمُ والخنزيرُ وما ذُبِحَ لغير الله، وقد ذكر اللهُ تحريمَ هذه الأربعة في سورة المائدة والأنعام والنحل، وهذه أَخبثُ المطاعم التي كان أهلُ الجاهلية يأكلونها من العرب وغيرهم.
و ﴿إِنَّمَا﴾: أداةُ حصرٍ؛ فالمعنى: ما حرَّم اللهُ إلَّا الميتةَ والدمَ إلى آخر الآية، وذلك قبل تحريم الخمر وكلِّ ذي نابٍ من السِّباع وكلِّ ذي مخلبٍ من الطير وتحريمِ الحُمُر الأهلية، ولهذا لم يرد الحصرُ في سورة المائدة.
والميتةُ: كلُّ ما مات حَتْفَ أَنفِه مما لا يحلُّ إلَّا بالذكاة، والمرادُ بالدم: الدم المسفوح كما في سورة الأنعام، وهو الذي يسيلُ بخلاف الدم الذي خلقه اللهُ جامدًا كالكبد والطحال، والخنزيرُ: هو الحيوانُ الخبيثُ المعروف الذي هو من أشهى أَطعمة النصارى.
стр. 346
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ﴾: هو ما ذُبِحَ للتقرُّب به لغير الله؛ من صنمٍ أو قبرٍ أو مَلِكٍ أو جنِّيٍّ، والإهلالُ: رفعُ الصوتِ باسم مَنْ قصد التقرُّبَ له (١).
ولَمَّا بيَّنَ تعالى هذه المحرمات رخَّصَ للمضطر بالأكل منها؛ فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٧٣)﴾، وحدُّ الضرورة أن يخافَ على نفسه الموتَ إن لم يأكل.
وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: حالٌ مؤكدةٌ، والباغي: هو الطالبُ لِمَا حرَّم اللهُ عليه، المائلُ إليه بشهوته، والعادي: هو المتعدي المتجاوزُ في أكله، فلا يأكل إلَّا ما يدفع الضرورةَ فلا يشبع، لكن يتزوَّد احتياطًا خشيةَ أن يضطر ولا يجدَ شيئًا.
وقوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: جوابُ الشرط في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾، وهو نصُّ الدليل على الرخصة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٧٣)﴾: تعليلٌ للرخصة في الأكل من هذه المحرمات عند الاضطرار؛ فالمعنى: غَفر للمضطر ورحمه بإباحة الأكل؛ لأنه تعالى غفورٌ رحيمٌ.
﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ حلالاتِ ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على ما أَحلَّ لكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. ﴿إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ﴾ أَي: أَكلَها، إذ الكلامُ فيه وكذا ما بعدها، وهي ما لم يُذَكَّ شرعًا، وأُلحق بها بالسنَّة ما أبين من حي وخص منها السمك والجراد ﴿وَالدَّمَ﴾ أي: المسفوح كما في الأنعام ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ خُصَّ اللحمُ؛ لأَنَّه مُعظَمُ المقصود، وغيرُه تَبَعٌ له ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه﴾ أي: ذُبِحَ على اسم غيره، والإهلالُ: رفعُ الصوت، وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم ﴿فَمَنْ اُضْطُرَّ﴾
стр. 347
أي: ألجأته الضرورةُ إلى أكل شيءٍ ممَّا ذُكر فأَكله ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ خارجٍ على المسلمين ﴿وَلَا عَادٍ﴾ مُتعدٍّ عليهم بقطع الطريق ﴿فَلَا إثْم عَلَيْهِ﴾ في أَكله ﴿إنَّ اللَّه غَفُورٌ﴾ لأوليائه ﴿رَحِيمٌ﴾ بأهل طاعته، حيثُ وسَّع لهم في ذلك، وخرج الباغي والعادي، ويُلحَقُ بهما كلُّ عاصٍ بسفره؛ كالآبقِ والمكَّاسِ، فلا يحلُّ لهم أَكلُ شيءٍ من ذلك ما لم يتوبوا، وعليه الشافعي.
وقولُ المؤلِّف: (حلالات): تفسيرٌ للطيِّبِ بالحلال، والصوابُ: أنَّ الطيبَ هو المستطابُ المستلذُّ (١)، فليس كلُّ حلالٍ طيب؛ المعنى: كلوا من طيبات ما أَحللنا لكم، كما يدلُّ عليه الامتنانُ في قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
وقولُه: (ما أُبين من حي): يُشيرُ إلى حديث: ((ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيةٌ؛ فهو ميتٌ)) (٢).
стр. 348
وقولُه: (وخص منها … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنه يُستثنى من عموم الميتة ميتةُ الجراد وميتةُ الحوت؛ لحديث: ((أُحِلَّت لنا ميتتان)) (١).
وقولُه: (خص اللحم … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الخنزيرَ محرَّمٌ كلّه لحمه وشحمه وغيرهما، وإنما نصَّ على اللحم؛ لأنَّه أهمُّ المقصود منه (٢).
وقولُه: (أي: ذُبح على اسم غيره): يُبيِّنُ أنَّ المراد بـ ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه﴾: ما ذُكِرَ عليه اسمُ غير الله عند الذبح، أو قُصد به التقربُ لغير الله.
وقولُه: (ألجأته الضرورة … ) إلى آخره: كشدَّةِ الجوعِ -وهو المخمصة كما في سورة المائدة- أو التهديدِ بالقتلِ من ظالمٍ إن لم يأكل.
стр. 349
وقولُه: (خارج على المسلمين … ) إلى آخره: هذا التفسيرُ مشهورٌ عن مجاهد (١)، وليس بظاهر، فإنَّ الباغي والعادي ذُكِرَ في سورتين من السور المكية قبل البقرة والمائدة، ولم يكن هناك باغٍ ولا عادٍ من المسلمين، ولا إمام يُخرج عليه.
وقولُه: (وخرج الباغي والعادي … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ قولَه تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لا يشملُ الباغي والعادي، ولا ما قِيس عليهما من أصحاب الذنوب؛ كالآبق: وهو المملوكُ الهاربُ من سيِّده، والمكَّاس: هو الذي يظلمُ الناسَ في أموالهم بفرض ضرائبَ تُؤخَذ من أصحاب الأموال.
وقولُ المؤلِّف: (وعليه الشافعي): يُبيِّنُ أنَّ الشافعيَّ لا يرى للمضطر العاصي في سفره الرخصةَ في الأكل، ولو أدَّى ذلك إلى موته (٢).
* * *
стр. 350
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد (١٧٦)﴾ [البقرة: ١٧٤ - ١٧٦]:
هذا وعيدٌ من الله للذي يكتمون ما أَنزل اللهُ من الكتاب، ويستبدلون بالكتاب ثمنًا قليلًا؛ أي: يأخذون عِوضًا عن بيان الكتاب الذي أَنزله الله والعمل به من مالٍ أو رئاسةٍ أو جاهٍ، وكلُّ ذلك من مَتاع الدنيا، وهو قليلٌ؛ لأنه زائلٌ ولو كان كثيرًا.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ﴾: هذه الجملةُ وما عُطف عليها خبرُ ﴿إِنَّ﴾؛ فتضمَّنَ هذا الوعيدُ أربعةَ أمور:
الأول: أنَّ ما يأكلونه بسبب المال والرئاسة والجاه هو نارٌ في بطونهم؛ لأنَّه سيكون نارًا يصلونها يوم القيامة.
الثاني: أنَّ الله لا يُكلِّمهم يومَ القيامة كلامًا يسرُّهم، لكنه يُكلِّمهم كلامَ توبيخ، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون (٦٢)﴾ [القصص: ٦٢، ٧٤]، وقوله لأهل النار: ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُون (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (١).
الثالث: أنَّه تعالى لا يُزكِّيهم؛ أي: لا يُثني عليهم، بل يذمُّهم ويُخزيهم.
الرابع: أنَّ لهم عذابًا أليمًا، وهو عذابُ النار -نعوذ بالله منها-.
стр. 351
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: أي: استبدلوا الضلالة، وهو كتمانُ العلم وإيثارُ الدنيا على الآخرة؛ استبدلوا هذا بالهدى؛ وهو: بيانُ الكتاب، وتبليغُه للناس، وإيثارُ ما عند الله من الثواب للمؤمنين والعاملين بالكتاب، والآية نزلت في أهل الكتاب، والمراد بهم: اليهود (١)، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا … ﴾ الآية [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] (٢).
وقوله: ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾: يعني: اشتروا العذابَ بالمغفرة؛ لأنهم اشتروا الضلالة -وهي سبب العذاب- بالهدى، وهو: سبب المغفرة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار (١٧٥)﴾: تعجُّبٌ من صبرهم على عذاب الله، وهو الذي لا يُعذِّبَ مثل عذابه أحدٌ، ولا يدل هذا على أنهم يصبرون، لكن إيثارهم العذاب يُشعِر بأنَّ لهم صبرًا عليه مع أنهم صبروا أو لم يصبروا سواء عليهم (٣).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: اسمُ الإشارة راجعٌ لِمَا تقدَّم من الذم والوعيد للكاتمين ما أَنزل اللهُ المحرِّفين لكلام الله، يقول تعالى: ذلك بسبب أنَّ اللهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ؛ فكتموه وحرَّفوه ولم يتَّبعوه، والكتاب هو: القرآنُ أو التوراة أو كلَّ كتاب أنزله الله، والحق الذي في الكتاب: ما فيه من
стр. 352
الأخبار والشرائع، ومنها الخبرُ بصفة النبي محمد ﷺ ، والأمر بالإيمان به واتباعه، فكتَمَه هؤلاء وآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ مع أنه كله حق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد (١٧٦)﴾؛ أي: مشاقة لله ورسوله، وهي العداوةُ والمحاربة، وفي هذه الآيات عودٌ إلى ذكر مساوئ أهل الكتاب الذين لا يُحرِّمون ما حرَّمَ اللهُ ورسولُه، ومن ذلك الخنزير، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآيات للآيتين قبلها.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَابِ﴾ المشتملِ على نعتِ محمَّدٍ، وهم اليهود ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من الدنيا يأخذونه بدله من سَفَلتهم فلا يُظهرونه خوفَ فوتِه عليهم ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا النَّار﴾ لأنها مآله ﴿وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة﴾ غضبًا عليهم ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ يُطهرهم من دَنَس الذنوب ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلمٌ، هو النار. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أخذوها بدله في الدنيا ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ المُعدّةِ لهم في الآخرة لو لم يكتموا ﴿فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَى النَّار﴾ أي: ما أشدَّ صبرَهم، وهو تعجيبٌ للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة، وإلَّا فأيُّ صبرٍ لهم؟ ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذُكِر من أكلهم النار وما بعده ﴿بِأَنَّ﴾ بسبب أنَّ ﴿اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ﴾ مُتعلق بـ «نزل» فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمِه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَاب﴾ بذلك، وهم اليهود، وقيل: المشركون، في القرآن حيث قال بعضُهم: شِعرٌ، وبعضُهم: سِحرٌ، وبعضُهم: كهانةٌ ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾ خِلافٍ ﴿بَعِيد﴾ عن الحقِّ.
стр. 353
وقولُ المؤلفِ: (وهم اليهود): يُشيرُ إلى أنَّ الآية نزلت في اليهود، ولكنْ العبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما في الآية من ذمٍّ ووعيدٍ يَعمُّ كلَّ مَنْ كتم شيئًا مما أنزله الله من أهل الكتاب أو من هذه الأمة.
وقولُه: (وهم اليهود … ) إلى آخره: الصوابُ أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في اليهود والنصارى والمشركين، يشهدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ … ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١١٣]، وكلُّ هؤلاء المختلفين مُبطلون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
وقولُه: (خلافٍ): فسَّرَ الشِّقاقَ بالخلاف، وهذا ضعيفٌ، فليس كلُّ خِلافٍ شِقاق؛ فإنَّ الشِّقاقَ: خِلافٌ مُتضمِّنٌ للعداوةِ والمنابذةِ والتباعدِ بين المختلفين (١).
* * *
стр. 354
وقوله تعالى: ﴿* لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]:
هذه الآيةُ متصلةٌ في المعنى بالآيات المتقدمة في شأن القبلة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله ردًّا على الطاعنين في تحويل القبلة من اليهود وغيرهم: ﴿قُلْ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآية للآيات التي قبلها من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وقد سَبقَ أنها نزلت في اليهود وأشباههم، وقد رجَّح ابنُ جرير ما رواه عن قتادة؛ أنَّ هذه الآيةَ نزلت في اليهود والنصارى؛ لأنَّ النصارى يستقبلون المشرق، واليهود يستقبلون المغرب (١)، وكلٌّ يرى أنَّ البرَّ في قبلته، فأَكذبهم اللهُ بقوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، وقد أَيَّدَ ابنُ جرير اختياره ذلك بأنَّ سِياقَ هذه الآية متصلٌ بالآيات قبلها النازلة في أهل الكتاب.
وقد بيَّنَ في هذه الآية حقيقةَ البر، وهو كلُّ ما يُحبُّه الله من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة، ونفى سبحانه أن يكون من البرِّ مجرَّد تولية الوجه جِهةَ المشرق أو المغرب، وإنما يكون ذلك من البر إذا أَمرَ اللهُ به؛ فقال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، والبر: خبر «ليس» مقدم منصوب، واسمها: المصدر المؤول من أن، والفعل ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾، التقدير: ليس البر توليتكم وجوهكم، ولبيانِ حقيقةِ البر قال سبحانه:
стр. 355
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ … ﴾ إلى آخر الآية، فتضمَّنت الآيةُ أنَّ من البر الإيمانُ بالأصول الخمسة؛ وهي: الإيمانُ بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب -أي: الكتب- والنبيين، وهذه أُصولُ الاعتقاد.
ثم ذكر ما يَدخل في البرِّ من العبادات المالية والبدنية من فرضٍ وتطوع؛ فقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾، ومن البرِّ الوفاءُ بالعهود والصبرُ على المصائب وفي الجهاد، وهذا ما تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ﴾، ثم خُتمت الآيةُ بنَعْتِ مَنْ تقدَّمَ ذِكرُهم في الصدق والتقوى؛ فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (١٧٧)﴾.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾: على حذف مُضافٍ تقديرُه: ولكنَّ البرَّ إيمانُ وعملُ مَنْ آمنَ بالله … إلى آخره (١)، ومع ما تقدَّمَ فقد تضمَّنت الآيةُ بيانَ مواضعِ الإنفاقِ المستحبِّ في قوله تعالى: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾، مع النصِّ على أَوجب الواجبات العملية؛ وهي: الصلاة، والمالية؛ وهي: الزكاة، وذو القربى: هم القرابة من جهة الأبوين، فيدخل فيهم الأخوةُ والأخواتُ وأولادُهم، والأعمامُ والعمَّاتُ وأولادهم، والأخوالُ والخالاتُ وأولادهم، والأجدادُ والجدَّاتُ، ويدخل في ذوي القُربى الذريةُ من بنينَ وبنات. وأمَّا اليتامى: فواحدُهم يتيم؛ وهو مَنْ مات أبوه قبل أن يَبلُغَ، والغالبُ أن يكون فقيرًا. والمساكينُ: جمعُ مسكين، وهو مَنْ لا يملكُ كِفايتَه من مَطعمٍ ومَشربٍ ومَلبسٍ ومَسكنٍ.
وابنُ السبيل: هو المنقطعُ به في سفره.