← Тафсир

Тафсир · id 288

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ 1

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (688 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: أي: استبدلوا الضلالة، وهو كتمانُ العلم وإيثارُ الدنيا على الآخرة؛ استبدلوا هذا بالهدى؛ وهو: بيانُ الكتاب، وتبليغُه للناس، وإيثارُ ما عند الله من الثواب للمؤمنين والعاملين بالكتاب، والآية نزلت في أهل الكتاب، والمراد بهم: اليهود (١)، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا … ﴾ الآية [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] (٢). وقوله: ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾: يعني: اشتروا العذابَ بالمغفرة؛ لأنهم اشتروا الضلالة -وهي سبب العذاب- بالهدى، وهو: سبب المغفرة. وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار (١٧٥)﴾: تعجُّبٌ من صبرهم على عذاب الله، وهو الذي لا يُعذِّبَ مثل عذابه أحدٌ، ولا يدل هذا على أنهم يصبرون، لكن إيثارهم العذاب يُشعِر بأنَّ لهم صبرًا عليه مع أنهم صبروا أو لم يصبروا سواء عليهم (٣). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: اسمُ الإشارة راجعٌ لِمَا تقدَّم من الذم والوعيد للكاتمين ما أَنزل اللهُ المحرِّفين لكلام الله، يقول تعالى: ذلك بسبب أنَّ اللهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ؛ فكتموه وحرَّفوه ولم يتَّبعوه، والكتاب هو: القرآنُ أو التوراة أو كلَّ كتاب أنزله الله، والحق الذي في الكتاب: ما فيه من

стр. 352

الأخبار والشرائع، ومنها الخبرُ بصفة النبي محمد ﷺ ، والأمر بالإيمان به واتباعه، فكتَمَه هؤلاء وآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ مع أنه كله حق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد (١٧٦)﴾؛ أي: مشاقة لله ورسوله، وهي العداوةُ والمحاربة، وفي هذه الآيات عودٌ إلى ذكر مساوئ أهل الكتاب الذين لا يُحرِّمون ما حرَّمَ اللهُ ورسولُه، ومن ذلك الخنزير، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآيات للآيتين قبلها. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَابِ﴾ المشتملِ على نعتِ محمَّدٍ، وهم اليهود ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من الدنيا يأخذونه بدله من سَفَلتهم فلا يُظهرونه خوفَ فوتِه عليهم ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا النَّار﴾ لأنها مآله ﴿وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة﴾ غضبًا عليهم ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ يُطهرهم من دَنَس الذنوب ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلمٌ، هو النار. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أخذوها بدله في الدنيا ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ المُعدّةِ لهم في الآخرة لو لم يكتموا ﴿فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَى النَّار﴾ أي: ما أشدَّ صبرَهم، وهو تعجيبٌ للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة، وإلَّا فأيُّ صبرٍ لهم؟ ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذُكِر من أكلهم النار وما بعده ﴿بِأَنَّ﴾ بسبب أنَّ ﴿اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ﴾ مُتعلق بـ «نزل» فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمِه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَاب﴾ بذلك، وهم اليهود، وقيل: المشركون، في القرآن حيث قال بعضُهم: شِعرٌ، وبعضُهم: سِحرٌ، وبعضُهم: كهانةٌ ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾ خِلافٍ ﴿بَعِيد﴾ عن الحقِّ.

стр. 353

وقولُ المؤلفِ: (وهم اليهود): يُشيرُ إلى أنَّ الآية نزلت في اليهود، ولكنْ العبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما في الآية من ذمٍّ ووعيدٍ يَعمُّ كلَّ مَنْ كتم شيئًا مما أنزله الله من أهل الكتاب أو من هذه الأمة. وقولُه: (وهم اليهود … ) إلى آخره: الصوابُ أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في اليهود والنصارى والمشركين، يشهدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ … ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١١٣]، وكلُّ هؤلاء المختلفين مُبطلون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. وقولُه: (خلافٍ): فسَّرَ الشِّقاقَ بالخلاف، وهذا ضعيفٌ، فليس كلُّ خِلافٍ شِقاق؛ فإنَّ الشِّقاقَ: خِلافٌ مُتضمِّنٌ للعداوةِ والمنابذةِ والتباعدِ بين المختلفين (١). * * *

стр. 354

وقوله تعالى: ﴿* لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]: هذه الآيةُ متصلةٌ في المعنى بالآيات المتقدمة في شأن القبلة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله ردًّا على الطاعنين في تحويل القبلة من اليهود وغيرهم: ﴿قُلْ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآية للآيات التي قبلها من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وقد سَبقَ أنها نزلت في اليهود وأشباههم، وقد رجَّح ابنُ جرير ما رواه عن قتادة؛ أنَّ هذه الآيةَ نزلت في اليهود والنصارى؛ لأنَّ النصارى يستقبلون المشرق، واليهود يستقبلون المغرب (١)، وكلٌّ يرى أنَّ البرَّ في قبلته، فأَكذبهم اللهُ بقوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، وقد أَيَّدَ ابنُ جرير اختياره ذلك بأنَّ سِياقَ هذه الآية متصلٌ بالآيات قبلها النازلة في أهل الكتاب. وقد بيَّنَ في هذه الآية حقيقةَ البر، وهو كلُّ ما يُحبُّه الله من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة، ونفى سبحانه أن يكون من البرِّ مجرَّد تولية الوجه جِهةَ المشرق أو المغرب، وإنما يكون ذلك من البر إذا أَمرَ اللهُ به؛ فقال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، والبر: خبر «ليس» مقدم منصوب، واسمها: المصدر المؤول من أن، والفعل ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾، التقدير: ليس البر توليتكم وجوهكم، ولبيانِ حقيقةِ البر قال سبحانه:

стр. 355

﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ … ﴾ إلى آخر الآية، فتضمَّنت الآيةُ أنَّ من البر الإيمانُ بالأصول الخمسة؛ وهي: الإيمانُ بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب -أي: الكتب- والنبيين، وهذه أُصولُ الاعتقاد. ثم ذكر ما يَدخل في البرِّ من العبادات المالية والبدنية من فرضٍ وتطوع؛ فقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾، ومن البرِّ الوفاءُ بالعهود والصبرُ على المصائب وفي الجهاد، وهذا ما تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ﴾، ثم خُتمت الآيةُ بنَعْتِ مَنْ تقدَّمَ ذِكرُهم في الصدق والتقوى؛ فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (١٧٧)﴾. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾: على حذف مُضافٍ تقديرُه: ولكنَّ البرَّ إيمانُ وعملُ مَنْ آمنَ بالله … إلى آخره (١)، ومع ما تقدَّمَ فقد تضمَّنت الآيةُ بيانَ مواضعِ الإنفاقِ المستحبِّ في قوله تعالى: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾، مع النصِّ على أَوجب الواجبات العملية؛ وهي: الصلاة، والمالية؛ وهي: الزكاة، وذو القربى: هم القرابة من جهة الأبوين، فيدخل فيهم الأخوةُ والأخواتُ وأولادُهم، والأعمامُ والعمَّاتُ وأولادهم، والأخوالُ والخالاتُ وأولادهم، والأجدادُ والجدَّاتُ، ويدخل في ذوي القُربى الذريةُ من بنينَ وبنات. وأمَّا اليتامى: فواحدُهم يتيم؛ وهو مَنْ مات أبوه قبل أن يَبلُغَ، والغالبُ أن يكون فقيرًا. والمساكينُ: جمعُ مسكين، وهو مَنْ لا يملكُ كِفايتَه من مَطعمٍ ومَشربٍ ومَلبسٍ ومَسكنٍ. وابنُ السبيل: هو المنقطعُ به في سفره.

стр. 356

وقوله: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾: جمعُ سائلٍ؛ وهو الذي يسألُ الناسَ لأنه لا يجد كِفايته. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: أي: الإنفاقُ في الرقاب بالعِتقِ وفكِّ الأسير المسلم. وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾: عُطفا على ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾، وكأنهما شرطٌ في قَبول إيتاء المال على حبه، والصلاةُ هي: الصلواتُ الخمسُ المكتوبة على العباد في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وإقامتُها: أداؤها بشروطها وواجباتِها وأركانها وأوقاتها. والزكاةُ هي: زكاةُ المالِ المفروضة التي هي قرينةُ الصلاة في الكتاب والسنَّة. وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾: عطفٌ على محل ﴿مَنْ﴾ وهو الرفع الواقعة خبر «لكنَّ»، وهو ثناءٌ من الله على مَنْ آمن بالله واليوم الآخر بأنهم يوفون بالعهود التي بينهم وبين الله؛ كالنذر، أو بينهم وبين العباد؛ ومنها عقود المعاملات. وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾: نُصِب على الاختصاص. ﴿فِي الْبَأْسَاء﴾: يعني الفقر. ﴿والضَّرَّاء﴾: المرضُ. والبأس: القتالُ (١). ثم أثنى عليهم بكمال الصدق والتقوى؛ فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (١٧٧)﴾، وعُلِم من ذلك أنَّ جميعَ خِصال البرِّ داخلةٌ في اسم التقوى، وهي عنوانُ الصدق في الإيمان؛ فعُلم مما تقدَّم أنَّ اسمَ البر شاملٌ لجميع مسائلِ الدِّين الاعتقاديةِ والعمليةِ المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده (٢)، وعُلِمَ أيضًا أنَّ هذه الآيةَ أَجمعُ آيةٍ لأصول الدِّين وفروعِه إجمالًا في المنهيَّات وتفصيلًا في المأمورات.

стр. 357

﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ في الصلاة ﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ نزل ردًّا على اليهود والنصارى حيث زعموا ذلك ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ أَي: ذا البر، وقُرئَ البار ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ أي الكتب ﴿وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى﴾ مع ﴿حُبِّهِ﴾ له ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ القرابة ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ الطالبين ﴿وَفِي﴾ فكِّ ﴿الرِّقَابِ﴾ المكاتبين والأَسرى ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ المفروضةَ وما قبله في التطوع ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ اللهَ أو الناسَ ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ نصب على المدح ﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ شدَّة الفقر ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ وقت شدَّة القتال في سبيل الله ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانهم أو ادعاء البر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الله. وقولُ المؤلِّف: (وقُرئ البار): هذه قراءةٌ غيرُ معروفة (١). وقولُه: (أي: الكتب): يُبيِّنُ أنَّ الكتاب اسمُ جنسٍ، فيشمل كلَّ كُتب الله. وقولُه: (مع حبه): أي: يُنفقون المال، وهم: يحبونه، وبهذا ينال البر؛ كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].

стр. 358

وقولُه: (له): الضميرُ يعودُ إلى المال لأنه المحبوب، والضمير في قوله: ﴿حُبِّهِ﴾ يعود إلى المؤتي للمال؛ أي: المنفق، وعليه فالمصدرُ مضافٌ إلى فاعله، وهو المحب. وقولُه: (الطالبين): أي: الطالبين للعطاء. وقولُه: (فك): أي: يُنفقون المالَ في فك الرقاب؛ أي: العتق. وقولُه: (المكاتبين والأسرى): يُبيِّنُ أنه يدخل في فكِّ الرقابِ مُكاتبةُ المملوك وتخليصُ الأسير المسلم عند الكفار. وقولُه: (الله أو الناس): يُبيِّنُ أنَّ العهد الذي يوفي به المؤمنون بالله واليوم الآخر شاملٌ للعهد الذي بينهم وبين الله، أو بينهم وبين الناس. وقولُه: (نُصِب على المدح): إذا قُطِعَ الوصفُ عمَّا قبله فإنه يُنصَب؛ فيقال: منصوبٌ على المدح، أو منصوبٌ على الاختصاص؛ أي: إنه منصوبٌ بفعل محذوف: أمدح، أو أخص. وقولُه: (في إيمانهم … ) إلى آخره: الصوابُ: أنهم صدقوا في إيمانهم وفي أعمالهم، وهذا يتضمَّنُ كمالَ إخلاصهم واجتهادهم. * * *

стр. 359

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٨ - ١٧٩]: هذا خطابٌ من الله لعباده المؤمنين؛ لإعلامهم بحُكمٍ كتبه اللهُ عليهم وهو القصاص في القتلى، ومعنى الآية عند جمهور العلماء من المفسرين وغيرهم: هو وجوبُ القصاص على القاتل عمدًا عدوانًا (١)، وأنَّ ذلك حقٌّ لأولياء المقتول، فمَن شاء أَخذ به ومَن شاء عفا عن القصاص إلى الدِّية أو مجانًا؛ فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾: خطابٌ لكلِّ مَنْ وجبَ عليه القصاصُ، ولولاة الأمر في تنفيذه. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾: أَي كتب اللهُ عليكم؛ أي: أَوجب، و ﴿الْقِصَاصُ﴾ في اللغة: مأخوذٌ من قَصِّ الأَثرِ، وهو تتبُّعه (٢)، وفي الشرع: قتلُ القاتل، وأَن يُفعَل به نظير ما فعله بالمقتول. وقوله: ﴿فِي الْقَتْلَى﴾: جمعُ قتيلٍ، والمعنى: في شأن القتلى، وهذا الحكمُ مجمَلٌ فصَّله بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾، ومعنى الآية: أَنَّ الحرَّ القاتل يُقتَلُ بالحر، ومفهومه: أنه لا يُقتَل بالعبد، وأَنَّ العبدَ القاتلَ يُقتَلُ بالعبد، ومن باب أولى أَنْ يُقتَلَ بالحرِّ، وأَنَّ المرأة القاتلة تُقتَلُ بالمرأة، ومن

стр. 360

باب أولى أَنْ تُقتَلَ بالرجل، وقد دلَّت السنَّةُ على أَنَّ الرجلَ يُقتَل بالمرأة (١)، كما دلَّت السنَّةُ على أَنَّ المسلمَ لا يُقتَلُ بالكافر (٢). ثم بيَّنَ سبحانه حُكمَ ما إذا عُفي للقاتل شيءٌ من دم أخيه المقتول، بأَنْ عفا أولياءُ الدم أو بعضُهم عن القصاص إلى الدِّية، ووجبت الدِّيةُ في مال القاتل؛ فعلى العافي اتباعُ القاتل في طلب الدِّية بالمعروف؛ أي: بلا تعنُّتٍ ولا إشقاقٍ، وعلى القاتل أَداءُ الدِّيةِ إلى العافي بإحسانٍ؛ بلا مَطلٍ ولا بَخسٍ من الواجب عليه. و «من» في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾: اسمُ شرطٍ أو اسمُ موصول مُضمَّنٌ معنى الشرط، وهو عبارةٌ عن القاتل. وقوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: جوابُ الشرط، وهو مبتدأ، وخبرُه محذوفٌ تقديره: (فعليه)؛ أي: العافي وهو ولي الدم. و ﴿عُفِيَ﴾: فعلٌ مَبنيٌّ للمفعول، ونائبُ الفاعل ﴿شَيْءٌ﴾، والضميرُ في قوله: ﴿لَهُ﴾، وفي قوله: ﴿أَخِيهِ﴾ يعود إلى «مَنْ»، وهو القاتل، والجار والمجرور في قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: صفةٌ لاتِّباع. وجملة: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: معطوفةٌ على: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ﴿وَأَدَاءٌ﴾: مبتدأ، وخبره محذوفٌ تقديره: وعلى القاتل أداءُ ما وجب عليه بإحسان. والضمير في قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾: عائدٌ إلى ولي الدم؛ وبعد: فتقديرُ الكلام في معنى الجملة: القاتلُ الذي عفا له وليُّ الدم شيئًا من دم أخيه المقتول،

стр. 361

ووجبت عليه الدِّيةُ؛ فعلى العافي إذن طلبُ الدِّية بالمعروف، وعلى القاتل أداؤها إلى الولي بإحسان. وقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: اسمُ الإشارة راجعٌ إلى حكم التخيير بين القصاص والعفو إلى الدية، فإنه تخفيفٌ من الله في هذه الشريعة بعد أَنْ كان القصاص حتمًا في شريعة التوراة (١)، وهذا من رحمة اللهِ التي قامت عليها رسالةُ محمد ﷺ ؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وفي ذكر هذا التخفيف والرحمة امتنانٌ من الله على هذه الأُمَّةِ بهذه النعمة. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم (١٧٨)﴾: تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ لمَن اعتدى بعد العفو وأَخذَ الدِّيةَ، و «مَنْ»: اسمُ شرطٍ أو اسمُ موصولٍ مُتضمِّنٌ لمعنى الشرط. وقوله: ﴿فَلَهُ﴾: جوابُ الشرط، وهو وعيدٌ شديدٌ للمعتدي بعد العفو وأَخْذِ الدِّية، والمراد بالعذاب؛ قيل: تحتمُ القتل على المعتدي، وقيل: المرادُ به عذابُ الآخرة، وهو أظهرُ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٧٩)﴾: خبرٌ من الله عن حكمة فرضِ القصاص، وهو أنَّ للناس في القصاص حياة بسبب سلامتِهم من فُشُوِّ القتل فيهم؛ لأنَّ في القصاص رادعًا يمنع من الإقدام

стр. 362

على القتل، وخصَّ الخطاب بأولي الألباب -وهي العقول الزكية-؛ لأنهم يُدركون ما في الشرائع من الحكم التي يعود نفعُها إلى الناس. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٧٩)﴾: أي: لتتقوا اللهَ بفعل ما فرض عليكم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ فُرِضَ ﴿عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ المماثلةُ ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ وصفًا وفعلًا ﴿الْحُرُّ﴾ يُقتَلُ ﴿بِالْحُرِّ﴾ ولا يُقتَلُ بالعبد ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ وبيَّنت السنَّةُ أَنَّ الذَّكرَ يُقتَلُ بها، وأنه تُعتبَرُ المماثلةُ في الدِّين؛ فلا يُقتَلُ مسلمٌ ولو عبدًا بكافرٍ ولو حرًّا ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ من القاتلين ﴿مِنْ﴾ دمِ ﴿أَخِيهِ﴾ المقتول ﴿شَيْءٌ﴾ بأَنْ تركَ القصاص منه، وتنكيرُ «شيء» يُفيدُ سقوطَ القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة، وفي ذكر «أخيه» تعطُّفٌ داعٍ إلى العفو وإيذانٌ بأنَّ القتلَ لا يقطع أُخوَّةَ الإيمان. ومَن: مبتدأ، شرطية أو موصولة، والخبر: ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ أي: فعلى العافي اتباع للقاتل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بأَنْ يُطالبه بالدِّية بلا عُنفٍ. وترتيب «الاتّباع» على «العفو» يُفيدُ أَنَّ الواجبَ أحدُهما، وهو أحدُ قولي الشافعي، والثاني: الواجبُ القصاص والدِّيةُ بدلٌ عنه، فلو عفا ولم يُسمِّها فلا شيء، ورُجِّح ﴿وَ﴾ على القاتل ﴿أَدَاءٌ﴾ للدِّية ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: العافي؛ وهو الوارث ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بلا مطلٍ ولا بخسٍ ﴿ذَلِكَ﴾ الحكمُ المذكورُ من جواز القصاص والعفو عنه على الدِّية ﴿تَخْفِيفٌ﴾ تسهيلٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ عليكم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بكم، حيث وسَّعَ في ذلك ولم يُحتِّمْ واحدًا منهما كما حتَّمَ على اليهود القصاص وعلى النصارى الدِّية ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ ظلمَ القاتل بأَنْ قتله ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: العفو ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلمٌ في الآخرة بالنار، أو في الدنيا بالقتل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي بقاءٌ عظيمٌ ﴿يَا أُولِي

стр. 363

الألْبَابِ﴾ ذوي العقول؛ لأَنَّ القاتلَ إذا عَلِمَ أنه يُقتَلُ ارتدعَ؛ فأحيا نفسَه ومَن أراد قَتْلَه، فشَرَعَ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ القتلَ مخافةَ القَوَدِ. وقولُ المؤلِّف: (المماثلة): يُريد المماثلةَ في صفة قتلِ القاتل؛ بأنْ تكون مثل ما فعلَه القاتلُ بالمقتول. وقولُه: (وصفًا وفعلًا): يريد أَنَّ القصاص -وهو المماثلة- يُراعَى في الوصف؛ كالحرية والعبودية والذكورية والأنوثة، وفي الفعل؛ وهي صفة القتل، ونوع الآلة. وقولُه: (يُقتَلُ): تقديرٌ لمتعلقٍ بالحرِّ، ومثله العبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى. وقولُه: (ولا يُقتَلُ بالعبد): يُشير إلى مفهوم القيد بقوله: ﴿بِالْحُرِّ﴾. وقولُه: (من القاتلين): بيانٌ للمراد بـ ﴿مَنْ﴾. وقولُه: (دمِ): يُبيِّنُ أَنَّ ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ على تقدير مضاف؛ أي: شيءٌ من دم أخيه. وقولُه: (المقتول): يُبيِّنُ أَنَّ المراد بالأخ المضافِ إلى الضمير هو المقتولُ، والضميرُ يعود للقاتل، فأثبت أُخوَّةَ الدِّين بين القاتل والمقتول. وقولُه: (بأن ترك القصاص منه): أَي بالعفو. وقولُه: (يفيد … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ القصاصَ يسقطُ ولو بالعفو عن شيءٍ من دم المقتول؛ كعفوِ بعضِ الورثة. وقولُه: (وفي ذكر أخيه … ) إلى آخره: يُشير إلى أَنَّ إثباتَ الأخوة بين القاتل والمقتول باعثٌ للأَولياء إلى العفو ودالٌّ على بقاء أُخُوَّة الإيمان. وقولُه: (فعلى العافي … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ ﴿اتِّبَاعٌ﴾ مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ فالمعنى: الواجبُ على العافي أَنْ يُطالِبَ القاتلَ بالدِّية برفقٍ وتسامحٍ. وقولُه: (وترتيب الاتّباع على العفو … ) إلى آخره: تضمَّنَ كلامُه أمورًا:

стр. 364

أحدها: أَنَّ ترتيبَ الاتّباع -وهو مُطالبة القاتلِ بالدِّية على العفو- يُفيدُ أَنَّ الواجبَ القصاص أو الدية، وأَنَّ وليَّ الدمِ مُخيَّرٌ بين القصاص أو العفو إلى الدية. الثاني: أَنَّ للإمام الشافعي في هذا المقام قولين، هذا أحدهما، والقول الثاني: أَنَّ الواجبَ هو القصاصُ، والدِّيةُ بدلٌ عنه، وهو الراجحُ في مذهب الشافعي (١). الأَمرُ الثالثُ: بيَّنَ المؤلفُ ما يترتَّبُ على القول الثاني؛ وهو أَنَّ الوليَّ إذا عفا ولم يذكر الدِّيةَ سقطَ القصاص، ولم تجب له الدِّيةُ، والراجح في الدليلُ هو القولُ الأوَّلُ؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إمَّا أَنْ يفدى، وإمَّا أن يقتل)) (٢). وقولُه: (على القاتل): يُبيِّنُ أَنَّ أداءَ مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ؛ أي: وعلى القاتل أداءُ الدِّية بإحسانٍ، والضميرُ في قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ يعود إلى الولي الذي عفا. وقولُه: (للدية): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالأداء أداءُ القاتل للدية لولي الدم العافي. وقولُه: (بلا مطلٍ ولا بخسٍ): يُبيِّنُ بذلك المرادَ بالإحسان في أداء الدية. وقولُه: (الحكم المذكور … ) إلى آخره: هو الحكمُ المذكورُ في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ … ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، فأفادت الآيةُ التخييرَ بين القصاص والعفو إلى الدية. وقولُه: (حيث وسَّع في ذلك … ) إلى آخره: بيَّنَ بذلك وجهَ التخفيف في هذه الشريعة. وقولُه: (ظلم القاتل بأن قتله): بيَّنَ أَنَّ المرادَ بالاعتداء في الآية؛ هو أَنْ يقتلَ وليُّ الدمِ القاتلَ بعد عفوه عنه، فإنه بعد العفو صار معصومًا.

стр. 365

وقولُه: (مؤلمٌ في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل): جعل المرادَ بالعذاب شاملًا لعذاب الآخرة وللعذاب في الدنيا بالقتل، والأظهرُ أَنَّ المرادَ به عذابُ الآخرة. وقولُه: (بقاءٌ عظيمٌ): البقاءُ بسبب الانكفاف عن العدوان بقتل النفوس بسبب القصاص. وقال المؤلِّف: (عظيم)؛ لتنكير حياة، ومن دلالات التنكيرِ التعظيمُ. وقولُه: (لأَنَّ القاتلَ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ في شريعة القصاص حياة لمن يُريدُ القتلَ ومَن يُرادَ قتلُه. وقولُه: (القتل): هذا تقديرٌ لمفعول ﴿تَتَّقُونَ﴾، ومعناه: الكف عن القتل مخافةَ القتل، والأولى أَنَّ معنى ﴿تَتَّقُونَ﴾: أي تتقون الله (١)، ومَن اتقى اللهَ كفَّ عن حُرماته. * * *

стр. 366

وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]. هذا خبرٌ من الله بأنه كتب؛ أي: فرض على مَنْ حضرَه الموتُ؛ كالذي وجبَ عليه القصاصُ، وبهذا تظهرُ مناسبةُ الآيةِ لِمَا قبلها. وقوله: ﴿كُتِبَ﴾: على تقدير واو العطف؛ أي: وكُتب. ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾: أي: مالًا، أن يوصي لوالديه وأَقربائه بالمعروف؛ أي: بالقَدْر المعروف الذي لا إفراطَ فيه ولا تفريط. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين (١٨٠)﴾: أي: واجبًا على المتقين الذين يرجون لقاءَ الله ويخافونه، فحقًا: مصدرٌ مؤكَّدٌ لمضمون الجملة السابقة؛ فالمعنى: أَحقَّ اللهُ ذلك الحكم حقًا. وقد دلَّت الآيةُ على وجوب الوصية للوالدين والأقربين، وذهب جمهورُ العلماء إلى أنها منسوخة بآية المواريث مع قوله ﷺ : ((إنَّ اللَّهَ قد أَعطى كلَّ ذي حقٍّ حَقَّه، فلا وصيَّةَ لوارثٍ)) (١)، وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أَنَّ الآيةَ محكمةٌ؛ أي: ليست منسوخةً، قالوا: إنَّ آيات المواريث والحديث مخصِّصةٌ لهذه الآية؛ فتجبُ الوصيةُ للوالدين والأقربين غير الوارثين، ومن

стр. 367

المقرر في الأصول: أنه إذا أَمكن الجمعُ فلا يُصار إلى النسخ، وهذا أقرب، والله أعلم (١). وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾: أي: بدَّل كلامَ الموصي بالزيادة أو النقص أو التحريف، ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ من الموصي؛ فإثم ذلك التبديل على المُبدِّل. وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (١٨١)﴾: إخبارٌ من الله بإحاطة سمعِه بأقوال العباد، وإحاطةِ علمِه بأحوالهم ونياتهم، وفي ذلك تهديدٌ لمن يُبدِّلُ كلامَ الموصي، ومَن يُضارُّ في وصيته ويتعدَّى؛ بإعلامه أنَّ اللهَ سامعٌ لأقواله وعالمٌ بحاله فيجبُ الحذرُ من نقمته. وقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُّوصٍ جَنَفًا … ﴾ الآية: هذا خبرٌ من الله بأنَّ مَنْ حضر عند الموصي، وخاف أَنْ يميلَ في وصيته عن الحق؛ كأن يوصي لوارثٍ، أو يوصي بأكثر من الثلث، أو خاف أن يرتكب الموصي إثمًا؛ أي: معصية؛ كأَنْ يوصي لمَن يستعين بالوصية على معصية، فمَن عَلم من الموصي شيئًا من ذلك فصرفه عنه وأَصلح بينه وبين ورثته؛ فلا إثم عليه. وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٨٢)﴾: وعدٌ من الله بالمغفرة لمن تاب أو كانت معصيتُه خطأً، كما يدلُّ اسمُه الرَّحيم على أَنَّ هذه الأَحكام من آثار رحمته بعباده. ﴿كُتِبَ﴾ فُرض ﴿عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: أَسبابُه ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ مالًا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مرفوعٌ بكُتب، ومُتعلقُ «إذا» إن كانت ظرفية، ودالٌّ على جوابها إن كانت شرطيةً، وجواب «إن» محذوفٌ؛ أي: فليوصِ

стр. 368

﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالعدل؛ بألَّا يزيد على الثلث، ولا يُفضِّلَ الغنيَّ ﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكَّدٌ لمضمون الجملة قبله ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ اللهَ، وهذا منسوخٌ بآية الميراث وبحديث: ((لا وصيَّةَ لوارثٍ)) رواه الترمذي ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ أي: الإيصاءُ، مِنْ شاهدٍ ووصيٍّ ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ عَلِمَه ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ أي: الإيصاءُ المبدَّلُ ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فيه إقامةُ الظاهر مُقامَ المضمَر ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقول الموصي ﴿عَلِيمٌ﴾ بفعل الوصي، فمُجازٍ عليه ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ مخففًا ومثقلًا ﴿جَنَفًا﴾ ميلًا عن الحقِّ خطأً ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ بأَنْ تعمَّدَ ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلًا ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الموصي والموصَى له بالأمر بالعدل ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقولُ المؤلِّف: (أي: أسبابه): يُبيِّنُ أنَّ المرادَ بحضور الموت: حضورُ أسبابِه؛ لأنه لا يُعرَفُ إلا بوجود أسبابه وأماراته. وقولُه: (مالًا): فسَّرَ الخيرَ بالمال؛ لأَنَّ الخيرَ من أسماء المال (١)، وقيل المراد به هنا: المالُ الكثير (٢). وقولُه: (مرفوعٌ بكُتب … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الوصيةَ نائبُ فاعلِ «كُتب»؛ لأنَّ الفعلَ مبنيٌّ للمفعول.

стр. 369

وقولُه: (بالعدل): هذا تفسيرُ المعروف، ثم بيَّن أَنَّ العدلَ ما وافق الشرعَ، وضدَّه ما خالفه. وقولُه: (وهذا منسوخٌ … ) إلى آخره: تقدَّم في التفسير ذِكرُ الخلاف في نسخ الآية. وقولُه: (عَلِمَه): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالسماع: العلمُ؛ سواء حصلَ بالسماع أو بطريقٍ أخرى. وقولُه: (الإيصاءُ المبَدَّلُ): هذا يقتضي أَنَّ الضمائرَ الثلاثةَ كلها تعودُ إلى الإيصاء، والأظهرُ أَنَّ الضميرَ الثالث في قوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ يعود على التبديل المفهوم من قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ (١). وقولُه: (فيه إقامة الظاهر مقام المضمر): يُريد بالظاهر: الاسمَ الموصول ﴿الذين﴾، فإنَّ التركيب يقتضي: فإنما إثمه عليهم. وقولُه: (لقول الموصي، وبفعل الوصي): الصواب: عدمُ التقييد، فاللهُ سميعٌ لقول الموصي والوصي والمبدل وغيرهم، عليمٌ بأحوالهم وأفعالهم. وقولُه: (مخففًا ومثقلًا): يريد: الصاد من «موصي»؛ لأَنَّ فيها قراءتين؛ التخفيفُ من أوصى، والتشديدُ من وصَّى (٢). وقولُه: (ميلًا عن الحق خطأً): إمَّا بالزيادة على الثلث، أو بالوصية لوارث، بدليل مقابلته بالإثم.

стр. 370

وقولُه: (بأن تعمد … ) إلى آخره: هذا يؤكِّدُ أَنَّ الجنفَ: هو المخالفةُ لحكمِ الشرع خطأً، والإثمُ: هو المخالفة عمدًا (١). وقولُه: (بين الموصي والموصى له … ) إلى آخره: وكذا بين الموصي وورثته، وذلك بصرف الموصي عمَّا يُخالِفُ أَحكامَ الوصية في الشريعة، وإقناع الورثة والموصَى له بقبول الوصيةِ الجارية على وِفق الشريعةِ، أو ترغيبهم في إجازة ما تتوقَّفُ صحَّتُه على إجازتهم. وقولُه: (في ذلك): أي: الإصلاح؛ لأَنَّ المصلحَ بينهم محسنٌ وما على المحسنين من سبيلٍ. * * *

стр. 371

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]: يُخبر تعالى عبادَه المؤمنين بأنه كتبَ عليهم الصيامَ كما كتبه على الذين من قبلهم من أَتباع الأنبياء؛ كموسى وعيسى. والصيامُ في اللغة: الإمساك (١)، وفي الشرع: إمساكٌ عن أشياءَ مخصوصةٍ مبيَّنةٍ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٢). و ﴿كُتِبَ﴾ معناه: فُرض كما تقدَّم. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣)﴾: بيانٌ للحكمة من فرض الصيام؛ أي: لتتقوا اللهَ بفعل ما فَرض عليكم من الصيام وغيره، ولأنَّ الصومَ مما يُعين على التقوى. وقوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾: ظرفٌ، فالمعنى: كُتب عليكم الصيامُ في أيامٍ معدوداتٍ، ووصْفُ الأيامِ بمعدوداتٍ يدلُّ على القِلَّة، وهو من وجوه التيسير في هذه الفريضة، وسيأتي تعيينُ هذه الأيام في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ﴾: معناه: مَنْ كان مريضًا وقتَ الصيامِ، أو كان مسافرًا فأفطرا لأنه يُباح لهما ذلك؛ فعلى مَنْ أَفطر عِدَّةٌ ﴿مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: فعليه عدَّةُ الأيام التي أفطر فيها من أَيامٍ أُخر، ومعناه: وجوبُ قضاءِ الأيامِ التي أَفطر فيها المريضُ أو المسافرُ. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: أَي: وعلى الذين يُطيقون الصيامَ فِديةٌ؛ أي: بدلٌ عن الصيام طعامُ مسكينٍ عن كلِّ يومٍ.

стр. 372

﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: بإطعام أكثر من مسكينٍ فهو خيرٌ له. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أَي: من الفدية، ومعنى هذا: أنَّ الذي يُطيقُ الصيامَ يُخيَّرُ بين الصيامِ والفديةِ، والصومٌ خيرٌ له، وهذا حكمٌ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فصار الصومُ حتمًا، ونُسِخَ التخييرُ، ولكن بقي حكمُ الفدية للشيخ والشيخة يَشقُّ عليهما الصيامُ؛ فيُباحُ لهما الفطرُ، ويُطعمان عن كلِّ يومٍ مسكينًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ فُرِضَ ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الأمم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ المعاصي، فإنه يكسرُ الشهوةَ التي هي مبدؤها ﴿أَيَّامًا﴾ نُصبَ بالصيام، أو بصوموا مقدَّرًا ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: قلائل، أو مؤقتات بعددٍ معلومٍ وهي رمضان كما سيأتي، وقلَّله تسهيلًا على المكلَّفين ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ حين شهودِه ﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي مسافرًا سفرَ القصر وأَجهدَه الصومُ في الحالين فأَفطرَ ﴿فَعِدَّةٌ﴾ فعليه عددُ ما أَفطر ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يصومها بدلَه ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ لا ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ لِكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجَى بُرؤه ﴿فِدْيَةٌ﴾ هي ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أي: قَدْرَ ما يأكلُه في يومه، وهو مُدٌّ من غالب قوتِ البلد، لكلِّ يومٍ، وفي قراءةٍ بإضافةِ «فِدية»؛ وهي للبيان، وقيل: «لا» غير مُقدَّرة، وكانوا مُخيَّرين في صدر الإسلام بين الصوم والفِدية ثم نُسخ بتعيين الصوم بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، قال ابن عباس: إلَّا الحاملُ والمرضعُ إذا أفطرتا خوفًا على الولد؛ فإنها باقيةٌ بلا نسخٍ في حقِّهما (١) ﴿فمن تطوع خيرًا﴾ بالزيادة

стр. 373

على القدر المذكورِ في الفِدية ﴿فَهْوَ﴾ أَي: التطوعُ ﴿خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإِفطار والفديةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خيرٌ لكم، فافعلوه. وقولُ المؤلِّف: (نصب بالصيام … ) إلى آخره: يُفيد أَنَّ أيامًا: ظرفٌ منصوبٌ، والعاملُ فيه إمَّا الصيامُ في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ فالتقدير: كُتبَ عليكم الصيامُ في أَيامٍ معدوداتٍ، أَوْ العاملُ فيه الأَمرُ المفهومُ من ﴿كُتب﴾، وتقديره: صوموا في أيامٍ معدوداتٍ. وقولُه: (قلائل … ) إلى آخره: هذا التفسيرُ مأخوذٌ من لفظِ ﴿معدودات﴾، فإنه يُشعرِ بقلةِ الأيام التي فُرض فيها الصيامُ، وفيه إشارةٌ إلى التيسير في هذه الفريضة. وقولُه: (حين شهوده): أي: وقتَ وجوبِه. وقولُه: (أي: مسافرًا سفر القصر): احترازٌ من السفر الذي لا يُباحُ فيه القصرُ؛ كسفرِ المعصية عند الجمهور (١). وقولُه: (وأجهده الصوم … ) إلى آخره: هذا تقييدٌ يُخالفُ ظاهرَ القرآن؛ وهو إباحةُ الفطر للمريض والمسافر مُطلقًا. وقولُه: (فعليه عدد ما أفطر): يُبيِّنُ أَنَّ «عدة» مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ قدَّره بقوله: (فعليه). وقولُه: (يصومها بدلَه): المعنى: فعليه صيامُ عدَّةِ الأيامِ التي أَفطرها من أَيامٍ أُخر قضاءً عن تلك الأيام.

стр. 374

وقولُه: (لا): هذا أَحدُ الأقوالِ في الآية، وأَنَّ قوله تعالى: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على تقدير: لا يُطيقونه، وهذا القولُ ضعيفٌ (١)؛ لأنه صرفٌ للآية عن ظاهرها؛ فظاهرها تخييرُ الذين يُطيقون الصيام بين الفدية والصيام؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وكان هذا في أَول الأمر ثم نسخ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فتعيَّنَ الصيامُ ونُسخَ التخييرُ (٢). وقولُه: (لِكِبَرٍ … ) إلى آخره: هذا مبنيٌّ على أَنَّ الآية في حكم ما لا يُطيقُ الصيام كما تقدَّم. وقولُه: (هي): يريد أَنَّ الطعامَ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديره «هي»؛ أي: الفديةُ طعامُ مسكينٍ عن كلِّ يومٍ، والأظهرُ أَنَّ ﴿طَعَامُ﴾ عطفُ بيانٍ لـ «فِدية» (٣). وقولُه: (أي: قدر ما يأكله في يومه … ): إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ القدرَ الواجبَ من الإطعام كفايةُ المسكين يومه من غالب قوت البلد. وقولُه: (وفي قراءة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنه قُرِئَ بإضافة ﴿فدية﴾ إلى طعام (٤)، والإضافةُ بيانية، فهي على تقدير «من»؛ فالمعنى: فديةٌ من طعام.

стр. 375

وقولُه: (وقيل: «لا» غير مقدرة): يُشيرُ إلى القول الصحيح في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، وهو أَنَّ الآيةَ على ظاهرها، وهو بيانُ حكمِ الذين يُطيقون الصيام؛ أي: يستطيعونه، وحُكمهم: التخييرُ بين الفِطر مع الفدية، وبين الصيام، وهو حكمٌ منسوخٌ كما ذكر المؤلف في آخر كلامه، والأَثرُ الذي ذكره عن ابن عباس يدلُّ على نسخ التخيير إلَّا في حقِّ الحاملِ والمرضعِ. وقولُه: (بالزيادة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ التطوعَ المذكورَ في الآية يكون بالزيادة على طعام مسكين. وقولُه: (أي: التطوع): يُبيِّنُ مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَه﴾؛ فالمعنى: فالتطوعُ بالزيادة على إطعام مسكينٍ واحدٍ خيرٌ؛ أي: أَكثرُ أجرًا. وقولُه: (مبتدأ): يُبيِّنُ أَنَّ المصدرَ المؤوَّلَ من «أن والفعل» مبتدأٌ، وخيرٌ خبرُه، والتقدير: وصومُكم خيرٌ لكم. وهذا ترغيبٌ في الصيام، وترجيحٌ له على الإفطار مع الفدية. وقولُه: (أنه خيرٌ لكم فافعلوه): يُبيِّنُ بهذا مفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾، وجوابُ الشرط ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾، وأَنَّ جوابَ الشرط محذوفٌ، وتقديره: فافعلوا. * * *

стр. 376

وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]: يُبيِّنُ تعالى في هذه الآية وقتَ الصيام الذي فرضه على عباده، وهو شهرُ رمضان، و ﴿شَهْرُ﴾ قُرِئ بالرفع والنصب (١): فعلى الرفع: يحتمل أنه خبرُ مبتدأ محذوف تقديره: هن؛ أي: الأيام المعدودات شهرُ رمضان، أو بدل من الصيام في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، على حذف مضافٍ أُقيمَ المضافُ إليه مقامه؛ أي: كُتبَ عليكم صيامُ شهر رمضان. وعلى النصب: مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ؛ أي: صوموا شهرَ رمضان، وإضافةُ شهر إلى رمضان من إضافة الشيء إلى اسمه؛ كيوم الخميس. وقوله تعالى: ﴿الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾: صفةٌ لشهر، ومعنى: إنزال القرآن فيه: ابتداءُ نزوله في ليلة القدر، وهي: ليلة من ليالي رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر (١)﴾ [القدر: ١]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]. وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾: أي: هاديًا للناس، فهو مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل نصب على الحال، أو مفعول لأجله؛ بمعنى: لهداية الناس.

стр. 377

وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾: معطوف على هدى؛ منصوب على الحال، وهو صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ أي: وآياتٍ بيناتٍ؛ أي: واضحاتٍ، ومُبيِّناتٍ للحقِّ والباطل وسبيل الرشد وسبيل الغي، وفي ذلك الهدى العاصم من الضلال، والفرقان العاصم من اللبس والالتباس. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: هذا أمرٌ من الله لمن كان عند دخول الشهر صحيحًا مقيمًا أن يصومَ الشهر، وقد ذهب جمعٌ من السلف من الصحابة وغيرهم إلى أنه يجب على مَنْ هذه حاله أَنْ يصومَ الشهرَ كلَّه، ولو سافر فلا يُباح الفطرُ في السفر إلَّا لمن دخل عليه الشهرُ وهو مسافرٌ (١)، وذهب جمهورُ العلماء أَنه يُباح الفطرُ للمسافر ولو قد صام أَوَّل الشهرِ في الحضر (٢)؛ لِمَا ثبت في السنَّةِ الصحيحة من أنه ﷺ سافر هو وأصحابه عامَ الفتح في رمضان، وكانوا صيامًا حتى بلغوا الكديد (٣) فأفطر ﷺ وأمر الناس بالفطر (٤)، وعلى هذا فقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أي: فليَصُم ما كان حاضرًا فيه من الشهر من أَوَّله أو آخره. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: أَنَّ مَنْ كان مريضًا أو مسافرًا فأَفطَر؛ فعليه صيامُ عِدَّةِ الأيام التي أفطرها من أَيامٍ أُخَر قضاءً، وجاء ذكر هذه الرخصة للمريض والمسافر بعد الأمر بصيام الشهر مَنْ كان حاضرًا صحيحًا مُقيمًا، كما ذُكِرت الرخصةُ بالفطر للمريض والمسافر بعد

стр. 378

الإخبار بفرض الصوم في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … ﴾، إلى قوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، ولعلَّ ذِكرَ الرُّخصةِ مرةً ثانيةً حتى لا يُظن نسخها بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: خبرٌ من الله -تعالى- عن حكمته في شرعه، ورحمته بعباده، فمبنى شريعته على اليُسر، وهو السهلُ المستطاعُ الذي لا مشقَّةَ فيه، ومن ذلك ما شرعه في أَمر الصيام، ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: وهو ضدُّ اليُسر، ونصَّ على نفيه توكيدًا، وهذه الإرادةُ هي الإرادةُ الشرعيةُ المتضمنة للمحبة؛ فالمعنى: يُحبُّ الله لكم اليُسرَ ولا يُحبُّ لكم العُسرَ، فالجملتان تعليلٌ لِمَا سبقَ من الأحكام المشتملة على التيسير. وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (١٨٥)﴾: الواو عاطفةٌ على مُقدَّرٍ يُفهَم من قوله: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾؛ فالمعنى: يسَّرَ اللهُ عليكم لتصوموا ما كتب عليكم من صيام شهر رمضان. ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾: إن كان فطر لعذر، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ﴾ أي: ولتعظِّموا اللهَ بالتكبير ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: لهدايته إياكم بما شرع لكم من صيام شهر رمضان وتوفيقكم لصيامه، واللام في الجملتين للتعليل، وقال بعضُهم: إنها اللام المشبهةُ للام التعليل التي تتعلق بالفعلين «أراد، وأمر»، ويُنصَبُ الفعلُ بعدها بأَن مضمرة أو ظاهرة، وعلى هذا فالعطفُ على جملة: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾؛ فيكون المعنى: ويُريد لتكملوا العدَّةَ (٢).

стр. 379

وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (١٨٥)﴾: لعل: للتعليل؛ أي: لتشكروا اللهَ على ما أَنعم به من النِّعم العظيمةِ والشرائعِ القويمةِ، والشكرُ يكون بالقلب اعترافًا وتعظيمًا وحبًا وانقيادًا، وباللسان إقرارًا وثناءً، وبالجوارح فِعلًا للمأمورات وتركًا للمنهيات ومسارعة في الخيرات. وقد تضمَّنتْ هذه الجملُ ثلاثَ حِكَمٍ فيما كتبه اللهُ على عباده من صيام شهر رمضان مع التيسير والتخفيف، والحِكَم هي: إكمالُ عدَّةِ ما فَرض اللهُ من الصيام، وتكبيرُه تعالى عند التمام بالقلب واللسان على هدايته وتوفيقه، والثالثةُ من الحكم: شكرُ المؤمنين لربهم على ما شَرعَ ويَسَّرَ من الأحكام، وكلُّ هذه الحِكمِ مُرادَةٌ لله وواجبةٌ على العباد، ومن هذه الآية أَخذ العلماءُ مشروعيةَ التكبير ليلةَ عيد الفطر وصبحَه (١). تلك الأيام ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه ﴿هُدًى﴾ حال هاديًا من الضلالة ﴿لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ﴾ آياتٍ واضحاتٍ ﴿مِنَ الْهُدَى﴾ مما يهدي إلى الحقِّ من الأحكام ﴿وَ﴾ مِنْ ﴿الْفُرْقَانِ﴾ مما يفرقُ بين الحقِّ والباطل ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ حَضَرَ ﴿مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ تقدَّم مثله، وكُرِّرَ لِئلَّا يُتوهَّمُ نسخُه بتعميم مَنْ شهد. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ولذا أباح لكم الفطرَ في المرض والسفر، ولكون ذلك في معنى العلة أيضًا للأمر بالصوم عُطِفَ عليه ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ بالتخفيف والتشديد ﴿الْعِدَّةَ﴾ أَي: عدةَ صومِ رمضان

стр. 380

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ عند إكمالها ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أرشدكم لمعالمِ دِينه ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللهَ على ذلك. وقولُ المؤلِّف: (تلك الأيام): يُبيِّنُ بهذا أَنَّ ﴿شَهْرُ﴾ خبرٌ لمبتدأ تقديره: تلك الأَيام المعدودات هي شهرُ رمضان. وقولُه: (من اللوح المحفوظ … ) إلى آخره: يُشيرُ بهذا إلى ما جاء عن ابن عباس أَنَّ القرآنَ أُنزلَ جملةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا؛ رواه ابن جرير وغيره (١). وقولُه: (منه): أي: من شهر رمضان؛ لأَنَّ ليلةَ القدر من رمضان. وقولُه: (حال … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ ﴿هُدًى﴾ في قوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ مصدر بمعنى: اسم الفاعل، وهو منصوبٌ على الحال من القرآن. وقولُه: (آياتٍ واضحاتٍ): يريد أَنَّ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: آياتٍ بيناتٍ؛ أي: واضحاتٍ. وقولُه: (مما يهدي … ) إلى آخره: يريد أَنَّ الآيات البينات من الهدى؛ أي: الهادي، فالآياتُ البيناتُ مما يهدي إلى الحق. وقولُه: (من): يريد أَنَّ البينات من الهدى ومن الفرقان. وقولُه: (مما يفرقُ بين الحقِّ والباطل): معناه: أَنَّ الآيات البينات يكون بها الهدى إلى الحقِّ، ويكون بها الفرقانُ بين الحقِّ والباطلِ. وقولُه: (حضر): تفسيرٌ لشهد الشهر؛ والمعنى: حضرَ أيامَ الشهر، وهو: مقيمٌ.

стр. 381

وقولُه: (تقدَّم مثله): يريد أَنَّ الرخصةَ في الفطر للمريض والمسافر قد تقدَّمَ ذِكرها. وقولُه: (وكرر … ) إلى آخره: يُبيِّنُ السببَ في إعادة ذكر الرخصة في الفطر للمريض والمسافر، وهو أنه قد يُتوهَّم أَنَّ قولَه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ عامٌّ يشملُ المريضَ والمسافرَ، فيلزم من ذلك نسخ الرخصة التي تقدَّم ذِكرُها. وقولُه: (ولذا أَباح لكم الفطر … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ إرادته تعالى بعباده اليسرَ دون العُسر هو عِلَّةُ الرخصةِ للمريض والمسافر في الفطر. وقولُه: (ولكون ذلك … ) إلى آخره: يريد قولَه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، هو في معنى العلة للأمر بالصوم في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فتضمَّن كلامُ المؤلف أَنَّ قولَه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ هو عِلةُ إباحةِ الفطر في المرض والسفر، وهو أيضًا في معنى العلة للأمر بالصوم في عدَّةِ أيامٍ أُخر. وقولُه: (عطف عليه): يريد أَنَّه لما كان قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ في معنى العلة للأمر بصوم القضاء؛ عطف عليه قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ وما بعده. وقولُه: (بالتخفيف والتشديد): يُشير إلى أَنَّ فيها قراءتين: تخفيفُ الميم وتشديدُها، من «أَكمل، وكمَّل» (١). * * *

стр. 382

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]: يأمرُ اللهُ نبيَّه إذا سأله أَحدٌ من العباد عن ربه، بعيدٌ هو أو قريبٌ ممن دعاه؛ أَنْ يُخبرَه بأنه قريبٌ، وأنه يُجيبُ دعاه ويُعطيه سُؤْله، ثم أَمرَ العبادَ أَنْ يستجيبوا له سبحانه فيما دعاهم إليه من أنواع العبادات؛ من الصلاة والصيام والجهاد والصدقات، وأَن يؤمنوا به ربًّا وإلهًا وموصوفًا بكلِّ كمالٍ؛ ليرْشُدوا في أَمرهم كلِّه. وسأل جماعةٌ النبيَّ «أقريبٌ ربُّنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديه؟» فنزل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ منهم بعلمي، فأَخبرهم بذلك ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ بإنالته ما سأل ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ دعائي بالطاعة ﴿وَلْيُؤْمِنُوا﴾ يُديموا على الإيمان ﴿بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يهتدون. وقولُ المؤلِّف: (وسأل جماعة النبي … ) إلى آخره: يُشيرُ بذلك إلى سبب نزول الآية (١). وقولُه: (منهم بعلمي): يُريد أَنَّ معنى قربِه -تعالى- من العباد: قربُه بعلمه، وهذا يقتضي أَنَّ القربَ في الآية قربٌ عامٌّ من جميع العباد؛ لأَنَّ علمَه -تعالى- لا يختصُّ بالداعين والعابدين، والأشاعرةُ ونحوهم لا يُثبتون إلَّا القربَ العامَّ، فعندهم أنه -تعالى- لا يَقربُ من شيءٍ، ولا يقربُ منه شيءٌ، بناءً على أنه -تعالى- في كلِّ مكانٍ، وأَمَّا أهلُ السنَّةِ فلهم في القُرب قولان:

стр. 383

منهم مَنْ يقول: القرب نوعان: عامٌّ وخاصٌّ، كالمعية (١). ومنهم مَنْ يقول: لم يَرِدْ إلَّا خاصًّا، وهو قربُه من الداعين والعابدين، وهو المذكور في هذه الآية، وفي قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وهذا القول أظهر (٢)، وأما قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، فالمراد: قربُه تعالى بملائكته كما جاء عن السَّلف في تفسير الآيتين (٣). وقولُه: (فأخبِرهم بذلك): هذا تقديرٌ لجواب الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾. وقولُه: (بالطاعة): يُبيِّنُ أَنَّ الاستجابةَ لله تكون بطاعته في أمره ونهيه. وقولُه: (يُديموا على الإيمان): لأَنَّ الكلامَ في العباد المؤمنين، فيناسبُ أَنْ يكون المعنى: فليَدوموا على الإيمان. وقولُه: (يهتدون): فسَّرَ الرشدَ بالاهتداء، والرشدُ يجمع العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ، وهذه حقيقةُ الاهتداء. * * *

стр. 384

وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]: يُخبر تعالى عن حُكْمٍ يتعلَّقُ بصيام رمضان، وهو حِلُّ إِتيان النساء في ليالي صيامِ رمضان، فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾؛ أي: أَحلَّ اللهُ لكم، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ أي: كَتبَ اللهُ عليكم الصيام. و ﴿الرَّفَثُ﴾ هو: الجماع (١)، وضُمِّنَ معنى: (الإفضاء) فعدي بـ «إلى» (٢)، والإفضاء: تلاقي الأبدان دون حائلٍ (٣)، وذلك يكون من الرجل والمرأة كما قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، وقال في هذه الآية: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فمع الإفضاء يكون كلٌّ من الرجل والمرأة كاللباس للآخر. ثم بيَّن سببَ هذا الإحلال، وهو ما يعلمه اللهُ منهم من خيانةِ أنفسهم بفعل ما حرَّمَ اللهُ عليهم من إتيان نسائهم، وكان الحكمُ في أول فَرضِ الصيام أَنَّ مَنْ نام في الليل وجب عليه الصيامُ حتى يُفطر من الغد، فوقع من عددٍ من المسلمين مخالفةٌ، وترتَّبَ على ذلك حَرجٌ ومشقَّةٌ؛ فنَسخَ الله ذلك بهذه الآية؛ فأحلَّ اللهُ لعباده ما كان حرامًا، وتاب على مَنْ وقع منه فعلٌ لِمَا يحرمُ عليه، فوفَّقه للتوبة وعفا عنه (٤).

стр. 385

ثم أكَّد الإحلالَ بالإذن الصريح بمباشرة النساء وبالأكل وبالشرب إلى طلوع الفجر؛ فقال سبحانه: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾، قيل: من الولد أو من ليلة القدر، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ أي: يتميز عندكم بياضُ النهار من سوادِ الليل؛ فعُلم بذلك وجوبُ الإمساكِ عند ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾؛ فعُلم بذلك وقت الصيام ابتداءً وانتهاءً. وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: نهيٌ من الله لمن كان معتكفًا في المسجد أَنْ يُباشرَ امرأته؛ أي: يُجامعها، ولو كان ذلك في البيت، فعُلم تحريمُ ذلك على المعتكف. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ﴾: الإشارةُ إلى ما تقدَّمَ ذِكرُه من المنهيَّات من مُفسدات الصوم والاعتكاف، فالحدودُ في هذه الآية هي المحرمات، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وأَصلُ الحدِّ: المنع (١)، فسُمِّيت المحرماتُ حدودًا لأنها ممنوعة، وتُطلقُ الحدود على ما لا يجوز تعدِّيه من المباحات والواجبات والمستحبات؛ كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: مثل البيان المتقدِّم يُبيِّنُ آياته للناس؛ أي: يوضِّحها ويُفصِّلها. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون (١٨٧)﴾: أي: ليتقوا اللهَ بترك ما حرَّم عليهم، و «لعلَّ»: للتعليل. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ بمعنى الإفضاء ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ بالجماع، نزل نسخًا لِمَا كان في صدر الإسلام من تحريمه وتحريمِ الأَكلِ والشربِ بعد العشاء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ كنايةٌ عن تعانقهما

стр. 386

أو احتياجِ كلٍّ منهما إلى صاحبه ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ﴾ تخونون ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بالجماع ليلةَ الصيام، وقعَ ذلك لعمرَ وغيره، واعتذروا إلى النبيِّ ﷺ ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ قَبِلَ توبتَكم ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ﴾ إذ أَحلَّ لكم ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ جامعوهنَّ ﴿وَابْتَغُوا﴾ اطلبوا ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: أَباحَه من الجماع، أو قدَّرَه من الولد ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الليلَ كلَّه ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ يظهرَ ﴿لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ أَي: الصادقِ، بيانٌ للخيط الأبيضِ، وبيانُ الأسود محذوفٌ؛ أي: من الليل شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ من الفجر ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ أَي: إلى دخوله بغروب الشمس ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ أَي: نساءكم ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ مُقيمون بنيَّةِ الاعتكافِ ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ مُتعلقٌ بـ «عاكفون»، نهيٌ لمن كان يخرج وهو معتكفٌ فيُجامعُ امرأتَه ويعود ﴿تِلْكَ﴾ الأحكامُ المذكورةُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدَّها لعباده ليَقِفوا عندها ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أَبلغ من «لا تعتدوها» المعبر به في آيةٍ أُخرى ﴿كَذَلِكَ﴾ كما بيَّن لكم ما ذكر ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ محارمَه. وقولُ المؤلِّف: (بمعنى الإفضاء … ) إلى آخره: فسَّرَ الرفثَ بالإفضاء، والرفثُ والإفضاءُ كلٌّ منهما كنايةٌ عن الجماع، لكن فسَّرَه بالإفضاء لتعديته بـ «إلى»، ثم ذكر حقيقةَ المرادِ في آخر الجملة. وقولُه: (نزل نسخًا … ) إلى آخره: يُشيرُ بهذا إلى سبب نزول الآية، وفيه نسخُ السنَّةِ بالقرآن؛ لأَنَّ الحكمَ الأول إنما ثبت بالسنَّة.

стр. 387

وقولُه: (كناية … ) إلى آخره: يُبيِّنُ وجهَ إطلاق اسم اللباس على المرأة والرجل، وذلك من جهتين: من جهة التصاقِهما، ومن جهة حاجةِ كلٍّ منهما للآخر، وكلٌّ من المعنيين موجودٌ في اللباس. وقولُه: (تخونون): فسَّرَ ﴿تَخْتَانُونَ﴾ بتخونون، وليس هذا بالتفسير المطابقِ، فـ «تختانون» فيه معنى الخداعِ والاحتيالِ على فعلِ ما نُهي عنه (١). وقولُه: (قَبِلَ توبتكم): التوبةُ من الله: توفيقٌ من الله لعبده للتوبة ثم قَبولها منه، والمؤلف فسَّرَها بالقبول؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. وقولُه: (أي: أباحه … ) إلى آخره: ذَكر في قوله: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قولين: ما أَباح اللهُ لكم من الجماع. والثاني: ما قدَّره لكم من الولد (٢). والقولُ الأولُ ضعيفٌ؛ لأنه قد تقدَّمَ الأمرُ به في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾. وقولُه: (الليل كله): يدلُّ له أَنَّ اللهَ جعل للإذن بالأكل والشرب والجماع غاية؛ وهي: تبينُ طلوع الفجر، وذلك في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وقولُه: (يظهر): يعني: يتميَّزَ الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود، وقد فسَّر النبيُّ ﷺ الخيطين بأنهما بياضُ النهار وسوادُ الليل (٣)، وإنما يتحقَّقُ ذلك بطلوع الفجر. وقولُه: (أي: الصادق): يعني: الفجر الثاني؛ وهو الذي يَحرمُ فيه الطعامُ، وتَحلُّ فيه صلاةُ الفجر كما جاء عن النبي ﷺ قوله: ((الفَجرُ فَجْران:

стр. 388

فَجرٌ يَحِلُّ فيه الطَّعامُ وتَحرمُ فيه الصَّلاةُ -وهو الفجر الأول-، وفَجرٌ تَحِلُّ فيه الصَّلاةُ ويَحرمُ فيه الطَّعامُ)) (١)، وهو الفجر الثاني، وهو: الصادق. وقولُه: (أبلغ من «لا تعتدوها» … ) إلى آخره: هذا يقتضي عدمَ التفريق بين الحدود في الآيتين، والصوابُ: أنَّ الحدودَ المنهيَّ عن قُربانها هي المحرمات، والمنهيَّ عن تعدِّيها هي المأموراتُ (٢)؛ فالحلالُ لا يجوز تعدِّيه، والحرامُ لا يجوز قُربانه. وقولُه: (محارمه): أي: محارمَ الله؛ وهي كلُّ ما حرَّمَ اللهُ؛ وهي المعاصي، واتقاءُ المعاصي هو اجتنابُها. * * *

стр. 389

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]: هذا نهيٌ من الله لعباده المؤمنين أَنْ يأكلوا أموالَهم بينهم بالباطل، وذلك بأخذ مالِ الغير بغير حقٍّ، بل بطريقٍ من الطرق المحرمة؛ من غصبٍ أو سرقةٍ أو غشٍّ أو عقدٍ محرَّمٍ؛ كعقود الربا والبيوع المحرمة، ومن أقبح ذلك التوصُّل إلى أكل مالِ الغير بطريق رشوةِ الحاكم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (١٨٨)﴾ أي: تعلمون أَنَّ ما حكم به ليس مستحقًا لكم، فهو حرامٌ عليكم وإن حكم به الحاكم خطأ أو عمدًا؛ كما قال ﷺ : ((إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أَنْ يكون أَلحنَ بحجَّته من بعضٍ، فأقضي له على نحو ما أَسمع، فمَن قَضيتُ له من حقِّ أَخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قُطعةً من النار)) (١). ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ أي: [لا] (٢) يأكل بعضُكم مالَ بعضٍ ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الحرامِ شرعًا؛ كالسرقة والغَصْب ﴿وَ﴾ لا ﴿تُدْلُوا﴾ تُلقوا ﴿بها﴾ أي: بحكومتها أو بالأموال رشوة ﴿إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا﴾ بالتحاكم ﴿فَرِيقًا﴾ طائفةً ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ ملتبسين ﴿بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مُبطلون. وقوله المؤلف: (أي: لا يأكل بعضُكم مالَ بعضٍ): يُبيِّنُ أَنَّ المراد النهيُ عن أَكل مال الغير، بدليل قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾، وإضافةُ الأموال إلى المخاطبين لا

стр. 390

باعتبار المِلك بل باعتبار أنها تتعلق بها مصالحُ الأمة، فلا يجوز التصرُّفُ فيها بما يفسدها. وقولُه: (لا): يُبيِّنُ أَنَّ الواو عاطفةٌ على ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾، فيكون المعنى: ولا تدلوا بها، فيصير النهي عن كلِّ واحدٍ منهما، وبدون تقدير: «لا» يصير النهي عن الجمع بينهما؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]. وقولُه: (تُلقوا): يُبيِّنُ أَنَّ ﴿تدلوا﴾ مُضمَّنٌ معنى «تلقوا»، بدليل تعدية الفعل بـ «إلى». وقولُه: (بحكومتها): أي: بالمحاكمة فيها لدى الحكام للتسلُّطِ عليها بذلك. وقولُه: (أو بالأموال رشوة): وهذا أشهرُ في تفسير الآية (١). وقولُه: (بالتحاكم): أي: لتأكلوا مقدارًا من مال من تدعون عليه كذبًا. وقولُه: (ملتبسين): أي: مخالطين للإثم، فالجارُ والمجرور حال. وقولُه: (أنكم مُبطلون): المعنى: وأنتم تعلمون أَنَّ دعواكم باطلةٌ. * * *
следующие страницы →