أو احتياجِ كلٍّ منهما إلى صاحبه ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ﴾ تخونون ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بالجماع ليلةَ الصيام، وقعَ ذلك لعمرَ وغيره، واعتذروا إلى النبيِّ ﷺ ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ قَبِلَ توبتَكم ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ﴾ إذ أَحلَّ لكم ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ جامعوهنَّ ﴿وَابْتَغُوا﴾ اطلبوا ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: أَباحَه من الجماع، أو قدَّرَه من الولد ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الليلَ كلَّه ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ يظهرَ ﴿لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ أَي: الصادقِ، بيانٌ للخيط الأبيضِ، وبيانُ الأسود محذوفٌ؛ أي: من الليل شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ من الفجر ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ أَي: إلى دخوله بغروب الشمس ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ أَي: نساءكم ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ مُقيمون بنيَّةِ الاعتكافِ ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ مُتعلقٌ بـ «عاكفون»، نهيٌ لمن كان يخرج وهو معتكفٌ فيُجامعُ امرأتَه ويعود ﴿تِلْكَ﴾ الأحكامُ المذكورةُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدَّها لعباده ليَقِفوا عندها ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أَبلغ من «لا تعتدوها» المعبر به في آيةٍ أُخرى ﴿كَذَلِكَ﴾ كما بيَّن لكم ما ذكر ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ محارمَه.
وقولُ المؤلِّف: (بمعنى الإفضاء … ) إلى آخره: فسَّرَ الرفثَ بالإفضاء، والرفثُ والإفضاءُ كلٌّ منهما كنايةٌ عن الجماع، لكن فسَّرَه بالإفضاء لتعديته بـ «إلى»، ثم ذكر حقيقةَ المرادِ في آخر الجملة.
وقولُه: (نزل نسخًا … ) إلى آخره: يُشيرُ بهذا إلى سبب نزول الآية، وفيه نسخُ السنَّةِ بالقرآن؛ لأَنَّ الحكمَ الأول إنما ثبت بالسنَّة.
стр. 387
وقولُه: (كناية … ) إلى آخره: يُبيِّنُ وجهَ إطلاق اسم اللباس على المرأة والرجل، وذلك من جهتين: من جهة التصاقِهما، ومن جهة حاجةِ كلٍّ منهما للآخر، وكلٌّ من المعنيين موجودٌ في اللباس.
وقولُه: (تخونون): فسَّرَ ﴿تَخْتَانُونَ﴾ بتخونون، وليس هذا بالتفسير المطابقِ، فـ «تختانون» فيه معنى الخداعِ والاحتيالِ على فعلِ ما نُهي عنه (١).
وقولُه: (قَبِلَ توبتكم): التوبةُ من الله: توفيقٌ من الله لعبده للتوبة ثم قَبولها منه، والمؤلف فسَّرَها بالقبول؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.
وقولُه: (أي: أباحه … ) إلى آخره: ذَكر في قوله: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قولين:
ما أَباح اللهُ لكم من الجماع.
والثاني: ما قدَّره لكم من الولد (٢).
والقولُ الأولُ ضعيفٌ؛ لأنه قد تقدَّمَ الأمرُ به في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾.
وقولُه: (الليل كله): يدلُّ له أَنَّ اللهَ جعل للإذن بالأكل والشرب والجماع غاية؛ وهي: تبينُ طلوع الفجر، وذلك في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وقولُه: (يظهر): يعني: يتميَّزَ الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود، وقد فسَّر النبيُّ ﷺ الخيطين بأنهما بياضُ النهار وسوادُ الليل (٣)، وإنما يتحقَّقُ ذلك بطلوع الفجر.
وقولُه: (أي: الصادق): يعني: الفجر الثاني؛ وهو الذي يَحرمُ فيه الطعامُ، وتَحلُّ فيه صلاةُ الفجر كما جاء عن النبي ﷺ قوله: ((الفَجرُ فَجْران:
стр. 388
فَجرٌ يَحِلُّ فيه الطَّعامُ وتَحرمُ فيه الصَّلاةُ -وهو الفجر الأول-، وفَجرٌ تَحِلُّ فيه الصَّلاةُ ويَحرمُ فيه الطَّعامُ)) (١)، وهو الفجر الثاني، وهو: الصادق. وقولُه: (أبلغ من «لا تعتدوها» … ) إلى آخره: هذا يقتضي عدمَ التفريق بين الحدود في الآيتين، والصوابُ: أنَّ الحدودَ المنهيَّ عن قُربانها هي المحرمات، والمنهيَّ عن تعدِّيها هي المأموراتُ (٢)؛ فالحلالُ لا يجوز تعدِّيه، والحرامُ لا يجوز قُربانه.
وقولُه: (محارمه): أي: محارمَ الله؛ وهي كلُّ ما حرَّمَ اللهُ؛ وهي المعاصي، واتقاءُ المعاصي هو اجتنابُها.
* * *
стр. 389
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]:
هذا نهيٌ من الله لعباده المؤمنين أَنْ يأكلوا أموالَهم بينهم بالباطل، وذلك بأخذ مالِ الغير بغير حقٍّ، بل بطريقٍ من الطرق المحرمة؛ من غصبٍ أو سرقةٍ أو غشٍّ أو عقدٍ محرَّمٍ؛ كعقود الربا والبيوع المحرمة، ومن أقبح ذلك التوصُّل إلى أكل مالِ الغير بطريق رشوةِ الحاكم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (١٨٨)﴾ أي: تعلمون أَنَّ ما حكم به ليس مستحقًا لكم، فهو حرامٌ عليكم وإن حكم به الحاكم خطأ أو عمدًا؛ كما قال ﷺ : ((إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أَنْ يكون أَلحنَ بحجَّته من بعضٍ، فأقضي له على نحو ما أَسمع، فمَن قَضيتُ له من حقِّ أَخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قُطعةً من النار)) (١).
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ أي: [لا] (٢) يأكل بعضُكم مالَ بعضٍ ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الحرامِ شرعًا؛ كالسرقة والغَصْب ﴿وَ﴾ لا ﴿تُدْلُوا﴾ تُلقوا ﴿بها﴾ أي: بحكومتها أو بالأموال رشوة ﴿إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا﴾ بالتحاكم ﴿فَرِيقًا﴾ طائفةً ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ ملتبسين ﴿بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مُبطلون.
وقوله المؤلف: (أي: لا يأكل بعضُكم مالَ بعضٍ): يُبيِّنُ أَنَّ المراد النهيُ عن أَكل مال الغير، بدليل قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾، وإضافةُ الأموال إلى المخاطبين لا
стр. 390
باعتبار المِلك بل باعتبار أنها تتعلق بها مصالحُ الأمة، فلا يجوز التصرُّفُ فيها بما يفسدها.
وقولُه: (لا): يُبيِّنُ أَنَّ الواو عاطفةٌ على ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾، فيكون المعنى: ولا تدلوا بها، فيصير النهي عن كلِّ واحدٍ منهما، وبدون تقدير: «لا» يصير النهي عن الجمع بينهما؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢].
وقولُه: (تُلقوا): يُبيِّنُ أَنَّ ﴿تدلوا﴾ مُضمَّنٌ معنى «تلقوا»، بدليل تعدية الفعل بـ «إلى».
وقولُه: (بحكومتها): أي: بالمحاكمة فيها لدى الحكام للتسلُّطِ عليها بذلك.
وقولُه: (أو بالأموال رشوة): وهذا أشهرُ في تفسير الآية (١).
وقولُه: (بالتحاكم): أي: لتأكلوا مقدارًا من مال من تدعون عليه كذبًا.
وقولُه: (ملتبسين): أي: مخالطين للإثم، فالجارُ والمجرور حال.
وقولُه: (أنكم مُبطلون): المعنى: وأنتم تعلمون أَنَّ دعواكم باطلةٌ.
* * *
стр. 391
وقوله تعالى: ﴿* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (١٨٩)﴾ [البقرة: ١٨٩]:
جاء في سبب نزول هذه الآيةِ أَنَّ بعضَ الناسِ سأل عن حِكمة أَنَّ الهلال يبدو صغيرًا ثم يكبرُ شيئًا فشيئًا، أو سألوا عن سبب ذلك (١)، والأولُ أَظهرُ بدليل الجواب (٢)، فأمر اللهُ نبيَّه أَنْ يُبيِّنَ لهم المنفعةَ المترتبة على ذلك، وهي: معرفةُ المواقيت، وذلك بمعرفة الأشهر التي عِدَّتها اثنا عشر شهرًا، وهي: عدَّةُ السنة.
وقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾: أي: وميقاتُ الحج، فعطفه على المواقيت من عطف الخاص على العام (٣)، أمَّا قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ فهو إبطالٌ لِمَا كان يفعله الأوسُ والخزرجُ إذا رجعوا من الحج، لا يدخلون بيوتهم من الأبواب بل من ظهورها، فنهاهم اللهُ عن ذلك، وأَمرَهم بإتيان البيوتِ من أبوابها (٤)، وما كانوا يفعلونه لا معنى له، ولا أَصلَ له في شرعٍ ولا عقلٍ.
ثم أَمرهم تعالى بتقواه، وذلك بفعل ما أَمرَهم به واجتناب ما نهاهم عنه.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (١٨٩)﴾: أي: لتفلحوا، والفلاحُ هو الفوزُ والظَفَرُ بالمطلوب المحبوب، والنجاةُ من المرهوب، وذلك لا يكون إلَّا بدخول الجنة والنجاة من النار، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
стр. 392
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿عَنِ الأهِلَّةِ﴾ جمعُ هلالٍ، لِمَ تبدو دقيقةً ثم تزيدُ حتى تمتلئَ نورًا ثم تعودُ كما بَدَت، ولا تكون على حالةٍ واحدةٍ كالشمس ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ جمعُ مِيقاتٍ ﴿لِلنَّاسِ﴾ يعلمون بها أوقاتَ زرعِهم ومتاجرهم، وعِدَدَ نِسائِهم، وصيامهم وإفطارهم ﴿وَالْحَجِّ﴾ عطفٌ على الناس؛ أي: يعلم بها وقته، فلو استمرَّت على حالةٍ لم يعرف ذلك ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَ﴾ في الإحرام، بأَنْ تنقبوا فيها نقبًا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب، وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه بِرًّا ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ أي: ذا البر ﴿مَنِ اتَّقَى﴾ اللهَ بترك مخالفته ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ في الإحرام كغيره ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تفوزون.
وقولُ المؤلِّف: (يا محمد): تفسيرٌ للضمير المنصوب؛ لأنه المخاطَبُ بهذا الخبر، ولو قال المؤلف: «أيها النبي»، بدل «يا محمد» كان أولى؛ لأن الله لم يخاطبه باسمه بل بصفةِ النبوة والرسالة.
وقولُه: (جمعُ هلال … ) إلى آخره: كأَسنَّة جمع سنان، والهلالُ: اسمُ القمر أول الشهر، وبيَّن بقوله: (لِمَ تبدو … ) إلى آخره: أي: الأهلة صفة سؤالهم.
وقولُه: (لهم): أي: للذين سألوا عن الأهلة.
وقولُه: (يعلمون بها … ) إلى آخره: يُبيِّنُ الأمورَ المؤقتة الدينية والدنيوية التي يحتاج الناس فيها إلى ما يعرفون به مواقيتهم، وقد جعل اللهُ لذلك الأهلة.
وقولُه: (عطف على الناس): فيكون في المعنى من عطف الخاص على العام؛ أي: ومواقيت للحج.
стр. 393
وقولُه: (فلو استمرت … ) إلى آخره: بيانٌ لوجه دلالةِ الأهلة على المواقيت، وهو تغيُّرُ أحوالها، فلو كانت على حالةٍ واحدةٍ لم يُعرف بها الوقت؛ كالشمس لا تعرف بها الشهور.
وقولُه: (في الإحرام … ) إلى آخره: بيانٌ لصفة إتيانهم البيوت من ظهورها، وذلك إذا كانوا محرمين، ويزعمون أَنَّ ذلك من البِرِّ فأبطل اللهُ ذلك، ونهاهم.
وقولُه: (ذا البر): قدَّر مضافًا ليُطابق اسمُ «لكنَّ» خبرَها، والأَولى تقديرُ مضافٍ قبل «مَنْ»، فيكون التقدير: «ولكن البر حقًا تقوى مَنْ اتقى»، أو «فعل من اتقى» (١).
وقولُه: (في الإحرام كغيره): يُبيِّنُ أَنَّ الأمر بإتيان البيوت من أبوابها مُتعلق بالحال التي ابتدؤوا فيها إِتيان البيوت من ظهورها، فصار الأمرُ بإتيان البيوت من أبوابها مؤكدٌ للنهي عن إتيان البيوت من ظهورها.
* * *
стр. 394
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِين (١٩١) فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِين (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٠ - ١٩٥]:
يأمر تعالى رسولَه والمؤمنين بقتال مَنْ يُقاتلهم من الكافرين، واختُلفَ في المراد بالموصول ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ فقيل: هم المحاربون من الكفار الذين لا عهد لهم، وقيل: هم مَنْ كان من أهل القتال، فخرج عنهم النساءُ والصبيانُ ومَن في حكمهم كالشيخ الفاني (١).
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾: تنبيهٌ على الإخلاص، بأن يكون القصدُ من القتال إعلاءَ كلمةِ الله، وهذا الأمرُ بالقتال بعد الإذن للمهاجرين بقتال الذين أَخرجوهم من ديارهم وأموالهم بعد أن كانوا مأمورين بكفِّ أيديهم، فأُذِنَ لهم بالقتال، ثم أُمروا بقتال مَنْ قاتلهم، وهو معنى هذه الآية، ثم نُسِخ ذلك بالأمر بقتال المشركين حتى يسلموا وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال في
стр. 395
أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِر﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُواْ﴾: نهيٌ عن الاعتداء بجميع أنواعه، فيشمل قتالَ المعاهدين، وقَتْلَ ما لا يحلُّ قتلُه كالنساء والصبيان، ومما يُعَدُّ اعتداءً: التمثيلُ بأبدان القتلى من الكفار لنهي الرسول ﷺ عن ذلك (٢)، والاعتداءُ في القرآن يأتي على وجهين:
أحدهما: مجاوزةُ حدودِ الله إلى ما حرم، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧].
الثاني: الاعتداءُ على الناس بظلمهم بقتلٍ أو غصبٍ ونحو ذلك، ومنه قوله تعالى -في آية القصاص-: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] (٣)، وسُمِّيَ الجزاء على الاعتداءُ اعتداءً مشاكلة لفظية (٤)؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقوله في هذه الآية: ﴿وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (١٩٠)﴾ تحتمل الوجهين.
стр. 396
وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: أَمر بقتل المشركين المحاربين حيث وجدوا.
وقوله: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم (١).
وقوله: ﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾: أمر بإخراجهم من الأرض التي أخرجوا المؤمنين منها، وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: الفتنةُ في هذه الآية ونحوها: الشرك (٢)، وما في حُكمه من أنواع الكفر، وما ينشأُ عن ذلك من الصدِّ عن سبيل الله، فإنه أَشدُّ وأَعظمُ عند الله من القتل والقتال في الشهر الحرام أو في البلد الحرام كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ … ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: نهيٌ عن قتال المشركين عند المسجد الحرام، وهو الحَرَمُ كلُّه، والمسجدُ الحرامُ: هو المصلَّى الذي حولَ الكعبة، والذي عنده جميع الحرم.
وقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: تقييدٌ للنهي عن قتالهم، فعُلِمَ أَنَّ النهي عن بدئهم بالقتال، فإن كفُّوا وجبَ الكفُّ عنهم، وإن بدؤوا بالقتال جاز قتالُهم وقَتْلُهم ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ -أي: عند المسجد الحرام- ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾، وهذه الآية أعني: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مخصِّصةٌ لقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، والصحيحُ: أَنَّ هذه الآيةَ مُحكمةٌ، فلا يحلُّ في الحرم إِلا قتالُ مَنْ قاتلَ فيه (٣)، ويؤيد أَنَّ الآيةَ مُحكمةٌ قولُه
стр. 397
صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ هذا البلدَ حرَّمَه اللهُ يومَ خلق السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة)) (١). وقال ﷺ : ((فإن أحدٌ ترخّص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنّما أذن لي فيها ساعةً من نهارٍ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلّغ الشّاهد الغائب)) (٢)، رواهما البخاري ومسلم.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِين (١٩١)﴾ أي: مثل هذا الجزاء بالقتل والقتال جزاءُ كلِّ كافرٍ يُقاتل المسلمين. وقوله: ﴿فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٩٢)﴾ أي: فإن انتهوا عن كفرهم بالله وعن قتالكم؛ فإنَّ اللهَ يغفر لهم ما سلف ويرحمهم لأنه غفورٌ رحيمٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أَمرٌ بقتال الكفار مطلقًا. ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شركٌ أو صدٌّ عن سبيل الله، و ﴿حَتَّى﴾: حرف تعليل؛ أي: لِئلَّا تكون فتنة، أو حرف غاية؛ أي: إلى ألَّا تكون فتنة (٣)، و ﴿تَكُونَ﴾ تامة، ومعناها: توجد، و ﴿فِتْنَةٌ﴾: فاعل.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَواْ﴾: عن كفرهم وقتالهم، ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِين (١٩٣)﴾: نفي؛ معناه: النهي؛ أي: فلا تعتدوا أيها المؤمنون إلا على الظالمين بالكفر أو الاعتداء عليكم. وقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: ذهب جمهورُ المفسرين إلى أَنَّ المرادَ بالشهر الحرام: ذو القعدة، فهو أَحدُ الأشهر الحرم، وأَنَّ المعنى: الشهرُ الحرامُ الذي دخل المسلمون فيه مكةَ، وأَقاموا فيها ثلاثةَ أيام، وذلك في عُمرة القضية في السنة السابعة، هو بدل عن الشهر الحرام
стр. 398
الذي صدَّ فيه المشركون النبيَّ ﷺ عامَ الحديبية في السنة السادسة، وذلك من نوع القصاص (١)، ولهذا قال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وذلك شاملٌ لجميع الحُرُمات؛ حرمةِ الزمانِ والمكانِ والإحرامِ، وحرمةِ المؤمنِ، وحرمةِ العهدِ، فمَن انتهك حُرمةً اقتُصَّ منه على الوجه المأذون فيه شرعًا.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: مَنْ اعتدى عليكم بقتالٍ أَوْ قتلٍ أَوْ أَيِّ نوع من أَنواع العدوان؛ فاعتدوا عليه قصاصًا وجزاءً بمثل اعتدائه عليكم، وسمَّى جزاءَ الاعتداء اعتداءً مُشاكلةً لفظيةً؛ كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وفي هذا بيانٌ لصفة القصاص في قوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
ثم أَمر سبحانه عبادَه أن يتقوه، وذلك بفعل ما أَمرهم به وتركِ ما نهاهم عنه، فذلك يَقيهم عذابَ اللهِ وبأسَه، ورغَّبهم في التقوى فقال: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين (١٩٤)﴾، وأَكَّد معيَّته تعالى للمتقين بقوله: ﴿وَاعْلَمُواْ﴾، وهذه الآيةُ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُون (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وقولُه: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾: تأكيدٌ لكل ما تقدَّم من الأوامر والنواهي.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾: أَمر بإنفاق الأموال في سبيل الله؛ أي: لوجه الله، وفي كلِّ طريقٍ يحبُّ اللهُ الإنفاقَ فيه، ومن أعظم ذلك الجهادُ في سبيل الله بقتال أعداء الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: نهيٌ للمؤمنين عن أَنْ يُعرِّضوا أنفسهم للهلكة، وهي: التهلكة، وليس من ذلك الانغماسُ في العدو، بل من الإلقاء باليد إلى التهلكة: القعودُ عن الجهاد، وقد كان سببُ نزول هذه الآية أَنَّ
стр. 399
الأنصارَ لَمَّا ظهرَ الإسلامُ وعزَّ هموا أَنْ يقعدوا عن الجهاد ويُقبلوا على إصلاح حروثهم وبساتينهم، فنزلت هذه الآيةُ، رواه أبو داود والترمذي (١).
وقوله تعالى: ﴿﴿وَأَحْسِنُوَاْ﴾: أَمر بإحسان العمل والإحسان إلى العباد بأنواع الإحسان. وقوله: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (١٩٥)﴾: ترغيبٌ في الإحسان، وهو تعالى محسنٌ ويُحبُّ الإحسانَ والمحسنين.
ولَمَّا صُدَّ ﷺ عن البيت عامَ الحديبية، وصالحَ الكفارَ على أَنْ يعود العامَ القابل، ويُخلوا له مكةَ ثلاثة أيامٍ، وتجهَّزَ لعمرة القضاء، وخافوا أَلا تفي قريش ويُقاتلوهم، وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام؛ نزل: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لإعلاءِ دينه ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ من الكفار ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ عليهم؛ بالابتداء بالقتال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزين ما حدَّ لهم، وهذا منسوخٌ بآية براءة، أو بقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وجدتموهم ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: من مكة، وقد فعل بهم ذلك عام الفتح ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ الشركُ منهم ﴿أَشَدُّ﴾ أَعظمُ ﴿مِنَ الْقَتْلِ﴾ لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: في الحرم ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾ فيه ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فيه. وفي قراءةٍ بلا ألف في الأفعال الثلاثة (٢) ﴿كَذَلِكَ﴾ القتلُ والإخراجُ ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا﴾
стр. 400
عن الكفر وأَسلموا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ﴾ توجد ﴿فِتْنَةٌ﴾ شركٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ العبادةُ ﴿لِلَّهِ﴾ وحده، ولا يُعبد سواه ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الشرك، فلا تعتدوا عليهم، دلَّ على هذا ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ اعتداء بقتل أو غيره ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ومَن انتهى فليس بظالمٍ؛ فلا عدوان عليه ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ المحرم مقابل ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَام﴾ فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله، رد لاستعظام المسلمين ذلك ﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾ جمعُ حُرمة: ما يجب احترامه ﴿قِصَاصٌ﴾ أي: يقتصُّ بمثلها إذا انتهكت ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ سمَّى مقابلته اعتداءً لشبهها بالمقابل به في الصورة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الانتصار وترك الاعتداء ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصر ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طاعته، الجهاد وغيره ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ أي: أنفسكم، والباء زائدة ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الهلاكِ، بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه؛ لأنه يقوِّي العدوَّ عليكم ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ بالنفقةِ وغيرها ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: يُثيبهم.
وقولُ المؤلِّف: (لإعلاء دينه): يُبيِّنُ أَنَّ الجهادَ الذي في سبيل الله ما كان لإعلاء دينِ الله كما يدلُّ له قولُه ﷺ : ((مَنْ قاتلَ لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله))، متفق عليه (١).
وقولُه: (بالابتداء بالقتال): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالاعتداء المنهي عنه هو: ابتداءُ الكفار بالقتال، وهو مبنيٌّ على أَنَّ المراد بالذين يقاتلونكم؛ هم المحاربون لا الكافرون.
стр. 401
وقولُه: (المتجاوزين … ) إلى آخره: هذا أَحدُ معنيي الاعتداء، ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقولُه: (وهذا منسوخٌ بآية براءة … ) إلى آخره: يُريد: أَنَّ النهيَ عن ابتداء الكفار بالقتال منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهذا هو الصحيحُ.
وقولُه: (وقد فعل بهم ذلك … ) إلى آخره: في هذا نظرٌ، فإنَّ المعروفَ أَنَّ النبيَّ ﷺ لم يُجْلِ أحدًا، بل أَمَّنهم وعفى عنهم وخرج مَنْ خرج معه إلى حنين (١).
وقولُه: (الشرك منهم)، وقولُه: (﴿القتل﴾ لهم … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ شركَ المشركين في مكة أكبرُ من قتل المسلمين لهم في الحرم، وفي ذلك تسليةٌ للمسلمين.
وقولُه: (أي: في الحرم): يُبيِّنُ بهذا أَنَّ المراد بالذي عند المسجد الحرام: هو جميعُ الحرم؛ لأنَّ المسجدَ الحرام هو المصلى حولَ الكعبة، فالمنهي عنه هو القتالُ أو القتلُ في الحرم، فالقتلُ أو القتالُ في المسجد نفسِه أَشدُّ تحريمًا.
وقولُه: (توجد): يُبيِّنُ أَنْ تكون تامة.
وقولُه: (العبادة … ) إلى آخره: تفسيرٌ للدِّين، وإذا كانت العبادةُ لله وحده لم يوجد الشرك؛ فمضمونُ الجملةِ الثانيةِ لازمٌ لمضمون الجملةِ الأولى؛ لأَنَّ نفيَ وجود الشرك يستلزمُ وجودَ التوحيد، فعلى هذا تكون الجملةُ الثانيةُ مؤكدةً للجملة الأولى.
وقولُه: (عن الشرك … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنهم إذا انتهوا عن الشرك ثبتت لهم حرمةُ الإسلام، فلا يجوز الاعتداءُ عليهم بقتلٍ ولا قتالٍ أو غيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ فإنه نفيٌ بمعنى النهي.
стр. 402
وقولُه: (المحرم مقابل … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ معنى حرام: محرم، والشهرُ الحرامُ أَحدُ الأشهر الحُرمِ، والمراد: إمَّا جنسُ الأشهر الحُرم الأربعةِ، وإمَّا واحدٌ معيَّنٌ منها؛ كذو القعدة الذي جرت فيه مقاصة المشركين بدخول مكة في السنة السابعة في مقابل صدِّهم المسلمين في السنة السادسة؛ فالمعنى: مَنْ قاتلكم في الشهر الحرام؛ فقاتلوه فيه أو في شهرٍ مثله، وهذا من القصاص في حرمة الزمان؛ كالقصاص في حرمة المكان المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ … ﴾ الآية.
وقولُه: (رد لاستعظام المسلمين ذلك): يريد أَنَّ إباحةَ القتالِ في الشهر الحرام وفي الحرم قصاصًا دفعٌ لتحرُّجِ المسلمين من ذلك.
وقولُه: (سمَّى مقابلته … ) إلى آخره: يريد: قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾، وهو في الحقيقة ليس اعتداء؛ بل مجازاةً وقصاصًا؛ يقول المؤلف: سماه اعتداء؛ لأنه يُشبه اعتداء المشركين في الصورة؛ لأَنَّ كلًا منهما قتلٌ وقتالٌ، وقال بعضهم: إنه من قبيل المشاكلةِ اللفظيةِ (١)، وقال بعضهم: إنه مجازٌ مرسَلٌ علاقته السببية؛ لأنه من التعبير بالسبب عن المسبب (٢).
وقولُه: (في الانتصار … ) إلى آخره: خصَّ الأمرَ بالتقوى بما ذكر وإن كان عامًّا؛ ليناسب ما قبله.
وقولُه: (بالعون والنصر): هذا يُبيِّنُ أَنَّ المعيةَ هي المعيةُ الخاصة.
وقولُه: (طاعته … ) إلى آخره: هذا بيانٌ للمراد بسبيل الله، وأَنَّ كلَّ طاعةٍ هي من سبيل الله، وقد غلبَ على هذا الوصف -أعني: في سبيل الله- أَنَّ المرادَ به الجهادُ بقتال الكفار، وكلُّ جهادٍ أو نفقةٍ في طاعة الله فهو في سبيل الله.
стр. 403
وقولُه: (أنفسكم): بيانٌ لمفعول ﴿تَلْقُوا﴾؛ لأَنَّ التهلكةَ مصدرٌ سماعي بمعنى: الهلاك، والهلاكُ إنما يتعلَّق بالنفس، فصح أَنَّ المعنى: ولا تلقوا أَنفسَكم إلى التهلكة، ومن أَحسن ما عُبِّرَ به عن قوله: ﴿بَأَيْدِيكُمْ﴾: أي: باختياركم، وعليه فالباءُ ليست زائدة (١).
وقولُه: (بالإمساك عن النفقة … ) إلى آخره: بيانٌ للسبب الذي يكون به الهلاك، وهو المنهيُّ عنه.
وقولُه: (بالنفقةِ وغيرها) تفسير الإحسان بالنفقة هو المناسب لسياق الآية فلما نهى عن الإمساك؛ بقوله: ﴿وَلَا تَلْقُوا بَأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أمر بالإنفاق بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ فكان الأمر بالإنفاق تأكيدًا للنهي عن الإمساك.
وقولُه: (أي: يثيبهم) فسر محبة الله بالإثابة، وهذا تأويل وصرف للكلام عن ظاهره وهذه طريقة من ينفي عن الله حقيقة المحبة، ويفسرها بالثواب أو إرادة الثواب، وهذه طريقة المؤلف -عفا الله عنه- كما سيأتي في نظائر هذه الآية.
* * *
стр. 404
وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦]:
يأمر اللهُ نبيَّه والمؤمنين بإتمام الحج والعمرة له تعالى، وفي المراد بالإتمام وجوهٌ من التفسير: فقيل: المرادُ: المضيُّ فيهما إلى تمامهما بعدمِ القطعِ لهما لأن الأمر بالإتمام إنما يتوجه لمن شرعَ فيهما، وقيل: إتمامُهما: فِعلُ جميعِ مناسكهما، وقيل: المرادُ: الإخلاصُ فيهما لله تعالى، وقيل: إتمامُهما: أَداؤهما؛ ولهذا قيل: إِنَّ هذه الآيةَ هي الدليلُ على وجوب الحجِّ والعمرة، ولهذا قال مَنْ قال: إِنَّ الحجَّ فُرِضَ في السنة السادسة من الهجرة (١)، وأَقربُ هذه الوجوه في المراد «بالإتمام»: الأول والثاني (٢)، والصواب: أَنَّ الحجَّ إنما فُرِضَ في السَّنة التاسعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] وهذه الآية إنما نزلت في السنة التاسعة (٣).
والحجُّ في اللغة: القصد إلى مُعَظَّمٍ، وفي الشرع: القصدُ إلى البيت الحرام والمشاعرِ العظامِ بقصد القُربةِ لله. والعمرةُ في اللغة: الزيارة، وفي الشرع: زيارةُ البيت للطواف به والسعي بين الصفا والمروة.
стр. 405
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صُددتم عن المسجد الحرام (١).
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: مَنْ أُحصرَ فعليه ما استيسر من الهدي، وهو: شاةٌ أو سُبْعُ بَدنةٍ أو سُبْعُ بقرةٍ، يذبحه في المكان الذي أُحصرَ فيه ويتحلَّل، وهذا يؤيد الوجهَ الأولَ في المراد بإتمام الحج والعمرة. وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ﴾: نهيٌ من الله عن حلق المحرِمِ رأَسَه.
وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: هذا غايةٌ للنهي عن حلق المحرِمِ رأَسَه، ومحلُّ الهدي في العمرة وقت الفراغ منها، ومحلُّه المكاني: الحرمُ كله، والهديُ في الحج محلُّه الزماني يوم النحر، ومحلُّه المكاني منى.
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: هذه الآيةُ تضمَّنت الرخصةَ للمحرم بحلق رأسه إذا كان مريضًا أو به أذى من رأسه كالقمل، فمَن ترخَّصَ وحلقَ فعليه فدية، وهي أَحدُ ثلاثة أشياء: صيامُ ثلاثةِ أيامٍ، أو إطعامُ ستةِ مساكين لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، أو نُسك وهو شاةٌ أو سُبْعُ بقرةٍ أو سُبْعُ بدنة، وقد أُجملت خصالُ الفطرة الثلاثة في القرآن، وفصَّلتها السنَّةُ كما في حديث كعب بن عجرة (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ أي: لم تخافوا أَنْ يصدَّكم عدو عن البيت، وحينئذٍ فمَن تمتَّع بالعمرة إلى الحج؛ أي: أَنشأَ عمرةً في أشهر الحج ليتمتع بها إلى أَنْ يأتي وقتُ الإحرام بالحج، فمَن فعل ذلك وحلَّ من العمرة ثم أحرم بالحج مِنْ عامِه؛ فذلك هو المتمتعُ، وعليه ما استيسرَ من الهدي؛ وهو شاةٌ أو سُبْعُ بَدنةٍ أو سُبْعُ بقرةٍ كما تقدَّم، فمَن لم
стр. 406
يجد فعليه صيامُ ثلاثةِ أيام في الحج، اختُلفَ في وقتها، وأظهرُ الأقوال أنه بعد الإحرام بالعمرة (١)، وسبعةٍ إذا رجعَ إلى أهله.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾: تأكيدٌ لوجوب ما ذكر من صيام الثلاثة والسبعة، وأنها لا تجزئ عن الهدي إلا كاملة، فمَن ترك منها يومًا لغير عذرٍ كان كمَن لم يصمْ منها شيئًا.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: اسمُ الإشارة قيل: راجعٌ إلى التمتع وما يتعلَّقُ به من الأحكام؛ فالمعنى: أَنَّ التمتُّعَ مشروعٌ لمن ليس من حاضري المسجد الحرام، وليس مشروعًا لحاضري المسجد الحرام، وقيل: اسمُ الإشارةِ راجعٌ إلى وجوب الهدي في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وعلى هذا فلا يجب الهديُ إلا على مَنْ تمتَّعَ من غير حاضري المسجد الحرام، وعليه فمَن تمتَّعَ منهم فلا هدي عليه، والصوابُ الأولُ، فإنَّ اسمَ الإشارة ليس كالضمير يعود إلى أقرب مذكور؛ بل يعودُ إلى كلِّ ما تقدَّم في الجملة (٢).
واختُلف في المراد بـ ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: فقال بعضهم: هم أهلُ الحرَمِ خاصة، وقيل: هم أهلُ الحرَمِ ومَن بينهم وبينه دون مسافةِ القصر، والصحيح: الأول؛ وهو أنهم سكانُ الحرَمِ؛ لأنه ظاهرُ القرآن (٣).
стр. 407
وقوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾: وصيةٌ من الله لعباده بالتقوى، وهي: فعلُ المأمورات وتركُ المنهيات، وأولى ما يدخل فيها ما تقدَّم من الأوامر والنواهي. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (١٩٦)﴾: أَمر بالعلم بأنه تعالى شديدُ العقاب، وفي ضمنه تعليمٌ للعباد بما يوجب الخوفَ منه تعالى والمبادرةَ إلى طاعته بفعل ما أَمر به واجتناب ما نهى عنه.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أَدُّوهما بحقوقهما ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مُنعتم عن إتمامهما بعدو ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ تيسَّر ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾ عليكم وهو شاةٌ ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ أي لا تتحلَّلوا ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي﴾ المذكورُ ﴿مَحِلَّهُ﴾ حيث يحلُّ ذبحُه، وهو مكانُ الإحصار عند الشافعي، فيذبح فيه بنيَّةِ التحلُّل، ويُفرق على مساكينه ويحلق، وبه يحصلُ التحلُّلُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ﴾ كقملٍ وصُداعٍ، فحَلَق في الإحرام ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ عليه ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾ لثلاثةِ أيامٍ ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ بثلاثة آصع من غالب قوتِ البلد على ستة مساكين ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ أي: ذبح شاة، و «أو» للتخيير.
وأُلحقَ به مَنْ حَلَقَ لغير عذرٍ؛ لأنه أولى بالكفارة، وكذا مَنْ استمتع بغير الحَلْق؛ كالطِيب واللبس والدُّهن لعذر أو غيره ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ العدوَّ، بأَنْ ذهب أو لم يكن ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ استمتع ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ أي: بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ أي: الإحرام به، بأن يكون أَحرم بها في أشهره ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ تيسَّرَ ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾ عليه، وهو شاةٌ يذبحها بعد الإحرام به، والأفضلُ يوم النحر ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾ الهديَ لفَقْدِه أو فَقْدِ ثمنه ﴿فَصِيَامُ﴾ أي: فعليه صيامُ ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: في حال الإحرام به، فيجب حينئذٍ أَنْ يُحرم قبل السابع من ذي الحجةِ، والأفضلُ قبلَ السادس؛ لكراهة صومِ يوم عرفة، ولا يجوز صومها أيامَ التشريق على أصحِّ قولي الشافعي ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى وطنكم، مكة أو غيرها، وقيل: إذا
стр. 408
فرغتم من أعمال الحج، وفيه التفاتٌ عن الغيبة ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ جملةُ تأكيدٍ لِمَا قبلها ﴿ذَلِكَ﴾ الحكمُ المذكورُ من وجوب الهدي أو الصيام على مَنْ تمتَّع ﴿لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي، فإن كان فلا دمَ عليه ولا صيامَ وإن تمتع. وفي ذكر الأهل إشعارٌ باشتراطِ الاستيطان، فلو أَقام قبل أشهرِ الحج، ولم يستوطن وتمتع؛ فعليه ذلك، وهو أَحدُ وجهين عندنا، والثاني: لا، والأهلُ كنايةٌ عن النفس، وأُلحقَ بالمتمتِّعِ فيما ذُكِرَ بالسنَّة القارنُ؛ وهو مَنْ يُحرم بالعمرة والحج معًا، أو يُدخِل الحجَّ عليها قبل الطواف ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن خالفَه.
وقولُ المؤلِّف: (أَدُّوهما بحقوقهما): أي: افعلوهما بجميع مناسكهما، وهذا يقتضي أَنَّ المؤلفَ يذهب إلى أَنَّ الآيةَ دليلٌ على وجوب الحج والعمرة، وهو يقتضي أَنَّ الحجَّ فُرِضَ في السنة السادسة، والصوابُ خلافه.
وقولُه: (عن إتمامهما … ) إلى آخره: فسَّرَ الإحصارَ بالمنع من إتمامهما، وخصَّ الإحصارَ بحصر العدو، وهذا هو الذي وقع في السنة السادسة حين منع المشركون الرسولَ وأصحابَه من دخول مكة، وسمَّاه اللهُ صدًّا عن المسجد الحرام، واتفق العلماءُ على أَنَّ حَصْرَ العدو إحصارٌ يجب به الهدي، ويُباحُ به التحلل من الإحرام، وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أَنَّ الإحصارَ لا يختصُّ بحصر العدو، بل يعمُّ كلَّ مانعٍ من إتمام النُّسك من مرضٍ وغيره (١).
стр. 409
وقولُه: (عليكم): هذا تقديرٌ لخبر المبتدأ، وهو الموصول في قوله: ﴿مَا اسْتَيْسَرَ﴾، والتقدير: فإنْ أُحصرتم فعليكم ما استيسرَ من الهدي؛ أي: تيسر.
وقولُه: (وهو شاة): مثالٌ لِمَا استيسر، وبمنزلة الشاةِ سُبْعُ البَدنة أو البقرة (١).
وقولُه: (أي: لا تتحلّلوا): فسَّرَ النهيَ عن الحلق بالنهي عن التحلل من الإحرام؛ لأنَّ الحلقَ مما يكون به التحلُّلُ، كما يدلُّ له قولُه ﷺ للمعتمر: ((وليُقصِّر وليتحلل)) (٢)؛ أي: بعد الطواف والسعي، أو أنه لا يُباحُ إلا بعد التحلل، كما يدلُّ له قولُه تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وقوله ﷺ : ((فلا أحل حتى أنحر)) (٣).
وقولُه: (حيث يحل ذبحه … ) إلى آخره: فسَّرَ الهديَ بهدي الإحصار، والمحل بالمحل المكاني، وعليه فمحلُّ هدي الإحصارِ مكانُ الإحصار كما قال الشافعي (٤)، فينحرُ المحصرُ هديه ثم يحلقُ رأسه، وبذا يحلُّ من إحرامه، وأَمَّا مَنْ أَحرمَ وساق الهدي معه، فإن كان معتمرًا؛ فإنه ينحرُ هديه بعد فراغه من العمرة ويحلق رأسه، وأَمَّا إن كان متمتعًا أو قارنًا؛ فإنه لا يحلُّ حتى ينحر هديه يومَ النحر بمنى.
وقولُه: (كقمل وصداع فحلق في الإحرام): هذا تمثيلٌ للمرض والأذى في الرأس.
وقولُه: (عليه): هذا تقديرٌ لخبر المبتدأ؛ وهو «فدية».
стр. 410
وقولُه: (لثلاثة أيام) وقولُه: (بثلاثة آصع … ) إلى آخره: هذا مضمونُ ما دلَّت عليه السنَّةُ في قصة كعب بن عجرة، وهو بيانٌ لِمَا أُجمل في الآية.
وقولُه: (و «أو» للتخيير): يفيدُ أَنَّ مَنْ وجبت عليه الفديةُ يُجزئه واحدٌ من الثلاثة؛ كخصال كفارة اليمين.
وقولُه: (وألحق به … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ مَنْ حَلَقَ لغير عذرٍ تجب عليه الفديةُ؛ كمن حلق لعذر.
وقولُه: (في حال الإحرام به): يريد: أَنَّ صيامَ الأَيام الثلاثةِ يكون بعد إحرام المتمتعِ بالحجِّ، فيُحرم بالحج في اليوم السادس أو السابع من ذي الحجة، وقيل: يجوز صيامُها بعد الإحرام بالعمرة أو بعد التحلل منها؛ وهذا أصح.
وقولُه: (ولا يجوز صومها … ) إلى آخره: أي: صوم الأيام الثلاثة، والصحيحُ أنه يجوز صوم أيام التشريق كما في حديث ابن عمر وعائشة ﵃ قالا: «لم يُرخَّصْ في أَيام التشريق أَنْ يُصَمنَ إِلَّا لمن لم يجد الهدي» (١).
وقولُه: (وقيل: إذا فرغتم من أعمال الحج): الصوابُ: القولُ الأولُ، فوقتُ صيام الأَيام السبعة إذا رجع الحاج إلى أهله (٢).
وقولُه: (وفيه التفاتٌ عن الغيبة): يريد أَنَّ قوله: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فيه التفاتٌ عن الغيبة إلى الخطاب؛ لأنَّ كلَّ ما قبله من قبيل الكلام عن غائب.
وقولُه: (جملةُ تأكيدٍ لِمَا قبلها): لأنَّ عشرةَ جمعُ ثلاثة وسبعة، فعلى هذا القول لم تُفد الجملةُ معنى جديدًا؛ لأنَّ ذكرها لمحضِ التأكيد، ومن أحسن ما قيل في وجه ذكر هذه الجملة: دفعُ توهُّم التخيير بين الثلاثة والسبعة؛ لأنَّ
стр. 411
الواو قد تكون في بعض المواضع بمعنى «أو»، وقد استظهرتُ وجهًا لذكر هذه الجملة ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، وهو الدلالة على أنه لا يجزئ صوم بعضها، فلا بد إذًا من صيام عشرة أيام كاملة (١).
وقولُه: (الحكمُ المذكورُ … ) إلى آخره: جعل اسمَ الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ راجعًا إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ … ﴾ وما بعده، وقيل: اسمُ الإشارة راجع إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾، وهو أظهر، وعليه: فالمتعةُ مخصوصةٌ بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ولا متعةَ لمن كان من سكان الحرم، وقد اختلف العلماءُ في المراد بحاضري المسجد الحرام، وأقربها أنه مَنْ كان نازلًا في الحرم.
وقولُه: (فإن كان فلا دم عليه ولا صيام، وإن تمتع): هذا مبنيٌّ على ما سبق؛ أَنَّ اسمَ الإشارة راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وعلى ما نقله المؤلفُ عن الشافعي من أَنَّ حاضرَ المسجد الحرام مَنْ كان دون مرحلتين من الحرم (٢)، فإنه يصحُّ منه التمتع ولا دم ولا صيام عليه، والمرحلة؛ يريد بها الفقهاء المسافة التي تقطع في يوم وليلة ولهذا عبر بعضهم بمن كان دون ليلتين من الحرم.
وقولُه: (وفي ذكر «الأهل» إشعار باشتراط الاستيطان … ) إلى آخره: هذا استنباطٌ صحيحٌ، ولكن فيما فُرِّع عليه نظرٌ.
стр. 412
وقولُه: (والثاني: لا): يريد: الوجهَ الثاني في مذهب الشافعي؛ مَنْ تمتَّعَ وهو دون مرحلتين من الحرم فلا دم عليه ولا صيام، وإن أقام بمكة قبل الحج (١).
وقولُه: (والأهل كناية عن النفس): هذا غريبٌ ولا يظهر له وجه.
وقولُه: (وأُلحق بالمتمتع … ) إلى آخره: معناه أَنَّ القارنَ بين الحج والعمرة ملحقٌ بالمتمتع في وجوب ما استيسر من الهدي، ووجوبِ صيامِ ثلاثةِ أيامٍ وسبعة لمن لم يجد.
* * *
стр. 413
وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْبَاب (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]:
يُخبر تعالى في هذه الآية بأنَّ وقتَ الإحرام بالحج وأعمال الحج أَشهرٌ معلومة من أشهر السَّنة، وقد ذهب جمهورُ العلماء إلى أَنَّ أشهرَ الحجِّ: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة كما صح ذلك عن ابن عمر ﵄ وغيره (١)، وهذا وقتُ الإحرام بالحج، فلا ينعقدُ بعده بالإجماع، ولا يصح الإحرام قبل أشهره، وقيل: أَشهرُ الحجِّ: شوال وذو القعدة وذو الحجة كله (٢)، كما يدل لذلك لفظ الجمع، وقد بيَّنت السنَّةُ تفصيلَ ذلك ببيان أيام المناسك، وهي ستةُ أيامٍ أولها يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة، وآخرُها آخرُ أيامِ التشريق وهو الثالث عشر من ذي الحجة، ومَن قال أَشهر الحج: شوال وذو القعدة
стр. 414
وذو الحجة؛ قال: لا يجوز تأخيرُ شيءٍ من أعمال الحج عن شهر ذي الحجة، ومُتعلّقُ هذا الخلاف طوافُ الإفاضة (١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أَوجبَ على نفسه الحجَّ بالشروع فيه؛ فإنه يجبُ بمجرد الإحرام به وإن كان تطوعًا، ويجبُ إتمامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والإحرام به يبدأُ وقتُه من أول ليلة من شوال، ولا يصحُّ قبل ذلك على الصحيح، وهو مذهب الشافعي (٢)، وآخرُ وقتِه: آخرُ ليلةِ النحر إذا بقي مقدار ما يمكن فيه إدراكُ الوقوف بعرفة قبل طلوعِ الفجر، وهو إجماعٌ كما تقدَّم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: النفيُ في هذه الجمل بمعنى النهي؛ أي: فلا يرفثْ ولا يَفسُقْ ولا يُجادلْ، والرفثُ: الجماعُ ودواعيه والكلامُ فيه بحضرة النساء، والفسوقُ: جميعُ المعاصي، ومنه محظورات الإحرام، والجدالُ في الحج: هو الجدالُ حالَ الإحرام في أي أمرٍ يختلف فيه، ومنه الجدالُ في أحكام الحج ومناسكه، فعُلم بذلك أَنَّ مَنْ بِرِّ الحج تركُ هذه المنهيات، فالحجُّ المبرورُ: ما جمع بين فعلِ المأمورات وتركِ المنهيات.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾: ترغيبٌ في فعل الخير من أنواع الطاعات القولية والعملية البدنية والمالية، وذكر العلمِ في قوله: ﴿يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ يتضمَّنُ الوعدَ بالثواب.
وقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾: أَمرٌ بأَخذ الزاد؛ وهو النفقةُ في سفر الحج، ولَمَّا أَمرَ تعالى بأخذ الزاد في سفر الدنيا نبَّه على ما هو أهمُّ منه وأعظم، نبَّه على زاد سفرِ الآخرة وهو التقوى؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾؛
стр. 415
وهي: فِعلُ المأموراتِ وتَركُ المنهيات، فذلك هو الذي يقي العبدَ من سخط الله وعذابه، ثم أكد ذلك تعالى بقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْبَاب (١٩٧)﴾، فأمر بخير زادٍ، وخصَّ بالخطاب أولي الألباب؛ وهم أهلُ العقول النيرة الزكية التي تُميِّزُ بين الحقِّ والباطلِ، والنافع والضار، وتؤثرُ الهدى والرُّشدَ على الضلالة والغي.
﴿الْحَجُّ﴾ وقته ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ شوالُ وذو القعدة وعشرُ ليالٍ من ذي الحجة، وقيل: كلُّه ﴿فَمَنْ فَرَضَ﴾ على نفسه ﴿فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ بالإحرام به ﴿فَلَا رَفَثٌ﴾ جماعَ فيه ﴿وَلَا فُسُوقٌ﴾ معاصٍ ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ خصامَ ﴿فِي الْحَجِّ﴾ وفي قراءة: بفتح الأولين (١)، والمراد في الثلاثة: النهي ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ كصدقةٍ ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فيُجازيكم به، ونزل في أهل اليمن، وكانوا يحجُّونَ بلا زادٍ، فيكونون كَلًّا على الناس ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ ما يُبلِّغكُم لسفركم ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ما يتقى به سؤال الناس وغيره ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ذوي العقول.
وقولُ المؤلِّف: (وقته): يريد أَنَّ ﴿أَشْهُرٌ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والتقدير: الحجُّ وقتُه أَشهرٌ، وبعضُهم يُقدِّر مضافًا محذوفًا هو مبتدأ، وخبرُه: أَشهر، وعلى هذا فالتقدير: وقتُ الحجِّ أشهرٌ (٢).
стр. 416
وقولُه: (شوال … ) إلى آخره: بيانٌ للمراد بالأشهر، وأَشار إلى القولين في ذلك كما تقدَّم.
وقولُه: (على نفسه): يُبيِّنُ أَنَّ معنى ﴿فَرَضَ﴾: أَوجبَ على نفسه الحج بالإحرام به كما ذكر المؤلف بعد، وهكذا حُكم العمرةِ تجب بالشروع فيها.
وقولُه: (ونزل في أهل اليمن … ) إلى آخره: يُشيرُ إلى سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ (١). وقولُه: (ما يُبلِّغكُم لسفركم): أي: خذوا من النفقة ما يكفيكم في سفر الحجِّ مع التوكل على الله.
وقولُه: (ما يُتَّقى به سؤال الناس … ) إلى آخره: جعل هذا تفسيرًا للتقوى، وفي هذا التفسيرِ نظرٌ، والأصلُ أَنَّ التقوى تقوى الله بفعل ما أَمرَ به واجتناب ما نهى عنه، ولهذا أَكَّدَ الثناءَ على التقوى للأمر بها في قوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
* * *
стр. 417
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِنْ رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]:
يُبيِّنُ تعالى في هذه الآيات أنه ليس على الحاج جُناحٌ -أي: إثمٌ- في طلب فضل الله؛ أي: رِزقه بالتجارة في سفر الحج وفي مكة والمشاعر، وقد نزلت هذه الآيةُ لمَّا تحرَّج بعضُ المسلمين من الاتجار في الحج (١)، وإذا كان الحجُّ هو المقصودُ الأولُ في السفر لم يقدحِ الاتجارُ في النية، ولم ينقص به الثواب؛ لأنه -أي: الاتجار- حينئذٍ مقصودٌ بالتَّبع، أَمَّا إذا كان المقصودُ في السفر هو التجارة في موسم الحج، والحجُّ تابعٌ؛ فالاتجارُ لا يقدح في صحة الحج، ولكنه لا يبلغ منزلةَ من أنشأ السفرَ للحج، وأَخلص النيةَ لذلك (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: أي: إذا دفعتم مُنصرفين من عرفة إلى مزدلفة بعد غروب الشمس؛ فاذكروا اللهَ عند المشعر الحرام، وهو جبلٌ صغيرٌ معروفٌ بالمزدلفة، وقف عنده النبيُّ ﷺ (٣)، ويُطلَقُ هذا الاسمُ على كل مزدلفة، فيقال لها: المشعرُ، وجَمْعٌ، ومزدلفة (٤)، ويقال لتلك الليلة: ليلة عرفة؛ لأنها وقتُ الوقوف بعرفة، وليلة جَمْعٍ لنزول الحاجِّ فيها تلك الليلة. والوقوف بعرفة هو ركنُ الحج الأعظم، والوقوف بمزدلفة أحدُ مناسك الحج الواجبة؛ لقوله
стр. 418
تعالى: ﴿فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، ويدخل في الذكر صلاةُ المغرب والعشاء فيها وصلاة الفجر.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾: تأكيدٌ للأمر بالذكر عند المشعر الحرام؛ أي: اذكروا الله شكرًا على نعمته بهدايته إياكم لدين الإسلام وشرائعه، ومناسك الحج التي هي من ملة إبراهيم ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين (١٩٨)﴾: أي: وإنكم كنتم قبل هدى الله إياكم من الضالين عن طريق الحق.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾: قيل: المراد «الإفاضة» من عرفة، وهو قول جمهور المفسرين، وحكى ابن جرير الإجماع عليه، وقيل: المراد «الإفاضة من مزدلفة» صبح يوم النحر، وهذا هو ظاهر القرآن لولا أنه خلاف قول الجمهور من المفسرين (١).
والمراد بالناس: جمهور الناس؛ وهم من عدا قريش، فقد كان جمهورُ الناس يقفون بعرفة، وقريشٌ تقف باليوم التاسع بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهلُ الحرم لا نخرج منه، وهذا من بدعهم في الحج، فإنهم خالفوا سنَّةَ إبراهيم ﵇ فقد كان يقف بعرفة، ولذا قال بعض المفسرين: المراد بالناس إبراهيمُ ﵇ (٢)، وعلى هذا يكون من العام الذي أُريد به الخصوص؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
стр. 419
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ﴾: أَمرٌ من الله لحجاج بيتِه بعد الإفاضتين من عرفة ومزدلفة بالاستغفار؛ وهو: طلب المغفرة من الله لذنوبهم، ورغبهم في ذلك بإخبارهم أنه تعالى غفورٌ؛ أي: كثيرُ المغفرةِ لذنوب عباده، والندبُ للاستغفار في هذا الموضع من قَبيل ختمِ العمل بالاستغفار؛ كالاستغفار بعد التهجد، وفي أَدبار الصلوات المكتوبة. ﴿رَّحِيم (١٩٩)﴾: أي: ذو رحمةٍ واسعةٍ، فأمر تعالى في هذه الآية بذكره وبالاستغفار، وكثيرًا ما يقرن تعالى بين الأمرين؛ كقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار (٥٥)﴾ [غافر: ٥٥].
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ في ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿فَضْلًا﴾ رزقًا ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بالتجارة في الحج، نزل ردًّا لكراهتهم ذلك ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ دفعتم ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ بعد الوقوف بها ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بعد المبيتِ بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ هو جبلٌ في آخر المزدلفة يقال له: قزح، وفي الحديث أنه ﷺ وقفَ به يذكر اللهَ ويدعو حتى أَسفر جدًا رواه مسلم (١) ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ لمعالم دينه ومناسكِ حجِّه، والكاف للتعليل ﴿وَإِنْ﴾ مخفَّفةٌ ﴿كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ قبل هداه ﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ ﴿ثُم أَفِيضُوا﴾ يا قريش ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي: من عرفة؛ بأن تقفوا بها معهم، وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفُّعًا عن الوقوف معهم، و «ثم» للترتيب في الذكر ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من ذنوبكم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
стр. 420
وقولُ المؤلِّف: (في): يُبيِّنُ أَنَّ المصدرَ المؤول ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ منصوبٌ بنزع الخافض.
وقولُه: (نزل ردًّا … ) إلى آخره: إشارةٌ إلى سبب النزولِ.
وقولُه: (بعد المبيت بمزدلفة … ) إلى آخره: أي: وبعد صلاة الفجر يُسَنُّ الدعاءُ والذكرُ عند المشعر، أو أيِّ مكانٍ من المزدلفة؛ لفعله ﷺ وقولُه: ((وجمع كلها موقف)) (١).
وقولُه: (وفي الحديث … ) إلى آخره: هذا طرفٌ من حديث جابر في صفة حجته ﷺ (٢).
وقولُه: (لمعالم دينه … ) إلى آخره: بيانٌ لمتعلّقِ الهداية؛ فمعنى ﴿هَدَاكُمْ﴾: «عرَّفكم».
وقولُه: (معالم دينه): يعني: شعائرَ الإسلام، ومناسك الحج: أعمال الحج.
وقولُه: (الكاف للتعليل): يعني: أنها بمعنى: اللام؛ فالمعنى: اذكروه من أجل هدايته إياكم، وذكره تعالى من أجل إنعامه هو ذكرٌ وشكرٌ؛ لأَنَّ الثناء على المنعم هو من الشكر بالقول.
وقولُه: (قبل هداه): بيانٌ لمرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل هدايته إياكم. وقولُه: (يا قريش): تخصيصٌ للخطاب بقريش؛ لأنهم الذين لا يقفون بعرفة كما يقف سائر الناس، والآيةُ عامَّةٌ لقريش وغيرهم، والأمرُ بالإفاضة من عرفة أمرٌ بالوقوف بها.
وقولُه: (و «ثم»): يريد ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾.
стр. 421
وقولُه: (للترتيب في الذكر): أي: لا في الحكم لأَنَّ الأمر بالإفاضة من عرفة جاء بعد الأمر بالذكر عند المشعر الحرام (١).
وقولُه: (للمؤمنين): تقييدٌ لا داعي إليه، فاللهُ غفورٌ للمؤمنين وللكافرين إذا تابوا إليه.
* * *
стр. 422
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠) وِمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]:
يأمرُ اللهُ -تعالى- عبادَه إذا فرغوا من أداء مناسك حجِّهم أَنْ يذكروه بالثناء عليه؛ بذكرِ أسمائه الحسنى وصفاتِه العُلَى، وذِكر نِعمه التي لا تُحصَى، ذِكرًا مثلَ ذِكرِ آبائهم أو أشد، وكان أهلُ الجاهلية إذا فرغوا من حجِّهم أَقبلوا يتفاخرون بعضهم على بعض ويُعدِّدون مفاخرَ آبائهم.
ثم يذكر أَنَّ الناسَ صنفان؛ صنفٌ لا يريد إلَّا حظَّ الدنيا والثوابَ العاجل، فهو لا يسألُ ربَّه إلَّا ذلك، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة نصيبٌ؛ فقال تعالى في هذا الصنف: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠)﴾ أي: نصيب، وأَمَّا الصنفُ الآخرُ: فهم الذين يطلبون الخيرَ والسعادةَ في الدنيا والآخرة، ويسألون ربهم ذلك، وقد أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وِمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (٢٠١)﴾، فتضمَّن هذا الدعاءُ سؤالَ الله ثوابَ الدنيا والآخرة، والوقايةَ من عذاب النار، وحسنةُ الدنيا: يدخل فيها كلُّ عملٍ صالحٍ، وكلُّ ما يُعينُ على ذلك من مالٍ وزوجةٍ وولدٍ، وحسنةُ الآخرةِ: هي الجنةُ (١)، فكان هذا الدعاءُ من الجوامع؛ ولهذا كان النبيُّ ﷺ يُكثر من الدعاء به، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ كما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ (٢).
стр. 423
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ اسمُ الإشارة: راجعٌ إلى الصنف الثاني من الناس، وهم السعداءُ الراغبون والطالبون لخير الدنيا والآخرة، وأُشيرَ إليهم بإشارة البعيد لعلوِّ منزلتهم وارتفاعِ قدرهم (١)، يُخبرُ تعالى أَنَّ لهم نصيبًا من الثواب في الآخرة بسبب كسبهم؛ أي: عملهم، وهذا مُقابلٌ لقوله في الصِّنفِ الأَوَّلِ الذين لا يريدون إلَّا الدنيا: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب (٢٠٢)﴾: يعني: أَنَّه يُحاسبُ عبادَه حسابًا سريعًا، وقد أَحصى على العباد أعمالهم، فيصير كلُّ فريقٍ من الناس إلى الدار التي هو من أهلها، الجنة أو النار؛ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير (٧)﴾ [الشورى: ٧].
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ﴾ أَدَّيتم ﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾ عباداتِ حجِّكم، بأَن رَميتم جمرةَ العقبةِ وطُفتم واستقررتم بمنى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتكبيرِ والثناءِ ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ كما كنتم تذكرونهم عند فراغِ حجِّكم بالمفاخرة ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ مِنْ ذكركم إيَّاهم، ونصب «أشد» على الحال من «ذكرًا» المنصوب بـ «اذكروا»، إذ لو تأخَّر عنه لكان صفةً له ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا﴾ نصيبنا ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ فيؤتاه فيها ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ نصيبٍ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ نعمةً ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ هي: الجنةُ ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ بعدم دخولها، وهذا بيانٌ لِمَا كان عليه المشركون ولحالِ المؤمنين، والقصدُ به: الحثُّ على طلب خيري الدارين كما وعد بالثواب عليه بقوله ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ ثوابٌ ﴿مـ﴾ ن أَجل ﴿ما كَسَبُوا﴾ عملوا من الحجِّ والدعاءِ ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُحاسِبُ الخلقَ كلَّهم في قدر نصفِ نهارٍ من أيام الدنيا؛ لحديث بذلك.
стр. 424
وقولُ المؤلِّف: (بأن رَميتم جمرةَ العقبة … ) إلى آخره: هذا يقتضي أَنَّ المرادَ بقضاء المناسكِ: قضاءُ مُعظمها لا كلها، فإنه يبقى بعد رمي جمرةِ العقبة والطواف رميُ الجمار في الأيام الثلاثة والوداع.
وقولُه: (ونصب «أشد» على الحال): في هذا الإعراب نظرٌ، والصواب: أَنَّه نائبٌ عن المفعول المطلق (١).
وقولُه: (من أَجل): يُفيدُ أَنَّ مِنْ للتعليل.
وقولُه: (في قدر نصفِ نهارٍ من أيام الدنيا لحديث بذلك): يُشيرُ إلى ما رواه الحاكم وصححه عن ابن مسعود ﵁ قال: «لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء»، ثم قرأ: ﴿إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] (٢).
* * *
стр. 425
وقوله تعالى: ﴿* وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]:
يأمر اللهُ الحجاجَ وغيرهم بذكره ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾؛ وهي: أيام منى؛ الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ويُقال لها: أيامُ التشريق، ومن ذكره تعالى التكبيرُ المطلق والمقيد، وعند رمي الجمار، وعند ذبح القرابين من هدي وأضحية.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: أي: تعجَّل بالرجوع إلى أهله في يومين من الأيام الثلاثة، وذلك يكون في اليوم الثاني من أيام منى، وهو الثاني عشر من ذي الحجة، وُيسمَّى يوم النفر الأول.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أي: فلا إثم عليه ولا حرج في تعجُّلِه.
وقوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾: أي: في الرجوع إلى أهله إلى اليوم الثالث من أيام منى، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، ويقال له: يومُ النفر الثاني.
وقوله: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أي: لا حرج عليه في تأخُّرِه، وعلى هذا فالحاجُّ مخيَّرٌ في النفر بين التعجل والتأخُّر، وضعَّفَ ابنُ جرير هذا القول، واختار أَنَّ معنى قوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الجملتين؛ أي: قد غفر اللهُ له ذنوبه إذا اتقى الله في حجِّهِ فلم يفعل ما نهي عنه من الرفث والفسوق، واستشهد لذلك بقوله ﷺ : ((من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)) (١)، وتأوَّل بهذا المعنى الذي اختاره؛ قولَه تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: هذا الوعد بنفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى اللهَ في حجِّه، فكلُّ حاجٍّ اتقى اللهَ يغفر اللهُ ذنوبه فيرجع كما ولدته أمه، فعُلم بذلك أَنَّه لا فرق