← Тафсир

Тафсир · id 288

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ 1

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (688 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقولُه: (للترتيب في الذكر): أي: لا في الحكم لأَنَّ الأمر بالإفاضة من عرفة جاء بعد الأمر بالذكر عند المشعر الحرام (١). وقولُه: (للمؤمنين): تقييدٌ لا داعي إليه، فاللهُ غفورٌ للمؤمنين وللكافرين إذا تابوا إليه. * * *

стр. 422

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠) وِمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]: يأمرُ اللهُ -تعالى- عبادَه إذا فرغوا من أداء مناسك حجِّهم أَنْ يذكروه بالثناء عليه؛ بذكرِ أسمائه الحسنى وصفاتِه العُلَى، وذِكر نِعمه التي لا تُحصَى، ذِكرًا مثلَ ذِكرِ آبائهم أو أشد، وكان أهلُ الجاهلية إذا فرغوا من حجِّهم أَقبلوا يتفاخرون بعضهم على بعض ويُعدِّدون مفاخرَ آبائهم. ثم يذكر أَنَّ الناسَ صنفان؛ صنفٌ لا يريد إلَّا حظَّ الدنيا والثوابَ العاجل، فهو لا يسألُ ربَّه إلَّا ذلك، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة نصيبٌ؛ فقال تعالى في هذا الصنف: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠)﴾ أي: نصيب، وأَمَّا الصنفُ الآخرُ: فهم الذين يطلبون الخيرَ والسعادةَ في الدنيا والآخرة، ويسألون ربهم ذلك، وقد أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وِمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (٢٠١)﴾، فتضمَّن هذا الدعاءُ سؤالَ الله ثوابَ الدنيا والآخرة، والوقايةَ من عذاب النار، وحسنةُ الدنيا: يدخل فيها كلُّ عملٍ صالحٍ، وكلُّ ما يُعينُ على ذلك من مالٍ وزوجةٍ وولدٍ، وحسنةُ الآخرةِ: هي الجنةُ (١)، فكان هذا الدعاءُ من الجوامع؛ ولهذا كان النبيُّ ﷺ يُكثر من الدعاء به، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ كما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ (٢).

стр. 423

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ اسمُ الإشارة: راجعٌ إلى الصنف الثاني من الناس، وهم السعداءُ الراغبون والطالبون لخير الدنيا والآخرة، وأُشيرَ إليهم بإشارة البعيد لعلوِّ منزلتهم وارتفاعِ قدرهم (١)، يُخبرُ تعالى أَنَّ لهم نصيبًا من الثواب في الآخرة بسبب كسبهم؛ أي: عملهم، وهذا مُقابلٌ لقوله في الصِّنفِ الأَوَّلِ الذين لا يريدون إلَّا الدنيا: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب (٢٠٢)﴾: يعني: أَنَّه يُحاسبُ عبادَه حسابًا سريعًا، وقد أَحصى على العباد أعمالهم، فيصير كلُّ فريقٍ من الناس إلى الدار التي هو من أهلها، الجنة أو النار؛ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير (٧)﴾ [الشورى: ٧]. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ﴾ أَدَّيتم ﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾ عباداتِ حجِّكم، بأَن رَميتم جمرةَ العقبةِ وطُفتم واستقررتم بمنى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتكبيرِ والثناءِ ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ كما كنتم تذكرونهم عند فراغِ حجِّكم بالمفاخرة ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ مِنْ ذكركم إيَّاهم، ونصب «أشد» على الحال من «ذكرًا» المنصوب بـ «اذكروا»، إذ لو تأخَّر عنه لكان صفةً له ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا﴾ نصيبنا ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ فيؤتاه فيها ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ نصيبٍ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ نعمةً ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ هي: الجنةُ ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ بعدم دخولها، وهذا بيانٌ لِمَا كان عليه المشركون ولحالِ المؤمنين، والقصدُ به: الحثُّ على طلب خيري الدارين كما وعد بالثواب عليه بقوله ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ ثوابٌ ﴿مـ﴾ ن أَجل ﴿ما كَسَبُوا﴾ عملوا من الحجِّ والدعاءِ ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُحاسِبُ الخلقَ كلَّهم في قدر نصفِ نهارٍ من أيام الدنيا؛ لحديث بذلك.

стр. 424

وقولُ المؤلِّف: (بأن رَميتم جمرةَ العقبة … ) إلى آخره: هذا يقتضي أَنَّ المرادَ بقضاء المناسكِ: قضاءُ مُعظمها لا كلها، فإنه يبقى بعد رمي جمرةِ العقبة والطواف رميُ الجمار في الأيام الثلاثة والوداع. وقولُه: (ونصب «أشد» على الحال): في هذا الإعراب نظرٌ، والصواب: أَنَّه نائبٌ عن المفعول المطلق (١). وقولُه: (من أَجل): يُفيدُ أَنَّ مِنْ للتعليل. وقولُه: (في قدر نصفِ نهارٍ من أيام الدنيا لحديث بذلك): يُشيرُ إلى ما رواه الحاكم وصححه عن ابن مسعود ﵁ قال: «لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء»، ثم قرأ: ﴿إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] (٢). * * *

стр. 425

وقوله تعالى: ﴿* وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]: يأمر اللهُ الحجاجَ وغيرهم بذكره ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾؛ وهي: أيام منى؛ الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ويُقال لها: أيامُ التشريق، ومن ذكره تعالى التكبيرُ المطلق والمقيد، وعند رمي الجمار، وعند ذبح القرابين من هدي وأضحية. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: أي: تعجَّل بالرجوع إلى أهله في يومين من الأيام الثلاثة، وذلك يكون في اليوم الثاني من أيام منى، وهو الثاني عشر من ذي الحجة، وُيسمَّى يوم النفر الأول. وقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أي: فلا إثم عليه ولا حرج في تعجُّلِه. وقوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾: أي: في الرجوع إلى أهله إلى اليوم الثالث من أيام منى، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، ويقال له: يومُ النفر الثاني. وقوله: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أي: لا حرج عليه في تأخُّرِه، وعلى هذا فالحاجُّ مخيَّرٌ في النفر بين التعجل والتأخُّر، وضعَّفَ ابنُ جرير هذا القول، واختار أَنَّ معنى قوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الجملتين؛ أي: قد غفر اللهُ له ذنوبه إذا اتقى الله في حجِّهِ فلم يفعل ما نهي عنه من الرفث والفسوق، واستشهد لذلك بقوله ﷺ : ((من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)) (١)، وتأوَّل بهذا المعنى الذي اختاره؛ قولَه تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: هذا الوعد بنفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى اللهَ في حجِّه، فكلُّ حاجٍّ اتقى اللهَ يغفر اللهُ ذنوبه فيرجع كما ولدته أمه، فعُلم بذلك أَنَّه لا فرق

стр. 426

بين مَنْ تعجَّل ومَن تأَخَّر من حيث مغفرة الذنوب، وهذا يتضمَّنُ التخييرَ بين التعجُّل والتأَخُّر (١). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾: وصيَّةٌ من الله بالتقوى بعد بيان أنها سبب لمغفرة الذنوب. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون (٢٠٣)﴾: أمر بالعلم وإعلام بما تضمَّنه قوله تعالى: ﴿أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون (٢٠٣)﴾؛ أي: تجمعون يوم القيامة للحساب والجزاء، وذكر الحشر بعد الأمر بالتقوى؛ لأَنه من أعظم البواعث عليها استعدادًا له. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتكبير عند رمي الجمرات ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: أيامِ التشريقِ الثلاثة ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ أي: استعجلَ بالنفر من منى ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: في ثاني أيام التشريق بعد رمي جِماره ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بالتعجيل ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جِمارَه ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بذلك؛ أي: هم مُخيَّرون في ذلك، ونفي الإثم ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الله في حَجِّه؛ لأنه الحاجُّ على الحقيقة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ في الآخرة، فيُجازيكم بأعمالكم. وقولُ المؤلِّف: (بالنفر من منى): هذا باعتبار الغالب، وإلا فقد يكون الحاجُّ قد بات خارج منى فيتعجَّل بالخروج من منزله. وقولُه: (أي: في ثاني أيام … ) إلى آخره: يُنبِّه على أَنَّ النفرَ لا يكون إلَّا بعد رمي الجمار الثلاث.

стр. 427

وقولُه: (بالتعجيل): هذا مبنيٌّ على أَنَّ المرادَ: التخييرُ ونفيُ الحرج، وقد ضعَّفَ ابنُ جرير هذا القولَ، وبيَّنَ الصوابَ في ذلك، وهو أَنَّ المرادَ الإخبارُ بمغفرة الذنوب للحاجِّ تعجَّلَ أو تأخَّرَ إذا اتقى الله. وقولُه: (حتى بات ليلة الثالث … ) إلى آخره: هذا بيانٌ لصفة التأخر. وقولُه: (هم مُخيَّرون): هذا مبنيٌّ على أَنَّ المقصود بنفي الإثم في الجملتين التخيير، وهذا قولٌ مرجوحٌ كما تقدَّم. وقولُه: (ونفي الإثم ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ اللهَ في حجِّه … ) إلى آخره: فيه التفاتةٌ للقول الآخر الذي رجَّحه ابنُ جرير (١). * * *

стр. 428

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَاد (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٧]: يُخبر تعالى في هذه الآيات عن صنفين من الناس؛ أحدهما: يُخالفُ ظاهرُه باطنَه، وفعلُه قولَه، فقولُه يُعجبُ سامعَه لحُسن بيانِه ولِمَا يُظهره من دعوى الإيمان، حتى يُشهدَ اللهَ على ما في قلبه قائلًا: إنَّ اللهَ شاهدٌ على ما في قلبي من الإيمان، أو: يعلمُ اللهُ أني صادقٌ، وهو كاذبٌ في قوله، وهذا عينُ النفاق، وهو دَيدنه في حياته، يُعجبُ سامعَه كلامُه، ولكنه شديدُ اللددِ في المخاصمة، بكثرة الجدال والعناد، وعدمِ الانقياد مع الكذب والفجور والدعاوى الباطلة، وهو معنى قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام (٢٠٤)﴾، وهذا الصنفُ هو المنافقُ المذكورُ في أَوَّلِ السورة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]. ولَمَّا ذكر اللهُ سوءَ أَقوالِه ذكرَ سُوءَ أفعالِه؛ فقال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا﴾؛ أي: إذا ذهب وغاب عن الناس سعى في الأرض بالفساد؛ أي: بالمعاصي فيتسبَّبُ بذلك في إهلاك الأموال من الحروث والحيوانات، وتقبيحًا له ولفعله قال تعالى: ﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَاد (٢٠٥)﴾، إذًا: فلا يحبُّ المفسدين، وما أخبر تعالى أنه لا يُحبُّه فهو يُبغضه، ثم أَخبر تعالى عن تكبُّرِ هذا المفسد عن الحق؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ يعني: إذا أمر بطاعة الله وترك المعاصي أَنف من ذلك، وحمله كِبرُه وعزَّتُه على ارتكاب الإثم معاندةً للحق، وهذا معنى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾، ثم توعَّده اللهُ بجهنم وأنها تكفيه نَكالًا، وله منها مهادٌ وبئس المهاد.

стр. 429

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد (٢٠٧)﴾: هذا هو الصنفُ الثاني من الناس، وهو الذي يَشري نفسَه؛ أي: يبيعها في سبيل مرضاة الله؛ أي: يجود بنفسه ليرضي اللهَ، فرِضا الله هو أعلى مَطالبه، ولو أَدَّى ذلك إلى تلف نفسه كما يفعل المجاهدُ في سبيل الله، وهذا أَدلُّ دليلٍ على صِدق إيمانِه واستقامته في أقواله وأفعاله، وبهذا يظهرُ التقابلُ بين هذين الصنفين من الناس، فالأول هو المنافق، والثاني هو المؤمن الصادق. وقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد (٢٠٧)﴾: أي: عظيم الرحمة بعبادة المؤمنين، ومن رأفته ألَّا يُكلفهم ما لا يطيقون. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ولا يُعجبك في الآخرة؛ لمخالفته لاعتقاده ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أنه موافقٌ لقوله ﴿وَهْوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ شديدُ الخصومةِ لك ولأتباعك؛ لعداوته لك، وهو الأخنس بن شريق، كان منافقًا حلوَ الكلام للنبي، يحلفُ أنه مؤمنٌ به ومُحبٌّ له، فيُدني مجلسَه، فأكذبه اللهُ في ذلك، ومرَّ بزرعٍ وحُمُر لبعض المسلمين فأحرقَه وعقرها ليلًا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ انصرف عنك ﴿سَعَى﴾ مشى ﴿فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ من جملة الفساد ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يرضى به ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ في فعلك ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ حملته الأنفةُ والحميةُ على العمل ﴿بِالْإِثْمِ﴾ الذي أُمر باتقائه ﴿فَحَسْبُهُ﴾ كافيه ﴿جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراشُ هي ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي﴾ يبيعُ ﴿نَفْسَهُ﴾ أَي: يبذلها في طاعة الله ﴿ابْتِغَاءَ﴾ طلبَ ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ رضاه. وهو صهيبٌ، لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك لهم مالَه ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ حيث أرشدهم لِمَا فيه رضاه.

стр. 430

وقولُ المؤلِّف: (ولا يعجبك في الآخرة … ) إلى آخره: هذا يقتضي أَنَّ الجارَ والمجرور ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مُتعلِّقٌ بقول، وذلك لحذقه في أمر الدنيا دون الآخرة. وقولُه: (أنه موافقٌ لقوله): يريد: أَنَّ هذا المنافقَ الذي ظاهره يُخالفُ باطنَه يُبالغ في الكذب، يدَّعي أَنَّ اللَه يشهد أَنَّ باطنَه موافقٌ لظاهره. وقولُه: (شديدُ الخصومةِ لك): هذا تفسيرٌ لقوله: ﴿أَلَدُّ الخِصَام﴾، وشدَّةُ الخصومة تكون بالكذب وكثرةِ الجدال وعدمِ الانقياد للحجة والمراوغة في الكلام. وقولُه: (وهو الأخنس … ) إلى آخره: فيه إشارةٌ إلى سبب النزول (١)، وتفسيرٌ لقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا … ﴾ الآية. وقولُه: (مشى): هذا تفسيرٌ قاصرٌ، والسعيُ: يُطلَقُ على معاني، والمناسبُ هنا: السعيُ بمعنى: العمل المقصود؛ للتوصل به إلى أَمرٍ من الأمور (٢)، ومقصودُ هذا الساعي هو الإفسادُ في الأرض. وقولُه: (من جملة الفساد): يُبيِّنُ أَنَّ عطفَ «يهلك» على «يفسد» من عطف الخاص على العام. وقولُه: (أي: لا يرضى به): فسَّرَ المحبةَ بالرضا، والمحبةُ والرضا متغايران لكن متلازمان إثباتًا ونفيًا، والأشاعرةُ لا يُثبتون المحبةَ ولا الرضا، ولذا يُفسرونهما بالإرادة (٣).

стр. 431

وقولُه: (حملته … ) إلى آخره: هذا معنى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾. وقولُه: (على العمل): أي: على العمل بالإثم. وقولُه: (الذي أُمِرَ باتقائه): يريد: أَنَّ معنى: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ اتَّقِ معاصيَ الله باجتنابها، والإثم: اسمٌ لكلِّ معصية (١). وقولُه: (هي): بيانٌ للمخصوص بالذم؛ فالمعنى: بئس المهاد جهنم. وقولُه: (رضاه): يُفيدُ أَنَّ مرضاة مصدرٌ ميمي؛ بمعنى: الرضا؛ فالمعنى: يطلبُ ببيعه نفسه رضا الله. وقولُه: (وهو صهيبٌ … ) إلى آخره: بيانٌ لسبب نزول الآية، وأَنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ﴾ صهيب الرومي (٢). وقولُه: (حيث أرشدهم لما فيه رضاه): يريد: أَنَّ ذلك من رأفته بعباده، ولذا خُتمت الآيةُ بهذا الاسمِ الشريفِ. * * *

стр. 432

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُور (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب (٢١٢)﴾ [البقرة: ٢٠٨ - ٢١٢]: في هذه الآيات أَمرٌ من الله لعباده المؤمنين أَنْ يدخلوا في السِّلم كافَّة؛ أي: في الإسلام، في كلِّ شرائعه، بالإيمان بها والعمل بها، ثم عقبه بالنهي عن اتباع خطوات الشيطان؛ وهي: طرائِقُه وكل ما يأمر به من الفحشاء والمنكر، وبيَّنَ لهم سبحانه شدَّةَ عداوته للمؤمنين؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٢٠٨)﴾، أي: بيِّن العداوة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٠٩)﴾: فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ لمن زلَّ عن الصراط باتباعِ خطوات الشيطان، بعد مجيءِ الآياتِ البيِّناتِ المبيِّنةِ للهدى من الضلال والحق من الباطل، فقامت بذلك الحُجَّةُ ووضحَ السبيل. وفي قوله: ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٠٩)﴾: تهديدٌ ووعيدٌ، وهذا التهديدُ مُستفادٌ من ذكر اسمه العزيز الحكيم، فإنَّ العزيزَ هو القويُّ الغالبُ، والحكيم هو ذو الحكمة؛ وهي: وضعُ الأشياء في مواضعها، فبعزَّته ينتقم ممن عصاه، وبحكمته يضع الثوابَ والعقابَ مواضعه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ … ﴾ الآية: انتقالٌ من خطاب المؤمنين إلى تهديد المكذِّبين، والاستفهامُ إنكاريٌّ معناه: النفي، و ﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى: ينتظرون، فمعنى الآية: ما ينتظر هؤلاء

стр. 433

المكذِّبون من الكفار والمنافقين إلَّا أَنْ يجيئهم اللهُ يوم القيامة في ظُللٍ من الغمام؛ أي: مع ظُللٍ، والظُّللُ: جمعُ ظُلَّةٍ، وهي: ما يستظلُّ به، ولذا قُرئ: ﴿فِي ظِلَالٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ (١). والغَمامُ: هو السَّحابُ الرقيقُ (٢)، يأتيهم اللهُ للفصل والجزاء، وتجيءُ الملائكة كما قال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، فهنالك يحكمُ اللهُ بين العباد، ويصيرُ كلٌّ من المؤمنين والكفار إلى الجزاء الذي حكم اللهُ به من ثواب وعقاب، وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ أي: فرغ من أمر العباد والحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وفي مظالمهم، وصار كلُّ فريقٍ إلى الدار التي أُعدَّت له، وإلى الله ترجع الأُمور كلها، وهو يفعل ما يشاء، وكلُّ شيءٍ ينتهي إليه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]، ثم أمر اللهُ نبيَّه أَنْ يسأل بني إسرائيل -وهم اليهود الذين كانوا حول المدينة- سؤالَ توبيخٍ، كم آتاهم الله من الآيات البينات على أيدي رسله؟! وتلك نعمةٌ عُظمى عليهم، وواجبٌ عليهم الإيمانُ بها واتباعُ رُسلِ الله، فمَن فعل ذلك نجا، ومَن بدَّل نعمة الله كفرًا استحقَّ العقابَ، كما فعل اليهودُ بتكذيبهم محمدًا ﷺ مع علمهم بصدقه، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (٢١١)﴾. ثم أخبر تعالى بإعجاب الكفارِ بالحياة الدنيا واغترارهم بزينتها، وزينها الشيطان في أعينهم حتى آثروها على الآخرة، ومن شدَّةِ غرورهم وفَرْطِ جَهلهم يسخرون من المؤمنين؛ فقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، ولمَّا كانت سُخريَّتهم من المؤمنين تدلُّ على احتقارهم بسبب أنهم فوقهم في حظوظ الدنيا؛ أخبر تعالى أَنَّ حالهم تنعكس يوم القيامة حين

стр. 434

يصير المؤمنون في عِلِّيين والكفارُ أَسفلَ سافلين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاء﴾: وعدٌ للمؤمنين بالرزق الكثير، وهو الثوابُ العظيمُ والأجرُ الكريم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَاب (٢١٢)﴾: أي: بغير تقديرٍ، فعُلم أنه كثيرٌ كثير. ونزل في عبد الله بن سلام وأصحابِه لمَّا عظَّموا السبتَ وكرهوا الإبل بعد الإسلام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلْمِ﴾ بفتح السِّين وكسرِها: الإسلام ﴿كَافَّةً﴾ حالٌّ من السلم؛ أي: في جميع شرائعه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ﴾ طُرُقَ ﴿الشَّيْطَانِ﴾ أي: تزيينه بالتفريق ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ العداوةِ ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ مِلتمْ عن الدخول في جميعه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الحججُ الظاهرةُ على أنه حقٌّ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعجزه شيءٌ عن انتقامه منكم ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه ﴿هَلْ﴾ ما ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ينتظر التاركون الدخول فيه ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أَمرُه؛ كقوله: «أو يأتي أَمرُ ربك» أي: عذابُه ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمعُ ظُلَّةٍ ﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ السَّحابِ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ تمَّ أَمرُ هلاكهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ بالبناء للمفعول والفاعل في الآخرة فيجازي ﴿سَلْ﴾ يا محمد ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ تبكيتًا ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ «كم»: استفهاميةٌ مُعلِّقة «سل» عن المفعول الثاني، وهي ثاني مفعولي «آتينا» ومميزها ﴿مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ظاهرةٍ؛ كَفَلْقِ البحرِ وإنزالِ المنِّ والسلوى، فبدَّلوها كفرًا ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أي: ما أنعم به عليه من الآيات، لأنها سبب الهداية ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ كفرًا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ له ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بالتمويه فأحبوها ﴿وَ﴾ هم ﴿يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لفقرهم؛ كعمار وبلال وصُهيب؛ أي: يستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال ﴿وَالَّذِينَ

стр. 435

اتَّقَوْا﴾ الشركَ، وهم هؤلاء ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: رزقًا واسعًا في الآخرة أو الدنيا، بأن يملك المسخورِ منهم أموالَ الساخرين ورِقابَهم. وقولُ المؤلِّف: (ونزل في عبد الله بن سلام … ) إلى آخره: يُشيرُ بذلك إلى سبب نزول الآية (١). وقولُه: (بفتحِ السِّينِ وكسرِها: الإسلام): يُشيرُ بهذا إلى القراءتين (٢)، وتفسيرُ ﴿السِّلْم﴾ بالإسلام هو قولُ جمهورِ المفسرين من السلف (٣). وقولُه: (حال من «السِّلم» … ) إلى آخره: بيانٌ لإعراب ﴿كافة﴾ ومعناها؛ أمَّا الإعراب: فهي حالٌ منصوبةٌ من السِّلم، ومعناها: جميع؛ أي: ادخلوا في جميع شرائعه إيمانًا وعملًا. وقولُه: (أي: تزيينه بالتفريق): معناه: أَنَّ طرائقَ الشيطان هي ما يُزينه ويُحسنه من كلِّ ما يأمرُ به، ومن ذلك التفريقُ بين الأَحكام بالإيمان والعمل ببعضِها دون بعضٍ، ومثَّل لهذا بما ذُكر عن بعض مَنْ دخل في الإسلام من أهل الكتاب؛ لأنهم حرَّموا لحمَ الإبل وألبانها تمسُّكًا بالتوراة، وكذا تمسَّكوا بتعظيم السبت، فأُمروا بالدخول في الإسلام كله. وقولُه: (لا يُعجزه شيءٌ … ) إلى آخره: بيانٌ لِمَا يتضمنه اسمه تعالى العزيز من القوة مع مناسبة ذكره في هذا السياق. وقولُه: (في صنعه): لو قال: وفي شرعه؛ لكان أولى، فإنه تعالى حكيمٌ في شرعه وقدره وفي خلقه وأمره.

стр. 436

وقولُه: (ما): بيانُ أَنَّ الاستفهام معناه: النفي. وقولُه: (أي: أمره … ) إلى آخره: يريد أَنَّ الذي يأتي أمرُ الله؛ وهو عقابه، وهذا تأويلٌ وصرفٌ للكلام عن ظاهره، ومقصوده: أَنَّ الله لا يأتي، وهذا راجعٌ إلى أَنَّ اللهَ لا تقوم به الأفعالُ الاختيارية، وهو مذهب الأشاعرة، وهو مذهبٌ باطلٌ؛ لأنه خلافُ ما دلَّتْ عليه نصوصُ الكتاب والسنَّة من أنه تعالى فعَّالٌ لِمَا يريد، ومذهبُ السَّلفِ إثباتُ الأفعالِ الاختيارية؛ كالاستواء والنزول والمجيء (١)، فالصوابُ: إجراءُ الآيةِ على ظاهرها؛ وهو أَنَّ اللهَ نفسه يأتي (٢)، ونظيرُ هذه الآية؛ قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال فيها المؤلِّفُ (٣) نظيرَ قولِه في هذه الآية (٤). وقولُه: (تم أَمرُ هلاكهم؟): لو قال: تمَّ أَمرُ إدخالهم النار لكان أَولى؛ لأَنَّ سِياقَ الآيات في يوم القيامة. وقولُه: (بالبناء للمفعول والفاعل … ) إلى آخره: يشير إلى القراءتين في: ﴿تُرْجَعُ﴾ الأولى بضم التاء وفتح الجيم، والثانية بفتح التاء وكسر الجيم (٥)، و ﴿الأُمُورُ﴾ على القراءة الأولى: نائب فاعل، وعلى الثانية: هي الفاعل.

стр. 437

وقولُه: (تبكيتًا): بيانٌ لمقصود الأَمر بسؤال بني إسرائيل، وهو التوبيخُ والتقريعُ، وهو معنى قول المؤلِّف: (تبكيتًا) (١). وقولُه: («كم» استفهامية): يريد: أنها ليست خبرية الدالة على الكثرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأعراف: ٤]، فالمعنى: سل بني إسرائيل قائلًا لهم: كم آتيناهم من آيةٍ. وقولُه: (معلِّقةُ «سَلْ»): يوضِّحُ مقصوده أَنَّ ﴿سَلْ﴾ أَمرٌ مِنْ سَأَلَ، وسأَلَ ينصبُ مفعولين، فإذا جاء بعد المفعول الأول جملةٌ استفهاميةٌ صار الفعلُ مُعلَّقًا عن المفعول الثاني. ثم يقول المؤلِّف: وهي المفعولُ الثاني لـ «آتينا»؛ لأَنَّ «آتى» ينصب مفعولين، والمفعولُ الأولُ: الضميرُ المنصوبُ ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، والمفعولُ الثاني: «كم»، وتميزها قوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾. وقولُه: (كفرًا): هذا تقديرُ المفعول الثاني لـ ﴿يُبَدِّلْ﴾، ويشهدُ لهذا التقدير قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقولُه: (له): الضميرُ يعود إلى ﴿مَنْ﴾، وهو المُبدِّل نعمة الله. وقولُه: (من أهل مكة): لا وجهَ لتخصيصِ الحكمِ بأهل مكة، كيف والسورةُ مدنية! بل الآيةُ عامَّةٌ في الكفار. * * *

стр. 438

وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣]: لَمَّا ذكر اللهُ في الآية السابقة فريقي المؤمنين والكفار -وهما من الناس-؛ أَخبر في هذه الآية أَنَّ الناس كانوا أمةً واحدةً لا اختلاف بينهم، ثم اختلفوا، كانوا على التوحيد عشرة قرون من آدم إلى نوح ﵉ كما جاء عن ابن عباس ﵄ (١)، فلما حدثَ الشركُ في قوم نوحٍ، فأرسل الله إليهم نوحًا، فصاروا فريقين مؤمنين وكفارًا، فأهلك الكفارَ بالغرق، وقد قُرئَ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). ثم أخبر تعالى أنه بعث النبيين ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾؛ يُبشِّرون مَنْ آمن بهم واتَّبعهم بما أَعدَّ اللهُ لهم من الكرامة، ومُنذرين مَنْ كفر بهم وعصاهم عقوبةَ الله وأخذه، وأَنزل على الرسل كتبًا مُشتملةً على الحق في الأخبار والأحكام، أرسل سبحانه تعالى الرسلَ وأَنزلَ الكتبَ ليَحكُم بين الناسِ فيما اختلفوا فيه، فيتبين المحقُّ من المبطلِ، ثم أخبر تعالى أَنَّ المختلفين لم يختلفوا إلا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وقامت عليهم الحجة، وكان اختلافُهم من بغي بعضهم على بعض، وكانت هذه حالُ أَهل الكتاب قبل رسالة محمد ﷺ ، وبرسالته هدىَ اللهُ الذين آمنوا به لِمَا اختلفَ فيه من قبلهم من الحق.

стр. 439

﴿وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٢١٣)﴾: وهو دين الإسلام الذي هو الدِّينُ عند الله، ولا يُقبَلَ من أَحدٍ دينٌ سِواه، وهذا الدينُ هو الذي أَرسل الله به رُسلَه من أَوَّلهم إلى آخرهم، فدين الرسل كلِّهم هو الإسلامُ، وأعظمُ كتابٍ وأعظمُ شريعةٍ: ما أَنزله الله على خاتم النبيين محمد ﷺ ، وبعد بعثته ﷺ انحصر الحقُّ فيما جاء به، فليس على الإسلام بعد بعثته ولا على الصراط المستقيم حتى تقومَ الساعة إلَّا مَنْ آمن به واتَّبعه، فهم المعنيون بقوله: ﴿فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٢١٣)﴾. ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الإيمان، فاختلفوا بأَنْ آمنَ بعضٌ وكفرَ بعضٌ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إليهم ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ مَنْ آمن بالجنة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ مَنْ كفر بالنار ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ بمعنى الكتب ﴿بِالْحَقِّ﴾ مُتعلِّقٌ بـ «أنزل» ﴿لِيَحْكُمَ﴾ به ﴿بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من الدِّين ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أَي: الدِّين ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي: الكتاب، فآمن بعضٌ وكفرَ بعضٌ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الحججُ الظاهرةُ على التوحيد، و «من» متعلقة بـ «اختلف»، وهي وما بعدها مُقدَّم على الاستثناء في المعنى ﴿بَغْيًا﴾ من الكافرين ﴿بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ﴾ للبيان ﴿الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقِ الحق. وقولُ المؤلِّف: (مُتعلِّقٌ بـ «أنزل»): يُبيِّنُ أَنَّ الجارَ والمجرور في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ مُتعلِّقٌ بفعل أنزل الكتاب، والباءُ للملابسة، والجارُ والمجرورُ في موضع نصبٍ على الحال؛ فالمعنى: أَنزل الكتاب مشتملًا على الحق.

стр. 440

وقولُه: (به): الضميرُ راجعٌ إلى الكتاب؛ فالمعنى: ليحكُم اللهُ بالكتاب بين الناس. وقولُه: (و «مِنْ» متعلقة بـ «اختلف» … ) إلى آخره: يُريد قولَه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾، ويرى المؤلِّفُ أَنَّ جملةَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ من جهة المعنى مؤخرةٌ من تقديم، فمحلُّها قبل الاستثناء، وعليه؛ فالتقدير: وما اختلف فيه من بعد ما جاءتهم البينات إلا الذين أوتوه؛ أي: الكتاب. وقولُه: (للبيان): يريد أَنَّ ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ بيانية. وقولُه: (هدايته): مفعول ﴿يَشَاءُ﴾، وفاعلُ ﴿يَشَاءُ﴾ ضميرٌ يعود إلى الله؛ فالتقدير: مَنْ يشاء اللهُ هدايته. * * *

стр. 441

وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِنْ قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيب (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]: في هذه الآية انتقالٌ من الكلام في الاختلاف الذي بين الناس والحكم الشرعي بينهم إلى الحكم الجزائي في الآخرة، والحكم الكوني في الدنيا، ولهذا افتتحت بـ «أم» المؤولة بـ «بل» وهمزة الاستفهام، فتضمَّنت إضرابًا انتقاليًّا واستفهامًا إنكاريًا؛ فالمعنى: أَحسبتم أَنْ تدخلوا الجنةَ؟ وهذا الاستفهامُ معناه: النهيُ عن هذا الحسبان؛ أي: لا تحسبوا أنكم تدخلون الجنة، وأنتم إلى الآن لم تُبتلوا كما ابتُلي مَنْ قبلكم بالبأساء وهي الفقر، والضراء وهي المرضُ، والزلزلة في القلوب حتى يبلغَ بهم الأمرُ إلى استبطاء النصر، ﴿يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ﴾، ويجئ الرد ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيب (٢١٤)﴾. والمرادُ بالجنة: الدرجاتُ العلى في الجنة، وهي جناتُ عدنٍ المعدَّةُ لأولياءِ الله المتقين، فهذه الجنةُ لا يدخلها إلَّا مَنْ ابتُلي فاتقى اللهَ وصبر، وإنما خصصنا هذه الجنة بأولئك؛ لأَنَّ كثيرًا من عوام المؤمنين يدخلون الجنة ولم يبتلوا، بل لبعضهم ذنوبٌ مُحِّصوا منها، والخطابُ في الآية لأَصحاب رسولِ الله ﷺ وقد ذُكر أنها نزلت في وقعة الأحزاب، ويشهد له قولُه تعالى في سورة الأحزاب: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١١]. ونزل في جهدٍ أصاب المسلمين ﴿أَمْ﴾ بل أ ﴿حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا﴾ لم ﴿يَأْتِكُمْ مَثَلُ﴾ شبهُ ما أَتى ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من المؤمنين من المحنِ فتصبروا كما صبروا؟ ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ جملةٌ مُستأنفةٌ مُبيِّنةٌ ما قبلها ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ شدةُ الفقر ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ المرضُ ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أُزعجوا بأنواع البلاء ﴿حَتَّى يَقُولَ﴾ بالنصب والرفع، أي: قال ﴿الرَّسُولُ وَالَّذِينَ

стр. 442

آمَنُوا مَعَهُ﴾ استبطاءً للنصر لتناهي الشدَّةِ عليهم ﴿مَتَى﴾ يأتي ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ الذي وعدناه؟ فأُجيبوا من قِبَلِ الله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إتيانه. وقولُ المؤلِّف: (ونزل في جهدٍ … ) إلى آخره: يُشير إلى سبب النزول، وذلك يوم الأَحزاب (١)، والجَهْدُ -بالفتح-: المشقَّةُ. وقولُه: (بل أ): يُبيِّنُ أَنَّ «أم» هي المنقطعةُ التي تُفسر ببل وهمزة الاستفهام. وقولُه: (لم): تفسيرٌ «للما»، وهذا على قول مَنْ يجعل «ما» زائدة. وقولُه: (شبهُ ما أَتى): فسَّرَ المَثَل بشبه؛ فالمعنى: ولم يأتكم شبهُ ما أَتى من قبلكم، وبعضُهم يُفسِّرُ المَثَل بالصفة (٢). وقولُه: (من المؤمنين … ) إلى آخره: بيانٌ للمراد من الموصول في قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾. وقولُه: (مُبيِّنةٌ ما قبلها): يريد قولَه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وقولُه: (أي: قال): فسَّرَ المضارعَ بفعل ماضي، وهو معنى قولهم: حكايةُ حالٍ ماضيةٍ. وقولُه: (يأتي): بيان أَنْ الاستفهامَ عن زمن مجيءِ النصر. وقولُه: (فأُجيبوا من قِبَلِ اللهِ): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ جوابٌ من الله لقولِ الرسولِ والمؤمنين: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾. * * *

стр. 443

وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥]: واضحٌ من لفظ الآية وفاتحتها أنها نزلت جوابًا لسؤالٍ سأَلَه بعضُ المسلمين النبيَّ ﷺ ، ونصُّ سؤالهم؛ ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾؟ وهو مجملٌ يحتمل أنهم سألوا عن نوع ما يُنفقون، أو قدر ما يُنفقون، أو على مَنْ يُنفقون، فجاء الجواب متضمِّنًا بيانَ أَصنافِ مَنْ هو الأولى بالإنفاق عليه، وهم خمسة، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وجمهورُ المفسرين على أَنَّ المرادَ بالنفقة في هذه الآية نفقةُ التطوع (١)، فهي صدقةٌ وصِلةٌ في الأول والثاني -الوالدين والأقربين-، وصدقةٌ في الثلاثة الباقية -اليتامى والمساكين وابن السبيل-، ثم رغَّبَ تعالى في فعل الخير من أَيِّ نوعٍ كان من أنواع الطاعات المالية والبدنية، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم (٢١٥)﴾، وذكر العلمِ يتضمَّنُ الوعدَ بالثواب العاجل والآجل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]. ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿مَاذَا﴾ أي الذي ﴿يُنْفِقُونَـ﴾ هـ؟ والسائلُ عمرو بن الجموح، وكان شيخًا ذا مالٍ، فسأل النبيَّ عمَّا يُنْفِقُ وعلى مَنْ يُنفق ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ «ما» شامل للقليل والكثير وفيه بيان المنفق الذي هو أحد شقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ

стр. 444

السَّبِيلِ﴾ أي: هم أولى به ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ إنفاق وغيره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فمجازٍ عليه. وقولُ المؤلِّف: (السائلُ عمرو بن الجموح … ) إلى آخره: بيانٌ لسبب نزولِ الآية (١). وقولُه: (لهم): أي: للسائلين. وقولُه: (شاملٌ للقليل والكثير): بيانٌ لعموم قوله تعالى: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾. وقولُه: (وفيه بيانُ المنفق … ) إلى آخره: يُبينُ أَنَّ الآيةَ تضمَّنت الجوابَ عن سؤال عمرو بن الجموح بشقَّيه؛ ماذا يُنفِقُ؟ وعلى مَنْ يُنفِقُ؟ وقولُه: (أي: هم أولى به): يُبيِّنُ أَنَّ المصارفَ المذكورةَ هم أَولى بالإنفاق من غيرهم، وليس مقصورًا عليهم. وقولُه: (فمُجازٍ عليه): يُبيِّنُ أَنَّ في ذكر العلم تنبيهًا على الجزاء. * * *

стр. 445

وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]: يُخبر تعالى في هذه الآية عبادَه المؤمنين بأنه كَتبَ عليهم القتالَ؛ أي: فَرضَ عليهم قتالَ الكفار، وهذا هو الجهادُ في سبيل الله، وذكر تعالى أَنَّه كَتبَ القتال مع أنه مكروهٌ لهم بمقتضى الطبع؛ لأَنَّه يُؤدِّي إلى الموت، والحياةُ محبوبةٌ بالطبع، ثم سلَّاهم تعالى بأَنَّ ما يكرهونه مما شرع اللهُ فيه خيرٌ لهم، وما يُحبُّونه من ترك الجهاد حرصًا على الحياة فيه شرٌّ لهم، ثم ردَّ ذلك كلَّه إلى كمال علمِه وقصورِ علمِ العباد؛ فقال: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٢١٦)﴾، وهذه الآيةُ والآيتان بعدها فيها رجوعٌ إلى أَمر القتال. ﴿كُتِبَ﴾ فرض ﴿عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ﴾ للكفار ﴿وَهْوَ كُرْهٌ﴾ مكروه ﴿لَكُمْ﴾ طبعًا لمشقته ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهْوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها. فلعل لكم في القتال وإن كرهتموه خيرًا؛ لأن فيه إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة والأجر، وفي تركه وإن أحببتموه شرًّا؛ لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خير لكم ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به. وقولُ المؤلِّف: (طبعًا لمشقته): يبين أن هذه الكراهة في قوله: ﴿وَهْوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ راجعةٌ إلى أمر طبيعي، وهو كراهة القتل وغيره مما يحصل في الجهاد بل الجهاد والشهادة في سبيل الله من أحب ما يتمناه المسلم.

стр. 446

وقولُه: (لميلِ النفسِ إلى الشهوات … ) إلى آخر الكلام: بيانٌ لِمَا في حبِّ الشهوات من الشرِّ العاجلِ والآجلِ، وما في المكروهات المأمورِ بها من الخير العاجل والآجل، وهو كلامٌ حسنٌّ موضِّحٌ لجملتي: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا﴾. وقولُه: (ما هو خيرٌ لكم): يُبيِّنُ بذلك وجهَ ختمِ الآية؛ بقوله: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ﴾ فإذا كان المعنى: «واللهُ يعلم ما هو خير لكم»؛ فما أَمَركم به من قتالِ الكفَّارِ هو الخيرُ لكم. * * *

стр. 447

وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]: يذكر تعالى أَنَّ المسلمين سألوا النبيَّ ﷺ عن القتال في الشهر الحرام، وذلك بسبب ما جرى من القتال والقتل في شهر رجبٍ من سَرِيَّةِ عبدِ الله بن جحش الذين بعثهم النبيُّ ﷺ عَينًا على المشركين من أهل مكة، ولم يأمرهم النبيُّ ﷺ بقتالٍ، فصادفوا قافلةً بتجارةٍ لقريش فقتلوا أَحدَهم، وهو: عمرو بن الحضرمي، وأَسروا اثنين منهم، وغَنِموا ما معهم، فرجعوا بما معهم إلى المدينة، ففادى المشركون الأَسيرين، ثم إِنَّ المشركين عَيَّروا المسلمين بالقتال في رجب، وهو من الأَشهر الحُرم، فشقَّ ذلك على أصحاب رسولِ الله ﷺ ، وقصةُ السَّريةِ مبسوطةٌ في السيرة (١)، وذكرها ابنُ جرير في تفسيره (٢)، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ ردًّا على المشركين وتسليةً لنبيِّه والمؤمنين، فأَكَّدَ اللهُ تعالى تحريمَ القتال في الشهر الحرام؛ فقال لنبيِّه: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، ولكن عند المستنكرين للقتال الذي حصل، الذي اتخذوا منه مَطعنًا على المسلمين من قبائح الأقوال والأفعال ما كل واحدٍ منها أكبرُ من القتل والقتال، وهي خمسةُ أمور: صدٌّ عن سبيل الله، وهو: دينه، وكفرٌ به، وصدٌّ عن المسجد الحرام، وإخراجُ أَهله منه، وكلُّ هذه أَكبرُ عند الله من القتال في الشهر الحرام. والفتنةُ -وهي الشركُ أو فتنةُ المؤمنين عن دينهم- أَكبرُ من

стр. 448

القتل، فينطبقُ على هؤلاء الطاعنين قولُ القائل: (يرى القذاةَ في عينِ صاحبه، ولا يرى الجذع في عينه) (١). ثم أخبر تعالى أَنَّ الكفارَ لا يزالون يُقاتلون المسلمين ليَرجعوا عن دينهم، وأَنهم لا يتركون القتالَ حتى يتركَ المسلمون دينَهم، فذلك الذي يُرضيهم كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾: يدلُّ على أنهم لا يدَّخرون شيئًا من قدرتهم في سبيل غايتهم، وأَنهم لن يبلغوا كلَّ ما يردونه في المسلمين من صدِّهم عن دينهم، ثم أخبرَ تعالى بحكم مَنْ ارتدَّ عن دينه؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ

стр. 449

يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهْوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وقيَّد حبوطَ أعمالِهم والخلودَ في النار بالموت على الكفر، فعُلم من ذلك أَنَّ مَنْ تاب من رِدَّته قبل الموت سَلِمَ له ما عَمِلَه قبل الردَّةِ، وكان من الناجين من الخلود في النار. وأَرسل النبيُّ ﷺ أَوَّل سراياه وعليها عبدُ الله بن جحشٍ، فقاتلوا المشركين وقتلوا ابنَ الحضرمي آخر يومٍ من جمادى الآخرة، والتبس عليهم برجب، فعيَّرهم الكفارُ باستحلاله فنزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ المحرَّم ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلُ اشتمال ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ عظيمٌ وزرًا، مبتدأٌ وخبرٌ ﴿وَصَدٌّ﴾ مبتدأٌ: منعٌ للناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينِه ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ بالله ﴿وَصدٌّ عن الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: مكة ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ وهم النبيُّ والمؤمنون، وخبرُ المبتدأ ﴿أَكْبَرُ﴾ أَعظمُ وزرًا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ من القتال فيه ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ الشركُ منكم ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ لكم فيه ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ أي: الكفار ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أَيُّها المؤمنون ﴿حَتَّى﴾ كي ﴿يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ إلى الكفر ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾ بَطَلَتْ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ الصالحةُ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فلا اعتدادَ بها ولا ثواب عليها، والتقييد بالموت عليه يُفيدُ أَنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطلْ عملُه، فيُثاب عليه ولا يعيده؛ كالحجِّ مثلًا، وعليه الشافعي (١) ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقولُ المؤلِّف: (وأَرسل النبيُّ ﷺ أَوَّل سراياه … ) إلى آخره: يُبيِّنُ بذلك سببَ نزول هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾.

стр. 450

وقولُه: (بدل اشتمال): يريدُ: أَنَّ قتالَ بدلٌ من الشهر؛ فالتقدير: يسألونك عن الشهر الحرام عن قِتال فيه. وقولُه: (منعٌ للناس): يُبيِّنُ أَنَّ الصدَّ من الفعل المتعدي «صده، يصده»؛ فالمعنى: أَي وصدُّهم الناس عن سبيل الله؛ أي: عن دينه. وقولُه: (﴿وَ﴾ صدٌّ عن): يُبيِّنُ أَنَّ المسجدَ معطوفٌ على سبيل؛ فالمعنى: وصدٌّ عن المسجد الحرام. وقولُه: (وخبر المبتدأ): يريد بالمبتدأ: ﴿وَصَدٌّ﴾ وما عطف عليه، فخبرُ ذلك المبتدأ قوله: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقولُه: (أعظم وزرًا): أي: أعظم إثمًا. وقولُه: (من القتال فيه): يعني: هذه المذكورات -الصد وما بعده- أَعظمُ إثمًا من القتال في الشهر الحرام. وقولُه: (فلا اعتداد بها … ) إلى آخره: يريد: أَنَّ أَعمالَ المرتد الصالحة باطلةٌ في الدنيا والآخرة، فلا تصحُّ، ولا يقبلُها اللهُ منه، ولا يُثابُ عليها إِلَّا أَنْ يتوب من رِدَّته توبةً نصوحًا قبل الموت. وأَهمُّ ما دلَّتْ عليه الآيتان من الأحكام مسألتان: الأولى: حكمُ الجهادِ في سبيل الله، وقد دلَّت الآيةُ الأولى على فرضه، وذلك في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، وقتال الكفار يكون على وجهين (١): أحدهما: ما يكون ابتداء من المسلمين، وهو ما يسميه بعضهم بجهاد الطلب، وقد دلت على ذلك آيات من القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ

стр. 451

حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، ويخرج عن ذلك كلُّ مَنْ له عهدُ أَمانٍ أو صُلحٍ أو ذمةٍ، والغايةُ من هذا القتالِ هي أَنْ تكون كلمةُ الله هي العليا، وذلك إمَّا بالدخول في الإسلام، أو الخضوعِ لسلطان المسلمين بأداء الجزية. الوجه الثاني: من قتال الكفارِ ما يكون دفعًا لعدوانهم، فإذا غزا العدوُّ بلادًا من بلدان المسلمين صار القتالُ فرضَ عينٍ على أَهلِ تلك البلد، ثم مَنْ يَليهم؛ الأَدنى فالأَدنى. وأَمَّا جهادُ الابتداءِ؛ فإنه فرضُ كفايةٍ، فيجب على الإمام أَنْ يُرتِّبَ جيوشًا ويزوِّدهم بأنواع القوة؛ إرهابًا للكافرين وحمايةً لبلادِ المسلمين من عدوانهم، وعلى الإمام أَنْ يُرتِّبَ حملاتِ الجهاد في سبيل الله لغزو الكفار الحربيين، وبهذا يُعزُّ الإسلامُ والمسلمون، وبتعطيله والتهاونِ فيه يجترئُ الكفارُ على المسلمين، ويصير المسلمون ذليلين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، واللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين وأذِلَّ أعداء الدين من الكفار والمنافقين. المسألة الثانية: حكمُ القتالِ في الشهر الحرام، وقد دلَّ قولُه تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي: إثمٌ عظيمٌ، وذنبٌ كبيرٌ، إذن: فالقتال في الأَشهر الحُرم حرامٌ، وإن كان قتالًا للكفار، وقد ذهب جمهورُ أهلِ العلم إلى أَنَّ تحريمَ القتالِ في الأشهر الحُرم منسوخٌ بعموم أدلة الأَمرِ بالقتال، كما في الآيات السابقة، وهي مُطلقةٌ في الزمان، فتشملُ الأَشهرَ الحُرم، وأَيَّدوا ذلك بأَنَّ النبيَّ ﷺ غزا أَهلَ الطائفِ في ذي القعدة، وأَنَّ المسلمين في غزواتهم لم يكونوا يتوقفون إذا دخل عليهم شهرٌ حرام، وذهب جماعةٌ من العلماء إلى

стр. 452

أَنَّ القتالَ في الأشهر الحرم غيرُ منسوخٍ (١)؛ لأَنَّه لا دليلَ على النسخ، وأَدلَّة الأَمرِ بالقتال عامَّةٌ مخصوصةٌ بأَدَّلة تحريمِ القتال في الأشهر الحرم، وأجابوا عن قتال النبي ﷺ أَهلَ الطائفِ؛ بأَنَّه لم يبدأ قتالَهم في ذي القعدة بل في شوال (٢)، واستدام حصارهم في شهر ذي القعدة حتى رأى المصلحةَ في الرجوع عنهم، وكذلك غزواتُ الصحابةِ؛ لا يُعلَم أنهم ابتدؤوا القتالَ في الشهر الحرام، فالواقعُ منهم هو استدامةُ القتالِ لا ابتداؤه. * * *

стр. 453

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]: يُخبُر تعالى بأَنَّ الذين آمنوا بالله ورسله، وهذا يصدقُ على المهاجرين والأنصار، ثم خصَّ المهاجرين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ بقتال الكافرين أعداءِ الله، فعلى هذا يكون عطفُ الموصول من عطف الخاصِّ على العام، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآية للآية قبلها النازلة في شأن سريةِ عبد الله بن جحش، وقد ذكر أَنهم كلَّهم من المهاجرين فلذلك خُصُّوا بوصف الهجرة والجهاد، وعلى هذا فسببُ نزول الآيتين واحدٌ (١)، وقيل: إِنَّ عطفَ الموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ من عطف الصفات؛ كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] (٢). وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ﴾: اسمُ الإشارةِ راجعٌ إلى مَنْ تقدَّم ذِكرُهم، وهم ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾، يُخبرُ تعالى أنهم هم الذين ﴿يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ﴾ على الحقيقة؛ لأنهم الذين قاموا بأَسبابها؛ من الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله. ثم أخبر تعالى أنه غفورٌ رحيمٌ، وهو يتضمَّنُ وعْدَ أولئك الرَّاجين لرحمةِ الله بالمغفرة والرحمة؛ فقال تعالى: ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢١٨)﴾، والآيةُ وإن كانت نازلةً على سببٍ؛ فمعناها وحكمُها عامٌّ؛ لأَنَّ العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ. ولَمَّا ظنَّ السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصلُ لهم أَجرٌ نزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ فارقوا أوطانهم ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ

стр. 454

اللَّهِ﴾ لإعلاءِ دينِه ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ ثوابَه ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. وقولُ المؤلِّف: (ولَمَّا ظنَّ السرية … ) إلى آخره: يُبيِّنُ بذلك سببَ نزول الآية. وقولُه: (فارقوا أَوطانَهم): بيان لمعنى: ﴿هَاجَرُوا﴾، وأصلُ الهجرِ: الترك، والمرادُ: تركوا أَوطانهم فرارًا بدينهم وبراءةً من المشركين وتركًا لمساكنتهم، وهذه الهجرةُ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ يُقيمُ بين أَظْهُرِ المشركين، وهو لا يستطيع إظهارَ دينه. وقولُه: (لإعلاءِ دينِه): هذا مأخوذٌ من قوله ﷺ : ((مَنْ قاتلَ لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيل الله)) (١). وقولُه: (ثوابَه): فسَّرَ رحمةَ اللهِ بالثواب، وهو رحمةٌ مخلوقةٌ، ويحتمل أَنَّ رحمةَ اللهِ هي الصفةُ؛ فيكون المعنى: يرجون أَنْ يرحمهم اللهِ، والأمران متلازمان، فمَن أَثابه اللهُ فقد رحمه، ومَن رحمه أثابه. وقولُه: (للمؤمنين): هذا القيدُ صحيحٌ، ومفهومُه أنه ليس غفورًا للكافرين، وهذا في حقِّ مَنْ لم يَتُبْ، أَمَّا مَنْ تاب فاللهُ يغفر له وإن كان كافرًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ … ﴾ الآية [طه: ٨٢]، أَمَّا مَنْ مات على الكفر فاللهُ لا يغفرُ له؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤]. * * *

стр. 455

وقوله تعالى: ﴿* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]: يذكر تعالى في هاتين الآيتين أَنَّ المسلمين سألوا النبي ﷺ ثلاثَ مسائل: الأولى: سألوا عن الخمر والميسر؛ عن حكمهما؟ فأَمرَ اللهُ نبيَّه أَنْ يُجيبهم: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا﴾، وليس في هذا الجواب تصريحٌ بالتحريم، بل فيه التنفيرُ عنهما لرجحان مفسدتهما، ففيهما إثمٌ كبيرٌ من العداوة والبغضاء، وذهابِ العقل، والصدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ومع ذلك فيهما منافعُ للناس من اكتساب الأموال والنشوة والسرور، وعلى هذا: فتحريمُ الخمرِ والميسرِ مُستفادٌ من آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُون (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، وهذا هو المشهور وقول الجمهور، وادَّعى بعضُهم أَنَّ التحريمَ مُستفادٌ من آية البقرة؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ (١). والمرادُ بالخمر: كلُّ مُسكرٍ يُغطِّي العقلَ من مأكولٍ أو مشروبٍ، من أَيِّ شيءٍ كان، من عصيرِ العنب أو غيره. والميسر: مَفْعِل من اليُسر، والمرادُ به: القمارُ، والقمارُ: كلُّ مُغالبةٍ على عِوضٍ، بأيِّ طريقةٍ كان، ومنها النردُ والشطرنجُ. والقمارُ مصدرٌ؛ يقال: قامره يُقامره قِمارًا، ويقال: قامره فقمره؛ أي: غلبه في

стр. 456

اللعبة، ويدخل في حكم القمارِ كلُّ ما فيه مخاطرةٌ من البيوع؛ كبيع المجهول والمعجوز عن تسليمه، ومن ذلك جميعُ بيوع الغرر؛ كبيع الحصاةِ والملامسة والمنابذة وحبل الحبلة. الثانية: سألوا: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾؟ فأُجيبوا ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾؛ أي: أَنفقوا العفوَ، وهو ما فضلَ عن الحاجة عند جمهور المفسرين من السَّلف (١)، وإن اختلفت عباراتُهم، وقال بعضهم: المرادُ بالآية الزكاة، وقال بعضُهم: إنها منسوخةٌ بفرض الزكاة، والقولان ضعيفان، والصواب: أَنَّ الآيةَ في صدقة التطوع وأنها مُحكمةٌ (٢)، وقُرِئ ﴿العفوُ﴾ بالرفع، وبالنصب وهي قراءة أَكثر القراء (٣). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾: أي: مثل هذا البيان يُبيِّنُ لكم الآيات. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾: أي: لتتفكَّروا وتنظروا في حال الدنيا والآخرة، فالدنيا فانيةٌ وطيباتها مُنَغَّصةٌ، وهي دارُ ابتلاءٍ وعملٍ، والآخرةُ باقيةٌ، وهي دارُ الجزاء، والجنة فيها للمتقين هم فيها خالدون ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّار (٣٥)﴾ [الرعد: ٣٥]، وقد أوضح اللهُ لنا حقيقةَ الدارين، ودعانا إلى التفكُّر فيهما، وحذَّرنا من إيثار الدنيا على الآخرة.

стр. 457

المسألة الثالثة: سألوا عن اليتامى، عن حُكم مخالطتهم في الطعام والشراب، أو خلط أموالهم بأموالهم في النفقة أو التجارة، خشيةَ أَنْ يؤدي ذلك إلى أَكل شيءٍ من أموالهم؟ فأُجيبوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فتضمَّن الجوابُ أَنَّ إصلاحَ أَموالهم بأنواع الإصلاح خيرٌ لهم ولأوليائهم، وأَنَّ مُخالطتهم في الطعام والشراب أو غير ذلك لا حرج على الأولياء فيها، فهم إخوانهم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾؛ أي: يعلمُ المفسدَ؛ وهو الذي يريدُ بالمخالطةِ الاحتيالَ على أَكل مالِ اليتيم، ويعلمُ المصلحَ؛ الذي لا يريد بمخالطة اليتيم إلَّا مصلحته. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾؛ أي: لشقَّ عليكم بتحريم مخالطتهم. وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٢٠)﴾: أي: ذو عِزَّةٍ وحكمةٍ، فيحكمُ ولا رادَّ له ولا مُعقِّب، وكلُّ ما يحكمُ به جارٍ على وِفقِ الحكمةِ. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ القمارِ، ما حُكمهما؟ ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿فِيهِمَا﴾ أَي: في تعاطيهما ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ عظيمٌ، وفي قراءةٍ بالمثلثة؛ لِمَا يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقولِ الفُحشِ ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ باللذة والفرح في الخمر، وإِصابة المالِ بلا كدٍّ في الميسر ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ أَي: ما ينشأُ عنهما من المفاسد ﴿أَكْبَرُ﴾ أَعظمُ ﴿مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ولَمَّا نزلت شربها قومٌ وامتنع آخرون، إلى أَنَّ حرَّمتها آيةُ «المائدة». ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ أَي: ما قدره؟ ﴿قُلِ﴾ أَنفقوا ﴿الْعَفْوَ﴾ أَي: الفاضل عن الحاجة، ولا تُنفقوا ما تحتاجون إليه وتُضيعوا أَنفسكم،

стр. 458

وقراءة الرفع بتقدير: هو ﴿كَذَلِكَ﴾ كما بيَّنَ لكم ما ذكر ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾. ﴿فِي﴾ أَمْرِ ﴿الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فتأخذون بالأصلح لكم فيهما ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ وما يَلقونه من الحرج في شأنهم، فإن واكلوهم يأثموا، وإن عزلوا ما لهم من أموالهم وصنعوا لهم طعامًا وحدهم فحرجٌ ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ﴾ في أَموالهم بتنميتها ومداخلتكم ﴿خَيْرٌ﴾ من ترك ذلك ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ أَي: تخلطوا نفقتَهم بنفقتكم ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أَي: فهم إخوانكم في الدِّين، ومن شأَن الأَخِ أن يُخالط أَخاه؛ أَي: فلكم ذلك ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾ لأموالهم بمخالطته ﴿مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ بها، فيُجازي كلًّا منهما ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لضيَّقَ عليكم بتحريم المخالطة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أَمره ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. وقولُ المؤلِّف: (ما حُكمهما؟): بيان لمتعلق السؤال ومقصوده؛ أي: أهما حلال أم حرام؟ فأجيبوا بما ينفر عنهما، ولا يوجب القطع بتحريمهما، وقد بين حكمهما بيانًا شافيًا في سورة المائدة، وقد دل على تحريمهما الكتاب والسنة والإجماع. وقولُه: (لهم): أي: للسائلين مخبرًا بأن فيهما إثمًا كبيرًا ومنافع للناس. وقولُه: (أَي: في تعاطيهما): بيان لموضع الإثم أو متعلق الإثم، وهو شرب الخمر وعمل الميسر. وقولُه: (وفي قراءةٍ بالمثلثة): المراد بالمثلثة الثاء؛ يريد: أنه قُرِئ في الآية ﴿كَثِيرٌ﴾ بدل ﴿كَبِيرٌ﴾ (١).

стр. 459

وقولُه: (لِمَا يحصل … ) إلى آخره: بيان لنوع الإثم الذي يحصل بسبب الخمر والميسر. وقولُه: (باللذة … ) إلى آخره: بيان لأنواع المنافع التي تحصل لأصحاب الخمر والميسر. وقولُه: (أَي: ما ينشأُ … ) إلى آخره: معناه: أن أضرارهما أكثر من منافعهما. وقولُه: (ما قدره؟): بيان للمسؤول عنه، وهو مقدار ما يُستحبُّ التصدق به. وقولُه: (أَنفقوا): تقدير للفعل الناصب لـ ﴿الْعَفْوَ﴾. وقولُه: (أَي: الفاضل … ) إلى آخره: تفسير للعفو المأمور بإنفاقه، وهو: ما زاد على نفقة الإنسان على نفسه وأهله (١)، ومفهومه: ترك إنفاق ما يحتاجه الإنسان للنفقة على نفسه وأهله؛ لأن ذلك تضييع للنفس والأهل، وفي الحديث: ((كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يقوت)) (٢).

стр. 460

وقولُه: (وقراءة الرفع بتقدير: هو): يبين أن ﴿الْعَفْوُ﴾ على قراءة الرفع (١) خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو العفو؛ المعنى: المأمور بإنفاقه هو العفو. وقولُه: (كما بيَّنَ لكم ما ذكر): يبين مرجع اسم الإشارة؛ وهو ما سبق من البيان في الآيات قبل هذه الآية. وقولُه: (أَمْرِ) أي: في شأن الدنيا والأخرة. وقولُه: (فتأخذون … ) إلى آخره: بيانٌ للمقصود من التفكر في الدنيا والآخرة. وقولُه: (وما يَلقونه من الحرج … إلى آخره): بيان لسبب السؤال، وسبب نزول الآية (٢). وقولُه: (في أَموالهم … ) إلى آخره: بيانٌ لما يكون به الإصلاح، فالإصلاح في أموالهم بتنميتها، والإصلاح في معاشرتهم؛ بمخالطتهم وترك اعتزالهم ومجانبتهم، وهذا معنى قول المؤلِّف: (ومداخلتكم) أي: مخالطتكم لهم. وقولُه: (من ترك ذلك): المعنى: الإصلاح في أموالهم ومعاشرتهم خير لكم ولهم من ترك ذلك؛ أي: ترك الإصلاح. وقولُه: (أَي: تخلطوا نفقتَهم بنفقتكم): بيانٌ لبعض معنى مخالطتهم، وهو مخالطتهم في أموالهم، ومنه خلط نفقتهم بنفقتكم. وقولُه: (أَي: فهم إخوانكم … ) إلى آخره: بيانٌ لإعراب الجملة ومقصودها، فـ «إخوان» خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فهم إخوانكم، والجملة جواب الشرط، ومقصودها الإذن بالمخالطة؛ لأنها مقتضى الأُخوَّة.
следующие страницы →