← Тафсир

Тафсир · id 288

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ 1

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (688 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

اللعبة، ويدخل في حكم القمارِ كلُّ ما فيه مخاطرةٌ من البيوع؛ كبيع المجهول والمعجوز عن تسليمه، ومن ذلك جميعُ بيوع الغرر؛ كبيع الحصاةِ والملامسة والمنابذة وحبل الحبلة. الثانية: سألوا: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾؟ فأُجيبوا ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾؛ أي: أَنفقوا العفوَ، وهو ما فضلَ عن الحاجة عند جمهور المفسرين من السَّلف (١)، وإن اختلفت عباراتُهم، وقال بعضهم: المرادُ بالآية الزكاة، وقال بعضُهم: إنها منسوخةٌ بفرض الزكاة، والقولان ضعيفان، والصواب: أَنَّ الآيةَ في صدقة التطوع وأنها مُحكمةٌ (٢)، وقُرِئ ﴿العفوُ﴾ بالرفع، وبالنصب وهي قراءة أَكثر القراء (٣). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾: أي: مثل هذا البيان يُبيِّنُ لكم الآيات. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾: أي: لتتفكَّروا وتنظروا في حال الدنيا والآخرة، فالدنيا فانيةٌ وطيباتها مُنَغَّصةٌ، وهي دارُ ابتلاءٍ وعملٍ، والآخرةُ باقيةٌ، وهي دارُ الجزاء، والجنة فيها للمتقين هم فيها خالدون ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّار (٣٥)﴾ [الرعد: ٣٥]، وقد أوضح اللهُ لنا حقيقةَ الدارين، ودعانا إلى التفكُّر فيهما، وحذَّرنا من إيثار الدنيا على الآخرة.

стр. 457

المسألة الثالثة: سألوا عن اليتامى، عن حُكم مخالطتهم في الطعام والشراب، أو خلط أموالهم بأموالهم في النفقة أو التجارة، خشيةَ أَنْ يؤدي ذلك إلى أَكل شيءٍ من أموالهم؟ فأُجيبوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فتضمَّن الجوابُ أَنَّ إصلاحَ أَموالهم بأنواع الإصلاح خيرٌ لهم ولأوليائهم، وأَنَّ مُخالطتهم في الطعام والشراب أو غير ذلك لا حرج على الأولياء فيها، فهم إخوانهم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾؛ أي: يعلمُ المفسدَ؛ وهو الذي يريدُ بالمخالطةِ الاحتيالَ على أَكل مالِ اليتيم، ويعلمُ المصلحَ؛ الذي لا يريد بمخالطة اليتيم إلَّا مصلحته. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾؛ أي: لشقَّ عليكم بتحريم مخالطتهم. وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٢٠)﴾: أي: ذو عِزَّةٍ وحكمةٍ، فيحكمُ ولا رادَّ له ولا مُعقِّب، وكلُّ ما يحكمُ به جارٍ على وِفقِ الحكمةِ. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ القمارِ، ما حُكمهما؟ ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿فِيهِمَا﴾ أَي: في تعاطيهما ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ عظيمٌ، وفي قراءةٍ بالمثلثة؛ لِمَا يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقولِ الفُحشِ ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ باللذة والفرح في الخمر، وإِصابة المالِ بلا كدٍّ في الميسر ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ أَي: ما ينشأُ عنهما من المفاسد ﴿أَكْبَرُ﴾ أَعظمُ ﴿مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ولَمَّا نزلت شربها قومٌ وامتنع آخرون، إلى أَنَّ حرَّمتها آيةُ «المائدة». ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ أَي: ما قدره؟ ﴿قُلِ﴾ أَنفقوا ﴿الْعَفْوَ﴾ أَي: الفاضل عن الحاجة، ولا تُنفقوا ما تحتاجون إليه وتُضيعوا أَنفسكم،

стр. 458

وقراءة الرفع بتقدير: هو ﴿كَذَلِكَ﴾ كما بيَّنَ لكم ما ذكر ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾. ﴿فِي﴾ أَمْرِ ﴿الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فتأخذون بالأصلح لكم فيهما ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ وما يَلقونه من الحرج في شأنهم، فإن واكلوهم يأثموا، وإن عزلوا ما لهم من أموالهم وصنعوا لهم طعامًا وحدهم فحرجٌ ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ﴾ في أَموالهم بتنميتها ومداخلتكم ﴿خَيْرٌ﴾ من ترك ذلك ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ أَي: تخلطوا نفقتَهم بنفقتكم ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أَي: فهم إخوانكم في الدِّين، ومن شأَن الأَخِ أن يُخالط أَخاه؛ أَي: فلكم ذلك ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾ لأموالهم بمخالطته ﴿مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ بها، فيُجازي كلًّا منهما ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لضيَّقَ عليكم بتحريم المخالطة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أَمره ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. وقولُ المؤلِّف: (ما حُكمهما؟): بيان لمتعلق السؤال ومقصوده؛ أي: أهما حلال أم حرام؟ فأجيبوا بما ينفر عنهما، ولا يوجب القطع بتحريمهما، وقد بين حكمهما بيانًا شافيًا في سورة المائدة، وقد دل على تحريمهما الكتاب والسنة والإجماع. وقولُه: (لهم): أي: للسائلين مخبرًا بأن فيهما إثمًا كبيرًا ومنافع للناس. وقولُه: (أَي: في تعاطيهما): بيان لموضع الإثم أو متعلق الإثم، وهو شرب الخمر وعمل الميسر. وقولُه: (وفي قراءةٍ بالمثلثة): المراد بالمثلثة الثاء؛ يريد: أنه قُرِئ في الآية ﴿كَثِيرٌ﴾ بدل ﴿كَبِيرٌ﴾ (١).

стр. 459

وقولُه: (لِمَا يحصل … ) إلى آخره: بيان لنوع الإثم الذي يحصل بسبب الخمر والميسر. وقولُه: (باللذة … ) إلى آخره: بيان لأنواع المنافع التي تحصل لأصحاب الخمر والميسر. وقولُه: (أَي: ما ينشأُ … ) إلى آخره: معناه: أن أضرارهما أكثر من منافعهما. وقولُه: (ما قدره؟): بيان للمسؤول عنه، وهو مقدار ما يُستحبُّ التصدق به. وقولُه: (أَنفقوا): تقدير للفعل الناصب لـ ﴿الْعَفْوَ﴾. وقولُه: (أَي: الفاضل … ) إلى آخره: تفسير للعفو المأمور بإنفاقه، وهو: ما زاد على نفقة الإنسان على نفسه وأهله (١)، ومفهومه: ترك إنفاق ما يحتاجه الإنسان للنفقة على نفسه وأهله؛ لأن ذلك تضييع للنفس والأهل، وفي الحديث: ((كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يقوت)) (٢).

стр. 460

وقولُه: (وقراءة الرفع بتقدير: هو): يبين أن ﴿الْعَفْوُ﴾ على قراءة الرفع (١) خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو العفو؛ المعنى: المأمور بإنفاقه هو العفو. وقولُه: (كما بيَّنَ لكم ما ذكر): يبين مرجع اسم الإشارة؛ وهو ما سبق من البيان في الآيات قبل هذه الآية. وقولُه: (أَمْرِ) أي: في شأن الدنيا والأخرة. وقولُه: (فتأخذون … ) إلى آخره: بيانٌ للمقصود من التفكر في الدنيا والآخرة. وقولُه: (وما يَلقونه من الحرج … إلى آخره): بيان لسبب السؤال، وسبب نزول الآية (٢). وقولُه: (في أَموالهم … ) إلى آخره: بيانٌ لما يكون به الإصلاح، فالإصلاح في أموالهم بتنميتها، والإصلاح في معاشرتهم؛ بمخالطتهم وترك اعتزالهم ومجانبتهم، وهذا معنى قول المؤلِّف: (ومداخلتكم) أي: مخالطتكم لهم. وقولُه: (من ترك ذلك): المعنى: الإصلاح في أموالهم ومعاشرتهم خير لكم ولهم من ترك ذلك؛ أي: ترك الإصلاح. وقولُه: (أَي: تخلطوا نفقتَهم بنفقتكم): بيانٌ لبعض معنى مخالطتهم، وهو مخالطتهم في أموالهم، ومنه خلط نفقتهم بنفقتكم. وقولُه: (أَي: فهم إخوانكم … ) إلى آخره: بيانٌ لإعراب الجملة ومقصودها، فـ «إخوان» خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فهم إخوانكم، والجملة جواب الشرط، ومقصودها الإذن بالمخالطة؛ لأنها مقتضى الأُخوَّة.

стр. 461

وقولُه: (لأموالهم … ) إلى آخره: بيانٌ لمتعلق الإفساد والإصلاح، وهو أموال اليتامى، وذِكْرُ العلم بالمفسد والمصلح تنبيهٌ على الجزاء؛ فهو وعد ووعيد. وقولُه: (لضيَّقَ عليكم … ) إلى آخره: تضمن معنى العنت، وهو المشقة والضيق (١)، وأن الله لو شاء لأعنتهم؛ أي: شق عليهم بتحريم المخالطة. وقولُه: (غالبٌ على أَمره … ) إلى آخره: بيانٌ لمعنى الاسمين الشريفين، فمن معنى العزيز: الغالب، ومن معنى الحكيم: حكمة الله في صنعه، ولو قال في شرعه كان أولى؛ لأن الآية في سياق الأحكام الشرعية. * * *

стр. 462

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١]: النكاحُ في اللغة هو: الضمُّ والجمعُ (١)، ويُطلَقُ على العَقدِ والوطءِ؛ فقيل: إنه حقيقةٌ فيهما، فهو من المشترك اللفظي، وقيل: حقيقةٌ في الوطء مجازٌ في العَقد، وقيل: بالعكس، وهو قول الأكثر، والأولى أن يقال: إنه حقيقة فيهما، ولكن استعماله في العقد أكثر (٢). وفي هذه الآيةِ ينهى اللهُ عبادَه المؤمنين عن نكاح المشركات اللاتي يَعبُدنَ مع الله غيرَه من الأَصنام والأَوثان، ينهى عن نِكاحهنَّ إلى أَنْ يُؤمِنَّ بالله ورسولِه، ويُخلصنَ العبادةَ لله، وينهى عن إنكاح المشركينَ عُبَّادِ الأَوثان، وهو تزويجهم المؤمنات، ويُبيِّنُ تعالى أَنَّ الأَمَةَ المؤمنةَ خيرٌ من الحُرَّةِ المشركةِ ولو كانت ذاتَ حَسَبٍ ونَسَبٍ وجمالٍ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، والأَمَةُ يُرادُ بها: المملوكة، وغلطَ مَنْ قال: المرادُ بها المرأةُ مُطلقًا حرَّةً كانت أو مملوكةً، وهذا لا يُعرف في اللغة العربية إلَّا إذا أُضيفت الأَمَةُ إلى الله؛ فيقال: «يا أمة الله» لأَيِّ امرأةٍ (٣)، وكذا «العبد» المرادُ به هنا: المملوك، والعبدُ المؤمن خيرٌ من الحرِّ المُشرك، ولو كان ذا مالٍ وجاهٍ وحَسَبٍ ونَسَبٍ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.

стр. 463

ثم يُبيِّنُ تعالى حكمةَ النهي عن نكاح المشركات وإنكاحِ المشركين، وذلك أَنَّ المشركين والمشركات يدعون إلى النار؛ أَي: إلى سبب دخولِ النارِ، وهو الشركُ بالله، والله تعالى يدعو إلى سبب دخولِ الجنةِ، وحصولِ المغفرةِ، وهو عبادتُه تعالى وحدَه لا شريك له، وطاعتُه وطاعةُ رُسله، والمؤمنون والمؤمنات يدعون إلى ما يدعو اللهُ إليه، وإذا كان المرادُ بالمشركين في الآية عبَّادَ الأَوثان؛ فالآيةُ على عمومها في المشركين والمشركات ولا تخصيصَ فيها، وإذا كان المرادُ بالمشركين كلَّ مَنْ عبدَ مع الله غيرَه من أهل الكتاب وغيرِهم، فهي مخصوصةٌ بقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ أَي: حِلٌّ لكم (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون (٢٢١)﴾: أي: يوضِّحُ آياتِه المتلوَّةِ؛ وهي آياتُ القرآن، ويُبيِّنُ آياته الكونية المشهودة؛ أي: يُظهرُ دِلالاتها ليتذكَّرَ الناسُ ربوبيَّتَه تعالى وإلهيَّتَه، فيعرفوه ويعبدوه، ويتذكروا ما هم قادمون عليه من موقفِ القيامةِ، وما هم صائرون إليه من الجنة أَوْ النار فيُعدُّوا لذلك اليوم عدَّتَه. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ تتزوَّجوا أَيُّها المسلمون ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ أَي: الكافراتِ ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ حُرَّةٍ؛ لأَنَّ سببَ نزولها العيبُ على مَنْ تزوَّجَ أَمَةً وترغيبه في نكاح حُرَّةٍ مُشركةٍ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ لجمالها ومالها، وهذا مخصوصٌ بغير الكتابيات بآية «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٥)﴾ [المائدة: ٥]، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ تُزوِّجوا ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ أَي: الكفارَ،

стр. 464

المؤمنات ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ لِمالِه وجمالِه ﴿أُولَئِكَ﴾ أَي: أهل الشرك ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بدُعائهم إلى العمل الموجبِ لها، فلا تليقُ مناكحتهم ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ على لسان رُسلِه ﴿إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ أَي: العملِ الموجبِ لهما ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته، فتجب إجابتُه بتزويج أَوليائه ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتَّعظون. وقولُ المؤلِّف: (أَي: الكافراتِ): يقتضي أَنَّ الآيةَ عامَّةٌ في الكفار من أهل الكتاب وغيرهم. وقولُه: (حُرَّةٍ): بدليل مقابلتها بالأَمَة. وقولُه: (لأَنَّ سبب نزولها … ) إلى آخره: يُشير إلى قصةٍ حصلت لعبد الله بن رواحة، كانت له أَمَةٌ فأَعتقها فتزوَّجها، فعاب عليه بعضُ الناس ورغَّبَه في الزواج من حُرَّةٍ ولو مشركةٍ، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾، كذا قيل، والله أعلم (١). وقولُه: (وهذا مخصوصٌ بغير الكتابيات … ) إلى آخره: هذا يقتضي أَنَّ المؤلِّفَ يرى أَنَّ الآيةَ عامَّةٌ في المشركين من أَهل الأوثان وأَهلِ الكتاب، ويُخَصُّ من عمومها المحصناتُ من أهل الكتاب كما في سورة المائدة. وقولُه: (بإرادته): أَي: الإرادةِ الشرعية. * * *

стр. 465

وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]: يذكرُ تعالى في هذه الآية أَنَّ بعضَ المسلمين سأل النبيَّ ﷺ عن حكم إتيان النساء في حال الحيض، منهم أبو الدحداح وأُسيدُ بن الحضير وعَبَّادُ بن بشر ﵃ (١)، فأُجيبوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾؛ أَي: دمُ الحيضِ أذى؛ لأَنَّه نجسٌ قذرٌ، ثم رتَّبَ تعالى على ذلك الأَمر باعتزال النساء بتركِ وَطئهنَّ في المحيض وهو زمنُ الحيضِ، وقيل: مكانُ الحيض، وهو الفرجُ، فعُلمَ بذلك تحريمُ وطءِ الحائضِ في الفرج، وهذا مُجمَعٌ عليه (٢)، ثم اختُلف فيما يَحِلُّ الاستمتاعُ به من سائر بدنها؛ فقيل: لا يحرمُ منها إلا الوطءُ في الفرج خلا الدُّبرَ، فإنه لا يَحِلُّ بحالٍ من الأحوال، وقيل: لا يَحِلُّ إلَّا ما فوق السرَّة ودون الركبة (٣)، والصوابُ الذي دلَّت عليه السنَّةُ: أَنه لا يحرمُ إلَّا الوطءُ في الفرج؛ لقوله ﷺ : ((اصنعوا كلَّ شيءٍ إلَّا النكاح))، لما قيل له: إِنَّ اليهودَ إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يؤاكلوها ولم يُساكنوها في البيوت. رواه مسلم (٤)، ولكن ينبغي اجتناب ما بين السرَّةِ والرُّكبةِ، وكان ﷺ يأمر المرأةَ من نسائه فتتَّزِرُ فيباشرها، وهي: حائض كما ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂؛ قالت: «كان رسول الله يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض» (٥)، فعُلم

стр. 466

مما تقدَّم أَنَّ اعتزالَ النساء الذي أَمر اللهُ به وأَكَّده بالنهي عن قربانهنَّ حتى يطهرنَ: هو تركُ وَطئها في الفرج حتى تطهرَ بانقطاع الدم ثم تغتسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾، وفي هذا الحرف قراءتان؛ فقرأ بعضُهم: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بصيغة الفعل المضارع من الثلاثي، وهو بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأَ بعضُهم بتشديد الطاء والهاء (١)، ورجَّح هذه القراءة ابنُ جرير (٢)، ومعناها: «يغتسلن»، ومعلومٌ أَنَّ الاغتسالَ لا يكون إلَّا بعد انقطاع الدم، ومما يُرجِّحُ هذه القراءةَ -أعني: قراءةَ التشديد- أَنه فُرِّعَ عليها الجملةُ الشرطية، وهي: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ﴾، فعلَّق إباحةَ إتيانهنَّ على ما إذا تطهَّرنَ؛ أي: اغتسلن، والاغتسالُ: هو التطهُّرُ من الحدث الأَكبر كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾: هذا أَمرُ إِباحةٍ بعد النهي؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ﴾ ذكر فيه ابنُ جرير عدة أقوال، منها: فأتوهنَّ من حيثُ أَمركم اللهُ باعتزالهنَّ فيه، وهو الفرجُ، ورواه عن جمعٍ من السَّلف (٣)، ورجَّح أَنَّ المعنى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ﴾ أَي: الطُّهر؛ فالمعنى: فأتوهنَّ طاهرات لا حيَّض (٤).

стр. 467

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (٢٢٢)﴾: ثناءٌ ووعدٌ للتائبين إلى الله من الذنوب، والمتطهِّرينَ المتنزِّهين عن الأَقذار والأنجاس. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أَي: الحيضِ، أو مكانِه، ماذا يفعل بالنساء فيه؟ ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قذرٌ أو محلُّه ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ اتركوا وطأهنَّ ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ أَي: وقتِه، أو مكانِه ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ بالجماع ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بسكون الطاءِ وتشديدِها والهاء، وفيه إدغامُ التاء في الأصل في الطاء؛ أَي: يغتسلن بعد انقطاعه ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ للجماع ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ بتجنُّبه في الحيض، وهو القُبُل، ولا تعدوه إلى غيره ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾ يُثيبُ ويُكرمُ ﴿التَّوَّابِينَ﴾ من الذنوب ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من الأَقذار. وقولُ المؤلِّف: (أَي: الحيضِ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ المحيضَ يحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا فيكون بمعنى: الحيض، ويُحتملُ أَنْ يكون اسمَ مكانٍ؛ أَي: مكانَ الحيض وهو الفرج، والمقصودُ: السؤالُ عن حكم معاملةِ النساءِ حالَ الحيضِ؛ ما يحلُّ للرجل منهنَّ وما يحرم. وقولُه: (قذرٌ أو محلُّه): هذا مَبنيٌّ على القولين في المراد بالمحيض. وقولُه: (اتركوا وطْأهنّ): فسَّرَ الاعتزالَ بترك جماع الحائض. وقولُه: (وقتِه أَوْ مكانِه): يُبيِّنُ أَنَّ المحيضَ في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يُحتمَلُ أَنه اسمُ زمان؛ وهو وقتُ الحيضِ، أَوْ اسمُ مكانٍ؛ وهو الفرج. وقولُه: (بالجماع): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه: (لا تقربوا) من القُربان؛ وهو مباشرةُ الفعل، لا من القربِ بمعنى: الدنو من الشيء. وقولُه: (بسكون الطاء وتشديدها … ) إلى آخره: يُشيرُ إلى القراءتين، إحداهُما بسكون الطاء وضمِّ الهاء، من طهر الثلاثي، والأُخرَى بتشديد الطاءِ

стр. 468

والهاءِ، والأَصلُ «يَتْطَهرن» فسُكِّنت التاءُ وقُلبت طاءً وأُدغمت الطاءُ في الطاء، ومعنى: يطهرن؛ يغتسلن. وقولُه: (للجماع): تفسيرٌ للإتيان في قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾. وقولُه: (بتجنُّبه في الحيض … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الأَمر المشار إليه في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ هو الأَمرُ باعتزالهنَّ في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. وقولُه: (يُثيبُ ويُكرِمُ): هذا تأويلٌ بل تحريفٌ؛ لأنَّه تفسيرٌ للمحبَّةِ بلازمِها، فإنَّ من لازمِ محبَّةِ اللهِ للعبدِ الإثابةُ والإكرامُ، وهذا التأويلُ يتضمَّنُ نفيَ حقيقةِ المحبَّةِ عن الله؛ فهو تأويلٌ مبنيٌّ على التعطيلِ، وهذا سبيلُ المعتزلةِ ومن تبعَهم كالأشاعرةِ (١)، وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يُثبتون لله حقيقةَ المحبَّةِ ويجرونَ النصوصَ على ظاهرِها مؤمنينَ بها مثبتين لما تدلُّ عليه من صفاتٍ للهِ من غيرِ تعطيلٍ ولا تحريفٍ ولا تمثيل ولا تكييفٍ، وهذا معنى قولُ من قالَ من السلفِ في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها: «أمرّوها كما جاءَت بلا كيفٍ» (٢). * * *

стр. 469

وقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين (٢٢٣)﴾ [البقرة: ٢٢٣]: يُخبر تعالى عبادَه المؤمنين أَنَّ نساءَهم -وهن زوجاتهم- مزدرعٌ لهم وموضع حرثٍ لهم، بوضع النُّطف في أَرحامهنَّ، فينشأُ عن ذلك الولدُ؛ كوضع الحبِّ في المزدرع من الأرض، وينشأُ عن ذلك الزرعُ والشجرُ والحبُّ والثمرُ. وقوله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ﴾: أي: جامعوا نساءكم من أَيِّ وجهٍ شئتم، من قُبلها ومن دُبرها في موضع الحرثِ وهو القُبُل، لكن دلَّ الكتابُ والسنَّةُ على تحريم أَمرين: إتيان النساءِ في أَدبارهنَّ، وفي مكان الحيضِ. وقد ثبت في سبب نزولِ هذه الآية كما في الصحيحين: أَنَّ اليهودَ كانوا يقولون للمسلمين: إذا أتى الرجلُ امرأته من دُبرها في قُبلها كان الولدُ أَحولَ، فأَنزل اللهُ هذه الآية ردًّا عليهم (١)، فعُلم مما تقدَّمَ الفرقُ بين إِتيان المرأة من دُبرها في قُبلها، وإتيانها في دبرها، فالأَولُ: حلالٌ بالاتفاق؛ لقوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. والثاني: حرامٌ لِمَا استفاضَ من الأَحاديث والآثار الدالةِ على تحريم ذلك (٢)، وأَمَّا ما رُوي من الآثار المخالفة لذلك؛ فهي بين أَمرين: إِمَّا أنها لم تصحَّ، أو تكون محمولة على المعنى المجمع على إباحته، وهو إتيان المرأة من دُبرها في قُبلها، كما حقَّقَ ذلك العلامةُ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره (٣).

стр. 470

وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾: أَي: قدِّموا لأَنفسكم من الأَعمال الصالحة ما تجدونه عند الله موفورَ الأَجر مشكورًا، ولا يشغلنكم عن ذلك التمتع بلذَّات الدنيا، وبذا تظهرُ مناسبةُ قولِه تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ﴾ لِمَا قبله. وقوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾: أي: اتقوا سخطَه وعذابَه باجتناب محارمه. وقوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلَاقُوهُ﴾: أَي: يومَ القيامة، فمُجازيكم بأعمالكم حَسنِها وسَيِّئِها، وفي هذا تأكيدٌ لقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾. وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين (٢٢٣)﴾: أَمرٌ من الله لنبيِّه أَنْ يُبشِّرَ المؤمنين لِمَا أَعدَّ اللهُ لهم من الأَجرِ الكبير والفوزِ العظيمِ. ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أَي: محلُّ زرعكم الولدَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أَي: محلَّه؛ وهو القُبُل ﴿أَنَّى﴾ كيف ﴿شِئْتُمْ﴾ من قيامٍ وقعودٍ واضطجاعٍ وإِقبالٍ وإِدبارٍ؟ نزل ردًّا لقول اليهود: مَنْ أَتى امرأته في قُبلها من جهة دُبرها جاء الولدُ أَحول ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ العملَ الصالحَ؛ كالتسمية عند الجماع ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أَمره ونهيه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ بالبعث، فيُجازيكم بأعمالكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين اتقوه بالجنة. وقولُ المؤلِّف: (أَي: محلَّ زرعكم الولدَ): في هذا تشبيه المرأةِ أَوْ رحمِ المرأةِ بالأرض التي يُوضعُ فيها البذرُ، وتشبيهُ النطفةِ بالبذر والولدِ بالزرع كما جاء في الحديث: ((لا يحلُّ لمن يؤمنُ بالله واليوم الآخر أَنْ يسقيَ ماءَه زرعَ غيره)) (١)، المعنى: لا يحلُّ للمؤمن أَنْ يطأَ الحاملَ من غيره.

стр. 471

وقولُه: (أَي: محله … ) إلى آخره: يقتضي أَنَّ إطلاقَ الحرثِ على المرأة مجازٌ مرسلٌ علاقته الحالية، ومحلُّ الحرثِ من المرأة هو القُبُلُ. وقولُه: (كيف): تفسيرٌ لقوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وهذا إذنٌ بإتيان المرأة في أَيِّ حالٍ تكون عليها المرأةُ، وفي أَيِّ مكانٍ، وفي أَيِّ زمانٍ يشاؤه الرجلُ، إلَّا ما خصَّه الدليلُ؛ كإتيانها في الحيض أَوْ في الدبر، فهذان حرامٌ كما تقدَّم. وقولُه: (من قيامٍ وقعودٍ … ) إلى آخره: تفصيلٌ لأَحوالِ المرأَةِ المأذون بإتيانها فيها. وقولُه: (نزل ردًّا … ) إلى آخره: إشارةٌ إلى سبب النزول. وقولُه: (العملَ الصالحَ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الآيةَ شاملةٌ للقولين في المأمور بتقديمه؛ الأول: قدِّموا الخيرَ وهو العملُ الصالح، والثاني: ذكرُ الله قبل الجماعِ بالتسمية والدعاء، كما جاء في الحديث قال ﷺ : ((لو

стр. 472

أَنَّ أَحدكم إذا أَراد أن يأتي أَهلَه قال: باسم الله، اللهمَّ جنِّبنا الشيطانَ وجنِّب الشيطانَ ما رزقتنا … )) الحديث (١). * * *

стр. 473

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٢٤) لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيم (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٤ - ٢٢٥]: ينهى اللهُ -تعالى- عبادَه المؤمنين عن الحلف به سبحانه على ترك البر أو التقوى، أو ترك الإصلاح بين الناس، فقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾؛ أَي: أَلَّا تبرُّوا ولا تتَّقوا ولا تُصلحوا. وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾؛ أَي: لا تجعلوا اللهَ مُعَرّضًا للحلف به على أَلَّا تبرُّوا ولا تتَّقوا ولا تُصلحوا، وقيل: لا تجعلوا أَيمانكم بالله عُرضةً؛ أَي: مانعًا لكم عن البر والتقوى والإصلاح (١)، ونظيرُ هذه الآية في النهي عن الحلف على ترك البر والصلة قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]، نزلت في أَبي بكر لَمَّا حلف أَلَّا ينفقَ على مِسْطحٍ؛ لخوضه في شأن عائشة ﵃ (٢)، وبناءً على ما سبق من حلف ألا يفعل برًّا أو معروفًا، فالمشروعُ في حقِّه أَنْ يفعلَ ما حلف على تركه ويُكفِّرَ عن يمنيه، قال ﷺ : ((والله لا أَحلفُ على يمينٍ فأَرى غيرها خيرًا منها إلَّا أَتيتُ الذي هو خيرٌ، وكفَّرتُ عن يميني)) (٣). وقوله: ﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٢٤)﴾: أَي: سميعٌ لأَقوالكم عليمٌ بما في قلوبكم، وسيجزيكم على أَقوالكم وأَعمالكم.

стр. 474

وقوله تعالى: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أي: لا يُؤثِّمكم ولا يُعاقبكم، فلا تجبُ عليكم الكفارةُ بالحنث فيه. وقوله: ﴿بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾: المراد باللغو: ما لا يترتَّبُ عليه شيءٌ من الأَحكام، ولغو اليمين؛ قيل: المرادُ به ما يجري على اللسان من غير عقد القلب؛ كقول الرجل: «لا والله، وبلى والله»، وقيل لغو اليمين: هو حلفُ الإنسان على ما يظنُّ صِدقَه فيه (١). وقوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أَي: ولكنَّ الإثمَ وجوبُ الكفارة بالحِنث في الأَيمان التي انعقد عليها القلبُ، فصارت من عمل القلب وكسبه قصدًا ونيَّةً وعزمًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقوله: ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيم (٢٢٥)﴾: أَي: كثيرُ المغفرةِ لذنوب عبادِه، حليمٌ لا يُعاجِلُ بالعقوبة. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ﴾ أَي: الحلف به ﴿عُرْضَةً﴾ علَّةً مانعةً ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾ أَي: لِمَا حلفتم عليه -سُمِّيَ باليمين لملابستِه له- أَنْ تفعلوه لـ ﴿أَنْ﴾ لا ﴿تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فتُكرَه اليمينُ على ذلك، ويُسَنُّ فيه الحنثُ ويُكفَّرُ بخلافها على فعل البرِّ ونحوِه فهي طاعة. المعنى: لا تمتنعوا من فعل ما ذُكر من البرِّ ونحوِه إذا حلفتم عليه؛ بل ائتوه وكفِّروا؛ لأَنَّ سببَ نزولها الامتناعُ من ذلك ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأَقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأَحوالكم. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ الكائنِ ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وهو ما يَسبقُ إليه اللسانُ من غير قصدِ الحلفِ؛ نحو: لا والله وبلى والله؛ فلا إِثم فيه ولا كفَّارة ﴿وَلَكِنْ

стр. 475

يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أَي: قَصَدتْه من الأَيمان إذا حَنثتم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِمَا كان من اللغو ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخيرِ العقوبةِ عن مُستحِّقها. وقولُ المؤلِّف: (أَي: الحلف به): تأَوّل الكلام على حذف مُضاف؛ فمعنى: لا تجعلوا الله: لا تجعلوا الحلفَ بالله. وقولُه: (علَّةً مانعةً): تفسير للعرضة؛ أي: لا تجعلوا القَسَمَ بالله على ترك البرِّ والتقوى والإصلاح سببًا مانعًا من فعل البرِّ والتقوى والإصلاح. وقولُه: (لِمَا حلفتم عليه … ) إلى آخره: هذا تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾، فاليمينُ تُطلَقُ على لفظ القَسَم؛ كقولك: «والله»، وتُطلَقُ على المقسَم عليه؛ كقولك: «لا أَحج»، ففي الآيةِ النهيُ عن أَنْ يكون القَسَمُ: «والله» مانعًا من فعل الحجِّ المُقسَمِ على تركه، وهذا على تفسيرِ العُرضةِ بالعلَّةِ المانعةِ، وهذا ما مشى عليه المؤلِّف، ولهذا قال في تفسير: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾: «أَنْ لا تبرُّوا». وقولُه: («أن» لا): هذا تفسيرٌ لليمين التي نهي عن جعلها مانعًا من فعل البر والتقوى والإصلاح. وقولُه: (فتُكرَه اليمينُ على ذلك): يريد: أَنَّ الحلفَ على ترك العمل المشروع مكروهٌ، هذا إذا كان مُستحبًّا، ولهذا قال: (ويُسَنُّ فيه الحنثُ)، أَمَّا إذا كان واجبًا؛ فالحلفُ على تركه حرامٌ؛ كمَن حلفَ على ترك فريضةٍ من الفرائض، فيجب الحنثُ وتجبُ الكفَّارةُ.

стр. 476

وقولُه: (بخلافها على فعل البرِّ): يريد: أَنَّ الحلفَ على فعل البر؛ كقوله: والله لأَحُجنَّ، لا على وجه النذر؛ لا يكره. وقولُه: (المعنى: لا تمتنعوا … ) إلى آخره: يُبيِّنُ بذلك المعنى المقصود من النهي في الآية، ويشيرُ إلى سبب نزول الآية، وهو أَنَّ بعضَ الناس يمتنع من فعل الطاعة؛ لأَنَّه حلفَ على تركها، فنُهوا عن الامتناع من فعل الخير من أجل اليمين، وأُمروا بالحنث والكفارة. وقولُه: (الكائنِ): هذا تقديرُ مُتعلق الجار والمجرور في أيمانكم، فالمعنى: اللغو الواقع في أَيمانكم. وقولُه: (وهو ما يَسبقُ … ) إلى آخره: هذا تفسيرُ اللغو في الأَيمان. وقولُه: (أَي: قَصَدتْه … ) إلى آخره: هذا تفسيرٌ لكسب القلوب، فقصدُ القلب للقول والفعل هو كسبُه وعملُه، وهو معنى قولِه تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. * * *

стр. 477

وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]: هذا بيانٌ من الله لحكم من «آلى» من امرأته؛ أَي: حلف على أَلَّا يطأها أَكثرَ من أَربعة أَشهرٍ؛ كسنةٍ، و «آلى»، و «ائتلى»: حلف، فيؤلون: أَي: يحلفون، ويقال: لمن وقع منه ذلك مُؤْلٍ، وليمينه: الإيلاءُ. ومعنى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: يُباحُ لهم الانتظارُ مُمتنعين عن وطءِ نسائهم مدةَ أَربعة أَشهرٍ، فالتربُّصُ بمعنى: الانتظار، ومفهومُ التقييد بأَربعةِ أَشهرٍ أنه ليس لهم الامتناعُ من الوطءِ فوق الأَشهر الأَربعة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاؤُوا﴾: أَي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه؛ فكان منهم الوطءُ عند تمام المدةِ أَوْ قبلها، وجوابُ الشرط: قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (٢٢٦)﴾: أَي: غفورٌ للمؤولين خطأَهم رحيمٌ بهم بما شرعَ لهم من التربُّص وكفَّارةِ اليمين. وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٢٧)﴾: أَي: فإن لم يفيئوا فقد وجبَ عليهم الطلاقُ، فإن طلَّقوا وإِلَّا أَجبرهم الحاكمُ على الطلاق، فإن فعلوا وإِلَّا طلَّقَ عليهم، وجوابُ الشرط قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٢٧)﴾: أَي: سميعٌ لأقوال المؤلين، عليمٌ بنيَّاتهم. فعُلم مما تقدَّمَ أَنَّ المؤلي الذي يؤمرُ بالفيئة ويُجبرُ على الطلاق إذا امتنع هو الذي آلى أَكثر من أربعة أَشهر على وجه المضارَّةِ للمرأة، أَمَّا إذا كان برضا المرأةِ رعايةً لأَيِّ مصلحةٍ؛ فليس له حُكمُ المُؤلي؛ لأَنَّ الحقَّ لها، أَمَّا مَنْ آلى أَربعةَ أَشهرٍ فأقل؛ فلا يدخل في حكم الآيةِ، لكن يحرم قصدُ الإضرارِ بكلِّ حالٍ، فإِن أَتمَّ المدةَ التي عيَّنها فلا شيءَ عليه، وإن فاءَ في المدة فعليه كفَّارةُ اليمين، وكذا إذا فاءَ في مدَّةِ التربُّص أَوْ بعدها، فإنَّ عليه الكفارةُ، وإن طلَّقَ فلا كفَّارةَ عليه.

стр. 478

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أَي: يحلفون أَلَّا يُجامعوهنَّ ﴿تَرَبُّصُ﴾ انتظارُ ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطءِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لهم ما أَتوه من ضرر المرأةِ بالحلف ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أَي: عليه، بأَنْ لم يفيئوا؛ فليُوقعوه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بعزمهم، المعنى: ليس لهم بعد تربُّصِ ما ذُكر إلَّا الفيئةُ أو الطلاقُ. وقولُ المؤلِّف: (ما أَتوه من ضرر المرأةِ بالحلف): معناه: أَنَّ اللهَ يغفر للمؤلي إذا فاءَ ما ترتَّب على الإيلاء من ضرر المرأةِ، وهذا مشروطٌ بالتوبة واستحلال المرأة، وأَمَّا ما ترتَّب على الفيئة من الحنث في اليمين فإنه يُغفر بالكفارة. وقولُه: (عليه): يُبيِّنُ: أَنَّ عزمَ يتعدَّى بـ «على»، فـ ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ بمعنى: عزموا على الطلاق، فحُذفَ حرفُ الجرِّ واتَّصل الفعلُ بالمجرور فنُصبَ به، وهذا ما يعرف بالحذف والإيصال، فجعل العزمَ على الطلاق مُقابلًا للفيء، فدلَّ ذلك على وجوبه، فإن طلَّقَ وإِلَّا طلَّق عليه الحاكمُ، فالمعنى: إن لم يفئ عند تمام المدةِ فقد عزم على الطلاق، ولهذا قال بعضُ أهل العلم: «إذا تمَّت المدَّةُ ولم يفئ بانت منه ولو لم يُطلِّق» (١)، والصواب: أَنه إذا تمت المدةُ فإنه يُوقَفُ فيُؤمرُ بالفيئة أَوْ الطلاق، فإِن أَبى الأَمرين طلَّقَ الحاكمُ (٢)، وفي حكم هذه الآية اختلافاتٌ وتفريعاتٌ كثيرةٌ.

стр. 479

وقولُه: (المعنى: ليس لهم … ) إلى آخره: يريد: أَنَّ معنى الآيتين: أَنَّ المؤلي بعد تربُّصِ أَربعةِ أَشهر لا بدَّ له من أَحد الأَمرين؛ إِمَّا أَنْ يفئَ أو يُطلِّقَ. * * *

стр. 480

وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيم (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]: يُبيِّنُ تعالى حكمَ المطلقات طلقةً أو طلقتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فحُكمُ هؤلاء المطلقات التربُّصُ مدَّةَ ثلاثةِ قروء؛ أَي: الانتظارُ والامتناعُ عن النكاح في هذه المدَّة، والقروءُ: جمعُ قَرءٍ بالفتح، قيل: وبالضم، والمرادُ: بالقروء؛ قيل: الأَطهار، وقيل: الحِيَضُ (١)، كما يُبيِّنُ تعالى أَنه لا يحلُّ لهنَّ في هذه المدة كتمانُ ما خلق الله في أَرحامهنَّ مِنْ حملٍ أَوْ حيضٍ وأَنَّ ذلك الكتمان لا يكون ممن تؤمن بالله واليوم الآخر؛ لِمَا يترتَّب على كتمان الحيض أَوْ الحمل من المفاسد المتعلقةِ بحقِّ الأَزواج؛ كتطويل العدةِ أَوْ تقصيرها وغير ذلك مما بيَّنه العلماءُ، ثم بيَّنَ تعالى أَنَّ أَزواجهنَّ ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ في مدَّة التربُّصِ إلى ما كُنَّ عليه قبل الطلاقِ، وهذا ما يُسمَّى بالرجعة، وشرطُ ذلك أَنْ يُريدوا بهذا الردِّ الإصلاحَ لا الإِضرار، وهذا معنى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. ثم بيَّنَ تعالى أَنَّ للنساء على أزواجهنَّ مثل الذي لهم عليهنَّ من أَداء كلٍّ منهم ما عليه من الحقوق الواجبةِ شرعًا والجاريةِ عرفًا، وقد فضَّل اللهُ الرجالَ على النساء درجةً فقال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وهي ما بينه تعالى بقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، فدخل في ذلك كلُّ ما فُضِّل به الرجالُ وخُصُّوا به من

стр. 481

الأَحكام مما ذكره المفسرون في تفسير الدرجة، ومن ذلك: قواميةُ الرجال على نسائهم وإمرتُهم عليهنَّ ووجوبُ طاعتهنَّ لهم بالمعروف. وقوله: ﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيم (٢٢٨)﴾: أَي: قويٌّ غالبٌ، وفي ذلك تهديدٌ لمن يُخالف أَمر اللهِ أَوْ يرتكبُ ما نهى عنه من الرجال والنساء، وهو تعالى حكيمٌ؛ أَي: ذو حكمةٍ، ومن ذلك: حكمتُه فيما شرع لعباده من أَحكام المطلَّقات وغير ذلك. وبعد: فأَهمُّ مسألةٍ تتعلقُ بهذه الآية: مسأَلةُ المرادِ بالقرء، فقد اختلف في ذلك العلماءُ من الصحابة والتابعين والأَئمة المتبوعين، فذهب كثيرون إلى أَنَّ القروءَ الأَطهارُ، وذهب آخرون كثيرون إلى أَنَّ القروءَ الحِيَضُ، فعلى القولِ الأَوَّل تنقضي عدَّةُ المطلقة الرجعية بشروعها في الحيضة الثالثة بعد الطلاق، وعلى القول الآخر -وهو أَنَّ الأَقراءَ الحِيَضُ- تنتهي عدَّتُها بطُهرها من الحيضة الثالثةِ، ولكلٍّ من الفريقين وجوهٌ من الاستدلال من الكتاب والسنَّة، وقد استوفى ذكرَها الإمامُ ابنُ القيم في زاد المعاد، وذكر أَنَّ من القائلين إنَّ الأَقراءَ الحِيَضُ: الخلفاءَ الأَربعةَ الراشدين؛ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمان وعليًّا، واختار ﵀ هذا القولَ ورجَّحه، والله أَعلم (١). وقد دلَّت الآيةُ على أَنَّ كلَّ مُطلقةٍ عدَّتُها ثلاثةُ قروءٍ، وقد خرج من هذا العموم عددٌ من المطلَّقات: الأولى: غيرُ المدخول بها، فإنه لا عدَّةَ عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. الثانية: المطلقةُ الحاملُ؛ فإنَّ عدَّتَها تنقضي بوضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].

стр. 482

الثالثة والرابعة: الآيسةُ من المحيض والتي لم تحضْ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾، إلى قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. الخامسة: المطلقةُ البائنُ بينونةً كبرى؛ وهي التي طلَّقها زوجُها آخرَ ثلاث تطليقات، وقد ذهب جمهورُ العلماءِ إلى دخولها في الآية، وقالوا: إنها تتربصُ ثلاثةَ قروءٍ لعموم الآية، وذهب بعضُ العلماءِ إلى أَنها غيرُ داخلةٍ في المطلقات اللاتي يتربصنَ ثلاثةَ قروءٍ؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، والمطلقةُ ثلاثًا ليس بعلها أَحق بردِّها؛ لأنها لا تحلُّ له حتى تنكحَ زوجًا غيره، وعليه فيختصُّ قولُه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ بالرجعيات (١). ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ أَي: ينتظرنَ ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ عن النكاح ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ تمضي من حين الطلاقِ، جمعُ قَرءٍ بفتح القاف؛ وهو الطُّهرُ أَوْ الحيضُ، قولان. وهذا في المدخول بهنَّ، أَمَّا غيرهنَّ فلا عدَّةَ عليهن، بقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ وفي غير الآيسة والصغيرة فعدتهنَّ ثلاثةُ أَشهرٍ، والحوامل فعدتهنَّ أَنْ يضعنَ حملهنَّ كما في سورة الطلاقِ، والإماءُ فعدتهنَّ قَرآنِ بالسنَّةِ.

стр. 483

﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الولد أَوْ الحيض ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أَزواجُهنَّ ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أَي: بمُراجعتهنَّ ولو أَبين ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أَي: زمن التربُّصِ ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ بينهما، لا إِضرار المرأة، وهو تحريضٌ على قصده لا شرطٌ لجواز الرجعةِ، وهذا في الطلاق الرجعي، وأَحق لا تفضيل فيه، إذ لا حقَّ لغيرهم في نكاحهنَّ في العدَّةِ ﴿وَلَهُنَّ﴾ على الأزواج ﴿مِثْلُ الَّذِي﴾ لهم ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ من الحقوق ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا، من حُسن العشرةِ وتركِ الضِّرار ونحو ذلك ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ فضيلةٌ في الحقِّ من وجوب طاعتهنَّ لهم؛ لِمَا ساقوه من المهر والإنفاق. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبَّرَه لخلقِه. وقولُ المؤلِّف: (ينتظرنَ): يريد: أَنَّ ﴿يتربَّصنَ﴾ لفظُه خبرٌ، ومعناه: أَمرٌ؛ فمعنى ﴿يتربَّصنَ﴾: ليتربَّصنَ. وقولُه: (عن النكاح): يُبيِّنُ أَنَّ المقصودَ من التربُّص منعُ أَنفسهنَّ عن النكاح. وقولُه: (تمضي من حين الطلاق): يُبيِّنُ أَنَّ مدَّةَ التربُّصِ من حين الطلاق إلى أَنْ تمضيَ ثلاثةُ قُروء. وقولُه: (وهو الطُّهرُ أَوْ الحيضُ … ) إلى آخره: تضمَّن كلامُه ذِكرَ الاختلاف في المراد بالقَرء، وأَنَّ حُكمَ هذه الآية مختصٌّ بذوات الأَقراء، وأَنه خرجَ من عمومها الآيسةُ من المحيض، والتي لم تحضْ، والحاملُ؛ فقد بيَّنَ حُكمَهنَّ في سورة الطلاق. كما خرج من عموم الآية غيرُ المدخول بها؛ فإنَّه لا عدَّةَ عليها كما في آية الأحزاب ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. وقولُه: (من الولد أَوْ الحيض): تفسيرٌ لِـ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ وحرَّمَ عليهنَّ كتمانه.

стр. 484

وقولُه: (بمراجعتهن … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الرجعةَ حقٌّ للزوج، وأنه لا يُعتبرُ فيها رضا المطلقة. وقولُه: (زمنَ التربُّصِ): بيانٌ لمرجع اسم الإشارة. وقولُه: (بينهما … ) إلى آخره: تضمَّن كلامُه أَنَّ قولَه تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ ترغيبٌ في حُسن القصدِ في الرجعة، وذلك بقصد الإصلاحِ لا الإضرار بالمرأة، ويُبيِّنُ المؤلِّفُ أَنَّ قصدَ الإصلاحِ ليس شرطًا في صحَّة الرجعةِ، فتصحُّ الرجعةُ ولو لم يردِ الإصلاحُ، هذا قولُ الجمهور؛ لأَنَّ حُسنَ النيةِ أَمرٌ باطنٌ لا يُطلَعُ عليه في الغالب، فيشقُّ اعتبارُه في الرجعة (١)، ولكن يجب التذكيرُ به، والتحذيرُ من خلافه، كما بيَّن المؤلِّفُ أَنَّ «أحق» أَفعل تفضيل على غير بابه؛ فالمعنى: بُعولتهنَّ مُستحقُّون لردِّهنَّ في زمن التربص. وقولُه: (على الأزواج … ) إلى آخره: فيه بيان المحذوفِ من الشطر الأَول من الجملة؛ وهو قوله: (على الأَزواج)، وبيان المحذوفِ من الشطر الثاني من الجملة؛ وهو قوله: (ولهم)، ويُسمَّى هذا احتباكًا (٢) مع بيان مُتعلق هذا الوجوب والاستحقاق، وهو قوله: (من الحقوق من حسن العشرة وترك الضِّرار ونحو ذلك)، وهذا هو المعروفُ شرعًا وعُرفًا. وقولُه: (فضيلة … ) إلى آخره: تفسيرٌ للدرجة التي فُضِّل بها الرجال، وهي: وجوبُ طاعتهم عليهنَّ بسبب ما أَنفقوا من أَموالهم من الصَّداق وغيرِه.

стр. 485

وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠]: يُبيِّنُ تعالى في هاتين الآيتين ما يملكه الرجلُ من الطلاق، وهو ثلاثُ تطليقاتٍ تَبينُ المرأةُ بعدها، وفي ذلك إبطالٌ لِمَا كان عليه أَهلُ الجاهليةِ من طلاق المرأة ومراجعتها بلا حدٍّ ينتهي إليه، وكلما طلَّقها وأَوشكتْ أَنْ تنقضي عدَّتُها راجعها ثم طلَّقها ثم تركها، ويفعل ذلك إضرارًا بها، فقصرهم تعالى على ثلاث، فلا تحلُّ بعد الثالثة لمُطلِّقها حتى تنكحَ زوجًا غيرَه، ويطؤها ثم يُطلِّقُها وهذا من أَعظم موانع الإقدام على الطلاق، وفي هذا البيان من الله أَنه يُخيَّر بعد الطلقةِ الأُولى وبعد الثانية بين إِمساكها -وهو: ردُّها؛ أَي: المراجعة، ما دامت في العدَّة بنيَّة الإصلاح- أو تسريحها مع الإحسان إليها بتركها حتى تنقضي عدَّتُها، فتَبينُ منه بينونةً صغرى، فتكون أَملك لنفسها، فلا يملك مُطلِّقُها رجعتها إلَّا برضاها وبعقدٍ جديدٍ، فإن طلَّقها الثالثةَ بانت منه بينونةً كبرى؛ فلا تحلُّ له حتى تنكحَ زوجًا غيرَه زواجًا حقيقيًا لا بنيَّةِ التحليل، ويطؤها كما دلَّت على ذلك السنَّةُ الصحيحةُ في قصة امرأة رِفَاعة (١)، فإن نكحت على هذا الوجه ثم طلَّقها الزوجُ الثاني؛ حلَّت لزوجها الأَول بشرط أَنْ تظنَّ المرأةُ وزوجُها الأَولُ أَنهما سيقيمان أَحكام الله فيما بينهما، وهي: حدودُ الله التي حدَّها لكلٍّ من الزوجين، وقد بيَّن اللهُ سبحانه ذلك كله في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ

стр. 486

مِنْ بَعْدُ حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون (٢٣٠)﴾. وبمناسبة ذِكر الطلاقِ وأَنَّ الرجلَ قد يَعضِلُ المرأةَ التي يريد طلاقها؛ بيَّنَ سبحانه أَنَّه لا يحلُّ للزوج أَنْ يفعلَ ذلك ليأخذ شيئًا مما آتاها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، ثم استثنى سبحانه من ذلك ما إذا خاف الزوجان أو أَهلهما أَوْ ولاةُ الأَمر أَلا تستقيمَ حياتهما الزوجيةُ بأَن لا يُقيما حدودَ الله فيما بينهما، فلا جُناح عليهما حينئذٍ فيما افتدت به المرأةُ من مالها من مهرٍ وغيرِه ليُسرِّحها الزوجُ. ﴿الطَّلَاقُ﴾ أَي: التطليقُ الذي يُراجع بعده ﴿مَرَّتَانِ﴾ أَي: اثنتان ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾ أَي: فعليكم إِمساكهنَّ بعده بأَن تُراجعوهنَّ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ من غير ضِرارٍ ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ أَي: إِرسالٌ لهنَّ ﴿بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أَيُّها الأَزواجُ ﴿أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المهور ﴿شَيْئًا﴾ إذا طلقتموهنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ أَي: الزوجان ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أَي: لا يأتيا بما حدَّه لهما من الحقوق، وفي قراءة «يُخافا» بالبناء للمفعول. فـ «ألَّا يُقيما»: بدلُ اشتمال من الضمير فيه، وقُرئ بالفوقية في الفعلين ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ نفسها من المال ليُطلِّقها، أَي: لا حرج على الزوج في أَخذه ولا الزوجة في بذله. ﴿تِلْكَ﴾ الأَحكامُ المذكورةُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الزوجُ بعد الثنتين ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أَي: بعد الطلقة الثالثة ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ تتزوجَ ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ويطأها كما في الحديث رواه الشيخان ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الزوجُ الثاني ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أَي: الزوجةُ

стр. 487

والزوجُ الأَوَّلُ ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ إلى النكاح بعد انقضاء العِدَّةِ ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ﴾ المذكورات ﴿حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يتدبَّرون. وقولُ المؤلِّف: (التطليقُ الذي يُراجع بعده): عبَّرَ عن الطلاق بالتطليق؛ لبيان أَنَّ الطلاقَ اسمُ مصدر بمعنى التطليق، ثم يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالطلاق هو الطلقةُ الأُولى والطلقةُ الثانية؛ لأَنَّه الطلاقُ الذي تجوز بعده الرَّجعةُ ما دامت المطلقةُ في العدَّة. وقولُه: (اثنتان): أَي: طلقتان، وعبَّرَ عن الطلقة بالمرَّة؛ للدلالة على استقلال كلٍّ منهما، لئلَّا تكون بلفظٍ واحدٍ فتكون الطلقةُ الثانيةُ بعد الأُولى لفظًا وزمنًا. وقولُه: (فعليكم إمساكهنَّ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ «إِمساكٌ» مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ تقديرُه: فعليكم إِمساكهنَّ، وذلك لمراجعتهن. وقولُه: (أَي: إِرسالٌ لهنَّ): يريد: أَنَّ المرادَ بالتسريح تركهنَّ حتى تنقضيَ عِدتهنَّ فَيَبِنَّ منهم، وعبَّرَ عن ذلك بالإِرسال، وهذا هو الصوابُ في المراد بالتسريح في هذا الموضع، خلافًا لمن قال أَنَّ المرادَ بالتسريح أَنْ يُطلِّقَها طلقةً ثالثةً (١).

стр. 488

وقولُه: (أَيها الأَزواج): يُبيِّنُ أَنَّ الخطابَ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ للأزواج. وقولُه: (من المهور): بيانٌ للمراد بالموصول في قوله: ﴿مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. وقولُه: (إذا طلقتموهنَّ): يُبيِّنُ أَنَّ تحريمَ الأَخذ من مهور النساء في هذه الآية في حال تطليقهنَّ؛ لأَنَّه مظنةٌ للأَخذ. وقولُه: (أَي: لا يأتيا بما حدَّه لهما من الحقوق): تفسيرٌ لقوله: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾، وقد تضمَّن كلامُه بيانَ المرادِ بحدود الله؛ بأنها الحقوقُ التي فرضها اللهُ وحدَّها على كلٍّ من الزوجين للآخَر، وأَنَّ إقامتَها إيتاؤها وأَداؤها. وقولُه: (وفي قراءة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ فعل «يخاف» قُرئَ بضمِّ الياء (١)، فالفعلُ مبنيٌّ للمفعول، ونائبُ الفاعل هو الألفُ؛ لأَنَّه ضميرُ الاثنين، وعلى قراءة الجمهور: الأَلفُ فاعلٌ؛ لأَنَّ الفعل مبنيٌّ للمعلوم. وقولُه: (وقُرئ بالفوقية في الفعلين): يُريد: أَنَّ فعلي: «يخافا، ويقيما» قُرِئا بالفوقية، وهي: التاء، فتكون القراءة ﴿إِلَّا أَنْ تَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾، وهي مفتوحةٌ في الأَول ومضمومةٌ في الثاني (٢). وقولُه: (نفسها): تقدير لمفعول ﴿افْتَدَتْ﴾، فالمعنى: لا جُناح على الزوج فيما أَخذ ولا على المرأة فيما أَعطتْ؛ كما قاله المؤلِّفُ في العبارة التالية. وقولُه: (بعد الثنتين): أَي: طلَّقها طلقةً ثالثة. وقولُه: (تتزوج): تفسيرٌ لـ ﴿تَنْكِحَ﴾، وهو تفسيرٌ للنكاح بالعقد، وهو تفسيرٌ صحيحٌ، وأَمَّا اشتراطُ الوطءِ فلا تدلُّ عليه الآيةُ، لكن عُلم بالسنَّة كما ذكره المؤلِّفُ في قوله: (ويطأها … ) إلى آخره.

стр. 489

وقولُه: (كما في الحديث): يُشير إلى قصة امرأة رفاعة التي طلَّقها ثلاثًا، فنكحتْ بعده ابنَ الزَّبير، فأرادتْ أَنْ ترجعَ إلى رفاعة، فقال لها النبيُّ ﷺ : ((حتى تذوقي عُسيلتَه ويذوقَ عُسيلتك)) (١). وقولُه: (إلى النكاح بعد انقضاء العِدَّةِ): أَي: يتراجعا إلى النكاح بعقدٍ جديدٍ بعد انقضاءِ العِدَّةِ من الزوج الثاني. وقولُه: (المذكورات): يعني: الأَحكام المتقدِّمة. وقولُه: (يتدبَّرون): فسَّرَ العلمَ بالتدبُّر؛ لأَنَّ التدبُّرَ طريقُ العلمِ بما دلَّت عليه الآياتُ من الحِكَمَ والأَحكام. وبعد: فقد اشتملت الآيتان على ضمائر جمعِ المخاطبين، والمراد بهم: الأزواج؛ إلَّا قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا﴾ فالخطابُ للحكَّام، وهو نوعُ التفات، وكلُّ ما في الآيتين من ضمير التثنية فالمرادُ به الزوجان، وكلُّ ما اتصل منها في فعلٍ فهو في موضعِ رفعِ فاعل؛ إلَّا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ بضمِّ الياء على البناء للمفعول، فأَلفُ الاثنين في موضع رفعِ نائب فاعل، والمصدرُ المؤول ﴿أَلَّا يُقِيمَا﴾ على هذه القراءة بدلُ اشتمالٍ من نائب الفاعل، وقد ذكرَه المؤلِّفُ، وعلى القراءة المشهورةِ المصدرُ المؤولُ في موضع نصبِ مفعول به. * * *

стр. 490

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]: يأمر اللهُ في هذه الآية الأزواجَ إذا طلَّقوا زوجاتهم طلاقًا رجعيًا -وهو: الطلقة الأولى والثانيةـ، المذكور في قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ - يأمرهم تعالى إذا طلَّقوا نساءهم ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: قاربن نهايةَ العدةِ؛ أَنْ يُمسكوهنَّ بمراجعتهن إن شاؤوا، أَوْ يُسرحوهنَّ بتركهن حتى تنقضي عدتهنَّ، ولا بدَّ أَنْ يكون الإمساكُ أَوْ التسريح بالمعروف؛ أي: على الوجه الذي لا ضرر فيه ولا مخالفة شرعية. ثم نهى تعالى عن إِمساكهنَّ لأَجلِ المضارة لهنَّ، فإنَّ ذلك اعتداء لحدود اللهِ، وبيَّن تعالى أَنَّ مَنْ فعل ذلك فقد ظلم نفسَه بمعصية الله. ثم نهى تعالى عن اتخاذ آياتِ اللهِ هزوًا، وهي: أحكامه التي بينها؛ باتخاذها وسيلة إلى ما حرم. ثم أَمر بذكر نِعمه التي أَنعم بها على عباده، وأَعظمُ ذلك ما أَنزله ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾: السنَّة، ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: أَي: يعظكم بما أَنزل من الأَوامر والنواهي والوعد والوعيد ترغيبًا وترهيبًا. ثم أَمر بتقوى اللهِ، وتلك هي الوصيةُ الشاملةُ لكلِّ ما تقدَّم. ثم أَخبر تعالى أَنَّه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٣١)﴾؛ ترغيبًا لمن امتثلَ أَوامر اللهِ، وترهيبًا لمن خالفَ ذلك، فالمعنى: إِنَّ اللهَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وسيجزيكم بأَعمالِكم. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قاربنَ انقضاءَ عِدَّتهنَّ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ بأَنْ تُراجعوهنَّ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ من غير ضرارٍ ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ اتركوهنَّ حتى تنقضي عِدَّتهنَّ ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ﴾ بالرجعة

стр. 491

﴿ضِرَارًا﴾ مفعولٌ لأَجله ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ عليهنَّ بالإلجاء إلى الافتداء أَوْ التطليق وتطويل الحبسِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها إلى عذاب الله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُؤًا﴾ مَهزوءًا بها بمخالفتها ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ ما فيه من الأَحكام ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ بأَن تشكروها بالعمل به ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيءٌ. وقولُ المؤلِّف: (قاربنَ انقضاءَ عِدَّتهنَّ): فسَّرَ بلوغَ الأَجلِ بالمقاربة، وهو قولُ الجمهور (١)؛ لأَنه بعد انقضاء العدَّةِ لا تخيير؛ لأَنَّ التخييرَ بين الإمساك والتسريح، في وقت تَربُّصِ المطلَّقات، وهي: العِدَّةُ. وقولُه: (بأَن تُراجعوهنَّ) إلى قوله: (اتركوهنَّ حتى تنقضي عِدَّتهنَّ): فيه تفسيرُ الإمساكِ بالمراجعة في العِدَّةِ، والتسريحِ بترك المراجعة حتى تنقضي العِدَّةُ، والمعروفُ يتضمَّنُ تركَ الضِّرار وفعلَ الإِحسانِ، وهو مطلوبٌ في حال الإمساك والتسريحِ. وقولُه: (مفعولٌ لأَجله): فالمعنى: لا تُراجعوهنَّ لأَجل مُضارتهنَّ، بل لقصد الإصلاح؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقولُه: (عليهنَّ بالإلجاء … ) إلى آخره: فيه بيانُ أَنَّ قصدَ الإضرار في الإمساك اعتداءٌ على المطلقات وظلمٌ لهنَّ. وقولُه: (بتعريضها إلى عذاب الله): بيانٌ لوجه أَنَّ ظلمَ الإنسان لغيره فيه ظلمٌ لنفسه بتعريضها لعذاب الله. وقولُه: (مهزوءًا بها): بيانُ أَنَّ هُزوًا مصدرٌ؛ بمعنى: اسم المفعول. * * *

стр. 492

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢]: ينهى اللهُ أَولياءَ النساءِ إذا طلقهنَّ أَزواجُهنَّ طلاقًا رجعيًا فانقضت العدَّةُ فَرَغِبَ أَزواجهنَّ في نكاحهنَّ نكاحًا جديدًا ورضيت المرأةُ بنكاح زوجها؛ ينهى تعالى الأَولياءَ عن عَضلِهنَّ؛ أَي: منعهنَّ من نكاح أَزواجهنَّ بعد الطلاق والبينونة إذا تراضى الأزواجُ والزوجاتُ على النكاح على الوجه المشروع، فالخطابُ في أَوَّل الآية للأزواج، وفي قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، وفي قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ للجميع، وقيل: الخطابُ من أَوَّل الآية لجميع المؤمنين، وتختصُّ كلُّ طائفةٍ منهم من هذا الخطاب بما يُناسبهم، فالطلاقُ من الأَزواج؛ فهم المخاطبون في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، والعضلُ يكون من أَولياء النساء؛ فهم المخاطبون بقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (١). وقد ذكر كثيرٌ من المفسرين أَنَّ هذه الآيةَ نزلت في مَعقلِ بنِ يسار وأُخته، حين منعها من مراجعة زوجها الذي طلَّقها فبانت منه، ثم رَغِبَ في نكاحها ورغبت أُختُ مَعقلٍ بنكاح زوجها، فلمَّا نزلت الآيةُ ترك مَعقل أُختَه؛ فنكحت زوجَها نكاحًا جديدًا (٢).

стр. 493

وقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾: الإشارةُ إلى ما تقدَّمَ بيانُه من الأَحكام موعظةٌ من الله لأَهل القلوب الحيَّةِ. وقوله: ﴿مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾: يدلُّ على أَنَّ المؤمنين بالله واليوم الآخر هم المنتفعون بالموعظة. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾: أَي: العملُ بهذه الأَحكامِ أَزكى لنفوسكم وأَصلحُ لأَعمالكم وأَطهرُ لكم مما يدنِّسُ نفوسَكم ويُفسدُ أَعمالكم. وقوله: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٢٣٢)﴾: أَي: يعلمُ ما فيه الخير لكم فيهديكم إليه، وما فيه شرٌّ عليكم فينهاكم عنه، وأَنتم لا تعلمون شيئًا من ذلك، إلَّا ما علَّمكم ربُّكم، فافعلوا ما أَمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ انقضت عِدَّتهنَّ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطابٌ للأَولياء؛ أَي: تمنعوهنَّ من ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ المطلِّقين لهنَّ؛ لأَنَّ سببَ نزولها أَنَّ أُختَ مَعقِلِ بن يسار طلَّقها زوجُها، فأَراد أَنْ يُراجعها فمنعها مَعقل، كما رواه الحاكم (١) ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ أَي: الأَزواجُ والنساءُ ﴿بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا ﴿ذَلِكَ﴾ النهيُ عن العضل ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لأَنَّه المنتفعُ به ﴿ذَلِكُمْ﴾ أَي: تركُ العَضلِ ﴿أَزْكَى﴾ خيرٌ ﴿لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ لكم ولهنَّ؛ لِمَا يُخشى على الزوجين من الرِّيبة بسبب العلاقة بينهما ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه المصلحةُ ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ فاتَّبِعوا أَمرَه.

стр. 494

وقولُ المؤلِّف: (انقضت عِدَّتهنَّ): تفسيرٌ لبلوغ المطلقات أَجلهنَّ، ففرق بين بلوغ الأَجل في هذه الآية وفي الآية التي قبلها، فبلوغُ الأَجل في الآية الأُولى مُقاربةُ انقضاءِ العِدَّةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، والمرادُ بالإمساك: الرجعةُ، وهذا لا يكون إلَّا قبل انقضاءِ العدَّةِ. وبلوغُ الأَجلِ في الآية الثانية؛ المراد به: انقضاءُ العِدَّةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾، وعضلُ النساءِ أَنْ ينكحنَ أَزواجهنَّ لا يكون إِلَّا بعد انقضاءِ العِدَّةِ (١). وقولُه: (شرعًا): أَي: التراضي على وجهٍ مأذونٍ فيه شرعًا. وقولُه: (النهيُ عن العضل): خصَّ اسم الإشارة بالنهي عن العضل؛ لأَنه أَقربُ الأَحكامِ المذكورة، والظاهرُ أَنَّ اسمَ الإشارة راجعٌ لكلِّ ما تقدَّم من الأَحكام. وقولُه: (لأَنَّه المنتفعُ به): بيانٌ لعلَّةِ تخصيصِ الوعظ بمَن ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وقولُه: (تركُ العَضلِ): خصَّ اسم الإِشارة بترك العضلِ، والظاهرُ أَنَّه راجعٌ إلى العمل بكلِّ ما تقدَّم من الأَوامر والنواهي. وقولُه: (لِمَا يُخشى على الزوجين … ) إلى آخره: بيانٌ لسبب الترغيب في العمل بالأَحكام، وهو قولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾. وقولُه: (فاتبعوا أَمرَه): أَي: إذا كان اللهُ ﴿يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ فالواجبُ اتباعُ ما يأَمرُ اللهُ به، وتركُ اتباعِ الهوى. * * *

стр. 495

وقوله تعالى: ﴿* وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]: يأمرُ تعالى الوالداتِ المطلَّقات بإرضاع أَولادهنَّ حولين كاملين، فإنَّ قوله: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبرٌ بمعنى الأَمر؛ كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾، وليس المرادُ وجوبَ الإرضاع على الأَمَّ؛ بل المرادُ بيانُ مدَّةِ الإِرضاع، وأنها عامان (١)، والعام يُقال له حولٌ. وقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾: يدلُّ على اعتبار إِتمام الحولين، وجاء هذا الوصفُ لأَنَّ العربَ قد تُعبِّرُ بالحولين عن حولٍ وبعضِ الآخر، وباليومين عن يومٍ وبعضِ الآخر؛ كقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٢). وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: أَي: هذا الحكمُ -وهو: الإِرضاعُ إلى تمام الحولين- راجعٌ إلى إِرادة الأَبوين ذلك إذا اتفقَ الوالدان على إتمام الرضاعة، فإنَّ المدَّةَ المعتبرةَ لرضاع الطفل حولان، ولذا دلَّتِ السنَّةُ على أَنَّ الرضاعَ المحرِّمَ ما كان في الحولين، دون الرضاع بعدهما (٣)، فعُلم أَنَّه لا يجوز
следующие страницы →