﴿ضِرَارًا﴾ مفعولٌ لأَجله ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ عليهنَّ بالإلجاء إلى الافتداء أَوْ التطليق وتطويل الحبسِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها إلى عذاب الله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُؤًا﴾ مَهزوءًا بها بمخالفتها ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ ما فيه من الأَحكام ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ بأَن تشكروها بالعمل به ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيءٌ.
وقولُ المؤلِّف: (قاربنَ انقضاءَ عِدَّتهنَّ): فسَّرَ بلوغَ الأَجلِ بالمقاربة، وهو قولُ الجمهور (١)؛ لأَنه بعد انقضاء العدَّةِ لا تخيير؛ لأَنَّ التخييرَ بين الإمساك والتسريح، في وقت تَربُّصِ المطلَّقات، وهي: العِدَّةُ.
وقولُه: (بأَن تُراجعوهنَّ) إلى قوله: (اتركوهنَّ حتى تنقضي عِدَّتهنَّ): فيه تفسيرُ الإمساكِ بالمراجعة في العِدَّةِ، والتسريحِ بترك المراجعة حتى تنقضي العِدَّةُ، والمعروفُ يتضمَّنُ تركَ الضِّرار وفعلَ الإِحسانِ، وهو مطلوبٌ في حال الإمساك والتسريحِ.
وقولُه: (مفعولٌ لأَجله): فالمعنى: لا تُراجعوهنَّ لأَجل مُضارتهنَّ، بل لقصد الإصلاح؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقولُه: (عليهنَّ بالإلجاء … ) إلى آخره: فيه بيانُ أَنَّ قصدَ الإضرار في الإمساك اعتداءٌ على المطلقات وظلمٌ لهنَّ.
وقولُه: (بتعريضها إلى عذاب الله): بيانٌ لوجه أَنَّ ظلمَ الإنسان لغيره فيه ظلمٌ لنفسه بتعريضها لعذاب الله.
وقولُه: (مهزوءًا بها): بيانُ أَنَّ هُزوًا مصدرٌ؛ بمعنى: اسم المفعول.
* * *
стр. 492
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢]:
ينهى اللهُ أَولياءَ النساءِ إذا طلقهنَّ أَزواجُهنَّ طلاقًا رجعيًا فانقضت العدَّةُ فَرَغِبَ أَزواجهنَّ في نكاحهنَّ نكاحًا جديدًا ورضيت المرأةُ بنكاح زوجها؛ ينهى تعالى الأَولياءَ عن عَضلِهنَّ؛ أَي: منعهنَّ من نكاح أَزواجهنَّ بعد الطلاق والبينونة إذا تراضى الأزواجُ والزوجاتُ على النكاح على الوجه المشروع، فالخطابُ في أَوَّل الآية للأزواج، وفي قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، وفي قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ للجميع، وقيل: الخطابُ من أَوَّل الآية لجميع المؤمنين، وتختصُّ كلُّ طائفةٍ منهم من هذا الخطاب بما يُناسبهم، فالطلاقُ من الأَزواج؛ فهم المخاطبون في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، والعضلُ يكون من أَولياء النساء؛ فهم المخاطبون بقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (١).
وقد ذكر كثيرٌ من المفسرين أَنَّ هذه الآيةَ نزلت في مَعقلِ بنِ يسار وأُخته، حين منعها من مراجعة زوجها الذي طلَّقها فبانت منه، ثم رَغِبَ في نكاحها ورغبت أُختُ مَعقلٍ بنكاح زوجها، فلمَّا نزلت الآيةُ ترك مَعقل أُختَه؛ فنكحت زوجَها نكاحًا جديدًا (٢).
стр. 493
وقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾: الإشارةُ إلى ما تقدَّمَ بيانُه من الأَحكام موعظةٌ من الله لأَهل القلوب الحيَّةِ.
وقوله: ﴿مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾: يدلُّ على أَنَّ المؤمنين بالله واليوم الآخر هم المنتفعون بالموعظة.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾: أَي: العملُ بهذه الأَحكامِ أَزكى لنفوسكم وأَصلحُ لأَعمالكم وأَطهرُ لكم مما يدنِّسُ نفوسَكم ويُفسدُ أَعمالكم.
وقوله: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٢٣٢)﴾: أَي: يعلمُ ما فيه الخير لكم فيهديكم إليه، وما فيه شرٌّ عليكم فينهاكم عنه، وأَنتم لا تعلمون شيئًا من ذلك، إلَّا ما علَّمكم ربُّكم، فافعلوا ما أَمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ انقضت عِدَّتهنَّ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطابٌ للأَولياء؛ أَي: تمنعوهنَّ من ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ المطلِّقين لهنَّ؛ لأَنَّ سببَ نزولها أَنَّ أُختَ مَعقِلِ بن يسار طلَّقها زوجُها، فأَراد أَنْ يُراجعها فمنعها مَعقل، كما رواه الحاكم (١) ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ أَي: الأَزواجُ والنساءُ ﴿بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا ﴿ذَلِكَ﴾ النهيُ عن العضل ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لأَنَّه المنتفعُ به ﴿ذَلِكُمْ﴾ أَي: تركُ العَضلِ ﴿أَزْكَى﴾ خيرٌ ﴿لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ لكم ولهنَّ؛ لِمَا يُخشى على الزوجين من الرِّيبة بسبب العلاقة بينهما ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه المصلحةُ ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ فاتَّبِعوا أَمرَه.
стр. 494
وقولُ المؤلِّف: (انقضت عِدَّتهنَّ): تفسيرٌ لبلوغ المطلقات أَجلهنَّ، ففرق بين بلوغ الأَجل في هذه الآية وفي الآية التي قبلها، فبلوغُ الأَجل في الآية الأُولى مُقاربةُ انقضاءِ العِدَّةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، والمرادُ بالإمساك: الرجعةُ، وهذا لا يكون إلَّا قبل انقضاءِ العدَّةِ. وبلوغُ الأَجلِ في الآية الثانية؛ المراد به: انقضاءُ العِدَّةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾، وعضلُ النساءِ أَنْ ينكحنَ أَزواجهنَّ لا يكون إِلَّا بعد انقضاءِ العِدَّةِ (١).
وقولُه: (شرعًا): أَي: التراضي على وجهٍ مأذونٍ فيه شرعًا.
وقولُه: (النهيُ عن العضل): خصَّ اسم الإشارة بالنهي عن العضل؛ لأَنه أَقربُ الأَحكامِ المذكورة، والظاهرُ أَنَّ اسمَ الإشارة راجعٌ لكلِّ ما تقدَّم من الأَحكام.
وقولُه: (لأَنَّه المنتفعُ به): بيانٌ لعلَّةِ تخصيصِ الوعظ بمَن ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
وقولُه: (تركُ العَضلِ): خصَّ اسم الإِشارة بترك العضلِ، والظاهرُ أَنَّه راجعٌ إلى العمل بكلِّ ما تقدَّم من الأَوامر والنواهي.
وقولُه: (لِمَا يُخشى على الزوجين … ) إلى آخره: بيانٌ لسبب الترغيب في العمل بالأَحكام، وهو قولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾.
وقولُه: (فاتبعوا أَمرَه): أَي: إذا كان اللهُ ﴿يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ فالواجبُ اتباعُ ما يأَمرُ اللهُ به، وتركُ اتباعِ الهوى.
* * *
стр. 495
وقوله تعالى: ﴿* وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]:
يأمرُ تعالى الوالداتِ المطلَّقات بإرضاع أَولادهنَّ حولين كاملين، فإنَّ قوله: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبرٌ بمعنى الأَمر؛ كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾، وليس المرادُ وجوبَ الإرضاع على الأَمَّ؛ بل المرادُ بيانُ مدَّةِ الإِرضاع، وأنها عامان (١)، والعام يُقال له حولٌ.
وقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾: يدلُّ على اعتبار إِتمام الحولين، وجاء هذا الوصفُ لأَنَّ العربَ قد تُعبِّرُ بالحولين عن حولٍ وبعضِ الآخر، وباليومين عن يومٍ وبعضِ الآخر؛ كقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٢).
وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: أَي: هذا الحكمُ -وهو: الإِرضاعُ إلى تمام الحولين- راجعٌ إلى إِرادة الأَبوين ذلك إذا اتفقَ الوالدان على إتمام الرضاعة، فإنَّ المدَّةَ المعتبرةَ لرضاع الطفل حولان، ولذا دلَّتِ السنَّةُ على أَنَّ الرضاعَ المحرِّمَ ما كان في الحولين، دون الرضاع بعدهما (٣)، فعُلم أَنَّه لا يجوز
стр. 496
الفطامُ قبل تمام الحولين إلَّا باتفاق الأَبوين عن تراضٍ وتشاورٍ؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً﴾ أَي: فطامًا، ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.
ثم بيَّن تعالى ما يجب للوالدات المرضعات على الآباء من النفقة؛ وهي: الرزقُ والكسوةُ، وذلك قوله: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أَي: على المولود له -وهو الأبُ- ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾؛ أَي: رزقُ الأُمهات المرضعات، وهذه النفقةُ أُجرةُ إِرضاعهنَّ، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]؛ أَي: المعروف شرعًا وعُرفًا، وهذا مما يدلُّ على أَنَّ المرادَ بالوالدات في الآية: المطلقاتُ (١)، فإِنَّ التي في عصمةِ الزوج تجب نفقتُها وإن لم يكن لها طفلٌ تُرضعه، وبيَّنَ سبحانه أَنَّ ما يجب على الأَب من النفقة للأَم أَجرةً هو بحسب الوسع؛ فقال
стр. 497
تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾؛ أَي: طاقتَها، وهو ما يدخل تحت القدرة وتتَّسعُ له؛ كما قال في سورة الطلاق: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].
ثم نهى تعالى أَنَّ تُضارَّ والدةٌ بولدها؛ كامتناعها عن إِرضاعه أَوْ حضانته مُضارَّةً لوالده، أَوْ يُضارَّ المولود له -وهو الأَب- بولده؛ كمنعِ والدتِه من إِرضاعه مُضارَّةً لها، أَوْ انتزاعِه منها.
و ﴿تُضَارَّ﴾: فعلٌ مُضعَّفٌ، يحتمل أَنْ يكون مسندًا للفاعل أو نائب فاعل، وعند فكِّ الإدغام؛ إذا كُسرت العينُ فالفعلُ مُسند للفاعل؛ فالتقدير: لا تضارِر والدةٌ بولدها، وإن فُتحت العينُ كان مُسندًا لنائب الفاعل، والتقدير: لا تضارَر.
وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾: أَي: ولا يُضارَّ مولودٌ له بولده، ونهيُ الوالدةِ والمولودِ له عن المضارَّة يدلُّ أَيضًا على أَنَّ المرادَ بالوالدات: المطلَّقات؛ لأَنَّ المضارَّةَ أَكثرُ ما تنشأُ مع الفُرقة، فلِذا جاء النصُّ بالنهي عنها، وثَمَّ دليلٌ ثالثٌ؛ وهو أَنَّ هذه الآيةَ جاءت في سياق أَحكامِ المطلقاتِ، كما جاء قولُه تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ أَي: المطلقات، ﴿فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ … ﴾ الآية [الطلاق: ٦]، ذكر هذه الوجوهَ الطاهرُ ابنُ عاشور (١)، وهو ما جزم به الإمامُ ابنُ جرير في فاتحة كلامه على هذه الآية؛ إذ قال: «يعني تعالى ذكره بذلك: والنساء اللواتي بِنَّ من أَزواجهنَّ ولهنَّ أَولادٌ قد ولدنهم من أَزواجهنَّ قبل بينونتهنَّ منهم بطلاقٍ، أَوْ ولدنهم منهم بعد فراقهم إِيَّاهنَّ … » إلى آخره، كما اختار ﵀ أَنَّ قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ ليس أَمرًا يدلُّ على وجوب إِرضاعهم؛ بل لبيان أَنَّ الوالداتِ أَحقُّ بإِرضاع الأَولاد من غيرهنَّ،
стр. 498
قال ﵀ في الآية: «يعني بذلك: أَنهنَّ أَحقُّ برضاعهم من غيرهنَّ، وليس ذلك بإيجابٍ من الله تعالى ذِكره عليهنَّ رضاعهم … » إلى آخر كلامه» (١).
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: عطفٌ على قوله: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وجملة ﴿لَا تُكَلَّفُ﴾ و ﴿لَا تُضَارَّ﴾ معترضتان، وقد كَثُرت أَقوالُ المفسِّرين في المراد بـ ﴿الْوَارِثِ﴾ في هذه الآية، وقد استوفاها ابنُ جريرٍ ورواها بأَسانيده (٢)، ولخَّصها ابنُ الجوزي فقال: «قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ فيه أَربعةُ أَقوال: أَحدُها: أَنَّه وارثُ المولود»، وذكر مَنْ قال به، ثم قال: «واختلف أَربابُ هذا القول، فقال بعضُهم: هو وارثُ المولودِ من عصبته، كائنًا مَنْ كان»، وذكر مَنْ قال به من السَّلف، ثم قال: «وقال بعضُهم: هو وارثُ المولود على الإطلاق من الرجال والنساء:، قال: «وقال آخرون: هو مَنْ كان ذا رحمٍ محرمٍ من ورثة المولود». ثم ذَكَر القولَ الثاني، وهو أَنَّ المرادَ بالوارث هاهنا: وارثُ الوالد، قال: والثالث: أَنَّ المرادَ بالوارث: الباقي من والدي الولد بعد وفاةِ الآخر، قال: «والرابع: أَنَّه أُريدَ بالوارث: الصبيُّ نفسُه، فالنفقةُ عليه، فإن لم يملك شيئًا، فعلى عَصَبته» (٣).
قلت: والراجحُ من هذه الأَقوالِ القولان الأَوَّلان؛ أَحدهما: العَصَبةُ من ورثةِ المولود، والثاني: أَنَّ المرادَ: ورثةُ المولود مُطلقًا من الرجال والنساء؛ لعموم الوارث في الآية، وأَمَّا تخصيصُ العَصَبةِ فلأَنَّهم هم الذين يعقلون عنه (٤)، وهذه الآيةُ أَصلٌ في وجوب نفقةِ القريب على قريبه (٥).
стр. 499
وقوله تعالى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾: فيه ثلاثةُ أَقوال:
أَحدُها: أَنَّ على الوارثِ مثل ما على الأَب من أُجرة الإرضاع.
الثاني: أَنَّ على الوارث مثل ما على المولود له من تحريم الضرار.
الثالث: أَنَّه شاملٌ للأمرين.
والذي يدلُّ عليه سياقُ الآية: القولُ الأَوَّلُ (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: المعنى: إِنْ أَراد -أَي: الأب والأم- فِصالَ الطفلِ -أَي: فِطامَه- عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فيما فيه مصلحةُ الطفل؛ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أَي: لا حرجَ ولا إِثمَ عليهما في فِطام الطفلِ قبل تَمام الحولين، فدلَّ أَوَّلُ الآيةِ وآخرُها أَنَّ مَردَّ إِتمام الرضاعة بإرضاع الطفلِ مدَّةَ حولين كاملين، أَوْ فِطامه قبل ذلك راجعٌ إلى تراضي الأَبوين واتفاقهما.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾: الخطابُ للآباء؛ أي: وإن أَردتم أَنْ تطلبوا مراضعَ لأَولادكم إن تعذَّرَ أَنْ تُرضعه الأَمُّ لمرضٍ أَوْ امتناعٍ من الإرضاع أَوْ طلبِها أَكثر من أُجرةِ المثلِ؛ فلا جُناحَ عليكم في ذلك إذا سلَّمتم للمرضع أَجرَها الذي آتيتم عند عقد الإجارةِ، ومعنى ﴿آتَيْتُم﴾: أَعطيتُم والتزمتُم به عند عقد الإجارة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أي: الأُمَّهاتُ المطلَّقاتُ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أَي: دون مطلٍ ولا نقصٍ، ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]؛ أَي: مُرضِعٌ غير أَمِّ الطفل.
стр. 500
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾: أَي: خافوا اللهَ وراقبوه في رعاية هذه الأَحكام وأَداءِ حقوقِ الله وحقوقِ العباد.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ﴾: تأكيدٌ للأَمر بالتقوى، فإِنَّ عِلْمَ العبادِ بعلم الله بأعمالهم: من أَعظم البواعث على تقوى الله. وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٣٣)﴾: أَي: عليمٌ.
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ أَي: لِيُرضعنَ ﴿أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ عامين ﴿كَامِلَيْنِ﴾ صفةٌ مؤكدةٌ، ذلك ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ولا زيادةَ عليه ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أَي: الأَب ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ إِطعامُ الوالدات ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ على الإرضاع إذا كُنَّ مُطلَّقات ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر طاقته ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ طاقتَها ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ بسببه؛ بأَنْ تُكرَه على إِرضاعه إذا امتنعت ﴿وَلَا﴾ يُضارَّ ﴿مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أَي: بسببه؛ بأَنْ يُكلَّفَ فوقَ طاقتِه. وإضافةُ الولد إلى كلٍّ منهما في الموضعين للاستعطاف ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ أَي: وارثِ الأَب؛ وهو الصبيُّ، أَي: على وليِّه في ماله ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ الذي على الأَب للوالدة من الرزق والكسوة. ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أَي: الوالدان ﴿فِصَالًا﴾ فِطامًا له قبل الحولين، صادرًا ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ اتفاقٍ ﴿مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ بينهما؛ لتظهرَ مصلحةُ الصبيِّ فيه ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ في ذلك ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾ خطابٌ للآباء ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ مراضعَ غير الوالدات ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إِليهنَّ ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ أَي: أَردتم إيتاءَه لهنَّ من الأُجرة ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالجميل، كطِيب النَّفس ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيءٌ منه.
стр. 501
وقولُ المؤلِّف: (أَي: لِيُرضعنَ): يُريد: أَنَّ جملةَ ﴿يُرضعنَ﴾ خبرٌ بمعنى الأَمر.
وقولُه: (ولا زيادةَ عليه): يُبيِّنُ أَنَّ الحولين هي غاية مُدَّةِ الإرضاع، ولا يُزادُ عليها إِلَّا لضرورة الطفل.
وقولُه: (على الإِرضاع): يُبيِّنُ أَنَّ ما ذُكر من الرزق والكسوة أُجرةٌ على الإرضاع، وهذا إنما يُناسبُ في المطلقات.
وقولُه: (بقدر طاقته): لقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وقولُه: (بأَن تُكرَه على إِرضاعه إذا امتنعتْ): يقتضي أَنَّ الوالدةَ هي المضارَرة -بفتح الراء الأُولى- فهي في الجملة نائبُ فاعلٍ.
وقولُه: (للاستعطاف): أَي: لاستجلاب عطفِ الوالدين على الولد.
وقولُه: (أَي: وارثِ الأَب؛ وهو الصبيُّ): هذا أَحدُ الأَقوالِ في المراد بالوارث، وقولُ الجمهور: أَنَّ المرادَ به: وارثُ الصبيِّ من قراباته.
وقولُه: (أَي: على وَليّه في ماله): يعني: ولي الصبيِّ في ماله؛ أَي: مال الصبي إذا كان له مالٌ. وقولُه: (الذي على الأَب للوالدة من الرزق والكسوة): أَي: على الوارث مثلُ ما على الأَب من الرزق والكسوة.
وقولُه: (صادرًا): تقدير مُتعلّق الجار والمجرور ﴿عن تراضٍ﴾.
وقولُه: (اتفاقٍ): يعني: عن اتفاقٍ على فِطام الطفلِ بعد التَّشاور.
وقولُه: (لتظهرَ مصلحةُ الصبيِّ فيه): بيانٌ لمقصود التشاور، وهو مصلحةُ الصبيِّ.
وقولُه: (في ذلك): أَي: في الفصال.
وقولُه: (إِليهنَّ): أَي: إلى المراضع المستأجرات؛ يعني: أَدَّيتم إِليهنَّ الأُجرة.
стр. 502
وقولُه: (أَي: أَردتم إِيتاءَه لهنَّ من الأُجرة): فسَّر ﴿آتَيْتُمْ﴾ بـ «أَردتم»، وأَمَّا الإِيتاءُ بالفعل؛ فهو ما دلَّ عليه قولُه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾.
وقولُه: (كطيب النَّفس): يُريد: أَنَّ تسليمَ الحقِّ بطيب نفسٍ من المعروف الذي أَمر اللهُ به. وقولُه: (شيءٌ منه): أَي: مِنْ عملكم.
* * *
стр. 503
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]:
يأمرُ تعالى أَزواجَ الذين يتوفون بالتربُّص -أَي: الانتظار- بترك النكاح أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا من وفاة الزوجِ، وهذا حكمٌ عامٌّ في المتوفَّى عنهَّن، سواء كانت مدخولًا بها أو غيرَ مدخولٍ بها، أَوْ ذاتَ أَقراءٍ أَوْ صغيرةً أَوْ آيسةً، فهذه عِدَّةُ كلِّ مُتوفىً عنها، إِلَّا الحاملُ: فعدَّتُها بوضع الحمل على الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فهذه الآيةُ من سورة الطلاقِ مُخصِّصةٌ لآية البقرة، وذهب جمعٌ من العلماء من الصحابة ومن بعدهم أَنَّ الحاملَ المتوفَّى عنها تَعتدُّ بأَبعد الأَجلين (١)، وعلى هذا القول فإِنْ وضعتْ قبل تمامِ أَرِبعةِ أَشهرٍ وعشرٍ؛ لم تنقضِ عِدَّتُها، ووجب عليها التربُّصُ حتى تُتمَّ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا من وفاة زوجِها، وإِن تمَّ لها أَربعةُ أَشهرٍ وعشرًا قبل أَنْ تَضعَ؛ لم تنقضِ عِدَّتُها حتَّى تضعَ حملَها، وهذا بِإجماع الأُمة (٢).
ويُبيِّنُ سبحانَه أَنَّ المتوفَّى عنهنَّ إذا بلغنَ أَجلهنَّ بمضي أَربعةِ أَشهرٍ وعشرٍ؛ أَنه لا جُناحَ على أَولياء المتوفَّى عنها فيما تفعله بنفسها من فعلٍ وتركٍ مما تجبُ عليها مراعاتُه في مُدَّةِ العدَّةِ من الأحكام، وشرطُ ذلك أَنْ يكون بالمعروف؛ وهو الموافق للشرع والعادةِ المرضية، وقد دلَّ الكتابُ والسنَّةُ على أَنَّه يَحرمُ على المعتدة من وفاة زوجها النكاحُ، ودلَّتِ السنَّةُ الصحيحة على
стр. 504
وجوب الإِحدادِ عليها مدَّةَ العدَّةِ، وهو اجتنابُ الزينةِ بأَنواعها والطيب، وذلك قوله ﷺ : ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أَنْ تُحدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، إِلَّا على زوجٍ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا)) (١).
ومن أَحكام عدَّةِ الوفاة: أَنْ تبقى المعتدَّةُ في المسكن الذي أَتاها خبرُ وفاةِ زوجها، وهي تسكنُ فيه حتى تنقضيَ عِدَّتُها (٢)، وقد أَبطل اللهُ ورسولُه بهذه الأَحكام عادةَ أَهل الجاهلية في شأن المتوفَّى عنها، وهي: الإحدادُ مدَّةَ سنةٍ والإقامةُ في حفش؛ وهو مكانٌ ضيِّقٌ (٣)، مع ترك التنظُّفِ من الأَوساخ والأقذار، حتى تمضي عليها سنةٌ، كما جاء في الصحيحين عن زينب بنت أَبي سلمة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ (٤).
ثم أَخبر تعالى في ختام هذه الآية أَنَّه خبيرٌ بأَعمال العباد، فعليهم أَنْ يتَّقوه ويُطيعوه، فإِنَّه مُجازيهم على أَعمالهم.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ يموتون ﴿مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ﴾ يتركون ﴿أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ أَي: ليتربصنَ ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ بعدهم عن النكاح ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ من الليالي، وهذا في غير الحوامل، وأَمَّا الحواملُ فعِدتهنَّ أَنْ يضعنَ حملهنَّ بآية «الطلاق»، والأَمَةُ على النصف من ذلك بالسنَّةِ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ انقضتْ مدَّةُ تربُّصِهنَّ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيُّها الأَولياءُ
стр. 505
﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التزيُّنِ والتعرُّضِ للخُطَّاب ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالمٌ بباطنه كظاهرِه.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: ليتربصنَ): يريد أَنَّ لفظَ الجملةِ لفظُ الخبر ومعناها الأَمر.
وقولُه: (بعدهم): تقديرٌ لرابط جملةِ خبر المبتدأ؛ فالمبتدأُ هو الموصولُ أَوَّل الجملة، والخبرُ: جملةُ ﴿يتربَّصنَ﴾.
وقولُه: (عن النكاح): تقديرٌ لمعمول ﴿يتربَّصنَ﴾؛ المعنى: يتربَّصنَ عن النكاح؛ أَي: ينتظرنَ حتى تنقضي عِدَّتهنَّ.
وقولُه: (من الليالي): يُبيِّنُ أَنَّ المعدودَ بـ «عشرٍ» مؤنَّث، وهي الليالي؛ لأَنَّ العددَ مُذكَّرٌ، والعربُ تُعبِّرُ بالليالي عن الأَيام، وبالأَيام عن الليالي، والأَوَّلُ أَكثر (١).
وقولُه: (وهذا في غير الحوامل): يُريد أَنَّ المدَّةَ المذكورةَ هي عدَّةُ المتوفَّى عنهنَّ غير الحوامل. وقولُه: (وأَمَّا الحوامل … ) إلى آخره: بيانٌ لِمَا تنقضي به عِدَّةُ الحوامل، وهو وَضْعُ الحملِ، والدليلُ عليه قولُه تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فهي مخصصةٌ لآية البقرة.
وقولُه: (والأَمَةُ … ) إلى آخره: بيانٌ لعدَّةِ الزوجةِ التي هي أَمَةُ المتوفَّى عنها، وأَنها مخصوصةٌ من عموم الآية، فإِنَّ عِدَّتَها شهران وخمسةُ أَيَّام، فهي على النصف من عدَّةِ الحرائر (٢)، والأَصلُ في ذلك ما جاء من الآثار، من أَنَّ
стр. 506
الرقيقَ في أَحكام النكاحِ والحدودِ على النصف من الأَحرار، وفي تفاصيل ذلك اختلافات.
وقولُه: (انقضتْ مدَّةُ تربُّصِهنَّ): تفسيرٌ لقوله: ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، وأَنَّه على ظاهره، وهو بلوغُ نهايةِ أَربعة أَشهرٍ وعشرًا، فهو بلوغٌ لأَجَل العِدَّةِ حقيقةً.
وقولُه: (أَيُّها الأَولياءُ): بيانٌ للمخاطب بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
وقولُه: (من التزيُّنِ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ فيما فعلن بعد انقضاء العدَّةِ في أَنفسهنَّ مما كان محرمًا عليهنَّ وقتَ العِدَّةِ من التزيُّن وغيره.
وقولُه: (شرعًا): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بما يفعلهن في أنفسهن هو المأذونُ فيه شرعًا.
وقولُه: (عالمٌ بباطنه كظاهره): بيانٌ لمعنى الخبير، وهو العالمُ بظواهر الأُمور وبواطنها.
* * *
стр. 507
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيم (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]:
لَمَّا أَمر اللهُ الأَزواجَ المتوفَّى عنهنَّ بالتربُّصِ عن النكاح ودواعيه مدَّةَ العدَّةِ، وأَباحَ لهنَّ إذا بلغنَ أَجلهنَّ ما شِئنَ من ذلك؛ بيَّنَ تعالى حُكمَ خِطبتهنَّ في العدَّةِ؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء﴾، والتعريضُ ضدَّ التصريحِ، فالتعريضُ هو الكلامُ مع المعتدَّةِ، مما يدلُّ على الرغبة في النكاح؛ مثل: أَني أَرغب في نكاح زوجةٍ ثانيةٍ، أَوْ: ليت لي زوجة مثلك. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾: أَي: أَضمرتم خِطبتهنَّ بعد انقضاء عِدَّتهنَّ، فنفى الجُناحَ -وهو الإثمُ- عن التعريض بالخطبة، أَوْ: نيِّةِ الخطبةِ التي تكون في القلب، ثم بَيَّنَ تعالى سببَ هذه الرخصة، وهو عِلمُه تعالى برغبة الرجال في نكاح المتوفَّى عنهنَّ؛ فقال تعالى: ﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾.
ثم بَيَّنَ تعالى ما لا يحلُّ؛ وهو التصريحُ في الخطبة بمواعدتهنَّ النكاحَ بعد انقضاء العدَّةِ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾؛ أَي: لا تُسِرُّونَ إِليهنَّ بخطبتهنَّ وعزمِكم على نكاحهنَّ بعد انقضاء عِدَّتِهِنَّ.
وقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾: وهذا استثناءٌ منقطعٌ، والقولُ المعروفُ: ما أَباحهُ اللهُ من التعريض بخطبتهنَّ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: نهيٌ من الله -تعالى- عن عقد النكاحِ على المعتدَّةِ من الوفاة حتى يبلُغَ الكتابُ أَجلَه؛ وهو حُكمُ اللهِ المبينِ في الآية السابقةِ، وذلك بأَن تمضي أَربعةُ أَشهرٍ وعشرٌ.
стр. 508
ثم أَخبر تعالى أَنَّه عالمٌ بما في نفوس العباد؛ أي: مُطَّلعٌ على ما يُسرُّونه مما يُخالفُ أَمرَه، فعليهم أَنْ يحذروا عقابَه؛ ولهذا قال: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾. ثم أَعلمهم أَنَّه ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوبهم ﴿حَلِيم﴾ لا يُعاجلهم بعقوبته، فجمعت الآيةُ بين الأَمر والنهي والوعد والوعيد.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ لوَّحتم ﴿بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ المتوفَّى عنهنَّ أَزواجُهنَّ في العدَّةِ؛ كقول الإنسان مثلًا: إنك لجميلةٌ، ومَن يجدُ مثلك؟ ورُبَّ راغبٍ فيك ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ أَضمرتم ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من قصد نِكاحهنَّ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بالخطبة، ولا تصبرون عنهنَّ، فأَباح لكم التعريضَ ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أَي: نكاحًا ﴿إِلَّا﴾ لكن ﴿أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أَي: ما عُرف شرعًا من التعريض؛ فلكم ذلك ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ أَي: على عَقده ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ﴾ أَي: المكتوبُ من العدَّةِ ﴿أَجَلَهُ﴾ بأَن ينتهيَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من العزم وغيرِه ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ أَنْ يُعاقبَكم إذا عزمتم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن يَحذره ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العقوبةِ عن مُستحقِّها.
وقولُ المؤلِّف: (لوَّحتم): فسَّرَ التعريضَ بالتلويح، ومعناهما مُتقاربٌ، وكلاهما ضدَّ التصريحِ، فالتصريحُ نصٌّ في مُراد المتكلِّمِ به، والتعريضُ يُشعِرُ بمراد المتكلِّمِ به (١).
وقولُه: (المتوفَّى عنهنَّ … ) إلى آخره: بيانٌ للمراد بالنساء في قوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
وقولُه: (في العدَّة): مُتعلِّقٌ بقوله: ﴿خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
стр. 509
وقولُه: (أَضمرتم): تفسيرٌ لقوله: ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾، ومعناه: أَخفيتم، وما أَضمره الإنسانُ: ما أَخفاه في ضميره ولم يتكلَّم به (١).
وقولُه: (من قصد نِكاحهنَّ): أَي: ما أَضمرتم من نية نكاحهنَّ.
وقولُه: (بالخِطبة … ) إلى آخره: تفسيرٌ لقوله: ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ أَي: ستخطبونهنَّ ولا تصبرون عن ذلك؛ لذلك أَباح لكم التعريضَ في خِطبتهنَّ.
وقولُه: (أَي: نكاحًا): هذا هو التصريحُ في الخِطبة، المعنى: لا تُسرُّوا إِليهنَّ التصريحَ في خطبتهنَّ بمواعدتهنَّ النكاحَ عند انقضاء عدتهنَّ.
وقولُه: (لكنْ): يُبيِّنُ بذلك أَنَّ الاستثناءَ مُنقطعٌ.
وقولُه: (ما عُرف شرعًا): يعني: ما أُذنَ فيه، ونُفِيَ الإثمُ عن فاعله، وهو: التعريضُ.
وقولُه: (على عَقده): عقدِ النكاحِ، هو دليلُ العزم على عقدة النكاح، فلا يجوزُ إِلَّا بعد انقضاءِ العدَّةِ.
وقولُه: (بأَن ينتهي): معناه: أَنَّ أَجلَ العدَّةِ انقضاؤها.
وقولُه: (من العزم وغيرِه): يُبيِّنُ أَنَّ الاسمَ الموصولَ عامٌّ لكلِّ ما يكون في النفس.
وقولُه: (أن يُعاقبَكم إذا عزمتم): يريد أَنَّ المعنى: احذروا عقابَ الله إذا خالفتم أَمرَه أَوْ نهيه. وقولُه: (لمن يحذره).
وقولُه: (بتأخير العقوبة عن مُستحقِّها): بيانٌ لمعنى الغفورِ والحليمِ، فهو تعالى غفورٌ: كثيرُ المغفرةِ لمَن خافَه، وحليمٌ: لا يُعاجِلُ العاصي بالعقوبة.
* * *
стр. 510
وقوله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِين (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧]:
في هاتين الآيتين رجوعٌ إلى أَحكام المطلقات، فبيَّن تعالى في الآية الأُولى أَنَّه لا جُناح -أَي: لا إِثمَ- على مَنْ طلَّقَ قبل المسيس، بل وقَبْل فَرضِ صَداقٍ، ثم أَمرَ تعالى مَنْ طلَّقَ في هذه الحال بتمتيع المطلَّقةِ بإعطائها ما تنتفعُ به من مالٍ جبرًا لكسرها بالطلاق، وأَنَّ ذلك حقٌّ على ذوي الإحسان، وأَنَّ قدرَ هذا المتاع بحسب حال المطلِّقِ يسارًا وإعسارًا، ولذا قال تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أَي: المعروفِ شرعًا وعُرفًا.
وقولُه: ﴿حَقًّا﴾: صفةٌ لمتاع؛ أَي: متاع حقًّا، وقيل: مصدرٌ مؤكَّدٌ لمضمون الجملة؛ أَي: أَحقَّ اللهُ ذلك حقًّا (١).
ثم ذكر تعالى في الآية الثانية حُكمَ المطلَّقةِ قبل المسيس، وقد فُرض لها صداقٌ، وأَنَّ للمطلقة نصفَ ما فُرِضَ لها، والنصفُ الآخر للزوج.
وقولُه: ﴿إَلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾: الضميُر يعود إلى النساء المطلَّقات، فإن عفونا رددنا على الأَزواج كلَّ الصَّداق، وقال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: قيل: المرادُ بالذي بيده عُقدةُ النكاحِ: الزوجُ، فإن عفا تركَ لزوجته المطلقةِ كلَّ الصَّداق، وقيل: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو: الوليُّ الذي يتولَّى عقدَ نكاح موليته، فإن عفا عن نصف الصَّداق رُدَّ إلى الزوج، والصوابُ:
стр. 511
القولُ الأَوَّل (١)، وقد حكى ابنُ جريرٍ القولين، ورجَّحَ هذا القول؛ أَي: أَنَّ المرادَ بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوجُ، وضعَّفَ قولَ مَنْ يقول: إِنَّه الولي من وجوهٍ، وذكر أَنَّ معنى ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؛ أَي: نكاح نفسَه، وهذا هو الزوجُ قبل الطلاق وبعده (٢).
ثم رغَّبَ في العفو عن الحقوق التي بين الأَزواج والمطلقات قبل المسيس، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إَلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، والخطابُ للأزواج والمطلقات. وقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾: أَي: لا تغفلوا فتتركوا الإحسانَ والمسامحةَ فيما بينكم، وهذا تأكيد لقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٣٧)﴾: أَي: عليمٌ بأَعمالكم كلِّها فمجازيكم عليها، وفي هذا وعدٌ للمحسنين ووعيدٌ للمسيئين.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وفي قراءةٍ (تُمَاسُّوهُنَّ) (٣)؛ أَي: تُجامعوهنَّ ﴿أَوْ﴾ لم ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ مهرًا، و «ما»: مصدريةٌ ظرفيةٌ؛ أَي: لا تَبعةَ عليكم في الطلاق زمنَ عدمِ المسيس
стр. 512
والفرضِ بإثمٍ ولا مهرٍ؛ فطلقوهنَّ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أَعطوهنَّ ما يتمتَّعنَ به ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ الغنيِّ منكم ﴿قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ الضيِّقِ الرِّزق ﴿قَدَرُهُ﴾ يُفيد أَنَّه لا نظر إلى قدر الزوجة ﴿مَتَاعًا﴾ تمتيعًا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا، صفة «متاعًا» ﴿حَقًّا﴾ صفةٌ ثانيةٌ، أَوْ مصدرٌ مؤكِّدٌ ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ المطيعين ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ يجب لهنَّ، ويرجع لكم النصف ﴿إِلَّا﴾ لكن ﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾ أَي: الزوجات فيتركْنَه ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الزوجُ، فيتركُ لها الكلَّ، وعن ابن عباس: الوليُّ إذا كانت محجورةً فلا حرج في ذلك ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أَي: أَنْ يتفضَّلَ بعضُكم على بعضٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيُجازيكم به.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: تُجامعوهنَّ): تفسيرُ المسيس بالجماع، وهذا من باب الكنايةِ عمَّا لا يَحسُنُ التصريحُ به، وهو كثيرٌ في كلام الله، فكنَّى عن الجماع بالمسيس واللمس والمباشرة والدخول. وقولُه: (لم): أَي: لم تفرضوا؛ لأَنَّه معطوفٌ على ﴿لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ فالمعنى: لم تمسوهنَّ ولم تفرضوا لهن.
وقولُه: (مهرًا): بيانٌ لمعنى الفريضة؛ أي: لم تُسمُّوا لهنَّ صَداقًا.
وقولُه: («وما»: مصدرية ظرفية): يريد ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فيكون التقديرُ: لا جُناح عليكم إن طلقتموهنَّ في مدَّةِ عدمِ المسيس، وعبَّر المؤلِّفُ عن معنى الآية بقوله: (أَي: لا تَبِعَةَ عليكم في الطلاق زمنَ عدمِ المسيس).
وقولُه: (بإثمٍ ولا مهرٍ): يريد: أَنَّ فرضَ الصَّداقِ يكون بتسميته أَوْ بذلِ عينه.
وقولُه: (فطلقوهنّ): أَي: إن شئتم، فالأَمر للإباحة.
стр. 513
وقولُه: (يُفيدُ أَنَّه لا نظرَ إلى قدر الزوجة): يريد: أَنَّ المعتبرَ في قدر المتاعِ هو حالُ الزوجِ يسارًا وإِعسارًا، لا حالُ الزوجة، فلو كانت المطلقةُ موسرةً والمطلِّقُ غيرَ موسرٍ؛ فإنَّه يُمتِّعها متاعَ المعسر. وقولُه: (تمتيعًا): يُبيِّنُ أَنَّ ﴿مَتَاعًا﴾ اسمُ مصدر، لا الشيء الممتعِ به.
وقولُه: (شرعًا، صفة «متاعًا»): يُبيِّنُ أَنَّه يُعتبَرُ في متاع المطلقةِ الشرعُ والعرفُ، وهذا معنى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وقولُه: (صفةٌ ثانيةٌ، أَوْ مصدرٌ مؤكِّدٌ): يُبيِّنُ أَنَّ في إِعراب حقًّا وجهين:
صفةٌ لمتاع؛ أي: متاعٌ بالمعروف حقًّا.
أَوْ: مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلٍ محذوفٍ مفهومٍ من مضمون الجملة؛ أَي: أَحقَّ اللهُ ذلك حقًّا.
وقولُه: (المطيعين): تفسيرٌ لـ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا يشملُ إِحسانَ العمل بالإخلاص والاتباع، والإحسانَ إلى الناس.
وقولُه: (يجب لهنَّ … ) إلى آخره: يُقدر إعرابَ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، فإمَّا أَنْ يكون فاعلًا لفعلٍ محذوفٍ تقديره: يجبُ النصفُ لهنَّ، أَوْ: مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديره: فلهنَّ (١).
وقولُه: (لكن): يُبيِّنُ أَنَّ الاستثناءَ مُنقطعٌ.
وقولُه: (أَي: الزوجات): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ في قوله: ﴿يَعْفُونَ﴾: الزوجاتُ المطلَّقاتُ، وذلك أَنْ يُسقطنَ ما وجبَ لهنَّ، وهو: نصفُ الصَّداق، فيتركْنَه للأزواج.
وقولُه: (وهو الزوج … ) إلى آخره: تضمَّنَ كلامُه ذِكرَ القولين في المراد بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؛ فقيل: الزوجُ، وقيل: الوليُّ، والصواب: أَنَّه الزوجُ، وعفوه أَنْ يتركَ للمطلَّقةِ الصَّداقَ كلَّه، وأَمَّا الوليُّ فلا يملكُ العفوَ عن
стр. 514
شيءٍ من حقوق مُوليته، وإن كانت محجورًا عليها؛ بل عليه أَنْ يستوفيَ ما لها من حقٍّ على زوجٍ أو غيره، فكيف إذا لم تكن محجورًا عليها.
وقولُه: (أَنْ يتفضَّلَ بعضُكم على بعضٍ): تفسيرٌ للفضل الذي ندب اللهُ إلى رعايته ونهى عن نسيانه؛ أَي: تركه.
وقولُه: (فيُجازيكم به): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مُتضمِّنٌ للوعد والوعيد، ففيه الترغيبُ في الطاعة والتحذيرُ من المعصية.
* * *
стр. 515
وقوله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون (٢٣٩)﴾ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩]:
يأمرُ اللهُ -تعالى- المؤمنين بالمحافظة على الصَّلوات الخمس والصَّلاةِ الوسطى؛ وهي: صلاةُ العصرِ على الصحيح من أقوال المفسرين (١)؛ لقوله ﷺ في المشركين: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأَ اللهُ أَجوافهم وقبورهم نارًا)) (٢). وعطفُها على الصلوات من عَطف الخاصِّ على العام، وهذا يقتضي الأَمر بالمحافظة عليها مرَّتين، وسُمِّيت وسطى؛ قيل: من الوسط؛ بمعنى: الخيار، فيكون معنى الوسطى: الفُضلى، وقيل: لتوسُّطها بين صلاة النهار وصلاة الليل (٣).
والمحافظةُ على الصلوات هي المداومةُ عليها في أوقاتها وبشروطها كما صلَّاها النبيُّ ﷺ .
وقولُه: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾: أَي: أَدُّوا الصلاةَ قيامًا طاعةً لله قانتين؛ أي: خاضعين خاشعين ساكتين لا تتكلمون بشيءٍ من كلام الناس، ومن القنوت في الصلاة: تركُ الكلامِ، وفي الصحيح عن زيد بن أَرقم ﵁ قال: «كنَّا نتكلَّمُ في الصلاة، يُكلِّمُ الرجلُ صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾، فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام» (٤).
стр. 516
وقولُه تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾؛ أَي: كنتم في حال خوفٍ من عدو أَوْ غيره؛ ﴿فَرِجَالاً﴾؛ أَي: فصلُّوا رجالًا، ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾؛ أَي: مشاةً أَوْ راكبين.
وقولُه: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾: أَي: كنتم في حال أَمنٍ ﴿فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون (٢٣٩)﴾؛ أَي: صلُّوا صلاةَ الأَمن كما أَمركم اللهُ، وكما علَّمكم النبيُّ ﷺ ، وذلك أَنْ تُصلُّوا قيامًا مع القدرة لا ماشين ولا راكبين.
والكاف في قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾: للتشبيه أَوْ التعليم؛ فالمعنى: مثلَ ما علَّمكم، أَوْ لأَجل أَنْ علَّمكم اللهُ ما لم تكونوا تعلمون قبل ذلك، فذكره تعالى كما أَمر شكرًا على ما أَنعم به من العلم.
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الخمسِ، بأَدائها في أَوقاتها ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ هي: العصرُ أَوْ الصبحُ، أَوْ الظهرُ، أو غيرها، أَقوالٌ. وأَفردَها بالذِّكر لفضلِها ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في الصَّلاة ﴿قَانِتِينَ﴾ قيل: مُطيعين؛ لقوله ﷺ : ((كلُّ قنوتٍ في القرآن فهو طاعةٌ)) رواه أَحمدُ وغيرُه (١)، وقيل: ساكتين؛ لحديث زيدِ بن أَرقم: «كنا نتكلَّم في الصلاة حتى نزلت فأُمرنا
стр. 517
بالسكوت ونُهينا عن الكلام» رواه الشيخان ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدوٍّ أَوْ سيلٍ أَوْ سبعٍ ﴿فَرِجَالًا﴾ جمعُ راجلٍ؛ أَي: مُشاةً صلُّوا ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ جمعُ راكبٍ؛ أَي: كيف أَمكن مُستقبلي القبلة أَوْ غيرها، ويُومَأُ بالركوع والسُّجود ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ من الخوف ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أَي: صلُّوا ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها. والكاف: بمعنى مثل. و «ما»: موصولةٌ أَوْ مصدريةٌ.
وقولُ المؤلِّف: (هي العصر … ) إلى آخره: ذكرَ ثلاثةَ أَقوالٍ في المراد بالصَّلاة الوسطى (١)، والصوابُ: أَنها العصر، كما صحَّ بذلك الحديث.
وقولُه: (وأَفردَها بالذِّكر لفضلِها): معناه: خصَّها بالأَمر بالمحافظة عليها من أَجل فضلها على غيرها من الصلوات، ولهذا وصَفَها بالوسطى؛ أَي: الفُضلى، وجاء في السنَّة الوعيدُ الشديدُ على تركها، وهو قولُه ﷺ : ((مَنْ ترك صلاةَ العصرِ حَبطَ عملُه)) (٢).
وقولُه: (في الصَّلاة): بيانٌ لمحلِّ القيام المأمورِ به.
وقولُه: (قيل: مُطيعين … ) إلى آخره: تضمَّنَ تفسيرَ القنوت بالطاعة وبالسكوت، وكلٌّ من المعنيين صحيحٌ، ويدلُّ لهما ما ذُكرَ من الحديثين.
وقولُه: (من عدوٍّ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ سببَ الخوف عامٌّ لكلِّ مَخوفٍ.
стр. 518
وقولُه: (جمعُ راجلٍ … ) إلى آخره، وقولُه: (جمعُ راكبٍ … ) إلى آخره: بيانٌ للرُّخصة للخائفِ أَنْ يُصلِّي ماشيًا وراكبًا كما يتيسَّرُ له.
وقولُه: (أُي: صلُّوا): فسَّر الذِّكر بالصلاة ليُناسبَ المقامَ.
وقولُه: (قبل تعليمه): بيانٌ أَنَّ المسلمينَ قبل تعليمِ اللهِ لهم صفةَ الصلاة لم يكونوا عالمين بها.
* * *
стр. 519
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]:
ذكر كثيرٌ من المفسرين أَنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، بل حكى كثيرٌ إِجماعَ العلماء على ذلك (١)، وذهب بعضُ العلماء إلى أَنها ليست منسوخةً، وفي ذلك عن مجاهدٍ (٢) روايتان؛ رواهما عنه ابنُ جرير (٣)؛ فالذين قالوا بعدم النسخ؛ قالوا: الآيةُ الأُولى في وجوب التربُّصِ عليهنَّ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا؛ وهي: عِدَّةُ الوفاة، فلا يحلُّ لهنَّ أَنْ يتزوجنَ في هذه المدَّةِ، وفي الآية الثانية وصيةٌ من الله لأَزواج المتوفَّى عنهنَّ بأَن يمتعنَ سنةً، وذلك بالسُّكنى في بيت المتوفَّى، فإِن شاءت أَقامت إلى تمام الحولِ، وإن شاءت خرجت، والمخاطَبُ بهذه الوصيةِ ورثةُ الميتِ، فعليهم متاعها بالسُّكنى؛ لقوله: ﴿مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فليس لهم إِخراجُها إذا اختارتِ البقاءَ، وإن اختارت الخروجَ فلا جناحَ عليهم، وليس في الآية تعرُّضٌ للنفقة عليها مدَّةَ الحولِ، ولا لحكم نكاحهنَّ، كما أنه
стр. 520
ليس في الآية الأُخرى تعرُّضٌ لسُكنى ولا نفقةٍ، إنما هو التربُّصُ بترك النكاح، فالآيتان في حكمين مختلفين، فلا تعارضَ بينهما.
وإذن: فلا ناسخ ولا منسوخ، وأَمَّا الذين قالوا: إِنَّ الآيةَ منسوخةٌ بالآية الأُخرى، فعندهم معناها: أَمرُ اللهِ الذين يُتوفَّونَ ولهم أَزواجٌ إذا حضرهم الموتُ أَنْ يُوصوا لأَزواجهم بالمتاع سنةً، فتُسكَن المتوفَّى عنها في بيت زوجِها، ويُنفق عليها من ماله، وعلى هذا فتعتدُّ المتوفَّى عنها سنةً، ولها السُّكنى والنفقة، ثم نُسخَ اعتدادُها سنةً بآية ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، ونُسخت السُّكنى والنفقةُ بآية الميراث، وعلى هذا القول؛ فالوصيةُ من الأزواج الذين يُتوفَّون لأَزواجهم أَمرهم اللهُ إذا حضرهم الموتُ أَنْ يُوصوا لأَزواجهم بالمتاع سنةً؛ فالموصي هم: الأَزواجُ المتوفَّين، والموصَى إليهم هم: ورثةُ الميت، والموصَى له هنَّ: الزوجات، ويُشكِلُ على هذا أَنَّ المذكورين في الآية هم الذين ماتوا وتركوا أَزواجهم، فكيف يأمر مَنْ مات بأَن يُوصي؟! ولهذا احتاجَ أَهلُ هذا القول أَنْ يتأوَّلوا ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ بمَن حضرهم الموتُ، ومن الفرق بين الآيتين: أَنَّ المخاطَب في الآية الأُولى الزوجات، أُمِرنَ بالتربُّصِ بترك النكاح، والخطابُ في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لأوليائهنَّ، والمخاطَبُ في الآية الثانية في قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ورثةُ الميت، فنُسخت آيةُ الاعتدادِ سنةً بالاعتداد أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا، وقد أَشكل ترتيبُ الآيتين؛ فالآيةُ الناسخةُ ترتيبها في المصحف قبل الآية المنسوخة، وقد استشكل ذلك عبدُ الله بن الزبير ﵁ فسأَل عثمانَ ﵁ عن ذلك؟ فقال: «يا ابنَ أَخي، لا أُغيِّرُ شيئًا منه من مكانه» (١).
وقد رأيتُ أَنْ أُلخِّص ما ذكره ابنُ جرير ﵀ في تفسير هذه الآية لأَهميته وعِظم فائدتِه مع بعض التصرُّفِ؛ قال ﵀ بعد ذكر الآية: «يعني تعالى ذِكرُه بذلك: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أَيُّها الرجال ﴿وَيَذَرُونَ
стр. 521
أَزْوَاجًا﴾؛ يعني: زوجات كنَّ له نساءً في حياته، بنكاحٍ لا مِلكَ يَمين»، قال: «ثم صرفَ الخبرَ عن ذكر مَنْ ابتدأ الخبرُ بذكره إلى الخبر بذكر أَزواجهم»، قال: «ثم قال تعالى ذِكرُه: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم﴾، فاختلفت القُّراءُ في قراءة ذلك، فقرأَ بعضُهم: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم﴾ بنصب الوصيةِ؛ بمعنى: فليُوصوا وصيةً لأَزواجهم، أَوْ عليهم أَنْ يوصوا وصيةً لأَزواجهم، وقرأ آخرون: ﴿وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ برفع الوصية» (١)، قال: «ثم اختلف النحويون في وجه الرفع فقال بعضُهم: رفعت بمعنى: كتبت عليهم الوصية، واستدلَّ لذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود» (٢)، قال: «فتأويلُ الكلامِ على ما قاله هذا القائل: والذين يُتوفَّون منكم ويذرون أزواجًا كتبت عليهم وصية لأَزواجهم، ثم ترك ذكر «كتبت» ورفعت الوصية بذلك المعنى وإن كان متروكًا ذكره».
قلت: فمعنى هذا الكلام أَنَّ وصيةً مرفوعةٌ بفعلٍ محذوفٍ؛ تقديرُه: كتبت عليهم وصية.
قال: «وقال آخرون منهم: بل الوصيةُ مرفوعةٌ بقوله: ﴿لِّأَزْوَاجِهِم﴾، فتأول: لأَزواجهم وصية». قلت: وحاصلُ الوجهين في رفع وصية أَنها نائبُ فاعل للفعل المحذوف «كتبت»، أَوْ أَنها مبتدأٌ وخبرُه ﴿لِّأَزْوَاجِهِم﴾ على التقديم والتأخير، وهو معنى قوله: «فتأول: لأزواجهم وصية»؛ لأَنَّ النكرةَ لا يُبتدأُ بها.
قال: «والقولُ الأَوَّلُ أَولى بالصواب في ذلك، وهو أَنْ تكون الوصيةُ إذا رُفعت مرفوعة بمعنى: كتبتُ عليهم وصيةً لأَزواجهم»، قال: «وأَولى القراءتين
стр. 522
بالصواب في ذلك عندنا قراءةُ مَنْ قرأَ: ﴿وَصِيَّةٌ﴾ بالرفع، بدليل أَنَّ مقامَ المتوفَّى عنها زوجُها في بيت زوجها المتوفَّى حولًا كاملًا، كان حقًّا لها قبل نزول آية يتربصنَ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا، وقبل نزول آية الميراث، أَوصى لهنَّ أَزواجهن بذلك قبل وفاتهم أَوْ لم يُوصوا لهنَّ به».
ثم قدَّر ﵀ سائلًا، قال: ما الدليلُ على أَنَّ قعود المتوفَّى عنها في بيت زوجها كان حقًّا لها قبل آيةِ العدَّةِ وآيةِ الميراث؟ فأجاب ﵀ بما حاصله: أَنَّ اللهَ أَخبر عن الرجال المتوفَّين ولهم أَزواجٌ، والمتوفَّى لا يُؤمر بالوصية وإنما يؤمر بالوصية مَنْ حضره الموتُ كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، عُلم أَنَّ اللهَ جعل لامرأة المتوفَّى أَنْ تقعدَ في بيته حولًا بعد وفاته؛ قال: «ولو كان المعنى: فليوصوا وصيةً؛ لوجبَ أَنْ يكون لفظُ الآية: (والذين يحضرهم الموت)»، وأيضًا فلو كان قعودُ المتوفَّى عنها في بيت زوجها حولًا واجبًا بوصيةٍ من زوجها قبل وفاتِه لَمَا كان ذلك حقًّا لها إذا لم يوصِ ولا جاز لورثته إخراجها، وقد قال تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.
إذن: فليس معنى الآية أَمر الأَزواجِ بالوصية لزوجاتهم قبل وفاتهم كما تقتضيه قراءة من قرأ ﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب على معنى: فليوصوا وصيةً، أَوْ عليهم أَنْ يوصوا وصيةً، ولَمَّا نفى ﵀ أن يكون معنى الآية أَمر الأَزواج بالوصية لزوجاتهم؛ قال: «وإنما معنى الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ كتب اللهُ لأزواجهم عليكم وصيةً منه لهنَّ أَيها المؤمنون، أَنْ لا تُخرجوهنَّ من منازل أَزواجهنَّ حولًا، كما قال تعالى ذكره في سورة النساء: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ﴾ [النساء: ١٢]».
قلت: فعُلم مما تقدَّم من كلام ابن جرير أَنَّ في المراد بالوصية في الآية قولان:
الأَول: أَنَّ المرادَ الوصية من الأزواج المتوفين لزوجاتهم أَمرهم الله بها.
стр. 523
والثاني: أَنها وصيةٌ من الله لورثة الميت.
فعلى القول الأَول: المخاطَبُ بالوصية هم الأَزواجُ المتوفين، ولهذا جاء في تقدير الكلام؛ فليوصوا وصيةً، أَوْ عليهم أَنْ يوصوا وصيةً، كلُّ هذا على قراءة نصبِ وصية.
وعلى القول الثاني: الخطابُ لورثة الميت كما يُفيده التقدير في عبارة ابن جرير إذ قال: «﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ كتب اللهُ لأَزواجهم عليكم وصية منه لهنَّ أَيها المؤمنون؛ أَنْ لا تُخرجوهنَّ من منازل أَزواجهنَّ حولًا، كما قال تعالى ذكره في سورة النساء: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ﴾».
ثم ذَكر مَنْ قال من السَّلف: إِنَّ حُكمَ هذه الآية وصيةٌ من الله لزوجات المتوفَّين بالسُّكنى والنفقة حولًا، وأَنَّ ذلك نُسِخَ بآية الميراث وآية العدة ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وهو القولُ الذي رجَّحه ابنُ جرير كما تقدَّم، فروى ذلك بإسناده عن قتادة (١) والربيع (٢) وابن عباس والضحاك (٣) وعطاء (٤)
стр. 524
ومجاهد وابن زيد (١)، ثم ذكر مَنْ قال من المفسرين بأَنَّ معنى هذه الآية أَمرُ اللهِ الأَزواجَ إذا حضرَهم الموتُ بأَن يوصوا لزوجاتهم بالسُّكنى والنفقة حولًا، وقد سبقَ تضعيف ابنِ جرير لهذا القول، ثم رواه بإسناده عن قتادة وعن السدي (٢)، ثم ذكر عن إبراهيم النخعي (٣) أَنَّ أَمر الأزواج بالوصية لهنَّ نُسخ بما كان لهنَّ من المتاع؛ قال ابن جرير: «من غير تبيينه (٤) على أَيِّ وجهٍ كان ذلك لهنَّ»، ثم ذكر عن الحسن (٥) وعكرمة (٦) وابن عباس أَنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ، ولَمَّا ذكر القائلين بأَنَّ الآية منسوخةٌ على اختلافهم في تأويل الآية، وهل الوصيةُ في الآية من الله لأَزواج المتوفين كتبها على ورثة الميت، أَوْ من المتوفين أَمرهم الله بأَن يوصوا كما تقدَّم لَمَّا ذكر ابنُ جرير ذلك كُلَّه؛ قال: «وقال آخرون:
стр. 525
هذه الآيةُ ثابتةُ الحكمِ، لم يُنسخْ منها شيءٌ»، وروى ذلك بإسناده عن مجاهد أنه قال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ … ﴾ الآية: كانت هذه للمعتدة تعتدُّ عند أَهل زوجها واجبًا ذلك عليها، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم … ﴾ الآية، قال: جعل اللهُ لهنَّ تمام السنة سبعةَ أَشهرٍ وعشرين ليلةٍ وصيَّة، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت»، فتضمَّن قولُ مجاهد أَنَّ حكمَ الآية الأُولى واجبٌ على المرأة؛ وهو الاعتدادُ بأَربعة أَشهر وعشرٍ، وأَمَّا حُكمُ الآيةِ الثانية وهو الاعتدادُ تمامَ الحولِ فالمرأةُ فيه مخيَّرةٌ؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فجعل مجاهدٌ الآيةَ الثانيةَ هي الأخيرةُ نزولًا، وحُكمها باقٍ لم يُنسخ، وهذا خلافُ قولِ الجمهور؛ وهو أَنَّ الآيةَ الأُولى هي الناسخةُ لحكم الآية الثانية، كما تقدَّم حكايةُ ابن جرير لأَقوالهم، ثم روى بإسناده إلى عطاء (١) عن ابن عباس؛ قال: «نَسَختْ هذه الآيةُ ـ قلت: يريد الآية الثانية ـ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِه ـ يريد: حُكمَ الآيةِ الأُولى ـ تعتدُّ حيث شاءت ـ يريد: حكمَ الآية الثانية وهو قولُ اللَّهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾»، ثم روى عن عطاء قريبًا من معنى قول ابن عباس ثم رجَّح قولَ الجمهور؛ وهو أَنَّ الآيةَ الثانيةَ منسوخةٌ بالآية الأولى وبآية الميراث؛ قال ﵀: «وأَولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب أَنْ يُقال: إِنَّ اللهَ -تعالى ذكره- كان جعل لأَزواج مَنْ مات من الرجال بعدَ مَوتهم سُكنى حولٍ في منزله، ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السَّنة، ووجبَ على ورثة الميت أَنْ لا يُخرجوهنَّ قبل تمام الحولِ من المسكن الذي يسكنه، وإن هنَّ تركنَ حقهنَّ من ذلك وخرجنَ؛ لم تكن ورثةُ الميت من خروجهنَّ في حرجٍ، ثم إِنَّ اللهَ -تعالى ذكره- نسخَ النفقةَ
стр. 526
بآية الميراث، وأَبطل مما كان جُعل لهنَّ من سُكنى حولٍ سبعةَ أَشهرٍ وعشرين ليلة، وردهنَّ إلى أَربعة أشهرٍ وعشرٍ على لسان رسولِ الله ﷺ ».
قلت: يُشير إلى حديثِ فُريعةَ (١) الذي سيذكره، ثم ذكر بإسناده حديثَ فُريعة التي قُتل زوجُها فاستفتت النبيَّ ﷺ أَنْ تنتقل من بيت زوجِها، فأَمرها النبيُّ ﷺ أَنْ تمكثَ حتى يبلغَ الكتابُ أَجله؛ وهو تمامُ أَربعةِ أَشهرٍ وعشرٍ (٢)، وحاصلُ كلامه ﵀ أَنَّ ما كان حقًّا للمتوفَّى عنها من السُّكنى والنَّفقة حولًا نسخ النفقة الميراث ربع أَوْ ثمن ونسخ تمام الحول؛ وهو سبعةُ أَشهرٍ وعشرون يومًا بآية التربُّص -أربعة أشهر وعشرًا- وبحديث فُريعة.
стр. 527
وبعد القول في معنى الآيةِ وحُكمِها؛ ذَكر وجهَ النَّصب في قوله: ﴿مَّتَاعًا﴾، وقولِه: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، بأَنَّ ﴿مَّتَاعًا﴾ نُصب بمضمون الجملة قبله، فهو مصدرٌ مؤكدٌ، و ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نُصب على أَنه صفة لـ «متاع»؛ قال ﵀: «وأَمَّا قولُه: ﴿مَّتَاعًا﴾ فإِنَّ معناه: جعل ذلك لهنَّ متاعًا؛ أَي: الوصية التي كتبها اللهُ لهنَّ. وإنما نصب «المتاع»؛ لأَنَّ في قوله: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم﴾ معنى متعهنَّ اللهُ، فقيل: ﴿مَّتَاعًا﴾ مصدرٌ من معناه، لا من لفظه.
وقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: فإِنَّ معناه أَنَّ اللهَ -تعالى ذكره- جعل ما جعل لهنَّ من الوصية متاعًا منه لهنَّ إلى الحول، لا إِخراجًا من مسكن زوجِها؛ يعني: لا إِخراجَ فيه منه حتى ينقضي الحول، فنصب ﴿غَيْرَ﴾ على النعت للمتاع»، ثم ذكر معنى آخر الآية من قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾، فذكر ما يدلُّ عليه قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وهو أَنَّ اعتدادهنَّ في بيوت أَزواجهنَّ وإِحدادهنَّ حولًا ليس فرضًا عليهنَّ، فإِن خرجنَ فلا جُناحَ عليهنَّ، ولا على ورثة الميت، ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَّعْرُوفٍ﴾ من النكاح وترك الإحداد، وذكر ما يدلُّ عليه قوله: ﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٤٠)﴾، وهو تهديدُ مَنْ خالف من الرجال والنساء أَحكامَ الله المتقدمة في الآيات بترك ما فَرضَ اللهُ من الأَحكام، وأَداء الحقوق وترك المحافظةِ على الصلوات، وأَنَّ اللهَ حكيمٌ في جميع أَحكامه وأَقضيته بين عباده، وكلامُه ﵀ في مدلول هذين الاسمين «العزيز، الحكيم» كلامٌ نفيسٌ جديرٌ بتدبُّره وفهمِ معناه (١).
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ فليُوصوا ﴿وَصِيَّةً﴾ وفي قراءة بالرفع؛ أَي: عليهم ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ ويُعطوهنَّ ﴿مَتَاعًا﴾ ما يتمتعنَّ به من النفقة والكسوة ﴿إِلَى﴾ تمام ﴿الْحَوْلِ﴾ من موتهم الواجب عليهنَّ
стр. 528
تربُّصه، ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ حال؛ أَي: غيرَ مُخرجات من مسكنهنَّ ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بأَنفسهنَّ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أَولياءَ الميت ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ شرعًا؛ كالتزيُّنِ وتركِ الإِحداد وقطعِ النفقة عنها ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في مُلكه ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. والوصيةُ المذكورةُ منسوخةٌ بآية الميراث، وتربُّص الحولِ بآية (أَربعة أشهرٍ وعشرًا) السابقةِ المتأَخِّرةِ في النزول، والسُّكنى ثابتةٌ لها عند الشافعي (١).
وقولُ المؤلِّف: (فليوصوا): يقتضي أَنَّ معنى الآية عنده: أَمرُ المتوفَّين بالوصية لأَزواجهم.
وقولُه: (وفي قراءةٍ بالرفع؛ أي: عليهم): يُبينُ أَنَّ كلمةَ ﴿وَصِيَّةً﴾ في الآية فيها قراءتان؛ بالنصب وبالرفع، وعلى قراءة الرفع فـ ﴿وَصِيَّةٌ﴾: مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، وتقديره: عليهم.
وقولُه: (ويعطوهنَّ): يريد أَنَّ ﴿مَتَاعًا﴾ منصوبٌ بفعل محذوفٍ؛ تقديره: ويُعطوهنَّ متاعًا.
وقولُه: (ما يتمتعنَّ به … ) إلى آخره: تفسيرٌ للمتاع بالنفقة والكسوة.
وقولُه: (تمام): يُبيِّنُ أَنَّ المتاعَ يدومُ حقًّا للمرأة إلى نهاية الحول.
وقولُه: (من موتهم … ) إلى آخره: بيانٌ لبداية الحولِ، وأَنَّ الواجبَ عليها التربُّصُ هذه المدَّة. وقولُه: (حال): يريد أَنَّ ﴿غيرَ﴾ منصوبٌ على الحال من الأَزواج، ولذا قدره: غير مخرجات، وعلى هذا يكون قولُه تعالى: ﴿غَيْرَ
стр. 529
إِخْرَاجٍ﴾ حالًا مؤكدةً لقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، واختار ابنُ جريرٍ أَنَّ ﴿غَيْرَ﴾ منصوبٌ على النعت لمتاع.
وقولُه: (بأنفسهنَّ): يريد: باختيارهنَّ لا بإخراج من ورثة الميت.
وقولُه: (يا أَولياءَ الميت): بيانٌ للمخاطبين بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
وقولُه: (شرعًا … ) إلى آخره: فسَّرَ المعروفَ بما يُباحُ للمرأة شرعًا من الزينة بأنواعها.
وقولُه: (وقطع النفقة عنها): يريد أَنَّه داخلٌ في نفي الجناح عن ورثة الميت، فلا جناح على أَولياء الميت في قطع النَّفقة عنها إذا خرجت.
وقولُه: (في ملكه)، وقولُه: (في صنعه): يريد أَنَّه تعالى ذو عزَّةٍ وحكمةٍ، يدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقولُه: (والوصية المذكورة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الوصيةَ بالنفقة والسُّكنى حولًا المذكورة في الآية منسوخةٌ بآية الميراث، وبآية التربُّصِ أَربعة أَشهرٍ وعشرًا، فعنده أَنَّ آيةَ الوصيةِ منسوخةٌ بآية: ﴿أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا﴾، وإن كانت متقدِّمةً عليها في ترتيب الآيات في المصحف، لكنها مُتأَخِّرةٌ عنها في النزول، وهذا قول الجمهور، وقال جماعةٌ: لا نسخَ، والآياتُ على ترتيبها.
* * *
стр. 530
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (٢٤٢)﴾ [البقرة: ٢٤١ - ٢٤٢]:
هاتان الآيتان آخر الآياتِ المتعلقةِ بأَحكام الطلاق والعِدَد، وقد تضمَّنت الآيةُ الأُولى الحكمَ بالمتاع لكلِّ مطلَّقةٍ على أَزواجهنَّ، وأَنَّه حقٌّ أَحقَّه اللهُ على المتقين، وظاهرُ الآية وجوبُ المتاعِ لكلِّ مُطلَّقةٍ، وذهب الجمهورُ إلى أَنَّ المتاعَ الواجبَ للمطلقة قبل المسيس ولم يفرض لها صَداق، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وفي الآية الأَمرُ بالمتاع، وأَمَّا المطلقةُ قبل المسيس التي فُرض لها صداقٌ، فمتاعُها النصفُ الذي تستحقُّه مما فرض لها، وأَمَّا المطلقةُ المدخولُ بها فمتاعُها مستحبٌّ، فقد ذهب بعضُ أَهل العلم إلى القول بظاهر الآية؛ وهو وجوبُ المتاع لكلِّ مطلَّقةٍ (١)، ويؤيدُه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فأمر بمتاع المطلقةِ قبل المسيس فُرض لها صداق أو لم يفرض، ويؤيده أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، فأَمر اللهُ نبيَّه أَنْ يَعِد أَزواجه بالمتاع إذا اخترن الطلاقَ، فهذه خمسُ آياتٍ ثلاثٌ منها في البقرة:
الأُولى: في المطلقة قبل المسيس ولم يفرض لها، فوجوبُ المتاعِ لها ظاهرٌ.