بآية الميراث، وأَبطل مما كان جُعل لهنَّ من سُكنى حولٍ سبعةَ أَشهرٍ وعشرين ليلة، وردهنَّ إلى أَربعة أشهرٍ وعشرٍ على لسان رسولِ الله ﷺ ».
قلت: يُشير إلى حديثِ فُريعةَ (١) الذي سيذكره، ثم ذكر بإسناده حديثَ فُريعة التي قُتل زوجُها فاستفتت النبيَّ ﷺ أَنْ تنتقل من بيت زوجِها، فأَمرها النبيُّ ﷺ أَنْ تمكثَ حتى يبلغَ الكتابُ أَجله؛ وهو تمامُ أَربعةِ أَشهرٍ وعشرٍ (٢)، وحاصلُ كلامه ﵀ أَنَّ ما كان حقًّا للمتوفَّى عنها من السُّكنى والنَّفقة حولًا نسخ النفقة الميراث ربع أَوْ ثمن ونسخ تمام الحول؛ وهو سبعةُ أَشهرٍ وعشرون يومًا بآية التربُّص -أربعة أشهر وعشرًا- وبحديث فُريعة.
стр. 527
وبعد القول في معنى الآيةِ وحُكمِها؛ ذَكر وجهَ النَّصب في قوله: ﴿مَّتَاعًا﴾، وقولِه: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، بأَنَّ ﴿مَّتَاعًا﴾ نُصب بمضمون الجملة قبله، فهو مصدرٌ مؤكدٌ، و ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نُصب على أَنه صفة لـ «متاع»؛ قال ﵀: «وأَمَّا قولُه: ﴿مَّتَاعًا﴾ فإِنَّ معناه: جعل ذلك لهنَّ متاعًا؛ أَي: الوصية التي كتبها اللهُ لهنَّ. وإنما نصب «المتاع»؛ لأَنَّ في قوله: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم﴾ معنى متعهنَّ اللهُ، فقيل: ﴿مَّتَاعًا﴾ مصدرٌ من معناه، لا من لفظه.
وقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: فإِنَّ معناه أَنَّ اللهَ -تعالى ذكره- جعل ما جعل لهنَّ من الوصية متاعًا منه لهنَّ إلى الحول، لا إِخراجًا من مسكن زوجِها؛ يعني: لا إِخراجَ فيه منه حتى ينقضي الحول، فنصب ﴿غَيْرَ﴾ على النعت للمتاع»، ثم ذكر معنى آخر الآية من قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾، فذكر ما يدلُّ عليه قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وهو أَنَّ اعتدادهنَّ في بيوت أَزواجهنَّ وإِحدادهنَّ حولًا ليس فرضًا عليهنَّ، فإِن خرجنَ فلا جُناحَ عليهنَّ، ولا على ورثة الميت، ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَّعْرُوفٍ﴾ من النكاح وترك الإحداد، وذكر ما يدلُّ عليه قوله: ﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٤٠)﴾، وهو تهديدُ مَنْ خالف من الرجال والنساء أَحكامَ الله المتقدمة في الآيات بترك ما فَرضَ اللهُ من الأَحكام، وأَداء الحقوق وترك المحافظةِ على الصلوات، وأَنَّ اللهَ حكيمٌ في جميع أَحكامه وأَقضيته بين عباده، وكلامُه ﵀ في مدلول هذين الاسمين «العزيز، الحكيم» كلامٌ نفيسٌ جديرٌ بتدبُّره وفهمِ معناه (١).
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ فليُوصوا ﴿وَصِيَّةً﴾ وفي قراءة بالرفع؛ أَي: عليهم ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ ويُعطوهنَّ ﴿مَتَاعًا﴾ ما يتمتعنَّ به من النفقة والكسوة ﴿إِلَى﴾ تمام ﴿الْحَوْلِ﴾ من موتهم الواجب عليهنَّ
стр. 528
تربُّصه، ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ حال؛ أَي: غيرَ مُخرجات من مسكنهنَّ ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بأَنفسهنَّ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أَولياءَ الميت ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ شرعًا؛ كالتزيُّنِ وتركِ الإِحداد وقطعِ النفقة عنها ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في مُلكه ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. والوصيةُ المذكورةُ منسوخةٌ بآية الميراث، وتربُّص الحولِ بآية (أَربعة أشهرٍ وعشرًا) السابقةِ المتأَخِّرةِ في النزول، والسُّكنى ثابتةٌ لها عند الشافعي (١).
وقولُ المؤلِّف: (فليوصوا): يقتضي أَنَّ معنى الآية عنده: أَمرُ المتوفَّين بالوصية لأَزواجهم.
وقولُه: (وفي قراءةٍ بالرفع؛ أي: عليهم): يُبينُ أَنَّ كلمةَ ﴿وَصِيَّةً﴾ في الآية فيها قراءتان؛ بالنصب وبالرفع، وعلى قراءة الرفع فـ ﴿وَصِيَّةٌ﴾: مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، وتقديره: عليهم.
وقولُه: (ويعطوهنَّ): يريد أَنَّ ﴿مَتَاعًا﴾ منصوبٌ بفعل محذوفٍ؛ تقديره: ويُعطوهنَّ متاعًا.
وقولُه: (ما يتمتعنَّ به … ) إلى آخره: تفسيرٌ للمتاع بالنفقة والكسوة.
وقولُه: (تمام): يُبيِّنُ أَنَّ المتاعَ يدومُ حقًّا للمرأة إلى نهاية الحول.
وقولُه: (من موتهم … ) إلى آخره: بيانٌ لبداية الحولِ، وأَنَّ الواجبَ عليها التربُّصُ هذه المدَّة. وقولُه: (حال): يريد أَنَّ ﴿غيرَ﴾ منصوبٌ على الحال من الأَزواج، ولذا قدره: غير مخرجات، وعلى هذا يكون قولُه تعالى: ﴿غَيْرَ
стр. 529
إِخْرَاجٍ﴾ حالًا مؤكدةً لقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، واختار ابنُ جريرٍ أَنَّ ﴿غَيْرَ﴾ منصوبٌ على النعت لمتاع.
وقولُه: (بأنفسهنَّ): يريد: باختيارهنَّ لا بإخراج من ورثة الميت.
وقولُه: (يا أَولياءَ الميت): بيانٌ للمخاطبين بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
وقولُه: (شرعًا … ) إلى آخره: فسَّرَ المعروفَ بما يُباحُ للمرأة شرعًا من الزينة بأنواعها.
وقولُه: (وقطع النفقة عنها): يريد أَنَّه داخلٌ في نفي الجناح عن ورثة الميت، فلا جناح على أَولياء الميت في قطع النَّفقة عنها إذا خرجت.
وقولُه: (في ملكه)، وقولُه: (في صنعه): يريد أَنَّه تعالى ذو عزَّةٍ وحكمةٍ، يدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقولُه: (والوصية المذكورة … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الوصيةَ بالنفقة والسُّكنى حولًا المذكورة في الآية منسوخةٌ بآية الميراث، وبآية التربُّصِ أَربعة أَشهرٍ وعشرًا، فعنده أَنَّ آيةَ الوصيةِ منسوخةٌ بآية: ﴿أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا﴾، وإن كانت متقدِّمةً عليها في ترتيب الآيات في المصحف، لكنها مُتأَخِّرةٌ عنها في النزول، وهذا قول الجمهور، وقال جماعةٌ: لا نسخَ، والآياتُ على ترتيبها.
* * *
стр. 530
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (٢٤٢)﴾ [البقرة: ٢٤١ - ٢٤٢]:
هاتان الآيتان آخر الآياتِ المتعلقةِ بأَحكام الطلاق والعِدَد، وقد تضمَّنت الآيةُ الأُولى الحكمَ بالمتاع لكلِّ مطلَّقةٍ على أَزواجهنَّ، وأَنَّه حقٌّ أَحقَّه اللهُ على المتقين، وظاهرُ الآية وجوبُ المتاعِ لكلِّ مُطلَّقةٍ، وذهب الجمهورُ إلى أَنَّ المتاعَ الواجبَ للمطلقة قبل المسيس ولم يفرض لها صَداق، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وفي الآية الأَمرُ بالمتاع، وأَمَّا المطلقةُ قبل المسيس التي فُرض لها صداقٌ، فمتاعُها النصفُ الذي تستحقُّه مما فرض لها، وأَمَّا المطلقةُ المدخولُ بها فمتاعُها مستحبٌّ، فقد ذهب بعضُ أَهل العلم إلى القول بظاهر الآية؛ وهو وجوبُ المتاع لكلِّ مطلَّقةٍ (١)، ويؤيدُه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فأمر بمتاع المطلقةِ قبل المسيس فُرض لها صداق أو لم يفرض، ويؤيده أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، فأَمر اللهُ نبيَّه أَنْ يَعِد أَزواجه بالمتاع إذا اخترن الطلاقَ، فهذه خمسُ آياتٍ ثلاثٌ منها في البقرة:
الأُولى: في المطلقة قبل المسيس ولم يفرض لها، فوجوبُ المتاعِ لها ظاهرٌ.
стр. 531
والثانية: في المطلقة قبل المسيس وقد فرض لها؛ فإذا قيل أَنَّ متاعها النصفُ الذي تستحقُّه فهو وجهٌ قويٌّ؛ لأَنَّ مقصودَ المتاع حاصلٌ بما ثبت لها من نصف الصداق، كيف ومن المستحبِّ أَنْ تعفوَ عنه للزوج؟ وعلى هذا تكون المطلقةُ قبل المسيس وقد فرض لها مخصوصة من عموم: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾، ومن عموم آية الأَحزاب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].
والثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
واثنتان في الأَحزاب:
الأولى: في الدخول بها التي سُمِّيَ لها صداق، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ﴾، وقد ذكر فيها المتاع.
والثانية قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وهي في المطلقة قبل المسيس، وقد تقدَّم ذكرُ حكم متاعها.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: المعنى: مثل ذلك البيان الذي تقدَّمَ في آيات الأَحكام، من قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] إلى قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾؛ أَي: مثل هذا البيان يُبيِّنُ اللهُ لكم آياته في أَحكام شرعِه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (٢٤٢)﴾؛ أَي: لأَجْل أَنْ تعقلوا عن الله ما شرع لكم.
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ يُعطَينه (١) ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر الإِمكان ﴿حَقًّا﴾ نُصِبَ بفعله المقدَّر ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ اللهَ. كرَّره ليعمَّ الممسوسةَ أيضًا، إذ
стр. 532
الآيةُ السابقةُ في غيرها ﴿كَذَلِكَ﴾ كما بيَّن لكم ما ذُكِرَ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون.
وقولُ المؤلِّف: (يُعطَينه): أَي: يُعطي الأَزواجُ المطلِّقين المتاعَ للمطلقات.
وقولُه: (بقدر الإِمكان): يعني: بحسب حالِ الزوج يُسرًا وإعسارًا.
وقولُه: (بفعله المقدَّر): أَي: الفعل الذي هو مضمون ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾، والتقديرُ: أَحقَّ اللهُ المتاعَ حقًا.
وقولُه: (اللهَ): بيانٌ لمن هو أَهلٌ أَنْ يُتَّقى، والمتقون يتقونه سبحانه.
وقولُه: (كرَّره … ) إلى آخره: يريد: كرَّرَ الأَمر بالمتاع للمطلقة ليعمَّ الممسوسةَ؛ أَي: المدخول بها؛ لأَنَّ الذي تقدَّم الأَمرُ بمتاع المطلقةِ قبل المسيس.
* * *
стр. 533
وقوله تعالى: ﴿* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُون (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣]:
هذه الآيةُ والآياتُ التي تتلوها في هذا الرُّبع عَودٌ إلى موضوع القتال، ولَمَّا كان القتالُ مكروهًا بالطبع لِمَا يُفضي إليه من الموت؛ بدأت هذه الآياتُ بذكر قصةِ أُولئك القومِ الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت بسبب وباءٍ نزل بديارهم، أَوْ بسبب خوفٍ من عدوٍّ فخرجوا من ديارِهم؛ فرارًا منه وجُبنًا عن قتالهم (١).
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الخطابُ للنبي ﷺ أَوْ لكلِّ مَنْ يَصلُحُ للخطاب، والاستفهامُ للتقرير، فقولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أَي: أَلم تعلم، وضُمَّنَ الفعلَ معنى: ينتهي، ولذا عُدِّي بـ «إلى»، وتقديرُه: أَلم ينتهِ علمُك إلى أُولئك القومِ الذين خرجوا من ديارهم (٢)، والحالُ أَنهم كثيرٌ يبلغون الأُلوفَ، خرجوا فرارًا من الموت، فأَماتهم اللهُ بقوله: ﴿مُوتُوا﴾، ولم يُغنِ عنهم الفرارُ شيئًا. وقولُه: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾: يرجحُ أَنهم فرُّوا خوفًا من عدوٍّ، فكان فرارُهم جُبنًا، فلم يُغنِ عنهم ذلك الفرارُ شيئًا، وقال لهم اللهُ: ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، ثم أَحياهم ليدلَّ على قُدرته تعالى على البعث، ثم نوَّه تعالى بفضله العظيم على الناس الذي يستحقُّ الشكرَ عليه، ثم أَخبر أَنَّ ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُون﴾، والشكرُ: تعظيمُ المنعمِ بالقول والفعل، بالقلب واللسان والجوارح (٣).
стр. 534
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهامُ تعجيبٍ وتشويقٍ إلى استماع ما بعده؛ أَي: ينته علمُك ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ أَربعةٌ أَوْ ثمانيةٌ أَوْ عشرةٌ أَوْ ثلاثون أَوْ أَربعون أَوْ سبعون أَلفًا ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ مفعولٌ له، وهم قومٌ من بني إسرائيل، وقع الطاعونُ ببلادهم ففرُّوا ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فماتوا ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ بعد ثمانيةِ أَيامٍ أَوْ أَكثر بدعاء نبيِّهم حِزْقِيل، بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي، فعاشوا دهرًا عليهم أَثرُ الموت، لا يلبسون ثوبًا إِلا عاد كالكفن، واستمرَّت في أَسباطهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ ومنه إِحياءُ هؤلاء ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ هم: الكفَّار ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ والقصدُ مِنْ ذِكر خبرِ هؤلاء تشجيعُ المؤمنين على القتال، ولذا عطف عليه.
وقولُ المؤلِّف: (استفهامُ تعجيبٍ … ) إلى آخره: بيانٌ للمقصود من الاستفهام، وهو أَنْ يعجبَ المخاطبُ مما سيذكر له ويشتاق إلى سماعه.
وقولُه: (ينتهِ علمُك): يُبيِّنُ أَنَّ فعل ترى بمعنى: تعلم مضمَّنٌ معنى: ينتهي؛ أَي: يبلغ أو يصل. وقولُه: (أَربعةٌ أَوْ ثمانيةٌ … ) إلى آخره: يشير إلى الأَقوال في عدد الأُلوف، والمعنى: قيل وقيل وقيل.
وقولُه: (وهم قومٌ … ) إلى آخره: هذا أَحدُ القولين في أُولئك القوم، أَنهم من بني إسرائيل، وأَنهم فرُّوا من الطاعون، وقيل: أَنهم قومٌ من غيرهم، وأَنهم فرُّوا من عدوٍّ غزاهم، والآيةُ مجملةٌ، والله أعلم.
стр. 535
وقولُه: (بعد ثمانيةِ أَيام … ) إلى آخره: هذا كلُّه من جنس الإسرائيليات التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب (١).
وقولُه: (ومنه إِحياءُ هؤلاء) يعني: من فضل اللهِ على الناس فضلُه على هؤلاء القومِ بإِحيائهم ليتوبوا ويعلموا أَنه لا يُنجي حذرٌ من قَدَر.
وقولُه: (هم الكفَّار): لأنَّ الكفَّارَ هم أَكثرُ الناس، وهم لا يشكرون اللهَ، ولا يؤمنون به، ولا يعلمون حقَّه عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقولُه: (والقصدُ من ذِكر خبرِ هؤلاء … ) إلى آخره: بيانٌ لمناسبة ذِكر هذه القصة، وهو تشجيعُ المؤمنين على القتال، وتحذيرُهم من الفرار أَنه لا يُنجي من الموت، ولذا اتصلَ بالقصة الأَمرُ بالقتال في سبيل الله (٢).
* * *
стр. 536
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٤ - ٢٤٥]:
هذا أَمرٌ من الله لعباده المؤمنين بقتال الكفار والمشركين في سبيل الله؛ أَي: إِعلاءً لكلمة الله، ويُعلمهم تعالى أَنه سميعٌ لأَقوالهم ودعائهم، عليمٌ بإسرارهم وإعلانهم، ثم يدعوهم إلى الإِنفاق في سبيله بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، والاستفهامُ للترغيب والتشويق، وسمَّى اللهُ ما يُنفَقُ في سبيله قرضًا؛ لأَنَّه مردودٌ عليهم أَضعافًا مضاعفة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، ويُفسِّرُ هذا التضعيفَ وهذه الكثرة قولُه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء﴾؛ أي: أكثر من ذلك ﴿وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]، والقرضُ الحسنُ ما كان لله وعن طِيبِ نفسٍ.
وفي قوله: ﴿يضاعف﴾ قراءات: بالأَلف بعد الضاد وكسر العين مع فتح فاءِ الفعلِ وضمِّها، وقرأَ بتشديد العين مع فتح الفاءِ وضمِّها؛ فهذه أربع قراءات (١)، والفاءُ إِمَّا سببيةٌ فيُنصَبُ الفعلُ بعدها، وإمَّا عاطفةٌ فيُرفَعُ الفعلُ بعدها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾: أَي: إِنَّ اللهَ بحكمته البالغة يقبض عمَّن يشاء فيقدر عليه ﴿وَيَبْسُطُ﴾؛ أَي: يوسِّع على مَنْ يشاء، ثم إليه يرجعُ العبادُ فيجزيهم بما عملوا من القتال والإنفاق في سبيله.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَي: لإِعلاء دينِه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأَقوالِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأَحوالِكم، فمُجازيكم ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾
стр. 537
بإِنفاق مالِه في سبيل الله ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ بأَن يُنفقَه لله عن طِيب قلبٍ ﴿فَيُضَاعِفُهُ﴾ وفي قراءة: «فيُضَعِّفُهُ» بالتشديد ﴿لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ من عشرٍ إلى أَكثر من سبعمائة كما سيأتي ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ يُمسكُ الرزقَ عمَّن يشاء ابتلاءً ﴿وَيَبْسُطُ﴾ يوسعه لمن يشاء امتحانًا ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة بالبعث فيُجازيكم بأعمالكم.
وقولُ المؤلِّف: (لإعلاء دينِه): بيانٌ لمعنى: في سبيل الله.
وقولُه: (فمُجازيكم): بيانٌ للحكمة من ذكر الاسمين «السميع العليم»، وهو التذكيرُ بالجزاء ترغيبًا وترهيبًا.
وقولُه: (لله عن طِيب قلبٍ): هذا بيانٌ لمعنى القرض الحسن.
وقولُه: (كما سيأتي): يُشيرُ إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقولُه: (يُمسكُ الرزقَ … ) إلى آخره: بيانٌ لمعنى القبض والبسط، وأَنَّ ذلك كلَّه لحكمة الابتلاءِ، والابتلاءُ والامتحانُ معناهما واحدٌ وذكرهما لتنويع اللفظ.
وقولُه: (بالبعث … ) إلى آخره: بيانٌ لمعنى الرجوع إلى الله وحكمتِه؛ لأَنَّ الناسَ إذا بُعثوا لقوا ربَّهم فجازاهم على أَعمالهم.
* * *
стр. 538
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين (٢٤٦)﴾ [البقرة: ٢٤٦]:
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: القولُ في هذه الجملة كالقول في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، فالاستفهامُ للتقرير، و ﴿تَرَ﴾: تعلم، ضُمِّنَ معنى «ينتهي علمك» ولذا عُدِّي بـ «إلى»، و ﴿الْمَلإِ﴾: الأشراف.
وقوله: ﴿إِذْ قَالُوا﴾: أَي: حين قالوا ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾، لم يُسمَّ هذا النبيُّ، إِلا أَنه من أَنبياء بني إسرائيل الذين من بعد موسى، وقد ذكر ابنُ جرير اختلافَ المفسرين في اسمه ونسبه، وأَطال في ذلك (١)، وليس في شيءٍ مما ذكره ما يمكن الجزم به؛ لأَنَّ الروايات في ذلك من الإسرائيليات التي لا يعتمد عليها في العلم، ومما ذكروا أَنَّ اسمَه شمويل أَوْ شمعون، وقيل: إنه يوشع بن نون، وقد ضعَّف ذلك ابنُ كثير (٢)؛ فاللهُ أعلم، واللهُ قد أَبهم هذا النبيَّ ولم يُسمِّه؛ فلنسكُت عمَّا سكت اللهُ عنه، وقولُ الملأ لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ يعنون: عيِّنْ أَميرًا وقائدًا نقاتل معه في سبيل الله.
وقوله: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ﴾ المعنى: قال لهم نبيُّهم: هل تتوقعون إن كُتب عليكم القتالُ أَلَّا تُقاتلوا؟ فالاستفهامُ على ظاهره، و «عسى» من أَفعال الرجاء، ومعناها هنا التوقع؛ فمعنى الكلام: هل تتوقعون من أَنفسكم إن كُتب عليكم القتالُ أَلَّا تُقاتلوا؟ واسمُ «عسى»:
стр. 539
ضميرُ المخاطب، وخبرُها: المصدرُ المؤول أَلَّا تقاتلوا، وجملة: ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾: جملةٌ شرطيةٌ مُعترضة بين اسم عسى وخبرها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ دلَّ عليه قوله: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾، فالتقديرُ: «إن كتب عليكم القتال فهل عسيتم»؛ أَي: فلعلَّكم لا تقاتلون.
وقوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾: المعنى: أَيُّ مانعٍ يمنعنا من القتال والحالُ أنَّا أُخرجنا من ديارنا وأَبنائنا، فهذا الإخراجُ من أَعظم الدواعي لقتال العدو، فليس لنا عذرٌ في التأخُّر عن القتال.
وقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾: يُخبر تعالى أَنَّ أُولئك الملأُ من بني إِسرائيل لَمَّا أُمروا بالقتال تولَّى أَكثرُهم؛ أَي: أَعرضوا فلم يستجيبوا لله لَمَّا دعاهم لقتال عدوِّهم، لكن استجاب قليلٌ منهم. وقوله: ﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين (٢٤٦)﴾: يعني: الناكلين عن القتال، وفي هذا تهديدٌ لهم بعقوبة الله في الدنيا أَوْ في الآخرة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ الجماعة ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ﴾ موتِ ﴿مُوسَى﴾ أَي: إلى قصتهم وخبرهم ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو: شمويل ﴿ابْعَثْ﴾ أَقِمْ ﴿لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ﴾ معه ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تنتظمُ به كلمتُنا ونرجعُ إليه ﴿قَالَ﴾ النبيُّ لهم ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ بالفتح والكسر ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ خبرُ عسى، والاستفهامُ لتقرير التوقُّع بها ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ بسبيهم وقتلهم، وقد فعل بهم ذلك قومُ جالوت. أَي: لا مانع لنا منه مع وجود مُقتضيه. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمِ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ عنه وجَبنوا ﴿إِلَّا
стр. 540
قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين عبروا النهرَ مع طالوت كما سيأتي. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فمُجازيهم.
وقولُ المؤلِّف: (الجماعة): فسَّر الملأَ بالجماعة، وهذا أَحدُ القولين، وقيل: الملأُ: الأَشرافُ والرؤساءُ، وهذا هو المشهور في معنى الملأ (١).
وقولُه: (موتِ): يُبيِّنُ أَنَّ ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ على حذفِ مضافٍ تقديرُه: من بعد موتِ موسى، فعُلم بذلك أَنَّ قصةَ الملأ لم تكن في حياة موسى بل بعد موته.
وقولُه: (أي: إلى قصتهم وخبرهم): يُبيِّنُ أَنَّ معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ﴾: أَلم تر إلى قصة الملأ.
وقولُه: (شمويل): هذا أَحدُ الأقوال في اسم هذا النبي، ولم يثبت بخبرٍ عن الرسول ﷺ ، إذن: فلا يُجزم به.
وقولُه: (أَقِمْ): أَي: عيِّنْ وانصب ملكًا.
وقولُه: (معه): بيانٌ لمرادهم في بعث الملك، وكذلك قولُه: (تنتظمُ به كلمتُنا ونرجعُ إليه). وقولُه: (بالفتح والكسر): أَي: فتح السين وكسرها قراءتان، والفتح قراءة الجمهور (٢).
стр. 541
وقولُه: (خبرُ عسى): يريد: أَلَّا تقاتلوا.
وقولُه: (والاستفهامُ … ) إلى آخره: يريد: الاستفهام بهل في قوله: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾.
وقولُه: (بسبيهم وقتلهم): بيانٌ لمعنى إخراجهم من أبنائهم.
وقولُه: (وقد فعل بهم … ) إلى آخره: بيانٌ للعدو الذي أَخرجهم من ديارهم وأَبنائهم، ويدلُّ له قولُه تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.
وقولُه: (لا مانعَ لنا منه): تفسيرٌ لقولهم: ﴿وَمَا لَنَا﴾.
وقولُه: (مع وجود مُقتضيه) وهو الإِخراجُ من الديار والأبناء.
وقولُه: (عنه): يعني: تولوا عن القتال؛ أَي: أعرضوا وجبنوا.
وقولُه: (وهم الذين … ) إلى آخره: فسَّر القليلَ في هذه الآية بالقليل في قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، ولهذا قال: (كما سيأتي).
وقولُه: (فمُجازيهم): بيانٌ للمراد من ذكر العلم، وهو الوعيدُ بالمجازة على الظلم.
* * *
стр. 542
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٢٤٧)﴾ [البقرة: ٢٤٧]:
يُخبر تعالى أَنَّ نبيَّ بني إسرائيل الذي طلبوا منه أَنْ يُعيِّنَ لهم ملكًا يقاتلون معه عدوَّهم الذي أَخرجهم من ديارهم وأَبنائهم، وهو جالوتُ وجنودُه، أَنَّ نبيَّهم قال لهم: ﴿إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾: فيحتمل أَنَّ بعثَ طالوت كان بوحي من الله على النبيِّ، ولعلَّ النبيَّ قد دعا ربَّه أَنْ يبعثَ له ملكًا منهم، فبعث اللهُ طالوتَ، ويحتملُ أَنَّ النبيَّ اختارَ طالوتَ لما رأى فيه من الصفات الحسيةِ والمعنويةِ التي تُأَهِّلُه لقيادة الجيش، ولكن بني إسرائيل كعادتهم لم يستجيبوا لنبيهم في اختيار طالوت، ولهذا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾؛ يعني: كيف يكون ملكٌ علينا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾، ولعلَّ طالوتَ لم يكن من أَشرافهم (١).
قالوا: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ فيُقدَّمُ علينا بسببه، فردَّ عليهم النبيُّ بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ يعني: اختاره وفضَّله ببسطةٍ في العلم: من سعةِ العلم ووفرةِ العقل، وببسطةٍ في الجسم: طولًا وقوةً.
وقولُه: ﴿وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٢٤٧)﴾: يحتملُ أَنْ يكون من تمام كلامِ النبي، ويحتملُ أَنْ يكون كلامًا مُستأنفًا للدلالة على أَنَّ مردَّ الاصطفاء والتفضيل إلى مشيئة الله، وأَنَّ اللهَ واسعُ الفضل والعطاء، عليمٌ بمَن يستحقُّ ذلك ومن لا يستحق (٢).
стр. 543
وسأل النبيُّ ربَّه إِرسالَ ملكٍ، فأَجابَه إلى إِرسال طالوت ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى﴾ كيف ﴿يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لأَنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة، وكان دبَّاغًا أَوْ راعيًا ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ يستعينُ بها على إِقامة المُلك ﴿قَالَ﴾ النبيُّ لهم ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ اختاره للمُلك ﴿عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ سعةً ﴿فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وكان أَعلمَ بني إسرائيلَ يومئذٍ وأَجملَهم وأَتمَّهم خَلقًا ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إِيتاءه، لا اعتراضَ عليه ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ فضلُه ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَن هو أَهلٌ له.
وقولُ المؤلِّف: (وسأل النبيُّ … ) إلى آخره: ذكر المفسرون أَنَّ هذا النبيَّ لَمَّا طلب منه بنو إسرائيل أَنْ يبعث ملكًا دعا ربَّه فبعث اللهُ طالوت، وذكر المفسرون أنه كان فقيرًا، وليس من بيت المُلك فيهم، ولذلك قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا … ﴾ إلى آخر كلامهم.
وقولُه: (كيف): تفسيرٌ لقوله في الآية: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾، وهو استفهامٌ يُفيد التعجُّب أو الاستنكار.
وقولُه: (لأنه ليس من سبط المملكة … ) إلى آخره: هذا مأخوذٌ من الروايات الإسرائيلية التي لا يُجزم بها.
وقولُه: (يستعينُ بها على إِقامة المُلك): هذا توجيهٌ لاعتبار سعة المال مسوغٍ لاصطفائه ملكًا. وقولُه: (اختاره للمُلك): تفسيرٌ لقوله: ﴿اصْطَفَاهُ﴾، والاصطفاءُ: افتعالٌ من الصفو، قُلبت فيه التاءُ طاءً لاتصالها بالصاد وتقارب مخرجيهما، فأصلُ الكلمة «اصْتَفَاه» (١).
стр. 544
وقولُه: (سعةً): تفسيرُ بسطة، والكلمةُ مأخوذةٌ من البسط؛ وهو التوسعةُ؛ كما قال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦] (١).
وقولُه: (وكان أعلمَ بني إسرائيل … ) إلى آخره: بيانٌ لحاله في العلم والجسم.
وقولُه: (إيتاءه): تقديرٌ لمفعول ﴿يَشَاءُ﴾.
وقولُه: (لا اعتراض عليه): لأَنَّ تدبيره لحكمةٍ بالغة وبمشيئةٍ نافذةٍ.
وقولُه: (فضلُه)، وقولُه: (بمن هو أَهل له): هذا بعضُ ما دلَّ عليه الاسمان الشريفان من أسماء الله، ومعناهما أَوسعُ مما ذكر المؤلِّفُ.
* * *
стр. 545
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٤٨)﴾ [البقرة: ٢٤٨]:
يُخبرُ تعالى عن نبيِّ بني إسرائيل أَنه قال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾؛ أَي: علامةَ أَهليةِ طالوت للملك، وأَنَّ اللهَ بعثه لكم ملكًا؛ إِنَّ آيةَ ذلك: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾؛ وهو صندوقٌ له شأَنٌ عند بني إسرائيل، روى فيه ابنُ جريرٍ عن وهب بن منبه (١) وغيرِه روايات إسرائيلية عجيبةٍ لا يتوقف عليها ما أُريد منَّا فهمُه من القرآن (٢).
قال النبيُّ: ﴿فِيهِ﴾: أَي: في التابوت ﴿سَكِينَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾، واختلف المفسرون في المراد بالسكينة؛ قيل: هي طمأنينةٌ تحصل لهم عند وجود التابوت، فتقوى عزائمُهم وشجاعتُهم، وعلى هذا فالسكينةُ أَمرٌ معنويٌّ، وقيل: إنها شيءٌ معيَّنٌ موضوعٌ في التابوت، واختلفت عباراتُ أَصحابِ هذا القول عن المراد بالسكينةِ، والقولُ الأَوَّلُ أَظهرُ (٣)، وروى ابنُ جريرٍ أَقوالَ المفسرين في السكينة عن جماعةٍ من السَّلف عن عليٍّ وابنِ عباس ومجاهدٍ والسُّدي ووهبِ بن منبه (٤)، وكلُّها من نوع الإسرائيليات، ومنها ما هو قريبٌ
стр. 546
ومنها ما هو غريبٌ، وروى عن ابن جريجٍ (١) عن عطاء: أَنَّ السكينةَ هي الآيات التي تسكنُ إليها النفسُ (٢)، واختار ذلك ابنُ جرير، وأَنَّ ذلك يعمُّ كلَّ ما قيل في المراد بالسكينة، قال ﵀: «وأَولى هذه الأَقوال بالحقِّ في معنى السكينة، ما قاله عطاءُ بن أَبي رباح، من الشيءِ تسكنُ إليه النفوسُ من الآيات التي تعرفونها»، ثم قال: «وإذا كان معنى السكينة ما وصفت، فجائزٌ أَنْ يكون ذلك على ما قاله عليٌّ ومجاهدٌ ووهبُ بن منبه والسُّديُّ» (٣).
وقولُه: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾: قيل: إنها بعضُ الأَلواحِ التي كتب اللهُ فيها التوراةَ لموسى، وذكر ابنُ جريرٍ في المراد بالبقيَّة أَقوالًا كثيرةً واختارَ أَنَّها كلَّها جائزةٌ، فلا يُجزَمُ بتضعيف شيءِ وتصويب شيءِ (٤)، وكلُّها من نوع الإسرائيليات، وما ذهب إليه ابنُ جرير هو معنى الحديث: ((إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم)) (٥).
وقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أَي: تأتي به الملائكةُ تحمله في الهواء؛ أي: وأنتم تشاهدون ذلك، وتعريف التابوت بـ «أل» يدلُّ على أَنَّه تابوتٌ معروفٌ لهم؛ قاله ابنُ جريرٍ ورجَّحه (٦).
وجملةُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ﴾: يُحتملُ أَنَّ تكون من تمام كلام نبيِّ بني إسرائيل، ويَحتملُ أَنْ تكون مُستأنفةً؛ خطابٌ للمؤمنين أَصحابِ النبي ﷺ ، فعلى الاحتمالِ الأَوَّلِ: اسمُ الإشارةِ يرجعُ إلى إِتيان التابوت
стр. 547
تحمله الملائكة، وعلى الاحتمال الثاني: اسمُ الإِشارة يرجعُ إِلى قصة الملأِ من بني إسرائيل مع نبيهم (١)، وجوابُ الشرط ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٤٨)﴾ محذوفٌ دلَّ عليه ما قبله.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ لَمَّا طلبوا منه آيةً على مُلكه ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ الصندوقُ، كان فيه صورُ الأَنبياء، أَنزله اللهُ على آدم واستمرَّ إليهم فغلبتهم العمالقةُ عليه وأَخذوه، وكانوا يستفتحون به على عدوِّهم ويُقدمونه في القتال ويسكنون إليه كما قال تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ طُمأنينةٌ لقلوبكم ﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ أَي: تركاه هما ـ وهو نعلا موسى وعصاه، وعمامةُ هارون وقَفِيزٌ من المنِّ الذي كان ينزل عليهم، ورضاضٌ من الألواح ـ ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ حالٌ من فاعل «يأتيَكُم». ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ على مُلكِه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فحملته الملائكةُ بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت، فأقرُّوا بمُلكه وتسارعوا إلى الجهاد، فاختار من شُبَّانهم سبعينَ أَلفًا.
وقولُ المؤلِّف: (لَمَّا طلبوا): معنى هذا: أَنَّ بني إسرائيل لم يُصدقوا نبيَّهم أَنَّ اللهَ بعث طالوت ملكًا عليهم حتى يأتيهم بآيةٍ تدلُّ على صِدقه، وهذا ما ذكره المفسِّرون، وليس هذا بمستبعدٍ من بني إسرائيل؛ لِمَا عُرف من تعنُّتهم على أَنبيائهم، ولكن ليس في القرآن تصريحٌ بذلك، وقولُ نبيِّهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾: يحتمل أَنْ يكون جوابًا لطلبهم آية، ويحتمل أَنْ يكون ذلك تأكيدًا لخبره؛ لأَنَّ اللهَ بعث لهم طالوت ملكًا.
стр. 548
وقولُه: (الصندوق … ) إلى آخره: ما ذكرَهُ من شأنِ التابوتِ وما فيه هو من الأخبارِ الإسرائيليَّةِ، والَّذي يجبُ الإيمانُ به هو ما تضمَّنَه قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ … ﴾ إلى قوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، واللهُ أعلمُ.
وقولُه: (طُمأنينةٌ لقلوبكم): بيانٌ للمراد بالسكينة، وهو أَجود ما قيل في تفسيرها.
وقولُه: (تركاه هما … ) إلى آخره: جمعَ في هذه العبارة أَكثر أَقوال المفسرين في المراد بالبقيَّة، وكلُّها أَقوالٌ إِسرائيليةٌ لا يمكن الجزمُ منها بشيءٍ.
وقولُه: (حالٌ … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ جملةَ ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من ﴿التَّابُوتُ﴾، وهو فاعلُ «يأتي».
وقولُه: (فحملته الملائكةُ … ) إلى آخره: هذا بعضُ ما جاء في الروايات الإسرائيلية، فاللهُ أعلم.
* * *
стр. 549
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُو اللّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلَا دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٤٩ - ٢٥٢]:
يُخبر تعالى عن طالوت أَنه بعدما صار ملكًا على الجنود من بني إسرائيل حين رأَوا الآيةَ التي ذكرها نبيُّهم آيةً لملك طالوت فصدَّقوا نبيَّهم وأَقرُّوا بمُلك طالوت عليهم واستعدُّوا للقتال والخروج مع طالوت فخرجَ بهم، فلمَّا فصل من البلد؛ أَي: فارقَ البلدَ وسار بهم، يخبر تعالى أَنَّه قال لجنوده: ﴿إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم﴾: أَي: سيبتليكم؛ أَي: يختبركم ﴿بِنَهَرٍ﴾ سنأتي عليه في طريقنا، فلا تشربوا منه، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾: أَي: ليس من أَصحابي ولا يتَّبعني، ﴿وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾: أَي: لم يَذقْه ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾: أَي: من أَصحابي وجندي.
وقولُه: ﴿إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: أَي: فلا حرج عليه ولا يمنعه ذلك من صحبتي، والاستثناء من قوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾، ومن قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، فإِنَّ مَنْ اغترفَ غُرفةً فقد شرب قدرًا من الماء، وطَعِم الماءَ؛ أَي: ذاقه.
стр. 550
ثم أَخبر تعالى أَنَّ أَكثرَ الجنود شربوا من النهر، وقليلٌ منهم لم يشرب، وهؤلاء القليل منهم من لم يَطعَم الماء، ومنهم مَنْ اغترف غُرفةً بيده، فصار جنودُ طالوت ثلاثَ طوائف:
طائفةٌ شربوا: قيل معناه: كرعوا (١) يشربون من النهر بأَفواههم، وهؤلاء هم الأكثرون، قيل: كان الجنودُ ثمانينَ ألفًا، فشرب منهم ستةٌ وسبعون ألفًا (٢).
والطائفةُ الثانيةُ: هم الذين لم يَطعموا ماءَ النهر.
والثالثةُ: هم الذين اغترفوا غرفةً واحدةً، وقُرئَ بفتح الغين من ﴿غَرْفَةً﴾، وبضمِّها (٣)، واختار ابنُ جرير قراءةَ ضم الغين وقال: هي اسمٌ للماء المغترَف بالكف، وبالفتح هي: المرَّةُ من الغرف؛ بمعنى: الاغتراف (٤).
وأَخبر تعالى أَنَّ طالوتَ ومَن ثبتَ معه -وهم: الطائفةُ الثانيةُ والثالثةُ- لَمَّا جاوزوا النهرَ ضَعُفَ أَكثرُهم وخافوا من العدو، وقالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾، فثبَّتهم إخوانُهم الموقنون بوعد الله، الذين يظنُّون أَنهم مُلاقو الله؛ فقالوا لهم: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين (٢٤٩)﴾، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾؛ أَي: جاوز طالوتُ النهرَ، والذين معه؛ أَي: جاوزوا النهرَ، فعُلم بذلك أَنَّ الذين شربوا من النهر ردَّهم طالوتُ وبقي معه الذين لم يشربوا، لكنَّ أكثرَهم هابوا القتال فنَصحَهم إِخوانُهم فثبتوا وبرزوا لقتال جالوت وجنوده؛ أَي: صاروا في
стр. 551
البراز، وهو المكانُ المتسعُ من الأَرض (١)، فلمَّا برزوا لقتال العدو دعوا ربَّهم واستنصروه فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾؛ أي: أَنزل علينا، ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ فلا نَفِر، ﴿وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (٢٥٠)﴾؛ وهم: جالوتُ وجنودهُ، فصبَّرهم اللهُ وثبَّتهم ونصرَهم على جالوت وجنودِه، ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ﴾، وكان في جند طالوت نبيُّ الله داود، فقتل داودُ جالوتَ، ولعلَّ ذلك قبل أَنْ يكون نبيًا.
وقد روى ابنُ جرير رواياتٍ إسرائيليةٍ في شأن طالوت وجنوده والنهر، وصفةِ قتلِ داودَ لجالوت (٢)، وكلّها مما لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّبُ، أَمَّا ما دلَّ عليه القرآنُ فيجب الإيمانُ به والقطعُ بصحَّته مثل: أَنَّ الملأ من بني إسرائيل سألوا نبيَّهم أَنْ يبعث لهم ملكًا يُقاتلون معه، وأَنَّ اللهَ بعث لهم طالوتَ ملكًا، وجعل له آيةً تدلُّ على أَنَّ اَللهَ بعثه ملكًا عليهم، وهي: أَنْ يأتيهم التابوتُ تحملُه الملائكةُ، وأَنَّ طالوتَ سار بجنوده، وأَنهم ابتُلوا بنهرٍ ونهاهم طالوتُ عن الشرب منه، وأَنهم صاروا في الشرب من النهر طوائف، وأَنهم برزوا لقتال جالوت وجنودِه، وأَنهم هزموهم وقتلَ داودُ جالوتَ، كلُّ هذا يجبُ القطعُ به لدلالة القرآن عليه، وما سوى ذلك مما ذُكر في الروايات الإسرائيليةِ فمشكوكٌ فيه لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّبُ.
وقولُه تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾: أَي: آتى اللهُ داودَ الملكَ على بني إسرائيل، والحكمة: وهي النبوة (٣)، ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء﴾: من العلوم الدينية والسياسية والصناعية. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: كدفع الكافرين بجهاد المؤمنين؛ ﴿لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ بنشر
стр. 552
الكفر والشرك والمعاصي وهدم بيوت العبادة. ﴿وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ﴾: أَي: إِحسانٍ ﴿عَلَى الْعَالَمِين (٢٥١)﴾، بإِقامة الدِّين ونصرِ المؤمنين على الكافرين.
وقولُه تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: الإشارةُ لِمَا تقدَّم من الآيات وغيرها من آيات القرآن، يتلوها جبريلُ على النبي ﷺ بالحق؛ أي: مشتملةً على الحقِّ صدقًا في الأَخبار وعدلًا في الأحكام، ليتلوها النبيُّ ﷺ على الناس؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢].
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين (٢٥٢)﴾: خبرٌ من الله وبشارةٌ بأَنَّ محمَّدًا ﷺ من رُسل اللهِ الذين اصطفاهم وأَرسلهم بالبينات، وأَنزل عليهم الكتابَ والحكمةَ، وجعلهم حجَّةً على عباده، وأَخرج بهم مَنْ شاء من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى الصِّراط المستقيم.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ﴾ خرجَ ﴿طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ من بيت المقدس، وكان حرًّا شديدًا، وطلبوا منه الماءَ ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ مُختبركم ﴿بِنَهَرٍ﴾ ليظهر المطيع منكم والعاصي. وهو بين الأُردن وفلسطين ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ أَي: من مائه ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أَي: من أَتباعي ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْه﴾ يذقْهُ ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً﴾ بالفتحِ والضَّمِّ ﴿بِيَدِهِ﴾ فاكتفى بها ولم يزد عليها؛ فإنَّه منِّي. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ لَمَّا وافوه بكثرةٍ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ فاقتصروا على الغُرفة. روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم، وكانوا ثلاثمائة وبضعةَ عشر (١).
стр. 553
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهم الذين اقتصروا على الغُرفة ﴿قَالُوا﴾ أَي: الذين شربوا ﴿لَا طَاقَةَ﴾ قوَّةَ ﴿لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أَي: بقتالهم. وجبنوا ولم يُجاوزوه. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يوقنون ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ بالبعث، وهم الذين جاوزوه ﴿كَمْ﴾ خبرية بمعنى: كثيرٍ ﴿مِنْ فِئَةٍ﴾ جماعةٍ ﴿قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإِرادته ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالعون والنَّصرِ.
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أَي: ظهروا لقتالهم وتصافُّوا ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ اصبُبْ ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ بتقوية قلوبنا على الجهاد ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ كسروهم ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإِرادته ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ﴾ وكان في عسكر طالوت ﴿جَالُوتَ وَآتَاهُ﴾ أَي: داود ﴿اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ في بني إِسرائيل ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ النبوَّةَ بعد موت شمويل وطالوت، ولم يجتمعا لأَحدٍ قبله ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ كصنعة الدُّروع ومَنطقِ الطير. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ بدل بعض من «الناس» ﴿بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ بغلبةِ المشركين وقتلِ المسلمين وتخريبِ المساجد ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فدفع بعضَهم ببعضٍ.
﴿تِلْكَ﴾ هذه الآيات ﴿آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا﴾ نقصُّها ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصِّدق ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. التأكيد بـ «إن» وغيرها ردٌّ لقول الكفَّار له: «لَستَ مُرسَلًا».
وقولُ المؤلِّف: (خرج): أَي: فارقَ البلد.
وقولُه: (من بيت المقدس … ) إلى آخره: هذا مما ذُكر في المرويات عن بني إسرائيل.
стр. 554
وقولُه: (وهو بين الأُردن وفلسطين): هذا يقتضي أَنَّه نهرٌ معيَّنٌ، والنهرُ في الآية مُنكَّرٌ، واللهُ أَعلم.
وقولُه: (أَي: من مائه): هذا بدهيٌّ لا يحتاج إلى تفسير.
وقولُه: (من أَتباعي): أَي: من جند الذين يُقاتلون معي.
وقولُه: (يذقْهُ): يُقال: طعمَ الماءَ والشرابَ: ذاقَه، بوضع شيءٍ منه في فمه.
وقولُه: (بالفتحِ والضَّمِّ): يُشير إلى القراءتين؛ يعني: قُرِئَ بفتح الغين وضمِّها.
وقولُه: (ولم يزد عليها) يعني: غرفَ بيده غرفةً واحدةً.
وقولُه: (لَمَّا وافوه): أَي: النهر، وافوه: أَي: وصلوا إليه.
وقولُه: (فاقتصروا على الغرفة … ) إلى آخره: هذا مما ذُكر في الروايات الإسرائيليةِ.
وقولُه: (هم الذين اقتصروا على الغرفة): وأَولى منهم مَنْ لم يطعمِ الماءَ؛ لقول طالوت: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾.
وقولُه: (الذين شربوا): هذا غلطٌ من المؤلِّف؛ فإن الذين شربوا لم يجاوزوا النهر؛ لقوله عن طالوت: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾.
وقولُه: (وجبنوا ولم يجاوزوه): يريد: الذين شربوا لم يُجاوزوا النهر، وهم: الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ﴾، كما صرَّح به قبل، وظاهرُ القرآن أَنَّ الذين قالوا: ﴿لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوت وجنوده﴾؛ هم كثيرٌ ممن جاوزَ النهر مع طالوت (١).
стр. 555
وقولُه: (يوقنون): فسَّرَ الظنَّ باليقين، وهذا أَحدُ معاني الظنِّ، وهو المناسبُ للسياق في هذه الآية.
وقولُه: (وهم الذين جاوزوه): ظاهرُه أَنَّ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾، وقالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾؛ هم كلُّ الذين جاوزوا النهرَ مع طالوت، وظاهرُ القرآن أَنهم طائفةٌ منهم.
وقولُه: (ظهروا لقتالهم): تفسيرٌ لقوله: ﴿بَرَزُوا﴾، والمعنى: ظهروا في براز من الأرض؛ أي: مُتَّسع.
وقولُه: (ولم يجتمعا لأَحدٍ قبلَه): أَي: النبوةُ والملكُ.
* * *
стр. 556
قوله تعالى: ﴿* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣]:
يُخبر تعالى أَنَّ الرسلَ الذين سبق ذكرُهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ قد فضَّل بعضَهم على بعضٍ، وخصَّ مَنْ شاء منهم بما شاء من التفضيل؛ فمنهم مَنْ كلَّمه اللهُ؛ كموسى ومحمد -صلى الله عليهما وسلم-، ومنهم مَنْ رَفعه الله درجاتٍ؛ كإبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-، وذلك قوله تعالى: ﴿مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾، وقوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، لا يُعارضه قولُه ﷺ : ((لا تفضلوا بين أنبياء الله)) (١)، وقولُه: ((لا تخيروني على موسى)) (٢)، أي: لا تفضلوني، وأَحسن ما قيل في الجمع: أَنَّ النهيَ عن التفضيل ما يكون على وجه التعصُّب للمفضَّل، أو على وجه الازدراء للمُفضَّل عليه، وذُكر في الجمع وجوهٌ أُخرى (٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾: أَي: الحججِ الواضحاتِ، ويدخل فيها إِيتاءَ الإنجيل وما ذكر من خَلْقِ الطيرِ وإِبراءِ الأَكمه والأَبرصِ وإِخراجِ الموتى، وكلُّ ذلك بعلم الله.
وقولُه: (أَيَّده): أَي: قوَّاه، ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: جبريل، وقيل: هو العلمُ الذي أَوحاه اللهُ إلى عيسى؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، والقولُ الأَولُ أَشهرُ (٤)، وأخبر أنه آتى عيسى ابن مريم البينات
стр. 557
وأَيَّده بروح القدس؛ وهو جبريل ﵇؛ فقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، وفضَّل سبحانه عيسى بن مريم بما آتاه من البينات، وأَيَّده بروح القدس؛ وهو جبريل ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: يعني تعالى: أَنَّ الذين اقتتلوا من بعد ما جاءتهم الرسلُ بالبينات أَنَّ اقتتالهم بمشيئة الله وتقديره، ولو شاء اللهُ ما اقتتلوا، وسببُ ذلك أنهم اختلفوا، فمنهم مَنْ آمن ومنهم مَنْ كفر، وهو ما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ﴾، ثم أَكَّد تعالى أَنَّ الاقتتالَ بين المؤمنين والكفار كان بإرادته؛ أَي: الإرادة الكونية، ولو شاء اللهُ أَنْ لا يقتتلوا ما اقتتلوا، ﴿وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (٢٥٣)﴾، فلا رادَّ لقضائه، ولا مُعقِّبَ لحكمه، وله الحكمةُ البالغةُ فيما يفعل ويريد.
﴿تِلْكَ﴾ مبتدأٌ ﴿الرُّسُلُ﴾ صفةٌ، والخبرُ ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بتخصيصه بمنقَبةٍ ليست لغيره ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ كموسى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ أَي: محمدًا ﴿دَرَجَاتٍ﴾ على غيره؛ بعمومِ الدَّعوة، وختمِ النبوَّة به، وتفضيل أُمَّته على سائر الأُمم، والمعجزاتِ المتكاثرةِ، والخصائص العديدة ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قوَّيناه ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل، يسير معه حيث سار.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هُدى الناسِ جميعًا ﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد الرُّسل؛ أي: أُممهم ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ لاختلافهم وتضليلِ بعضِهم بعضًا ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ لمشيئته ذلك ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ ثبت على إيمانه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ كالنصارى بعد المسيح ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 558
مَا اقْتَتَلُوا﴾ تأكيد ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من توفيق مَنْ شاء وخذلان مَنْ شاء.
وقولُ المؤلِّف: (بتخصيصه … ) إلى آخره: يعني: أَنَّ التفضيلَ لبعضهم يكون بإِعطاء فضيلةٍ لم يُعطَ غيرُه مثلها؛ كتكليم اللهِ لموسى، وخلقِ آدم بيديه.
وقولُه: (أَي: محمدًا): رفع الدرجات لا يختصُّ بمحمَّدٍ ﷺ فقد جاء في القرآن ذِكرُ رفعِ الدَّرجات لإبراهيمَ ويوسفَ وإدريسَ ﵈، لكنَّ محمدًا أَرفعُهم درجات.
وقولُه: (على غيره … ) إلى آخره: يريد: أَنَّ محمَّدًا ﷺ فُضِّل على غيره من الأنبياء والرُّسلِ بفضائلَ كثيرةٍ، منها ما ذكره المؤلِّفُ.
وقولُه: (يسير معه حيث سار): هذا تفسيرٌ للتأييد، وهذا التفسيرُ يحتاج إلى دليلٍ، فيكفي قولُه: (قوَّيناه).
وقولُه: (أَي: أُممهم): تفسيرٌ للاسم الموصول في قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.
وقولُه: (لاختلافهم … ) إلى آخره: بيانٌ لسبب الاقتتال، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾.
وقولُه: (لمشيئته ذلك): بيانُ أَنَّ سببَ الاقتتالِ -وهو: الاختلاف- واقعٌ بمشيئته تعالى. وقولُه: (كالنصارى): تخصيصُ المؤلِّف النصارى بالذكر بمناسبة ذكر عيسى ابن مريم ﵇ في أَوَّل الآية.
وقولُه: (من توفيق مَنْ شاء … ) إلى آخره: بيانُ أَنَّ التوفيقَ والخذلان من أفعاله تعالى، وأَنَّ ذلك بإرادته التي بمعنى المشيئة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].
* * *
стр. 559
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]:
هذا أَمرٌ من الله لعباده المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم من المال ما داموا في هذه الحياةِ التي جُعلت ميدانًا للتسابق في الخيرات، وأَن يُبادروا قبل أَنْ يأتيَ اليومُ الذي لا يخلصُ مِنْ شرِّه بيعٌ؛ وهو ما يكون بالافتداء، ولا فيه خُلَّةٌ يدفع بها الخليلُ عن خليله، وليس فيه شفاعةٌ تُقبَل من الشافع وتنفعُ المشفوع له، وهذا الأمر بالإنفاق مُتصلٌ بما تقدَّم من الأمر بالقتال في سبيل الله [آية: ٢٤٤]، ومؤكِّدٌ للترغيب في إقراض الله قرضًا حسنًا﴾ [آية: ٢٤٥].
وقولُه تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٥٤)﴾: بيانٌ لأَخسر الناس في ذلك اليوم، فلا يُنجيهم من عذاب الله فديةٌ ولا شفاعةٌ ولا مودَّةٌ، كما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاع (١٨)﴾ [غافر: ١٨].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ زكاتَه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعَ﴾ فداءٌ ﴿فِيهِ وَلَا خُلَّةَ﴾ صداقةٌ تنفع ﴿وَلَا شَفَاعَةَ﴾ بغير إذنه، وهو يومُ القيامة. وفي قراءةٍ: برفع الثلاثة. ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ بالله، أَوْ بما فرضَ عليهم ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لوضعهم أَمرَ الله في غير محلِّه.
وقولُ المؤلِّف: (زكاتَه): هذا يقتضي قصرَ مقصود الآية على الزكاة، وليس بظاهرٍ؛ فإِنَّ الآيةَ عامَّةٌ ومُطلقَةٌ، فيدخل فيها جميعُ النفقات الواجبة والمستحبة.
وقولُه: (فداءٌ): فسَّر البيعَ المنفيَّ بالفداء؛ لأَنَّ المتوعَّد بالعقاب يريد أَنْ يشتري نفسَه بمالٍ يدفعه؛ اسمه: الفداءُ أَوْ الفديةُ.
стр. 560
وقولُه: (صداقةٌ تنفع): فسَّر الخُلَّةَ بالصداقة، والصداقةُ تتضمَّن المحبةَ، وإذا كَمُلت صارت خُلَّةً، وقيَّدها بالتي تنفعُ؛ لأَنَّ المقصودَ في ذلك اليوم هو النفع؛ وهو: التخليصُ من العذاب.
وقولُه: (بغير إذنه): بيانٌ للشفاعة المنفيَّة؛ لأَنَّ الشفاعةَ المثبتةَ هي التي تكون بإذن الله ورضاه. وقولُه: (وفي قراءةٍ … ) إلى آخره: بيانُ أَنَّ في الكلمات الثلاث: ﴿بيعٌ﴾، و ﴿خُلَّةٌ﴾، و ﴿شفاعةٌ﴾؛ قراءتين، إِحداهما بنصب الثلاث؛ وهي: التي مشى عليها المؤلِّف، والثانيةُ: برفع الكلماتِ الثلاث؛ وهي قراءةُ الجمهور (١).
وقولُه: (أو بما فرض عليهم): أَي: بما فرض عليهم الإيمان به؛ كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل.
وقولُه: (لوضعهم أَمرَ الله … ) إلى آخره: هذا راجعٌ إلى أَصل معنى الظلم؛ وهو وضعُ الشيءِ في غير موضعه، فالكفارُ المشركون عبدوا مع الله غيرَه، فوضعوا العبادةَ في غير موضعِها.
* * *
стр. 561
وقوله تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]:
هذه الآيةُ أَعظمُ آيةٍ في كتاب الله، وتُسمَّى: آيةَ الكرسي؛ لذكرِ كرسيِّ الربِّ فيها، وقد افتُتحت بكلمة التوحيد: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾، وبذكرِ اسمين جامعين من أَسماء اللهِ الحسنى؛ وهما: الحيُّ القيوم؛ فاسمُه الحيُّ يرجع إليه جميعُ الصفات الذاتية، واسمُه القيُّومُ ترجعُ إليه جميعُ الصفات الفعلية (١).
وقولُه تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: تنزيهٌ لله عن السِنَةِ والنوم، وفيه تأكيدٌ لكمال حياتِه وقيُّوميَّته، والسِّنَةُ: مبدأُ النوم (٢)، والنومُ أَخو الموت، واللهُ حيٌّ لا يموت.
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾: اللام: للملك؛ فالمعنى: أنه مالكُ السماوات والأرض ومدبِّرُهما.
وقولُه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾: ﴿مَنْ﴾: اسمُ استفهامٍ إنكاري، يدلُّ على النفي؛ فالمعنى: لا أَحد يشفع عنده إِلَّا بإذنه، وهذا يدلُّ على كمال مُلكِه، والإذنُ: كونيٌّ شرعيٌّ؛ فيكون المعنى: إِلَّا بمشيئته ورضاه.
وقولُه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: إِخبارٌ لكمال علمه سبحانه، وإحاطته بما تقدَّم وما تأَخَّر. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما قبله. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما بعده.
وقولُه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾: إِخبارٌ عن قصور علمِ العبادِ، وأَنهم لا يعلمون إِلَّا ما علَّمهم.
стр. 562
وقولُه: ﴿بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾: أَي: بشيءٍ مما يعلمه سبحانه، فيكون العلمُ بمعنى: المعلوم، والمصدرُ مُضافٌ إلى فاعله، وقيل: بشيءٍ من علم ذاتِه وأَسمائه وصفاتِه (١)، والضميرُ المجرورُ على التقديرين راجعٌ إلى الله، وهذا النفيُ يتضمَّنُ إِثباتَ كمال عظمته. وقولُه: ﴿إِلاَّ بِمَا شَاء﴾: أَي: إِلَّا بالذي شاءَه من المعلومات، أَوْ إِلَّا بمشيئته، فـ «ما» على الأَول موصولةٌ، وعلى الثاني مصدريةٌ.
وقولُه تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾: معناه: أَنَّ كرسيه تعالى أَوسعُ من السماوات والأرض، وقد وسعها، وقد جاء في الأثر: ((ما السماواتُ السَّبعُ في الكرسي إلَّا كدراهمَ سبعةٍ أُلقيت في ترس)) (٢).
وقد اختلف العلماءُ في المراد بالكرسي؛ فقيل: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾: علمُه، روي عن ابن عباس (٣)، وفي ثبوته عنه نظرٌ، ولعلَّه لا يصحُّ، وذلك لأمرين:
стр. 563
الأول: أَنه لا يُعرف في اللغة إطلاقُ اسمِ الكرسي على العلم (١).
الثاني: أَنه خلافُ ما صحَّ؛ من أَنَّ المرادَ بالكرسي موضعُ القدمين (٢)،
стр. 564
وهو القولُ المعتمدُ عند جمهور أهلِ السنَّةِ (١).
وقيل: الكرسيُّ: العرش.
وقيل: إنه غيره، وهو موضعُ قدمي الربِّ تعالى، وروي هذا عن ابن عباسٍ أَيضًا كما تقدَّم، وله شواهدُ، وهو المشهورُ عند أهل السنَّةِ (٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: الأَوَدُ: المشقةُ (٣)؛ فالمعنى: لا يشقُّ عليه حفظهما، ولا يُثقله، ونفي الأَوَدِ عنه يدلُّ على كمال قوَّته .
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٢٥٥)﴾: خُتمت هذه الآيةُ بذكر هذين الاسمين؛ وهما: العليُّ العظيمُ، كما افتتُحت بذكر اسمين من أَسماء الله الحسنى؛ وهما: الحي القيوم، فتضمَّنت الآيةُ أَربعةً من أَسماء الله الحسنى عدا الاسم الجامع الله.
وفيها إِثباتُ كمال ملكه؛ لقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، ومن كمال مُلكِه أَلَّا يشفع أَحدٌ إِلَّا بإذنه.
стр. 565
وفيها: إثباتُ إِحاطةِ علمه بكلِّ ما تقدَّم وكلِّ ما تأَخَّر، وأَنَّ العبادَ ﴿لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾، فلا يعلمون إِلَّا ما علَّمَه.
وفيها: إِثباتُ عُلوِّه وعظمتِه وكمالِ قوَّتِه وسعةِ مُلكِه.
ولِمَا اشتملت عليه من أَسماء الله الحسنى وصفاته العلى كانت أَعظمَ آيةٍ في كتاب الله.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ﴾ أَي: لا معبودَ بحقٍّ في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ الدائمُ البقاء ﴿الْقَيُّومُ﴾ المبالغُ في القيام بتدبير خلقه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ نعاسٌ ﴿وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ أَي: لا أحد ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ له فيها ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أَي: الخلق ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أَي: من أَمر الدنيا والآخرة ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ لا يعلمون شيئًا من معلوماته ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أَنْ يُعلمهم به منها بإِخبار الرُّسلِ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قيل: أَحاط علمُه بهما. وقيل: مُلكه. وقيل: الكرسيُّ بعينه مُشتملٌ عليهما لعظمته، لحديث ((ما السماواتُ السبعُ في الكرسي إِلَّا كدراهمَ سبعةٍ أُلقيت في ترس)).
﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ يُثقلُه ﴿حِفْظُهُمَا﴾ أَي: السماوات والأرض ﴿وَهْوَ الْعَلِيُّ﴾ فوقَ خلقِه بالقهر ﴿الْعَظِيمُ﴾ الكبيرُ.
وقولُ المؤلِّف: (الدائمُ البقاء): تفسيرٌ للحياة بلازمها؛ لأَنه الحيُّ الذي لا يموت، والحياةُ من لوازم ذاته أزلًا وأبدًا.
وقولُه: (المبالغ … ) إلى آخره: لأَنَّ «قيوم» و «قيام» صيغةُ مبالغةٍ تدلُّ على كمال قيامِه بنفسه تعالى، وكمالِ قيامه على خلقه بالتدبير.