وقوله تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]:
هذه الآيةُ أَعظمُ آيةٍ في كتاب الله، وتُسمَّى: آيةَ الكرسي؛ لذكرِ كرسيِّ الربِّ فيها، وقد افتُتحت بكلمة التوحيد: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾، وبذكرِ اسمين جامعين من أَسماء اللهِ الحسنى؛ وهما: الحيُّ القيوم؛ فاسمُه الحيُّ يرجع إليه جميعُ الصفات الذاتية، واسمُه القيُّومُ ترجعُ إليه جميعُ الصفات الفعلية (١).
وقولُه تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: تنزيهٌ لله عن السِنَةِ والنوم، وفيه تأكيدٌ لكمال حياتِه وقيُّوميَّته، والسِّنَةُ: مبدأُ النوم (٢)، والنومُ أَخو الموت، واللهُ حيٌّ لا يموت.
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾: اللام: للملك؛ فالمعنى: أنه مالكُ السماوات والأرض ومدبِّرُهما.
وقولُه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾: ﴿مَنْ﴾: اسمُ استفهامٍ إنكاري، يدلُّ على النفي؛ فالمعنى: لا أَحد يشفع عنده إِلَّا بإذنه، وهذا يدلُّ على كمال مُلكِه، والإذنُ: كونيٌّ شرعيٌّ؛ فيكون المعنى: إِلَّا بمشيئته ورضاه.
وقولُه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: إِخبارٌ لكمال علمه سبحانه، وإحاطته بما تقدَّم وما تأَخَّر. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما قبله. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما بعده.
وقولُه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾: إِخبارٌ عن قصور علمِ العبادِ، وأَنهم لا يعلمون إِلَّا ما علَّمهم.
стр. 562
وقولُه: ﴿بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾: أَي: بشيءٍ مما يعلمه سبحانه، فيكون العلمُ بمعنى: المعلوم، والمصدرُ مُضافٌ إلى فاعله، وقيل: بشيءٍ من علم ذاتِه وأَسمائه وصفاتِه (١)، والضميرُ المجرورُ على التقديرين راجعٌ إلى الله، وهذا النفيُ يتضمَّنُ إِثباتَ كمال عظمته. وقولُه: ﴿إِلاَّ بِمَا شَاء﴾: أَي: إِلَّا بالذي شاءَه من المعلومات، أَوْ إِلَّا بمشيئته، فـ «ما» على الأَول موصولةٌ، وعلى الثاني مصدريةٌ.
وقولُه تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾: معناه: أَنَّ كرسيه تعالى أَوسعُ من السماوات والأرض، وقد وسعها، وقد جاء في الأثر: ((ما السماواتُ السَّبعُ في الكرسي إلَّا كدراهمَ سبعةٍ أُلقيت في ترس)) (٢).
وقد اختلف العلماءُ في المراد بالكرسي؛ فقيل: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾: علمُه، روي عن ابن عباس (٣)، وفي ثبوته عنه نظرٌ، ولعلَّه لا يصحُّ، وذلك لأمرين:
стр. 563
الأول: أَنه لا يُعرف في اللغة إطلاقُ اسمِ الكرسي على العلم (١).
الثاني: أَنه خلافُ ما صحَّ؛ من أَنَّ المرادَ بالكرسي موضعُ القدمين (٢)،
стр. 564
وهو القولُ المعتمدُ عند جمهور أهلِ السنَّةِ (١).
وقيل: الكرسيُّ: العرش.
وقيل: إنه غيره، وهو موضعُ قدمي الربِّ تعالى، وروي هذا عن ابن عباسٍ أَيضًا كما تقدَّم، وله شواهدُ، وهو المشهورُ عند أهل السنَّةِ (٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: الأَوَدُ: المشقةُ (٣)؛ فالمعنى: لا يشقُّ عليه حفظهما، ولا يُثقله، ونفي الأَوَدِ عنه يدلُّ على كمال قوَّته .
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٢٥٥)﴾: خُتمت هذه الآيةُ بذكر هذين الاسمين؛ وهما: العليُّ العظيمُ، كما افتتُحت بذكر اسمين من أَسماء الله الحسنى؛ وهما: الحي القيوم، فتضمَّنت الآيةُ أَربعةً من أَسماء الله الحسنى عدا الاسم الجامع الله.
وفيها إِثباتُ كمال ملكه؛ لقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، ومن كمال مُلكِه أَلَّا يشفع أَحدٌ إِلَّا بإذنه.
стр. 565
وفيها: إثباتُ إِحاطةِ علمه بكلِّ ما تقدَّم وكلِّ ما تأَخَّر، وأَنَّ العبادَ ﴿لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾، فلا يعلمون إِلَّا ما علَّمَه.
وفيها: إِثباتُ عُلوِّه وعظمتِه وكمالِ قوَّتِه وسعةِ مُلكِه.
ولِمَا اشتملت عليه من أَسماء الله الحسنى وصفاته العلى كانت أَعظمَ آيةٍ في كتاب الله.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ﴾ أَي: لا معبودَ بحقٍّ في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ الدائمُ البقاء ﴿الْقَيُّومُ﴾ المبالغُ في القيام بتدبير خلقه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ نعاسٌ ﴿وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ أَي: لا أحد ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ له فيها ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أَي: الخلق ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أَي: من أَمر الدنيا والآخرة ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ لا يعلمون شيئًا من معلوماته ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أَنْ يُعلمهم به منها بإِخبار الرُّسلِ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قيل: أَحاط علمُه بهما. وقيل: مُلكه. وقيل: الكرسيُّ بعينه مُشتملٌ عليهما لعظمته، لحديث ((ما السماواتُ السبعُ في الكرسي إِلَّا كدراهمَ سبعةٍ أُلقيت في ترس)).
﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ يُثقلُه ﴿حِفْظُهُمَا﴾ أَي: السماوات والأرض ﴿وَهْوَ الْعَلِيُّ﴾ فوقَ خلقِه بالقهر ﴿الْعَظِيمُ﴾ الكبيرُ.
وقولُ المؤلِّف: (الدائمُ البقاء): تفسيرٌ للحياة بلازمها؛ لأَنه الحيُّ الذي لا يموت، والحياةُ من لوازم ذاته أزلًا وأبدًا.
وقولُه: (المبالغ … ) إلى آخره: لأَنَّ «قيوم» و «قيام» صيغةُ مبالغةٍ تدلُّ على كمال قيامِه بنفسه تعالى، وكمالِ قيامه على خلقه بالتدبير.
стр. 566
وقولُه: (ملكًا … ) إلى آخره: يُبينُ أَنَّ اللام للملك، فتدلُّ الجملةُ على أَنَّ ما في السماوات وما في الأرض من العوالم ملكُه وعبيدُه؛ لأَنَّه خالقهم ومدبِّرهم.
وقولُه: (أَي: لا أَحد): يُبينُ أَنَّ الاستفهامَ للإنكار، وهو يدلُّ على النفي.
وقولُه: (له فيها): المعنى: إِلَّا بإذنه للشافع في الشفاعة.
وقولُه: (من أَمر الدنيا والآخرة): يقتضي أَنَّه فسَّر ما بين أَيديهم من أمر الدنيا، وما خلفهم من أَمر الآخرة.
وقولُه: (لا يعلمون … ) إلى آخره: المعنى: لا يعلمون شيئًا مما يعلمه تعالى في الماضي والحاضر والمستقبل.
وقولُه: (أن يُعلمهم … ) إلى آخره: يقتضي أَنَّه جعل «ما» بمعنى الذي.
وقولُه: (قيل: أَحاط علمُه بهما … ) إلى آخره: فالمرادُ بالكرسيِّ ثلاثةُ أقوالٍ:
قيلَ: علمُهُ تعالى.
وقيلَ: هو العرشُ.
وقيلَ: أنَّه مخلوقٌ عظيمٌ غيرُ العرشِ وهو موضعُ القدمَين، على ما جاءَ عن ابنِ عبَّاس.
وقد أشارَ المصنِّفُ إلى القولِ الأوَّلِ والثالثِ، والراجحُ هو القولُ الثالثُ. واللهُ أعلمُ.
وقولُه (بالقهر): هذا التقييدُ لا وجهَ له، بل هو تعالى العليُّ على كلِّ شيءٍ ذاتًا وقدرًا وقهرًا، فله العلوُّ بكلِّ أنواعِه ، والذين يُقيِّدونَ علوَّه تعالى بالقدر أو القهر يفرُّون من إثباتِ علوِّ الذات؛ لأنَّ مذهبَهم نفيُ علوِّه تعالى بذاتِه فوقَ خلقِه، وهو مذهبٌ باطلٌ من أقوال المعطِّلةِ من الجهميَّة والمعتزلة ومَن
стр. 567
تَبعَهم. ومذهبُ سلفِ الأمَّةِ وأَئمتِها: أنَّه تعالى بذاتِه فوق سماواتِه على عرشه، كما دلَّت على ذلك النصوصُ من الكتاب والسُّنَّة (١).
والمؤلِّفُ -عفا اللهُ عنه- مشى على مذهبِ النفاةِ فلا يُغتَرُّ بهِ، واللهُ أعلمُ.
وقولُه: (الكبيرُ): تفسيرٌ للعظيم بالكبير، وهو تفسيرٌ صحيحٌ، ويؤيدُه أَنَّ اللهَ قَرن بين العليِّ والكبيرِ في آياتٍ، كما قَرن بين العليِّ والعظيمِ.
* * *
стр. 568
وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]:
هذا نفيٌ معناه: النهيُ عن الإكراه على الدخول في الإسلام؛ فالمعنى: لا تُكرهوا أَحدًا من أَجل أَنْ يُسلِمَ، ويحتملُ أَنْ يكون على ظاهره، فالجملةُ خبريةٌ، وعليه؛ فالمعنى: ليس في الدِّين إكراهٌ؛ أي: ليس الإكراه على الدخول في الإسلام مشروعًا، وهذا حقٌ، ولا يُرَدُّ على هذا الأَمر بقتال الكفار؛ فإِنَّ القتالَ له أسبابٌ متعددةٌ وغاياتٌ مختلفةٌ؛ فالسببُ الأَول هو: الكفرُ، والسببُ الثاني: العدوانُ الواقعُ، أو العدوانُ المتوقَّعُ، ومَن أَظهر الإسلامَ وجب الكفُّ عنه، ومَن جنح إلى المصالحة وأُمِنَت خيانتُه وَجبت إِجابتُه إِلَّا أَنْ يَظهر ما يدلُّ على قصد الخديعة والخيانة، وقتالُ الكفارِ ليس فيه حقيقةُ الإِكراه، فإِنَّ حقيقةَ الإكراهِ أَنْ يوقف الشخص فيُقال له: أَسلم وإِلَّا قتلناك، وهذا لم يفعله أَحدٌ من المسلمين في شيءٍ من غزواتهم، إِلَّا المرتد؛ فإنَّه يُجبرُ على التوبة؛ فيُقال له: تُبْ وإِلَّا قتلناك، فإِنَّ عقوبةَ المرتدِّ القتلُ، والمسلمون إذا فتحوا البلادَ صُلحًا فإنهم يُقرُّون أَهلها فيها ولا يُكرهون أَحدًا منهم على الإسلام، لكنهم يدعونهم إلى الإسلام، وإذا فتحوا البلادَ عَنوةً؛ كانت أَرضُهم وديارُهم غنيمةً للمسلمين، والنساءُ والذريةُ يكونون رقيقًا عند المسلمين، ولا يُكرَهُ أَحدٌ منهم على الإسلام، والرِّجالُ المقاتلة أَسرى، يُخيَّرُ الإمامُ فيهم بين الاسترقاقِ والقتلِ والمنِّ والمفاداةِ، ومَن أَسلم منهم وَجب إِطلاقُه وعُصِمَ دمُه ومالُه، ويشهد لما دلَّت عليه هذه الآيةُ من نفي الإكراه في الدِّين والنهي عنه قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩]، فعُلم من الآيتين أَنَّ الإكراهَ على الدخول في الإسلام ليس مشروعًا لا في أَوِّل الإسلامِ ولا في آخره، إِلَّا مَنْ ثبتت رِدَّتُه بأَن
стр. 569
كفر بعد الإيمان؛ فإنَّه يُستتابُ، فإن تاب وإِلَّا قُتل؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلوه)) (١).
فعُلم مما تقدَّم أَنَّ الآيةَ محكمةٌ عامَّةٌ وإن نزلت على سببٍ، فإِنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأَكثرُ العلماء من المفسرين وغيرهم يرون أَنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بآية السيف (٢)؛ وهي آياتُ الأَمر بقتال الكفار من أَهل الكتاب والمشركين، وهذا يقتضي أنهم يَعدُّون القتالَ إِكراهًا، وهذا لا يستقيمُ في قتال أهل الكتاب، وهم يُخيَّرون بين الإسلام وإِعطاءِ الجزيةِ وهذا بالإجماع (٣)، وكذا قتالُ غيرِهم؛ لا يُعَدُّ إِكراهًا -على القول بأَخذ الجزية من غير أَهل الكتاب- فإنَّه لا يجتمعُ الإِكراهُ مع التخيير.
وقولُه تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: أَي: قد تميَّزَ سبيلُ الرُّشد عن سبيل الغيِّ، والرُّشدُ: هو العلمُ بالحقِّ واتباعِه، والغيُّ ضِدُّه؛ وهو: الجهلُ بالحقِّ واتباعُ الباطل، فتميَّز الحقُّ من الباطل والهدى من الضَّلال، وهذا التميز إنما حصل بتبيين الله وتبيين رسوله بالآيات الكونية والآيات القرآنية وبالأحاديث النبوية، قال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُون (١٢٦)﴾ [الأنعام: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤].
وقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ﴾: أَي: يجحدُ عبادةَ كلِّ ما يُعبَدُ من دون الله، ويؤمنُ بالله ربًّا وإلهًا، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله، فما فيها من النفي هو معنى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾، وما فيها من الإثبات هو معنى: ﴿وَيُؤْمِن بِاللّهِ﴾؛ ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾؛ وهي: لا
стр. 570
إله إلا الله، وسمَّاها عروةً؛ للتنبيه على التمسُّك بها، و ﴿اسْتَمْسَكَ﴾ بمعنى: تمسَّك، والسينُ والتاءُ للدلالة على قوَّة التمسُّك (١)، وفي الجملة تشبيهٌ تمثيليٌّ، شبَّه المقيمَ على الدِّين والتوحيد بالمتمسِّك بأقوى حلقةٍ من الحبل.
و «وثقى»: صيغةُ تفضيلٍ مؤنَّث، أَوثقُ من وثق بالشيءِ إذا سكن إليه واعتمد عليه.
وقوله: ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾: هذا وعدٌ من الله بأَنَّ كلمةَ التوحيد لا تنفصمُ؛ أي: لا تنقطعُ من مكانها، فدلَّ على وجوب التمسُّك بـ «لا إله إلا الله»، فمَن تمسَّك بها نجا، ومَن تركها هوى وهلك، والجملة قيل: حالية، وقيل: مُستأنفة لتأكيد ما دلَّ عليه معنى الوثقى (٢).
وقولُه: ﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾: أَي: سميعٌ لأَقوال العباد، عليمٌ بأَحوالهم وأَعمالهم الظاهرةِ والباطنة، وفي ذكر هذين الاسمين وعدٌ ووعيدٌ؛ وعدٌ لمن كفرَ بالطاغوت وآمن بالله فكان من أَولياء الله، ووعيدٌ لمن كفرَ بالله وعَبَدَ الطاغوت.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ على الدخول فيه ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أَي: ظهر بالآيات البينات أَنَّ الإيمانَ رُشدٌ والكفرَ غَيٌّ.
نزلت فيمَن كان له من الأنصار أَولادٌ أراد أَنْ يُكرههم على الإسلام ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ الشيطانِ أَوْ الأَصنام، وهو يُطلَقُ على المفرد والجمع ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ تمسَّك ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ بالعقدِ المحكم ﴿لَا انْفِصَامَ﴾ انقطاعَ ﴿لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِمَا يُقال ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُفعَل.
стр. 571
وقولُ المؤلِّف: (على الدخول فيه): يُفيد أَنَّ المرادَ بالآية: أَنَّ الكافرَ الأَصليَّ لا يُكرَه على الدخول في الإسلام.
وقولُه: (ظهر بالآيات البينات … ) إلى آخره: يُفيد أَنَّ تميزَ الرُّشدِ من الغيِّ كان بالآيات البينات، وأَنَّ الرُّشدَ في الإيمان بالله، وأَنَّ الغيَّ ضِدُّه.
وقولُه: (نزلت … ) إلى آخره: إِشارةٌ إلى سبب نزول الآية (١).
وقولُه: (الشيطان … ) إلى آخره: تفسيرٌ للطاغوت بأمرين: الشيطانُ والأَصنامُ (٢)، يشهد للأول قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦]، ويشهد للثاني قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقولُه: (بالعقدِ المحكمِ): يريد بالعقدِ المحكمِ: الاعتقاد الحق.
* * *
стр. 572
وقوله تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]:
يُخبر تعالى أَنه وليُّ الذين آمنوا بالله ورسله، وعبدوه وحدَه، وكفروا بالطاغوت، فهو سبحانه يتولَّاهم بالنصر والتأييد والهداية، ومِن ولايته لهم: أَنه يُخرجُهم من الظلمات؛ ظلماتِ الجهلِ والغفلةِ والكفرِ والشركِ، ويوصلُهم إلى نور العلمِ والإيمانِ، ويُخبر تعالى أَنَّ الذين كفروا بالله ورسله أَولياؤهم الطواغيت؛ وهم شياطينُ الإنسِ والجنِّ، ومَن يتولونَه يُضلونَه ويهدونَه إلى عذاب السعير؛ لأنهم يخرجون أَولياءهم من نور العلم والإيمان، ويوصلونهم إلى ظلمات الجهل والكفر والغفلة، فصارت عاقبتهم الخلودُ في النار كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (٢٥٧)﴾.
وعُلم من الآية: أَنَّ الناسَ فريقان؛ مؤمنون هم أَولياءُ الله، واللهُ وليهم، لا وليَّ لهم غيره؛ لأنه إلههُم ومَعبودهُم وحده لا يُشركون به شيئًا، وفريقٌ كافرون؛ وهم أَحزابٌ، كلُّ حزبٍ له وليٌّ يتَّبعونه، ومعبودٌ يعبدونه من دون الله، قال تعالى: ﴿ … وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، فإِن قيل: لم يذكر اللهُ عاقبةَ الذين آمنوا كما ذكر عاقبة الذين كفروا؟ قيل: عاقبتُهم معلومةٌ من ابتداء الكلام، من أَوِّل جملةٍ، وهي قولُه تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، ففي هذه الولاية كلُّ خيرٍ وفلاحٍ وسعادةٍ في الدنيا والآخرة.
﴿اللَّهُ وَلِيُّ﴾ ناصرُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفرِ ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإِيمانِ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ
стр. 573
إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ذكر الإخراج إِمَّا في مقابلة قوله: «يخرجهم من الظلمات»، أَوْ فيمَن آمن بالنبي قبل بعثه من اليهود ثم كفر به ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (ناصرُ): تفسيرًا للولي فيه قصورٌ؛ فإِنَّ الوليَّ أَعمُّ من الناصر والنصير؛ فإِنَّ الوليَّ يجلبُ لمتولِّيه ما ينفعُه، ويدفع عنه ما يضرُّه، وأَمَّا النصيرُ: فهو أَخصُّ بالدفع؛ كالنصر على العدو، فكلُّ ولي نصيرٌ، وليس كلُّ نصيرٍ وليًا (١)، واللهُ وليُّ المؤمنين وناصرُهم، نِعمَ المولى ونِعمَ النصير.
وقولُه: (الكفرِ): تفسيرُ الظلمات بالكفر فيه قصورٌ أيضًا؛ فإِنَّ الظلمات أنواعٌ؛ أَعظمُها الكفر، ومنها ظُلمةُ الجهلِ وظلمةُ الغفلةِ وغير ذلك.
وقولُه: (الإيمانِ): تفسيرُ النور بالإيمان حقٌّ، ولكنَّ النورَ يدخل فيه نورُ العلمِ ونورُ الطاعةِ، والنورُ واحدٌ، ولهذا أُفردَ وجُمعِت الظُّلمات (٢).
وقولُه: (ذكر الإخراج … ) إلى آخره: يُجيب بذلك عن إِشكالٍ؛ وهو: هل كان الكفارُ في نور؟ وقد أَجاب المؤلِّفُ بأَنَّ ذكرَ الإخراجِ من الظلمات إلى النور جاء في مُقابل إِخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور، وعلى هذا فلا إخراج أصلًا. أَوْ المرادُ: مَنْ كان على شريعة موسى وعيسى قبل مَبعث النبي ﷺ ، فلما بُعث كفروا به، فأَخرجهم الشيطانُ من نور العلمِ والإيمانِ بأنبيائهم وكتبهم إلى ظُلماتِ الكفر بمحمد ﷺ ، وهناك وجه ثالث، وهو أن المراد إخراجهم من نور الفطرة التي ولدوا عليها إلى ظلمات الكفر
стр. 574
التي فيها الأبوان، وهو معنى قوله ﷺ : ((فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه)) (١)(٢).
* * *
стр. 575
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨]:
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الاستفهامُ للتقرير والتعجيب؛ المعنى: ألم ينتهِ علمُك إلى خبر الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه؛ أَي: الكافرُ الذي كفر بربِّ إبراهيم وصار يُجادله فيه بسبب غروره حين آتاه اللهُ الملكَ، وبلغ من غروره أَنْ ادَّعى الربوبيةَ وصار يجادلُ نبيَّ اللهِ إبراهيمَ في ربِّه، وكأَنَّه يقول لإبراهيم: ماذا فعل ربُّك؟ فاحتجَّ إبراهيمُ على الكافر بأنه الذي يُحيي ويُميت، وذكر المفسرون بأَنَّ الكافرَ قال في بيان حُجَّته: آتي باثنين قد استحقَّا القتلَ؛ فأقتلُ أَحدَهما وأُبقي الآخرَ (١)، فانتقل إبراهيمُ ﵇ إلى حُجَّةٍ لا يستطيع الكافرُ أَنْ يموِّه بدعوى مثلها؛ قال إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، فبُهتَ الكافرُ ولم يجد جوابًا، وانقطعت حُجَّته، فبذلك حجَّ إبراهيمُ ﵇ الكافرَ وغلبَه بالحجَّة. وقولُه: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين (٢٥٨)﴾: أَي: لا يُوفِّق للإيمان القومَ الظالمين؛ عقوبةً على ظلمهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ جادلَ ﴿إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ لـ ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أَي: حمله بطرُه بنعمة الله على ذلك وهو نمروذ ﴿إِذْ﴾ بدل من «حاج» ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ لَمَّا قال له: «مَنْ ربُّك الذي تدعونا إليه»؟ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أَي: يخلق الحياةَ والموتَ في الأَجساد. ﴿قَالَ﴾ هو
стр. 576
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ بالقتل والعفو عنه. ودعا برجلين فقتل أَحدَهما وترك الآخر. فلما رآه غبيًّا ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ منتقلًا إلى حجَّةٍ أَوضحَ منها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا﴾ أنت ﴿مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ تحيَّر ودهشَ ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ بالكفر إلى محجة الاحتجاج.
وقولُ المؤلِّف: (لـ ﴿أَنْ … ﴾) إلى آخره: يُبيّنُ أَنَّ ﴿إِذْ﴾ للتعليل، ليست ظرفًا؛ فالمعنى: أَنَّ هذا الكافرَ الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه حمله على كفره وجِداله إبراهيم في ربِّه ما آتاه اللهُ من الملك؛ فكفرَ واستكبرَ حتى ادَّعى الربوبية، وسمَّاه المؤلِّفُ: (النمروذ) بالذال، ويُروى بالمهملة، ويقال: النمرود، والنمروذ (١).
وقولُه: (بدل من حاج): قال بعضُ الشارحين: إنه بدلُ اشتمال (٢)، والصوابُ: أنه لا يظهر وجهُ البدلية (٣).
стр. 577
وقولُه: (لَمَّا قال له … ) إلى آخره: يُبينُ أَنَّ قولَ إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، جاء جوابًا لقول الكافر لإبراهيم: (مَنْ ربك؟).
وقولُه: (أَي: يخلق الحياةَ والموتَ في الأجساد): تفسيرٌ صحيحٌ يدلُّ له قولُه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢].
وقولُه: (هو): يريد: أَنَّ القائلَ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ هو الكافرُ الذي حاجَّ إِبراهيم.
وقولُه: (بالقتل والعفو عنه … ) إلى آخره: هذا تفسيرُ قول الكافر: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، وهذا ما ذكره جمهورُ المفسرين، وهو من نوع الإسرائيليات.
وقولُه: (فلما رآه غبيًّا): يريد: أَنَّ إبراهيم لَمَّا رأى المخاصمَ غبيًّا؛ أي: جاهلًا لا يفقه؛ قال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾.
وقولُه: (منتقلًا إلى حجَّةٍ أَوضح منها): لأَنَّ الكافرَ قد موَّه بحجة إبراهيم الأُولى، ولكنَّه لا يستطيع في حجة إِبراهيم الثانية أَنْ يموِّه، فلهذا انقطعت حجَّتُه.
وقولُه: (أنت): الخطابُ من إبراهيم للذي حاجَّه، والضميرُ المنفصلُ «أنت» تأكيدٌ للضمير المتصل المستتر في قوله: ﴿فَأْتِ بِهَا﴾.
وقولُه: (تحيَّر ودهشَ): تفسيرٌ لـ ﴿بُهِتَ﴾، وهو يدلُّ على انقطاع حجَّته وعجزِه عن الجواب (١). وقولُه: (بالكفر إلى محجة الاحتجاج): يتضمَّن تفسيرَ الظلمِ بالكفر، وهو صحيحٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ونفيُ الهداية إلى الحجة الصحيحة، وأَنَّ المراد بنفي الهداية؛ أي: إلى الحجة الصحيحةِ في مقام الاحتجاج.
* * *
стр. 578
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٥٩)﴾ [البقرة: ٢٥٩]:
قولُه: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾: ﴿أَوْ﴾: حرفُ عطفٍ يدلُّ على التنويع؛ المعنى: ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ، أَوْ إلى الذي مرَّ على قريةٍ.
والكاف: قيل: إنها زائدة للتأكيد، وعلى هذا فالمعطوفُ هو الموصول، وقيل: إنها بمعنى: مثل، وعلى هذا فهي المعطوف؛ فالتقدير: ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ، أو إلى مثل الذي مرَّ على قريةٍ، وهذا أَصحُّ؛ لأَنَّ الأصلَ في الكاف أنها بمعنى: مثل، فعلى الأَول هي حرفٌ، وعلى الثاني هي اسمٌ (١).
وقولُه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: الجملةُ حالٌ، ومعنى خاوية: خاليةٌ من سكانها، وقيل: متهدِّمةٌ (٢). و ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: سُقُفِهَا (٣)؛ المعنى: قد سقطت حيطانُها على سُقُفِهَا، فقد هلك السكانُ وخَرُبَ البنيانُ.
وقوله: ﴿أَنَّىَ﴾: قي: أَنه اسمُ استفهام بمعنى «كيف» وهو للاستبعاد؛ المعنى: كيف يُحيي اللهُ هذه القرية التي هلك أَهلُها وتهدَّمت، وهذا من جهله أَوْ غفلته عن قدرة الله.
стр. 579
وهذا المارُّ قيل: هو عُزيرٌ، قاله الجمهور (١)، وهو الذي قال اليهود: إِنَّه ابنُ الله، وهو من علماء بني إسرائيل وصالحيهم، وجاء في بعض الروايات الإسرائيلية أَنَّه حفظَ التوراةَ كلَّها عن ظهر قلب.
وقولُه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ﴾: أَي: صيَّره ميتًا وأَبقاه ميتًا مئة عامٍ.
﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾؛ أَي: أحياه.
وقولُه: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: أَي: لم يتغيَّر، وقد مضت عليه مئة عامٍ منذ مات. و ﴿يَتَسَنَّهْ﴾: فعلٌ مضارع من تسَنَى.
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾: القائلُ هو الله، أَوْ ملك بأمر الله، والأَولُ أَظهر (٢)، ودلَّ السياقُ على أَنَّه كان على حمارٍ، فأَماته اللهُ وأَمات الحمارَ حتى عريت عظامُه من اللحم وتفرَّقت، فردَّ اللهُ عظامَه وكساها لحمًا، ولهذا قيل له: ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾، ودليلًا على قدرته تعالى على إحياء الموتى.
وقوله: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾: أَي: نرفع بعضَها فوق بعضٍ، حتى تعودَ كما كانت، وقُرئ: ﴿كَيْفَ نُنْشِرُهَا﴾ بالراء؛ أي: نُحييها (٣).
وقولُه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾: أَي: نُغطِّي العظامَ باللحم لتعودَ كما كانت، ويعودَ الحمارُ كما كان صالحًا للركوب والحمل.
فهذه ثلاثُ آياتٍ:
الأُولى: إِحياءُ الرجل بعد أَنْ كان ميتًا مئة سنة.
стр. 580
الثانيةُ: بقاءُ طعامِه وشرابِه على حالهما هذه المدَّة الطويلة.
الثالثةُ: إِحياءُ الحمار وإِعادتُه إلى ما كان عليه قبل موته.
وقولُه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: قدرةُ الله على إِحياء الموتى. ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٥٩)﴾﴾: أَي: أُقِرُّ بكمال قدرةِ الله، وهذا على قراءة مَنْ قرأه فعلًا مضارعًا مبدوءًا بهمزة القطع، وقُرئَ بهمزة الوصل على أَنَّه فعل أَمر، ﴿قَالَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)، فأَراه اللهُ في نفسه وفي حماره ما دلَّه على قدرته تعالى في كلِّ شيءٍ، وفي ذلك إِبطالٌ لاستبعادِه إِحياء القريةِ التي قال فيها: ﴿أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
﴿أَوْ﴾ رأيت ﴿كَالَّذِي﴾ الكافُ زائدةٌ ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ هي بيتُ المقدس، راكبًا على حمار، ومعه سلَّةُ تينٍ وقدحُ عصيرٍ، وهو عزيرٌ ﴿وَهْيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطةٌ ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفِها لَمَّا خرَّبها بُختنصَّر ﴿قَالَ أَنَّى﴾ كيف ﴿يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ استعظامًا لقدرته تعالى ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ وأَلبثه ﴿مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أَحياه ليُريه كيفيةَ ذلك ﴿قَالَ﴾ تعالى له ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ مكثت هنا؟ ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لأَنه نامَ أَوَّلَ النهارِ، فقُبضَ وأُحيي عند الغروب، فظنَّ أنه يوم النوم.
﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ التين ﴿وَشَرَابِكَ﴾ العصير ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يتغيَّر مع طول الزمان، والهاءُ قيل: أَصلٌ من «سانهتُ»، وقيل: للسكت من «سانيتُ».
وفي قراءةٍ بحذفها ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ كيف هو؟ فرآه ميتًا، وعظامُه بيضٌ تلوحُ، فعلنا ذلك لتعلم ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ على البعث ﴿لِلنَّاسِ وَانْظُرْ
стр. 581
إِلَى الْعِظَامِ﴾ من حمارك ﴿كَيْفَ نُنْشِرُهَا﴾ نُحييها، بضمِّ النون وفتحها، من «أنشر ونشر» لغتان، وفي قراءةٍ بضمِّها، والزاي: نُحرِّكُها ونرفعُها ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ فنظر إليها، وقد تركَّبت وكُسيت لحمًا ونُفخ فيه الروحُ ونهقَ ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ ذلك بالمشاهدة ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ عِلم مشاهدةٍ ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفي قراءةٍ: (اعلمْ)؛ أَمرٌ من الله له.
وقولُ المؤلِّف: (رأيت): المناسبُ في التقدير في مثل هذا السياق أَنْ يُقدَّر المعطوفُ مثل المعطوف عليه، وعلى هذا فالتقديرُ المناسبُ: أَوْ ألم ترَ كالذي مرَّ على قرية، وهذا على أَنَّ الكاف بمعنى: مثل، وعلى القول بأنها «زائدة» فالتقديرُ: أَوْ أَلم ترَ إلى الذي مرَّ على قريةٍ، فيكون الموصولُ في ﴿الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ معطوفًا على الموصول في ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾، واللهُ أَعلم.
وقولُه: (زائدة): هذا خلافُ الأَصل في كاف التشبيه؛ فالأَصلُ أنها بمعنى: مثل، وهو القول الآخر.
وقولُه: (هي بيت المقدس … ) إلى آخره: القريةُ في الآية مُبهمةٌ، وتعيين أَنها بيت المقدس قولُ جمهورِ المفسرين (١)، والمعوَّلُ في هذا على بعض الروايات الإسرائيلية، ومن هذا القبيل تعيينُ جنسِ الطعام والشراب الذي معه، فاللهُ أعلم. وأَمَّا أنه كان راكبًا حمارًا فهذا ظاهرُ القرآن.
وقولُه: (لَمَّا خرَّبها بُختنصَّر): بُختنصَّر؛ هو: ملكُ الفُرسِ الذي سُلِّطَ على بني إسرائيل، وقتلَ منهم وسبى وخرَّب الديار، وقصَّتُه مشهورةٌ عند المفسرين والمؤرخين (٢).
стр. 582
وقولُه: (استعظامًا لقدرته تعالى): هذا يقتضي أَنه جعل الاستفهامَ للتعجُّب للاستبعاد، كما قال زكريا ﵇: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]. وقولُه: (وألبثه): أَي: أَبقاه ميتًا مئةَ عامٍ ثم أَحياه.
وقولُه: (ليُريه كيفيةَ ذلك): في هذا التعليلِ نظرٌ، والمناسبُ لسياق الآية: بعثه؛ ليُعرِّفَه كمالَ قدرتِه.
وقولُه: (تعالى له): يقتضي أَنَّه أَعاد الضميرَ في قال إلى الله، وهذا هو الصوابُ؛ لأَنَّه تعالى هو الذي أَماته وبعثه وقال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾.
وقولُه: (هنا): فالمعنى: كم لبثتَ في هذا المكان الذي أَنت فيه.
وقولُه: (لأَنَّه نام أَوَّل النهار … ) إلى آخره: هذا التقديرُ مبنيٌّ على ظنٍّ أَوْ بعضِ الرواياتِ الإسرائيليةِ، واللهُ أَعلمُ بحقيقة الحال.
وقولُه: (التين … ) إلى آخره: تعيينُ جنسِ الطعام والشراب من المرويَّات الإسرائيليةِ التي لا يُجزَمُ بما دلَّت عليه.
وقولُه: (والهاء … ) إلى آخره: ذُكر فيها قولين: الأَول: أَنها أصلٌ؛ أي: أنها من حروف الفعلِ الأصليةِ، فهي لامُ الفعل، والسكونُ علامةُ الجزم لدخول حرفِ الجزم على الفعل المضارع. والقولُ الثاني: أَنها هاء السكت؛ فتكون زائدةً ليست من حروف الفعل، فعلى القولِ الأَول: «تسنه» من سنه، وعلى الثاني «تسنه»: من سنا، وكلاهما يدلُّ على التغير (١).
وقولُه: (وفي قراءةٍ بحذفها): هذه القراءةُ جارية على أَنَّ الهاءَ للسكت (٢).
стр. 583
وقولُه: (كيف هو … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ المعنى: انظر إِلى حماركَ لتعلمَ حالَه، وأَنه قد مات وعَرِيت عظامُه عن اللحم.
وقولُه: (على البعث): المعنى: لتكون إذ أَحياك اللهُ بعد أَنْ أَماتك مئةَ عامٍ آيةً؛ أي: دليلًا على قدرته تعالى على بعث الأَموات من قبورهم، ولا ريب أَنَّ هذا من أَعظم الأدلةِ على إمكان البعث، ولقد تكرَّرَ هذا النوعُ من أَدلة البعث في سورة البقرة:
وأَول ذلك ما ذُكر في قصة القتيل الذي ضُرب ببعض البقرة فأَحياه اللهُ؛ ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا … ﴾ الآية ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٣].
والثانية: قصةُ بني إسرائيل الذين ماتوا بالصاعقة لَمَّا قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، قال اللهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦].
والثالثة: قصةُ الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذرًا من الموت، فأَماتهم اللهُ ثم أَحياهم.
والرابعة: قصةُ الذي مرَّ على قريةٍ.
وستأتي قصةُ الطيرِ التي ذبحها إبراهيمُ بأمرِ اللهِ ثم أحياها اللهُ، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى … ﴾ إلى آخر الآية (١).
وقولُه: (من حمارك): يدلُّ له قولُه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾.
وقولُه: (نُحييها … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ معنى: نشر، وأَنشر؛ نشرَ الميتَ وأَنشرَه أَحياه؛ فقولُه في الآية: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بضم النون وفتحها؛ يقول: لغتان، وكأَنه يُشيرُ إلى قراءتين في الآية على اللغتين.
стр. 584
وقولُه: (وفي قراءةٍ بضمِّها … ) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنه قُرئَ بضمِّ النون، والزايُ بدلُ الراء من أنشز (١)؛ أي: رفع؛ فالمعنى: ﴿نُنْشِزُهَا﴾؛ أَي: نرفع بعضَها على بعض.
وقولُه: (فنظر إليها … ) إلى آخره: لعلَّ هذا مأخوذٌ من قوله ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾.
وقولُه: (عِلم مشاهدةٍ): يدلُّ لذلك قولُه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾.
وقولُه: (أَمرٌ من الله له): هذا على القراءة بصيغة الأَمرِ وهمزةِ الوَّصل، وأَمَّا على القراءة بصيغةِ المضارع وهمزةِ القطع؛ فهو إِقرارٌ من صاحب الحمارِ لكمالِ قدرةِ الله.
* * *
стр. 585
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]:
يقول تعالى: واذكُرْ يا محمَّدُ حين قال إبراهيمُ داعيًا ربَّه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ المعنى: أَرِنِي آيةً مُشاهَدةً أعلمُ بها كيف تُحْيِي الْمَوْتَى؛ قال اللهُ لإبراهيمَ -ردًّا على طلبِه أن يُريَهُ كيف يُحْيي الموتى-: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ أَوَ ليسَ قد آمنتَ بأنِّي أُحيي الموتى وأَنّي على إحيائِهِم قادرٌ؛ قالَ إبراهيمُ مجيبًا لربِّهِ: بلى قد آمنتُ، ولكن طلبتُ ما طلبتُ؛ لأزدادَ إيمانًا فَيَطْمَئِنَّ قلبي، فأجابَهُ اللهُ إلى طلبِهِ؛ فقال له: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾؛ أي: أربعةً مِنْ أنواعِ الطير، أو مِنْ بعض أنواعِ الطير، ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: أَمِلْهُنَّ إليك وضُمَّهُنَّ إليك (١)، ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا﴾ وهذا يقتضي أنه يَذبَحُهُنَّ ويُقَطِّعُهُنَّ ثم يجعل عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مما حولَهُ مِنْ الأجبال (٢) جزءًا منهن، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ يعني: ادعُ الطيرَ الأربعةَ التي على الجبال بالتصويتِ لَهُنَّ بالطريقة المعتادةِ في دعاءِ الطير. وقولُه: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ المعنى: إذا دعوتهُنَّ أتينكَ سعيًا؛ أي: مسرعاتٍ طيارًا أو مَشيًا على أرجلُهِنَّ.
وقولُه: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٢٦٠)﴾: يحتملُ أن يكون خطابًا لإبراهيمَ، أو خطابًا للنبي ﷺ (٣)، و ﴿عَزِيزٌ﴾: أي: قويٌّ غالبٌ لا يُعجزُهُ
стр. 586
شيءٌ. ﴿حَكِيمٌ﴾: أي: ذو حكمةٍ في تدبيرِهِ وتقديرِهِ وفي كلِّ أقوالِهِ وأفعالِهِ ، ويجب أن يُعلَم أَنَّ هذا الطلبَ من إبراهيمَ من ربه أن يُريَه كيف يُحيي الموتى لا عن شكٍّ في قدرتِهِ تعالى، ولهذا قالَ الله له: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى﴾، ولكن لفظُ السؤالِ ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾؟ قد يقولُ مثلَه مَنْ عنده شَكٌّ، ولكن إبراهيم ﵇ بريءٌ مِنْ ذلك؛ كيف وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِين (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥]، وأَمَّا قولُه ﷺ كما في الصحيحِ: ((نحن أَحقُّ بالشكِّ من إبراهيم)) (١)، فلا يدلُّ على إثباتِ وقوع الشكِّ من إبراهيم؛ لأنه إذا كان الرسول ﷺ أولى بالشك ولم يشك؛ فإبراهيم أولى ألا يشك (٢)، وقصةُ الطيور التي أحياها اللهُ لإبراهيمَ هي القصةُ الخامسةُ مما قصَّهُ الله في هذه السورةِ من إحياء الموتى، وكلُّها حُجَجٌ على قدرته -تعالى- على بَعْث الأموات من القبور؛ ففيها ردٌّ على الكافرينَ بالبعث المستبعدينَ لقدرةِ الله عليه.
﴿وَ﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ﴾ تعالى له ﴿أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ﴾ بقدرتي على الإحياء؟ سأَله مع علمه بإيمانه بذلك ليُجيبه بما سأل فيعلم السامعون غرضَه.
﴿قَالَ بَلَى﴾ آمنت ﴿وَلَكِنْ﴾ سألتك ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ يسكن ﴿قَلْبِي﴾ بالمعاينة المضمومةِ إلى الاستدلال.
﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ بكسرِ الصَّادِ وضمِّها، أَمِلهُنَّ إليك وقطِّعهنَّ واخلُط لحمهنَّ وريشهنَّ ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ من جبال أَرضك ﴿مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ إليك ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ سريعًا
стр. 587
﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعجزه شيءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. فأخذ طاووسًا ونسرًا وغرابًا وديكًا، وفعل بهنَّ ما ذكر، وأَمسكَ رؤوسهنَّ عنده ودعاهنَّ، فتطايرت الأجزاءُ إلى بعضها حتى تكاملت، ثم أَقبلت إلى رؤوسها.
وقولُ المؤلِّف: (اذكرْ): هذا تقديرُ العاملِ في الظَّرفِ ﴿إِذْ﴾، وعلى هذا فالظرفُ مفعولٌ به. وقولُه: (تعالى له): يُبيِّن أنَّ القائلَ لإبراهيمَ: ﴿أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ﴾ هو اللهُ تعالى.
وقولُه: (بقدرتي على الإحياء … ) إلى آخره: هذا تقديرُ المعمولِ لـ ﴿تُؤْمِنْ﴾.
وقولُه: (سأَله مع علمه): بيانٌ لحكمةِ سؤالِ اللهِ إبراهيمَ عن إيمانه.
وقولُه: (فيعْلم السامعون غرضَه): المراد: فيعْلم السامعون دعاءَ إبراهيمَ؛ غرضَه من دعائه، وذلك قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
وقولُه: (آمنتُ): جوابٌ لقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ﴾. وقولُه: (سألتك): هذا تقديرُ مُتعلّقِ الجارِ والمجرورِ ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾.
وقولُه: (يسكن … ) إلى آخره: سكونُ القلبِ: زيادةُ الإيمانِ، وهو يحصلُ بتضافر الأدلَّةِ، ولهذا طلبَ إبراهيمُ دليلَ المعاينةِ لِيَنضمَّ إلى دليل النظرِ بالعقل، وهذا معنى قول المؤلِّف: (بالمعاينة المضمومةِ إلى الاستدلال)، وبذلك يرتقي من علم اليقينِ إلى عين اليقينِ. وقولُه: (بكسرِ الصَّادِ وضمِّها … ) إلى آخره: يشيرُ إلى القراءتَينِ في قوله: ﴿صُرْهُنَّ إلَيْك﴾، فبضمّ الصَّادِ مِنْ «صَارَهُ يَصْرُوهُ»، وبكسرها من: «صَارَهُ يصيِروه» (١)، ومعناهما: «أمالَهُ»، ولهذا قالَ المؤلِّف: «﴿فَصِرْهُنَّ﴾: أَمِلْهُنَّ إلَيْك».
стр. 588
وقولُه: (وقطِّعهنَّ … ) إلى آخره: هذا مفهومٌ من السياق من قوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾.
وقولُه: (من جبال أَرضك): لأنَّ من المعلوم أنه ليس المرادُ جميعُ جبالِ الدنيا.
وقولُه: (إليك): أي: لِيَأْتِينَ إليك.
وقولُه: (سريعًا): أي: يأتينَ مُسرعاتٍ.
وقولُه: (لا يُعجزه شيءٌ): يُبيِّنُ أن العِزَّةَ تتضمَّنُ كمالَ القدرةِ.
وقولُه: (في صنعه): أي: ذو حكمةٍ في خلقهِ لا يخلقُ شيئًا عَبَثًا.
وقولُه: (فأخذ طاووسًا … ) إلى آخرِهِ: تعيينُ الطيورِ وكيفيةُ ما فعلَهُ إبراهيمُ -كما ذكرَ المؤلِّف- هو مِنْ الرواياتِ الإسرائيليَّة، وتعيينُ أنواعِ الطيورِ لا مصلحةَ فيه؛ فلذلك لم يُعيِّنها اللهُ -تعالى- ولم يُسَمِّها واللهُ عزيز حكيمٌ.
* * *
стр. 589
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٦٢) * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيم (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦١ - ٢٦٣]:
هذه الآيةُ وما بعدَها إلى الآية «٢٧٤» متصلةٌ بآياتِ الأمرِ بالإنفاقِ والجهادِ في سبيلِ الله، ففي هذه الآياتِ عَوْدٌ إلى موضوعِ الجهاد في سبيلِ الله والإنفاقِ فيه، وفي هذه الآيةِ ترغيبٌ في الإنفاقِ في سبيلِ الله مِنْ جهادٍ وغيرِهِ بمُضاعَفةِ النفقةِ إلى سبعمئةِ ضِعْفٍ، وتشبيهُ ذلك بالحبَّةِ مِنْ الزرعِ تُزرَعُ في الأرضِ فيَنبتُ منها سبعُ سنابلَ في كلِّ سُنبلةٍ مئةُ حَبَّةٍ، ولا ينتهي التضعيفُ عندَ هذا القَدْرِ بلِ اللهُ يضاعِفُ لِمَنْ يشاءُ أضعافًا كثيرةً بلا حَدٍّ ولا عَدٍّ.
وقولُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ أي: صفةُ الذين، والموصولُ على تقديرِ مضافٍ محذوفٍ؛ تقديره: مثلُ نفقةِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ … ﴾ الآية، فالمشبَّهُ هو: المالُ المنفَقُ المضاعَفُ إلى سبعمئةِ ضِعفٍ، والمشبَّهُ بِهِ؛ هي: الحَبَّةُ التي ﴿أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾، ومعلومٌ: أن هذا رِبحٌ عظيمٌ، وهذا التشبيهُ عند علماءِ البيانِ مِنْ التشبيهِ التمثيليّ الذي يكونُ فيه المشبَّهُ والمشبَّهُ به مجموعُ هيئةٍ بهيئةٍ، ويمكن اعتبارُه من تشبيه الأفرادِ بالأفراد؛ كأنْ يُقال: المنفِقُ كالزارعِ، والمالُ كالحبَّةِ، والأضعافُ المضاعَفةُ كحبَّاتِ السنابلِ السَّبْعِ (١). وقولُه: ﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾: أي: الطريقُ الذي شرعَه، وهذا شاملٌ للإنفاق في كلِّ ما يُحِبُّه اللهُ من الجهاد وغيرِه من وجوه البِرِّ وأنواعِ القُرَبِ (٢).
стр. 590
وقولُه تعالى: ﴿وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء﴾: يدلُّ على أنَّ مضاعفةَ الحسناتِ يكون بمشيئتِه -تعالى- تَفضُّلًا منه، ويدلُّ على أنَّ مضاعفةَ الحسناتِ لا ينتهي بسبعمئةٍ، بل يضاعِفُ اللهُ لِمَنْ يشاء أكثرَ من ذلك أضعافًا كثيرةً.
﴿وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٢٦١)﴾: واسعُ العطاءِ والعلمِ والرحمةِ والقدرةِ، عليمٌ: بكلِّ شيءٍ ومن ذلك عِلمُه بأحوال العاملين ونيَّاتِهم وما يستحقونَه من الثواب، وهو حكيمٌ يضعُ الأشياءَ في مواضعِها.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾: الاسمُ الموصولُ في موضع جرِّ بدلٍ من الموصولِ في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾، وعلى هذا تكونُ هذه الجملةُ متصلةً بالتي قبلها في المعنى، ويحتملُ أن تكون مُستأنفةً والموصولُ مبتدأٌ، وخبرُه: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٦٢)﴾ (١).
وقولُه: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلَا أَذًى﴾: معطوفةٌ على صلة الموصولِ فلا محلَّ لهما من الإعراب؛ المعنى: لا يَمُنُّونَ على مَنْ تصدَّقوا أو أنفقُوا عليه بدعوى التفضُّلِ عليه، ولا يؤذونَه بقولٍ ولا فعلٍ؛ فإنَّ ذلك مما يُبطِلُ ثوابَ النفقة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾: يخبرُ -تعالى- أنَّ القولَ السديدَ المعروفَ في الشرع وفي الفطرة السَّليمةِ -وهو القولُ الحسنُ الخالي عن الفُحشِ والبذاءِ والعفوُ عن الإساءة- أفضلُ من الصدقة التي يتبعُها أذىً، مع أَنَّ القولَ المعروفَ والعفوَ عن الإساءةِ ليس فيها بذلُ مالٍ، وفي هذا ترغيبٌ في القولِ المعروفِ والمغفرةِ للمُسيءِ، وذمٌّ للمَنِّ والأذى في الصدقة.
стр. 591
وقولُه: ﴿وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيم (٢٦٣)﴾: ثناءٌ من الله على نفسه بالغنى عن العبادِ وعن أعمالِهِم فلا تنفعُهُ طاعاتُهم ولا تضرُّهُ معاصيهِم، وهو حليمٌ -تعالى- لا يُعاجِلُ بالعقوبةِ مَنْ عصاهُ، وفي ذكر هذا الاسمِ في هذا المقامِ تحذيرٌ لِمَنْ يُتْبِعُ صدقتُهُ بالمَنِّ والأذى، فلولا حِلمُه -تعالى- لعاجَله بالعقوبةِ؛ لأنه مُستحِقٌّ لها.
﴿مَثَلُ﴾ صفةُ نفقات ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: طاعته ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ فكذلك نفقاتُهم تُضاعَفُ لسبعمائة ضِعْفٍ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ أَكثرَ من ذلك ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ فضلُه ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَن يستحقُّ المضاعفة.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا﴾ على المنفق عليه بقولهم مثلًا: «قد أَحسنتُ إليه وجبرتُ حالَه» ﴿وَلَا أَذًى﴾ له بذكر ذلك لمن لا يحبُّ وقوفه عليه ونحوه ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ثوابُ إِنفاقهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كلامٌ حَسنٌ وردٌّ على السائل جميلٌ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ له في إِلحاحه ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ بالمنِّ وتعييرٍ له بالسؤال ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن صدقة العباد ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العقوبةِ عن المانِّ والمؤذي.
وقولُ المؤلِّف: (صفةُ نفقات): تفسيرٌ للمَثَلِ بالصفةِ، والصفةُ تكونُ بطرقٍ من الكلامِ، والصفةُ في هذه الآية بطريقِ التشبيهِ التمثيليِّ.
وقولُه: (نفقات): بيانٌ للمُشبِّه.
وقولُه: (أي: طاعتِهِ): تفسيرٌ لسبيل اللهِ، وهو تفسيرٌ صحيحٌ؛ فكلُّ طاعةٍ لله هي من سبيل الله تُقرِّبُ إلى الله.
стр. 592
وقولُه: (فكذلك … ) إلى آخره: بيانٌ لوجه الشبهِ، وهو الاتفاقُ في العددِ بين تضعيفِ النفقةِ وحباتِ السنابل.
وقولُه: (أَكثرَ من ذلك): لأنَّ هذا هو فائدةُ الجملةِ المُستأنَفَةِ.
وقولُه: (فضلُه): خصَّ السعةَ بالفضل؛ مراعاةً لمقامِ الإنفاقِ وتضعيفِ الأجرِ، وإلا فاللهُ واسعُ الفضلِ والرحمةِ والعلمِ كما قال تعالى: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وقولُه: (بمَن يستحقُّ المضاعفة): هذا التخصيصُ فيه مراعاةُ المقامِ أيضًا، وإلَّا فاللهُ بكلِّ شيءٍ عليمٌ.
وقولُه: (على المُنفَقِ عليه … ) إلى آخره: بيانٌ لحقيقةِ المَنِّ وأنه يكون من المُنفِق على المُنفَقِ عليه، ومن المَنِّ قولُ المنفِقِ: «قد أَحسنتُ إلى فلانٍ وأَعطيتُهُ ونفعتُهُ»؛ على وجهِ التطاولِ عليه وأنَّ له فضلًا عليه.
وقولُه: (له بذكر ذلك … ) إلى آخره: تفسيرٌ للإيذاء ببعض أنواعِه، وهو ذِكر المُنْفِق مَنْ أنفقَ عليه عند مَنْ يكرهُ المُنْفَق عليه اطِّلاعَه عليه، والأذى عامٌّ لكلِّ ما يكرهُ المتسلّطُ عليه من قولٍ أو فعلٍ.
وقولُه: (كلامٌ حَسنٌ … ) إلى آخره: فسَّرَ القولَ المعروفَ بالكلام الحَسنِ، والحَسنُ ضِدُّ القبيحِ، فالقولُ المعروفُ هو المستحبُّ شرعًا المقبولُ عقلًا وفطرةً، ومن القول المعروفِ رَدُّ السائلِ بالكلمةِ الطيبةِ كما قال ﷺ : ((فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ فمَن لم يجد فبكلمةٍ طيبةٍ)) (١)؛ كأنْ يُقالَ للسائل: «أَبْشِرْ»، وإذا أُعْطِيَ قيلَ له: «هذا ما تيسَّرَ، وما يأتي أكثر، وسامِحْ عن التقصيرِ» وما أشبهَ ذلك مِنْ القولِ الحسَنِ المعروفِ، فكلُّ ذلك ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾، فمِن أَشدِّ الأذى للمُعطَى: المَنُّ عليه، والصدقةُ المتبوعةُ بالمَنِّ والأذى لا أجرَ فيها؛ لأنَّها باطلةٌ.
стр. 593
وقولُه: (لهُ في إلحاحِه): يريد: أَنَّ المغفرةَ المرغَّبَ فيها في الآية يرادُ بها: المغفرةُ للسائلِ إذا أساءَ كإلحاحِه في السؤالِ، وهو الإلحافُ المذكورُ في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (١).
وقولُه: (بالمَنِّ … ) إلى آخره: فسَّرَ الأذى بنوعَينِ وهما: المنُّ، والتعييرُ للمسكينِ المتصدَّقِ عليه سائلًا أو غيرَ سائلٍ، والأذى: اسمٌ عامٌّ يَعُمُّ كلَّ ما يُؤذي المتصدَّقَ عليه مِنْ قولٍ أو فعلٍ.
وقولُه: (عن صدقةِ العبادِ): اللهُ غنيٌّ عن جميعِ أعمالِ العباد، وخصَّ المؤلِّفُ الصدقةَ؛ مراعاةً لسياقِ الآيات.
وقولُه: (بتأخيرِ العقوبةِ … ) إلى آخره: بيانٌ لوجه ذِكر اسمِ الله «الحليم»، وأنَّ فيه تهديدًا وتحذيرًا للمَانِّ والمُؤذِي.
* * *
стр. 594
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤]:
ينهى الله عباده المؤمنين عن التسبُّب في إبطال صدقاتِهم، ومن أَعظم أَسباب بُطلان الصدقة المنُّ والأذى والرياءُ، وهذا معنى قوله: ﴿بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾؛ أي: بسببِ المَنِّ بالصدقة على المتصدَّقِ عليه أو الأذى له بقولٍ أو فعلٍ، فإنَّ ذلك مُبطِلٌ لصدقتِكُمْ كما يُبطِلُ الرياءُ أجرَ ما يُنفقُهُ المرائي، والذي ﴿يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ﴾ إنما يحملُهُ على ذلك أنه لا يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ؛ لذلك لا يبتغي أجرًا عندَ الله ولا يخشى عقابَه، ثم يُشبِّهُ اللهُ عملَ هذا المرائي في ذهابِ أجرِه بالصَّفوان؛ وهو الحجرُ الأملسُ (١) إذا كان ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾؛ أي: مطرٌ قويٌ (٢)، فإنه يُزيلُ ما عليه من الترابِ فيبقى الصفوانُ أملسَ لا شيءَ عليه مِنْ ذلك التراب، وهذا معنى: الصَّلْد، ولهذا قال: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾، وهذا تشبيهٌ تمثيليٌّ؛ شبَّهَ عملَ المرائي -الذي يقتضي في أصلِهِ أجرًا ولكن بريائِهِ أَذْهبَ أجرَهُ- بالصفوانِ الذي عليه ترابٌ فأزالَ المطرُ كلَّ ما عليه مِنْ ذلك فصارَ صَلدًا؛ أي: أملسَ لا شيءَ عليه من ترابٍ ولا نباتٍ (٣). وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أي: لا يقدِرُ المراؤونَ بنفقاتِهم على شيءٍ ينفعُهم جزاءً على أعمالهم؛ لأنهم أبطلوها بفساد نِيَّاتِهم فلم يُنفقُوا ما أنفقوا ابتغاءَ وجهِ الله، بل أنفقوهُ رئاءَ الناس؛ أي: ليَرَاهُمُ الناسُ فيحمدوهم على
стр. 595
إنفاقهم في وجوه الخير، وليس لهؤلاء المرائينَ مِنْ أعمالهم إلا ما نَوَوا لقولِهِ ﷺ : ((إنما الأعمالُ بالنيَّات وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى … )) (١) الحديث.
وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ﴾: تشبيهٌ لِمَنْ يُتْبعُ صدقتَهُ بالمَنِّ والأذى بالذي يُنْفِقُ رئاءَ الناسِ، ووجهُ الشبهِ بينهما: إبطالُ الصدقة والنفقة، وكذلك يُشبِّهُ الذي يُتبِعُ صدقتَهُ بالمَنِّ والأذى بمَن شَبَّه به الذي يُنْفِقُ مالَهُ رئاءَ الناس؛ أي: بالصَّفوان الذي عليه ترابٌ فأَصابَه وابلٌ فتركهُ صَلْدًا، فدلَّ هذا التمثيلُ على أَنَّ هذه المُبطلاتِ للصدقة لا تُبقِي للعامل من أجرِها شيئًا. وقولُه: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين (٢٦٤)﴾: وعيدٌ للكافرين باللهِ، ومنهمُ المنافقونَ الذين يُنفقونَ أموالَهم رئاءَ الناسِ ولا يؤمنونَ بالله ولا باليوم الآخرِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ أَي: أُجورها ﴿بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إبطالًا ﴿كَالَّذِي﴾ أي: كإبطال نفقة الذي ﴿يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ مرائيًا لهم ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو المنافقُ ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ حجر أَملس ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ مطرٌ شديدٌ ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ صلبًا أَملس لا شيءَ عليه ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ استئناف؛ لبيان مثل المنافقِ المنفق رياءً. وجمعَ الضميرَ باعتبار معنى «الذي» ﴿عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ عملوا، أي: لا يجدون له ثوابًا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيءٌ من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (أي: أُجورها): هذا من التفسيرِ بالَّلازمِ؛ فإنَّ العملَ إذا بطلَ في حكم الشرع لم يترتَّب عليهِ أجرٌ.
стр. 596
وقولُه: (إبطالًا): هذا مصدرٌ مُبيِّنٌ للنوعِ، قَدَّرهُ المؤلِّفُ ليكون هو المشبّه، والكافُ صفةٌ له؛ فالمعنى: لَا تُبْطِلُوا صدقاتكم إبطالًا مثلَ إبطالِ نفقةِ الذي يُنفقُ مالَه رِئاءَ النَّاسِ. وقولُه: (مرائيًا لهم): جعلَ المصدرَ في موضع الحال، ويُحتمَلُ أنه مفعولٌ لأجله (١).
وقولُه: (وهو المنافقُ): لأَنَّ هذا الوصفَ لا ينطبقُ إلا على المنافقِ دونَ مَنْ يُرائي وهو من المؤمنين.
وقولُه: (حجر أَملس): هذا بيانٌ لمعنى: الصَّفوان.
وقولُه: (مطرٌ شديدٌ): بيانٌ لمعنى الوابلِ، ومعنى شديد؛ أي: شديدُ الوَقْعِ على الأرض وغزيرٌ يجري في الأرض الصَّلبةِ.
وقولُه: (صَلبًا … ) إلى آخره: تفسيرٌ للصَّلد بثلاثةِ أمورٍ؛ بالصَّلابةِ، والمُلوسةِ، وخُلُوِّه عمَّا يُغطِّيه من نباتٍ أو ترابٍ (٢).
وقولُه: (استئنافٌ): إِمَّا أنَّ الجملةَ مُستَأنفةٌ فهو ظاهرٌ، وأما قولُه: (لبيان مثل المنافقِ المنفق رياءً) فليس بظاهرٍ؛ فإن مَثل المنافقِ قد تقدَّمَ قبل الجملةِ المستَأنَفةِ، ولو قال: لبيانِ عاقبةِ المنافقِ الذي ينفقُ رياءً لكانَ أَسَدَّ وأنسبَ.
وقولُه: (وجُمِعَ الضميرُ … ) إلى آخره: يريد: الواو في قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾. وقولُه: (باعتبارِ معنى: «الذي»): يريد: الموصولَ في قوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ﴾؛ فإنَّ لفظَهُ مفردٌ ومعناهُ جمعٌ؛ لأنَّ المرادَ به الجنس، وهذا معنى قوله: (باعتبار معنى: «الذي»).
وقولُه: (عملوا … ) إلى آخره: بيانٌ لوجهِ الشبه بين عملِ المُنْفِق رياءً والصفوانِ، وكلامُ المؤلِّف واضحٌ.
* * *
стр. 597
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]:
هذا مَثلٌ آخر ضربَهُ اللهُ لنفقةِ مَنْ يُنفقُ في سبيل اللهِ، والمثلُ الأول في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾، ومعنى المثَل هو: الصِّفةُ؛ المعنى: وصفةُ نفقةِ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ﴾؛ أي: طلبًا لرضاهُ وتسليةً من أنفسِهم؛ أي: تصديقًا ويقينًا، وقيل: تثبتًا، وضَعَّفَ ذلك ابنُ جريرٍ ورجَّحَ الأولَ (١).
وقولُه: ﴿كَمَثَلِ﴾: أي: كصفةِ ﴿جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾؛ أي: في مُرتَفعٍ من الأرض (٢).
﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾: أي: نزلَ عليها مطرٌ غزيرٌ سقاهَا فَأَرْوَاها.
﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾: أي: فأثمرتْ ثمرَها ضِعفين؛ أي: مثلَ ثمرِها في العادة مرَّتين، أو مثلَ ثمرِ أمثالِهَا من الجنَّاتِ مرتينِ.
وقولُه: ﴿فَإِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾: أي: إنْ لم يُصبها مطرٌ شديدٌ أصابَها طَلٌّ، وهو المطرُ الخفيفُ (٣)؛ المعنى: أنها لا تَعدمُ ما يَسقيها، فإمَّا وابلٌ وإمَّا طَلٌّ، وهذا التفاوتُ في المشبَّه به راجعٌ إلى التفاوت في المشبَّه؛ وهي: نفقةُ المنفقين في سبيلِ الله، فمنهم مَنْ يكونُ أكملَ إخلاصًا وسخاءً وأكثرَ بذلًا وأعظمَ تصديقًا ويقينًا فتُضاعفُ صدقتُه بحسبِ ذلكَ، ومنهم مَنْ يكون دون ذلك فيما تقدَّم فيَنزلُ عن درجته، ولهذا قال ابنُ القيِّم ﵀: إنَّ المنفقينَ على درجتين: سابقين مُقرَّبينَ، وأبرارٌ أصحابُ يمينٍ (٤)، وبنى على ذلك التفاوتَ في سقي الجنةِ التي بربوةٍ، وهي: المشبَّهُ به، وهذا التشبيهُ في هذه الآيةِ مثل ما
стр. 598
سبقَهُ في المثلَين السابقينِ كلّها من قَبيلِ التشبيهِ التمثيليِّ الذي يُراعَى فيه تشبيهُ جملةٍ بجملةٍ أو هيئةٍ بهيئةٍ كما تقدَّم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٦٥)﴾: أي: بما تعملون عليمٌ علمًا تامًّا بجميعِ أعمالِهِ وأسبابِهَا، وغاياتِها محمودةً أو مذمومةً، وآثارِها حسنةً أو سيئةً، نافعةً أو ضارَّةً، فعلمُ اللهِ محيطٌ بذلك كلِّه، ثم يجزي كُلًّا بعملِه إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًا فَشَرٌّ، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١]، ففي قوله: ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٦٥)﴾ وعدٌ ووعيدٌ، وعدٌ للمنفقينَ المخلصينَ الصادقينَ، ووعيدٌ للمُرائينَ والمُتْبِعينَ صدقاتهم المَنَّ والأذى.
﴿وَمَثَلُ﴾ نفقاتِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ﴾ طَلبَ ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تحقيقًا للثواب عليه، بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه لإنكارهم له، و «من»: ابتدائية ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ بستانٍ ﴿بِرُبْوَةٍ﴾ بضمِّ الراءِ وفتحِها: مكانٍ مرتفعٍ مستوٍ ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ﴾ أَعطت ﴿أُكُلَهَا﴾ بضمِّ الكاف وسكونِها: ثمرَها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مِثلَي ما يُثمرُ غيرها ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ مطرٌ خفيفٌ يُصيبُها ويكفيها لارتفاعها. المعنى: تُثمرُ وتزكو كَثُرَ المطرُ أم قلَّ، فكذلك نفقات مَنْ ذكر، تزكو عند الله كثُرت أم قلَّت ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيُجازيكم به.
وقولُ المؤلِّف: (نفقاتِ): بيانٌ للمُشبَّهِ على أحد القولينِ، وقيل: المشبَّهُ هو الموصولُ ﴿الَّذِينَ﴾، ومَن يقولُ ذلك يُقدِّرُ في المشبَّهِ به: «كَمَثَلِ صاحبِ جَنَّةٍ» (١).
стр. 599
وقولُه: (طلبَ): يقتضي أنَّ ﴿ابْتِغَاءَ﴾ مفعولٌ لأجلِه.
وقولُه: (أي: تحقيقًا للثوابِ … ) إلى آخره: يريد: احتسابًا للثوابِ الذي وعدَ اللهُ به المنفقينَ ابتغاءَ مرضاتِ الله.
وقولُه: (و «مِنْ»: ابتدائيةٌ): يُبيِّنُ أنَّ تثبيتَهم -وهو تصديقُهم ويقينُهم عند الإنفاقِ- حاصلٌ بمجاهدةٍ من أنفسِهم.
وقولُه: (بستانٍ): بيانٌ لمعنى الجنةِ، ولكن اسم «الجنةِ» يدلُّ على أنها البستانُ كثيرُ الأشجارِ بحيث يسترُ مَنْ فيه، فالجنةُ أخصُّ من البستان، فكلُّ جنةٍ بستانٌ وليسَ كلُّ بستانٍ جَنَّةٌ. وقولُه: (بضمِّ الراءِ وفتحِها): يشيرُ إلى أنَّ فيها لغتينِ وقراءتينِ (١).
وقولُه: (مكانٍ مرتفعٍ مستوٍ): تفسيرٌ للرَّبوةِ، والجنةُ في الربوةِ أطيبُ ما تكونُ ثمرًا وأكثرُهُ؛ لِبُروزها للشمسِ والرياحِ.
وقولُه: (أعطَتْ): هو معنى: «آتَتْ»، والإيتاءُ والإعطاءُ يُضافُ إلى الجنة وإلى الشجرة، فقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] معناه: تُخرِجُ ثمرَها، وذلك بإذنِ الله ومشيئتِهِ.
وقولُه: (بضمِّ الكافِ وسكونِها): يشيرُ إلى اللغتين في «أُكُل» وقد قُرِئ باللُّغتَين (٢).
стр. 600
وقولُه: (ثمرَها): تفسيرُ ﴿أُكُلَهَا﴾، وهو كلُّ ثمرٍ مأكولٍ كالتمرِ والعنبِ وغيرهما.
وقولُه: (مِثلَي ما يُثمرُ غيرُها): ضعفُ الشيءِ: مثلُهُ، وضعفاهُ: مِثْلاه؛ فمعنى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ أي: أثمرتْ مثل ثمرِ غيرها مرَّتين، وهذا في صفة المشبَّهِ به، فيقتضي أنَّ المُشبَّهَ وهو نفقةُ المُخلِص يثابُ عليها مثلَ ما يُثابُ غيرُه مرتين، وبذلك يظهرُ وجهُ الشَّبهِ.
وقولُه: (مطرٌ خفيفٌ … ) إلى آخره: تضمَّنَ تفسيرَ الطَّلِّ بأنه المطرُ الخفيفُ، وبيان أنَّ هذه الجنة يزكو ثمرُها إنْ أصابَها وابلٌ أو طَلٌّ. ثم يُبيِّنُ وجهَ الشبهِ بين المشبَّهِ والمشبَّهِ به بقوله: (فكذلك نفقات مَنْ ذكر، تزكو عند الله كثُرت أم قلَّت).
وقولُه: (مَنْ ذُكر): أي: مَنْ ذُكر في أول الآية، وهم ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أموالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وقولُه: (فيُجازيكم به): يُنبِّه على أنَّ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيه الإشارةُ إلى الجزاء وعدًا ووعيدًا.
* * *