وطلبيرة (١)، فظهر لهم أن يصلوا إلى غرناطة المحروسة ليظهر للمسلمين ما معهم من العدّة والعدد، ويستأصلوا بالفساد، ويمشوا كذلك على جميع البلاد، إلى أن يصلوا الجزيرة الخضراء (٢) فينزلوها برا وبحرا ويأخذوها عنوة وقهرا.
وكان عدّة الجيش من المنجنيقات والأثقال والطعام قد أوصلته المراكب إلى جبل الفتح وطريف لمجاورتهما للجزيرة طول العام. وقد كان وصل إلى الزقاق (٣) ثلاثة عشر جفنا (٤) كبارا غزوانيّة، وترّددوا بين الجزيرة والمرّيّة (٥)، فوصلوا إلى غرناطة ونزلوا منها على نحو من عشرة أميال بموضع يقال له قنطرة بيّنوس (٦) (بالقرب) (٧) من جبل البيرة (٨)، فملأوا البسيط، ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (٩). وامتدّت الجيوش في طول وادي شنّيل (١٠)، وتواصلت وجاءت وتكاثرت، ولم يكن لهم بدّ من النزول على الوادي بالطول، لئلاّ تمنعهم الكثرة إلى الماء الوصول. فكان ذلك من
стр. 2067
جملة العون على إتلافهم ونقصهم من أطرافهم، ولما علم المسلمون باستقرارهم هنالك، نظروا لهم أسباب المهالك.
وعزم سلطان المسلمين-أيّده الله-على أمير جيشه الشيخ الصالح المجاهد أبي سعيد عثمان بن أبي العلا (١)، أعزّه الله، أن يخرج إليهم بإنجاد/٣٣١ أ/حماة المسلمين، وعلية أصناف المجاهدين صبيحة يوم الإثنين الخامس عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وسبع ماية، وأخذ الناس في الأهبة لذلك يوم الأحد قبله.
ولما كان عشيّة يوم الأحد غارت سريّة من الجيش على ضيعة من ضياع السلطان القريبة من البلد، فخرج لهم جملة من فرسان الأندلس الرماة المعروفين برماة الدار يقطعوهم (٢) عن الجيش، ومنعوهم الوصول إليه جملة، وأخذوا أمامهم فارّين لجهة أرض المسلمين، فتبعوهم الليل كلّه، وأصبحوا بأرض لوشه (٣)، فاستأصلوهم بالقتل والأسر، وكان أول النصر.
وأصبح يوم الإثنين المبارك على المسلمين وقد غاب من جميع المسلمين هؤلاء الفرسان الذين ينتفع برمايتهم ومحاولتهم في مثل هذا المكان، فلم يبال الشيخ أبو سعيد-أدام الله حياته-بمغيبهم، وعزم على الخروج لأعداء الله يوم عيدهم، فإنه كان اليوم الرابع والعشرين من شهر حزيران، وهو يوم العنصرة أكبر أعيادهم، فخرج لهم مستمسكا بطاعة الرحمن في جماعة نظيفة من الفرسان، منهم ابنا أخيه الشيخان الشقيقان: أبو يحيى، وأبو معروف أميرا (٤) جيش مالقة (٥) ابن الشيخ الشهيد أبي محمد عبد الله بن أبي العلى (٦)، ومنهم أخوهم للأب الشيخ أبو عامر خالد أمير جيش رنده، ومنهم الشيخ العارف أبو مسعود محمد بن علي البابني، ومنهم أمير جيش الخضراء الشيخ أبو المكارم زيّان (٧) بن عبد المؤمن، ولكل واحد من هؤلاء أولاد وأتباع ونظر حسن وأمر مطاع. وخرج مع هؤلاء الفرسان جملة رجال أنجاد نحو من خمسة آلاف رجل من أهل غرناطة، فعزم الشيخ أبو سعيد-أعزّه الله-ومن معه عليهم أن يرجعوا عن أثره حوطة عليهم بجميل نظره، وأن يكون طريق الجبل لهم مصاحبا، لكونه أمنع. ووصّاهم أن يكونوا بموضع معلوم هنالك، فلم يتقدّموا عن حدّه، وأعطاهم الله ونصرهم، وما النصر إلاّ من عنده.
стр. 2068
ووصل فرسان المسلمين في ثالثة من النهار/٣٣١ ب/إلى قرب الجيش فوقعوا ناظرين، وعلموا أنّ الله محيط بالكافرين، فلما رآهم أعداء الله أدركهم العجب والاغترار، وخرج وزير سلطانهم فقال للمسلمين: ما هذا العار تشغبون السلطان قبل غدائه وتشغلونه عن عيده بقتال أعدائه، وما جئنا إلاّ برسمكم وفساد ثمركم وزرعكم فلوذوا بالأوطان، واتّقوا غضب السلطان لئلاّ يغيظ عليكم فيركب، ولا ملجأ لكم منه ومهرب، فعند ذلك حصل للشيخ أبي سعيد حال أخرجه عن عقله، فنزل عن فرسه باكيا متضرّعا إلى ربّه، وعلت أصوات المسلمين إلى الله بالدعاء والضجيج، وأخذ أعداء الله في العجاج والعجيج.
ثم وقف الشيخ أبو سعيد فرأى من كان بقي بغرناطة من الفرسان واصلا على إثره، وكل من معه واقفا عليه ومستطلعا لنظره، فذكر الله تعالى وصلّى على نبيّه وحرّض المسلمين على جهاد عدوّه، واستعاذ وقرأ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١)، و ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢). ثم رجع للصلاة والدعاء والرغبة من الله في النصر على الأعداء. وعند ذلك ركب جيش الروم بكلّيّته، ومال على المسلمين بجملته، ولم يعلموا برجال المسلمين الغادية، فتركوا الجهة العليا من المنزلة خالية، وجاءوا إلى جيش المسلمين وهم على فنائه معوّلين، فما راع المسلمين بحمد الله حالهم من الدنوّ والقرب. ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ (٣).
واستمرّ الشيخ أبو سعيد على تتميم ركوعه، ووقف كلّ من معه منتظرا لركوبه وطلوعه، ولما رأى أعداء الله المسلمين قد صبروا وثبتوا توقّفوا وبهتوا، وخرج من الفريقين فرسان يحرّكون القتال، ووجّه الشيخ فأمرهم أن يسبوا طرف المحلّة، فأفادت الحيلة، وتمكّنت العلّة. واستشهد في خلال ذلك أمير رنده، واختار الله تعالى له ما عنده، وعلم نيّته في الجهاد فأتمّ قصده، فاجتهد قرابته في طلب الثأر، واستعانوا بالواحد القهّار، وحصحص الحقّ، واتّسع على أعداء الله الخرق، /٣٣٢ أ/وعلم أنّ ما أراده الخالق فلا يردّه الخلق، وظهر في المحلّة النار، وتواصلت لهم برجال المسلمين الأخبار، فمالوا بحملتهم إلى المحلّة مسرعين، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وجاءهم من كل الجهات الموت، وفزعوا فلا فوت، وتحكّمت سيوف الله من رقابهم، وحلّ البلاء بصغيرهم وكبيرهم، فما زال المسلمون يقتلون في الموضع من الساعة السابعة إلى الغروب، ويحمدون الله على نيل المرغوب.
ولما دخل الليل وأظلم طمع بعضهم في الهروب، ليسلم، فتقدّم المسلمون إلى
стр. 2069
الطرق والبلدان، وجاءهم العذاب من كل مكان، ودارت عليهم الأرض، وصار بعضهم يهرب من البعض، وغاب عن غرناطة في قتلهم ثلاثة أيام، وصاروا يهيمون في أرض المسلمين حيارى، ويخرجون من الجوع والخوف سكارى، وما زال المسلمون شهرا أو نحو شهر ينتهبونهم بالقتل والأسر. ولما علم أهل غرناطة بهذه البشرى خرجوا لفيء الأموال وضمّ الأسرى، فوجدوا من المال والذخائر كل عجيب، واستمتعوا في عبّاد الصليب، فأسروا منهم نحوا من خمسة آلاف وأزيد ما بين رجال ونساء وأولاد، وبقي المسلمون يجبون موضع الجيش نحوا من عشرة أيام متوالية، ويشكرون الله على النعم الصافية، وخرج حذّاق المسلمين لعدّة القتلى من الكافرين، فأجمع كلّهم على أنهم أزيد من خمسين ألفا، ومنهم من قال ستين ألفا وما بين ذلك.
وقيل إنّ الوادي قتل منهم مثله، هذا العدد لقلّة معرفتهم به، وثقلهم بالعدد.
وأمّا الذين قتلوا في الجبال والشعاري وسائر بلاد المسلمين فلا يحصى كثرة، ولا يبلغ قتلى المحلّة عشرة، على أنّ جميع الملوك الخمسة والعشرين، وجدوا بالمحلّة مقتولين، ووجدوا اللعين ذون بطره وعمّه ذون جوان في جملتهم، ولعب الناس بجيفتهم، وصبّر وعلّق ذون بطره على باب الحمراء بغرناطة. وأمّا عمّه فكان ممّن يخدم المسلمين، ففديت جثته بشيء كثير، وأسارى منقطعين، وزاد الأسارى في بقية أيام/٣٣٢ ب/الشهر نحو نصفهم ممّا ألفه أهل الحصون والبلاد القريبة من أرضهم.
وكان المسلمون يحتاجون في كل يوم لقوت الأسرى وقوت من يحرسهم ويحرس الدوابّ خمسة آلاف درهم. وزعم النّاس أنّ الذي ألفي من الذّهب والفضّة بالمحلّة كان سبعين قنطارا، ولم يظهر من ذلك سوى ربع هذا المقدار. وأمّا الدوابّ والأخبية والعدد فشيء لا يوقف له على عدد. ولقد عزم على بيع ما يحصل منها وقسمته، فلم يطق أحد من المشتغلين لمحاولته، وبقي المبيع في الأسارى والدوابّ وبعض الأسباب ستة أشهر متوالية، فلم يتخلص، وهي حتى الآن (باقية) (١). ولحق الناس من طول البيع الملك وداخلهم العجز عن الشراء والكسل ونهاية ما كان فرسان المسلمين في ذلك اليوم بعد رجوع الرماة مما كانوا فيه ألفين وخمس ماية فارس، ولم يستشهد منهم سوى أحد عشر رجلا منهم خالد بن عبد الله المذكور، وعمر بن تاجزّرت (٢)، وكان من خيار الفرسان.
[خبر ما جرى في مالقة وحولها]
ولما كان يوم الخميس العاشر من المحرّم مفتتح عام عشرين وسبع ماية عزم الشيخ أبو يحيى أمير جيش مالقة، حاطها الله أن يتوجّه إلى رندة ويجتمع فيها بابنه
стр. 2070
مسعود الذي تولّى أمر جيشها بعد عمّه الشهيد خالد، ويصل إليه الشيخ أبو عطيّة مناف بن ثابت ويتوجّهوا للإغارة على شريش (١) من بلاد النصارى، فتحها الله، فنقل ذلك إلى النصارى، دمّرهم الله، المجاورين لمالقة ولبلاد المسلمين المجاورة لها، فعزموا على أن يغاروا (٢) على قامرة وحصن قوج (٣) من نظر (٤) مالقة، وبالقرب منها، فارتقبوا يوم انفصاله.
وكان يوم الخميس واجتمعوا في نحو الألف فارس، وخمسة آلاف راجل من أهل إستجة (٥)، وشنتياله (٦)، وآشونه (٧)، واستبّه (٨)، وبليّ (٩)، وأليسانه (١٠)، وقبرة (١١)، ومرشانه (١٢). وكان أعداء الله في الحشد الأول قد خافوا على هذه البلاد المجاورة للمسلمين، فتركوا أكثر أهلها لها حارسين، وبها مقيمين، فوصلوا/٣٣٣ أ/ صبيحة السبت، ودخلوا قامرة المذكورة، وأخذ جميع كسب سلطان المسلمين وكثير
стр. 2071
من كسب الرعية، وخرجوا به مطمئنّين لآخر أرض المسلمين.
وكانوا في ليلة السبت قد اجتمعوا بفارسين من المسلمين كانا يمشيان من انتقيره (١) إلى رنده طامعين في اللحوق (٢) بالجيش والدخول معه للإغارة، فأخذ أعداء الله الفارس الواحد وسألوه، وتحقّقوا الحال زيادة لما كان عندهم. وهرب الآخر فأصبح بحصن ارتجيطر حصن الوزير الحكيم، ﵀، فوجد به الشيخ أبا يحيى مقلعا لرنده قد حبسه الله به يوم الجمعة، فعرّفه بالحال وهو بجماعة مالقه خاصّة، فلم يكن له بدّ من الرجوع إلى النصارى، فحظر على حصن طبسة وأخذ من فرسانها، وتآلف معه نحو من ثلاثمائة فارس ممّن يعوّل عليهم وترك الضعفاء والثقلة في الساقة، ونهض إلى حيث ذكر له الفارس أنه لقيهم أول الليل في دخولهم فوجدهم ثمّ قد خرجوا بالمغنم بموضع يقال له برجه (٣) من تحت حصن بيربى (٤)، وذلك بعد الظهر، فأخذ أعداء الله وطلعوا في كدية عالية، ونزل أنجاد فرسانهم للقتال مع المسلمين فقاتلوهم قتالا شديدا ضرب فيه للمسلمين نحو من ثلاثة وستين فرسا ومات أكثرهم، واستشهد رجل واحد يقال له سعد الهدّار (٥)، وقتل من فرسان النصارى كثير، ثم ظهرت ساقة المسلمين على الأثر واصلة مع أهل برغه، والطورون، فارتجع من عاش من فرسان النصارى إليهم للكدية، وحصّنوا على أنفسهم بالبراذع والدوابّ والدرق، وامتنعوا فيها، ووصل الرماة من انتقيرة وحصن المنشاة. وكان العون من الله تعالى عليهم، فما زالوا يحاولوهم (٦) ويقاتلوهم (٧) إلى ثلث الليل الآخر، وفي ثلث الليل الآخر أذعن من بقي منهم في قيد الحياة للأسر، فألقي منهم نيّف على الخمس ماية أحياء أسروا كلّهم وسائرهم موتى بالرماح والسهام. ورجع الشيخ أبو يحيى/٣٣٣ ب/بهم إلى مالقة ببروز عظيم، وجعل منهم أربع ماية أسير واثنين وثمانين أسيرا في حبل واحد وسائرهم مثقلين (٨) بالجراح (٩)، وأخذ دوابّهم فركّبهم عليهم (١٠) بعدّة عظيمة، وأخذ منهم قاضي النصارى بأستجة وجعل ما ضمّ للمغنم من
стр. 2072
عدّتهم من السيوف والرماح على خمسة وأربعين بغلا، ومن القسيّ على خمسة عشر (١) دابّة، والدّرق كذلك على نحو من ثلاثة عشر (٢). وأراح الله تعالى من هؤلاء الأعداء الشرار، وجمع الكل على عجل في النار، والحمد لله» (٣).
رجب
[وفاة شرف الدين أحمد بن إبراهيم الواني]
٨٧١ - وفي ليلة الجمعة الثاني من رجب توفي شرف الدين، أحمد بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد الواني (٤)، رئيس المؤذّنين بجامع دمشق ودفن إلى جانب زاوية الشيخ نصر المنبجي ظاهر القاهرة.
وكان شابّا، له دكّان في الشمعيّين بباب البريد. وجاوز العشرين من عمره.
وأسمعه أخوه كثيرا من العوالي، وكان قد توجّه للحجّ مع والده وأخيه، فأدركه أجله في الطريق.
[انتشار المرض في مصر]
وفي شهر رجب وأواخر جمادى الآخرة حصل بالديار المصرية للناس مرض كثير قلّ أن سلمت منه دار وغلت الأدوية والأشربة، وازدحم الناس على العطارين، ولكن كان الموت قليلا والمرض سليما، وكان ذلك في شهر مسرى من شهور القبط وقت زيادة النيل، وأول شهر مسرى كان ثامن عشر جمادى الآخرة، وكان الخامس والعشرين من تموز.
وكتب إليّ الشيخ فخر الدين ابن الظاهري كتابا يذكر فيه أنه مرض جميع من عنده، وبقي أربعة أيام ما يجد من يشتري له حاجة ولا قوتا، وأنّ الرمّانة الحامضة أبيعت بثلاثة أرباع نقرة، والقراصية الحامضة أبيع الرطل المصري منها بأربعة دراهم نقرة، وأبيع العنّاب الرطل المصري بستة دراهم نقرة، وكذلك الإجّاص، وأبيع الرطل المصري من قلب اللوز بأربعة دراهم نقرة، وذكر أشياء من الشدّة، ثم لطف الله تعالى.
[خروج المحمل السلطاني]
وأخرج المحمل السلطاني من القلعة وطافوا به ظاهر البلد على العادة في يوم الخميس منتصف رجب.
стр. 2073
[وصول الأمير كجكن مع الجيش إلى دمشق]
/٣٣٤ أ/وفي يوم الإثنين التاسع عشر من رجب وصل إلى دمشق الأمير سيف الدين كجكن والأمراء والجيش المجرّد معه من دمشق لإخراج مهنّا وأصحابه وأمرائه من الشام وطردوهم عنها إلى بلاد العراق.
[وفاة الأمير جاريك]
٨٧٢ - وفي يوم الثلاثاء العشرين من رجب توفي الأمير جاريك (١) بن عبد الله الساكن بظاهر دمشق عند المدرسة الشامية، ودفن بالقبيبات.
وكان أمير خمسين.
[حبس ابن تيميّة بقلعة دمشق]
وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب عقد مجلس بدار السعادة وحضره نائب السلطنة بدمشق والقضاة وجماعة من المفتين، وحضر الشيخ تقيّ الدين ابن تيميّة، وعاودوه في الإفتاء في مسألة الطلاق وعاتبوه على ذلك وما حققوه وحبسوه بالقلعة (٢).
[تولية ابن معبد شدّ الأوقاف]
وفي يوم الإثنين السادس والعشرين من رجب ولّي الأمير علاء الدين ابن معبد شدّ الأوقاف المبرورة، وخلع عليه، عوضا عن بدر الدين المنكورسي، وذلك مضافا إلى ما هو متولّيه من ولاية البرّ بدمشق لكفاءته وحسن سيرته وعفّته.
[وفاة الأمير علاء الدين المعروف بابن النحاس]
٨٧٣ - وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب توفي الأمير علاء الدين، علي بن جمال الدين إبراهيم بن خالد، المعروف بابن النحاس (٣)، بقرية من قرى حوران، وعمل عزاؤه بدمشق.
وكان باشر ولاية دمشق هو وأبوه.
ورأيت سماعه على القاضي شمس الدين ابن عطاء الحنفي في «سنن أبي داود».
[وفاة والدة القاضي ابن الزكيّ]
٨٧٤ - وفي يوم الخميس التاسع والعشرين من رجب توفيت والدة القاضي
стр. 2074
تقيّ الدين ابن الزكيّ (١)، ودفنت بتربتهم بسفح جبل قاسيون.
[وفاة المحدّث شرف الدين يعقوب الحلبي]
٨٧٥ - وفي يوم الخميس التاسع والعشرين من رجب توفي الشيخ الإمام، العدل، الرضيّ، المحدّث، الفاضل، شرف الدين، أبو يوسف، يعقوب (٢) ابن الشيخ الإمام المقرئ جمال الدين أحمد بن يعقوب بن عبد الله الحلبي، بالقاهرة، ودفن من يومه بمقبرة باب النصر.
وكان مرض مرضة طويلة نحو سنة نصف، وتغيّر ذهنه فيها.
وجاوز السبعين.
وكان الشيخ جمال الدين ابن الصابوني (٣) تزوّج بخالته وربّي عنده، وقرأ عليه شيئا من الحديث وتخرّج به وانتفع بصحبته ولازمه، فلذلك عرف بابن الصابوني.
سمع بالقاهرة من ابن عزّون، وابن زين الدين الدمشقي، وابن علاّق، / ٣٣٤ ب/والنجيب عبد اللطيف، وجماعة.
وسمع بدمشق من ابن أبي اليسر، وابن عبد، وعبد الوهاب بن الناصح، وجماعة من أصحاب ابن طبرزد، وغيرهم، ولازم الطلب والكتابة والسماع والقراءة مدّة، ثم إنه صار شاهدا، وكتب الحكم عند القضاة وتعيّن في هذه الوظيفة، وأقام بدمشق مدّة، وبالقاهرة مدّة، وباشر بالقاهرة مشيخة الحديث بالمدرسة المنكودمرية.
كتب إليّ بوفاته زين الدين أبو بكر الرحبيّ.
شعبان
[وفاة الافتخار ياقوت بن إبراهيم المحلّي]
٨٧٦ - وفي يوم الأحد الثاني من شعبان توفي الافتخار، ياقوت (٤) بن إبراهيم المحلّي، الفضائي، الخويّي، فرّاش التربة العادلية، ودفن آخر النهار بتربة مخدومه قاضي القضاة شهاب الدين الخويّي بسفح قاسيون.
وكان رجلا جيّدا.
стр. 2075
[وفاة الأديب شمس الدين ابن أبي بكر الجذامي]
٨٧٧ - وفي يوم الإثنين الثالث من شعبان توفي الشيخ الإمام، الفاضل، الأديب، البارع، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن حسن بن سباع (١) بن أبي بكر الخذامي، المصريّ الأصل، ثم الدمشقي، الصائغ، وصلّي عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير.
وسألته عن مولده فقال في سنة خمس وأربعين وستماية تقريبا بدمشق. وذكر أنّ والده من مصر، وأنهم من جزيرة قويسنا من عمل المحلّة.
وسمع الحديث من ابن أبي اليسر، وحدّث وكان أديبا، فاضلا، عارفا بفنّ الأدب، له النظم والنثر، وله معرفة بالقروض والقوافي وعلم البديع، ولديه طرف جيّد من اللغة والنحو/٣٣٥ أ/وشرح «مقصورة ابن دريد»، وله نظم في القروض. وصنّف قصيدة عدّتها ألفا بيت تائيّة ذكر فيها العلوم والصنائع، وهي دالّة على فضيلة كبيرة. وكان يقرئ النحو والأدب والكتب الأدبية، ويعمل صنعة الصياغة، ويقرئ في دكان.
وكان كيّس الأخلاق، لطيف المحاضرة، متودّدا إلى الناس، كثير التواضع، صبورا على الأذى، وحجّ، وأصيب بولد كبير، ومدح القضاة والأكابر. وله مرثيّة في الشيخ شمس الدين الحنبلي، وله واقعة شقحب (٢)، ومدح السلطان كراريس نظما ونثرا.
[وفاة بدر الدين عبد اللطيف بن تيميّة الحرّاني]
٨٧٨ - وفي يوم الثلاثاء رابع شعبان توفي الشيخ بدر الدين، أبو محمد، عبد اللطيف (٣) ابن الشيخ شمس الدين أبي القاسم ابن الشيخ الإمام الخطيب سيف الدين عبد الغني ابن الشيخ الإمام العلاّمة الخطيب فخر الدين أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن تيميّة الحرّاني، التاجر بسوق الرمّاحين، وصلّي عليه عصر النهار المذكور بجامع دمشق، ودفن بمقابر الصوفية عند أهله.
стр. 2076
ومولده في أواخر سنة خمس وأربعين وستماية بحرّان.
وروى بالإجازة عن الأغرّ بن العلّيق، وابن القميرة، وعبد العزيز بن الزبيدي، وإياس عتيق القاضي الحجّة ابن السهروردي (١)، وغيرهم.
وممّن أجاز له: محيي الدين ابن الجوزي، ومجد الدين ابن تيميّة، وعزّ الدين عبد الرزاق الرسعني، وكمال الدين ابن العديم، وتاج الدين ابن الساعي المؤرّخ.
وكان رجلا جيّدا، مواظبا على تجارته، وله أولاد تجّار، وهو من بيت علم ودين.
[وفاة أم محمد ست الأهل بنت إبراهيم الطائي]
٨٧٩ - وفي يوم الثلاثاء الرابع من شعبان توفيت المرأة الكبيرة، الصالحة، أم محمد، ستّ الأهل (٢)، بنت شيخنا زين الدين إبراهيم بن أحمد بن عثمان بن عبد الله بن غدير (٣) بن القوّاس الطائي، ببستان المزّة، ودفنت يوم الأربعاء بسفح جبل قاسيون.
ومولدها تقريبا في سنة أربعين وستماية.
وهي أكبر من أخيها شمس الدين أحمد، وهي زوجة شيخنا شرف الدين محمد بن عبد المنعم بن القوّاس أمّ ولده بدر الدين محمد.
روت بالإجازة عن ابن القميرة، وممّن أجاز لها: الرشيد بن مسلمة، ومكي بن علاّن. ومن الشعراء: البهاء زهير، وابن زبلاق، والنور بن سعيد، والتلّعفري، وابن دفتر خوان، وجماعة.
[وفاة كمال الدين ابن غدير الطائي]
٨٨٠ - /٣٣٥ ب/وفي يوم الأربعاء الخامس من شعبان توفي كمال الدين، أبو المعالي، محمد بن الشيخ العدل زين الدين إبراهيم بن أحمد بن عثمان بن عبد الله بن غدير الطائي، الدمشقي، المعروف بابن القوّاس (٤) بظاهر دمشق، ودفن بتربتهم بسفح جبل قاسيون.
ومولده في سنة اثنتين وخمسين وستماية بدمشق.
وكان شاهدا، وخدم بديوان الحشر، وأحضره أبوه على الصدر البكري،
стр. 2077
وخطيب مردا، والفقيه محمد اليونيني، وعبد الله بن الخشوعي، وسمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وجماعة، وسمع بالديار المصرية من الرشيد العطار، وإسماعيل بن صارم، وأحمد ابن القاضي زين الدين الدمشقي، وشيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، وغيرهم.
وجمعت له من الشيوخ سبعة وثمانين شيخا. وكان قد تفرّد بالرواية عن بعضهم.
[وفاة شرف الدين محمد بن إسماعيل الأنصاري]
٨٨١ - وفي يوم الأربعاء خامس شعبان توفي شرف الدين، محمد بن الحاج إسماعيل بن يوسف بن عبد الرحمن الأنصاري (١)، التاجر، بالخوّاصين، ودفن آخر النهار بباب الصغير.
وكان مشهورا بالتجارة، وله اختلاط بالناس، وأبوه ابن عمّة علاء الدين ابن الحميري.
وجدت سماعه بعد موته على ابني الحميري: فخر الدين، وعماد الدين.
[وفاة يعقوب بن أبي القاسم العوفي]
٨٨٢ - وفي ليلة السبت ثامن شعبان توفي الشيخ يعقوب بن أبي القاسم بن يوسف بن الشيخ الكبير أبي القاسم العوفي (٢)، الحوّاري، بقرية حوّاري، ودفن يوم السبت هناك، وحضره أهل القرى، وأقاموا على قبره أياما.
وكان من بيت مشيخة وزاوية وفقراء.
[وفاة شمس الدين ابن أبي الوحش المزي]
٨٨٣ - وفي يوم الإثنين العاشر من شعبان توفي، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن شجاع الدين أبي محمد عبد الخالق بن محمد بن سريّ بن أحمد بن أبي الوحش (٣) المزّي بدمشق، ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة المزّة عند والده.
ومولده في سنة خمس وأربعين وستماية بالمزّة.
سمع من خطيب مردا عدّة أجزاء بالمزّة، وأجاز له اليلداني، وإبراهيم بن خليل، وغيرهما. وكان في أكثر عمره رئيسا بالمزّة، وأقام مدّة بطرابلس والمجدل في خدمة الولاة، ولما مات كان معزولا عن ذلك جميعه.
стр. 2078
[وفاة القاضي زين الدين ابن رزين الشافعي]
٨٨٤ - وفي يوم الأربعاء الرابع من شعبان توفي القاضي زين الدين، /٣٣٦ أ/ أحمد ابن قاضي القضاة تقيّ الدين، أبي عبد الله، محمد بن الحسين بن رزين (١) الشافعيّ بالكرك.
وكان متولّيا النظر ووكالة بيت المال هناك، وولّي بالقاهرة نظر ديوان الطراز، وسمع من ابن علاّق، والنجيب عبد اللطيف الحرّاني، وغيرهما.
ومولده في سنة سبع وخمسين وستماية يوم الأربعاء.
كتب إليّ بوفاته من القاهرة الشيخ أبو بكر الرحبيّ.
[وفاة أحمد الرحبيّ]
٨٨٥ - وفي يوم الجمعة ثالث عشر شعبان توفي الشيخ الصالح، أحمد الرحبي (٢) بالقاهرة بالمارستان.
كتب إليّ بوفاته الشيخ أبو بكر الرحبي، وقال: إنّه من أصحاب الشيخ محيي الدين النواوي.
[وفاة الأمير جمال الدين ابن صغير القيسراني]
٨٨٦ - وفي يوم الأربعاء السادس والعشرين من شعبان توفي الأمير الأجلّ، جمال الدين، أبو محمد، عبد الرحمن ابن شيخنا الصاحب فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صغير بن القيسراني (٣)، الحلبي، بالقاهرة، ودفن بالقرافة.
ذكر لي أنّه ولد بحلب ونقل منها صغيرا، وسكن الديار المصرية، وصار جنديا، وهو رجل حسن، وعنده فضيلة.
سمع بحلب من الشيخ شرف الدين أبي طالب عبد الرحمن بن العجمي «الأربعين الآجّريّة» في محرّم سنة سبع وخمسين وستماية، قرأتها عليه بدمشق، وسألته عن مولده، فقال: أخي أكبر منّي بأربع سنين.
ومولد أخيه شرف الدين في أحد الجماديّين سنة ثمان وأربعين وستماية.
كتب إليّ بوفاته الشيخ أبو بكر الرحبي، ثم وجدت وفاته بخط (أحمد بن) (٤)
стр. 2079
أيبك الحسامي، وذكر أنه سمع منه في رجب قبل موته بقليل أحاديث رباعيّات من «صحيح مسلم».
[إمساك الأمير علم الدين الجاولي]
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شعبان مسك الأمير علم الدين الجاولي بمدينة غزّة، وحمل إلى الإسكندرية.
وقيل كان سبب مسكه أنه كان عنده أستاذ دار قديم وفيه ظلم فأبعده، فتوجّه إلى باب السلطان، وذكر أنّ أستاذه يتوجّه إلى الحج، وقد تهيّأ لذلك وأنفق نفقات زائدة بحيث بلغ كري الجمال التي حملت ما معه من القمح والشعير ثمانين ألف درهم. وقد هيّأ شيئا كثيرا من الخيل والهجن والسلاح وقصده دخول اليمن، والانتزاح من البلاد، فرسم بمسكه، ووقعت الحوطة على أملاكه وموجوده. ولما وصل الخبر إلى/٣٣٦ ب/أهل مكة، شرّفها الله تعالى، بذلك تألّموا لما فاتهم من برّه وصدقاته في هذه السنة (١).
[إراقة الخمور]
وفي العشر الأول من شعبان أريقت الخمور في خندق قلعة المدينة السلطانية، ثم أحرقت الظروف (٢).
وذكر أنّ سبب ذلك أنه وقع في رجب بالمدينة المذكورة برد كبار وزنت منه بردة، فكان وزنها ثمانية عشر درهما، وأهلك مواشي كثيرة، وأعقبه سيل خفيف منه على البلد، واشتدّ الخوف، ولجأ الناس إلى الله تعالى. ثم منّ الله تعالى بالسلامة، فسأل الملك أبو سعيد بن خربندا الفقهاء عن سبب ذلك، فقالوا له: من الجور والظلم وإظهار الفواحش، وأنه بالقرب من المساجد والمدارس والخوانك خمّارات، وحانات، فأمر بتبطيل الخمّارات والحانات في سائر مملكته وإبطال مكس الغلّة، ورسّم على الخمّارين بالمدينة السلطانية، وألزموا بإحضار الخمور في الظروف إلى تحت القلعة، فأحضروه على الدّوابّ وأكتاف الحمّالين، فاجتمع من ذلك أكثر من عشرة آلاف ظرف. فلما كمل جمعها حضر الوزير تاج الدين علي شاه راجلا وأعوانه وخواصّ الدولة معه، وأريقت الظروف المذكورة جميعها في الخندق، ثم أحرقت الظروف، وبقيت النار تعمل فيها يومين.
стр. 2080
حكى ذلك تاجر موصليّ حضر الواقعة. قال: وسافرت بعد ذلك إلى تبريز، فرأيت الخمور مراقة في الأزقّة، وقد فعل من ذلك بتبريز دون ما وقع بالسلطانية. قال: ثم قدمت الموصل فرأيت الذي فعل بها من ذلك دون ما شاهدته بتبريز (بكثير) (١).
شهر رمضان
[وفاة الفقيه شمس الدين ابن أبي سعد الرقّي]
٨٨٧ - وفي ليلة الثلاثاء ثالث رمضان توفي الشيخ الفقيه، الإمام، القاضي، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن علي بن مسلم بن أبي سعد الرقّي (٢)، الشافعي، بالمدرسة العذراوية بدمشق، وصلّي عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير.
ومولده في ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وأربعين وستماية بدمشق.
سمع من ابن عبد الدائم، وحدّث عنه، وكان فقيها اشتغل وحصّل/٣٣٧ أ/ وجلس مع الشهود مدّة طويلة، وولّي قضاء بصرى مدّة ثم تركه واستقرّ خاطره على ترك القضاء. وكان رجلا جيّدا، سليم الصدر، حسن الخلق.
[وفاة الصدر بهاء الدين ابن منصور الدمشقي]
٨٨٨ - وفي ليلة الثلاثاء ثالث رمضان توفي الصدر الفاضل، بهاء الدين، أبو الحسن، علي بن الشيخ موفّق الدين عيسى (٣) بن أبي القاسم بن منصور الدمشقي، الحنفي، وصلّي عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير.
ومولده في صفر سنة خمس وستين وستماية.
وكان رجلا جيّدا فيه مروءة وعصبية وقيام مع أصحابه، واشتغل، وولي تدريس المدرسة العزّية بالكشك مدّة وعمّرها وعمّر وقفها، واستمرّ فيها إلى أن مات بها.
وسمع معنا من أصحاب ابن طبرزد، وغيرهم.
[وفاة شهاب الدين ابن إبراهيم العاملي]
٨٨٩ - وفي يوم الثلاثاء ثالث شهر رمضان توفي شهاب الدين، أحمد بن الشيخ فتح الدين محمود بن علي بن إبراهيم العامليّ (٤)، إمام مسجد القصب، ودفن من الغد بسفح جبل قاسيون، عند والده.
стр. 2081
وكان حضر معنا سماع «مشيخة ابن البخاري» عليه في سنة سبع وثمانين وستماية، وهو في السنة الرابعة.
وحدّث أحاديث منها بالعلاة (١)، بطريق الحجاز الشريف في سنة عشر وسبعماية. وكان خلف والده في إمامة المسجد المذكور، وجلس يشهد على باب المدرسة الزنجيلية ظاهر دمشق.
[وفاة بدر الدين هلال الجعفري]
٨٩٠ - وفي ليلة الثلاثاء عاشر شهر رمضان توفي بدر الدين، هلال (٢) ابن الشيخ الإمام، الصالح، القاضي، الخطيب بدر الدين محسن بن هلال بن (. . .) (٣) الجعفريّ، ودفن بكرة الثلاثاء بمقبرة الباب الصغير.
وكان يشهد ويحضر بعض المدارس، وأصيب بوالده، وحضر ولده (. . .) (٤)، وسمع بقراءتي على ابن (. . .) (٥) ثلاثين سنة من العمر.
[وفاة ستّ الفقهاء الحموية]
٨٩١ - وفي ليلة الخميس الثاني عشر من رمضان توفيت المرأة الصالحة الكبيرة، أم محمد، ستّ الفقهاء (٦) بنت (يوسف) (٧) بن محمد الحموية، بسفح قاسيون، ودفنت ظهر الخميس بالقرب من المدرسة المعظّمية.
سمعت من اليلداني بقراءة الفاضليّ، وإفادته في بستان الفاضل.
وكانت امرأة جيّدة، صالحة، /٣٣٧ ب/حاجّة، لها ملك ونعمة وبرّ ومعروف، وكانت تصوم الأشهر الثلاثة وغيرها من الأيام الفاضلة، وتحفظ أحاديث وأخبارا في الزهد وتوردها عند من يجتمع بها من النسوان، وفيها حياء وبرّ وصدقة، وكانت تخيط احتسابا إلى أن ماتت.
مولدها في سنة أربع وثلاثين وستماية تقريبا.
وذكرت أنّ والدها (٨) كان فقيها. وجدّها كان خطيب حماه. وتزوّجت بالمجد
стр. 2082
أيوب بن أبي الزهر ابن الحسيني، وهي أمّ أولاده محمد، وعلي، وأحمد، وهم رجال أخيار.
[وصول الأمير قجليس الملكي]
٨٩٢ - وفي يوم الأحد منتصف شهر رمضان وصل الأمير سيف الدين قجليس الملكي، الناصري، إلى دمشق من بلاد الشمال، وكان بين خروجه من دمشق ودخوله إليها في هذه السفرة أربعة أشهر وأيام، وأقام بدمشق قليلا، وتوجّه إلى القاهرة المحروسة، وكان مقدّما على الجيش الذين اجتمعوا معه، وهم: الأمير سيف الدين كجكن بمن معه من الأمراء والجند من دمشق، والأمير شهاب الدين قرطاي نائب طرابلس ومن معه من عسكر طرابلس، ودمشق، وحمص، وهم طائفة ممّن كان مجرّدا بسيس، وساقوا خلف مهنّا وأولاده وأمرائه، وهم اثنان وسبعون أميرا، وأخرجوهم من الشام إلى عانة والحديثة. وحصل للجيش حرّ وعطش في هذه السفرة في البرّيّة، وسلّم الله تعالى.
[سفر ناظر الدواوين بدمشق إلى غزّة]
وسافر الصاحب شمس الدين ناظر الدواوين من دمشق في شهر رمضان للاحتياط على ما يتعلّق بالجاولي نائب السلطنة بغزّة، فغاب أياما وعاد إلى دمشق ووصل إليها يوم الثلاثاء السابع عشر من رمضان، وولي غزّة الأمير حسام الدين لاجين المعروف بالصغير، متولّي البرّ كان بدمشق من مدّة سنين، وتوجّه إلى غزّة عقيب الجاولي.
[وفاة الأمير بدر الدين دلادمر]
٨٩٣ - وفي يوم الإثنين السادس عشر من شهر رمضان توفي الأمير الأجلّ، بدر الدين، أبو أحمد، دلادمر (١) بن عبد الله عتيق الأمير سيف الدين بكتمر الساقي بحوران، بقرية اسمها طيرة بريد، ودفن هناك.
وله من العمر ثلاثة (٢) وسبعون سنة تقريبا.
سمع من عبد الله بن علاّق المصري، وروى عنه، /٣٣٨ أ/وكان رجلا جيّدا، معروفا بالديانة والأمانة، وعنده فضيلة وكفاية، ويكتب خطّا حسنا، وله كتب يطالع فيها، وكان أستاذ دار الأمير علاء الدين طيبغا السلحدار.
стр. 2083
[وفاة شرف الدين المرحّل بابن المرحّل]
٨٩٤ - وفي يوم الأربعاء الثامن عشر من رمضان توفي الشيخ الصالح شرف الدين، محمد بن بدر الدين محمد بن عبد القادر، المعروف بابن المرحّل (١)، ودفن يوم الخميس بمقبرة الباب الصغير.
وكان رجلا مباركا، مواظبا على تلاوة القرآن، منقطعا عن الناس، مأمون الروايات.
[وفاة الصدر فخر الدين أبي الهدى المصري]
٨٩٥ - وفي يوم الخميس تاسع عشر شهر رمضان توفي الشيخ الصدر، الأصيل، فخر الدين، أبو الهدى، أحمد بن إسماعيل بن علي بن محمد بن الجبّاب (٢) المصريّ، ودفن بالقرافة.
سمع من عبد الرحمن بن مكي سبط السلفي «جزء الذهلي» (. . .) (٣)، والأول والثاني من «حديث ابن شيبان»، وأربعة أجزاء من حديث (. . .) (٤) والخامس، والسادس والسابع والتاسع، وحدّث (. . . .) (٥).
ومولده لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستماية.
كتب إليّ بوفاته أبو بكر الرحبيّ.
وكان صدرا كبيرا من صدور المصريّين من بيت مشهور.
[وفاة علم الدين علم بن محمود الحرّاني]
٨٩٦ - وفي يوم الأحد التاسع والعشرين من شهر رمضان توفي الشيخ الصالح، علم الدين، أبو محمد، علم بن محمود بن عمر الحرّاني (٦)، الحنبليّ، ودفن يوم الإثنين يوم عيد الفطر، بالقرب من قبّة الشيخ رسلان خارج باب توما.
وكان رجلا مباركا، مواظبا على تلاوة القرآن، كثير السكون، متواضعا. سمع الحديث، وأسمع أولاده، وناب في الخطابة ببيت لهيا عن صهره فخر الدين العجلوني.
وحفظ «العمدة» في الفقه للشيخ (. . .) (٧) و «العمدة» في الأحكام للحافظ عبد الغني، وعرضهما على الشيخ شمس الدين الحنبليّ.
стр. 2084
ومولده تقريبا في سنة خمس وأربعين وستماية بحرّان.
شوّال
[وفاة شرف الدين محمد المعروف بابن النشو]
٨٩٧ - في ليلة الأربعاء الثالث من شوال توفي الشيخ شرف الدين، أبو الفتح، محمد بن عبد الرحيم بن عباس بن أبي الفتح بن عبد الغني بن أبي محمد بن خلف بن إسماعيل القرشي، المعروف بابن النشو (١)، وصلّي عليه عقيب ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، /٣٣٨ ب/ودفن بمقبرة الباب الصغير.
ومولده في ليلة الخميس تاسع عشر جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وستماية بالقرافة الصغرى.
وكان رجلا جيدا، حسن الشكل، عنده أمانة ومعرفة، وسافر في التجارة إلى بغداد وديار مصر. وكان له ملك. وأسمعه خاله الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الغني القرشي ابن النشو بالقاهرة من ابن رواج، ويوسف الساوي، وفخر القضاة بن الجبّاب، والشيخ بهاء الدين ابن الجمّيزي، وغيرهم. وسمع بدمشق أيضا. وخرّج له فخر الدين ابن البعلبكيّ «مشيخة» في أربعة أجزاء عن نحو عشرين شيخا، قرأتها عليه. ومن الأجزاء التي تفرّد بها بدمشق وقرئت عليه مرارا كتاب «المحدّث الفاصل» للرامهرمزيّ سبعة أجزاء، و «نسخة وكيع بن الجرّاح»، و «حديث إسماعيل الصفّار» عن الصّغاني، والدوري، و «مجلس ابن ميلة»، و «مسند عائشة» ﵂، للمروزي، والأجزاء الثلاثة من «المحامليّات» السادس والسابع والثامن والتاسع من «المزكيّات»، وغير ذلك.
[وصول الماء إلى قناة جامع الكريمي]
وفي العشر الأول من شوال وصل الماء إلى القناة والجامع الكريمي بالقبيبات ظاهر دمشق، وكان الواقف اشترى له حجر ما مزيّ من نهر داريّا بخمسة وأربعين ألفا، وبنى قناة وأجراه فيها، ومرّ به على كفر سوسية. ولما وصل الماء حصل للناس به نفع كثير، وكثر الأنس بهذه الجهة وقصدها الناس للراحة والتفرّج، وانتفع الناس
стр. 2085
بالحوض الكبير المبنيّ قبالة الجامع المذكور، وشرب منه الناس والدوابّ والمسافرون وأهل المكان (١).
[وفاة الزين الحلبي]
٨٩٨ - وفي يوم الأربعاء عاشر شوال توفي الزين الحلبي (٢)، المقرئ على الجنائز.
[خروج المحمل السلطاني]
وفي يوم الخميس الحادي عشر من شوال خرج المحمل السلطاني من دمشق إلى الحجاز المبارك، وأمير الركب الأمير صلاح الدين ابن الملك الأوحد بن الزاهر بن (٣) صاحب حمص، وتوجّه في هذه السنة الأمير زين الدين كتبغا الحاجب، والأمير ناصر الدين الدوادار السيفي، ومن القضاة والعلماء الإمام قاضي القضاة شرف الدين ابن البارزي قاضي حماه، والشيخ كمال الدين ابن الزّملكاني، والقاضي شمس الدين ابن/٣٣٩ أ/العزّ الحنفي، والخطيب معين الدين ابن المغيزل خطيب حماه، والقاضي عزّ الدين ابن قاضي القضاة تقيّ الدين الحنبلي، والقاضي نور الدين السخاوي المالكي، وهو قاضي الركب. ومن الصدور والأعيان الشيخ علاء الدين ابن غانم، والقاضي قطب الدين ابن شيخ السلامية، والقاضي بدر الدين بن العطار، وفخر الدين ابن محبوب، وشهاب الدين ابن نجم الدين ابن هلال، ومن الفقهاء ورواة الأحاديث النبوية الشيخ عفيف الدين ابن المجد عبد الله إمام التربة الظاهرية، والشيخ زين الدين أبو بكر مدرّس القليجية، وعزّ الدين عبد الرحمن بن الشيخ عز الدين إبراهيم بن عبد الله بن الشيخ أبي عمر، وشهاب الدين ابن الحلبية المقرئ، ومحبّ الدين ابن المحبّ الحنبلي المحدّث (٤).
[من حجّاج الديار المصرية هذا العام]
وحجّ من الديار المصرية في هذه السنة قاضي القضاة شمس الدين الحنفي ابن الحريري، وقاضي القضاة تقيّ الدين أحمد بن عمر الحنبلي، والشيخ مجد الدين حرمي، والشيخ فخر الدين التركماني الحنفي، والقاضي شرف الدين عيسى المالكي، وهو قاضي الركب المصري، وخلق كثير.
كتب إليّ أبو بكر الرحبي يذكر أنه منذ خمسين سنة ما خرج من القاهرة ركب
стр. 2086
مثل هذا الركب، وكان في ركبهم محامل كثيرة، قيل إنها كانت سبعة وعشرين محملا (١).
[اكتمال حمّام ابن المهمندار]
وكمل الحمّام الذي بالقرب من خان السلطان خارج باب توما ظاهر دمشق، ودخله الناس في نصف شوال. وهذا الحمّام ابتدأ بعمارته ناصر الدين ابن المهمندار ومات، فاشتراه، وكمل عمارته الأمير سيف الدين الجي بغا العادلي، وهو حمّام كبير فسيح، فيه ثلاثون جرنا، ويشتمل على أربع مقاصير، وأوجر (٢) في كل يوم بخمسة وعشرين درهما (٣).
[وفاة أمين الدين ابن سالم الأسدي]
٨٩٩ - وفي يوم السبت السابع والعشرين من شوال توفي الشيخ الصالح، أمين الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق بن سالم الأسدي (٤)، الحلبي، النحاس بالمدرسة القليجية بدمشق، وصلّي عليه بجامع دمشق بين الصلاتين، ودفن بمقابر الصوفية.
وسألته عن مولده، فقال: أخي أيوب أكبر منّي بخمس سنين، وأنا أكبر من أخي إسحاق بخمس سنين. /٣٣٩ ب/وكان مولد أيوب في سنة سبع عشرة وستماية.
وكان شيخا صالحا، سليم الصدر، كثير الخير، قليل الشرّ، وعمّر، وترك التجارة، ولازم الجامع، وكان يحضر إليه بنفسه، ثم ضعف فصار يقاد، ثم ضعف فصار يحمل.
وذكر لي أنه لم يتزوّج قطّ ولا تسرّى ولا احتلم (إلاّ) (٥) في النوم، وحجّ مرّات، منها مرة في سنة خمس وأربعين وستماية على طريق الديار المصرية، وسمع في هذه السفرة بحماه من صفيّة القرشيّة، وبالقاهرة من يوسف الساوي، وابن
стр. 2087
الجمّيزي، وغيرهما، وبمكة من شعيب الزعفراني، وشرف الدين المرسي. وسمع بحلب من يوسف بن خليل، والضياء صقر. وكان قليل السماع، وأجازه في سنة اثنتين وأربعين وستماية الكاشغري، وابن الخازن، وابن النخال، وإبراهيم بن الخيّر، وابن النجار، وابن الوليد، والصغاني صاحب «مشارق الأنوار»، وجماعة. ومن الأجزاء التي تفرّد بها بالسماع بدمشق «الأربعون السلفية»، و «الأربعون الثقفية»، و «مشيخة ابن الجمّيزي»، و «الثمانون» للآجرّي، و «المنامات» للبرداني، و «الأسلاف» للمسيّبي، و «جزء لوين»، وخرّج له فخر الدين البعلبكي «مشيخة» وحدّث بها مرات.
[وفاة شهاب الدين ابن أبي بكر الحنفي]
٩٠٠ - وفي يوم السبت السابع والعشرين من شوال توفي شهاب الدين، أحمد بن علي بن أبي بكر الحنفي، المعروف بابن الفرّاش (١)، ودفن بسفح قاسيون.
وكان يشهد على باب المدرسة الزنجيلية خارج باب توما، وصار نقيبا لقاضي القضاة حسام الدين الحنفيّ.
[وفاة جمال الدين محمد المعروف بابن الجوخي]
٩٠١ - وفي يوم السبت السابع والعشرين من شوال توفي جمال الدين، محمد بن الصدر بدر الدين أحمد بن الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد بن محمود، المعروف بابن الجوخي (٢)، ودفن بسفح قاسيون، وفجع به والده. وكان مريضا عند موته فحمل في الجنازة في محفّة، وتألّم الناس لهما.
وكان حفظ الكتاب العزيز وأمّ به في صلاة التراويح، وحفظ شيئا من النحو، وكان فيه نباهة وذكاء ورياسة.
مات في السنة الرابعة عشرة من عمره، ولم يبلغ مبلغ الرجال.
[وفاة شرف الدين عبد الرحيم ابن العجمي]
٩٠٢ - وفي يوم عيد الفطر توفي الشيخ شرف الدين، أبو طالب، عبد الرحيم بن محيي الدين محمد بن الشيخ الإمام شرف الدين أبي طالب عبد الرحمن بن عبد الرحيم /٣٤٠ أ/ابن عبد الرحمن بن الحسن بن العجمي (٣)، الحلبي بحلب.
وهو في عشر الثمانين.
وله حضور على يوسف بن خليل الحافظ، وجد له عليه «جزء محمد بن
стр. 2088
عاصم»، و «أحاديث أبي عمرو السّقطي»، و «حديث بكر بن بكار»، و «حديث الأزرق»، والثالث من «الإخشيديّات»، و «رباعيّات الصحابة» من تخريجه، وسمع من ضياء الدين صقر، ومن جدّه الشيخ شرف الدين ابن العجمي، وحدّث، وسمع منه الطلبة. وكان من بيت كبير، وأسره التتار، وبقي عندهم مدّة، ثم عاد إلى بلده.
كتب إليّ بتاريخ موته زين الدين ابن حبيب.
ذو القعدة
[وفاة بدر الدين حسن بن عمر المهندس]
٩٠٣ - وفي يوم الجمعة العاشر من ذي القعدة توفي، بدر الدين، حسن بن المعلّم عمر المهندس (١)، الساكن بالعقيبة ظاهر دمشق، ودفن آخر النهار بتربة له في طرف مقبرة باب الفراديس.
وكان مهندسا في خدمة السلطان، وطلبه السلطان الملك الناصر إلى القاهرة بسبب عمائر له، وصار له عنده منزلة، وأقطعه إقطاعا، وصار جنديّا.
[وفاة نجم الدين عبد الملك بن عبد القاهر ابن تيميّة]
٩٠٤ - وفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من ذي القعدة توفي الشيخ نجم الدين، أبو محمد، عبد الملك ابن الشيخ فخر الدين عبد القاهر ابن الشيخ الإمام الخطيب سيف الدين عبد الغني ابن الشيخ الإمام، العلاّمة، الخطيب، فخر الدين أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن تيمّية (٢) الحرّانيّ، فجأة بحمّام الكمالي داخل باب الجابية بعد خروجه من الحمّام، وغسّل في الحمّام المذكور، وصلّي عليه بجامع دمشق بين الصلاتين، ودفن بمقابر الصوفية عند أهله.
ومولده بحرّان في ليلة الثلاثاء قريب ثلث الليل الأول السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستّ وأربعين وستماية.
وكان رجلا جيّدا من بيت علم ودين، وكان يجلس مع الشهود بمسجد الصاغة العتيقة مدّة طويلة. وكان شيخا بخانكاه القصر ظاهر دمشق، وفي أواخر عمره انقطع عن ذلك، وسمع الحديث من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وغيرهما. وروى «جزء ابن عرفة» مرات، وروى بالإجازة عن الأغرّ بن العلّيق، ويحيى بن قميرة، وعبد العزيز بن الزبيدي، وجماعة.
стр. 2089
[وفاة أبي الطاهر ابن أبي المكارم المرداوي]
٩٠٥ - وفي ليلة الثلاثاء سابع ذي القعدة توفي الشيخ الصالح، أبو الطاهر/ ٣٤٠ ب/ابن يوسف بن أبي الطاهر بن محمد بن أحمد بن أبي المكارم المرداوي (١) بالقدس الشريف، ودفن بمقبرة الساهرة.
وكان رجلا جيّدا من أهل القرآن، وخرج من قريته إلى حضور غزوة أرسوف في سنة ثلاث وستين وستماية، ورجع من الغزاة، وسكن الصالحية ظاهر دمشق، وأقام بالمدرسة الضيائية خمسا وعشرين سنة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث من جماعة، وكان مختصّا بالشيخ شمس الدين ابن الكمال، وكان يمشي مع ولده يسمعه الحديث على الشيوخ، وأجاز له من بغداد الشيخ يحيى الصرصري وجماعة، ثم عاد إلى قريته، وأقام بالقدس في أواخر عمره، ورتّب إماما للحنابلة بالمسجد الأقصى.
ومولده في سنة ثمان وأربعين وستماية تقريبا. ومن الشيوخ الذين سمع منهم بدمشق البدر عمر الكرماني، وابن أبي اليسر، وابن النابلسي، وابن هامل.
[وفاة قاضي القضاة ابن مجلّي الدنيسري]
٩٠٦ - وفي يوم الجمعة آخر جمعة من ذي القعدة توفي قاضي القضاة، شمس الدين، أبو الفضل، عبد الله ابن قاضي القضاة مهذّب الدين أبي المعالي محمد بن سليمان بن مجلّي الدنيسري (٢)، ثم المارديني. بماردين، ولّي قضاء ماردين عقيب موت والده في ربيع الأول سنة ستّ وستين وستماية، فبقي قاضيا خمسة (٣) وخمسين سنة وأشهرا، وبقي أبوه قبله في منصب القضاء خمسة (٤) وثلاثين سنة.
وكان والده من أهل دنيسر، وحجّ القاضي شمس الدين المذكور ثلاث مرات، سنة إحدى وثمانين، وسنة ستّ وسبع ماية، وسنة خمس عشرة وسبعماية، ودخل بغداد مع صاحب ماردين.
وهو شيخ حسن، كريم النفس، له حرمة ومكانة، وعليه سكينة ووقار. سمع من والده، ومن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبي سعد الآمدي، وابن التيتي، وسمع منه كثيرا، وله نوّاب في البلد المضافة إلى ماردين، مثل دنيسر، ورأس عين، ونصيبين، والهتاخ، وجملين، والصور، وغير ذلك. وكانت له جامكية وجراية كل شهر نحو ألفي درهم، وولّي القضاء بعده ولده القاضي مهذّب الدين محمد. ولما
стр. 2090
ورد دمشق في الحجّة الثالثة، /٣٤١ أ/اجتمعت به غير مرة، وكتبت عنه قصيدة في الخلفاء نظم ابن التيتي المذكور، سمعها منه.
[وفاة الأمير جمال الدين آقش الجلباني]
٩٠٧ - وفي آخر يوم من ذي القعدة توفي الأمير جمال الدين آقش (١) الجلبّاني بمدينة رسول الله ﷺ ، ودفن بالبقيع.
وسبب موته أنّه وقع من مصطبة فانفلق رأسه وتعذّر سفره مع الركب، فبقي بعدهم بالمدينة أربعة أيام، ومات.
وكان رجلا جيّدا.
وهو صهر شيخنا شمس الدين ابن الزين المقدسي، وكان ساكنا في الموضع الذي كان به بدير الحوراني، بسفح جبل قاسيون، بالقرب من المدرسة الصاحبية.
وحجّ معه في هذه السفرة الشيخ شهاب الدين ابن الحلبية المقرئ.
ذكر لي أنه قصده في ذلك وعزم عليه، وأنه اعتذر إليه بأمور فأزال أعذاره، ووفى دينه. ولما وقع وتركوه بالمدينة أوصى بخدمته وتكميل حجّه، وإعادته إلى أهله، رحمه الله تعالى.
ذو الحجّة
[وفاة شهاب الدين أحمد بن التليل]
٩٠٨ - وفي يوم الأحد رابع ذي الحجّة توفي شهاب الدين، أحمد بن التليل (٢) بقرية جرمانا، وصلّي عليه العصر بجامع العقيبة، ودفن بسفح قاسيون.
وكان شيخا بلغ السبعين.
وخدم الفقراء بنفسه وماله، وكان ورث من أبيه ثلاثماية ألف درهم أنفقها كلّها.
وكان عليه وقف بجرمانا وغيرها. وكان يلبس زيّ الفقراء العسلي وغيره، ويصحب تقيّ الدين ابن تمّام، والشيخ مظفّر المزّي.
[كسوف القمر]
وفي ليلة الخميس منتصف الشهر كسف معظم القمر في وسط الليل، وصلّى الخطيب صلاة الكسوف، وخطب، ونودي في مواذن الجامع، واجتمع جماعة، وأقيمت هذه السنة.
стр. 2091
[وفاة أبي بكر بن حسن الحريري]
٩٠٩ - وفي ليلة الأربعاء رابع عشر ذي الحجة توفي الشيخ الصالح، أبو بكر بن الشيخ حسن بن الشيخ علي الحريري (١)، ودفن يوم الأربعاء بمقبرة أهله بقرية بسر بحوران.
وقارب السبعين من العمر.
وكان رجلا مباركا، مشكور السيرة، وصلّي عليه بجامع دمشق يوم الجمعة سلخ الشهر المذكور.
[ذبح بوّاب الخانكاه الفخرية بالقدس]
وفي العشر الأول من ذي الحجّة دخل إلى الخانكاه الفخرية بالقدس في ليلة مظلمة إلى بيت الطواشي البوّاب بها/٣٤١ ب/فذبح، وأخذ من بيته أكثر من سبعة عشر ألف درهم.
وهو من غلمان صاحب الخانكاه القاضي فخر الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية، ومسك جماعة من الصوفية وغيرهم وحبسوا، وعوقب جماعة، وحصل للناس ألم شديد بسبب هذه الواقعة.
[وفاة قاضي القضاة كمال الدين ابن أبي جرادة الحلبي]
٩١٠ - وفي ليلة الأربعاء رابع عشر ذي الحجة توفي قاضي القضاة، كمال الدين، أبو حفص، عمر بن (٢) شيخنا قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز بن الصدر الكبير محيي الدين محمد بن قاضي القضاة نجم الدين أبي الحسن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أبي جرادة (٣) الحلبي، الحنفيّ بحلب، وكانت جنازته حفلة، حضرها نائب السلطنة ماشيا، وأعيان الدولة.
ومولده في سنة ثلاث وسبعين وستماية.
وكان صدرا كبيرا، محتشما، ولّي قضاء حلب مدّة، وكان له بها تداريس وأنظار ومناصب، وقام بذلك جميعه بعده ولده قاضي القضاة ناصر الدين محمد قاضي حماه، نقل من حماه إلى حلب.
[وفاة المقرئ محمد بن عبد الخالق القرشي]
٩١١ - وفي ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي الحجّة توفي الشيخ الصالح،
стр. 2092
المقرئ، أبو عبد الله، محمد بن عبد الخالق (١) بن عبد الله بن يوسف (٢) بن عون القرشي، البياني، الدمشقي، وصلّي عليه يوم السبت بعد الظهر بجامع دمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير عند والده قبالة زاوية الشيخ عامر اليونسي، وشهده جمع كبير.
وكان رجلا صالحا، مشهورا بالخير واللطف والجودة والبرّ. وممّا وصف به أنه كان لا يغتاب أحدا ولا يسمع الغيبة، وأنه كان يلتقي الحجّاج في كل سنة بهديّة ويفرّقها على من يعرف ومن لا يعرف. وكان إماما برباط الشيخ أبي البيان، وله حلقة مصدّرة بجامع دمشق.
وسمع من أبي الفضل إسماعيل بن أحمد بن الحسين العراقي، وروى عنه.
وسألته عن مولده فقال: في ليلة الحادي عشر من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستماية بدمشق.
[وصول مجد الدين السلامي للوساطة بين السلطان وملك التتار]
وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ذي الحجة وصل إلى دمشق مجد الدين إسماعيل بن محمد بن ياقوت السلامي، التاجر من المدينة السلطانية، وخرج لتلقّيه جماعة من الجند، ونزل بدار السعادة فأقام يوما وتوجّه إلى القاهرة/٣٤٢ أ/على البريد واشتهر أنه ورد في صلح بين سلطان المسلمين وبين ملك التتار، وأنه وصلت على يده هدية جليلة فيها خركاه مجوهرة، وأشياء من آلات الجند، وخيمة سقلاط، ومماليك ترك، وجواري، وجمال بخاتي، وقماش نفيس. وخوذة مكتوب عليها أكثر الختمة الشريفة، وغير ذلك.
وكان وصول الهدية إلى دمشق بعده بنحو نصف شهر (٣).
[قتل مجد الدين إسماعيل بن إسحاق ابن قاضي الرحبة]
٩١٢ - وفي صبيحة يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة وجد مجد الدين، إسماعيل ابن القاضي نجم الدين إسحاق بن إسماعيل بن (٤) قاضي الرحبة مقتولا تحت جسر باب السلامة ظاهر دمشق، وجدت جثّته بغير رأس فأخرجت، وعرف أنها جثّته بعلامات فيه، وتبيّن أنّ قاتله شابّ نصرانيّ لحّام اسمه يعقوب، كان يعاشره، فمسك واعترف، وسئل عن رأسه وثيابه، فقال: رميتها في الماء. وغسّلت جثّته وكفّنت، وصلّي عليها، ودفنت بمقابر باب الصغير عند والده بتربة الشيخ تاج الدين، ﵀.
стр. 2093
ثم وجد الرأس في الماء قريبا من الموضع الذي وجدت فيه الجثّة بعد ثلاثة عشر يوما، وجده صيّاد يصطاد السمك فأحضره إلى الوالي، ودفن يوم عاشوراء على الجثّة.
وكان، ﵀، فقيها بالمدارس، وحفظ «التنبيه»، وكان يجلس مع الشهود.
ومولده في سنة ثمانين وستماية.
وقتل قاتله النصرانيّ المذكور في الثالث والعشرين من صفر من السنة الآتية، وإنّما أخّر هذه المدّة لأجل غيبة أخي المقتول شهاب الدين أحمد، فلما حضر من الرحبة وطالب بقتله حكم بقتله، وبعد القتل أحرقه العوامّ، ولم يمكن منعهم من ذلك.
[وفاة نجم الدين محمد بن العنزي الحموي]
٩١٣ - وفي يوم الأربعاء الثامن والعشرين من ذي الحجة توفي الشيخ العدل، نجم الدين، محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن العنزي (١)، الحمويّ بحماه، وحضر جنازته خلق كثير.
وخلّف ثلاثة أولاد صغار، وكان عدلا مشهورا ببلده.
[وفاة المقرئ عماد الدين ابن منصور الأنصاري]
٩١٤ - وفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من ذي الحجة توفي الشيخ الفاضل، المقرئ، المسند، عماد الدين، أبو عبد الله، محمد ابن الشيخ الإمام، العالم، المقرئ، /٣٤٢ ب/تقيّ الدين، أبي يوسف، يعقوب بن بدران بن منصور بن بدران بن منصور الأنصاري، الدمشقيّ المولد، القاهريّ المنشأ، المعروف بابن الجرائدي (٢)، بالمارستان بالقدس الشريف، وصلّي عليه بالمسجد الأقصى، ودفن بمقبرة ماملا.
ومولده في الثالث شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وستماية بدمشق.
وسمع من ابن الجمّيزي، وسبط السلفي، والحافظين زكيّ الدين عبد العظيم، ورشيد الدين العطار، وروى عنهم، وسافر، ودخل اليمن، وحجّ، وله محفوظات،
стр. 2094
واشتغل بالعلم، وقرأ القراءآت على الشيخ كمال الدين الضرير، وروى الشاطبية، عن أصحاب ناظمها، وكان يحفظها، وعنده طرف من الحساب والجبر والمقابلة والنحو، وكتب الخط والمنسوب.
وقدم علينا دمشق في سنة سبع وسبع ماية، وأقام مدّة سنين، ثم إنّه توجّه إلى القدس الشريف وأقام به إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
[الحجّ هذا العام]
وكان الحج في هذه السنة طيّبا اجتمع فيه خلق عظيم، ووقف الناس بعرفة يوم الجمعة بلا خلاف، وحضر الموقف عالم كبير من البلدان.
قال الشيخ رضيّ الدين إبراهيم بن الطبري إمام المقام الشريف: من عمري أحجّ، ولم أر مثل هذه الوقفة.
ووصل في كتب بعض الجماعة أنه مع كثرة الناس أبيع الشعير الكيل بأربعة عشر وخمسة عشر وأكثر، وأول من قدم مكة القاضي فخر الدين ناظر الجيش وصل في الثاني عشر من ذي القعدة، وكان خروجه من القاهرة في السادس عشر من شوال، فتوجّه أولا إلى القدس الشريف وسافر منه على الطريق الشاميّ. وهو الذي أخبر بمسك الجاولي (١).
[وصول الأمير أرغون نائب السلطنة ومعه الأمير رميثة]
وفي الثالث والعشرين من ذي القعدة وصل نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون هو وبيته وأولاده ومماليكه، ومعه الأمير رميثة بن أبي نميّ، وتألّم لذلك أهل مكة، لكنّ أمر مكة إلى أخيه عطيفة وهو مشكور السيرة، وأهل مكة يحبّونه لعدله، وجاء إلى مكة في هذه السنة من اليمنيّين والكارم (٢) خلق كثير بسبب عدله.
[إقامة سنن الحجّ]
وأقيم في هذه السنة من سنن الحجّ أنهم صلّوا/٣٤٣ أ/الصلوات الخمس بمنى، وأقاموا بها إلى أن أشرقت الشمس، وصلّى جماعة الظهر والعصر يوم عرفة بنمرة، وخطب خطيب مكة بها بحضور نائب السلطنة وجماعة، ووقف الناس بعرفة إلى بعد دخول وقت المغرب، ومشى نائب السلطنة من مكة إلى عرفات.
وحضر الركب العراقيّ في تجمّل كثير ومعهم محمل عليه ذهب كثير وفيه لؤلؤ
стр. 2095
وجوهر قوّم بماية تومان ذهب، فحسبنا ذلك بمايتي ألف دينار وخمسين ألف دينار من الذهب المصريّ (١).
وبلغنا أنّه لما وصلوا به من المدينة السلطانية إلى بغداد أنزلوه بالمدرسة المستنصرية ونودي بين يديه: من أراد الحج في سبيل السلطان بن السلطان الملك الناصر، والسلطان بن السلطان أبي سعيد بن خربندا. ومن الحجّاج مع الركب العراقيّ خال السلطان أبي سعيد، وغياث الدين صاحب هراة، وهو أمير الركب، وأخو شحنة بغداد، ومن خراسان صدر الدين ابن حمّويه، ومن كرمان عماد الإسلام، ومن بغداد جمال الدين ابن العاقولي، ونور الدين الحكيم، ومن واسط تقيّ الدين عبد المحسن (٢).
[وصول الركب الشاميّ]
ووصل الجماعة الذين معهم الشعير والدقيق والرمّان وغير ذلك إلى الركب الشاميّ، إلى رأس عقبة الأخيضر، وأبيع الشعير بتبوك الكيل بأربعة وبخمسة، وكان قبل ذلك بليلتين أبيع بسبعة عشر درهما، ولم يجد الركب الشاميّ في الرجعة في المفازة بين العلاة (٣) وتبوك ماء، لكن حصل من البرد ما أغنى عنه، ولله الحمد.
آخر المجلّد الثاني من التاريخ المسمّى بالمقتفي
تأليف الحافظ علم الدين ابن البرزالي
يتلوه في الثالث سنة إحدى وعشرين وسبع ماية.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين صلاة دائمة إلى يوم الدين.
ووافق الفراغ من كتابته في خامس شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبعماية على يد العبد الفقير إلى رحمة ربّه.
محمد بن محمد بن علي الأنصاريّ (٤)،. . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2096
عرف بابن الحبّوبيّ (١)
(قوبل هذا المجلّد والذي قبله مع جامعه في مجالس آخرها ثامن ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبع ماية بدمشق، والحمد لله وحده.
كتبه القاسم بن محمد البرزاليّ). (٢).
وفي الصفحة الأخيرة من هذا المجلّد كتب بخط مختلف، ما يلي:
/٣٤٣ ب/ «لما حضر بشتاك، وطاجار إلى دمشق، وبرسبغا، وتتمّة عشرة أمراء، عرضوا حواصل تنكز (٣) وأخرجوا ذخائره وودائعه، وتوجّه بشتاك إلى مصر ومعه من مال تنكز ثلاث ماية ألف وستة وثلاثون ألف دينار مصرية، وألف ألف وخمس ماية ألف درهم، وجواهر مثمّنة، وقطع غريبة، ولؤلؤ غريب الحبّ، وأطرار سركس (٤)، وكلوتات زركش، وحوائص ذهب بجامات مرصّعة، ومن القماش ما كان جملته من ثمان ماية حمل.
وأقام بعده (٥) برسبغا، وتوجّه بعد ذلك بما استخلص من بقايا أموال تنكز.
стр. 2097
ومعه أربعون ألف دينار، وألف ألف وماية ألف درهم، وأخذ مماليكه وخيله وجواده المثمّنة إلى مصر.
ثم ورد مرسوم بتقويم أملاكه، فعمل ذلك بالعدول وأرباب الخبرة، وذلك:
دار الذهب ومضافاتها ست ماية ألف درهم الدار التي بجوار جامعه ماية ألف درهم قيساريّة المرحلتين مايتا ألف وخمسون ألف درهم بستان العادل ماية ألف وثلاثون ألف درهم مزرعة الركن ماية ألف درهم القصر وما معه خمس ماية ألف وخمسون ألف درهم حصّة من البويضا ماية ألف وسبعة وثمانون ألف درهم حوانيت باب الفرج خمسة وأربعون ألف درهم (١) بستان القوصي بها ستون ألف درهم الحصة بالدفوف ثلاثون ألف درهم حصّة من غيضة الأعجام عشرون ألف درهم دار الزّمرّد مايتا ألف وسبعون ألف درهم الحمّام بجوار الجامع الذي له ماية ألف درهم خان البيض وحوانيته ماية ألف وعشرة آلاف درهم بستان النجيبي والحمّام والفرن ماية ألف وثلاثون ألف درهم الفاتكيّات والرشيدي والكروم من زملكا ماية ألف وثمانون ألف درهم ربع القصرين ضيعة ماية ألف وعشرون ألف درهم نصف بوّابة ماية ألف وثمانون ألف درهم حمّام القابون عشرون ألف درهم بستان الرزّاز ستون ألف درهم بستان السقلاطوني بالمنيحة خمسة وسبعون ألف درهم غراس الهامة ثلاثون ألف درهم دار الزردكاش وما معها مايتا ألف وعشرون ألف درهم خان العرصة ماية ألف وعشرون ألف درهم الدهشة والحمّام مايتا ألف وخمسون ألف درهم الحدائق بحرستا ماية ألف وخمسة وستون ألف درهم الحوانيت التي قبالة الحمّام ماية ألف درهم نصف البيطارية ماية ألف وثمانون ألف درهم العديل ماية ألف وثلاثون ألف درهم بستان الجبلي بحرستا أربعون ألف درهم المزرعة المعروفة بتهامة مغل البيطارية خمسة عشر ألف درهم بيدر زبدين ثلاثة وأربعون ألف درهم
стр. 2098
العلاّنية بعيون الفاشرتا ثمانون ألف درهم حصة دير ابن عصرون خمسة وسبعون ألف درهم الدير الأبيض خمسون ألف درهم (١) قال كاتب هذه الصفحة: أدركتني صلاة المغرب فاقتصرت من كتب أملاكه على هذا القدر، وتركت بقيّة أملاكه بدمشق، وقارة، وحمص، وبيروت، والقدس، والقاهرة، وغيرها. وفي كل ما كتبته كفاية لمن يعتبر.
стр. 2099
ملحق حوادث ووفيات (721 - 729 هـ)
سنة إحدى وعشرين وسبعماية
ربيع الأول
[كائنة بغداد]
في نصف شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبعماية كبس الحراميّة بغداد وقت الظهر ونهبوا سوق الثلاثاء، وخرج الناس، وقتلوا منهم نحو المائة وأسر منهم جماعة، وكان ذلك جرأة عظيمة منهم.
نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي، وقال:
كنت قرأت ذلك في كتاب وصل إلى شمس الدين بن منتاب البغدادي. وفيها أيضا ورد كتاب من بغداد من جهة أحمد البالوادي إلى شمس الدين بن منتاب بدمشق، وهو مؤرّخ بالحادي والعشرين من جمادى الآخرة، وكان وصوله إلى دمشق في مدّة عشرين يوما، وفيه: «. . . والذي أعرّفكم به أنه جرى في بغداد شيء، ما جرى في زمان الخليقة (١) إلى هذا التاريخ: خرّبوا البازار (٢) من أوله إلى آخره، وما يعلم ما عزموا عليه إلاّ الله تعالى، وما خلّوا في البلد خاطية إلاّ توّبوها وزوّجوها، وما خلّوا أحدا يعصر في البلد شرابا، وبدّدوا الشراب العتيق، ولو بدّدوه من الشطّ غرقت بغداد، وبعد ذلك نادت المنادية أنّ كلّ من تخلّف عنده شيء من الشراب يكون دمه وماله للسلطان. وطلع بعد ذلك عند شخص من العقبة جرّة، فعلّقوها في حلقه، وقتلوه في باب النوبة، وطلع عند عبد الله بن الجبّار الذي من درب دينار جرّتين (٣) من الشراب فقطعوا رأسه في باب النوبة، وجعلوا جرّة عند رأسه، وجرّة عند رجليه، ودفع فيه ألف وخمسمائة دينار، فما خلاّه محمد حسيناه، وعلّموا (٤) اليهود
стр. 2100
والنصارى. وأسلم الرّفّى (١) الجوهري، وبركة، وإبراهيم الكاغدي، والعماد الصيرفي. وكل يوم جمعة يسلم أربعة خمسة».
نقلته من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي أيضا (٢).
[جمادى الأولى]
[تحرير قبلة جامع القاضي]
قال الشيخ علم الدين البرزالي، ومن خطّه نقلت:
وفي يوم الأربعاء السادس من جمادى الأولى خرج القضاة والأعيان والمفتيون (٣) إلى القابون، ووقفوا على قبلة الجامع الذي أمر ببنائه القاضي كريم الدين وكيل السلطان بالمكان المذكور، وحرّروا قبلته، واتفقوا على أن تكون مثل قبلة جامع دمشق (٤).
[إمساك الأمير جوبان]
وفيه وقعت مراجعة من الأمير جوبان أحد المقدّمين الكبار بدمشق وبين نائب السلطنة تنكز، فمسك جوبان ورفع إلى القلعة ليلتان (٥)، ثم حوّل إلى القاهرة فعوتب في ذلك، ثم أعطي خبزا يليق به (٦).
[حريق في القاهرة]
وذكر علم الدين أنّ في هذا اليوم وقع حريق عظيم في القاهرة في الدّور الحسنة والأماكن المليحة المرتفعة، وبعض المساجد، وحصل للناس مشقّة عظيمة من ذلك، وقنتوا في الصلوات، ثم كشفوا عن القضيّة، فإذا هو من قبل النصارى بسبب ما كان أحرق من كنائسهم وهدم، فقتل السلطان بعضهم، وألزم النصارى أن يلبسوا الزرقاء (٧) على رؤوسهم وثيابهم كلّها، وأن يحملوا الأجراس في الحمّامات، وأن لا يستخدموا في شيء من الجهات، فسكن الأمر وبطل الحريق (٨).
стр. 2101
[قدوم قوام الدين الأكفاني إلى دمشق]
قال الشيخ علم الدين: وقدم دمشق الشيخ قوام الدين أمير كاتب ابن الأمير العميد عمر الأكفاني، القازاني، مدرّس مشهد الإمام أبي حنيفة ببغداد، في أول رمضان، وقد حجّ في هذه السنة وتوجّه إلى مصر وأقام بها أشهرا، ثم مرّ بدمشق متوجّها إلى بغداد فنزل بالخاتونية الحنفية. وهو ذو فنون وبحث وأدب وفقه (١).
[تدريس السبكي بالمدرسة الهكّارية]
قال البرزالي: ومن خطّه نقلت: وفي يوم الأحد سادس عشر شوال ذكر الدرس الإمام العلاّمة تقيّ الدين السبكي المحدّث بالمدرسة الهكّاريّة، عوضا عن ابن الأنصاري أيضا، وحضر عنده جماعة، منهم القونويّ، وروى في الدرس حديث «المتبايعين بالخيار» (٢)، عن قاضي القضاة ابن جماعة (٣).
стр. 2102
سنة ثلاث وعشرين وسبعماية
شعبان
[وفاة الطبيب القاسم بن مظفّر بن عساكر]
[بهاء الدين، القاسم (١) ابن الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفّر ابن نجم الدين بن أبي الثناء محمود ابن الإمام تاج الأمناء أبي الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الدمشقيّ، الطبيب، المعمّر] (٢).
قال البرزالي: وقد قرأت عليه ثلاثا (٣) وعشرين مجلّدا بحذف المكرّرات، ومن الأجزاء خمسمائة وخمسين جزءا بالمكرّرات.
قال: وكان قد اشتغل بالطبّ، وكان يعالج الناس بغير أجرة، وكان يحفظ كثيرا من الأحاديث والحكايات والأشعار، وله نظم، وخدم من عدّة جهات الكتابة، ثم ترك ذلك ولزم بيته وإسماع الحديث، وتفرّد في آخر عمره في أشياء كثيرة، وكان سهلا في التسميع، وقف آخر عمره داره دار حديث، وخصّ الحافظ البرزالي والمزّيّ بشيء من برّه (٤).
[وفاة محمود خاتون ابنة الملك الصالح]
وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من شعبان توفّيت بدمشق محمود خاتون (٥)
стр. 2103
ابنة الملك الصالح عماد الدين، إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بدارها، وتعرف بدار كافور، وصلّي عليها بجامع دمشق عقيب صلاة المغرب من ليلة الجمعة، ودفنت بالمدرسة الصالحية داخل دمشق بتربة جدّتها.
وكانت جليلة، ولم تتزوّج قطّ، ولم يكن في بيت العادل من هو في درجتها، رحمها الله تعالى.
نقلت وفاتها من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزاليّ (١).
стр. 2104
سنة أربع وعشرين وسبعماية
ربيع الآخر
[غلاء الغلال بالشام]
في هذه السنة غلت أسعار الغلال بالشام وانتهت غرارة القمح بدمشق إلى مائة وعشرين درهما، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الناصر-خلّد ملكه-برز أمره المطاع بما أوجب انحطاط الأسعار، وذلك أنه رسّم بإبطال ما على الغلال من المكس في سائر البلاد الشامية، وذلك في شهر ربيع الآخر، ثم رسّم للنائب بالكرك المحروس أن ينقل إلى دمشق المحروسة جملة من الغلال التي بها، فانحلّت الأسعار، ثم رسّم لسائر الأمراء بالديار المصرية أن يحملوا الغلال إلى دمشق، وقرّر على كل أمير حمل جملة معيّنة من الغلال، وأن يحضر نائبه ما يدلّ على وصول ذلك إلى دمشق، فحملت الغلال، وانحطّت الأسعار انحطاطا كثيرا، ولله الحمد (١).
[عزل قاضي القضاة بالشام]
وفيها-في شهر ربيع الآخر-رسّم بعزل قاضي القضاة بالشام جمال الدين الزرعي (٢) بسبب شكوى نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز (٣) منه، فوصل المثال السلطاني إلى دمشق بعزله في الخامس والعشرين من الشهر، وعرض القضاء على الشيخ برهان الدين (٤) بن الشيخ تاج الدين فامتنع عن الإجابة إلى ذلك، واعتذر بالعجز والمرض، وصمّم على الامتناع، فعند ذلك طلب الخطيب القاضي
стр. 2105
جلال الدين محمد بن قاضي القضاة سعد الدين عبد الرحمن بن قاضي القضاة إمام الدين عمر القزويني (١)، فوصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل المحروسة في يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى، واجتمع بمولانا السلطان وخطب بجامع القلعة، وصلّى بالسلطان في يوم الجمعة، وفوّض إليه القضاء بالشام، وخلع عليه في يوم الخميس ثالث عشر من جمادى الآخرة، وأنهى إلى السلطان أنّ عليه دينا شرعيّا، فأنعم عليه بألف دينار ومائة دينار وستين دينارا عينا، وأرسل الذهب صحبة البريد إلى نائب السلطنة بالشام، وكره أن يحضر أرباب الديون ويعطوا أموالهم بمقتضى حججهم، ففرّق ذلك عليهم.
وتوجّه القاضي جلال الدين المذكور من الأبواب السلطانية إلى دمشق في يوم الإثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ووصل إلى دمشق في خامس شهر رجب، وفوّض قضاء العسكر الشامي للقاضي جمال الدين أحمد بن القاضي الصدر المرحوم شرف الدين محمد بن محمد القلانسي (٢) التميمي، وخلع عليه في سادس شهر رجب بدمشق، وخوطب بقاضي القضاة.
هكذا ذكر الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه (٣).