← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2910

الظاهرة القرآنية

مالك بن نبي

Полный текст (318 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومع ذلك فإن عارضاً قد حدث بالتأكيد فغير مجرى حياته. فما هو هذا الذي حدث؟ لقد جاء أحد إخوته في الرضاعة ذات يوم مبهور الأنفاس، ليقص متلعثماً على حليمة المذعورة حادثاً غريباً فاجأ محمداً، فهبت حليمة من فورها تبحث عن رضيعها، فلما لقيته أكد لها ما حدث قائلاً: (جاءني رجلان يلبسان البياض فأمسكاني وفتحا صدري وقلبي وأخرجا منه علقة سوداء) (١). وترى السيرة في هذه القصة اقتلاعاً رمزياً للإثم من جذوره، وربما أورد لها بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الانشراح ٩٤/ ١ و٣ و٣]. ولكن من الثابت أن حليمة قد أعادت الطفل إلى مكة عندما كان في الرابعة أو الخامسة من عمره. فماذا يمكن أن ينطبع في عقله من هذه الحقبة من الحياة الوثنية والبدوية؟. لا شيء- بكل تأكيد- يمكن أن يكون قد علق بذاته فيما يتعلق بالدعوة المقبلة. وبعد قليل ماتت أمه (آمنة)، ولم يعد للغلام منزل أبوة، فضمه جده (عبد المطلب) إليه.

стр. 107

ثم مات الجد العجوز، فكفله عمه (أبو طالب)، أبو (علي)، وكانت سنه آنذاك سبعاً أو ثمانياً. وفي منزل الوصي حيث لا ثروة تغني أهل البيت عن العمل، كان عمه يعمل قائداً ورائداً للقوافل المكية، فكان يذهب في مواسم معينة إلى مراكز التجارة الشامية، لمقايضة منتجات الهند واليمن بمنتجات بلاد البحر الأبيض المتوسط، وفي أحد هذه الأسفار، حين بلغت سن النبي إحدى عشرة أو اثنتا عشرة سنة، توسل إلى عمه أن يصطحبه، ولكنه رفض لأنه لم يكن يريد أن يصطحب رفيقاً حدثاً مثله، في سفر طويل قاس. ومع ذلك فقد ألح الغلام وذاب في دموعه، وألقى بنفسه بين ذراعي عمه الذي استجاب أخيراً لطلبه المؤثر. تلك إذن هي المرة الأولى التي اتصل فيها النبي ﷺ بالعالم الخارجي، أي إنه عاش حتى الثانية عشرة، في بيئة عربية وثنية، يرعى إبل عمه في ضواحي مكة؛ ومعنى ذلك أن حياته لم تنطبع بأي ظرف خاص من نوع ثقافي، بل لقد عاش تلك الفترة يتيماً راعياً. هذا السفر غير المتوقع سيضع في طريق الغلام الحادث العارض الأول الذي يتصل مباشرة بالدعوة المستقبلة. فعندما بلغت القوافل مدينة (بصرى) بالشام، استقبلهم راهب الدير استقبالاً حاراً، وقدم لهم الضيافة المسيحية ثم انتحى ذلك الراهب المسمى (بحيرا) بأبي طالب جانباً وقال له: ((ارجع إلى مكة بابن أخيك، واحذر عليه اليهود فإنه كائن له شأن عظيم)) (١). فهل أولى أبو طالب هذه الحادثة العادية في السفر ما تستحق من الاهتمام،

стр. 108

ليشترك مع ابن أخيه في رسالته المقبلة، وهو الذي مات دون أن يعترف مطلقاً بالإسلام؟ ... وعلى كل، فإن رئيس القافلة المكية كان يجب عليه أولاً أن يكمل مهمته التجارية، قبل أن يأخذ طريق العودة. أما فيما يخص الغلام- حتى على فرض أن القصة طرقت سمعه، فإن الحادث- فيما يبدو- لم يغير شيئاً من سلوكه كسائر شباب قريش. والسيرة اليقظة لوقائع حياته لم تذكر شيئاً خاصاً- منذ هذا الحادث التاريخي- يدل على أن نبي المستقبل قد تجلى له مستقبله. لقد بلغ (محمد) مرحلة المراهقة في مدينة مولده، فقد كان يختلط بالفتيان، ماراً بشهواتهم وأهوائهم دون أن ينزلق فيها، مع أن أحيان الفساد لم تكن قليلة هناك، فقد كانت المصابيح الحمراء المعلقة على أبواب الجواري المنحرفات يجتذبن شباب مكة، المولعين بحمل السلاح، وعشق النساء، ومطارحة الأشعار، وهم يحملون بشجاعة عنترة وغرام امرئ القيس، وكل منهم يمني نفسه بتخليد اسمه، ويود لو يعلق ذات يوم معلقته (على أستار الكعبة)، والرسول ﷺ نفسه قد حدثنا عما كان يراوده من نزعات الشباب، فقد ورد في الخبر: أنه كان يرعى غنماً لأهله مع فتى من قريش بأعلى مكة، فاستأذنه في أن يبصر له غنمه حتى يسمر بمكة كما يسمر الفتيان، فخرج فما جاء أدنى دار من دور مكة سمع غناء وصوت دفوف ومزامير في عرس بالمدينة، فلها بذلك حتى غلبته عيناه فنام، ثم عراه مرة أخرى مثل ذلك. ومن هذا يظهر أن حادثاً عارضاً غير متوقع يحدث دائماً ليحوله عن قصده، وليست الخرافة هي التي تتكلم في هذا الشأن، ولكنه الشاهد نفسه، أعني التاريخ القائم على الأحاديث الصحيحة، ولدينا في هذه النقطة مرجع مهم: فإن نبي المستقبل كان ولا شك يلقى في غمار

стр. 109

هذا الشباب كثيرين من أصحابه الذين أصبحوا فيما بعد- مثل عمر- أبطالاً وشهداء في سبيل دعوته. وفي هذا المرجع التاريخي شهادة ضمنية من ألمع الأسماء في التاريخ الإسلامي، مثل خالد بن الوليد وعثمان بن عفان وغيرهما. أولئك الذين أصدروا على نبي المستقبل حكماً موجزاً، ولكن كم هو بليغ حين أسموه (الأمين). لقد كان في أعينهم في ذلك العصر الصادق الأمين، وهذه الشهادة التاريخية تعطينا تفصيلاً ثميناً للصورة النفسية التي نحاول رسمها، ومع ذلك فإن حياته العادية البسيطة تستمر دون شيء خاص في قطار أيامه؛ حتى سن الخامسة والعشرين. فلم يزل (محمد) عزباً، لأنه لم يستطع الزواج، إذ لكي يطلب يد إحدى شريفات مكة ربما وجب عليه أن يدفع صداقاً كبيراً لا تسمح له به ثروته المتواضعة. الزواج والعزلة ومع ذلك ففي سن الخامسة والعشرين، جاءه غلام يسمى (ميسرة) ليفاتحه في أمر الزواج؛ ودار الحديث حول أرملة غنية شريفة من نساء مكة، تسمى (خديجة). ولقد رفض النبي مقدراً حالته المتواضعة بالنسبة لوضع الزوجة المقترحة، ولكن الغلام الذي عرف كيف يبدد وساوسه، وتدخلت خديجة بنفسها لتأييده. ونحن ندين لهذا التدخل ذاته بتفصيل قيم بالنسبة لتاريخ (الظاهرة القرآنية)، فقد كانت توجد في مكة إبان تلك الحقبة حالة نفسية خاصة، كما يوجد دائماً في كل مكان قبيل الأحداث الهامة كالحرب مثلاً. كان أهل مكة ينتظرون النبي الموعود في سلالة إسماعيل، وكانت خديجة

стр. 110

تغذي سر طموحها إلى أن تتزوج النبي المنتظر، وتراه في (محمد)، الذي صارحته تماماً بمشاعرها نحوه، ولكن (محمداً) لم يكن أقل صراحة حين دافع عن نفسه أن يكون ذلك النبي المنتظر. في هذه الظروف النفسية تم الزواج، وقد ترك لنا ضمناً- من حيث المبدأ- شهادة هامة عن الذات المحمدية التي تتجلى لنا في ضوء هذه المناقشة الأولى عن مجيء النبي الموعود. ونحن نجد فيه شهادة أخرى ليست بأقل أهمية، فقد ترك لنا وثيقة قيمة في سيرة النبي، وردت في الخطبة التي قالها أبو طالب عم النبي في خطبة ابن أخيه حسب عادة قريش، قال: ((أما بعد: فإن محمداً ممن لا يوازَن به فتى من قريش إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلا، وإن كان في المال قُلاً، فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك (١))). هذه السطور تصلنا جيداً بصورة الأمين؛ وتتفق من كل وجه مع الصورة التاريخية لبطل أعظم ملحمة في التاريخ الديني. ولكن ها هي ذي حياته العادية تتغير فجأة، فإن (محمداً) سينسحب من مجتمع مكة، وينعزل عن بيئته ويجمع نفسه متأملاً، وهي عزلة ستكون لها نتيجتها في غار حراء (٢).

стр. 111

فأي متاع، وأي زاد روحي أو عقلي اصطحبه معه في تلك العزلة، التي انطلق منها بعد خمسة عشر عاماً الشعاع القرآني؟ .. إننا نعلم عن هذا العصر أن العادات الوثنية في المجتمع الجاهلي كانت قائمة على أساس قديم من التوحيد التقليدي، الذي ينعكس بوضوح في خطبة أبي طالب، ولكن هذا التوحيد اللاشعوري لا يستتبع أية شعائر خاصة. فإن الكعبة كانت على وجه الخصوص معبداً للأصنام، أو مسرحاً سياسياً للأسر السائدة؛ أما فيما يتعلق بالحياة الدينية في مكة، فقد كانت منذ زمن طويل منظمة تبعاً لوحدة قبلية ملفقة، تجعل (هبل واللات والعزى) على رأس مجموعة آلهة القبائل العربية كلها، ولكن الأسر الكبيرة في مكة- بفضل التأثير السياسي والتجاري- قد استمسكت فوق هذه الوحدة الوثنية الملفقة بوحدانية غامضة، تنعكس في الذكرى التي حفظوها باعتزاز وفخر لجدهم البعيد (إسماعيل)، وعلى كل فإن هذه الذكرى لم تكن لتؤثر مطلقاً على عقائد العرب، أو تقاليدهم الحربية، وهذا يفسر لنا الصراع القاسي الذي سينشب بين المتمسكين بهذا النظام الجاهلي، وبين الإسلام الوليد. وحتى أبو طالب، ذلك الشيخ القرشي الوقور الشريف الذي ذكرنا كلماته الكريمة المهذبة في خطبته، مات دون أن يكفر بالأصنام، على الرغم من توسل ابن أخيه إليه وإلحاحه عليه. تلك كانت الفكرة الغامضة التي تسنى لنبي المستقبل أن يصطحبها في عزلته عن دين جده إبراهيم، ومع كل فيجب أن نضيف أن هذا الدين قد ظل في حالة أصفى عند بعض المتصوفة الذين كانوا يسمون في ذلك العصر "الحنفاء"، وهؤلاء الحنفاء كانوا رجالاً من طراز نادر، تركوا وثنية عصرهم لكي يعكفوا على عبادة إله واحد، لكن حياة التصوف التي عاشها هؤلاء النساك لم يصحبها أي نظام

стр. 112

خاص، أو شكل من أشكال الطقوس، وبالأحرى لم يكن لهم أي اتصال روحي بطائفة من أهل الكتاب، فإن مصادر العصر التاريخية لا تصف أية كنيسة في مكة، أو أي كنيس أو دير في ضواحيها؛ لقد انسحب الحنفاء فقط في أماكن منعزلة، دون أن يقطعوا صلاتهم تماماً بالمجتمع، ولم تكن لهم طريق في تصوفهم سوى أنهم كانوا يمارسون الزهد أو التخلي عن الدنيا، مما يدل على سمة الصحراء وطابعها في نفوسهم. والزهد يتجلى في الواقع في قناعة البدوي الذي تقع ثروته دائماً تحت رحمة مجاعة وقحط، أو غزو من القبائل المجاورة، وفي الكلمات التي نطق بها أبو طالب نفسه- بمناسبة خطبة (النبي) عن المتاع الذي لم يكن سوى وديعة تسترد آجلاً أو عاجلاً- تتجلى روح الصحراء أكثر من روح الدير. إن سلوك الحنفاء الصوفي لم يمتد نحو الأخلاق المسيحية، أو الشريعة الموسوية، بل كان نظاماً فردياً فطرياً بسيطاً، نجد مثاله الخلقي الصافي في أشعار قس بن ساعدة، فهو- على فرض نصرانيته كما يقولون- لم يترك للتاريخ سوى أبيات رائعة تمثل عبقرية الصحراء الصافية. وكان الطابع الإبراهيمي- فيما يبدو- ظاهراً بقدرٍ في البيئة الجاهلية، في ذلك العصر، إذ كان يظهر هنا وهناك حنيفي. ولكن هذا الطابع كان تقليداً عربياً محضاً، لا يمتّ بصلة إلى التفكير اليهودي المسيحي الذي كان تياره الروحي، قد نشأ قبل ذلك بزمن طويل مع الحركة النبوية الإسرائيلية الأولى، أي مع موسى. وحتى في زمننا هذا، وبعد ثلاثة عشر قرناً من الثقافة الإسلامية التي طبعت روحها على العقل العربي الصحراوي، نجد أن الأدب الكتابي (أدب الكتب المنزلة) لم ينتشر مطلقاً؛ وكثير من المسلمين في شمالي نجد ما زالوا يجهلون

стр. 113

تاريخ هذا الأدب اليهودي المسيحي (١). وعلى هذا فليس من المنطق أن نفترض في الحنفاء معرفة أوسع من معرفة معاصرينا عن تيار الفكر، وتاريخ الوحدانية. فمن السهل أن نتصور بأي زاد زهيد، وبأية أفكار مألوفة، وبأي قصد عادي اعتزل النبي ﷺ المجتمع بعد زواجه، تماماً كما كان يفعل حنفاء عصره. ومع ذلك فمن المفيد أن نوضح أن الأحوال التي ذكرناها تكون أصدق في حالته بقدر ما كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فلم يكن ممكناً حصوله على أية معلومات مكتوبة. وتلك مع ذلك ملاحظة مسهبة، إذ قد انعدم المصدر المكتوب نفسه في وسط هذا النبي الأمي كما سيتضح فيما بعد. والآن، ما هي المعلومات التي لدينا عن عزلته خمسة عشر عاماً؟ .. إننا إذا نحينا بعض التفاصيل المتصلة بحياته الزوجية والعائلية، فلن ندري شيئاً مما يتصل بتنظيم حياته الروحية في ذلك العصر. فهل كان يغرق في تأمل عميق في المشكلة الدينية يقوده نوع من إلهام الدعوة المستقبلة؟ .. لقد أجاب المستشرق الكبير (درمنجهام) عن ذلك بالإيجاب، ولكن هذه الإجابة فيما يبدو لنا لا تعدو أن تكون تخيلاً من المؤلف، لم يعتمد فيه- كما يظهر في تلك النقطة- على شهادة تاريخية غير قابلة للطعن والتجريح، وهي شهادة القرآن (٢)، فإن هذا الكتاب يصور لنا في رجعة إلى الماضي حال الفكر عند الرسول قبل الوحي، في قوله تعالى:

стр. 114

﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص ٢٨/ ٨٦]. فهل معنى هذا إلا أنه لم يكن لديه أدنى أمل في أن يقوم بدور في دعوة من أجله هو، لا قبل عزلته ولا خلالها، ومع ذلك فهذا هو المعنى النفسي للآية، الذي غابت أهميته التاريخية عن الأستاذ (درمنجهام)، مع أنه لم يَرْتَب مطلقاً في صحة القرآن التاريخية. وفضلاً عن ذلك فيجب أن نذكر أن تفسيراً كهذا ليس مرتبطاً إلا بشرط واحد ضروري وكاف، هو الإخلاص المطلق عند النبي ﷺ ، وهذا على وجه التحديد هو هدف هذا القياس، لكي نرى في القرآن اعتماداً على صفته التاريخية الأكيدة، مرآة للماضي، أو شيئاً أشبه بمرآة عاكسة يمكننا أن ندرك فيها - بطريق العكس- الأطوار المختلفة التي مرت بها الذات المحمدية خلال تاريخها، فنرى في الآية المذكورة الصورة الصحيحة لحالة النفس عند (محمد) أيام غار حراء. وإذن فليس هنالك من سبب لأن ننسب (للصادق الأمين) نية مبيتة للتأمل في مشكلة ميتافيزيقية لحظة تهيئه للإنسحاب والعزلة بعد الزواج، ولسوف تدعم نتائج القياس الحالي هذا الحكم المسبق. ومع ذلك فهناك نقطة غامضة هي أن المؤرخين المحدثين يعجبون من أن السيرة ليس لديها غير القليل من المعلومات عن هذه العزلة التي تعد مرحلة رئيسية- من الوجهة النفسية- بالنسبة لتاريخ الدعوة المستقبلة. ولسنا نملك في الواقع غير القليل من التفاصيل عن هذا الموضوع، ولكن هذا لا يثير عجباً، فإن التاريخ لا يستطيع إلا أن يتبع آثار نبي المستقبل في ذاكرة معاصريه؛ والواقع أنه قد توارى واختفى عن أعين الزمان، لكي يبقى خلال خسة عشر عاماً معتزل مكة، أو معتزل غار حراء.

стр. 115

ونحن نجد في تحفظ التاريخ في هذه النقطة برهاناً على أن السيرة المتهمة أحياناً بالمبالغة- على العكس من ذلك- على جانب كامل من التحوط والحذر، عندما تنعدم لديها التفاصيل التاريخية. ونحن مضطرون لنقص هذه التفاصيل لدينا أن نلجأ إلى المراجع والوثائق النفسية التي يقدمها القرآن، يدفعنا إلى ذلك اطراد ذات النبي، وتشابه تصرفاتها خلال مراحل حياته جميعاً، منذ مشهد زواجه الذي أتاح لنا أن نجمع بعض المعارف الموضوعية عن تلكم (الذات). وكل ما في الأمر أن هذا الرجل الذي اختفى من مسرح التاريخ خلال خمسة عشر عاماً، سيظهر على هذا المسرح خلال ثلاثة وعشرين عاماً لكي يعيش ويفكر ويتكلم ويعمل في رابعة النهار، أكثر من أي وقت مضى. والواقع أننا نعلم فيما يتصل بالمرحلة القرآنية كل التفاصيل، حتى التافه منها عن حياته الزوجية، بفضل هذه السيرة التي كانت صامتة منذ هنيهة، فمن الممكن أن تتجلى الخطوط الأساسية لعزلته، من مراجع حياته اللاحقة. والرسول ﷺ نفسه هو الذي أشار فيما بعد إلى طريقته في استخدام وقته، فهو يقول في حديث له: ((وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات. ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفَكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمَّة لمعاش، أو لذة في غير محرم (١))). فإذا نحن قررنا اطراد الذات المحمدية، فها هو ذا برنامج الحياة المرسوم الذي يجب أن يتبعه، ولا سيما في مرحلة عزلته.

стр. 116

وفضلاً عن ذلك، فإن العادات تثبت خاصة لدى المراهق لكي تنعكس بالتالي على جميع حياته. وكذلك الحال على ما نعتقد فيما يخص النبي، كما تدل عليه ملاحظة زوجه عائشة حين أثارها الاهتمام بصحته، من قيامه الطويل بالليل في صلاة النافلة (١)، لقد كانت حقاً عادة ثابتة عند النبي منذ زمان عزلته. وعليه، فإذا كان النبي يخصص جانباً كبيراً من وقته للصلاة، بينما تلح عليه هموم التفاصيل المادية لرسالته، فلقد كان عنده من الفراغ ما يسمح له بالاعتكاف عندما لم يكن لديه ما يشغله من تفاصيل الحياة المادية والعامة. فلا موضع إذن للدهشة حين لا نجد غير قليل من الوثائق عن هذه الحقبة من حياته، التي كانت بصفة موضوعية بدون تاريخ. ولم يصل صدى هذه العزلة إلى العالم الخارجي، إلا حوالي نهاية هذه الحقبة، مع الخبر المثير لظهور النبي المنتظر. ... العصر القرآني المرحلة المكية إن محمداً ﷺ الآن في الأربعين من عمره، إن الستار يرتفع من جديد عن تاريخه، ولكنا نجده في أزمة أدبية عميقة.

стр. 117

فمنذ خمسة عشر عاماً لم يكن محمد ﷺ سوى حنيفي بسيط يقسم وقته حسب كلامه هو، بين عبادة الله والتأمل في جميل صنعه. إن السماء العميقة التي تغطي بقبتها الزرقاء المنظر الملتهب لجبل النور ما تزال تجتذب مقلته، كما كانت تجتذب مقلة الطفل أمام فسطاط مرضعته. ولكن محمداً ﷺ ليس عقلاً منهجياً يبحث عن نظرية في الكون واتساقه، ولا هو فكر مضطرب يبحث عن طمائينته، فإن طمائينته متوافرة لديه دائماً، وخاصة منذ اعتزاله، فهو يؤمن بإله واحد هو رب إبراهيم. فمن الخطأ فيما يبدو لنا أن يرى النقد الحديث- ولا سيما الأستاذ (درمنجهام) - في هذا العصر مرحلة من البحث والقلق، أي نوعاً من إرادة التكيف وتخلّق الفكرة عند النبي، بل على العكس تماماً تبرهن وثائق العمر على أن المشكلة الغيبية لم تساور ضميره فقد كان عنده حلها، وجزء من هذا الحل إلهامي وشخصي. وجزء آخر موروث لأن إيمانه بإله واحد إنما يأتيه من الجد البعيد (إسماعيل). هذه الملاحظة أساسية لدراسة الظاهرة القرآنية بالنسبة للذات المحمدية كما تصورها لنا في الواقع تفاصيل التاريخ. ويحسن أن نبين خاصة أن أي اهتمام شخصي لا يتدخل عند هذا المتأمل المعتزل الذي لا تعنيه المشكلة الدينية، إنه بحث عن مجرد سلوك أخلاقي، على طريقة نساك الهند، أو متصوفة الإسلام، أكثر من أن يبحث عن دعوة؛ فبين ذاته والواقع الغيبي الذي يتأمله لا يمكن أن نقرر- فيما يخص هذا العصر على الأقل- رباط فكرة مقصودة، وليس هذا مجرد تقرير، بل هو بيان لحالة هذه الذات المتجاوبة مع سائر الظروف النفسية الأخرى، كما تتراءى في سيرة النبي وفي شهادة القرآن على ماضيه.

стр. 118

ومع ذلك ففي حوالي الأربعين نجده وقد شمله الهم والألم أيضاً، أنه يشك!، إنه لا يشك في وجود الله، فإن ثقته فيه لم تتزعزع أبداً. ولكنه يشك في نفسه هو!. فكيف، ولماذا ورد هذا الشك على نفسه؟ لماذا يجد الآن ظل شخصه في حقل تأملاته؟ ولماذا يجد طيف ذاته يتوارد على أعماق نظراته الدينية، حتى ليصبح تقريباً فيها نقطة الارتكاز؟ والسيرة المهتمة بالتفاصيل التاريخية عن حياة النبي ﷺ لا تقدم أية معلومات عن هذه الحالة النفسية الهامة أيضاً. ولكن لدينا مع ذلك في الآية المذكورة من قبل، وفي تعقيبه على خديجة عندما فاتحته في أمر الزواج، الإجابة على المشكلة التي تواجهنا بها حالة النفس، التي نجده فيها في نهاية اعتزاله. وعلى الرغم من أن الآية وتفصيل السيرة المذكورة لا يفسران لنا ماهية الشك المحمدي؛ فإنهما يشهدان بأن هذا الشك ليس ناتجاً عن أمل أهوج، أو جنون بالذات، أو تضخم في تلك الذات عند (محمد) ﵊. فنحن مضطرون إلى أن نرى في هذا الشك نتيجة لحالة شخصية عارضة، وجد فيها النبي نفسه فجأة أمام مبادئ شعور، وأمام استشعار لبعض الأشياء الغريبة تمس من قريب مصيره الخاص. فإلام يعزى هذا الإحساس الذي يطوِّف الآن في أنحاء نفسه، وهو يخز بصورة مؤلمة طبيعة فكره الموضوعية؟ هل كان ذلك مجرد حركة للاشعور، أو إلهاماً بحل قريب وغير عادي للمشكلة؟ إن بعض الفصائل الحيوانية تُلهَم الطوارئ والاضطرابات التي تصيب مساكنها عما قريب، فهذا النمل الأمريكي يغادر مساكنه قبيل اندلاع الحريق

стр. 119

فيها بليلة، وفي جنوب قسنطينة نوع من الحيوانات القارضة يبرح أرضه في مسارب الأودية قبيل الكوارث الطبيعية. فهل كان عند النبي ما يشبه هذا الإلهام، أي التنبؤ بالظاهرة القرآنية التي ستلهبه وتغمر وجوده كله؟ فلو قلنا إن ذلك من عمل اللاشعور، فيجب أن نطبق هذه القاعدة على تفسير مادة القرآن كلها وتفسير فكرته المتصلة، كما نفسر بها أيضاً أعراض الظاهرة وطوارئها عند النبي، ولكن هذا- كما سنشير إليه فيما بعد- ليس أبداً ممكناً. ومع ذلك فإن النبي سيكاشف زوجه الحانية بهمومه، ويشكو لها بمرارة، إذ يظن بنفسه الجنون والمس، ويرى أن سحراً مشؤوماً قد أضرَّ به. ولكن خديجة الفاضلة تواسيه وتهدئ روعه قائلة: ((والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)). وفي هذه العبارات التاريخية تظهر لنا بطريقة لا تحتمل الجدل فكرة "الإله الواحد" تشيع في الوسط العائلي لمحمد ﷺ حتى قبيل دعوته. وهذه الملاحظة تتيح لنا أن نستنبط من مراجعنا اقتناع محمد ﷺ الشخصي في هذه النقطة خلال اعتزاله، وهي تضيف تفصيلاً أساسياً للصورة النفسية التي نرسمها له. وعلى كل حال فإننا نجد النبي بعد هذه التهدئة يستأنف طريقه إلى عزلته. ويهاجمه الشك من جديد، ويسيطر عليه الاضطراب الشديد، الذي يطبع أحواله النفسية في ذلك العهد، وهو يحتاجه الآن أكثر من ذي قبل، لأنه يشعر (بحضور) أشبه بظل يطوف حوله.

стр. 120

إنه يخرج من عزلته، يذرع تلك الدروب الملتهبة في جبل النور، وهو يضيق بذلك المجهول الذي يشعر به معلقاً في نفسه، ولا حول له ولا قوة إزاءه؛ هاهو ذا مشرف على واد، يرى مخرجاً من مأساته في أعماق الهاوية، فيكاد يستسلم لفكرته المتغلبة عليه، ويخطو خطوة إلى الأمام، ولكن صوتاً أسرع من إيماءته يوقفه: ((يا محمد، أنت رسول الله حقاً)) فيرفع رأسه ليرى الأفق مشعاً يتلألأ نوراً، فينقلب مذهولاً محيراً، دون أن تزايل الرؤية ناظريه. إنها في كل مكان .... زفي جميع الأركان .... فيرتعد منها فزعاً حتى يذوي إلى الأرض، وحين يفيق يعود إلى مكة، حيث يجد هنالك موضع سره العطوف، فتفاجَأ بمنظره المحزن وبحالته المحمومة، وهو الذي تراه دائماً مهتماً بنفسه، لا يغفل أي تفصيل في هندامه، هاهو ذا الآن بشعره الأشعث ووجهه الممتقع وملابسه المغبرة، ولكن خديجة الحانية تتغلب على جزعها وترعى زوجها، وبكلمات حانية رقيقة تدخل السلام إلى نفسه الذاهلة، فيأخذ طريقه إلى جبل النور. وهاهو ذا الليل يخيم على عزلته في غار حراء، حتى إذا نام أحس بحركة في لا شعوره توقظه، إنه يشعر بحضور، وهو يلمح أمام عينيه الآن رجلاً متشحاً بلباسه الأبيض. إن المجهول يقترب منه ثم يخاطبه قائلاً: - "إقرأ" .. - ما أنا بقارئ، قالها وهو يحاول الابتعاد عنه، والهرب من ذلك الذي يأخذه فيغطه حتى يبلغ منه الجهد، ثم يرسله قائلاً: - اقرأ ... فيجيب محمد مرة أخرى: - ما أنا بقارئ.

стр. 121

فيكرر مرة ثالثة ذلك الشكل الروحاني الذي سيكون منذ الآن الزائر الملازم للنبي. - اقرأ ... ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٩٦/ ١ - ٥]. كانت هذه الآية بالنسبة للنبي، وللتاريخ المرة الأولى التي تظهر فيها (الظاهرة القرآنية) التي ستضم بين دفتيها الثلاثة والعشرين عاماً الأخيرة من حياة النبي. ومن هذه اللحظة أصبح لدى النبي الأمي شعور"بأن كتاباً قد طبع في قلبه" (١) ولكن لم يكن له أن يتصفحه كما يشاء، ولا أن يطلع عليه كما يهوى، إذ أنه سيوحى إليه كلما دعت حاجة الرسالة. ولقد يتأخر الوحي ويبطئ، حتى عندما تلح إحدى الحالات العاجلة: ولتكن حالة اتخاذ قرار، أو سن تشريع لمناسبة معروضة على النبي. ولنذكر إحدى هذه الحالات؛ ففي بدء الرسالة، وعلى وجه التحديد بعد الوحي الأول الذي رويناه، انتظر النبي زمناً طو يلاً، أكثر من عامين، قبل أن يرى للمرة الثانية زائره الغريب ويسمع صوته. لقد يئس منه، وأخذ الشك يستولي مرة أخرى على نفسه التواقة إلى اليقين، فهو يعتقد أنه إما أن يكون قد خدع في جوارحه، وإما أن القدرة قد تخلت عنه، تلك التي اعتقد حيناً أنها هي التي تقوده.

стр. 122

هذا القلق مؤلم لنفسه، وإنه ليتسرب إليها كأنه حية تطوق فكره ومشاعره، فتحطم بضغطها طموح هذه النفس المتأصل إلى اليقين الصادق. ومرة أخرى: لحظات مؤلمة، ودقائق مؤثرة بالنسبة لمحمد، ذلك الذي يبحث مستيئساً في نفسه وفيما حوله، عن النبع الخفي الذي تدفقت منه الآيات الأولى من القرآن، وإنه لدعاء حزين لنفس موجعة، وضمير أضناه القلق، دعاء إلى صوت لا يجيب، أو لا يريد أن يجيب، فقد التزم الصت خلال أكثر من عامين. وإن فكر (محمد) ﷺ ليحاول مناقشة حالته الفريدة، دون أن يجد لها تفسيراً، فهو يغرق في الإعياء، وقد هدّه ما يعانيه من التوتر العصبي، لقد كان يتفانى كأنه شيء خامد سقط في النوم. ولكن خديجة- الملاك الحارس- كانت تسهر عليه. وينام (محمد) بعد نوبة من نوبات الانهيار العميق، وكانت زوجه بكلماتها الممتلئة بالحنان الأمومي قد كفكفت منذ لحظات أزمته، بعد أن دثرته في عباءته، وطلبت إليه أن يستريح. نام نوم الطفل الذي أعياه البكاء، وملأ قلبه الشجن، فهدأ بدوره قلق الزوج العطوف، حين لمست من النائم أنفاسه الهادئة، فخرجت بخفة حتى لا توقظه. ولكن صوت حراء يرن فجأة في أذني النائم فيهب كأنما مسته الحمى ... ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر ٧٤/ ١ - ٣]. لقد أصمّه النداء وأضناه مرة واحدة، إذ أن هذه المباغتة جعلته يدرك فجأة أهمية الأمر الذي تلقاه ولم يكن ينتظره. لقد وجدته خديجة جالساً، غارقاً في تأملاته، فدفعتها الدهشة من استيقاظه إلى أن تسأله: ((لم لا تنام يا أبا القاسم))؟.

стр. 123

فيجيبها ... : "انتهى يا خديجة عهد النوم والراحة، فقد أمرني جبريل أن أنذر الناس، وأن أدعوههم إلى الله وإلى عبادته، فمنذا أدعو؟ ومنذا يستجيب؟ .... (١) ". وكما حلت الأزمة الأولى عند النبي بصورة غير متوقعة، فإن حل هذه الأزمة يبدو أنه قد فاجأه أكثر من ذي قبل، وبعبارة أخرى أرهقه، وإن مفاجأته في المرة الأولى للوحي، وعناءه وعجزه هذه المرة أمام هذا التكليف غير المتوقع، الذي تلقاه في صورة أمر، ليسجلان في نظرنا حالتين نفسيتين ضروريتين خاصة لدراسة الظاهرة القرآنية بالنسبة للذات المحمدية. وبوسعنا أن نذكر أن موقف هذه الذات بين الأزمتين وبين حلي المشكلة، لم يكن مطلقاً مطبوعاً بأمل القيام بدعوة، ولكنه كان يبحث فقط عن فضل لمسه من الله منذ الوحي الأول. ولنا أن نذكر أيضاً أنه فيما يتعلق بفترة الوحي كان جهد محمد اليائس مجرد محاولة لاسترجاع ما فاته من فضل الله. ونحن نرى أن هذا الجهد يؤكد في الواقع بصورة قاطعة استقلال الظاهرة القرآنية عن ذات موضوعنا (النبي). وما كان لنا بداهة أن نقرر أن الحل الثاني للأزمة النفسية يمكن أن يتأخر لو كان مصدره هو (اللاشعور)، لدى إنسان لم يسع إلى إخماد الظاهرة وكبتها في نفسه، بل إنه على العكس قد وجه كل إرادته وكل وجوده لتيسير ظهورها.

стр. 124

هذه التفاصيل النفسية تبرز تماماً العزم النهائي عند محمد على قبول دعوته، بوصفها تكليفاً يأتيه من أعلى. إنه يقبلها في الواقع، ولن يتخلى عنها أبداً، حتى ولو تعرض فيما بعد لسخرية أطفال مكة ولو آذاه وأنذره، وفتك به سادة قريش كأبي لهب وغيره من المشركين. لا شيء سيرغمه على التخلي عنها، لا المصالح المضيعة لأسرته، ولا توسلات عمه الوقور أبي طالب، عندما يضغط عليه أشراف مكة كما يضع حداً (لفضيحة) ابن أخيه، ولا اقتراحهم عليه أن يتولى أسنى منصب في إدارة المدينة، هذا كله لا يحول الرسول عن طريقه الثابت إلى الأبد منذ حل الأزمة الثانية. وعندما جاءه عمه لكي يفاتحه في أمر قريش، واضعاً تحت نظره الإجراءات القاسية التي رحموها في حالة ما إذا رفض عروضهم، أجابه وقد دمعت عيناه: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه". وأمام هذه العزيمة الخارقة لم يتمالك ذلك العجوز إلا أن يطمئن ابن أخيه بحمايته حتى النهاية. فقررت قريش نبذ (محمد) وذويه من المجتمع، وكتبوا بذلك صحيفة علقت في جوف الكعبة. ولقد حرمت الأسرة المفجوعة بهذه المقاطعة من كل علاقة مع المدينة،. حتى من التعامل الأدبي، أو الزواج من الأسر الأخرى. وتذكر السيرة أن هذا الميثاق قد أكلته الأرَضة، وأن النبي قد رأى ذلك

стр. 125

مناماً قبل حدوثه، وبذا راجعت قريش مسلكها، وسحبت قرار المقاطعة. وأياً ما كان الأمر، فإن هذه الصحيفة الظالمة القاطعة، كانت قد سقطت قيمتها بمرور الزمن، وعاد بنو هاشم والمطلب من جديد إلى مكة بعد محن طويلة مهلكة. فعاد النبي يبلغ دعوته في صحن البيت الحرام، ولكن سادة قريش كانوا قد دبروا (مؤامرة صمت) حول دعوته، فكانوا يمنعون الناس من الاستماع إلى تلاوة القرآن. ورأى النبي ﷺ أن الناس لا يقبلون على دعوته، فقرر أن يحملها إلى مكان بعيد، إلى الطائف، لكنه لاقى هواناً أقسى، ومعاملة شريرة في سبيل مهمته، فلقد رماه الناس بالحجارة، وبثوا الأشواك في طريقه، وأغروا به الأطفال والعبيد يسخرون ويستهزئون، فلجأ (الداعية) إلى حائط يحتمي به، دامي القلب من غباوة القوم وشراستهم، ولكن نفسه كانت لا تعرف الحقد؛ لقد كان كل ما فعله أن رفع عينيه إلى السماء، وهو يتمتم بدعاء كله حرارة وخشوع وحب، لا يمكن للنفس الإنسانية أن تصرح بها لحظة كرب كهذه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، لَكِنْ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي؛ أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ مِنْ أَجْلِهِ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُحِلَّ بِي غَضَبَكَ، أَوْ تُنْزِلَ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ». وعقب هذه الصدمة القاسية رجع النبي إلى مكة، ولكن محنة أخرى كانت تنتظره هناك.

стр. 126

إن الموت ينتزع منه حاميه الوحيد عمه أبا طالب (١). وسيترك لنا مشهد النزع والاحتضار تفاصيل تاريخية ثمينة بالنسبة لصورة (رسول الله) النفسية في هذه الحقبة، فلقد كانت هذه في الواقع بالنسبة له أخطر لحظات مهمته التي اختلط فيها الحنو البنوي بهمّ النبي لإنقاذ نفس عزيزة، ترفض النجاة في صلف ومكابرة، فإن ابن الأخ ليهوله أن يموت عمه مشركاً. وهي لحظة مفزعة له، إذ يتمثل في شخصه ويتحدث على لسانه النبي الذي يتمنى أن ينقذ من كان له نعم الأب. ها هو ذا صوت المحتضَر العجوز يتقطع في الشهقات الأخيرة، فتضرع إليه دون جدوى أن يقر بالإسلام، ولكنه يستجمع قواه المتفانية ليقول: "والله يا بن أخي لولا نحافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعاً لأقررت بها عينك، لما أرى من شدة وجدك" (٢) وانتاب ابن الأخ ألم مبرح، وهو يرى عمه العزيز يغادر الحياة دون أن يغادروثنية آبائه. هذا المشهد العائلي الرهيب، بين عجوز مشرف على الموت، وابن شجاه الهم والقلق، وغمرته اللهفة والإشفاق، يكشف في إحدى اللحظات الحاسمة عن إخلاص النبي المطلق. ولكن خسارة أخرى أشد إيلاماً، تحدث قريباً لتغمره حزناً، فبعد قليل فقد (محمد) (صاحبته الحانية الفاضلة).

стр. 127

هذه الفجيعة المزدوجة مسته وأثرت عليه في أعمق مشاعر الإنسان، وأصابته بالقدر نفسه في مصلحة دعوته، فقد فقَد بفقده عمه وزوجه العضد الأدبي والمادي الذي كان يؤيده في مكة، وفضلاً عن ذلك فإن إقامته ستصبح في الحال مستحيلة، فإن قريشا ًالتي كانت مهابة أبي طالب تفزعها قد انطلقت الآن من عقالها، ورأت أن الوقت قد حان لتدبر مقتل النبي لإنقاذ مصالحها السياسية، وامتيازاتها التجارية بين القبائل العربية (١). لقد حيكت مؤامرة، تشترك فيها القبائل جميعاً، حتى لا يقع دم الضحية على عاتق قبيلة بعينها. المرحلة المدنية بينما كانت مكة تتآمر ضد رسول الله ﷺ ، كانت المدينة على العكس من ذلك تهيئ له استقبالاً حماسياً حافلاً. وكانت بيعة العقبة- ميثاق النبي مع رجال المدينة الملقبين منذ ذلك الحين بالأنصار- وهمةُ النقيب مصعب بن عمير، الذي عرف كيف يكسب للإسلام كثيراً من عواطف يثرب، كان هذان العاملان هما اللذان مهدا للهجرة. وفي إحدى الليالي، بينما كان المتآمرون يحيطون ببيت النبي، خرج تحت أعين أعدائه، دون أن يروه- كما جاء في الخبر- ولقد نجح في الوصول إلى ضواحي مكة برفقة صاحبه أبي بكر، فلجأ إلى (غار ثور)، حيث كان على الدليل الذي اتفقا معه أن يلحق بهما مع نوقه حاملاً المؤونة في يومين أو ثلاثة لتضليل المطاردين، ولكن الرجفة كانت قد أخذت مكة ساعة رحيل المهاجرين، فقامت قريش على آثارهما.

стр. 128

إن من يعرف حياة الصحراء، يدرك تماماً ضآلة الفرصة التي كانت أمام النبي وصاحبه للنجاة، ولقد بلغ القافَة فعلاً مدخل الغار، لكنهم لم يتجاوزوا عتبته، وتفسر السيرة هذه الحادثة الغريبة بتدخل معجز لحمامة ورقاء ولعنكبوت واهن. وأية كانت وجهة الأمر، وحتى لو كانت تعليقات السيرة قد أمكنها أن تتدخل في تفسير هذا الحل العجيب، فإن القيمة التاريخية للحادثة ليست بأقل ثبوتاً، فهي- في الواقع- مقررة في أوثق مصادر ذلك العصر، وهو القرآن؛ وقد ورد الحادث صراحة في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة ٤٠/ ٩]. وواضح من هذا أن القدر قد يمهد سبله بطريقة غير مفهومة أحياناً، تحير الخواطر والعقول. ونحن نرى لفائدة دراستنا هذه أن نهتم بالتفصيل النفسي في هذه الحادثة التاريخية، ذلك التفصيل الذي تدل عليه سكينة النبي، حين كان يطمئن رفيقه، في هدوء يفوق طاقة البشر، بينما الخطر والموت على قيد خطوات؛ وإن إخلاص النبي الذي نؤكده في هذا القياس الأول بوصفه شرطاً ضرورياً، لاستخدام الآيات القرآنية وثائق نفسية ثابتة، هذا الإخلاص يتجلى هنا بوضوح وبصورة روائية في تلك اللحظة الحاسمة. وأخيراً، فحينما انسحب المطاردون استطاع المهاجران أن يأخذا طريقهما إلى يثرب موطن الأنصار، الذين أعدّوا لهما استقبالاً عظيماً، وغيرت مدينة (يثرب)

стр. 129

اسمها فأصبحت (مدينة الرسول) كما تخص نفسها تماماً للدعوة والداعية (١). وعلى أسطح المنازل، ترقب النساء والأطفال مقدم المهاجرين العظيمين، واستهلوا العهد الجديد، عهد الهجرة. بأنشودة، ترددها منذ ذلك الحين أجيال الإسلام: طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا للهِ دَاعْ أَيُّهَا الْمَبْعُوثُ فِينَا ... جِئْتَ بِالْأَمْرِ الْمُطَاعْ وبينما كانت هذه الأنشودة تنطلق من كل مكان، كان المهاجرون والأنصار يعقدون فيما بينهم أواصر الأخوة الإسلامية، أساس المجتمع الجديد والحضارة الجديدة. ولكن، كم من المشاكل التشريعية والدينية والسياسية والعسكرية سيواجهها هذا المجتمع الناشئ؟. إن حل هذا الحشد من المشاكل هو الذي سيظهر فيه النبي ﷺ عبقرية ذات رحابة لا مثيل لها، مستهدياً بالوحي الذي يجإء حاملاً دائماً الشعاع العلوي والكلمة الأخيرة. وسيكشف (الرجل) عن ذكاء عجيب، وعن حكم على قيم الأشياء، وعلى نفسية الرجال منزَّه تقريباً عن الخطأ، كما يكشف عن إرادة لا يعتريها الوهن. لقد تتبعنا حتى الآن خطواته داعية فحاولنا أن نفهم حركات قلبه، وخلجات نفسه، وأن نكتشف في إشاراته وفي دعوته الدلائل الناصعة على خشوعه وإيمانه وإخلاصه المطلق.

стр. 130

وإذا كانت الرحلة المكية في جوهرها عهداً روحياً، هو عهد النبي الداعية الذي يرشد المصطفين الأخيار، فإن المرحلة الدنية استمرار للمرحلة الأولى، ونتيجة زمنية لها في وقت واحد، فالنبي والقائد سيتحدان الآن في ذات واحدة تدعو وتقود جموع المؤمنين. وإنه لمن الواجب حقاً أن يتبع فن قيادة الجماهير ما يتصل بنفسية الفرد، فإن مشاكل مجتمع ما لا يمكن أن تحل بالأسلوب الرائق الرشيق فحسب، ولذلك فإن الرسول سيتيح لنا أثناء شغله في حل تلك المشاكل جميعاً أن نكمل صورته النفسية بمظهر عقلي، إذ عندما يضطرم نشاطه يمكن أن نفهم ألوان فكره، وأن نقوِّم نسيج إرادته، وأن نقدر قيمة حكمه على الآخرين وعلى نفسه أيضاً. وإنه لزعم غريب أن نحاول الإحاطة بجوانب هذا المظهر العقلي جميعاً، فذلك يستلزم أن نلم بتاريخ العبقرية الفذة كله في الحدود الضيقة لهذا الفصل. بل إننا سنقتصر على أن نضع بعض المعالم التي تؤدي إلى النتيجة المقصودة من هذا القياس. سيكون شغل النبي الشاغل بالمدينة أن يقر فيها السلام، ويخلصها من خصوماتها الداخلية، ويصلح ما بين الأوس والخزرج، لتنظيم دفاع فعال ضد الأعداء في الخارج: (قريش). إن ساعة الجهاد ستؤذن عما قريب. ولقد كان هذا مثار دهشة وعجب لدى النقاد المحدثين، فهم لا يفهمون أن (الداعية) يدعو هكذا إلى حمل السلاح، ولكن إذا كان النبي قد حمل السيف فلأنه كان يعلم جيداً أن مكة لن تلقي السلاح، وسيعطيه التاريخ على ذلك البرهان القاطع. ولا مجال هنا لأن نعقد موازنة بين المسيحية والإسلام في هذه النقطة، فإن الظروف التاريخية ليست واحدة، إذ تواجه الأولى من الداخل دولة منظمة

стр. 131

تحطم أجهزتها، على حين أن الإسلام يواجه دولة منظمة نوعاً ما من الخارج هي مكة، فكان عليه أن يختار بين أن يحطمها أو يتحطم، وفضلاً عن ذلك فإن هذه الظروف يفرضها مجرى الحوادث نفسه إذ أن الجهاد يعد من الناحية التاريخية نتيجة للهجرة. هذه الظاهرة نفسها قد حدثت في تاريخ اليهودية، عندما واجه بنو إسرائيل بقيادة موسى ويوشع من الخارج، دولاً منظمة على شاطئ نهر الأردن. فالرسول إذن سينظم صفوفه من أجل الصراع المسلح الذي سيفتح له أبواب مكة في السنة الثامنة من التاريخ الجديد، ولكن كم سيعترض الدعوة من عقبات قبل هذا الموكب العظيم الذي يدوخ، يوم دخول المسلمين مكة، ذلك الصَّلِف أبا سفيان؟ إن مجموعة من الأسماء المهيبة ستدوي منذ ذلك الحين في أركان التاريخ العالي: بدر ... أحد ... الخندق ... حنين .. لسوف تعرض الملحمة المحمدية آنذاك على شاشة التاريخ مجموعة من الأحداث الأسطورية، حتى كأنها رواية سحرية. ها هو ذا حلم (آمنة) القديم، عندما كانت تهز بين أحضانها ثمرة أحشائها، وعندما كانت يخيل إليها أنها تسمع صهيل الخيل وعدو الفرسان وقعقعة السلاح، هذا الحلم القديم سيتحقق اليوم على صفحة الواقع. وفي هذه الملحمة سيتدخل القائد دائماً لكي يفصل في حالة دقيقة، ولكي يتخذ قراراً سياسياً هاماً، ولكي يضع خطة استراتيجية، ولكن النبي هناك دائماً، يشرف على أعمال القائد، ويمضي قراراته من وجهة نظر دعوته، التي تخلع على كل تفصيل في هذه الملحمة الطابع الروحي الضروري الذي ينسبه إلى الله. وسنجد (محمداً) عندما ستدق ساعة بدر، بعد أن يكون قد اتخذ أهبته الحربية الكاملة، نجده وقد شعر بخطورة اللحظة التي ستقرر مصير الإسلام،

стр. 132

وقد رأى التفوق العددي لأعدائه بالنسبة لحفنة الرجال التي يقودها، نجده يرفع عينيه إلى السماء: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض، اللهم أنجز ما وعدت". وهذه الكلمات البسيطة تدل بوضوح على أن (بدراً) ليست كمعركة (كان) (١) أو (استرليتز) (٢) أو (سنغافورة) (٣). ولقد كانت هذه الملحمة تتحرك بعبقرية (محمد) القادرة، وإرادته الخارقة، متتبعة وثباته من نصر إلى نصر .... حتى حنين. وإن عمق آرائه ليحير أحياناً صحابته أنفسهم، فإن أول عمل دبلوماسي أمضاه مع مبعوثي مكة، سيكون بالنسبة لبعض الصحابة موضع دهشة ومبعث عار تقريباً، فلقد جاء الرسل من مكة لكي يصلوا مع النبي إلى أن يسلمهم من وقت توقيع المعاهدة كل مكي يأتي هارباً إلى معسكره، إذ أن كثيراً من المؤمنين المستضعفين بمكة سيهربون من اضطهاد قريش، ويجيئون لينشدوا الأمان في مدينة الأنصار. ولقد وقع النبي ﷺ المعاهدة التي طبقت في الحال دون أن تكون ذات أثر رجعي، وبدا هذا النص العجيب وكأنما قد أتاح لمكة نصراً دبلوماسياً، تذمر منه المسلمون ورأوه فضيحة لهم. وفي اللحظة التي كان المبعوثون يتبادلون فيها وثائق التصديق، تقدم هارب مكي إلى المعسكر الإسلامي، فطالب به رسل مكة في

стр. 133

الحال، ولم يملك النبي إلا أن يسلم بالواقع، مثيراً بذلك ذهول صحابته، وأعيد الأسير، ولكنه أثناء الطريق غافل القوم وهرب منهم، وأوى إلى مكمن احتمى به، وبعد قليل انضم إليه كثير من إخوانه الذين هربوا مثله من الاضطهاد، وإذا بهؤلاء الخارجين على القانون قد نظموا على الطريق نهباً لقوافل مكة، فشلوا بذلك، وفي زمن قليل، تجارة المدينة القرشية كلها، حتى إنها رأت أخيراً أن تتوسل راغمة إلى النبي ليقبل المؤمنين الهاربين إلى معسكره. وجملة القول إن النبي قد ظفر بجميع امتيازات المعاهدة التي بطل منها الشرط الوحيد القاسي، أبطله المنتفعون به أنفسهم. وهكذا بينما كان (النبي) يقود في سبيل الله (فيلق) الشهداء الذين اتبعوه، كان (القائد) يلقن أبطال ملحمته أسمى دروس الدبلوماسية والاستراتيجية الحربية، جاعلاً من المسلمين بهذا التوجيه المزدوج أعظم الفاتحين نزاهة، في الوقت الذي يعدون فيه أكمل المستنيرين في التاريخ. لم يصنع الرسول نفوساً مؤمنة تقية فحسب، وإنما صنع عقولاً مستنيرة. وطرق إرادات فولاذية، إنه ينهي الشعور بالمسؤولية، ويشجع المبادأة في كل إنسان، ويعظم الفضيلة في أبسط صورها، وإن التأسي والمسارعة لهما رائد كل عضو في الجماعة، إذ يرى نفسه في سباق إلى الخير، بحسب أمر القرآن. وعندما قاد النبي أصحابه إلى (تبوك) كانت نيته تبدو أبعد كثيراً من هذا الهدف المتواضع، فهو يعبر الصحراء العربية، في حَمارّة القيظ مضطراً رجاله العطاش، الذين أضناهم التعب، أن يستمروا في طريقهم دون أن يحطوا رحالهم عند (آبار مدين). لم يكن هذا من الفن الحربي فحسب، ولكنه كان من التربية العالية، وإن هذا السير الذي لم يسمع بمثله في منظره الهائل ليكشف- زيادة على ذلك- عن

стр. 134

عملية تدريب بدني ونفسي في آن واحد، لإعداد الجيش الإسلامي كيما يواجه عما قريب الأسفار والعقبات في جميع أرجاء العالم. ولقد احتمل بنفسه كل المتاعب التي فرضها على جنده خلال هذه الحقبة المضنية، فهو مسير هائل ورائع سيوحي إلى (دينيه Dinet) بصفحة خالدة، ارتبطت فيها عبقرية مصور الصحراء المبدع بنفس المؤمن المضطرمة. و (محمد) باعتباره (نبياً) يلتزم دائماً في سلوكه الشخصي الحقيقة المنزلة، فهو يقوم جزءاً كبيراً من الليل متنفلاً، ولكنه لا يلزم أتباعه بذلك. وهو مع كونه (قائداً)، لا يستأثر بأية ميزة دون صحابته، بل إن سلوكه الشخصي يعرفهم بحدود الجهد الإنساني، فلقد كانوا يؤسسون في المدينة أول مسجد في الإسلام على تقوى من الله ورضوان، ولقد كان النبي كما كان صحابته يحملون الأحجار على أكتافهم، وكل منهم يحمل لبنة، ولكنه يلحظ مؤمناً متواضعاً هو عمار بن ياسر يحمل كل مرة لبنتين، فيخاطبه ليذكي حماسته قائلاً: " للناس أجر ولك أجران (١) ". وهكذا كانت سائر المناسبات تتيح له أن يشجع صحابته ويعلمهم أيضاً. وهو لا يريد أن يدع شيئاً يشوب صفاء أصحابه أو يثني جهودهم الخالقة. إنه يقاوم الخطأ، وخاصة عندما يأتي اعتباطاً بما يشبه المعجزة لتأييد دعوته، فكأنه كان يهتم بأن يبعد عقول أصحابه عن (المعجزة الدارجة) التي تخاطب الجوارح. ففي يوم دفن ولده الوحيد (إبراهيم) الذي رآه يكبر، حدث كسوف كلي، وفسر الناس الظلمات المفاجئة بأنها آية على مشاركة الطبيعة للنبي في حزنه، ولكنه صحح في حزم خطأ صحابته قائلاً: " إن الشمس والقمر آيتان

стр. 135

من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" (١). هذا التفصيل التاريخي الذي ترويه السيرة ببساطة، يثبت لنا إخلاص (محمد المطلق)، ويرينا اقتناعه الشخصي لم يكن قائماً على شبه معجزة. وعلى كل حال، ففي ضوء وثيقة نفسية كهذه لا يمكن أن نعد هذا الاقتناع نتيجة استعداد عقلي غير سليم، واتجاه منحرف لتفسير بعض الأحداث العارضة داخل الذات، أو الخارجة عنها بأنها آية علوية، إن محمداً ذو فكر موضوعي، لا يميل إلى تأييد دعوته بغير معجزته الوحيدة: (القرآن). إن الملحمة المحمدية قد بلغت الآن أوجها، ووصلت دعوة النبي إلى نهايتها، وإنه ليستشعر ذلك. وهو يودع صاحبه معاذ بن جبل ويملي عليه وصاياه الأخيرة، وهو ذاهب إلى اليمن لينشر دعوة الإسلام قال: " لو حدث لي أن أراك يوماً فسأوجز لك ما عندي من الوصايا، ولكن هذه هي المرة الأخيرة التي أحادثك فيها، ولن نجتمع إلا يوم الحشر (٢) ". ولقد كان لدى أبي بكر وعمر الشعور نفسه نحو النبي، فلقد كانا يعتقدان أن أجل الوحي قد دنا، وأن إشارة إلى نهاية النبي القريبة قد وردت في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ١١٠/ ١ و ٢ و ٣]. فمن كل وجه، يبدو النبي مهتماً بدنو أجله، وأنه يأخذ أهبته الأخيرة، فهو يريد أن يملي وصاياه على الأمة، واختار لذلك مناسبة عظيمة حافلة، فأعلن عن رغبته في أداء فريضة الحج ذلك العام، وغادر المدينة ومعه آلاف الحجاج،

стр. 136

وانضم إليهم الحجاج الواردون من أنحاء الجزيرة إلى مكة، وهنالك أدى النبي شعائر الحج كلها، كأنه يريد تسجيلها إلى الأبد في ذاكرة معاصريه لتنتقل من بعدهم إلى أعقابهم، ثم إنه صعد عرفات على ظهر ناقته، وألقى خطبته الأخيرة، خطبة الوداع، واختير صحابي جهوري الصوت ليكررها للناس جملة جملة. وفي غروب الشمس، بينما كان شبحه المحلق على قمة عرفات، يبدو مرتحلاً عن الدنيا، كأنه نهار يتلاشى في الأفق، كانت كلمات خطبته تصل الجموع كأنما تخلص إليها من صوت علوي، وكانت الجموع المتأثرة الصامتة تنصت إليه خاشعة متصدعة، وأخيراً صاح النبي: ((ألا هل قد بلغت؟)) فأجابته الجموع الحاشدة، التي بلغت قمة الانفعال، في صوت واحد .. ((اللهم نعم)) (١). وفي تلك اللحظة هبط الوحي، كأنما ليضع الخاتم على هذه الدعوة، فبركت الناقة- كما روي- على ركبتيها، وأرغت من الألم، وكانت خاتمة الوحي كما ورد في الخبر قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٥/ ٤]. وسيطلق على هذا الموسم في التاريخ (حجة الوداع). والواقع أن أقوال الرسول ﷺ وأفعاله منذ الآن، حتى اليوم الأخير لن تكون إلا وداعاً لأهله ولأصحابه ولأمته، ولهذا العالم الذي خط له بعمقٍ مصائره. فضلاً عن ذلك، فإن هذا اليوم الأخير قريب جداً، إذ حينما عاد إلى المدينة وافاه مرض الموت، الذي أنهى ملحمته العجيبة وختم دعوته المبلغة.

стр. 137

وفي الصلاة الأخيرة التي أقامها بنفسه في المسجد، أعلن للحاضرين رغبته في أن يقضي ما عليه من ديون قائلاً: " أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ... وإن عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده " (١). لقد ذاب الصحابة الذين أدركوا هذه الإشارة في دموعهم، وبعد شهوده يومين أو ثلاثة صلاة الجماعة، لزم حجرة زوجه عائشة حتى النهاية. وعندما حل الأجل، كان رأسه مستنداً إلى ذراع زوجه التي سمعته وهو يتمتم بتلك الكلمات الأخيرة: "اللهم في الرفيق الأعلى" (٢). كان هذا هو الكلام الأخير الذي ختم بالنسبة للتاريخ حقيقة هذه الذات التي حاولنا تخطيط صورتها النفسية، لكي نجلو الظاهرة القرآنية. ولقد حاولنا حين جلونا معالم هذا الوجه المثالي أن نبرز السمات الخاصة بمحمد (الرجل) لي نتلقى منه- في بحثنا للقضية- شهادته على محمد (النبي). ولا شك أن هذه الشهادة تكون عنصراً ثميناً في دراستنا، فهي على كل حال شهادة رجل شهد له زمانه على لسان امرأة، بهذا الحكم الأخير (٣): "أي رسول الله!! أنت حتى في قبرك، أملنا الغالب، لقد عشت بيننا طاهراً مخلصاً منصفاً، وكنت لكل إنسان هادياً حكيماً منيراً" (٤).

стр. 138

كيفية الوحي على الرغم من أن هذا الفصل قد يبدو غريباً بالنسبة للقياس الأول، فإننا نورده هنا لأن الوحي عنصر رئيسي في نظر الناقد الذي يريد أن يدرس الظاهرة القرآنية بالنسبة للذات الواعية عند محمد ﷺ . فكيف أدرك الرسول والأنبياء قبله ظاهرة الوحي؟ .. يذهب بعض علماء الدراسات الإسلامية، إلى أن مصطلح (وحي) الذي يطلقه القرآن على هذه الظاهرة إنما يعبر عنه بالكلمات ( Intuition المكاشفة أو الوحي النفسي (١)) أو ( Inspiration إلهام)، لكن هذه الكلمة الأخيرة ليس لها أي مدلول نفسي محدد، مع أنها مستخدمة عموماً لكي تردّ معنى الوحي إلى ميدان علم النفس. أما الكلمة الأولى فلها على العكس مدلول، ولكنه لا يتفق مع الأحوال الظاهرة الملحوظة لدى النبي ﷺ ، في حالة التلقي التي يعانيها أثناء نزول الوحي. ومن ناحية أخرى، تعرف المكاشفة أو الوحي النفسي من الوجهة النفسية

стр. 139

بأنها: "معرفة مباشرة لموضوع قابل للتفكير، أو خاض فيه التفكير فعلاً"- بينما يجب أن يأخذ الوحي معنى: "المعرفة التلقائية والمطلقة لموضوع لا يشغل التفكير، وأيضاً غير قابل للتفكير" لكي يكون متفقاً مع اعتقاد النبي، ومع التعاليم القرآنية. فمن المفيد إذن أن ندرك نوع الظاهرة التي يمكن أن تكمن خلف لفظة (وحي). ونضيف أيضاً أن المكاشفة لا تصحبها أية ظاهرة نفسية بصرية أوسمعية أو عصبية كتقلص العضلات الذي نلحظه في حالة النبي ﷺ . ومن الوجهة العقلية لا تنتج المكاشفة عند صاحبها يقيناً كاملاً، بل كأنما تخلق نصف يقين، أي بعض ما يؤدي إلى ما يسمى (احتمالاً) والاحتمال معرفة يأتي برهانها بعدها، وهذه الدرجة من الشك هي التي تميز المكاشفة من الوحي من الناحية النفسية. أما يقين النبي فقد كان كاملاً، مع وثوقه بأن المعرفة الوحى بها غير شخصية وطارئة وخارجة عن ذاته. وهذه الصفات تتأكد في نظر الذي يتلقى الوحي، تأكّداً لا يبقى معه ظل من الشك فما يتصل بموضوعية الظاهرة الموحية، وهذا شرط أول مطلق ضروري لاعتقاد النبي الشخصي. هل يمكن أن نعزو لمجرد (المكاشفة) تلك الدوافع الشعورية، التي أرغمت (أرمياء) على المقاومة العنيفة ضد مكاشفة (حنانيا)، التي جاءت بعكس آراء أرمياء نفسه، فجعلته يصدر في يقين وعنف حكماً على (حنانيا) بالموت، فيموت فعلاً بعدقليل (١)؟. وهل كان لرسول الله ﷺ أن يفسر بالمكاشفة حالة أم موسى حين ألقت ولدها في اليم؟.

стр. 140

وهل بالمكاشفة كان النبي يميز فيما ينطق به بين نوعين من (الإيحاء) هما: الآية القرآنية التي يأمر بتسجيلها فوراً، والحديث الذي يستودعه ذاكرة صحابته فحسب، ومعلوم أن القرآن من حيث المقاطع الصوتية جزء مما نطق به النبي؟. إن تمييزاً كهذا يكون من السخف الخالص لو لم يكن لدى صاحبه في الوقت ذاته علم تام بالفرق بين القرآن والحديث. ومع ذلك فهذا التمييز أساسي، ذُكِّر به النبي في القرآن، في آيات كثيرة ورد فيها ذكر الوحي، سواء في صورة الاشتقاق المصدري (وحياً)، أم في صورة فعلية (أوحى، وأوحينا ... الخ). وسنحاول استخلاص التفسير القرآني لهذه الكلمة من خلال الفقرة التالية التي تختتم قصة مشهد غيبي: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص ٣٨/ ٦٧ - ٧٠]. فهذه الآيات- فيما يبدو- تسوق معنى الوحي لغايات جدلية، كيما تتيح للنبي أن يستخدمه برهاناً في محاجته خصوم دعوته. وفي آيات أخرى يسوق القرآن معنى الكلمة لحاجة النبي الشخصية، ومن أجل تربيته الخاصة، وذلك مثلاً ما يتجلى في الآية التالية: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران ٣/ ٤٤]. فهذه الآية تعطي الوحي معنى كشف المغيَّب؛ مغيب محدد تماماً، يضم التفاصيل المادية لمشهد روحي خالص، ويضم أيضاً واقعاً معيناً هو (إلقاء الأقلام).

стр. 141

ولقد وضع هذا المغيب المكشوف تحت نظر النبي ما يشبه القياس الذي يتيح له أن يفصل ما هو شخصي بالنسبة له، كأفكاره ومكاشفاته العادية عما لا يتصل بشخصه، فهو صادر عن الوحي. لقد بحث العلماء المسلمون هذه المشكلة في مختلف أشكالها، وعالجها الشيخ (محمد عبده) في رسالة التوحيد، في هذه العبارات، قال بعد تعريف الوحي لغة: "وقد عرفوه شرعاً أنه إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه. أما نحن فنعرفه على شرطنا بأنه عرفان يجده الشخص في نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت، ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس، وتناسق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور" (١) ولقد بقي في هذا التعريف الذي أسهب الأستاذ الإمام في تحديده بعض الغموض فيما يتصل بتفسير اليقين عند النبي. والواقع أننا في الحالة التي لا يكون الوحي فيها منتقلاً بطريقة محسة - مسموعة أو مرئية- سنقع في تعريف الوحي تعريفاً ذاتياً محضاً، إذ أن النبي في التحليل الأخير لا يدري بصفة موضوعية كيف جاءته المعرفة، وهو يجدها في نفسه مع تيقنه بأنها من عند الله، إن في ذلك تناقضاً واضحاً يخلع على ظاهرة الوحي كل خصائص المكاشفة، ولكن هذه- كما يجب أن نكرر- لا تنتج يقيناً مؤسساً على إدراك، ذلك الذي يبدو أنه اليقين المقصود في الآيات التي ورد فيها ذكر الوحي، والتي تتصل خاصة بإعداد (محمد) الشخصي لفهم طبيعة الظاهرة القرآنية.

стр. 142

ولنأخذ مثلاً الآية القصصية التي تذكر الإيحاء إلى الحواريين وما أجابوا به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة ١١١/ ٥]. فالوحي هنا يأخذ معنى (كلام عادي) موجه إلى الحواريين، وقد جسمته بكيفية ما إجابتهم نفسها، وهذه الإجابة تدل أيضاً عند هؤلاء الحواريين على يقين إدراكي ناتج بأكمله عن الوحي، وليس مصاحباً له، فإن التيقن بصحة ظاهرة ما ليس مصاحباً في إدراكنا لوقت مشاهدتها، بل هو ينتج كصدى عقلي يصدر عنا. ويترتب على هذا أن يقين النبي في مصدر المعرفة الموحاة لا يجيء مع الوحي نفسه، ولا يؤلف جزءاً من طبيعته، بل إنه في صورته الكاملة من عمله الشعوري بوصفه رد فعل طبيعي لهذا الشعور إزاء ظاهرة خارجية. هذا الوصف يعطي الوحي نفسه- كما نريد أن نوضح- الخصوصية التي تجعله خارج أحوال الفرد النفسية، لتكون مهمته الوحيدة أن يصوغ أساساً عقلياً ليقينه و اقتناعه الشخصي . إقتناعه الشخصي مقياسه الظاهري مقياسه العقلي يبدو أن الكتاب المحدثين لم يأخذوا في اعتبارهم- أثناء تحليلهم للظاهرة القرآنية- حقيقة نفسية جوهرية هي: اقتناع النبي الشخصي. ومع ذلك فمن

стр. 143

الواضح أن انفراد النبي بكونه الشاهد الوحيد المباشر على الظاهرة، يخلع على هذه الحقيقة قيمة استثنائية خاصة. ومن قبيل هذا أننا نجد دراسات هؤلاء الكتاب تعكس تناقضاً مزدوجاً، فهي من ناحية تعد الوحي ظاهرة ذاتية، قولاً واحداً، ومن ناحية أخرى لا تتلقى على هذه الظاهرة شهادة الذات المقترنة بها اقتراناً تاماً. هذا النقص غير المفهوم هو الذي دفعنا إلى أن نبين أولاً، في الفصل السابق القيمة الأدبية والعقلية لهذه الذات، كيما نتلقى- على علم- شهادتها باعتبارها شرطاً يجلي مشكلة الوحي النفسية. وهكذا نحاول أن نضيف إلى معرفتنا الشخصية- رأي هذه الذات الخاص في نفسها، وفي الظاهرة التي نبحثها، ذلك الرأي الذي ينعكس بكل وضوح في اقتناعها النهائي. فالأمر على هذا يقتضي أن نتناول هذا الاقتناع- الذي ندرسه في نطاق قيمته العقلية- بوصفه برهاناً مباشراً على الظاهرة القرآنية، وعلى صفتها العلوية. وهذه القيمة العقلية مرتبطة بالطريقة التي تنشئ الاقتناع في نفس النبي. هل كان هذا الاقتناع تلقائياً أو ناشئاً عن تفكير؟ .. لقد رأينا في الفصل السابق كم عانى النبي من الشك في نفسه، في نهاية عزلته، بينما كان استشعاره لحل أزمته القريب يؤرقه. هذا الواقع الثابت يمنعنا من أن نرى في اقتناعه ظاهرة تلقائية، فهو يبدو - على العكس- النتيجة التقدمية المطردة لتفكير واع، وبحث دقيق متردد للوقائع، واستبطان متغلغل في أعماق الضمير. فلنا أن نعده نتيجة لبعض العمليات العقلية التي تشترك فيها العوامل النفسية، تلك التي ندرك قيمتها السامية عند محمد ﷺ .

стр. 144

إن تفكير النبي وإخلاصه وإرادته وذاكرته، وإحساسه وسيطرته على ذاته، ليست هذه كلها لديه كلمات جوفاء، بل إنه على العكس من ذلك، قد أبرز هذه الخصائص الرفيعة بصورة نادرة. وعليه فإن اقتناعه يبدو لأول وهلة حقيقة لا يمكن إغفالها، هع أننا ملزمون - في مقياسنا الثاني- بأن نستخلص مباشرة نتائجنا عن الظاهرة القرآنية، من تحليلنا للقرآن. أما الآن، فيجب أن نحاول تتبع العملية التي يصدر عنها الاقتناع الشخصي لدى النبي، فالطريقة التي استطاع بها أن يعكف بنفسه على حالته الخاصة، لا تخرج دون شك عن القواعد التي يخضع لها نشاط فكر موضوعي كفكره. ولا شك أن الأحداث التي أثرت على جوارحه قد لفتت نظره أولاً للظاهرة، ثم إن فكره المتواصل- دون شك- قد تناول مثل هذه الأحداث لكي يتحقق من موضوعيتها، أعني من مجرد وقوعها على المرآة العاكسة لذاته. ومن هنا كان النبي بحاجة إلى التثبت من مقياسين يدم بهما اقتناعه: (أ) مقياس ظاهري للتحقق من وقوع الظاهرة. (ب) مقياس عقلي لمناقشتها وتسويغها. مقياسه الظاهري في سن الأربعين، يجد النبي نفسه فجأة موضوعاً لظاهرة غير عادية، فعلى شفا هاوية (حِراء) يسمع للمرة الأولى هذا الصوت: "يا محمد .. أنت رسول الله ". فيرتفع بصره نحو الأفق، وإذا بضوء يبهره محيطاً بصورة غير مألوفة. هذا

стр. 145

الحادث المزدوج الذي أمسك به على حافة الانتحار يصبح الآن بالنسبة له شغلاً متسلطاً مؤلماً: فهل سمع ورأى حقاً؟ أو أن هذا الحادث السمعي البصري لم يكن سوى سراب باطني، انبعث في نفسه تحت تأثير انفعال مؤلم قاده إلى شفا الهاوية؟ ألم تخدعه جوارحه المنفعلة؟ لقد كان يجب أن تثور هذه الأسئلة كلها من أول وهلة في ذهن النبي، حتى قبل أن يثيرها النقد في عصره أو عصرنا. فهو يخيل إليه أنه قد ألَمَّ به، فيمضي مسرعاً، ليسر بيأسه إلى زوجه الحانية، يشركها في فكرته المسيطرة عليه ... في اضطرابه وخلطه. ومع ذلك، فحتى في كنف زوجه الرقيقة لا تزايل رؤية جبل النور عينيه، كأنما هي مطبوعة على باصرته بشعاع ثابت غير منظور، فتحسرت زوجه وألقت خمارها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا ... قالت: يا بن عم .. اثبت وأبشر فوالله إنه ملك، ما هو بشيطان (١). قد يرى عصرنا المغرم بالعلوم في هذا الذي حدث دليلاً على ظاهرة ذاتية محضة، لأن الرؤية موضوع الظاهرة لم تحدث في حضور خديجة، لكن هذا الخروج على القاعدة ليس عسيراً على الفهم، من الناحية الحسية: فإن عمى الألوان مثلاً يقدم لنا حالة نموذجية، لا يمكن أن ترى فيها بعض الألوان بالنسبة لكل العيون، وهناك أيضا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر، وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شيء يثبت علمياً أنها كذلك بالنسبة
следующие страницы →