ولقد وضع هذا المغيب المكشوف تحت نظر النبي ما يشبه القياس الذي يتيح له أن يفصل ما هو شخصي بالنسبة له، كأفكاره ومكاشفاته العادية عما لا يتصل بشخصه، فهو صادر عن الوحي.
لقد بحث العلماء المسلمون هذه المشكلة في مختلف أشكالها، وعالجها الشيخ (محمد عبده) في رسالة التوحيد، في هذه العبارات، قال بعد تعريف الوحي لغة: "وقد عرفوه شرعاً أنه إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه. أما نحن فنعرفه على شرطنا بأنه عرفان يجده الشخص في نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت، ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس، وتناسق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور" (١)
ولقد بقي في هذا التعريف الذي أسهب الأستاذ الإمام في تحديده بعض الغموض فيما يتصل بتفسير اليقين عند النبي.
والواقع أننا في الحالة التي لا يكون الوحي فيها منتقلاً بطريقة محسة - مسموعة أو مرئية- سنقع في تعريف الوحي تعريفاً ذاتياً محضاً، إذ أن النبي في التحليل الأخير لا يدري بصفة موضوعية كيف جاءته المعرفة، وهو يجدها في نفسه مع تيقنه بأنها من عند الله، إن في ذلك تناقضاً واضحاً يخلع على ظاهرة الوحي كل خصائص المكاشفة، ولكن هذه- كما يجب أن نكرر- لا تنتج يقيناً مؤسساً على إدراك، ذلك الذي يبدو أنه اليقين المقصود في الآيات التي ورد فيها ذكر الوحي، والتي تتصل خاصة بإعداد (محمد) الشخصي لفهم طبيعة الظاهرة القرآنية.
стр. 142
ولنأخذ مثلاً الآية القصصية التي تذكر الإيحاء إلى الحواريين وما أجابوا به،
قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة ١١١/ ٥].
فالوحي هنا يأخذ معنى (كلام عادي) موجه إلى الحواريين، وقد جسمته بكيفية ما إجابتهم نفسها، وهذه الإجابة تدل أيضاً عند هؤلاء الحواريين على يقين إدراكي ناتج بأكمله عن الوحي، وليس مصاحباً له، فإن التيقن بصحة ظاهرة ما ليس مصاحباً في إدراكنا لوقت مشاهدتها، بل هو ينتج كصدى عقلي يصدر عنا.
ويترتب على هذا أن يقين النبي في مصدر المعرفة الموحاة لا يجيء مع الوحي نفسه، ولا يؤلف جزءاً من طبيعته، بل إنه في صورته الكاملة من عمله الشعوري بوصفه رد فعل طبيعي لهذا الشعور إزاء ظاهرة خارجية.
هذا الوصف يعطي الوحي نفسه- كما نريد أن نوضح- الخصوصية التي تجعله خارج أحوال الفرد النفسية، لتكون مهمته الوحيدة أن يصوغ أساساً عقلياً ليقينه و اقتناعه الشخصي .
إقتناعه الشخصي
مقياسه الظاهري
مقياسه العقلي
يبدو أن الكتاب المحدثين لم يأخذوا في اعتبارهم- أثناء تحليلهم للظاهرة القرآنية- حقيقة نفسية جوهرية هي: اقتناع النبي الشخصي. ومع ذلك فمن
стр. 143
الواضح أن انفراد النبي بكونه الشاهد الوحيد المباشر على الظاهرة، يخلع على هذه الحقيقة قيمة استثنائية خاصة.
ومن قبيل هذا أننا نجد دراسات هؤلاء الكتاب تعكس تناقضاً مزدوجاً، فهي من ناحية تعد الوحي ظاهرة ذاتية، قولاً واحداً، ومن ناحية أخرى لا تتلقى على هذه الظاهرة شهادة الذات المقترنة بها اقتراناً تاماً. هذا النقص غير المفهوم هو الذي دفعنا إلى أن نبين أولاً، في الفصل السابق القيمة الأدبية والعقلية لهذه الذات، كيما نتلقى- على علم- شهادتها باعتبارها شرطاً يجلي مشكلة الوحي النفسية.
وهكذا نحاول أن نضيف إلى معرفتنا الشخصية- رأي هذه الذات الخاص في نفسها، وفي الظاهرة التي نبحثها، ذلك الرأي الذي ينعكس بكل وضوح في اقتناعها النهائي. فالأمر على هذا يقتضي أن نتناول هذا الاقتناع- الذي ندرسه في نطاق قيمته العقلية- بوصفه برهاناً مباشراً على الظاهرة القرآنية، وعلى صفتها العلوية. وهذه القيمة العقلية مرتبطة بالطريقة التي تنشئ الاقتناع في نفس النبي.
هل كان هذا الاقتناع تلقائياً أو ناشئاً عن تفكير؟ ..
لقد رأينا في الفصل السابق كم عانى النبي من الشك في نفسه، في نهاية عزلته، بينما كان استشعاره لحل أزمته القريب يؤرقه.
هذا الواقع الثابت يمنعنا من أن نرى في اقتناعه ظاهرة تلقائية، فهو يبدو - على العكس- النتيجة التقدمية المطردة لتفكير واع، وبحث دقيق متردد للوقائع، واستبطان متغلغل في أعماق الضمير.
فلنا أن نعده نتيجة لبعض العمليات العقلية التي تشترك فيها العوامل النفسية، تلك التي ندرك قيمتها السامية عند محمد ﷺ .
стр. 144
إن تفكير النبي وإخلاصه وإرادته وذاكرته، وإحساسه وسيطرته على ذاته، ليست هذه كلها لديه كلمات جوفاء، بل إنه على العكس من ذلك، قد أبرز هذه الخصائص الرفيعة بصورة نادرة.
وعليه فإن اقتناعه يبدو لأول وهلة حقيقة لا يمكن إغفالها، هع أننا ملزمون - في مقياسنا الثاني- بأن نستخلص مباشرة نتائجنا عن الظاهرة القرآنية، من تحليلنا للقرآن.
أما الآن، فيجب أن نحاول تتبع العملية التي يصدر عنها الاقتناع الشخصي لدى النبي، فالطريقة التي استطاع بها أن يعكف بنفسه على حالته الخاصة، لا تخرج دون شك عن القواعد التي يخضع لها نشاط فكر موضوعي كفكره.
ولا شك أن الأحداث التي أثرت على جوارحه قد لفتت نظره أولاً للظاهرة، ثم إن فكره المتواصل- دون شك- قد تناول مثل هذه الأحداث لكي يتحقق من موضوعيتها، أعني من مجرد وقوعها على المرآة العاكسة لذاته.
ومن هنا كان النبي بحاجة إلى التثبت من مقياسين يدم بهما اقتناعه:
(أ) مقياس ظاهري للتحقق من وقوع الظاهرة.
(ب) مقياس عقلي لمناقشتها وتسويغها.
مقياسه الظاهري
في سن الأربعين، يجد النبي نفسه فجأة موضوعاً لظاهرة غير عادية، فعلى شفا هاوية (حِراء) يسمع للمرة الأولى هذا الصوت:
"يا محمد .. أنت رسول الله ".
فيرتفع بصره نحو الأفق، وإذا بضوء يبهره محيطاً بصورة غير مألوفة. هذا
стр. 145
الحادث المزدوج الذي أمسك به على حافة الانتحار يصبح الآن بالنسبة له شغلاً متسلطاً مؤلماً:
فهل سمع ورأى حقاً؟ أو أن هذا الحادث السمعي البصري لم يكن سوى سراب باطني، انبعث في نفسه تحت تأثير انفعال مؤلم قاده إلى شفا الهاوية؟
ألم تخدعه جوارحه المنفعلة؟
لقد كان يجب أن تثور هذه الأسئلة كلها من أول وهلة في ذهن النبي، حتى قبل أن يثيرها النقد في عصره أو عصرنا.
فهو يخيل إليه أنه قد ألَمَّ به، فيمضي مسرعاً، ليسر بيأسه إلى زوجه الحانية، يشركها في فكرته المسيطرة عليه ... في اضطرابه وخلطه.
ومع ذلك، فحتى في كنف زوجه الرقيقة لا تزايل رؤية جبل النور عينيه، كأنما هي مطبوعة على باصرته بشعاع ثابت غير منظور، فتحسرت زوجه وألقت خمارها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا ... قالت: يا بن عم .. اثبت وأبشر فوالله إنه ملك، ما هو بشيطان (١).
قد يرى عصرنا المغرم بالعلوم في هذا الذي حدث دليلاً على ظاهرة ذاتية محضة، لأن الرؤية موضوع الظاهرة لم تحدث في حضور خديجة، لكن هذا الخروج على القاعدة ليس عسيراً على الفهم، من الناحية الحسية: فإن عمى الألوان مثلاً يقدم لنا حالة نموذجية، لا يمكن أن ترى فيها بعض الألوان بالنسبة لكل العيون، وهناك أيضا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر، وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شيء يثبت علمياً أنها كذلك بالنسبة
стр. 146
لجميع العيون، فقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية أمام تلك الأشعة، كما يحدث في حالة المخلية الضوئية الكهربية.
ونضيف إلى ذلك أن ظاهرة الوحي سيصحبها فيما بعد دلائل حسية يشعر بها بعض من شاهدوها خلال حدوثها (١).
ولكنا فيما يخص مرحلة ظهورها الأولى يمكن أن نتصور أن النبي كان في حالة من حالات التلقي، فهو بهذا الشاهد الممتاز على الظاهرة.
ويمكننا أن نستخدم هنا مقياساً فجاً، ولكنه مفيد لعقول المغرمين بالعلوم، هذا المقياس نجريه بين حالة التلقي هذه، وبين ما يسمى بالانتفاء الخاص في جهاز الاستقبال، ففي المجال الحسي تكون المسألة في أقصى صورها مسألة ضبط، وفي محيط النبوة يمكن أن نتصل بوضع خاص بالنبي في استقبال موجات ذات طبيعة خاصة.
وأية كانت وجهة الأمر، فبعد ظهور الوحي للمرة الأولى التي هزته هزاً عميقاً عاد محمد إلى (غار حِراء) وهناك عاودته الرؤية، ولكنها في هذه المرة أكثر قرباً ومباشرة وتأثيراً ومادية نوعاً ما، فإن لها شكلاً خاصاً هو هيئة (رجل متشح بثوبه الأبيض)، تأمره قائلة: ﴿اقرأ﴾ [العلق ١/ ٩٦]
ترى هل يمكن للاختلاط أو (الهلوسة) أن تؤدي أصواتاً؟ ومع ذلك فإن
стр. 147
الرؤية تتكرر آمرة: ﴿اقرأ﴾، هذا الحوار الغريب، والرؤية التي تسبقه وتصحبه وتلحقه، يشكلان الأساس الأول الضروري للنبي في نظر النقد الذاتي لحالته، فها هي ذي الظاهرة تحت سمعه وبصره، فهو يرى ويسمع.
ولكن في الوقت الذي تصير فيه الرؤية أكثر قرباً وأكثر تمثلاً، يصبح الكلام واضحاً تماماً، مهما احتوى المضمون الأول الصادر عنه من الغرابة، إذ هو أمر (القراءة) موجه إلى أمي.
فالنبي- من كل وجه- لا يبدو أنه قد استفاد توجيهاً محدداً لسلوكه المستقبل، فهو الآن يشاهد، ويشاهد فحسب.
لكن هذه المشاهدة الحسية الخالصة تترك فكره الموضوعي في حال حائرة مختلطة، فيعود مسرعاً إلى مكة، مضطرباً كما لم يكن، محطم الجسد كما لم يحدث، وهو يشعر بحاجته إلى أن يهدئ أهله من روعه، أو إلى أن يدثروه، فتدثره خديجة بعباءة، فيضع رأسه على الوسادة وينام، بينما تلاطفه بكلماتها المسلية.
ولكن إحساساً لا شعورياً يعاوده فيوقظه، وإذا برؤية حراء أمام عينيه تملي عليه أمراً واضحاً صريحاً ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر ٢/ ٧٤].
إن النبي سيدرك للمرة الأولى أهمية الظاهرة في إطار حياته الخاصة، وسيظهر بعد تأمل أثاره هذا الوحي اقتناعه الوليد، فيما يسر به إلى خديجة: " لقد أمرني جبريل أن أنذر الناس، فمنذا أدعو، ومنذا يستجيب؟ " وفي هذا التساؤل، نلمح الريبة التي ليست بالتحديد صدى ليقين لا يتزعزع، وهو اليقين الذي سنجده لديه عندما يتحقق حتى نهاية دعوته، والذي أثاره خاصة عندما فاتحه عمه أبو طالب في عرض قريش ليضع حداً لدعوته.
إنه لم يصل بعد إلى هذه الدرجة من اليقين، فاقتناعه ليس مطلقاً، وهو رهن بالظروف الخارجية للنجاح، الذي يبدو له غير محتمل في تلك اللحظة،
стр. 148
ومع ذلك فإن تيار الوحي لن ينقطع، وستلفت بعض الظواهر العضوية نظر النبي، فيصاحب كل وحي عنده أعراض خاصة، وسوف يحدث أصحابه- فيما بعد- بأنه سمع قبيل حدوث الظاهرة، أي قبيل نزول الوحي، دوياً مؤذناً، شبيهاً أحياناً بدوي النحل عندما ينطلق من خليته، وأحياناً أخرى أكثر رنيناً حتى كأنه صلصلة جرس.
ومن ناحية أخرى استطاع أصحابه أن يلاحظوا كما نزل الوحي، شحوباً مفاجئاً، يتبعه احتقان في وجه النبي (١) وهو نفسه يدرك ذلك، ولذا يأمرهم بأن يلقوا على وجهه ستراً (٢) كما طرأت الظاهرة، ألا يعني هذا الاحتياط أن هذه الظاهرة كانت مستقلة عن إرادة النبي ﷺ ، حق يصبح عاجزاً مؤقتاً عن أن يغطي وجهه بنفسه، وهو يعاني حالة متناهية الإيلام، كما روت السيرة.
لقد تعجل بعض النقاد حين ألموا بهذه الدلائل النفسية فعدّوها أعراضاً للتشنج، هذا الرأي يشتمل خطأ مزدوجاً حين يتخذ من هذه الأعراض الخارجية مقياساً يحكم به على الظاهرة القرآنية في مجموعها. ولكن من الضروري أن نأخذ في اعتبارنا قبل كل شيء الواقع النفسي المصاحب، الذي لا يمكن أن يفسره أي تعليل مرضي.
وأكثر من ذلك، فإن الأعراض العضوية نفسها ليست خاصة بحالة التشنج التي تحدث شللا ارتعاشياً (إن صح التعبير) عند الفرد المحروم مؤقتاً من قواه العقلية والجسمية.
стр. 149
فإذا نظرنا إلى حالة النبي، وجدنا أن الوجه وحده هو الذي يحتقن، بينما يتمتع الرجل بحالة عادية، وبحرية عقلية ملحوظة من الوجهة النفسية، ليستخدم ذاكرته استخداماً كاملاً خلال الأزمة نفسها، على حين يمّحي وعي التشنج وذاكرته خلال الأزمة، فالحالة بناء على هذه الملاحظات ليست حالة مرض كالتشنج.
ونضيف أيضاً أن الأعراض الجسمية التي رويت عن النبي لا تظهر إلا اللحظة التي تعتريه فيها الظاهرة القرآنية، وفيها وحدها، أي في اللحظة الخاطفة للوحي.
هذا التلازم الملحوظ بين ظاهرة نفسية في أساسها، وحالة عضوية معينة، هو الطابع الخارجي المميز للوحي.
فمن المحتم أن يكون للنبي في مجموع هذه الأحداث الشخصية موضوع للتفكير، على الأقل في بداية دعوته، من أجل عقله الموضوعي، فما كان له أن يتغافل عن هذه السلسلة من الأحداث الملحوظة كقياس ظاهري خاص بحالته، مهما كانت غير كافية لإصدار حكم نهائي، أو تأسيس اقتناع.
ولتثبيت هذا الاقتناع النهائي، سيمدنا القرآن بمقياس مكمل للمقياس الأول، وبأساس للاقتناع والحكم النهائي لدى رسول الله ﷺ .
مقياسه العقلي
إن (محمداً) أمي، ليس لديه من معرفة البشر سوى ما يمكن أن يمنحه له وسطه الذي ولد فيه.
وفي هذا الوسط الفروسي الوثني البدوي، لا مجال مطلقاً للمشكلات الاجتماعية والغيبية (الميتافيزيقية)، فإن معارف العرب عن الحياة الاجتماعية
стр. 150
والفكرية لدى الشعوب الأخرى ليست بذات قيمة، إذا ما رجعنا إلى الشعر الجاهلي الذي يعد مصدراً قيما لمعلومات في هذا الموضوع.
فمحمد في ذهابه إلى عزلته في غار حراء، لم يكن لديه سوى ذلك المتاع العادي من الأفكار الشائعة في وسطه البدائي.
ثم تأتي الفكرة الموحى بها فتقلب هذه المعرفة الضئيلة المحاطة بسياج مزدوج من الجهل العام، والأمية الخاصة عند محمد.
ومن الواجب أن نتصور في كلمة ﴿اقرأ﴾ وهي الكلمة الأولى للوحي، تأثيرها الصاعق على النبي لأنها لا تعني شيئاً بالنسبة له، إذ هو أمي. وهذا الأمر الملزم يحدث بطبيعة الحال انقلاباً في كيانه، لأنه يزلزل فكرة الأمي عن نفسه، فيجيب متهيباً: (ما أنا بقارئ). ولكن ... أي صدمة مذهلة تصيب فكره الموضوعي؟!. فإذا كان النبي قد تخلقت لديه نواة الاقتناع عقب الملاحظات الأولى المذكورة، فإن هذه الصدمة العقلية لن تبدد شكوكه مرة واحدة، إذ عندما يأمره الصوت في المرة التالية (أن ينذر)، سيتساءل قلقاً ((منذا الذي يؤمن بي؟)) وفي هذا السؤال نلمح مفاجأة الشيء غير المتوقع، وحيرة الاقتناع.
وفضلاً عن ذلك فإن الوحي سينقطع فترة من الزمن، وسنجد أنه يتمناه، بل يريده، بل يناديه مستيئساً، ولا من مجيب.
هنا يجد (محمد) نفسه في أقسى لحظات أزمته الأدبية التي عرفها في غار حراء (١). وهنا يتعاظم شكه، وقد كان يسيراً، فيشكو حيرته لزوجه الحانية،
стр. 151
وإذا بها تحاول أن تعزيه بكلمات لا تبعث في قلبه العزاء ... وأخيراً وبعد عامين ينزل الوحي، فيأتيه بالكلمة العليا الوحيدة التي هي بلسم الشفاء ... كلمة الله. لقد أشرقت أسارير النبي، إذ هو يملك منذ الآن البرهان الأدبي والعقلي على أن الوحي لا يصدر عن ذاته، ولا يوافيه طوع إرادته، فلقد بدا له عصياً لا يمكن أن يخضع له، كما لا تخضع له أفكار الآخرين وكلماتهم. ولديه الآن برهان موضوعي إلى أقصى درجة على صحة اقتناعه الجديد.
هذا الانتظار الحزين، ثم ما تلاه من ابتهاج مفاجئ كانا- في الواقع- الظرفين النفسيين المناسبين لتلك الحالة من الفيض العقلي، لم تعد تخطر معه ظلال الريبة والشك.
والحق أن الشك الذي عاناه النبي ﷺ هو الذي اضطره إلى أن ينكب على حالته الخاصة، ويواصل تفكيره ومعالجته التي ستنتهي باليقين النهائي.
وفي هذا التحول نرى أثر التربية السامية، التي تعين رسول الله على أن يتحقق تدريجياً في نفسه من حقيقة الظاهرة القرآنية، يعينه على ذلك تكيف مستمر لضميره الواعي، وكأنما أريد إعداده منهجياً للاقتناع الضروري اللازم لدعوته، فأبلغه الوحي منذ البداية خصائص هذه الدعوة العظمى، كما تدل عليها الآية:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾! [المزمل ٧٣/ ٥].
وإن صدق هذه الإرادة العليا التي تملي تلك الكلمة ليتجلى أمام عينيه شيئاً فشيئاً، فإذا بشكه يخلي مكانه للاقتناع الجديد، ثمرة الفكرة الناضجة المستغرقة، وهو اقتناع يتجلى في محاوراته الأولى مع قريش، لقد تبدلت حال نفسه، فأصبح يثق في ذاته، وينزل الوحي لكي يعكس على نظرنا حاله النفسية الجديدة، ويؤكد هذا الاقتناع الظافر بقوله:
стр. 152
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ... مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ... ﴾ [النجم ٥٣/ ١، ٢، ٣، ٤، ١١، ١٢، ١٣].
لم يعد لدى النبي أدنى شك أدبي أو عقلي، فإن الحكم الصادق هو الذي يهديه، وهذا النوع من الحكم لا يحول الشك المنهجي الذي عاناه، إلى شك مقصود لذاته. إذ أن الحقيقة العلوية للوحي تفرض نفسها فرضاً على العقل الوضعي. فكل ما يراه وما يسمعه وما يشعر به وما يفهمه، يتفق الآن مع حقيقة واضحة تماماً في ذهنه، جلية في عينيه هي: الحقيقة القرآنية.
وأكثر من ذلك، فإن إدراكه في هذا النطاق سيزداد ويتسع كلما تابع الوحي آياته البليغة، تلك التي تكون الكتاب الروحي الذي أحس به مطبوعاً في قلبه في غار حراء، وإن هذا الاقتناع العقلي ليزداد رسوخاً كما ازدادت الهوة عمقاً في عينيه بين ظنون (الإنسان) وما يجري على لسان (النبي).
وسيتابع الوحي نزوله بسور القرآن سورة سورة، فتتزاحم في وعيه الحقائق التاريخية والكونية والاجتماعية، التي لم يسبق أن سجلت في صفحة معارفه، بل حتى في معارف عصره، ومناحي اهتمامه.
هذه الحقائق ليست مجرد تعميمات غامضة، ولكنها معلومات محددة تضم تفاصيل هامة عن تاريخ الوحدانية.
فقصة يوسف المفصلة، مثلاً، أو التاريخ المفصل لهجرة بني إسرائيل لا يمكن اعتبارهما مجرد اتفاق عارض، بل يجب حتما أن يأخذا لدى (محمد) ﷺ صفة الوحي العلوية.
ولنا أن نتساءل كيف استطاع أن يدرك الاتفاق العجيب لهذا الوحي مع ما ورد من التفاصيل التاريخية في التوراة ... ؟
стр. 153
لقد كان يكفي محمداً لاقتناعه الشخصي أن يلاحظ أن مثل هذا التفصيل غير المتوقع، والذي غاب عن الأعين في طيات التاريخ ليس بذي طابع شخصي، دون أن يستخدم فعلاً أساساً للموازنة، حتى يحكم على الفكرة الموحى بها، ومدى تصديقها لما ورد في التوراة.
فكان عليه أن يلاحظ أن أخبار الوحي تنزل عليه من مصدر ما، فمن هو هذا المصدر؟ صار إذن من الضروري أن يحتل هذا السؤال مكانه في العملية العقلية التي يستقي منها النبي إدراكه الثابت، واقتناعه الشخصي. ولقد جاءت إجابته عن هذا السؤال بعد مقابلة باطنية بين فكرته الشخصية وبين الحقيقة المنزلة، وكان بحسبه أن يعقد هذه المقابلة لكي يحل مصدر هذه الأخبار المنزلة، خارج ذاته وخارج مجتمعه، فما كان لديه أي التباس في هذا، فخارج معلوماته لم يكن يستطيع أن يجد الحقيقة القرآنية عند أي مصدر إنساني.
و (محمد) صادق مع قومه، وهو قبل ذلك صادق مع نفسه، فدراسته الواعية لحالته الغريبة يجب أن تكون نوعاً من الدرس الباطني القرآني، لتقضي هذه الدراسة على أي شك يخايل عينيه، ما دام يمكنه أن يجريها على أساس منهجين مختلفين، الأول: ذاتي محض يقتصر على ملاحظته وجود الوحي خارج الإطار الشخصي، والثاني: موضوعي يقوم على الموازنة الواقعية بين الوحي المنزَّل وما ورد من التفاصيل المحددة في كتب اليهود والنصارى مثلاً.
وكأنما كان الوحي- أحياناً- يعلمه هذا المنهج الأخير الموضوعي عندما لا يكون الأمر أمر اقتناعه هو- لأنه اقتنع منذ زمن طويل- بل أمر تأسيس وتربية للذات المحمدية، ولا سيما عندما يجادل المشركين عن عقيدته، أو وفود النصارى الآتية من أطراف الجزيرة، كوفد نجران الذي أتاه ليناقش معه عقيدة التثليث.
стр. 154
وفي هذا يحدثه الوحي صراحة:
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس ٩٤/ ١٠].
يحدثنا المفسر جلال الدين السيوطي فيقول: إن النبي عقب على ذلك قائلاً: "لا أشك ولا أسأل" (١).
فمن هذا نرى أن النبي كان يمكنه أن يكتفي بالمقابلة الباطنية المشار إليها آنفاً، على الأقل فيما يتصل باقتناعه الشخصي. ولكن كان عليه أيضاً أن يشبع حاجة الآخرين إلى الاقتناع، فكأنما قد استخدم لذلك المنهج الثاني عندما كان يتصدى في إحدى المناظرات العامة، لتحقيق قيمة الوحي بصفة موضوعية بالنسبة لحقيقة مكتوبة في الكتب السابقة.
وتلك- على ما نظن- المناسبة التي نزلت من أجلها سورة يوسف، فكما قرر الزمخشري: نزلت هذه السورة المكية عقب نوع من التحدي الذي جابهه به علماء بني إسرائيل، لقد سألوه صراحة عن قصة يوسف، فنزلت (٢) ولكنها إذا كانت قد أجابت على تحدٍّ صادر عن أحبار اليهود أو غيرهم، فإنها لم تكن لتحسم النزاع إلا بمقابلة دقيقة بين نصوص التوراة وقصص القرآن.
ولا شك أن النبي لم يكن في نفسه مهتماً بمثل هذه المقابلة، التي تتيح له فرصة الموازنة الموضوعية بين الوحي والتاريخ الثابت في كتب بني إسرائيل.
стр. 155
ولعل هذه الفرصة لم تكن الوحيدة التي لجأ فيها إلى الموازنة الفعلية، التي تقدم في كل مرة عنصراً جديداً لقياس اقتناعه العقلي.
وأخيراً، فإن صوغ هذا الاقتناع، يبدو أنه قد سار طبقاً لمنهج عادي حين ضم- من ناحية- الملاحظات المباشرة للنبي عن حالته، ومن ناحية أخرى مقياساً عقلياً يستقي منه اقتناعه، وهو يجول بعقله في دقائق ملاحظاته.
إن علم الدراسات الإسلامية الذي يتناول هذه الدراسات في عمومها بفكر مغرض، لم يعالج مشكلة هذا الاقتناع الشخصي، على الرغم من أنها في المقام الأول من الأهمية لتفهم الظاهرة القرآنية، إذ هو يمثل مفتاح المشكلة القرآنية حين نضعها على البساط النفسي للذات المحمدية.
وغني عن البيان أنه لكي يؤمن (محمد)، ويستمر على الإيمان بدعوته يجب أن نقرر حسب تعبير (أنجلز) أن كل وحي لابد أن يكون قد (مَرّ بوعيه) (١) واتخذ في نظره صورة مطلقة، غير شخصية، ربانية في جوهرها الروحي، وفي الطريقة التي تظهر بها.
ومحمد ﷺ قد حفظ- بلا أدنى شك- اعتقاده حتى تلك اللحظة العلوية، حتى تلك الكلمة الأخيرة:
" نعم ... في الرفيق الأعلى".
...
стр. 156
مقام الذات المحمدية في ظاهرة الوحي
- اقرأ.
- ما أنا بقارئ!؟
هذا الحوار الفريد الذي يستهل بالنسبة لهذا العالم العهد القرآني، يمنحنا اليوم عنصراً ثميناً في الدراسة النفسية التحليلية لظاهرة الوحي.
ولا غرو، فهو الحوار الوحيد الثابت تاريخياً، والذي تجيب فيه الذات المحمدية بوضوح، وبمقاطع صوتية، على الصوت الذي سيبلغها قريباً دعوتها.
هل هذا اختلاط و (هلوسة)؟
إن الظاهرة التي ندرسها هنا، في حالتها الأولى، مرئية مسموعة، وذلك بغض النظر عن كل ما جاء بعد ذلك من الأحداث التاريخية التي ستستغرق عشرين عاماً؛ فالاختلاط العقلي الذي من هذا النوع إنما يحدث في هوامش النوم. ويطلق على الاختلاط الذي يحدث عندما يغشى النوم الذات الواعية، أي بين اليقظة والنوم ( Hallucination Hypnagogique) ؛ ويطلق على الاختلاط الذي يحدث عندما تخرج هذه الذات من النوم؛ أي بين النوم واليقظة ( Hallucination Hypnopompique)
ولقد قرر علم النفس العلاجي أن الحالتين كلتيهما لا تصيب الأشخاص الأسوياء- كما هو شأن النبي- لوجود سبب حسي هو ترتيل أصوات مسموعة. تلك هي حالتنا، فقد تكرر السبب الحسي في الحوار المذكور ثلاث مرات.
стр. 157
وعلى هذا، فلو فرض أن الاختلاط أو (الهلوسة) لم تزل بتأثير الجزء الأول من الحوار، فإنها لا يمكن أن تبقى بعد الصدمة الصوتية الأولى، أي خلال المرتين الأخريين اللتين سيبقى تفسيرهما معلقاً: وهكذا، دون أن نتسرع في الحكم على طبيعة الظاهرة نفسها، لا يمكن على أية حال أن نفسرها بالاختلاط العقلي.
ولو أننا تناولنا الأمر من ظاهره فسنجد أن هذا الحوار يحدد- منذ البداية- الوضع النسبي للذات المحمدية في الخطاب القرآني، فتوضع هذه الذات منذ الوحي الأول في مقام المخاطب المفرد، وسينزل الوحي في الواقع على ذات مخاطبة، تؤديه واسطة عن الذات المتكلمة، تستعمل هنا مباشرة اللغة الإلهية لتأمر بالقراءة أمياً، لا يتخيل نفسه قارئاً، وهو لهذا قد اضطرب وأجفل.
وكل ما يهمنا هنا هو معرفة ما إذا كانت هذه الذات المخاطبة، وتلك الذات المتكلمة يمكن أن تجتمعا نفسياً في ذات واحدة، هي ذات (محمد).
ومن الواجب أن نذكر- أولاً- مدى التباعد الرئيسي البين في الحوار، بين الذات المتكلمة الآمرة الحازمة، والذات المخاطَبة المضطربة المجفلة. فهذا الإجفال يعكس طبيعياً لدى النبي- الذي يعرف أنه لا يعرف القراءة- الشعور والفكرة اللذين يعرفهما عن نفسه؛ فإجابته السلبية الخاشعة- ولكنها القاطعة- هي النهاية الطبيعية لعملية نفسية تنبثق عن هذه الفكرة التي يدرك موضوعيتها تماماً: فكرة أميته.
ألا يمكن أن يفهم أن هذا الأمر الصارم- الذي أجفل منه هذا الأمي- قد ضرب صفحاً عن هذه الفكرة الموضوعية فأنكرها؟ إن هذا التباعد يصور لنا - على أية حال- عملية نفسية أخرى مختلفة تماماً عن الأولى، ولكنها متحدة معها في الزمن، لأن كلتيهما تتلاقى وتتقاطع مع الأخرى في اللحظة نفسها. عندما تأمر الذات المتكلمة فتجفل الأخرى وقد انقلب حالها.
стр. 158
فهل يمكن أن نتصور هذا الاتحاد الزمني لعمليتين متباعدتين في ذات واحدة تنطوي على شخصيتي الحوار؟
إن هاتين الحالتين- التباعد الجوهري والاتحاد الزمني- متعارضتان سواء تصورناهما في مجال واحد للذات، أم في مجالين مختلفين هما: الشعور وما وراء الشعور.
فهناك بالضرورة تعدد في (الذوات) في حوارنا، وهو تعدد لا يمكن أن تضمه وحدة نفسية.
فنحن مضطرون لهذا أن نقرر ازدواج الذات، كما يحدث في أي حوار عادي، وبين هاتين الذاتين اللتين تتحاوران، تنجلي الذات المحمدية بوصفها شاهداً واعياً ومؤرخاً صادقاً للواقع الذي نحلله.
ومع ذلك، فهذه هي المرة الوحيدة التي ستحدد فيها هذه الذات موقفها بالنسبة للظاهرة القرآنية الغريبة، هذه هي المرة الوحيدة التي ستحتل فيها- عن قصد- وضعاً واضحاً وإرادياً في مواجهة الذات المتكلمة، تلك التي تأمر أمياً مشدوهاً أن يقرأ، محدثة بذلك خروجاً عن المألوف، يبدو لأول وهلة غير معقول.
وسنجد فيما بعد وإلى النهاية، أن الذات المحمدية لن تتحدث مع الذات المتكلمة حين تخاطبها، وهذا الصمت- في ذاته- جدير بالملاحظة، لأنه يسجل إدراك الرسول ﷺ النهائي أمام الظاهرة، التي سيقف منها منذ ذلك الحين موقف التسليم. وستظل ذاته دائماً صامتة في الخطاب القرآني، الذي لن يذكر الأحداث الخاصة في تاريخه. فلن نجد أي صدى لآلامه وخاصة عندما يفقد أكرم زوجة وأفضل عمٍّ، ومع علمنا بما كان لديه من الحنو البنوي تجاه هاتين الشخصيتين.
هذه الملاحظات عن انعدام الطابع الشخصي في الخطاب القرآني، الذي
стр. 159
لا يرد فيه الضمير المحمدي إلا بصورة المفرد المخاطب، يمكن أن نزيدها وضوحاً. فهناك في الواقع آيات يلفت انتباهنا إليها صورتها الغريبة، لما تمثل فيها الذات المحمدية من دور فريد.
وهاك مثلاً على ذلك، قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ .. ﴾ [سورة يونس ٢٢/ ١٠]
ففي هذه الآية نجد أن الانتقال غير العادي من ضمير (كم) إلى ضمير (هم) جدير بالملاحظة، لأنه لا يمكن أن يكون خطأ نحوياً، إذ لا يمكن أن يتصور في ذلك الأسلوب الأدبي الكامل الذي يعد البرهان العظيم على دعوة النبي ﷺ ، فلو كان في الآية خطأ لكان تصحيحه بعد قليل أمراً ضرورياً وسهلاً وممكناً.
فإذا لم يقع هذا من النبي الذي كان يقرأ القرآن، لنفسه ولصحابته، فإنه يستتبع ألا يكون الخروج على القاعدة المطردة خطأ عنده، وهو يشهد بأن (محمداً) لم يكن لديه أي مقدرة على التصرف في النص القرآني.
وفضلاً عن ذلك، فلسنا نعالج هنا هذه المسألة في صورتها الأدبية، وإنما نعالجها من الوجهة النفسية التحليلية. فنحن نلاحظ في هذا الخروج عن المألوف أن الذات المحمدية تتمثل في وضوح وعلى التوالي في دورين مختلفين، فهي مخاطب مقصود مباشرة داخل في ضمير المخاطبين الذين يتوجه إليهم الخطاب، ثم إنها تصير شاهداً غير مقصود مباشرة، موضوعاً بصفة طارئة أمام مشهد عبر عنه القرآن بضمير الغائبين، هذا الانتقال غير المتوقع يستتبع حالتين نفسيتين لا يمكن أن تنتج الثانية منهما إلا من الأولى، أو هي نفسها هذا الحل، إذا ما تمثلنا ذلك في ذات معينة، هي هنا ذات محمد.
стр. 160
وبعبارة أخرى، يجب أن يكون الضمير (هم) في الآية المذكورة النتيجة النفسية المباشرة للضمير (كم)، أو هو يصدر عنه بواسطة نتيجة وسيطة (١).
بينما نلاحظ من الوجهة النفسية أن الانتقال من (كم) إلى (هم) الفاعل المتتابع في الآية، لا يحدث انتقالاً ما في طبيعة الصورة، فنحن نلحظ فيها أن الأفعال ترسم المشهد نفسه الذي يتتابع على اللوحة نفسها، على حين يتغير الفاعل، كما هو واضح.
فالانتقال إذن جزئي، ولكن هل يمكن من أجل هذا أن يحمل ذلك الانتقال الجزئي على مجرد تداعي المعاني الذي يجري في ذات محمد اللاشعورية؟
الواقع أنه عندما يتدخل تداعي المعاني في عمليات اللاشعور- ولا سيما في الرؤى- فإنه لا يعدل الوضع النسبي للفاعل بانتقاله من شخص لآخر فحسب، ولكن الفاعل نفسه يتغير فعله.
فهنا على وجه التحديد فاعل ضمني هو الذات المحمدية التي يتغير وضعها بالنسبة للفاعل الحقيقي، ولكن الفعل يستمر كما هو في الآية المذكورة.
ولهذا فإن تداعي المعاني لا يمكن أن يُتَصور هنا على أنه السبب النفسي الذي حتم تعديلاً معيناً لا يظهر إلا في الشكل النحوي للآية، دون أن يتغير أي تفصيل في المشهد.
لقد سبق للمفسرين القدماء (التقليديين) أن بحثوا هذه المشكلة التي أطلقوا عليها اسم (الالتفات).
стр. 161
والالتفات مجرد تفسير سطحي للمشكلة التي نبحث عن مفتاحها، فهو تفسير أدبي محض لا يدل من الوجهة النفسية إلا على حدوث مقصود أساساً، صادر عن ذات مختارة هي (الملتفت).
فهو لهذا لا يقدم البيان النفسي التحليلي الذي نريده، إذا عدلنا جميع الصفات التي أثبتناها للذات المحمدية (١).
وبعد، فمهما كان فيما سنقرره مخالفة للتقليد الديكارتي الذي يحصر العقل في قواعد منهج وضعي ضيق، فنحن مضطرون إلى أن نبحث عن مفتاح المشكلة خارج نفسية الذات المحمدية.
ولا بد لنا من أن نحدد حينئذٍ مستوى آخر تتم فيه أولاً الظاهرة القرآنية وتكتمل قبل أن تؤثر على الذات التي تحملها وتبلغها.
وبما أنه لا يمكننا أن نتصور هذا المستوى في ذات إنسانية أخرى، فمن الواجب أن نراه ضرورة في ذات غيبية (ميتافيزيقية) لا يربطها بالذات المحمدية رباط سوى رباط (الوحي).
...
стр. 162
الفكرة المحمدية
مر رسول الله ذات يوم أمام بستان أنصاري في طرف المدينة، فأشار عليه الرسول بأن يستخدم طريقة معينة في تأبير النخل، ولكنه بعد ذلك وجد أن الأنصاري قد ترك الطريقة التي نصحه بها لأنها لم تحقق له أقصى ما يمكن من المصلحة، فأقره النبي ﷺ على ذلك، معلناً على الفور أن التجربة الشخصية مقدمة على رأي الفرد، حتى ولو كان النبي (١).
فمن الناحية التاريخية تعد تلك النصيحة التي أبداها الرسول حديثاً، وهي
стр. 163
بذلك ذات قيمة مطلقة تقريباً في نظر المفسرين والفقهاء، ومع ذلك فها نحن أولاء نرى أن النبي قد ألغى بنفسه هذا الحديث أمام تجربة بستاني بسيط، مقرراً بذلك أسبقية العقل والتجربة في سير النشاط الدنيوي.
على أننا لا نجد حالة واحدة نسخ فيها النبي آية قرآنية بتجربة فردية حتى ولو كانت تجربته هو نفسه (١).
بل على العكس، ترينا بعض الأحداث في تاريخه تمسكه الشديد المطلق في هذا الباب، فهو لم يتخل مطلقاً عن آية قرآنية مهما كان الثمن، بل نراه يعدل فجأة عن الحج الذي كان قد اتخذ له أهبته في السنة السابقة، وكان السبب الوحيد لهذا العدول هو أن الوحي قد أمره به، فنزل على أمره، مهما أوشك هذا أن يثير فوض في المعسكر الإسلامي (٢).
فنحن إذن أمام فكرتين تتمثلان في نظر النبي بقيمتين مختلفتين: الفكرة الشخصية التي تنبعث من معرفته البشرية، والوحي القرآني المنزل عليه.
стр. 164
ومن الطبيعي أن نبحث هنا في وضع فاصل دقيق واضح بين هذين الأساسين في ضميره ﷺ ، كيما نزيد في إيضاح الظاهرة القرآنية.
ويظهر هذا التمييز أيضاً لدى الأنبياء الآخرين كما استطعنا أن ندرك هذا في بحث حالة (أرمياء).
فعندما رأى هذا النبي ذات يوم (حنانيا المتنبئ) يتخذ موقف المعارض لدعوته، وهو يسوق الطمأنينة إلى قلوب بني إسرائيل فيما كتب الله عليهم، فوجئ به وهو يمسك بنيره الذي يطوق به عنقه، فيحطمه صارخاً: "هاك ما قال الله: سأحطم هكذا طوق ملك بابل".
لقد كانت هذه الكلمة- بصفة عامة- التكذيب الصريح القاطع لدعوة أرمياء كلها، ولكنه أجاب عن طواعية: "آمين، حقق الله ما تقول".
ويفسر الأستاذ (أندريه لودز M.A.Lods) - الذي يورد هذه الفقرة من كتاب أرمياء- هذا الموقف الغريب في قوله: لقد كان يظن أن الله قد رجع في قضائه (١).
لقد كان هذا بلا شك هو التفسير الوحيد المعقول لرفع التعارض الذي قد يبدو في موقف النبي، فإن (أرمياء) قد أبلغ نذره التشاؤمية باسم الرب، وهو أيضا باسم الرب قد آمن بضرورة التزام الصمت لحظة تنبؤ (حنانيا)، لكن هذا الصمت لم يكن بناء على آية موحاة إلى (أرمياء)، بل بناء على اجتهاده الشخصي، فلقد قدر أن من المحتمل أن يكون (حنانيا) قد تلقى وحياً من الله.
ومع ذلك فإن الوحي يأتيه على الفور ليصحح هذا التقدير، فإذا بالنبي يعاود في سرعة نهج دعوته المألوف.
стр. 165
هذا الحادث العارض يفصل بوضوح فكرة الإنسان عن وحي النبي في ضمير أرمياء، تماماً كما تفصل المشورة السابقة حديث النبي عن الوحي القرآني.
وفضلاً عن ذلك فإن القرآن يثبت تماماً في النطاق الزمني هذه النسبة بين المصدرين في قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٤٢/ ٥٢].
فقوله "ما كنت" أي قبل غار حراء، والنبي في تلك الفترة لم يكن لديه سوى معلوماته الشخصية، وهي معلومات تبدو لنا عديمة الصلة بالوحي القرآني، إذا ما أعطينا الآية المذكورة كل معناها التاريخي والآية تثبت عرضاً - ولكن بطريقة صريحة- مصدر الوحي القرآني بعد حراء، وهو على كل حال ليس قبل (إيحاء الروح) المأخوذ من قوله: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا﴾. هذه النقطة ثابتة تاريخياً، لأن الآية التي ندرسها قد مرت أولاً بشعور النبي، وتعرضت لنقده الذاتي الذي يجيد تماماً هذا الفصل الضروري لاقتناعه الخاص. وفضلاً عن ذلك فإن القرآن قد دأب على تذكيره، وتأكيد هذا الفصل في آيات كثيرة، وهاك آية تؤدي ما أدته الآية الأولى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨/ ٢٩].
فتاريخ الوحي القرآني يبدأ إذن (بعد القرآن) وليس (قبله)، وذلك هو ما توحيه الآية على وجه التحديد.
أما من الوجهة النفسية المتصلة بشعور النبي ﷺ ، فإن هذه الآية تعزز ما قبلها في فصل السنة المحمدية عن الوحي القرآني.
стр. 166
وإن القرآن ليلح كثيراً في هذه النقطة، كما يمكن أن ندركه في الآية: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه ٩٩/ ٢٠].
وفي آيات أخرى يبدو القرآن وكأنما يشير إلى تحديد مقصود للوحي في نقطة معينة بالذات، كأنما ليعلق ضمير النبي واهتمامه بأشياء لم تكن بعد قد أوحيت، أو لم تنزل عليه قط، وهاك مثلاً على ذلك قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [القصص ٧٨/ ٢٨].
ففي هذه الآية يمضي الوحي القرآني ليس أبعد من الفكرة المحمدية فحسب، ولكن أبعد مما قد أوحي فعلاً.
ومن الممكن أن نذكر آيات كثيرة، ولا سيما الآية:
﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف ٤٥/ ٤٣].
وهي تؤدي المعنى نفسه.
وأحياناً يرد الفصل في القرآن بين الفكرة المحمدية والفكرة القرآنية بمناسبة حادث يجري في الحياة العادية:
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد ٤٧/ ٣٠].
وأخيراً، قد نرى هذا الفصل في التعارض بين الفكرة المحمدية والفكرة القرآنية، كما في هذه الآية التي سوف نحللها فيما بعد (١)، وهي قوله تعالى:
стр. 167
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه ٢٠/ ١١٤].
ويجب أن نأخذ في اعتبارنا- عندما نبحث هذا الفصل- عنصراً آخر خارجياً يؤكده بدوره، هو عنصر الصياغة الخاصة بالحديث، فلقد قيل- وهو القول الحق: "إن الأسلوب هو الرجل".
ومن المقطوع به أن الأحاديث المحمدية، والوحي القرآني يمثلان أسلوبين لكل منهما طابعه، وصياغته الخاصة.
فالعبارة القرآنية لها نسق وجرس تعرفه الأذن، ولها هيئة تركيبية وألفاظ خاصة، فليس من الخطأ أو الغلو في شيء أن يقال: إن الأسلوب القرآني معجز، لا يتسنى لأحد الإتيان بمثله.
ولئن كان قد روي أن الشاعر الكبير (المتني) قد حاول- دون جدوى- أن يقلده، فإن التاريخ يسجل محاولة معينة في هذا السبيل هي محاولة (البيان العربي) الذي كتبه (الباب).
لكنها لم تكن سوى محاولات يائسة (١).
وبعد، فليس لأحد أن يرتاب فيما تحتويه هذه الآيات من فصل قاطع تاريخي ونفسي بين الفكرة المحمدية والوحي القرآني، ذلك الفصل الذي- متى استقر في شعور النبي- أضاء جوانب الظاهرة القرآنية.
...
стр. 168
الرسالة
إن من الواجب ألا نغفل أهمية التأثير السحري للكلمات على بعض العقول ذات التكوين الديكارتي، وخاصة في عصرنا هذا الذي يحتل فيه الأسلوب العلمي مجال الدين. فهناك كلمات ترتدي أقنعة، ولئن عرفت السياسة بعضاً منها، فلقد كان حظ العلم كبيراً، وليس لأحد أن يتصور الخطأ أو العدم الذي تستره هذه الأقنعة، عندما تسيل هذه الكلمات من لعاب قلم مهيب لكاتب كبير، فتطلق كتبه أشباحها لتخطر في عقول كثير من المتعالين، فتزيد من سخافاتها.
وهكذا صار من الشائع في أوساطنا العلمية أن يرجع الباحثون إلى الدراسات الإسلامية التي يقوم بها كتاب، أغرموا بالكتابة في كل شيء؛ فهم يضعون كلمة في مكان حقيقة غابت عنهم، أو لم يحاولوا إدراكها.
وبهذه الطريقة رأينا أن (ذاتاً ثانية) تتدخل في تفسيرهم للظاهرة النبوية، ولا سيما عند (أرمياء)، ذاتاً أكثر من مجردة، وغير حسية، وبعيدة عن الاحتمال، تعد في نظرهم مصدرا لمعلومات الذات الحسية الأصلية. هذه الفكرة الشاذة تذكرنا من قريب بفكرة عزيزة لدى المنجمين هي فكرة (المثل الفلكي) (١).
ولكن لهذه الكلمات الساحرة تأثيراً فعالاً على بعض العقول، أشبه بسحر الصور والرسوم في نظر الأطفال.
стр. 169
فمن المعلوم أن من يكون ممتلئاً بالثقة في قيمة بعض الكتاب، لا يبحث عن قيمة الكلمة المعبرة بالنسبة إلى الفكرة التي يعبرون عنها.
ومن هذا القبيل كلمة (لاشعور)، فقد لعبت على أقلام الكتاب دوراً نظرياً هاماً في تفسير الظاهرة القرآنية.
فإذا أردنا أن نفهم معنى هذا المصطلح في نظريات علم النفس، وجدناه في منتهى الغموض، فهو لا يعني شيئاً محدداً كما تعني مثلاً المصطلحات المعروفة كالتذكر والإرادة.
إن نظرية (اللاشعور) ما تزال في مرحلة نشوئها، ومع ذلك فقد استخدموها لكي يفسروا لنا- كما يدعون- الظاهرة القرآنية بطريقة موضوعية. ومن الصعب علينا أن نعتقد أن هؤلاء المؤلفين قد بذلوا أقل الجهد لكي يتفهموا الموضوع.
فمما لا شك فيه أن الذات الإنسانية تحتوي على مجال معين تتكون فيه الظواهر النفسية الغامضة، التي لا تخضع لسلطان الشعور، كالأحلام مثلاً.
فهذا المجال المظلم الذي تدوي فيه بعض طوارئ الحياة النفسية الشعورية في الفرد، ذو علاقة واضحة بالحالات الشعورية، فلو أردنا لأطلقنا لفظ (لاشعور) على هذا المجال المظلم، وجميع العمليات التي تتم فيه أشكال (محوَّرة) خاصة لفكرة أو واقع مرّ بالشعور، فيمتص اللاشعور هذه العناصر الشعورية، ويودعها مخيلته لكي يقلبها غالباً إلى رموز، إلى أحلام، إلى حديث نفسي، إلى إلهام؛ ولكن هذه الرموز تحتفظ بمعالم الفكرة أو الواقع الذي تولدت عنه.
لا شك أن هذه العلاقة تتفاوت في غموضها، ولكن التحليل قد يكشف عنها: إذ من الممكن أن نجد في حلم أو كابوس الطريقة التي اتبعها اللاشعور في
стр. 170
صياغة رمزه بالرجوع إلى حادث سابق تسبب فيه، فهو حساسية خاطفة، أو تذكار قاس، أو هو راجع إلى يسر الهضم أو عسره ... الخ ..
فاللاشعور يعمل هنا عمل المستقبل الكهربي بالنسبة للمولد الكهربي الذي هو الشعور، وعليه ففي هذا المجال الأخير يجب أن نلتمس دائماً مصدر العمليات النفسية التي يصفونها باللاشعورية.
وعندما يتضح أن فكرة ما لا تخضع مطلقاً للذات الشعورية، فمن الممكن أن نفهم من هذا أنها بالضرورة أجنبية عن هذه الذات، وأنه لا محل لها في اللاشعور.
هذا هو المبدأ النقدي الذي نريد أن نتخذه هنا أساساً لدراسة الوحي القرآني.
***
стр. 171
الخصائص الظاهرية للوحي
الوحي بوصفه ظاهرة تمتد في حدود الزمن يتميز بخاصتين ظاهريتين هامتين، وذلك بصرف النظر عن طبيعته في ذاته، وعن حامله النفسي خلال الذات المحمدية، هاتان الخاصتان هما:
أ- تنجيم الوحي.
ب- وحدته الكمية.
стр. 172
التنجيم
يضم الوحي في مجموعه ثلاثة وعشرين عاماً، فهو لا يكوِّن ظاهرة مؤقتة أو خاطفة. ولقد نزلت الآيات منجمة، بين كل وحي وما يليه مدة انقطاع تتفاوت طولاً وقصراً.
ولقد ينقطع الوحي مدة أطول مما ينتظره النبي، وخاصة عندما يحتاج أن يتخذ قراراً يعتقد أن من الواجب ألا يصدره قبل تصديق السماء عليه.
وأوضح مثال على ذلك موقفه إزاء قرار الهجرة، فلقد غادر أصحابه مكة فارين بدينهم، بينما كان يعتقد أنه لا بد- فيما يتعلق بشخصه- أن ينتظر أمراً صريحاً من الوحي.
ومثال آخر عندما كان الأمر بالنسبة له يحتم اتخاذ قرار في موقف محير مريب، بينما ينتظر- على أحر من الجمر- وحي الله الحاسم.
ولقد تعرض النبي ﷺ لمثل هذه الحيرة في حادثة الإفك، التي لم يفصل فيها الوحي إلا بعد شهر (١) من الانتظار على مضض.
كان هذا يبدو- في الظاهر- تورطاً وحرجاً لم يلبث المستهزئون أن وجهوا من أجلهما نقدهم الجارح إلى النبي، وكان هو يتألم لذلك أحياناً.
وعليه فمهما كان الافتراض الذي يوضع عن طبيعة القرآن، فإن هناك سؤالاً
стр. 173
كبيراً يتردد حول هذا الموضوع: ألم يكن من الممكن أن يتدفق جملة واحدة، من العبقرية الإنسانية التي ربما يكون قد صدر عنها (١)؟.
ولكنا برجوعنا خلال الزمن نستطيع أن نحكم بأهمية هذا التنجيم الفذ للوحي، أهمية قصوى لنجاح الدعوة.
إذ بماذا كنا نفسر من الوجهات التاريخية والاجتماعية والأدبية قرآناً يهبط كأنما هو برق خاطف في ظلمات الجاهلية؟
وماذا يعني هذا بالنسبة لتاريخ النبي، لو أنه كان قد تلقى وحياً كلياً فجائياً، لو أنه تلقاه بوصفه وثيقة، أي نوعاً من صحف التفويض لدى بني الإنسان؟ ..
أي أمل كان يمكن أن يلتمسه عنده قبيل بدر مثلاً، لو أنه بدلاً من أن يتوقع إمداد الملائكة ظل يكرر آية سبق أن حفظها عن ظهر قلب؟
إننا ببحثنا مسألة تجزئة الوحي في ضوء هذه النظرات نستطيع أن ندرك أولاً قيمته التربوية.
فتلك في الواقع هي الطريقة التربوية الوحيدة الممكنة في حقبة تشم بميلاد دين وبزوغ حضارة.
وسيهدي الوحي خلال ثلاثة وعشرين عاماً سير النبي وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف البعيد، وهو يحوطهم في كل لحظة بالعناية الإلهية المناسبة. فهو يعزز جهودهم العظيمة، ويدفع أرواحهم وإرادتهم نحو هدف الملحمة الفريدة في التاريخ، فيكرم بآية صريحة قضاء شهيد أو استشهاد بطل.
كيف كان القرآن يؤدي دوره حيال طبيعة الإنسان التي جاء يصوغها في ذلك العصر، لو أنه سبق بنزوله أحداث حنين وأحد؟ .. وماذا كان يكون، لو
стр. 174
أنه لم يأت لكل ألم بعزائه العاجل، ولو أنه لم ينزل لكل تضحية جزاءها، ولكل هزيمة أملها، ولكل نصر درسه في الاحتشام، ولكل عقبة إشارة إلى ما تقتضيه من جهد، ولكل خطر أدبي أو مادي روح التشجيع اللازم لمواجهته؟
وكلما كان الإسلام ينتشر في ربا الحجاز ونجد، كان الوحي يتنزل بالدرس الضروري في المثابرة والصبر، والإقدام والإخلاص، يلقنه أولئك الأبطال الأسطوريين، أبطال الملحمة الخارقة.
فهل كان لدرسه أن يجد طريقه إلى قلوبهم وضمائرهم لو لم يكن نزوله تبعاً لأمثلة الحياة نفسها، والواقع المحيط بهم؟.
ولو أن القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحول سريعاً إلى كلمة مقدسة خامدة وإلى فكرة ميتة، وإلى مجرد وثيقة دينية، لا مصدر يبعث الحياة في حضارة وليدة.
فالحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بأعبائها الإسلام لا سر لها إلا في هذا التنجيم.
والقرآن يبرز هذه الخاصة الخفية وهو يخاطب النبي ﷺ بقوله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥/ ٣٢].
فنزول القرآن على نجوم، وقد كان في اعتبار الجاهليين نقصاً شاذاً، يتجلى لنا بمراجعتنا الزمن والأحداث شرطاً أساسياً ضرورياً لانتصار الدعوة المحمدية. ولن يشق علينا أن نجد في هذا المنهج التربوي- الذي أثار سخرية القوم، وأزاغ النقد السطحي في عصرنا عن الجادة- طابع العلم العلوي الذي أملى (كلمة الله) بطريقة التنجيم.
стр. 175
الوحدة الكمية
الوحي ظاهرة منجمة، فهو في أساسه متفاصل، شأن مجموعة عددية، أي أنه متكون من وحدات متتالية هي الآيات، وهذه الخاصة توحي إلينا بفكرة الوحدة الكمية: فكل وحي مستقل يضم وحدة جديدة إلى المجموعة القرآنية. بيد أن هذه الوحدة القرآنية ليست ثابتة، فهي لا تماثل الوحدة التي تزيد في مجموعة الأعداد حين يضاف واحد إلى ثلاثة أو أربعة أو خمسة ليؤدي إلى الوحدة العددية التالية.
فإن للوحي مقياساً متغيراً هو: كميته أو سعته، تلك السعة التي تتراوح بين حد أدنى هو الآية، وحد أقصى هو السورة.
وتأمّل هذه الوحدة يتيح لنا بعض الملاحظات المفيدة عن العلاقة بين الذات المحمدية والظاهرة القرآنية، إذ هي تتناسب في الزمن مع الحالة الخاصة التي سميناها (حالة التلقي) عند النبي ﷺ .
ولقد رأينا- بصفة خاصة- أن إرادته تنعدم مؤقتاً، إذ هو عاجز في تلك اللحظات عن أن يغطي وجهه المحتقن، التفصد عرقاً. فعن هذه الذات العاجزة فجأة- وللحظات- تصدر وحدة التنزيل، وعلى هذه الذات الخارقة في حالة لا شعورية تقريباً يطبع الوحي فجأة فقراته الوجيزة.
تلك هي وحدة (الظاهرة القرآنية) من ناحية الكم، وهي التي ندرسها بالنسبة لهذه الذات العاجزة مؤقتاً، والتي هي (حامل الوحي).
هذه الوحدة تؤدي بالضرورة فكرة واحدة، وأحياناً مجموعة من الفكر المنتظمة في أسلوب منطقي يمكننا ملاحظته في آيات القرآن، ودراسة هذه الفكر
стр. 176
في ذاتها، وفي علاقتها ببقية حلقات السلسلة، تكشف عن قدرة خالقة ومنظمة، لا يمكن أن تنطوي عليها الذات المحمدية، في تلك الظروف النفسية الخاصة بحالة تلقيها الوحي، بل حتى في ظروفها الطبيعية، بشرط أن نقر نتائج القياس الأول.
وحقيقة، ماذا نقول في فكرة لدى إنسان لم يفكر فيها، ولا يمكنه أن يفكر فيها في الحالة الخاصة التي يعانيها؟. وماذا نقول في هذا النسق المتصل لتعاليم تؤديها هذه الفكرة، حين لا يتأسس هذا النسق على إرادة وتفكير منظم؟.
إن من الجلي أننا لا يمكن أن نتصور ذلك في النظرة الأولى، وفضلاً عن ذلك، فلو افترضنا أن التفكير يمكن أن يحدث لا شعورياً ولا إرادياً لدى فرد ما، فإن النبي على الرغم من هذا لم يكن لديه الزمن المادي كيما يتصور وينظم تعاليمه في البرهة الخاطفة للوحي.
ولسوف نرى أن هذه التعاليم تعبر أحياناً عن أفكار خارج حدود الفكر تماماً في العصر المحمدي، بل لا يمكن أن تخطر في فكر إنساني، وسنورد نحن لذلك أمثلة فيما بعد في فصل (موضوعات ومواقف قرآنية).
أما الآن، فنحن نكون مقياساً لنحكم على صلة وحدة الوحي بالذات المحمدية.
ولسنا للأسف مطمئنين إلى أن الأمثلة التي درسناها هنا تمثل تماماً هذه الوحدة أو شطراً منها.
ولكن من المستطاع أن نتخلص من هذه الصعوبة، حين نجعل وحدة التنزيل مجموع الآيات المتتابعة التي تسهم في اكتمال فكرة واحدة، وهذا العدد يمكن أن يهبط إلى الحد الأدنى، في آية واحدة، ويمكن أن يرتفع إلى الحد الأقصى في سورة كاملة.
***
стр. 177
مثال على الوحدة التشريعية
إن سورة النساء تقدم لنا نموذجاً تشريعياً على قانون الأحوال الشخصية، فالفكرة التشريعية التي نبحثها تكتمل في الآيات (٢٢ - ٢٥)، ومن المحتمل أن تكون قد نزلت كلها مرة واحدة.
ولكنا مبالغة في الدقة لن ندرس هنا غير الآية (٢٣) فقط، وهي قوله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء٢٣/ ٤].
فهذا نص أساسي يقرر في نفثة واحدة من الوحي تشريع الزواج بجميع تفاصيله، وشروطه القانونية الضرورية، وهو ينظم بصورة ما المحرمات من النساء، مستهلاً بذلك على حكمين جوهريين هما: الاستيعاب والحصر الكامل للحالات المشار إليها، وتصنيفها في نظام منطقي، وعليه فتعداد ثلاث عشرة حالة، وتصنيفها الواضح يستوجب ملابسات نفسية وزمنية متنافية مع خصائص الوحي.
والحق أن النبي لم يفكر في الحالات المذكورة ولم ينظمها أيضاً، بينما ترينا مناقشة النص تصنيفاً للحالات المحرمة بدرجة القرابة العصبية والترتيب النزولي:
стр. 178
الأم والبنت، والأخت وبنت الأخ وبنت الأخت من القرابة المباشرة - والمرضعة- وأخت الرضاعة من القرابة الرضاعية، ولا يحل لمرء أن يتزوج أم امرأته، أو ابنتها أو أختها: فدرجة القرابة هنا مقيسة بالنسبة للمرأة.
ويمكن أن نلحظ أيضاً في هذا التصنيف أفضلية رباط الذكر على رباط الأنثى، فابنة الأخ تذكر قبل ابنة الأخت، والقرابة المتصلة بالزوج قبل القرابة المتصلة بالزوجة مع أسبقية رباط الذكورة ..
ولما كنا قد سلمنا بأن النبي صلوات الله عليه لم يجمع في نفسه هذه المحرمات قبل نزولها، وما كان له أن ينظمها خلال ومضة الوحي، إذ هو أمر يتنافى مع ظروف حالة تلقيه للوحي، ومع نتائج المقياس الأول، فإن المسألة تظل معلقة فيما إذا وجب تفسيرها طبقاً للأسلوب الديكارتي.
وإنا لمضطرون هنا- كما اضطررنا هنالك- إلى أن نبحث عن تفسير للظاهرة خارج هذا النطاق.
***
стр. 179
مثال على الوحدة التاريخية
هذا المثال تقدمه لنا الآية الآتية:
(١) ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ
(٢) قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
(٣) وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
(٤) وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون ١/ ٦٣]
هاهو ذا النص الذي ندرسه. والذي قصدنا إلى ترقيمه وتجزئته أربعة أجزاء، ندرس فيها نظام الفقرات.
وتظهر المسحة التاريخية للآية في الفقرة الأولى التي تصور لنا حادثاً عادياً هو حضور المنافقين بين يدي النبي، ولقد جاءت هذه الفقرة في مكانها فعلاً، لأن الهدف العاجل من هذه الآية هو أن تصف لنا غدر المنافقين وكذبهم، فمن الواجب أولاً أن تعطينا وصفاً لإطار الحادثة، وهو كون المنافقين في حضرة النبي. أما الأفكار التالية لذلك فينبغي أن تجيء وفق نظام طبيعي يتبع درجة الأهمية، أي ينتقل من الفكرة الرئيسية إلى الفكرة التابعة، وخاصة في الأسلوب الخطابي كما هو شأن القرآن.
والفكرة الرئيسية هنا هي أن يعلن غدر المنافقين، وأن يكذبهم في مقالتهم.
فإذا ما طبقنا هذه الملاحظة على ترتيب أفكار الآية صارت هكذا:
стр. 180
(١) إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ
(٢) قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
(٣) وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
(٤) وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
وبهذه الصورة تصبح الآية بالتدقيق كاملة، ومطابقة للتركيب العربي، فيما عدا القلب الذي طرأ على وضع الجملتين (٣ و ٤) لنردها إلى ترتيبها الطبيعي، ومع ذلك فربما نلاحظ أن الآية تتعرض في نسقها الجديد لنقد في الصميم، إذ تكون برهاناً خطيراً ضد القيمة العلوية للوحي، لأن معنى الفقرة (٤) كله قد أصبح في التنظيم الجديد تكذيباً، لا لغدر المنافقين، بل لإقرارهم وشهادتهم بأنه رسول الله، ففي التركيب القرآني للأفكار دقة مذهلة، لأن الفقرة الثالثة التابعة تؤكد أولاً صحة رسالة النبي- وهو ما شهد به المنافقون- قبل أن يعلن كذبهم في الفقرة الرابعة الرئيسية، هذا الترتيب الدقيق الذي يتميز بالعمق واليقظة البالغة يتنافى- كما يجب أن نكرر- مع الظروف النفسية والزمنية التي تبرق فيها (الوحدة الكمية) للقرآن، حتى كأنما هي ومضة خاطفة.
وهو يتنافى أيضاً مع الارتجال والتلقائية لأسلوب القرآن، وواجبنا أن نذكر القارئ بأن الخطاب القرآني من الناحية الشكلية، يعد عرضاً شفوياً لا تظفر فيه الفكرة بالزمن المادي الكافي، لتحقيق الدقة المنطقية التي نلمسها في الأسلوب المكتوب.
فليس لدى الإنسان عندما يتحدث وقت لكي (يدير لسانه في فمه سبع مرات)، والأسلوب الخطابي عموماً عرضة لزلات اللسان، على حين يقل تعرض الأسلوب المحرر للأخطاء العلمية، لأن لدى الكاتب فرصة (ليغمس القلم في الدواة سبع مرات)، قبل كتابة الفكرة.