في ذاتها، وفي علاقتها ببقية حلقات السلسلة، تكشف عن قدرة خالقة ومنظمة، لا يمكن أن تنطوي عليها الذات المحمدية، في تلك الظروف النفسية الخاصة بحالة تلقيها الوحي، بل حتى في ظروفها الطبيعية، بشرط أن نقر نتائج القياس الأول.
وحقيقة، ماذا نقول في فكرة لدى إنسان لم يفكر فيها، ولا يمكنه أن يفكر فيها في الحالة الخاصة التي يعانيها؟. وماذا نقول في هذا النسق المتصل لتعاليم تؤديها هذه الفكرة، حين لا يتأسس هذا النسق على إرادة وتفكير منظم؟.
إن من الجلي أننا لا يمكن أن نتصور ذلك في النظرة الأولى، وفضلاً عن ذلك، فلو افترضنا أن التفكير يمكن أن يحدث لا شعورياً ولا إرادياً لدى فرد ما، فإن النبي على الرغم من هذا لم يكن لديه الزمن المادي كيما يتصور وينظم تعاليمه في البرهة الخاطفة للوحي.
ولسوف نرى أن هذه التعاليم تعبر أحياناً عن أفكار خارج حدود الفكر تماماً في العصر المحمدي، بل لا يمكن أن تخطر في فكر إنساني، وسنورد نحن لذلك أمثلة فيما بعد في فصل (موضوعات ومواقف قرآنية).
أما الآن، فنحن نكون مقياساً لنحكم على صلة وحدة الوحي بالذات المحمدية.
ولسنا للأسف مطمئنين إلى أن الأمثلة التي درسناها هنا تمثل تماماً هذه الوحدة أو شطراً منها.
ولكن من المستطاع أن نتخلص من هذه الصعوبة، حين نجعل وحدة التنزيل مجموع الآيات المتتابعة التي تسهم في اكتمال فكرة واحدة، وهذا العدد يمكن أن يهبط إلى الحد الأدنى، في آية واحدة، ويمكن أن يرتفع إلى الحد الأقصى في سورة كاملة.
***
стр. 177
مثال على الوحدة التشريعية
إن سورة النساء تقدم لنا نموذجاً تشريعياً على قانون الأحوال الشخصية، فالفكرة التشريعية التي نبحثها تكتمل في الآيات (٢٢ - ٢٥)، ومن المحتمل أن تكون قد نزلت كلها مرة واحدة.
ولكنا مبالغة في الدقة لن ندرس هنا غير الآية (٢٣) فقط، وهي قوله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء٢٣/ ٤].
فهذا نص أساسي يقرر في نفثة واحدة من الوحي تشريع الزواج بجميع تفاصيله، وشروطه القانونية الضرورية، وهو ينظم بصورة ما المحرمات من النساء، مستهلاً بذلك على حكمين جوهريين هما: الاستيعاب والحصر الكامل للحالات المشار إليها، وتصنيفها في نظام منطقي، وعليه فتعداد ثلاث عشرة حالة، وتصنيفها الواضح يستوجب ملابسات نفسية وزمنية متنافية مع خصائص الوحي.
والحق أن النبي لم يفكر في الحالات المذكورة ولم ينظمها أيضاً، بينما ترينا مناقشة النص تصنيفاً للحالات المحرمة بدرجة القرابة العصبية والترتيب النزولي:
стр. 178
الأم والبنت، والأخت وبنت الأخ وبنت الأخت من القرابة المباشرة - والمرضعة- وأخت الرضاعة من القرابة الرضاعية، ولا يحل لمرء أن يتزوج أم امرأته، أو ابنتها أو أختها: فدرجة القرابة هنا مقيسة بالنسبة للمرأة.
ويمكن أن نلحظ أيضاً في هذا التصنيف أفضلية رباط الذكر على رباط الأنثى، فابنة الأخ تذكر قبل ابنة الأخت، والقرابة المتصلة بالزوج قبل القرابة المتصلة بالزوجة مع أسبقية رباط الذكورة ..
ولما كنا قد سلمنا بأن النبي صلوات الله عليه لم يجمع في نفسه هذه المحرمات قبل نزولها، وما كان له أن ينظمها خلال ومضة الوحي، إذ هو أمر يتنافى مع ظروف حالة تلقيه للوحي، ومع نتائج المقياس الأول، فإن المسألة تظل معلقة فيما إذا وجب تفسيرها طبقاً للأسلوب الديكارتي.
وإنا لمضطرون هنا- كما اضطررنا هنالك- إلى أن نبحث عن تفسير للظاهرة خارج هذا النطاق.
***
стр. 179
مثال على الوحدة التاريخية
هذا المثال تقدمه لنا الآية الآتية:
(١) ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ
(٢) قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
(٣) وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
(٤) وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون ١/ ٦٣]
هاهو ذا النص الذي ندرسه. والذي قصدنا إلى ترقيمه وتجزئته أربعة أجزاء، ندرس فيها نظام الفقرات.
وتظهر المسحة التاريخية للآية في الفقرة الأولى التي تصور لنا حادثاً عادياً هو حضور المنافقين بين يدي النبي، ولقد جاءت هذه الفقرة في مكانها فعلاً، لأن الهدف العاجل من هذه الآية هو أن تصف لنا غدر المنافقين وكذبهم، فمن الواجب أولاً أن تعطينا وصفاً لإطار الحادثة، وهو كون المنافقين في حضرة النبي. أما الأفكار التالية لذلك فينبغي أن تجيء وفق نظام طبيعي يتبع درجة الأهمية، أي ينتقل من الفكرة الرئيسية إلى الفكرة التابعة، وخاصة في الأسلوب الخطابي كما هو شأن القرآن.
والفكرة الرئيسية هنا هي أن يعلن غدر المنافقين، وأن يكذبهم في مقالتهم.
فإذا ما طبقنا هذه الملاحظة على ترتيب أفكار الآية صارت هكذا:
стр. 180
(١) إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ
(٢) قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
(٣) وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
(٤) وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
وبهذه الصورة تصبح الآية بالتدقيق كاملة، ومطابقة للتركيب العربي، فيما عدا القلب الذي طرأ على وضع الجملتين (٣ و ٤) لنردها إلى ترتيبها الطبيعي، ومع ذلك فربما نلاحظ أن الآية تتعرض في نسقها الجديد لنقد في الصميم، إذ تكون برهاناً خطيراً ضد القيمة العلوية للوحي، لأن معنى الفقرة (٤) كله قد أصبح في التنظيم الجديد تكذيباً، لا لغدر المنافقين، بل لإقرارهم وشهادتهم بأنه رسول الله، ففي التركيب القرآني للأفكار دقة مذهلة، لأن الفقرة الثالثة التابعة تؤكد أولاً صحة رسالة النبي- وهو ما شهد به المنافقون- قبل أن يعلن كذبهم في الفقرة الرابعة الرئيسية، هذا الترتيب الدقيق الذي يتميز بالعمق واليقظة البالغة يتنافى- كما يجب أن نكرر- مع الظروف النفسية والزمنية التي تبرق فيها (الوحدة الكمية) للقرآن، حتى كأنما هي ومضة خاطفة.
وهو يتنافى أيضاً مع الارتجال والتلقائية لأسلوب القرآن، وواجبنا أن نذكر القارئ بأن الخطاب القرآني من الناحية الشكلية، يعد عرضاً شفوياً لا تظفر فيه الفكرة بالزمن المادي الكافي، لتحقيق الدقة المنطقية التي نلمسها في الأسلوب المكتوب.
فليس لدى الإنسان عندما يتحدث وقت لكي (يدير لسانه في فمه سبع مرات)، والأسلوب الخطابي عموماً عرضة لزلات اللسان، على حين يقل تعرض الأسلوب المحرر للأخطاء العلمية، لأن لدى الكاتب فرصة (ليغمس القلم في الدواة سبع مرات)، قبل كتابة الفكرة.
стр. 181
فبحث الوحدة الكمية، تلك الومضة الروحية من الوحي، يبرز في آيات القرآن دلائل ترتيب وتفكير وإرادة، تعجز عن تفسيرها في حدود المعلومات التاريخية، والنفسية، التي أثبتناها للذات المحمدية.
***
стр. 182
الصورة الأدبية للقرآن
إن الجانب الأدبي للرسالة، ذلك الذي كان في نظر المفسرين التقليديين موضوع الدراسة الأول، يفقد بعض أهميته شيئاً فشيئاً في عصرنا الذي يهتم بالعلم أكثر من اهتمامه بالأدب (١).
وحقاً إن سيطرتنا القاصرة على عبقرية اللغة الجاهلية، لاتسمح لنا بأن نحكم- عن معرفة- على سمو الأسلوب في القرآن. ومع ذلك فإن هناك آية تستحق انتباهنا، وهي تمدنا في هذه النقطة بمعلومات تاريخية بالغة الأهمية. إذ أن القرآن يؤكد صراحة هذا السمو الذي يقصد به إعجاز العبقرية الأدبية في عصره، فهو يقذف في وجوه معاصريه بهذا التحدي المذهل:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة ٢٣/ ٢]
ولم يذكر التاريخ أن أحداً قد أجاب على هذا التحدي، وبهذا يمكن أن نستخلص أنه قد ظل دون تعقيب، وأن إعجازه الأدبي قد أفحم فعلاً عبقرية ذلك العصر.
ولكن لدينا- فيما يخص بحثنا هذا- طرقاً أخرى لإصدار حكم، في هذا الجانب الخاص من المسألة.
فالنفس البدوية طروب في جوهرها، وجميع مطامحها وانفعالاتها واندفاعاتها إنما تتجلى في تعبير موسيقي موزون، هو بيت الشعر الذي سيكون مقياسه
стр. 183
خطوة الجمل السريعة أو الطويلة، وعلم العروض نفسه في جوهره بدوي، إذن فصورة العبقرية البدوية قد انطبعت في الشعر.
هذه اللغة الرخيمة التي تردد خلالها صهيل الخيل، ودوت في جوانبها قعقعة السيوف الهندية، قد كانت تقصف هنا وهناك صيحات الحرب يطلقها الفتيان في كل مكان، إنما تعبر عن الحماسة الأسطورية التي كان بطلها (عنترة)، أو عن النشوة الشعرية التي كان فتاها (امرؤ القيس).
والمجاز في اللغة العربية- كما سنرى فيما بعد- يستعير عناصره من سماء بلا سحاب، ومن صحراء بلا حدود، تعبرها القطا أو تثب خلالها الآرام، فهي لا تعبر عن أية حيرة روحية أو ميتافيزيقية، وهي تجهل دقائق المنطق، وتجريد الفكر الفلسفي أو العلمي أو الديني.
وثروتها اللفظية هي تلك التي تحقق حاجات الحياة البسيطة الخارجية أو الداخلية، لبدوي لا لحضري.
تلك هي الخصائص العامة لهذه اللغة الجاهلية الوثنية المترحلة البرية، التي سيطويها القرآن بعبقريته الخاصة كيما يعبر عن فكرة عالمية.
وسيختار القرآن للتعبير عن هذه الفكرة صورة جديدة هي: (الجملة). فالآية القرآنية ستقصي ناحية شعر البادية، ولكن نسقه سيبقى على كل حال، إذ هي قد تحررت من الوزن فحسب فاتسع مجالها.
وهناك شهادات سجلتها لنا السيرة في ذلك العصر، تقدم لنا معلومات واسعة عن التأثير الغلاب الذي كان لآيات القرآن على النفس البدوية.
فعمر ﵁ يتحول إلى الإسلام بفعل هذا التأثير، على حين قد عبر الوليد بن المغيرة- الذي كان مثالاً في الفصاحة والفخر الأدبي- عن رأيه في
стр. 184
(سحر القرآن) بقول: "والله لقد سمعت كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق؛ وإنه يعلو ولا يعلى عليه".
قال ذلك رداً على أبي جهل الذي سأله عن رأيه فيما سمع من (محمد). هذه اللغة التي لم تعبر حتى تلك اللحظة- قبيل الرسالة- إلا عن ذكاء بدو الصحراء، تحتاج بقدر ما أن تثري لكي تشبع رغبات عقل واجهته- منذ ذلك الحين- المشاكل الغيبية والشرعية والاجتماعية بل العلمية أيضاً.
إن ظاهرة لغوية كهذه فريدة في تاريخ اللغات، إذ لم يحدث للغة العربية تطور تدريجي، بل بعض ما يشبه الانفجار الثوري الباغت، كما كانت الظاهرة القرآنية مباغتة.
وبهذا تكون اللغة العربية قد مرت طفرة من المرحلة اللهجية الجاهلية إلى لغة منظمة فنياً، لكي تنقل فكرة الثقافة الجديدة والحضارة الوليدة.
لقد ذهب بعض المفسرين إلى أن القرآن لم يستخدم مطلقاً ألفاظاً أجنبية عن لهجة الحجاز، مع أنه من البين أن في القرآن ألفاظاً جديدة، وخاصة تلك الألفاظ الآرامية التي استخدمها لتعيين مفاهيم توحيدية جديدة من الناحية النوعية، كلفظ (ملكوت)، والأسماء الخاصة مثل (جالوت وهاروت وماروت)، فمن وجهة الدراسات اللغوية يبدو القرآن وكأنما قد استحضر ثروته اللفظية الخاصة، وأنشأها إنشاء بطريقة فجائية وغريبة.
هذه الظاهرة قد خلقت من الوجهتين الأدبية واللغوية فصلاً تاماً بين اللغة الجاهلية واللغة الإسلامية.
وليس يغض من شأن هذه النتيجة ذلك الفرض الباطل الذي قال به المستشرق (مرجليوث)، فإن الجدال حول هذه المسألة قد صفي وأغلق في مصر
стр. 185
بما قام به الرافعي ومدرسته من دراسات، فلم يعد (لفرض) العالم الإنجليزي مجال إلا بعض الدراسات المغرضة.
وفضلاً عن ذلك فليس من الممكن أن نتصور: كيف، ولماذا اخترع بعض الناس نوعاً أدبياً رصيناً كالشعر الجاهلي، ثم اختلقوا له أسماء شعرائه ومؤلفيه (١)؟ إن هذا غير مفهوم.
أية كانت وجهة الأمر، فإن المسألة اللغوية التي أثارها القرآن تستحق في ذاتها دراسة جادة تضم ألفاظه الجديدة، واستخدامه الفذ للكلمات، وخاصة في مجال الأخرويات، وربما ظفر علم التفسير من ذلك بمجال رحيب يستطيع فيه أن يلاحظ امتداد الظاهرة القرآنية.
ولقد كان حتما على القرآن- إذا ما أراد أن يدخل في اللغة العربية فكرته الدينية، ومفاهيمه التوحيدية- أن يتجاوز الحدود التقليدية للأدب الجاهلي. والحق أنه قد أحدث انقلاباً هائلاً في الأدب العربي بتغييره الأداة الفنية في التعبير، فهو من ناحية قد جعل الجملة المنظمة في موضع البيت الموزون، وجاء من ناحية أخرى بفكرة جديدة، أدخل بها مفاهيم وموضوعات جديدة، لكي يصل العقلية الجاهلية بتيار التوحيد.
على أن هذه المفاهيم ليست مترجمة في آيات القرآن فحسب، بل إن القرآن قد هضمها وتمثلها، ثم كيّفها حتى تناسب العقلية العربية.
ومما يدلنا على هذا، أن نأخذ مثلاً التعبير الإنجيلي (مُلك الله Royaume de Dieu) ونرى هل نجده في القرآن بالتعبير نفسه؟
إن القرآن لم يضعه بحرفه، بل شكله في هيئة خاصة تمنحه أصالته
стр. 186
الإسلامية، فكلمة ( Royaume) مرادفها العربي لفظ (ملك) ولقد تمثله القرآن في صورة اللفظ (أيام) (١).
والقرآن يتحاشى بهذا التكييف اللبس الذي قد ينشأ من الترادف بين الألفاظ (مملكة Royaume- ملك Domaine- مُلك) أو لفظ كَوْن ( Création) الذي يغير كثيراً من مغزى التعبير الإنجيلي.
فالقرآن قد وفق ولاشك في أن يصوغه في ذلك التعبير الأصلي (أيام الله) (٢) الذي لا يعثر عليه أمهر المترجمين.
ويمكننا أن نسجل هذه الملاحظات نفسها بالنسبة لمجيع المفاهيم الإنجيلية الأخرى التي جات في القرآن باللسان العربي، فقد تمثل مفهوم العبارة ( Esprit Saint) ، ثم صاغه في ذلك التعبير الموفق (روح القدس).
ولقد تعرضت الثروة اللفظية التي جاء بها القرآن في جميع تفاصيلها لمثل هذا التكييف الرائع، كما حدث لذلك الاسم الخاص ( Putiphare) وهو اسم الشخصية الكتابية التي أطلقت عليها رواية القرآن لقب (العزيز) في قصة يوسف، ولنا أن نتساءل عما إذا كانت هناك صلة في المعنى بين الاسم الإسرائيلي واللقب القرآني، فالتفسير العبري يبدو أنه يقصد بكلمة Putiphare اشتقاقاً مصرياً يبدأ من الأصل Puti=favori: ( عزيز)، والأصل phare ( مستشار أو ناصح). ونقلاً عن بحث القسيس (فيجورو vigoureux) في الموضوع (٣) نعرف أن هذه الكلمة مصرية مركبة معناها (عزيز الإله شمس).
стр. 187
وعلى أي من الرأيين نرى أن التكييف الاشتقاقي القرآني قد حذف اللفظ المكمل- الإضافي، ليتمثله في صورة أكثر تطابقاً مع روح التوحيد الإسلامية، فإذا به يكتفي بلفظة (العزيز) (١).
ومما يذكر أن هذا التكييف الذي تجنب صعوبة الترجمة الصوتية للحروف الأولى، قد حل مشكلة لغوية لا يتسنى لجاهل بالدراسات المصرية أن يحلها، حتى ولو كان في أتم حالات وعيه.
...
стр. 188
مضمون الرسالة
إن رحابة الموضوعات القرآنية وتنوعها لشيء فريد، طبقا لتعبير القرآن نفسه ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٦/ ٣٨]، فهو يبدأ حديثه من (ذرة الوجود المستودعة باطن الصخر والمستقرة في أعماق البحار) (١) إلى (النجم الذي يسبح في فلكه نحو مستقره المعلوم) (٢)، وهو يتقصى أبعد الجوانب المظلمة في القلب الإنساني، فيتغلغل في نفس المؤمن والكافر بنظرة تلمس أدق الانفعالات في هذه النفس. وهو يتجه نحو ماضي الإنسانية البعيد، ونحو مستقبلها، كيما يعلمها واجبات الحياة، وهو يرسم لوحة أخاذة لمشهد الحضارات المتتابعة، ثم يدعونا إلى أن نتأمله لنفيد من عواقبه عظة واعتباراً.
وإن درسه الأخلاقي لهو ثمرة نظرة نفسية متعمقة في الطبيعة البشرية تصف لنا النقائص التي ينهى عنها، وينفر منها، والفضائل التي يدعونا إلى التأسي بها، من خلال حياة الأنبياء، أولئك الأبطال والشهداء في سجل ملحمة السماء؛ وعلى هذا الأساس يدفع القرآن المؤمن إلى الندم الصادق، حين يعده بالغفران، أساس التربية الجزائية في الأديان السماوية.
أمام هذا المشهد العظيم وقف الفيلسوف (توماس كارليل)، فما تمالك عنه، بل انبعثت من أعماقه صرخة إعجاب بالقرآن فقال: "هذا صدى متفجر من قلب الكون نفسه" (٣) وفي هذه الصرخة الفلسفية، نجد أكثر من فكرة جافة لمؤرخ،
стр. 189
نجد بعض ما يشبه الاعتراف التلقائي لضمير إنساني سام بُهت أمام عظسمة الظاهرة القرآنية؛ وإن العقل الإنساني ليقف حائراً أمام رحابة القرآن وعمقه، إنه بناء فريد ذو هندسة ونسب فنية تتحدى القدرة المبدعة لدى الإنسان.
إن عبقرية الإنسان تحمل بالضرورة طابع الأرض، ليخضع كل شيء لقانون المكان والزمان، بينما يتخطى القرآن دائماً نطاق هذا القانون، وما كان لكتاب بهذا السمو أن يتصور في حدود الأبعاد الضيقة للعبقرية الإنسانية؛ ومن المقطوع به أنه لو أتيح لأحد الناس أن يقرأ قراءة واعية يدرك خلالها رحابة موضوعه، فلن يمكنه أن يتصور الذات المحمدية إلا مجرد واسطة لعلم غيبي مطلق.
وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الذات تشغل فيه مكاناً ضئيلاً، إذ نادراً ما يتحدث القرآن عن تاريخ (محمد) الإنسان: إن آلامه العظمى أو مسراته لم ترد فيه قط؛ ولو تخيلنا النازلة التي أصابته في أوج دعوته بفقد عمه وزوجه لأدركنا مدى الدوي الرهيب لحدث كهذا، في حياة (رجل) كان حتى آخر لحظاته يبكي خديجة وأبا طالب، عندما كان اسماهما يذكران أمامه، وعلى الرغم من هذا لا نجد أي صدى لموتهما في القرآن، بل ولا اسم الزوجة الحانية، الزوجة التي تقبلت في حجرها انبثاق الإسلام الوليد.
هذه النقطة ضرورية في رأينا لأية دراسة نفسية تحليلية لموضوع القرآن، الذي شغل منذ بعيد اهتمام المستشرقين لغايات مختلفة وبدوافع جد متخالفة. ولقد قدمت هذه الموضوعات الخاصة بالقرآن مادة غزيرة لدراسات هؤلاء العلماء، وربما كان من الواجب أن نبحثها هنا لنلفت إليها انتباه القارئ، ولكننا سنخصص بإيجاز لفتة للتشابه العجيب بين الكتاب المقدس (١) والقرآن:
стр. 190
العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس
стр. 191
العلاقة بين القرآن والكتاب المقدَّس
لم يرد المتجادلون حول هذه العلاقة أن يدركوا عناصر المشكلة كلها، وأن يتصوروها من سائر وجوهها.
فعلاوة على أن التشابه الذي قررناه ليس الطابع الوحيد أو الجوهري في القرآن، فإن القرآن يؤكد مستعلناً صلته بالكتاب المقدس، فهو يطلب دائماً مكانه في الدورة التوحيدية، وهو بهذا وبذاك يثبت- باعتداد- التشابه بينه وبين التوراة والإنجيل، وهو يؤكد هذه القرابة صراحة، ويلفت إليها النبي نفسه كلما جدت مناسبة، وهاك فيما نذكر آية تنص خاصة على تلك القرابة: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس ٣٧/ ١٠].
وعلى كل، فإن هذه القرابة تسم القرآن بطابعها الخاص: فهو في كثير من المواضيع يبدو مكملاً أو مصححاً معلومات الكتاب المقدس.
وعلى الرغم من أن القرآن يعلن بكل وضوح هذا التشابه والقرابة إلى الكتب السابقة، فإنه يحتفظ بصورته الخاصة في كل فصل من فصول الفكرة التوحيدية كما نبين ذلك فيما يأتي.
стр. 192
ما وراء الطبيعة
تهدف فكرة التوحيد من الناحية الميتافيزيقية إلى إثبات وحدانية الله، إذ هو العلة الوحيدة التي تدخل في تكوين الظواهر وفي تطورها، وهو الذي يحكمها بما يتصف به من القدرة المطلقة والبقاء والإرادة والعلم. الخ .. ومع ذلك فإن الاسلام سيعرض عقيدته الغيبية الخاصة بطريقة أكثر مطابقة للعقل، وأكثر تدقيقاً، وفي اتجاه أكثر روحية.
والواقع أن الكتب العبرية تكشف عن بعض التشبيه، ومن المحتمل أن يكون قد دخلها بطريقة مفاجئة عقب (التلفيق) الذي وصفناه في فصل (الحركة النبوية).
ويتجلى هذا التشبيه ورؤيا يعقوب المروية في سفر التكوين: "ورأى حلماً وإذا سلم منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء وهو ذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها، وهو ذا الرب واقف عليها فقال أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق." [سفر التكوين- الفصل الثامن والعشرون- الفقرتان ١٢ و ١٣] ومن ناحية أخرى، فإن تعاليم الربانيين كانت قد أقامت على الوعد الذي تلقاه إبراهيم، وعلى ميزة الاختيار (١) التي كانت ليعقوب عقيدة دينية قومية: فالله قد أصبح في تلك العقيدة- على وجه التقريب- ألوهية قومية. حتى إن جوهر الحركة النبوية منذ (عاموس) إلى (أشعياء الثاني)
стр. 193
سيكون بالتحديد رد فعل لهذه الروح الأنانية، فجميع الأنبياء الذين ينتهون إلى تلك الحركة الإصلاحية كأرمياء سيبذلون قصارى جهدهم ليؤكدوا وجود الله (رب العالين).
ومع ذلك فإن العقيدة المسيحية قد اخترعت من جانبها ذاتاً إنسانية في الأقانيم الإلهية، وبهذا نشأت عقيدة جوهرها:
«الرب الحي (تَجَسُّد) إنسان»
وتولد عن هذه العقيدة التفسير المسيحي الذي سيقبس من الثقافة الإسلامية المنطق الأرسطي، لكي ينشئ عقيدة دينية ثالوثية، قائمة على سر الثالوث الأقدس.
بينما اتجه الوحي القرآني إلى أن يقرر النتيجة الحاسمة للفكرة التوحيدية:
(الله واحد، مخالف للحوادث، رب للعالمين). فأخرج بهذه الطريقة الحاسمة ذات الله جل شأنه من نطاق الأنانية اليهودية، والتعدد المسيحي. ولقد تقررت هذه العقيدة الجوهرية للإسلام الموحد في سورة من أربع آيات:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص ١/ ١١٢ - ٤].
وفي هذه الآيات يتجلى (الإخلاص) طابعاً خاصاً بالفكرة القرآنية؛ فلقد قضى على فكرتي التعدد والتشبيه دون نقض أو إبرام. أما ما بقي من صلة بينه وبين الأديان الأخرى فهو في روح الآيات إن لم يكن في نصها، وهكذا يتقرر بجلاء الأساس النظري الذي ستنبثق عنه الدراسات الدينية الإسلامية وتتطور، ثم تنتقل منه إلى المسيحية على يد (توماس الإكويني)، وإلى اليهودية على يد (موسى بن ميمون).
стр. 194
وإذا بفلسفة دينية نابعة من القرآن تتغلغل في أعماق الثقافة التوحيدية، ولسنا ندري إلى أي مدى كانت الثورات التالية في الفكر المسيحي- منذ الحركة الألبية ( Albigeois) حق حركة الإصلاح، محتسبة بوصفها نتائج مباشرة أو غير مباشرة للفهم الميتافيزيقي في القرآن.
ومن الجحود أن نجهل الطابع الأصيل لهذا الفهم، وأهميته في تطور المشكلة الدينية في العالم اليهودي المسيحي، كما أنه من الجحود أيضا لهذا التأثير العقيدي الإسلامي أن نقول مع (الأب تيري R.P.G.Thery) :
" حرم النبي صراحة أي استخدام للعقل في المشكلة الدينية، لأن وجود الله لا يمكن البرهنة عليه، والاجتهاد أو انطلاق العقل ليس من التوجيهات الأساسية للقرآن (١) ".
فالقول بهذا يعني أننا ندرس في مقدمات مسيحية ثم نطبق نتائجها على مشكلة إسلامية، وتلك بكل أسف- هي العادة الغالبة على بعض الدراسات، كما فعل العلامة الشهير (جينيوبيرت Guignebert) ، فإنه بعد أن درس العناصر التي تسم (تطور العقيدة) اليهودية المسيحية، طبق نتائجها بطريقة غير متوقعة على تطور العقيدة الإسلامية كأنما كانت موضوع دراسته (٢).
...
стр. 195
أخرويَّات
إن خلود الروح، تلك الفكرة الجوهرية في الثقافة التوحيدية، يستتبع نتائج منطقية هي: نهاية العالم، يوم الحساب، الجنة، النار.
هذا المجال لم تلق عليه الكتب العبرية إلا شعاعاً خافتاً، لأنها كانت مهتمة بالتنظيم الاجتماعي لأول بيئة توحيدية. ثم جاء الإنجيل فزاده إيضاحاً حين ألح على بني إسرائيل في تذكيرهم (بأيام الله)، ذلك المفهوم الموجه إلى مجتمع موحد قطع في طريق التطور شوطاً. وسنرى أن القرآن يبرز في هذا المجال الأخروي إبرازاً مؤثرا، فلقد قصت فيه رواية الخلود بنبرة خاشعة رهيبة، في أسلوب فاق الذروة في بلاغته، وقد بثت في أنحائه صور ومشاهد تسكب الخشية في قلوب العباد مما لا يمكن معه لإنسان- حتى في هذه الأيام- أن يصدف عن مشاهده الهائلة.
إن مشاهد القيامة في القرآن ذات حقائق خلابة، والشخصيات التي تحتويها تتكلم وتتحرك، فالملك، والشيطان، والأبرار والأشرار، كل هؤلاء يتسمون بواقعية لا تغفل أدق التفاصيل النفسية، ولا تهمل أية كلمة من شأنها أن تذكر بأهوال تلك الساعة الرهيبة، والزمن نفسه يمتد، والحكم يصدر و ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٧٠/ ٤]. ثم يعلن مشهد الختام في ذلك الفصل الرهيب: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد ١٣/ ٥٧]. هذا هو المقام الخالد
стр. 196
للسعداء وللأشقياء، وليس في الوجود كله مشهد يماثل هذا المشهد في الحركة، أو يفوقه في الألوان التي تتوالى في مختلف سور القرآن.
من هذا المشهد الرائع، وبعد ستة قرون من الزمان، قبست عبقرية (دانتي) لوحاتها الخيالية في (الكوميديا الإلهية)، وقد أوحى إليه بها ما كتبه المعري في (رسالة الغفران (١)).
...
стр. 197
كونيات
في سفر التكوين نجد كيفية الأمر بالخلق في تلك العبارات: "وقال الله ليكن نور فكان نور (١) ".
هذه الصورة تذكرنا بطريقة فريدة بعبارة القرآن ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ٢/ ١٨] فإن التشابه بين العبارتين عجيب.
ولكن القرآن يصف لنا دائماً عملية هذا التكوين الآمر، فهو يحدثنا أولاً عن وحدة مادة الكون الأولى في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [سورة الأنبياء ٢٠/ ٢١].
ثم يحدثنا عن الحالة البدائية لتلك المادة:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١/ ٤١]
ثم إن الله جلت قدرته يحدد لكل كوكب فلكه ومستقره، مجزئاً بذلك المادة في الكون، ومقررا جميع القوانين التي ستحكم الظاهرة الطبيعية. ثم تكون الظاهرة الحيوية:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء٣٠/ ٢١].
стр. 198
وهناك آيات كثيرة تكمل هذه اللوحة النموذجية لصورة التكوين في القرآن، وعلى كل فإن الفعل الأولي الخالق أمر شفوي.
لعل في كيفية الخلق هذه ما يصطدم مع أفكار الذين يعتمدون على (فرض) (لافوازييه Rien ne se crée, Rien ne se perd) أي لا شيء يوجد (من العدم) ولا شيء يدخل (في العدم)، ومعنى هذا أنه لا يمكن أن يخلق شيء من لاشيء. ومع ذلك فينبغي أن نعلم أنه من الوجهة المنطقية المحضة لا يوجد أدنى تناف عسير على الرد بين العقل والمبدأ الخالق في "كن فيكون"، ولا يستطيع مخلوق أن يقيم على ذلك برهاناً تجريبياً. أما الدين فإنه يقرر أن الله هو الذي يملك سر التكوين بين الكاف والنون- كما يقولون-، ولكنا نتساءل ابتداء هل يوجد تعارض أو ما يشبه التعارض الذي لا يمكن دفعه بين هذا المفهوم الديني والمفهوم العلمي؟ فلننظر إلام يؤول حل مشكلة المادة في التحليل الأخير، أعني الجوهر الموجود، والمجال الحامل لكل ما هو موجود؟
يجيب الطبيعيون: تؤول المادة في التحليل الأخير إلى نوع من الطاقة، ولكن: ألا يمكن أن تفسر (كلمة الله) نفسها بأنها نوع من الطاقة، الطاقة في أعظم وأتم أشكالها (بما أنها خالقة؟)
أليس لنا الحق في أن نعد المادة في مجموعها مجرد تشكيل وتأليف لهذه الـ (كن) الخالقة؟ ...
***
стр. 199
أخلاق
إن الأخلاق اللادينية- بقدر ما لهذا التعبير من معنى- تقيم أعمال الإنسان على أساس المنافع الشخصية العاجلة، التي صارت أساس المجتمع المدني؛ على أن الأخلاق الدينية (التوحيدية) تحترم أيضا المنفعة الشخصية، ولكنها تمتاز برعاية منافع الآخرين، وهي بذلك تدفع الفرد إلى أن ينشد دائما ثواب الله قبل أن يهدف إلى فائدته.
من أجل هذا الثواب صاغت التوراة الميثاق الخلقي الأول للإنسانية في وصاياها العشر، وساق الإنجيل توجيهاته في عظة المسيح على الجبل، ولكن الأمر في الكتابين كليهما أمر مبدأ أخلاقي سلبي، فهو يأمر الناس بالكف عن فعل الشر في حالة، وبعدم مقاومة الشر في أخرى.
أما القرآن فسيأتي بمبدأ إيجابي أساسي، كيما يكمل منهج الأخلاق التوحيدية، ذلك المبدأ هو (لزوم مقاومة الشر) فهو يخاطب معتنقيه بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران ١١٠/ ٣]
ومن جهة أخرى يقر القرآن فكرة الجزاء، أساس الأخلاق التوحيدية. ويقول الأستاذ (أندريه لودن): "إن القيمة الدينية للفرد لم تظهر في الديانة اليهودية، إلا على عهد (حزقيال Exachiel النبي)، فحتى ذلك العهد كان الواجب ونتائجه الخلقية يقعان على عاتق الأمة، التي تتوقع جزاءها في ذلك النصر الموقوت، (يوم ينصر الإله قومه) وقد كان الإنجيل على العكس من ذلك، فقد
стр. 200
قصر الجزاء كله على (يوم القيامة)، فقد أصبحت الأخلاق من مسائل الآخرة، وأضحت برمتها من الهموم الشخصية".
حتى إذا جاء القرآن وجدناه يقيم بناءه الخلقي على أساس القيمة الخلقية للفرد، وعلى العاقبة الدنيوية للجماعة، فأما الفرد فإن ثوابه مستحق يوم الحساب، ومن أجل هذا يقرر القرآن صراحة القيمة الدينية للفرد في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر ١١/ ٧٤]
وأما الجماعة فإن جزاءها عاجل، يلفتنا القرآن إلى قصته في هذه الدنيا حين يدعونا دائماً إلى تأمل العقاب الدنيوي في عواقب الأمم البائدة، والحضارات الدارسة:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام ٦/ ١١].
بل إن القرآن ليعنف تلك الأمم في آية أخرى فيقول:
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام ١٦/ ٦].
***
стр. 201
اجتماع
كان الغرض من الشريعة الموسوية أن تضع مبادئ مجتمع موحد ناشئ، وأن توثق الصلات بين أفراده، أولئك الأفراد المغمورين في مجموعات الشعوب الوثنية. وبذلك تكون هذه الشريعة قد تصورت المشاكل الاجتماعية من الوجهة الإسرائيلية الداخلية. ثم إننا نجد شريعة الحب لدى عيسى تفتح أكثر من ذلك باب الرحمة المسيحية لأهل الفطرة من الوثنيين.
حتى إذا جاء القرآن وجدناه يتناول- في نصه- المشكلة من الزاوية الإنسانية الشاملة:
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة ٣١/ ٥].
ولقد كانت إحدى النتائج الخطيرة لهذا المبدأ العام أن وضعت مشكلة الرق للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية في طريق الحل، فإن عتق الرقيق كان مرحلة ضرورية لإلغاء الاسترقاق، الذي كان أساساً جوهرياً للنشاط في المجتمعات السابقة.
لقد جعل القرآن من تحرير العبيد مبدأ خلقياً عاماً، وإذا ما ارتكب المسلم نوعاً من المخالفات الشرعية يتحول العتق إلى شرط شرعي للتوبة والغفران، فإذا كنا قد لاحظنا التشابه بين القرآن والكتب المقدسة- فيما مضى من البحث- فإننا نلاحظ الآن الطابع المميز لصورته الخاصة.
***
стр. 202
تاريخ الوحدانية
لدين إبراهيم تاريخه الذي يضم أعمال الأنبياء ومناقبهم، وربما وجدنا في الفصل التالي التشابه العجيب بين القرآن والكتاب المقدس، فإن تاريخ الأنبياء يتوالى منذ إبراهيم إلى زكريا ويحيى ومريم والمسيح. فأحياناً نجد القرآن يكرر القصة نفسها وأحياناً يأتي بمادة تاريخية خاصة به مثل: هود، وصالح وناقته، ولقمان، وأهل الكهف وذي القرنين .. الخ (١).
على أن التشابه هنا عجيب، كما سنرى في قصة يوسف، التي تواجه النقد بمشكلة خطيرة، فعلى عهد النبي نفسه لم يترددوا في أن يثيروا بعض الاعتراضات التي تثار الآن، وبعد ثلاثة عشر قرناً.
والواقع أننا لو صرفنا النظر- منهجياً- عن القيمة العلوية للقرآن، ولو أغفلنا- تبعاً للهوى- اعتباراته الأخرى، فإن هذا التشابه سيظل لغزاً غير مفهوم. ولكي نفهم هذا ينبغي، أن ننصب اللوحة التي ترينا سائر وجوه التشابه في نظرة واحدة، وسيكفينا لذلك مثال واحد هو (قصة يوسف)، التي سنتخذها مقياساً لدراستنا النقدية لهذا الموضوع.
...
стр. 203
قصة يوسف في القرآن والكتاب المقدس
стр. 204
_________
القصة القرآنية ............................................................................................ القصة الكتابية
стр. 205
_________
القصة القرآنية ........................................................................................ القصة الكتابية
стр. 206
_________
القصة القرآنية .................................................................................................. القصة الكتابية
стр. 207
_________
القصة القرآنية ..................................................................................................... القصة الكتابية
стр. 208
_________
القصة القرآنية .................................................................................................... القصة الكتابية
стр. 209
_________
القصة القرآنية ............................................................................................................................ القصة الكتابية
стр. 210
_________
القصة القرآنية .................................................................................................................. القصة الكتابية
стр. 211
_________
القصة القرآنية .................................................................................................................. القصة الكتابية
стр. 212
_________
القصة القرآنية ....................................................................................................................................................... القصة الكتابية
стр. 213
_________
القصة القرآنية ................................................................................................................... القصة الكتابية
стр. 214
_________
القصة القرآنية ........................................................................... القصة الكتابية
стр. 215
_________
القصة القرآنية ........................................................................................ القصة الكتابية