← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2910

الظاهرة القرآنية

مالك بن نبي

Полный текст (318 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف ١٠٠/ ١٢] ***

стр. 247

البحث النقدي للمسألة أيا ما كان الاختلاف بين الروايتين، فإن الصلة بينهما تظل على أية حال بينة، فقد أوحت إلى النقد في جميع العصور بالاعتراضات المتخالفة. هذه الاعتراضات يمكن أن تتلخص في فرضين: الأول: أن النبي قد تشبع- دون علم- بالفكرة التوحيدية، التي ربما تمثلها لا شعوريا في عبقريته الخاصة، كما يفيضها بعد ذلك في آيات القرآن. الثاني: أن النبي قد تعلم الكتب المقدسة اليهودية المسيحية، تعلماً مباشراً، وشعورياً، لكي يستخدم ذلك فيما بعد في بناء القرآن. تلكم هي المشكلة الخطيرة. ولكي نحلها ينبغي أن نبحث هذين الفرضين على التوالي من الوجهتين التاريخية والنفسية. وربما كان من المفيد لفهم هذا الفصل أن نعتمد على معلومات القياس الأول، ونتائجه التي استخلصناها عن الذات المحمدية. ***

стр. 248

الفرض الأول هذا الفرض ذو شقين: أولهما: وجود تأثير يهودي مسيحي في الوسط الجاهلي. ثانيهما: الطريقة التي تسنى بها لهذا التأثير أن يبرز في الظاهرة القرآنية. ولكن جميع الأبحاث التي توجهت إلى الكشف عن هذا التأثير في البيئة العربية قبل الإسلام لم تأت بأية نتيجة إيجابية. وإنما تنعكس صورة هذه البيئة في أدب لغتها المشتركة، وفي أدبها الشعبي الذي يفصح عن أمية عامة، فهي بيئة (أميين) حسب التعبير التاريخي للقرآن. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة ٢/ ٦٢] والوثائق المخطوطة عن هذا العصر نادرة، فإن ثروته الفكرية وأدبه الشعبي لم يحفظا إلا بطريق الرواية المشافهة، ذلك الطريق الذي أوصل جوهر التراث إلى عصور الأدب والعلم الإسلامية. على أن القرآن يعد حجة مخطوطة ذات وثوق تاريخي لا يقبل الجدل، عن العصر الجاهلي. ولكن هذه الوثيقة الوحيدة- تؤيدها الرواية المشافهة- لا تفيدنا بشيء فيما يتعلق (بفكرة توحيدية) ذائعة في الوسط الجاهلي، بل إنها على العكس تؤكد مرات كثيرة أن لا وجود لأي تأثير ديني في العصر الجاهلي. وحين يتجه القرآن مرة أخرى إلى النبي نجده يحدد له مفهوم رسالته قائلاً: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) [البقرة ١٥١/ ٢] فها هو ذا قد (عيّن)

стр. 249

صراحة معلم الوحدانية الأول لبلاد العرب. والحق أن هذه الآية قد أكدت بإسهاب في القرآن، وخاصة في قصة نوح، التي يختمها القرآن تلك الخاتمة البيانية: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩/ ١١] وعرض قصة يوسف نفسه- ذلك الذي انتهينا منه- محصور في إطار الآيتين ((٣)) و ((١٠١)) اللتين تحملان الطابع التاريخي السابق نفسه، أعني تأكيد خلو البيئة العربية من أي تاريخ توحيدي (١). وإذن: فأية قيمة منطقية يمكن أن تكون لهذه الآيات والتأكيدات كلها في نظر النبي ﷺ ومعاصريه، لو أنها لم تكن سوى تبليغات منافية لواقع هاتيك الأيام. والحق أن هذا الواقع- القابل للتعديل من هؤلاء المعاصرين الذين انتدبوا للشهادة صراحة في الآيات السابقة- لم يكن سوى انعدام أي تأثير يهودي مسيحي في الحياة الجاهلية، وهو ما أكده القرآن بقوة، وأيدته الأخبار المتواترة. لقد قام الآباء اليسوعيون- في مستهل هذا القرن- بأبحاث مهمة جداً في هذا الموضوع، لكي يحددوا مدى إسهام (شراء النصرانية في الجاهلية)، وقد انتهت أبحاثهم بمحصول أدبي عظيم ليس له من النصرانية إلا العنوان المذكور، وكان لهذا العمل العظيم نتيجة مفاجئة ذات مغزى، هي أنه قد برهن على عكس ما كان يريد مؤلفوه.

стр. 250

ونحن نذكر- من جهة أخرى- أنه لم يثبت أن كان بمكة أو ضواحيها أي مركز ثقافي ديني، ليقوم بنشر فكرة الكتاب المقدس، التي عبر عنها القرآن. وكل ما يمكن أن يذكر هو أن بعض الحنفاء كان لهم تأثير روحي معين على الوسط الذي تشكلت فيه الذات المحمدية، بل إن النبي نفسه كان (حنيفيا) قبل بعثته، والآيات التي تذكر (جهله بالكتب) تنطبق تماماً على (الحنفاء) الآخرين، ومع ذلك فإن وجود (الحنيفي) نفسه كان حالة نادرة في بيئة مشركة في جوهرها، ونضيف أيضاً في هذا الصدد أن هذه البيئة لم تتطور كثيراً منذ هاتيك العصور الخوالي إلى الآن على الرغم من طابع القرون الإسلامية التي مرت عليها. لقد تساءل أحد المؤلفين العرب المحدثين في إحدى الدراسات الاجتماعية الهامة فقال: "هل الإسلام من صنع اليهودية والمسيحية" (١)؟ ثم أجاب بالنفي معتمداً على ملاحظة للأب (لامانس) الذي عزا انعدام تأثير المسيحية إلى (بعد معتنقيها العرب عن الرعاية المناسبة للكنيسة). ومن ناحية أخرى، لو أن الفكرة اليهودية المسيحية كانت قد تغلغلت حقاً في الثقافة والبيئة الجاهلية فإن من غير المفهوم ألا توجد ترجمة عربية للكتاب المقدس. وهنالك حدث مؤكد فيما يتصل بالعهد الجديد (الإنجيل) وهو أنه حتى القرن الرابع الهجري لم تكن قد وضعت له ترجمة عربية، نعرف هذا من مصادر الغزالي الذي اضطر أن يلجأ إلى مخطوط قبطي كيما يحرر (رده) (٢). وقد ذكر (الأب شدياق R.P.Chediac) - الذي اضطر إلى البحث في كل ناحية عن المصادر الإنجيلية التي استخدمها الفيلسوف العربي في تأليف (الرد) حين كان يريد ترجمة مؤلف الفيلسوف- ذكر أن أول نص مسيحي ترجم إلى

стр. 251

العربية كان مخطوطاً بمكتبة (القديس بطرسبرج). كتب حوالي عام ١٠٦٠م، بيد رجل يدعى (ابن العسال). وهكذا لم تكن توجد ترجمة عربية للإنجيل في عصر الغزالي، فمن باب أولى لم يكن يوجد مثل هذه الترجمة في العصر الجاهلي. فهل كان يمكن أن توجد- بصفة خاصة- ترجمة للعهد القديم (التوراة)؟ إن القرآن الذي يذكر لنا صدى ما دار من المجادلة بين النبي وبعض أحبار اليهود بالمدينة، يقول مخاطباً هؤلاء: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران ٩٣/ ٣]. أفليس هذا دليلاً على أنه لم يكن يوجد من يقرأ العبرية من العرب من ناحية، وعلى أنه لم تكن توجد ترجمة عربية للتوراة من ناحية أخرى؟ وعليه، فلا شيء أقل احتمالا من وجود تأثير توحيدي في البيئة العربية الجاهلية، لانعدام المصادر اليهودية المسيحية المكتوبة فيها، ليصبح من المستحيل أن نقول بإمكان حدوث (امتصاص لا شعوري) للذات المحمدية، في هذا الوسط الجاهلي. ... الفرض الثاني هذا الفرض الثاني ينسب إلى النبي ﷺ أنه قد تلقى تعليماً شخصياً مباشراً عن الكتب السابقة للقرآن، وربما كان لنا في هذا الصدد احتمالان أو فرضان نفسيان: أولهما: أن النبي ربما تعلم بطريقة منهجية كيما يضع القرآن بعلمه.

стр. 252

وثانيهما: أنه ربما كان قد تعلم أو عُلِّم، ثم استخدم لا شعورياً المادة التي حصلت في يده. والفرض الأول غير محتمل؛ إذا ما اعتبرنا النتيجة العامة عن النبوة، والنتيجة الخاصة عن الذات المحمدية، وهي إخلاص هذه الذات واقتناعها الشخصي، وهي المعاني التي أنهينا بها مناقشة الفصول السابقة. أما الافتراض الثاني، فإن الاعتبارات نفسها عن الذات المحمدية تلزمنا بأن نخصها بمغزى نفسي أكثر تحديداً، فبناء على ما أثبتناه في القياس الأول نجد أنفسنا مضطرين إلى أن نعد تعلم محمد الشخصي المباشر كأنه (حالة إدراك منسية لدى التعلم نفسه)، والأمر في هذه الحالة يتعلق- في جملته- بظاهرة نسيان جد غريبة، علماً بأن جميع تفاصيل حياة النبي الخاصة والعامة تشهد عنده بمعادلة شخصية كاملة. وخاصة ذاكرته التي كانت خارقة لكل اعتبار، حتى في حالة التلقي التي كان يعانيها خلال لحظات الوحي، لقد كانت ذاكرته تعمل كما رأينا في المقياس الأول وكما سنرى فيما بعد في فصل (المناقضات)، وقد كان هو في الواقع الحافظ الأول للسور، التي كان يرتلها عن ظهر قلب حتى لحظاته الأخيرة. ولقد قُدِّم إليه ذات يوم لفداء مكي أسير لدى المسلمين، قلادة كانت تتحلى بها خديجة، فتعرف عليها في الحال وقد دمعت عيناه، ثم إنه أطلق ساح المشرك الذي كان صهره، وأمره أن يرد القلادة إلى ابنته. هذه الذاكرة السمعية البصرية الخارقة التي عُرف بها النبي والقائد لا يمكن أن تتفق مع مرض الذاكرة بالنسيان، النسيان الذي يجب أن يعد هنا جزئياً، لأنه لا يشمل كل الماضي الشعوري للنبي، بل يقتصر على تذكر مصدر تعلمه الكتب، وطريقته في أن يستخدمها لا شعورياً. وربما كان هذا النسيان أغرب حين نجد النبي يتذكر موضوع هذا التعلم تذكراً كاملاً، كسورة يوسف مثلاً (١).

стр. 253

ولدينا غرابة أخرى، هي أن هذا الموضوع لا يأتي في صورة نسخة مكررة من التوراة، فهو يتعرض أولاً للمسات القرآن في التفاصيل المادية هنا، وفي الإطار الروحي هناك، كما أوضحنا ذلك في العرض الموازن لقصة يوسف، وأخيراً فإن المصادر العربية للتعليم غير موجودة إطلاقاً، كما رأينا في بحث الفرض الأول. وإذن فلقد كان من الواجب على النبي أن يكيف موضوع تعلمه المستقى من مصدر أجنبي بالضرورة، ويعدّله ليوافق التعبير القرآني، وذلك باختيار سابق للألفاظ العربية. ولم يكن من المستطاع أن يحدث هذا التعديل تلقائياً، دون أن تشترك فيه القدرات الشعورية لدى النبي. من أجل هذا كله نجد أنفسنا محيرين، أمام حالة نسيان مرضي، وأمام حالة (لا شعور جزئي) لا يشرحها علم النفس، حتى ولو فرضنا أن حالة كهذه كانت متوافقة- من ناحية أخرى- مع سائر خصائص الظاهرة القرآنية. أما من الناحية التاريخية، فإذا كان هذا المصدر الأجنبي قد وجد لتعليم النبي، فإنه لن يكون سوى مصدر شفهي، غير مكتوب لكي يكون في متناول أمي، وربما كان هناك في هذه الحالة (ملقِّن) ما يهمس دائماً إليه- دون علمه- بكل ما يتصل بدعوته. وإن الطابع الخاطئ لافتراض كهذا ليقف في مواجهة واقعين لا يقبلان المناقشة، هما القيمة القرآنية، وقيمة الذات المحمدية، وهكذا ينتهي بنا الفرض إلى تناقض تاريخي ونفسي، فنحن مضطرون إلى أن نستنتج أن وجوه الشبه الملحوظة لا تعزى إلى تأثير يهودي مسيحي ذاع في البيئة الجاهلية، ولا إلى تعلم شخصي أو لاشعوري لشخص النبي.

стр. 254

هذه النتيجة القائمة حتى الآن على ملاحظة وجوه الشبه، تتحتم أكثر من ذلك حين نأخذ في اعتبارنا صفات القرآن الخاصة. والحق أنه حتى في تاريخ الوحدانية، الذي تتوثق فيه القرابة بين القرآن والكتاب المقدس يؤكد القرآن غالباً استقلاله بعلائم مميزة كثيرة، كتلك التي جمعناها في الجدول الموازن لقصة يوسف، وأيضاً فيما نراه في مشهد عبور بني إسرائيل البحر الأحمر وقد غرق فرعون وجنوده كما روى (سفر الهجرة) (١) ة ولكن رواية القرآن تكمل هذا العرض بتفصيل غير متوقع، وهو أيضاً غير عادي! .. أعني: (النجاة البدنية) لفرعون الذي أفلت بأعجوبة من الغرق. لكن علماء الدراسات المصرية خاصة يهاجمون الرواية الكتابية، مدعين أن تاريخ ملوك مصر لم يسجل اختفاء فرعون المعاصر لموسى في البحر الأحمر، ولنتأمل الآن ما ذكرته الرواية القرآنية: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس ٩١/ ١٠، ٩٢] لقد فتش التفسير الكتابي- بصفة خاصة- عن التأييد التاريخي لاختفاء فرعون موسى، في الوثائق التي تحدثت عن حياة (امنحتب الرابع) وهو اسم السلالة الملكية للشخصية المصرية. ويعتمد الأستاذ (هيلير دي بارانتون Hilair de Parenton) في هذا على مذكرات (مورسيل Les Mémoires de Moursil) وهو أمير حيثي، كتب في مذكراته أن: " ملكة مصر التي كانت عابدة كبيرة للإله آمون أرسلت رسولاً إلى أبي، وكتبت له قائلة: مات زوجي وليس لي ولد .. "، ولكن الملك الحيثي ارتاب في موت فرعون إلى أن كتبت له الملكة تبعا للنص نفسه: "لم قلت: إنهم يريدون أن يخدعوني .. إن الناس جميعا

стр. 255

ينسبون إليك كثيراً من الأبناء، فأعطني إذن واحداً منهم ليصبح زوجي ويحكم مصر"، ويستمر الأستاذ بارانتون في قوله: "فاقتنع الملك الحيثي وأرسل أحد أبنائه، الذي مات في الطريق ميتة طبيعية- كما يقول المصريون ومقتولاً كما يدعي الحيثيون " (١). ولقد تعمدنا ذكر النصوص الجوهرية للوثيقة الحيثية التي يستخدمها هذا المؤلف أساسأ للبرهنة على موت فرعون. على أن هذا الاستنتاج الذي يوحي به وهم التوفيق بين فكرة الكتاب المقدس وما يثبته التاريخ، مُعارَضٌ برأي علماء الدراسات المصرية، فإنهم لا يقررون اختفاء (امنحتب الرابع)، وإنما يقررون تغييراً مفاجئاً في اسمه الذي أصبح (أخناتون)، وتبدلاً خلقياً وسياسياً في ذاته عقب الهجرة، فكأنما حدثت في حياة الشخصية المصرية ثورة مفاجئة. وهاك ما كتبه في هذا الموضوع (ماسبيرو Maspéro) : " وبضربة واحدة في الواقع تبدل هذا الفرعون شخصية أخرى، واحتفظت العملة الملكية بالاسم نفسه، (سوتن باتي نفرخ براوانرا Suten Bati Neferkheperraouanra) . ولكن الاسم: (سا- رع Sa-Râ) يصبح (رع- آتن حوتي Rà-Aten-Houti) . وفضلاً عن ذلك فإن دينه قد تغير، كان كاهن الإله (آمون)، فأصبح كاهن الإله (آتون- رع Rà- Aton) ، وبالتالي ترك طيبة بلدة (آمون)، وذهب إلى (أخناتون) المدينة الجديدة التي بناها، وخصصها معبداً (لآتون الشمس) إلهه الجديد (٢)، بيد أن التبدل لا يكون مفهوماً إلا إذا وقع حدث خطير وغريب أيضاً ليغير حياة الشخصية الفرعونية تغييراً عميقاً، كأن يرى مثلاً غرق جيشه، ويرى نفسه أيضاً غريقاً في البحر الأحمر، ثم إذا به يجد نفسه بطريقة أو بأخرى

стр. 256

منجّى، كما حدثنا القرآن، والمسألة على كل حال تتعلق بنجاة بدنية، بما أن فرعون لم يتحول إلى إله موسى، بل اختار تحولاً روحياً وثنياً حدثنا عنه علماء التاريخ المصري القديم. فإلام يمكن أن تصير- على هذا- الشهادة الحيثية؟ وماذا يعني مسلك الملكة على وجه الخصوص؟ إن من الطبيعي أن يكون لتبدل حاله فرعون نتائج بالغة، وخاصة في الحياة الزوجية، ذلك لأن الزوجة ظلت تعبد الإله (آمون)، بينما تحول الزوج كاهناً لإله الشمس، فنتج عن هذا انشقاق ديني وسياسي وزوجي، وإذا بأخناتون يقتل الأمير الحيثي الذي جاء يطلب يد الملكة المتمردة، مسطراً بذلك مأساة زوجية وسياسية. ولكم نتمنى أن نعرف إذا ما كانت الملكة قد بقيت في عاصمتها (طيبة)، الأمر الذي يضفي مزيداً من الوضوح على الوجه السياسي والزوجي للمأساة، وأيا ما كان الأمر، فإن القرآن لا يناقض مطلقا الكتاب المقدس في هذه النقطة، ولكنه يضيف إليها- على كل حال- تفصيلاً توضيحياً يتفق مع الأخبار الدينية ومع العقائد العلمية. ومن هذا القبيل أن تذكر الرواية الكتابية جبل (أرارات) في قصة الطوفان، ويحدد التفسير اليهودي المسيحي موقع هذا الجبل في (أرمينيا)، ثم يذكر القرآن اسماً خاصاً هو اسم جبل (الجودي) الواقع في الموصل، ثم نجد أن الاكتشافات الجيولوجية والأثرية الحديثة تحدد مكان حدوث ظاهرة الفيضان في مكان قريب من ملتقى دجلة والفرات، غير بعيد من بلدة (أر) حيث ولد إبراهيم ﵇، فمن الجائز أن يشير النصان إلى قصتين متمايزتين لظاهرة الفيضان، ولكن من الجائز أيضا أن يكون في الأمر خطأ وقع فيه نساخ الكتب المقدسة، خطأ من تلك الأخطاء التي من أجلها لعن أرمياء (أقلام النساخ الكاذبة).

стр. 257

وأخيراً فإن الرواية القرآنية مستقلة تمام الاستقلال عن الفكرة اليهودية المسيحية التي ترى- من زوايا مختلفة- في صلب المسيح حقيقة تاريخية، فإذا بالقرآن يؤكد في هذا الموضوع: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء١٥٧/ ٤]. هذه الرواية الأصلية في القرآن لا تتفق مع أية وثيقة يهودية مسيحية. ومن جهة أخرى تترك مخطوطات المسيحيين الأول الباب مفتوحاً لجميع الفروض عن نهاية المسيح وعن مدة رسالته. و (إيرينيه Irené) - الذي ذكره الأستاذ (مونتييه Montet) باعتباره الشاهد الأول على وثاقة إنجيل القديس يوحنا- يعترف في نهاية القرن الثاني بأن المسيح ظل يعلم الناس حتى سن الخمسين، خلافاً للرواية الحالية التي تفيد أنه قد انتهت رسالته في سن الثانية والثلاثين، فلو أننا أردنا أن نرد- بأي ثمن- التاريخ التوحيدي القرآني في هذه النقطة إلى مصدر مسيحي، فمن الممكن أن نقرب جزئياً بين رأي القرآن عن اختفاء المسيح ورأي النظرية الدوسيتية Doctrine docétiste) الذي يقرر صراحة (الموت الظاهر) للمسيح تبعاً لإنجيل بطرس. هذا التقريب يظل على الرغم من هذا جزئياً، لأن القرآن يعد مولد المسيح وحياته وقائع أرضية لا تقبل الجدل، بينما تضع الدوسيتية Le docétisme كل هذا في نطاق فهم عام لفكرة (الظاهر) (١). وهكذا يمكن أن نتتبع خطوة خطوة الفكرة القرآنية والفكرة الكتابية، لنجد فيها فيما يتصل بالأصول التاريخية موضوعات مشتركة لا تنكر، ولكنا نجد أيضاً كثيراً من نقط التباعد والاختلاف. ولعل من الواجب لكي ندفع هذا البحث إلى أقصى ما يمكن افتراضه. أن نقرر علاقة القرآن، لا بمصدر واحد فحسب، بل بكثير من المصادر

стр. 258

اليهودية المسيحية. وربما وجب فضلاً عن هذا- أن نقرر جدلاً- على الرغم من التباعد المذكور في كثير من نقاط التاريخ التوحيدي- أن القرآن قد استوحى من واحد أو أكثر من الروايات الكتابية التي لم يعد لها وجود الآن.!! ولعل من الواجب أخيراً أن نقرر مجاراة لسذاجة النقاد المحدثين أن النبي كان يعمل بطريقة عالم فقيه، يكشف عن كثير من الوثائق ويتأملها، ثم يرتبها وينسقها كيما يستمد منها الرواية القرآنية .. !!! إن من المحقق أن للفكر النقدي في الحديث سذاجة محيرة، حتى لنراه جديراً بما وصفه الأستاذ (مونتيه) نفسه بمناسبة حديثه عن بروفسور الطب (استرك Astruc) (١٦٨٤- ١٧٦٦) : " إن من البين أن أسترك يتمثل- مع شيء من السذاجة- موسى وهو يرجع إلى الوثائق يستشيرها، ويعمل كأنما هو أحد علماء القرن الثامن عشر".

стр. 259

موضوعات ومواقف قرآنية - إرهاص القرآن - ما لا مجال للعقل فيه - فواتح السور - المناقضات - الموافقات - المجاز القرآني - القيمة الاجتماعية لأفكار القرآن

стр. 260

موضوعات ومواقف قرآنية حاولنا في القياس الأول وفي بداية هذا القياس أن نبرز الخصائص المادية والنفسية التي تفصل القرآن عن الذات الإنسانية. وسنبحث في هذا الفصل، في بعض الآيات، ما يميز هذا الكتاب بصفة خاصة عن عبقرية الإنسان. إرهاص القرآن لقد أثبتنا هنالك أن الوحي تلقائي وغير شخصي، ونضيف مع ذلك هنا أن هذا الذي أثبتناه هو بلا شك الخصائص الظاهرية المؤثرة في نظر النبي، والتي دفعته إلى أن يدعم اقتناعه الخاص بالسر الإلهي في القرآن، وبدون هذا الشرط الذي نضعه مقدماً ربما يصبح اقتناع النبي في ذاته ظاهرة غير مفهومة. ولقد رأينا- فيما مضى- أن هذا الاقتناع لم يتم في لحظة، ولم يكن من باب التسليم الأعمى، بل كان تدريجيا وعقليا، يشبع حاجات عقل وضعي كعقل محمد، ويجيب عن رغبته الملحة في اليقين القاطع، وفي ظروف كهذه تعد آية أمارة على التفكير والإرادة، وسبق العلم الشخصي بما سيأتي به الوحي وبتنظيم مداه المحتمل، لغزاً جديراً بإثارة انتباهنا. وحقاً. ماذا نقول في رجل لم يفكر، ولا يريد أن يفكر.؟! لم يُرِد، ولا يريد أن يستخدم إرادته.؟!.

стр. 261

لم يكن له أن يتأمل في تيار الظاهرة المقبل.؟!. ولا يريد أن يضمر هذا التأمل.؟!. وهو مع ذلك يرى (كلمة) صادرة عنه، مطبوعة بكل دقة بطابع تفكير وإرادة ونظام، وأحياناً تبدو هذه (الكلمة) وهي تعلن عن نسق الوحي التالي لها، فكأنما احتوت على علم سابق خارق للعادة بما سيليها من الآيات!! ذلك فيما يبدو لنا هو الطابع العام للقرآن، باعتباره مجموعاً صادراً عن إرادة وتفكير وتنسيق، بل عن علم يبدو أنه ثمرة إعداد سابق. وإنما تتجلى هذه الصفة في حالات تصدير موجه الوحي بآية تشبه إلى- حد ما- طليعة الجيش، تحمل سره وتعرف وجهته، وهي متقدمة عليه. وذلك هو المقصود من استعمال المصدر Anticiper، إذ أن معناه: العلم بالشيء مسبقاً ( Prévoir) ، ومثل هذا الفعل النفسي لا يمكن أن يُتَصور دون الاشتراك الشعوري للذات الفاعلة، وعليه فمنذ ذلك الانطلاق الروائي للظاهرة القرآنية، حينما كانت الأزمة الأدبية والشك يتبددان من نفس النبي وحده نزل عليه ذلك الوحي المذهل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل ٤/ ٧٣ و ٥] ولكن ما وزن هذا القول الثقيل .. ؟ .. إنه القرآن كله عندما يكتمل في مدى ثلاث وعشرين سنة، أي عندما نزل أمين الوحي للمرة الأخيرة، كيما يختم الوحي على لسان النبي ﷺ . وذلك الثقل؟!! إنه ثقل الفكرة الدينية والتجربة الخلقية، ثقل الإيمان المضطرم لدى ربع الإنسانية الآن، وهو أيضاً- في ميزان التاريخ- ثقل تلك الحضارة الإسلامية التي كانت خاتمة لدورة الحضارات. نعم ... إنه لقول ثقيل! .. فأي إرهاص ... ليس للفكرة وللتاريخ اللذين

стр. 262

ما زال امتدادهما مستمراً حتى الآن فحسب، بل لتيار الوحي ذاته، ذلك الذي سينتهي بعد ثلاثة وعشرين عاماً. هل هو لا شعور.؟. أو استشعار.؟. أو علم صادر عن تفكير وإرادة؟ هذه كلها كلمات خالية من المعنى عندما توضع أمام النتائج الموضوعية التي عرفناها عن الذات المحمدية من ناحية، وأمام (القول الثقيل) الذي هو القرآن من ناحية أخرى. لا شك أننا يمكننا أن نرى في تصدير عام كهذا مجرد الرغبة اللاشعورية لذات تقذف بنفسها في غمار المستقبل، ويمكننا أيضاً أن نتصور أن فيلسوفاً ما يستطيع- كما فعل (نيتشه) - أن يصدر مذهبه الفلسفي بطريقة مدوية، ولكن هناك تصديرات لا يمكن بسبب موضوعها المحدد أن تفسر، دون أن نعدها ذات معرفة سابقة شاملة بهذا الموضوع، وإلى القارئ مثالان من هذه التصديرات الخاصة التي ترمز لموضوع محدد تماماً. المثل الأول: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف ٣/ ١٢] ليست هذه الآية تصديرا لقصة يوسف؟ .. إننا نجد فيها ما يشبه التأكيد الاستهلالي، مؤيداً بالنقد التاريخي، على أن النبي ﷺ كان يجهل تماماً القصة المذكورة قبل نزول القرآن، بل إن (جهله) هذا عنصر جوهري لاقتناعه الشخصي، فأمامنا بلا مراء طليعة لتيار الوحي، الوحي الذي نزل بموضوع خاص محدد تماماً: هو قصة يوسف، وهي ما زالت حتى تلك اللحظة غريبة عن الفكرة المحمدية، ولدينا على ذلك واقعان لا بد من الفصل فيهما فيما يتعلق (بجهل) النبي في هذه النقطة:

стр. 263

أ- فمن الوجهة التاريخية، لم تكن الفكرة المحمدية قد ضمت بعد تفاصيل قصة يوسف قبل أن ينزل بها الوحي. ب- ومن الوجهة النفسية ليس (لشعور) النبي أي دور في عملية الوحي، وهو- بداهة- لا يحتوي تيار الوحي الذي لم يأت بعد. أما (لا شعوره) فلم يكن له أن يلد تلقائياً فكرة مركبة أثبتها التاريخ بصورة وضعية إيجابية. فهذا التسبيق أمام مجرى ظاهرة لا يسيطر عليها الشعور، وما كان لها أن تصدر فقط عن اللاشعور، للأسباب المشار إليها في الفصول السابقة، هذا التسبيق يظل عصياً على الفهم بصورة مزدوجة لو أننا قصرنا تفسيره على الذات المحمدية. وأما المثال الثاني فتقدمه لنا هذه الآية التي استهلت بها سورة النور: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور٢٤/ ١). ويبرز أمامنا في هذه الآية الافتتاحية ما يشبه التخطيط المبسط للسورة المنزلة، التي تشكل على (الآيات البينات) وهي ما زالت في حيز القوة، ولم تخرج إلى نطاق الفعل، ومع ذلك فإنها منذ الآن قد سبقت إلى علم الإنسان كأنها الهدف المقصود من تيار الوحي النازل بعد، ولعل في هذا أمارة تفكير سبقت في علمه هذه الآيات البينات، وطابع إرادة تضعها نصب تأملنا، الأمر الذي لا يتفق مطلقاً مع استعداد الذات المحمدية، وخاصة في حالة تلقيها الوحي. ***

стр. 264

ما لا مجال للعقل فيه فواتح السور في القرآن سور كثيرة تبلغ تسعاً وعشرين، لا تستهل بكلمة مفهومة، بل برموز أبجدية بسيطة، أسبغ عليها علم التفسير تأويلات مختلفة، وقد بحثت فيها عقلية العصور المتأخرة عن إشارات ملغزة لأقاصيص، بعيدة المدى في التاريخ الإنساني. أياً ما كان الأمر فإن معنى هذه الفواتح المبهمة- إن كان فيها إبهام- يقف أمام عقولنا سداً محكماً. على أننا لا يهمنا هنا هذا الوجه من المسألة، وإنما الذي يهمنا هو طابعها الظاهري فقط، فهذه الحروف الافتتاحية لا يمكن أن تتراءى لنواظرنا اليوم هياكل متحجرة أو متحللة، فإن النبي نفسه كان يرتلها هكذا، كل حرف متميز منفصل في تجويده الصوتي.

стр. 265

جدول إحصائي لفواتح السور

стр. 266

باتفاق ما موضوعاً مدركاً بطريقة سلبية. وهنا نلمس تعارضاً بيناً بين هذا الوضع والدور السلبي المعين لهذه الذات في القياس الأول، ومن ناحية أخرى، لا بد أن نعد الحروف الأبجدية في ذاتها كائنات رمزية غريبة عن مفهوم الأمي وفكره، فلا تعني هذه الآيات لديه معنى عملياً، وبالتالي فالمفهوم متكتم باتفاق، فنحن نخطئ الفهم حين نقول إن رموزاً كهذه يمكن أن تدخل في مفهوم أمي، في تلك الحالة الخاصة التي تسمى (حالة التلقي)، فهل الأمر مجرد اختلال في شعور اضطرب مؤقتاً؟ ... أو أنه من الجائز أن يكون مرضاً عضوياً أصاب الجهاز الصوتي، وهو ما يسمى لدى علماء الطب La Glossolalie (١) ... ولكن النبي كما رأينا في القياس الأول يمثل أكمل المعادلات الشخصية في نواحيها الثلاث: الخلقية، والعقلية، والبدنية، ولم يدع التاريخ أدنى ريب في هذه النقطة. فلا مجال إذن لأن نتخيل أي افتراض عن الذات المحمدية، حتى نشرح هذا الابهام، أو ذلك المرض العضوي. ومن وجهة أخرى لسنا نجد في أدب هذه الذات الشخصي الغني وهو (الحديث)، أي أثر لتلك المغلقات، ولا توجد أية رواية مشافهة عن النبي، مشتملة على مثل هذا التصدير الرمزي. والآن لو أننا جردنا المسألة من اعتبارات الذات المحمدية، فلا ننظر إليها إلا بالنسبة للقيمة الذاتية للقرآن- دون أن نتسرع بالحكم على أصله أو طبيعته- فسنبقى أمام اللغز نفسه. والحق أن القرآن منذ ثلاثة عشر قرناً يعد أكمل نموذج أدبي استطاعت اللغة أن تفصح عنه، فليس به أدنى اختلال، بل إن الاتساق البديع شامل لجميع نواحيه، في روحه الجليل الغامر، وفي نذره الرائعة المؤثرة، وفي مشاهداته الباهرة، وفي حلاوة وعوده الفائقة، وفي فكرته المتسامية المتشامخة، وأخيراً في أسلوبه البهي المعجز.

стр. 267

ولنا أن نضيف ملاحظة عن تخصيص وضع هذه الرموز في فاتحة بعض السور دون بعضها الآخر، إذ في ذلك ما يدل على وجود تنظيم ضمني مقصود، هذه الملاحظة تنفي افتراض الصدفة، أو مجرد شرود ذات سلبية، غير واعية. واختصاراً، ليس لنا أن نحمل الظاهرة على طارئ نفسي أو عضوي مفاجئ لدى النبي، ولا أن نؤولها باعتبارها نقصاً أدبياً، في نص يُعد بحق كاملاً. لقد حاول معظم المفسرين أن يصلوا من موضوع هذه الآيات المغلقة إلى تفاسير مختلفة مبهمة، أقل أو أكثر استلهاما للقيمة السحرية التي تخص بها الشعوب البدائية الكواكب، والأرقام، والحروف. ولكن أكثر المفسرين تعقلاً واعتدالاً هم أولئك الذين يقولون في حال كهذه بكل تواضع: "الله أعلم". ***

стр. 268

المناقضات بعد أن حاولنا بيان استقلال الظاهرة القرآنية، وموضوعيتها بالنسبة للذات المحمدية، يصبح هدفنا من هذا الفصل أن نؤكد محاولتنا تلك بتفصيل القول فيما حدث أحياناً من مناقضة صريحة بين الميول والاتجاهات الطبيعية لدى النبي، وبين ما يعتريه خلال تلقيه الوحي. هذه المناقضة تجلو لأعيننا الخصائص الظاهرية التي بيناها وأكدناها حتى الآن في القرآن، أعني: موضوعيته واستقلاله بالنسبة للذات المحمدية. وأول مثال على هذه المناقضة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه ١١٤/ ٢٠] فلقد كان النبي في مستهل دعوته يجهد ذاكرته وهو يعاني حالة التلقي، لكي يثبت الآيات كما نزلت، وتلك حالة غريزية تلقائية تحدث لأي إنسان ينصت لآخر، وهو يريد أن يحفظ كلامه، فهو يكرره في نفسه. فالتكرار في الحقيقة عمل تدريبي للذاكرة، غريزي أساسي، فهو لهذا يصدر طبيعياً عن الذات نفسها، أياً كانت درجة وعيها، بل قد يحدث أن نكرر كلمات شخصية محضة، في أحلامنا مثلاً، ولكن حالة التلقي ليست حالة بين اليقظة والنوم Hypnagogique، ولا سيما بالنسبة للذات المحمدية، التي ربما كانت تقوم بتدريب ذاكرتها تلقائياً، ولكن بطريقة آلية مقصودة، تحتفظ معها في هذه الحالة ببعض حريتها ووعيها، ويتجلى هذا في هيئتها البدنية، إذ يظل النبي جالساً، كما يتجلى في سلوكها العقلي، حين يكرر ما يوحى إليه. فالآية المذكورة تأتي بما يضاد هذا السلوك الطبيعي، إذ يطلق النبي لإرادته

стр. 269

العنان إلى مدى معين، حتى يحفظ بالتكرار ما تفجر في مجال عقله، فأثاره جرسه وأيقظه. والآية تهدف إذن إلى مصادرة حريته في استخدام ذاكرته، حيث تنحصر حركتها في هذا التكرار المنهي عنه، وبذلك لا تتجاهل الآية حرية اختيار النبي، وإرادته أن يدرب ذاكرته فحسب، بل تتجاهل أيضا القانون النفسي لوظيفة التذكر نفسها. وهكذا نلاحظ مناقضة مزدوجة بين الظاهرة القرآنية وبين الذات المحمدية. هذه المناقضة المزدوجة لإرادة النبي، ولقانون وظيفة التذكر، تثبت بوجه خاص تفرد ظاهرة ذات مجال مطلق، مستقل عن العوامل النفسية والزمنية، وبهذا تؤكد خاصتي السمو والإطلاق للظاهرة القرآنية. والمناقضة الثانية نقتبسها من حياة النبي الخاصة، فلقد سجلت أحداث هذه الحياة- كما نعلم- المراحل الرئيسية للتشريع القرآني، ولا عجب، بعد أن رأينا ما لهذا الارتباط بين أحداث حياة (الرجل) وبين قانون السماء من قيمة تربوية، أما الذين يعجبون فإن عليهم أن يذكروا أن قانوناً تمليه السماء لغير أهل الأرض يمكن أن يكون مراعياً لعوائد الملائكة سكان السماء، أما إذا أنزل من أجل البشر، فربما لم يكن له معنى بالنسبة لهم لو لم يكن أساس تقنينه الحالات المادية المنتزعة من حياتهم اليومية. وهذه حالة من تلك الحالات مأخوذة من حياة النبي نفسه، وقد كانت مناسبة لنزول الوحي ببعض المبادئ القانونية فيما يتعلق بالشهادة بوصفها دليلاً قانونياً. والحادثة التي نبحثها رواها مؤرخو السيرة تحت عنوان (حادثة الإفك) (١)

стр. 270

فإن المنافقين بالمدينة لم يكفوا عن تدبير صنوف المؤامرات والمكائد ليشلوا دعوة رسول الله عن الحركة، فكانوا يهتبلون (*) الفرص ليبهتوه وينالوا من هيبته، ويعوقوا كفاحه، فلقد كان (لمكيافيلي) من بينهم تلاميذ نجباء، قبل أن يخرج (ميكيافيلي) إلى الوجود. ونعود إلى حديثنا، فقد وجدت الزوجة الشابة (عائشة) ﵂ نفسها فجأة منقطعة عن القافلة، حبستها عنها ضرورة، فاستمرت القافلة في سيرها، مستاقة معها رحلها، وأقبل الليل فأخذت تنادي مستيئسة، حتى ظنت نفسها فقيدة في الصحراء، فنامت في الطريق أشبه بطفلة، وإذا بصحابي كان يسير في مؤخرة القافلة يجدها هناك فيتعرف عليها، وينزل عن ناقته ليركب أم المؤمنين، ثم يلحق بالقافلة. ولكن المنافقين كانوا هناك، فأشاعوا أن عائشة قد لعبت دور الفتاة العابثة .. فضيحة .. ويهم المسلمون بقتل زعيم المنافقين ... أزمة. هذا هو الإطار التاريخي الذي تعرض فيه حالتنا، وسنرى أنها قد حُلت حلاً رائعاً في نطاق الظاهرة القرآنية. فالواقع أن النبي قد دهمه الشك، فلقد كان إنساناً على الرغم من كل شيء، ولكن هذا الإنسان كان ذا ضمير يستمد سموه من سمو دعوته، فهو يعلم أن أعماله ستكون أحكاماً ومقاييس، فما هو القرار الذي يمكن أن يتخذه شريطة أن يكون متفقاً مع طبيعته الإنسانية، ومع أساس دعوته العلوي.؟ .. إن المسألة بهذه الصورة تعد اختباراً حاسماً للدعوة، فبحكم فطرته الإنسانية، وربما تأثراً بإيحاء المحيطين به أرسل النبي ﷺ عائشة إلى منزل أبيها، واحتجت عائشة دون جدوى ضد هذه الإهانة والتهاون، أما النبي فلم يطلقها كيلا ينشئ سابقة قانونية، ولم يعف أيضا كيلا يعرض عظمة دعوته العلوية للخطر. ولقد اقتضى هذان الاعتباران لديه حالة معينة كان يعاني

стр. 271

خلالها الشك في سلوك زوجه من ناحية، والتردد في اتخاذ قرار ظالم من ناحية أخرى، وفي هذه الحالة لا يجدي سوى الحياد الذي يهدئ انفعالات الإنسان، ويناسب ظروف النبي، فالغفران قد يكون أعمى، والأدلة قد تكون ظالمة؛ وعليه فلقد كان لمصلحة النبي الشخصية والعليا من كل وجه أن يلتزم حياداً دقيقاً، بأن يترك عائشة لدى أبيها. وموقف كهذا لا يدع مأخذاً لألسنة المنافقين الحداد، ولنقدهم المغرض، بلة العقل المجرد. ولم يكن على النبي من الوجهة الإنسانية أن يتخذ موقفاً آخر، أعني لم يكن عليه أن يعمل شيئاً مطلقاً، وقد كانت هذه خطته فعلاً .. حتى نزول الوحي، فإذا به يعتق الرجل من شكه ومن تردده، معرضاً في الوقت نفسه القيمة العلوية للرسالة لاختبار هائل. وسنجد أن سورة (النور) تسن أولاً (حد الزنى): ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿[النور ٢/ ٢٤] وهذا هو المبدأ القانوني الأول. ثم إنها تبرئ عائشة ﵂ بطريقة رائعة باهرة، وهي تنمي هذا المبدأ القانوني، وتؤكد اشتراط الشهادة في مثل هذه الحالات: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٣/ ٢٤ و ٤] ولكي يضفي النبي على هاتين الآيتين تفسيرهما التاريخي وجدناه يعيد إلى بيته (الزوجة) الفاضلة، التي رفضت أن تعترف بالجميل لإنسان، فهي تجيب

стр. 272

أباها (١) الذي يدفعها إلى شكر النبي قائلة: "والله لا أقوم فإني لا أحمد إلا الله ". على أن نصوص هذه التبرئة تعد خطيرة بالنسبة لدعوة النبي، إذ تعطينا فوق قيمتها الذاتية لمحة مباشرة، وغير متوقعة عن شخصيتين جعلت منهما الصدفة حكمين فاهمين لتلك القيمة، هما: عائشة، والصحابي الذي أوصلها. أي مغزى تدركه هاتان الشخصيتان في حكم يعلن صراحة أن (الزانية) لا يمكن أن تكون سوى زوجة (زانٍ)؟. وهو حكم مطلق، كيلا يصادم اعتبارات ذات إنسانية دهمها الشك، وألزمتها المصلحة العليا أن تقف موقف الحيطة والتحفظ الدقيق، فإن عقلاً ينشد الحقيقة والدقة في الحكم لا يمكن أن يستسلم للطيش، فيدين بريئاً، أو يغفر لمجرم. وهكذا تظهر لنا بجلاء مناقضة صريحة بين (ذات) مشدودة إلى الحيطة والتحفظ، وبين ما ينزل به الوحي عليها من أحكام قاطعة. ...

стр. 273

الموافقات إن ارتيادنا القرآن وتأملنا له مع اختلاف مقاصدنا ومع تعلقنا مقدماً بمزاعم المثقفين المحدثين، يبهرنا بنظام أفكاره الغريب، ومادتها العجيبة؛ على أن اهتمامنا قد تزايد منذ بعيد بازدياد سياحتنا في هذا العالم الذي يمتاز بنظامه وهندسته وطبيعته الخاصة، وهو في هذه المعاني جميعاً يشبه دوائر المعارف العلمية أو الكتب التعليمية المعدة لتطبيق خاص. لقد سقطت مزاعمنا تلقائياً، كما تسقط دائماً المزاعم أمام ثورات العلم، أو انقلابات التاريخ، وأمام الانتصارات الساحقة للحق وللخير، ونحن هنا نجد أنفسنا ملزمين (باعتراف) هو اعتراف مثقف أقبل على القرآن بطوية فطرية، كيما يكتشف فيه (كومة) من المعلومات المحددة، كأنه يطلع على أحد المجلدات الفنية. على أن هذا الاعتراف- علاوة على أنه يثقل بتفاصيل شخصية عديمة الجدوى موضوعاً محدوداً- فإنه ربما يكون استطراداً مملاً بالنسبة للخطة المتبعة. ونحن لن نقول هنا سوى كلمة واحدة هي أن المثقف قد تخلى الآن عن مزاعمه الساذجة، من أجل أن يدخل باهتمام جديد إلى العالم القرآني، تماماً كأنه شخصية من الشخصيات التي نسمع عنها في حكايات الجن، لتجد نفسها معراة عن ملابسها، وليتسنى لها أن تتوغل في عالم السحر والغموض. وإذا كان لا يليق بنا أن نعد القرآن كتاب علم فإننا نلاحظ فيه مع ذلك آيات تحتوي الاهتمامين كليهما: لمسها حقيقة علمية، وإلقاؤها بهذا اللمس مزيداً من الوضوح على علاقة الذات المحمدية بالظاهرة القرآنية. فدراسة بعض هذه الآيات مفيدة إذن من الوجهتين

стр. 274

التاريخية والنفسية. وضروري أن نلاحظ من الوجهة النفسية أن موضوع التفكير تحدده في جوهره طبيعة الفكر الذي يصوغه، وهو يحتل مكانه في سياق الاطراد الطبيعي لهذا الفكر، ويحب على الأخص أن يكون جزءاً من الأفكار الخاصة بالذات التي تفكر فيه، وأن يدخل في نطاق تجربتها، وفي مجال رؤيتها، وبعبارة أخرى: لكي تصح نسبة هذه الملاحظات إلى النبي يجب أن نثبت أن: الأفكار المحمدية = الأفكار القرآنية وربما تصح هذه المعادلة لو أننا تحققنا من أن موضوع آية ما يمكن أن يصدر عن مجال ذات محمد، وأن يندمج في نسق فكره، وأن ينبعث عن تجربته، وأن ينتزع من محيط بصره. وفي هذه الحالة قد تفصح هذه المعادلة- بترتيبها المشار إليه آنفاً- عن علاقة سببية، لتكون الأفكار المحمدية سبباً في حصول الأفكار القرآنية، وإذا ثبت العكس تصبح المعادلة مستحيلة، إذ تنتفي العلاقة السببية، وهو ما نسعى إلى إثباته هنا. وعليه، فنحن نتصور تصوراً كاملاً طبيعة الفكر لدى إنسان فني في المشكلة الدينية والمشكلة الغيبية والمشكلة الروحية خاصة، وربما تصورنا أيضاً اطراد هذا الفكر في وصفه الطبيعي، وهو الاطراد الذي يجب أن يضم في مجال إدراكه البصري الوقائع وسبب حدوثها، والكون وعلة كونه. وينبغي أيضاً أن يربط بين الخالق والمخلوق برباط الإيمان، وأن ينصب للكائنات والأشياء سلماً من الدرجات الخلقية. لقد شغلت أفلاطون فكرة كهذه، فانبجست منها فلسفته الخلقية. أما حين يحدث تحول جوهري في تيار الفكر لدى إنسان ما، فينتقل اهتمامه فجأة من أفق إلى آخر، فإن ذلك يدفعنا- دون شك- إلى أن ندقق النظر من قريب في هذه الحالة الغريبة، فلو اتضح لنا أنها غريبة عن الفكر الديني الذي نريد أن ندرس امتداده فمن الواجب أن نعدها (ظاهرة فريدة)، والقرآن يقدم لنا دائماً كثيراً

стр. 275

من هذه الغرائب التي تعلق الاهتمام، وتلجم فجأة اطراد الفكر وانسيابه، فنشر بأن المستوى قد تغير، كأنما وضعت هذه الغرائب هنالك قصداً لتكون مرقاة يصعد فيها المتأمل طفرة إلى ما هو أسمى من مستوى الذات الإنسانية، فإذا بالعقل- وهو الذي تعود أن يفكر فيما هو معلوم، وفيما هو قابل للعلم مما يتصل بالمستوى الإنساني- يجد نفسه وقد حمل بعيداً ليلحظ من هنالك، في وميض آية من آيات القرآن، أفقاً من آفاق المعرفة المطلقة. لماذا نرى في اطراد فكرة غيبية صورة بصرية؟ ومن خلال عرض تشريعي تتدفق حقيقة أرضية أو سماوية.؟. لا شك أن هذا عجيب! .. ولا شك أننا لو تأملنا من قريب هذه الغرائب فسنكتشف في اطراد الفكرة القرآنية روحاً مذهلاً، ونسقاً رفيعاً، لا يصدر إلا عن معرفة مطلقة محضة تتدفق منها الآية، فنحن مضطرون إلى أن نعد أمثال هذه الغرائب إشارات بينات، وشهباً ثواقب، تكشف للفكر الإنساني المبهور عن المصدر الغيبي الذي تدفقت منه تلك الفكرة، التي سبقت عصور التقدم الإنساني، واتفقت مع الحقائق التي كشف عنها العلم بعد ذلك بقرون، وكأنما سبقت هذه الغرائب العقل الإنساني الذي يتطور، لتكون طلائع شاهدة على السر الأسمى للمعرفة القرآنية. إن القرآن يتجه بالخطاب إلى البشر سكان الأرض، أولئك الذين يهمهم ولا ريب أن يعرفوا كل شيء عن الأرض التي تحملهم، فما هو شكل هذا الكوكب المظلم؟ ... وللإجابة عن هذا السؤال لا يسلك القرآن مسلكاً علمياً، فهو ليس كتاباً في وصف الكون، ولو أنه كان كذلك لحوى تلك الأفكار التخمينية، التي كانت تقول بها النظرية البطلمية (١) La Théorie Ptelemienne الشائعة آنذاك،

стр. 276

ومعلومات ذلك العصر عن الأرض تذهب إلى كرويتها التامة، وتذهب أيضاً إلى أنها ساكنة في مركز الفضاء (١). أما الأفكار الأفلاطونية المشار إليها فقد كانت أكثر زخرفة، إذ أن أفلاطون حين تغنى بظواهر الكون أراد أن يجعل الأرض مركز قبة الفلك المترنم. هذه إذن هي المصادر العلمية التي يمكن أن تستقى منها الإجابة الإنسانية عن السؤال الموضوع، ولكن إجابة القرآن- على الرغم من أنها لا تحمل طابعاً تعليمياً شأن كتب وصف الكون- تبدو كأنما تضع معالم بسيطة أمام العقل الإنساني على جوانب طريق التقدم العلمي. ولننظر في الآية الآتية، قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء٢١/ ٤٤] ففي هذه الآية فكرتان متميزتان ينبغي أن نؤكد كلاً منهما على حدة: إحداهما: ذات طابع هندسي، فتشكل الأرض قد عين ضمناً في قوله: "أطراف". والأخرى: ذات طابع آلي عبّرت عنه صراحة (ننقصها). والواقع أن لفظة (أطراف) تقتضي فكرة عن شكل الأرض، فأي شكل هو؟ ... إن الأرض لا توحي بداهة بشكل خيطي في الفضاء، أو بشكل مسطح أو مسدس أو مربع أو مثلث .. الخ .. إذ أن أقل نتوء في مساحتها يوحي بداهة بفكرة الأبعاد الثلاثة، وبالتالي بشكل هندسي ممتد في الاتجاهات الثلاثة، ولكن جميع الأشكال الهندسية في الفضاء لا تتفق مع فكرة (الأطراف) فأقرب الأشكال إلى التصور - حين نأخذ في اعتبارنا اللفظ المكمل (انتقاص الأطراف)، وحين نساير

стр. 277

معارف الهندسة الأرضية عن (دحو القطبين (١) Applatissement aux Pôles) هو الشكل البيضاوي. هذا التوافق الذي يخص شكل الأرض ودحو قطبيها، تلك الخاصة المساحية التي أثبتها العلم الحديث عموماً، أقول: هذا التوافق قد ازداد وضوحاً حين أيدته الأفكار القرآنية الأخرى التي تتحدث عن كوكبنا، وتتفق مع الحقيقة العلمية، فإذا اقتصر العلم في أوربا حتى عهد (كو برنيك Copernic) و (فابيوناتشي Fabionacci) على الأفكار البطلمية، فها هو ذا القرآن يصف صراحة قبل ذلك بثمانية قرون حركة الأرض فيقول: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٢٧/ ٨٨] هذه الفكرة عن حركة الأرض جوهرية في ذاتها، وهي زيادة على ذلك توحي بفكرة ملازمة لها، هي فكرة (محور الحركة)، وبالتالي بفكرة (القطبين) والقطبان قد عينهما لفظ (أطراف)، وأشار إليهما في فكرة (دحو القطبين). ولكن من أين يأتي هذا الكوكب الذي تحدث القرآن عن شكله ودحوه، وحركته في إشارتين شفافتين؟ .. يبدو لنا أن النظريات قبل (لابلاس Laplace) - بصرف النظر عن الأساطير- لم تواجه هذا السؤال. ولكن منذ (لابلاس) عدت الأرض شرارة مظلمة منفصلة عن الشمس، أما القرآن فمن غير

стр. 278

أن يلجأ إلى التفسير العلمي نراه يضع بعض المعالم على هذه الطريق: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٣٦/ ٤٠] ومن الممكن أن يقال: إن الأمر هنا يتعلق بفكرة معتسفة تحدد اتفاقاً نقطة بدء في تقسيم الزمن، ومع ذلك فليس ما يمنع من تفسير الآية طبيعياً، مع اعتبارنا المعنى العام للنص، ولعلها في هذه الحالة تتفق مع الفكرة العلمية عن (الليل) من حيث كونه ظاهرة طبيعية أعقبت البرودة التدريجية للأرض؛ إذ الواقع أنه طالما كانت الأرض كتلة ملتهبة فإنها لم تكن تعرف الليل، فكانت في نهار طبيعي دائم. وأخيراً فإن هذا الوصف الكوني مكمل بأفكار قرآنية أخرى، ليست بأقل أهمية في إثبات التوافق مع الحقيقة العلمية، ولنا أن نذكر خاصة خط مسير الشعاع الضوئي في الجو، فنحن نعلم أن الجوَّ هو: "تراكب طبقات متتابعة تقل فيما بينها كثافة الهواء ابتداء من الأرض"، وفي وسط كهذا يجب أن يكون مسلك الشعاع الضوئي طبقاً للقانون الثاني للعالمين (الهيثم (١) - ديكارت)، وهو (قانون الانكسار)، ولكن القرآن الذي يلفت أنظارنا دائما إلى ظواهر الطبيعة

стр. 279

يدعونا إلى أن نرى يد الخالق- التي لا تُرى- في أقل خطوط الظل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٥/ ٢٥، ٤٦] كيف نفسر هذا القبض اليسير (١)؟ .. إن قانون (الهيثم- ديكارت) يقول إن الشعاع الضوئي الذي ينتشر في مجال ذي كثافة متغيرة باستمرار يخط في مسيره خطاً منحنياً ذا تجويف متجه نحو النقط الأكثر كثافة، وفي هذا المجال يقبض الظل (قبضاً يسيراً) بالنسبة لما قد يكون عليه الفراغ الذي لا يوجد فيه انكسار، وفي هذا توافق ملحوظ بين الفكرة القرآنية والخاصة البصرية المحضة التي يجهلها العلم الإنساني في العصر القرآني. وبما أننا في حديث الجو، فلنذكر اتفاقاً آخر مما قرره القرآن: فمنذ اكتشاف الطبقات العليا بفضل الطيران والبالونات استطعنا أن ندرك ظاهرة عضوية تنتج عن تمدد الهواء، إذ يشعر الصاعد في العلو ببعض الصعوبة في التنفس، ويحس بالضيق والانقباض. لقد اقتبست الفكرة القرآنية من هذه الظاهرة استعارة بارعة، فيقول القرآن: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥/ ٦] وربما أمكننا أن نجزم بأن تسلق الجبال قد لفت نظر هواة التسلق إلى هذه الظاهرة، حتى قبل ارتياد الطبقات الجوية، فضلاً عن أن الآية لا تستخدم في الموازنة تعبير الصعود (في الجبال)، بل تستخدم صراحة تعبير الصعود (في

стр. 280

السماء) ونضيف إلى هذا أن مهد العبقرية العربية بلد ذو سطح منبسط، وسهول واسعة لا يفيد المرء منها تجربة، أو فكرة في تسلق الجبال، فنحن مجبرون أن نقرر هنا أيضاً اتفاقاً رائعاً للفكرة القرآنية مع الواقع العلمي. وأخيراً فعلى هذه الأرض التي يبدو القرآن وكأنما يلقي على أصولها البعيدة بعض الإشارات الضوئية وجد الإنسان، فمن أين أتى هذا الإنسان؟. وأين هي نقطة البدء في الحياة الحيوانية؟ لقد تخيل العلم دورة بيولوجية تغذت في وسط مائي حيث تكونت الخلية الحية الأولى وتشكلت واكتملت، حتى وصلت إلى هيئة الإنسان، فمن الأهمية بمكان أن نلحظ التوافق بين الدورة العلمية وبين الفكرة القرآنية التي تصوغها الآيات التالية: (١) ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾. (طين = ماء + تراب) [السجدة ٧/ ٣٢] (٢) ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨/ ٣٢] (٣) ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٣٢] فقد سجلت أطوار الدورة بوضوح في هذه الآيات، إذ تسجل الآية الأولى طور الخلق الأول، وتسجل الآية الثانية طور التناسل، وتسجل الثالثة طور الاكتمال. ولقد وضعنا قصداً الشرح التخطيطي لكلمة (طين) بين قوسين لكي نستخرج منه كلمة (ماء)، الذي هو نقطة البدء في الدورة البيولوجية في النظرية العلمية. ليس هذا متعسفاً لأن القرآن يحدد- دون لبس- هذا الطور من أطوار الخلق ابتداء من الماء حيث يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء٣٠/ ٢١]

стр. 281

لقد ذهب المفسرون الذين فاتتهم الفكرة القرآنية إلى تفسير الاسم المعين (الماء) بمعنى الاسم غير المعين (ماء) الذي يساوي: (سائل منوي)، فتفسيرهم هذا قد ينطبق على آيات أخرى تتحدث عن طور التناسل. ولكي ننتهي من هذا الاستطراد في تفصيل الدورة البيولوجية في الفكرة القرآنية، نرى من المفيد أن نورد تعداداً، ورد بصورة تتفق مع مراحل الحياة الحيوانية. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ﴿[النور ٤٥/ ٢٤] وفي نسق آخر للأفكار يقع توافق عجيب جدير بالذكر في الآية التالية: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ٨٥/ ١٨، ٨٦] وربما تبدو هذه الآية العجيبة ذات سذاجة حلوة، ومع ذلك فلو أننا نظرنا إلى خط الطول الذي تقع عليه مكة، فإن مغرب الشمس سيكون على مدى تسعين درجة طولية إلى الغرب، وهذا الطول يمتد إلى نواحي خليج المكسيك، حيث يتفرع مجرى بحري، هذا التيار البحري الدافئ هو الذي يحمل إلى شواطن أوربا الشمالية ما يناسبها من الدفء المستمد من (عينه الحمئة أو الحامية) (١) وفي هذه الأنحاء نفسها حاول المهندس الفرنسي (جورج كلودح George Claude) استخدام الطاقة الحرارية في البحار، ونجح في ذلك نظرياً. أو ليس هذا بالتحديد هو المكان الذي تغرب فيه الشمس بالنسبة لخط طول مكة الذي يعد بصورة ما خط طول الفكرة القرآنية؟. هذا أيضاً توافق عجيب. ولنذكر من ناحية أخرى ذلك الانقلاب الجبار الذي حدث منذ قرن باكتشاف

стр. 282

الكهرباء واستخدامها في الحياة على سطح الأرض، إن النتائج النظرية والعملية لهذا الاكتشاف ذات دوي عميق هائل في حياتنا، وفي فكر الإنسان وفنونه، وقد يكون جديراً بالذكر أن نجد إشارة إلى هذه الظاهرة الخطيرة الشأن في الكتاب الذي قال عنه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦] لقد لفت نظرنا بعض المفسرين المحدثين لتلك الإشارة في الآية الآتية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور ٣٥/ ٢٤] ففي هذه الآية أجمل مجازات القرآن التي ألهمت الغزالي كتاباً من أعمق مؤلفاته هو (المشكاة La Cavité) ، ولكن عقلية المفسرين المحدثين قد أدركت في هذا المجاز أكثر من إشارة صوفية، أدركت موافقة من أعجب موافقات الفكرة القرآنية للواقع الذي قرره العلم، ونحن نريد هنا- لزيادة الإيضاح- أن نؤكد بدورنا الخاصة الموحية للآية المذكورة، بأن نرتب عناصرها الأساسية في قالب إيضاحي، بحيث تصبح الآية (ولو لم تمسه نار فإن النور يضيء من مشكاة فيها مصباح في زجاجة)، وبهذا تصبح الإشارة أكثر شفافية، لكنا نستطيع أن نستطرد في تبيان الصفة الخاصة لهذه الآية، مستعيرين من مصطلحات الصناعة ما يعادل ألفاظها، وإنما يصح هذا الاستبدال بالمعادلات الآتية: مشكاة = Projecteur = عاكس مصباح = شيء ملتهب مضيء = سلك زجاجة = أنبوبة وليس في هذه المعادلات شيء من الاعتساف، فهي مستوحاة من ألفاظ الآية نفسها، وفي ضوء طبيعة مجازها الفريدة، التي تؤدي إلينا فكرة مصباح

стр. 283

يضيء دون أن تمسه نار. وبعد هذا الاستبدال تتكون لدينا الجملة الآتية، حيث يصير الرمز شفافاً تماماً: (ولو لم تمسه نار، يضيء النور من عاكس فيه سلك في أنبوبة، يوقد من زيت شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية) (١). فهنا يجب أن نلاحظ جيداً موافقة من أغرب الموافقات بين الفكرة الموحاة وبين الحقائق التي أثبتها العلم بعد ذلك. ويمكننا أن نلاحظ أيضاً في حالات أخرى عجزنا عن إيضاح هذه الفكرة الموحاة في ضوء فكرة الإنسان الخاصة. فلو أننا أردنا أن نخلع على عصرنا هذا المضطرب بالحروب المهلكة رمزاً مميزاً فلربما وجدناه في الفكرة الرهيبة التي توحي لنا بها (القذيفة أو القنبلة)، إن رمزاً كهذا قد ورد في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ (٢) [الرحمن ٣٥/ ٥٥] فهل يتسنى لكائن ما أن يصوغ رمزاً لأدوات الموت أكثر من هذا؟ ولقد كان هذا التوافق غريباً مدهشاً، إذ لم يستخدم فن الحرب حتى معركة (سجلماسة) سوى السلاح الأبيض، ففي هذه المعركة تعلم الإنجليز استعمال البارود، لكي يستخدموه بعد سنوات معدودات في معركة (كريسي). وأخيراً فلكي نختم هذا الفصل الذي بحثنا فيه بعض الظواهر الطبيعية، قد نتساءل عن مدى العالم الذي تنتشر فيه هذه الظواهر، هل لهذا الامتداد حدود ... ؟ إن القرآن يجيب صراحة:

стр. 284

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٣٧/ ٥١] وهكذا يبدو الفضاء- في نظر القرآن- وكأنه لا ينتهي، وكأنه يزداد على الدوام. هذه الفكرة التي أصبحت الآن علمية هي التي هالت (انشتين Einstein) نفسه عندما اكتشف عالم الطبيعة (هابل Huble) أن الكواكب السديمية تبتعد عن سديمنا، واستنبط عالم الرياضة البلجيكي القسيس (لومتر Le maître) من ذلك نظرية (امتداد الكون). أو ليس عجاباً مذهلاً أن تضع الفكرة الموحاة- هكذا دائماً- معالمها المضيئة أمام الفكر العلمي، حتى كأنها تصف له الطريق؟!. وهل يستطيع أحد أن يقول إن معالم كهذه قد انبثقت من عقل أمي، وبأن هناك بالتالي معادلة بين: الأفكار المحمدية والأفكار القرآنية؟!! ***

стр. 285

المجاز القرآني إن عبقرية لغة ما مرتبطة بما تهبه الأرض لبلاغتها الخاصة؛ فطبيعة المكان والسماء والمناخ والحيوان والنبات، هذه كلها خلاقة للأفكار والصور التي تعد تراثاً خاصاً بلغة دون أخرى؛ وهكذا تضع الأرض طابعها على أدوات البلاغة التي يستخدمها شعب ما، كيما يعبر عن عبقرية، وبالتالي فإن النقد الذاتي لأي أدب يجب أن يكشف في هذا الأدب إلى حد ما عن علاقته بعناصر التربة التي ولد فيها. وكذلك فيما يتصل بتحليل الأسلوب القرآني، فإن هذا التحليل يجب أن يكشف عما يربطه بالتربة العربية. ولعل المزاج هو العنصر البلاغي الفريد الذي يحدد معالم الأسلوب، ويحدد بصورة ما موقعه الجغرافي، فامرؤ القيس عندما وصف فرسه قال بيته الشهور: مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً ... كَجَلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ فإذا تأملنا ألفاظ هذا المجاز وجدناه يعبر عن صورتين متماثلتين تماماً مقتبستين من حياة الصحراء وإطارها، فقد استخدمت عبقرية الشاعر العظيم - في بلاغة فطرية- عناصر احتواها الوسط الجغرافي، وهي صورة فرس يعدو، وصورة جلمود صخر حطه السيل. فالبيت عربي في جوهره، لأن الوسط الذي يتمثل فيه وسط عربي طبعه بطابعه الخاص. ولكن المجاز القرآني ليس دائماً ولا غالباً انعكاساً للحياة البدوية في الصحراء. فهو يستمد- على عكس ذلك- عناصره وألفاظ تشبيهاته من بيئات وجواء ومشاهد جد مختلفة، فالأفكار المتصلة
следующие страницы →