منافاته له وعدمها، ومعلومٌ أن الشيء يكون غير منافٍ للشئ وغير مستلزمٍ له، كالسواد فإنه لا ينافي الحلاوة لجواز كون الأسود حلوًا، ولا يستلزمها لجواز كونه غير حلو.
فقول الحنفي: "سلمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقل، وبين القصاص، ولكن لِمَ قلتَ: يستلزمه" قولٌ بالموجب، ورد على إثبات وهو قول المستدل: "فيستلزم القصاص".
فالمقصود من هذا النوع استنتاج ما يتوهم أنه محل الخلاف أو لازمه، والمقصود من النوع الأول استنتاج إبطال ما يتوهم أنه مبنى مذهب الخصم.
ومعنى القسم الثالث -الذي هو ورود القول بالموجب بشمول اللفظ- هو أن يكون لفظ المستدل يشمل صورة من صور الوفاق، فيحمله المعترض على تلك الصورة التي هي محل وفاق، ويبقى النزاع فيما عداها، كأن يقول الحنفي في زكاة الخيل: حيوان يسابق عليه فتجب فيه الزكاة كالإبل. فيقول المعترض، كالمالكي: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة.
قال الفهري: هذا هو أضعف أنواع القول بالموجب؛ لأن حاصله مناقشة في اللفظ، فتندفع بمجرد العناية. أي بأن يقول الحنفي: عنيت زكاة الخيل مطلقًا لا خصوص خيل التجارة.
ومثال القسم الرابع -الذي هو ورورد القول بالموجب لأجل سكوت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها لو
стр. 142
صرح بها- أن يقول مشترط النية في الوضوء والغسل، كالمالكي والشافعي: ما هو قربة يشترط فيه النية كالصلاة. ويسكت عن المقدمة الصغرى المشتملة على موضوع النتيجة، وهو: الوضوء والغسل قربة. فيقول المعترض كالحنفي بموجبه بأن يقول: مُسَلَّم أن ما هو قربة يشترط فيه النية، ولا يلزم اشتراطها في الوضوء والغسل؛ لأن المقدمة الواحدة لا تنتج. فإن صرح المستدل بأن الوضوء والغسل قربة فركب الدليل تامًّا بأن قال: هما قربة، وكل ما هو قربة تشترط فيه النية، فينتج: هما تشترط فيهما النية. فجواب الحنفي عن هذا خارج عن القول بالموجب؛ لأنه يمنع الصغرى فيقول: الوضوء والغسل ليسا بقربة، بل هما كطهارة الخبث التي لا تشترط فيها النية؛ لأن القول بالموجب إنما ورد من أجل السكوت عن الصغرى، وقد زال بذكرها.
وتقييدنا في الجواب "بغير المشهورة" احترزنا به عن المشهورة؛ لأنها كالمذكورة، فلا يتأتى فيها القول بالموجب، وعكس بعضهم في هذا القيد فقيد بالشهرة لا بنفيها؛ لأن فيه التنبيه على مسوغ حذف المقدمة وهو شهرتها، فصاحب هذا القول يقول: غير المشهورة لا وجه لحذفها، والمشهورة ما كانت ضرورية أو متففا عليها بين الخصمين.
ثم ليعلم ناظره أن الوضوء والغسل مثلًا وسيلة إلى صحة الصلاة، فمن أعطى الوسيلة حكم مقصدها الذي يقصد بها جعلهما قربة، فأوجب فيهما النية، ومن لم يعطها حكم مقصدها لم يجعلهما قربة، فلم يوجب فيهما النية. والذي يظهر لنا أن التحقيق هو الأول.
стр. 143
وأعلم أن القول بالموجَب هو لفتح الجيم على صيغة اسم المفعول، لأن المعترض به يسلم ما أوجبه دليل خصمه، لكن يقول: إنه لم يستلزم محل النزاع.
وإلى هذه الأقسام الأربعة التي بيَّنا أشار في "مراقي السعود" بقوله:
والقول بالموجَب قدحه جلا ... وهو تسليم الدليل مُسْجَلا
من مانع أن الدليل استلزما ... لما من الصور فيه اختصما
يجيء في النفي وفي الثبوت ... ولشمول اللفظ والسكوت
عمَّا من المقدمات قد خلا ... من شهرة لخوفه أن تحظلا
وأما القول بالموجب عند البيانيين فهو ضربان:
أحدهما: أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم، فيثبت المخاطب تلك الصفة لغير ذلك الشيء المثبت له حكم من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له ولا لنفيه عنه، نحو قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون/ ٨]، فالأعز صفة وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم، والأذل كناية عن المؤمنين، وقد أثبت المنافقون لفريقهم حكمًا وهو إخراجهم المؤمنين من المدينة، فأثبت اللَّه تعالى في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم وهو اللَّه تعالى ورسوله والمؤمنون، ولم يتعرض لثبوت ذلك الحكم الذي هو الإخراج للموصوفين بالعزة أعني اللَّه ورسوله والمؤمنين، ولا لنفيه عنهم.
стр. 144
والضرب الثاني منه: هو حمل لفظ وقع في كلام الغير على معنى يحتمله كلامه، وليس هو مراده، وذلك الحمل إنما يكون بذكر متعلق آخر غير المتعلق الذي يقصده المتكلم، أعني بذلك المتعلق شيئًا يناسب المعنى المحمول عليه، سواءٌ كان متعلقًا اصطلاحيًّا كالمفعول والجار والمجرور، أو لا، فالأول كقوله:
قلتُ: ثَقَّلْتُ إذ أتيتُ مرارًا ... قال: ثَقَّلْتَ كاهلي بالأيادي
قلتُ: طَوَّلْتُ قال: لا بل تَطَوَّلْتَ ... وأبرمتُ قال: حبلَ ودادي
والشاهد في قوله: "ثقلَّتُ وأبرمتُ" دون "طوَّلتُ"؛ لأن مراده بقوله: "ثقلت" يعني عليك بأن حملتك المؤنة الثقيلة والمشقة بإتياني مرارًا، فحمله المخاطب على غير مراد المتكلم بأن جعل معناه أن كثرة زيارته له نِعَمٌ منه عليه، ومِنَن أثقل حملها كاهله، وهو ما بين كتفيه. وقوله: "أبرمت" يعني أبرمتك -أي أمللتُك بكثرة ترددي عليك. فحمله المخاطب على غير مراد المتكلم بأن جعل معناه: أبرمت -أي أتقنت وأحكمت- حبل الوداد بيننا بكثرة زيارتك لي.
فأما قوله: "طولت" فليس من القول بالموجب لأن المخاطب صرح بنفيه، حيث قال: "لا بل تطولت" فلم يقل بموجبه بل نفى موجبه صريحًا.
ومن هذا النوع الذي متعلقه اصطلاحي قول القاضي الأرَّجاني:
غالطتني إذ كَسَتْ جسمي الضنا ... كسوةً عَزَتْ من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني، صَدَقَتْ لكن سقامًا
стр. 145
لأن مرادها بقولها: "مثل عيني" أنه كعينها في المحبة إليها، فحمله على غير مرادها، بأن قال بأنه كعينها في السقم؛ لأنه سقيم من حبها، فأشبه عينها، وسقم أعين النساء ضعف خلقي وتكسر يكون في جفونهن. وقوله: "لكن سقامًا" بَيَّنَ فيه مراده بمتعلق اصطلاحي وهو التمييز، لأن التمييز متعلق بعامله، والمعنى: صدقت في تماثلي مع عينها، ولكن لا في الحب إليها، بل في كون كل منا سقيمًا.
ومن هذا الضرب قول ابن دويدة المغربي من أبيات يخاطب بها رجلًا أودع بعض القضاة مالًا فادعى القاضي ضياعه:
إن قال قد ضاعت فصِدْقٌ أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فصِدْقٌ أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع
فقد حمل الكلام على غير المراد به بذكر متعلقه الاصطلاحي وهو الجار والمجرور الذي هو "منك" في البيت الأول، و"منه" في الثاني.
ومن هذا الضرب قول الآخر:
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من وداد
فالمراد صفاء قلوبهم من الغل والدنس. فحمله المخاطبُ على صفاء قلوبهم، أي فراغها وخلوها من مودته.
وأما البيتان اللذان قبل هذا البيت وهما:
وإخوان حسبتهم دروعًا ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهامًا صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
стр. 146
فمعناهما قريب من القول دالموجب وليس منه، إذ ليس فيهما حمل صفة وقعت في كلام الغير على معنى آخر، وإنما فيهما ذكر صفة ظُنَّتْ على وجهٍ فإذا هي على خلافه، قال بعض علماء البلاغة: ويمكن جعل مثلهما ضربًا ثالثًا.
والثاني وهو الذي لم يكن متعلقه اصطلاحيًّا نحو قوله:
لقد بهتوا لما رأوني شاحبًا ... فقالوا به عين فقلت وعارض
أرادوا "بالعين" إصابة العائن، فحمله هو على إصابة عين المعشوق بذكر ملائمه الذي هو العارض في الأسنان التي هي كالبرد، فكأنه قال: صدقتهم بأن بي عينًا لكن بي عيناها وعارضها لا عين العائن.
ووجه كون هذا الضرب من القول بالموجب ظاهر؛ لأنه اعترف بما ذكر المتكلم، ثم حمله على غير مراده.
وحملُ كلام المتكلم على غير مراده. تارةً يكون بإعادة المحمول الذي هو المسند كقوله: "قال ثقَّلْتَ كاهلي بالأيادي" بعد قوله: "قلت ثقَّلْتُ"، وكقول بعضهم:
جاء أهلي لما رأوني عليلًا ... بحكيمٍ لشرح دائي يسعف
قال هذا به إصابة عين قلت ... عينُ الحبيب إن كنت تعرف
وتارة يكون بغير إعادة المحمول أعني المسند كقوله: "فقلت وعارض"، وكقوله "وأبرمت قال: حبل وداد"، وكبيتي ابن دويدة
стр. 147
المتقدمين.
والضرب الثاني من ضربي القول بالموجب المتقدمين لا يكاد الذهن يفرق بينه وبين الأسلوب الحكيم المذكور في فن المعاني:
فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
وأدخل فيه بعض المحققين المشاكلة كقوله:
قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبةً وقميصا
لأنه قال بموجب قولهم، فأجاب بتعيين المطبوخ كما سألوه، وحمل اللفظ الواقع منهم على غير مرادهم، فإنهم أرادوا حقيقة الطبخ، فحمله هو على مطلق الصنع الذي هو أعم من الطبخ وهو الخياطة، فطلب فردًا من أفراد ذلك العام وهو الخياطة، وسماها طبخًا مجازًا.
وقد تقرر عند بعض المحققين أن المشاكلة من علاقات المجاز المرسل.
وإلى ضربي القول بالموجب المذكورين أشار علامة زمانه سيدي عبد اللَّه العلوي الشنقيطي في نظمه المسمى "نور الأقاح" بقوله:
ثم من البديع ما قد اشتهر ... بالقول الموجب عندي ذي النظر
وقوع وصف في كلام قد كُنِي ... به عن الذي له حكم بُنِي
فيثبت الوصف لغير ما ثبت ... له الذي عن شأن ذا الحكم سكت
стр. 148
أو حمل ما وقع للغير على ... غير مراد إذ لهذا احتملا
ثم طلب منا بعض حذاق الطلبة أن نتكلم لهم عن القادح المسمى "فساد الوضع"، والقادح المسمى "فساد الاعتبار" وأن نبين لهم تحقيق النسبة بينهما.
فكان جوابنا أن قلنا: سنبين لكم فساد الوضع وفساد الاعتبار، والنسبة بينهما.
أما فساد الوضع فهو كون الدليل قياسًا أو غيره ليس على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، كأن يكون صالحًا لضد ذلك الحكم أو نقيضه، كأخذ التوسيع من التضييق، وأخذ التخفيف من التغليظ، وأخذ النفي من الإثبات، أو الإثبات من النفي، وككون الوصف الجامع ثبت اعتباره بإجماع أو نص من كتاب أو سنة في نقيض الحكم أو ضده في دليل المستدل، قياسًا كان أو غيره.
مثال فساد الوضع بأخذ التوسيع من التضييق قول الحنفية: الزكاة واجبة على وجه الإرفاق لدفع حاجة المسكين، فكانت على التراخي، كالدية على العاقلة. فالتراخي الموسَّع ينافي دفع الحاجة المضيَّق، والمراد بالرفق الرفق بالمالك، ومن فوائد كونها على وجه الإرفاق به تجويز إخراجها من غير المال الذي وجبت فيه، وامتناع أخذ الكريمة من غير طيب نفس.
ومثال أخذ التخفيف من التغليظ قول الحنفية: القتل عمدًا جناية عظيمة لا تجب له كفارة، كالردة. فعظم الجناية يناسب تغليظ الحكم
стр. 149
لا تخفيفه بعدم إيجاب الكفارة.
ومثال أخذ النفي من الإثبات قول الشافعي في معاطاة المحقرات: لم يوجد فيها سوى الرضى فلا ينعقد بها البيع، كغير المحقرات. فالرضى الذي هو مناط البيع يناسب الانعقاد لا عدمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٩].
ومثال أخذ الإثبات من النفي قول المالكي الذي يرى انعقاد البيع في المحقرات وغيرها بالمعاطاة: بيع لم يوجد فيه صيغة فينعدم. فإن انتفاء الصيغة يناسب عدم الانعقاد، لا الانعقاد.
ومثال كون الوصف الجامع ثبت اعتباره بالإجماع في نقيض حكم المستدل أو ضده قول الشافعي في مسح الرأس في الوضوء: مسح، فيستحب تكراره، كالاستنجاء بالحجر حيث يستحب الإيتار فيه، كما إذا حصل الإنقاء بحجرين مثلًا، فلا يعترض بأن تثليث الاستنجاء واجب، فيقال: المسح على الخف لا يستحب تكراره إجماعًا فيما قيل، وإن حكي عن ابن كج: استحباب تثليثه كمسح الرأس. فبيَّن المعترض أن جعل المسح جامعًا فاسد الوضع، إذ ثبت اعتباره إجماعًا في نفي الاستحباب، وهو نقيض الاستحباب، والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان؛ لأن ثبوت كل واحد منهما يستلزم انتفاء الآخر.
ومثال كون الوصف الجامع ثبت اعتباره في نقيض حكم المستدل أو ضده قول الحنفي: الهر سبع ذو ناب، فيكون سؤره نجسًا كالكلب. فيقال: السبعية اعتبرها الشارع علة للطهارة حيث دُعِيَ إلى دار فيها كلب فامتنع، وإلى أخرى فيها سنور أي هر فأجاب، فسئل عن ذلك
стр. 150
فقال: "السنور سبع". رواه الإمام أحمد وغيره.
وقال بعض العلماء: علة امتناعه كون الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب.
وهذا لا يقدح في التعليل الذي ذكرنا لوجهين:
أحدهما: أن تعليله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم عدم دخوله بعدم سبعية الكلب أعمُّ من دخول الملائكة؟ لتحقق السبعية في غير الكلب من الحيوانات، كالطير، مع دخول الملائكة.
والثاني: أن المثال يكفي فيه مطلق الاحتمال. قال في "مراقي السعود":
والشأن لا يُعْتَرَضُ المثالُ ... إذْ قد كفى الفرض والاحتمال
وجواب القدح في الدليل بفساد الوضع هو إثبات كونه صالحًا لترتيب الحكم عليه من جهة أخرى غير الجهة التي جاء منها الاعتراض، بأن يكون له جهتان، ينظر المستدل فيه من إحداهما، والمعترض من الأخرى، كما في مسألة الزكاة، فإن المستدل نظر إلى الرفق بالمالك المناسب للتراخي، والمعترض نظر إلى دفع حاجة المسكين المناسب للفورية، ولذلك يجري قولان في كل ما تجاذبه أصلان، كما قال ميارة في "تكميل المنهج المنتخب":
وإن يكن في الفرع تقريران ... بالمنع والجواز فالقولان
ويجاب عن عدم وجوب الكفارة في قتل العمد بأنه غلظ فيه بالقصاص فلا يغلظ فيه بالكفارة، وعن المعاطاة بأن عدم الانعقاد بها
стр. 151
مرتَّبٌ على عدم الصيغة لا على الرضى، ويقدر بكون الجامع معتبرًا في ذلك الحكم، وبكون تخلفه عنه بوجوده مع نقيضه لمانع كما في مسح الخف، فإن تكراره يفسده كغسله.
وهذا الجواب الأخير فيه دفع فساد الوضع لكنه يلزم القادح المسمى في الاصطلاح بـ "النقد" وهو وجود الوصف المحلل به دون الحكم، بناءً على أن عدم اطراد العلة قادحٌ فيها، والاطراد والملازمة في الثبوت والنقد المذكور ليس بقادحٍ عند الأكثرين، لأن أكثر علماء الأصول على أن وجود الوصف المعلل به دون الحكم ليس قادحًا في العلة، بل له حكم التخصيص، فالعلة من قبيل العام المخصوص بالصورة التي تخلف فيها الحكم عن العلة. وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" بقوله في القوادح:
منها وجود الوصف دون الحكم ... سماه بالنقد وعاة العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص ... إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذا إذا مشينا على القول القائل بأن النقض في العلة المستنبطة لا يقدح إذا كان التخلف لانتفاء شرط أو وجود مانع، كما هو اختيار ابن الحاجب في "مختصره" الأصولي، وإليه الإشارة في "مراقي السعود" بقوله:
стр. 152
. . . . . . . . . ... ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر .... وليس فيما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع ... والوفق في مثل العرايا قد وقع
واعلم أن أقسام فساد الوضع الخمسة التي ذكرنا يمكن ردها إلى قسمين، وهما: تلقي الشيء من ضده أو نقيضه، أو كون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده. وإلى هذا التحرير الذي ذكرنا في فساد الوضع أشار في "مراقي السعود" بقوله:
من القوادح فساد الوضع أن ... يجي الدليل حائدًا عن السنن
كالأخذ للتوسيع والتسهيل ... والنفي والإثبات من عديل
منه اعتبار الوصف بالإجماع ... والذكر أو حديثه المطاع
في ناقض الحكم بذا القياس ... جوابه بصحة الأساس
وأما "فساد الاعتبار" فهو أن يقوم نص من كتاب أو سنة أو إجماع على مخالفة دليل المستدل قياسًا كان أو غيره، فكل دليل من قياس أو غيره خالف كتاب اللَّه أو سنة نبيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أو إجماع الأمة، فهو باطل بالقادح المسمى "فساد الاعتبار"، كأن يقال من جهة المخالف: لا يصح القرض في الحيوان لعدم انضباطه، كالمختلطات. فيعترض المالكي مثلا بأنه مخالف لحديث مسلم أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم استسلف بكرًا ورد رباعيًّا، وقال: "إن خيار الناس أحسنهم قضاء".
стр. 153
وكأن يقول الحنفي: لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته لحرمة نظره إليها كالأجنبية. فيعترض بأنه مخالف للإجماع السكوتي في تغسيل علي فاطمة ﵄.
وأول من قاس القياس الباطل بفساد الاعتبار الذي هو مخالفة النص هو إبليس اللعين، حيث قاس نفسه على عنصره الذي هو النار، وآدم ﵇ على عنصره الذي هو الطين، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف/ ١٢]، فقاس هذا القياس الباطل مع وجود النص الصريح وهو قوله تعالى: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف/ ١١]، مع أن الطين طبيعته الجمع والإصلاح والرزانة، تودعه النواة فيؤديكها نخلة، والحبة فيؤديكها سنبلة، والنار بخلاف ذلك طبيعتها الخفة والطيش والتفريق والإفساد، وانظر بين الرماد والبساتين المزهرة المتحلية بأنواع الزينة، فأصل الرماد النار، وأصل البساتين الطين، ولو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن النار خير من الطين، فشرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع، لجواز دناءة الفرع وخساسته مع شرف الأصل، كما قال الشاعر:
إذا افتخرْتَ بآباء لهم شرف ... قلنا صدقت ولكن بئسما ولدوا
وكما قال الآخر:
وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهلة
وباهلة هم الذين يقول فيهم الشاعر:
ولو قيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لؤم هذا النسب
стр. 154
والعرب تزعم أنهم يأكلون الناس من شدة خساستهم، ويقولون: إنهم اشتووا رجلًا اسمه عفاق فأكلوه، وفيه يقول الراجز:
إن عفاقًا أكلته باهله .... فمششوا عظامه وكاهله
وتركوا أم عفاق ثاكله
وأما النسبة بين "فساد الوضع" و"فساد الاعتبار" فاختلف فيها، فقال بعضهم: فساد الاعتبار أعم مطلقًا، وفساد الوضع أخص مطلقًا، وصرح بهذا القول أبو الحسن الآمدي في "إحكامه"، وهو ظاهر كلام السبكي في "جمع الجوامع".
والتحقيق خلافه، وهو أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، وإيضاح ذلك أن "فساد الوضع" هو ألا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، وهو قسمان: تلقي الشيء من نقيضه أو ضده، وكون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده، و"فساد الاعتبار" أن يخالف الدليل نصا أو إجماعًا.
فإذا تقرر ذلك ظهر أن التحقيق أن بينهما العموم من وجه؛ لصدق فساد الاعتبار فقط حيث يكون الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم عليه، وصدق فساد الوضع فقط حيث لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم عليه، ولا يعارضه نص ولا إجماع، وصدقهما معًا حيث لا يكون الدليل على الهيئة المذكورة مع معارضة نصر أو إجماع له.
стр. 155
قال زكريا بعد توجيه كون العموم بينهما من وجه كما رأيت ما نصه: فما قيل من أن فساد الوضع أعمُّ، ومن أنهما متباينان، ومن أنهما متحدان = فسهوٌ.
وإلى هذا التحقيق والأختيار من الاختلاف أشار في "مراقي السعود" بقوله:
والخلف للنص أو اجماع دعا ... فسادَ الاعتبار كلُّ من وعى
وذاك من هذا أخص مطلقا ... وكونه ذا الوجه مما ينتقى
وقوله: "ينتقى" أي يختار.
وجواب القدح بالقادح المسمى "فساد الاعتبار" يكون بأمور:
منها: الطعن في السند إن لم يكن متواترًا بأنه موقوفٌ، أو منقطعٌ، أو معضلٌ، أو مرسلٌ، أو أن راويه غير عدل، أو كذَّبه فيه شيخُه.
ومنها: منع ظهور النص المعترض به فيما يدعيه المعترض، كمنع عمومٍ، أو مفهومٍ، أو دعوى إجمال.
ومنها: دفع النص بنصٍّ أقوى منه.
ومنها غير ذلك.
ثم دار في المذاكرة ذكر "تنقيح المناط"، فطلب منَّا بعض القوم أن نبين لهم "تنقيح المناط" و"تخريج المناط" و"تحقيق المناط"، وأن نتكلم لهم على هذه الأقسام الثلاثة بما يكشف النقاب عنها.
стр. 156
فكان جوابنا في إيضاح الأقسام الثلاثة: أن المناط -بفتح الميم-: هو علة الحكم، والمناط في اللغة: مكان النوط، وهو تعليق الشيء على الشيء وإلصاقه به، كما قال حسان ﵁:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
وقال أبو تمام:
أحب بلاد اللَّه ما بين مَنْبِج ... إليَّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
وسميت العلة مناطًا لربط الحكم بها وتعليقه عليها.
أما تنقيح المناط: فهو المسلك التاسع من مسالك العلة.
والتنقيح في اللغة: التهذيب والتصفية، وهو مأخوذ من تنقيح المنخل وهو إزالة ما يستغنى عنه، وإبقاء ما يحتاج إليه، وكلام منقح: أي لا حشو فيه.
وهذا المسلك التاسع المسمى "تنقيح المناط" هو تنقيح علة الحكم، أي تهذيبها وتصفيتها بإزالة ما لا يصلح للتعليل عما يصلح له، وهو ثلاثة أقسام، بناء على أن إلغاء الفارق قسم عنه وهو التحقيق، وعلى أن إلغاء الفارق مسلك عاشر.
فتنقيح المناط قسمان:
أحدهما: أن يدل ظاهر نص من كتاب أو سنة على التعليل بوصف، فيحذف المجتهد خصوص ذلك الوصف عن اعتبار الشارع
стр. 157
له، وينيط الحكم بالمعنى الأعم.
مثاله في القرآن قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء/ ٢٥]، فقد ألغوا خصوص الإناث في تشطير الحد، وأناطوه بالرق.
ومثاله من السنة قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "لا يقضي القاضي وهو غضبان". فإن ذكر الغضب مقرونًا بالحكم يدل بظاهره على التعليل بالغضب، لكن ثبت بالنظر والاجتهاد أنه ليس علة لذاته، بل لما يلازمه من التشويش المانع من استيفاء الفكر، فيحذف خصوص الغضب، ويناط النهي بالمعنى الأعم الذي هو التشويش المدهش عن الفكر، فيحرم القضاء مع كل ما يدهش عن الفكر كالعطش والجوع المفرطين، وكالحقن والحقب أعني مدافعة البول والغائط، ونحو ذلك من نزول مصيبة أو فرحٍ شديد، وغير ذلك.
ومن هذا القسم إيجاب مالك وأبي حنيفة رحمهما اللَّه الكفارة بالأكل والشرب عمدًا في نهار رمضان، وبيانه أنه جاء أعرابي للنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "أعتق رقبة". فألغى مالك وأبو حنيفة رحمهما اللَّه خصوص مواقعة الأهل، وأناطا الكفارة بالإفطار عمدًا، لما فيه من انتهاك حرمة رمضان، فأوجبا الكفارة في الأكل والشرب.
والقسم الثاني من تنقيح المناط: هو أن تكون أوصاف في محل الحكم فيحذف بعضها عن الاعتبار، ويناط الحكم بالباقي من
стр. 158
الأوصاف، وحاصله: الاجتهاد في حذف بعض الأوصاف وتعيين بعضها للعلة.
وهذا القسم من تنقيح المناط هو بعينه السبر والتقسيم، وهو المسلك الرابع من مسالك العلة، فله اسمان: يسمى "السبر والتقسيم"؛ لأنه قسم منه، ويسمى "تنقيح المناط"؛ لأنه قسم منه، فبين "تنقيح المناط" من حيث هو وبين "السبر والتقسيم" من حيث هو عمومٌ وخصوصٌ من وجه؛ لاشتراكهما في هذا النوع المذكور آخرًا، وانفراد تنقيح المناط في النوع الأول من قسمي "تنقيح المناط" المذكورين، وانفراد "السبر والتقسيم" فيما إذا كان يتبين بالسبر أن الأوصاف المقسمة باطلةٌ كلها.
ويمثل لهذا القسم الأخير من قسمي "تنقيح المناط" الذي هو "السبر والتقسيم" بحديث الصحيحين المتقدم في المواقعة في نهار رمضان، ألغوا فيه كونه أعرابيًا يضرب صدره وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجة، وكون الوطء في القبل؛ لأنها لا تصلح للتعليل، والباقي عند الشافعي هو المجامعة في نهار رمضان، وعند مالك وأبي حنيفة الإفطار عمدًا في نهار رمضان؛ لما فيه من انتهاك حرمته، فقد نقحاه مرتين، ونقحه الشافعي مرةً واحدةً.
فعلم من هذا أن أبا حنيفة ﵀ يستعمل "تنقيح المناط" في الكفارة، وإن كان يمنع القياس فيها.
وإلى هذين القسمين من "تنقيح المناط" أشار في "مراقي السعود" بقوله في تعريف "تنقيح المناط":
стр. 159
وهو أن يجي على التعليل ... بالوصف ظاهر من التنزيل
أو الحديث فالخصوص ... يَطْرُدُ عن اعتبار الشارعِ المجتهدُ
وقال في القسم الثاني منه:
من المناط أن تجي أوصاف ... فبعضها يأتي له انحذاف
عن اعتباره وما قد بقيا ... ترتب الحكم عليه اقتفيا
وأما "إلغاء الفارق" فذهب بعضهم إلى أنه مسلك عاشر ليس قسمًا من "تنقيح المناط"، وعليه درج السبكي في "جمع الجوامع".
والتحقيق أن إلغاء الفارق قسم من "تحقيق المناط"، ويسمى حينئذٍ "تنقيح المناط وإلغاء الفارق"، وهو تبيين عدم تأثير الفارق المنطوق به في الحكم، فيثبت الحكم لما اشتركا فيه؛ لأنه إذا لم يفارق الفرع الأصل إلا فيما لا يؤثر، ينبغي اشتراكهما في المؤثر، فيلزم من ثبوت الحكم في الأصل ثبوته في الفرع.
وإنما قلنا: إن التحقيق أن "إلغاء الفارق" قسمٌ من "تنقيح المناط"، لأن حذف خصوص الوصف عن الاعتبار قد يكون بإلغاء الفارق، وقد يكون بدليل آخر، وهذا ظاهرٌ.
و"إلغاء الفارق" ينقسم إلى ظني وقطعي؛ فمثال القطعي منه إلحاق صب البول في الماء الراكد بالبول فيه في الكراهة، إذ لا فرق بين أن يبول فيه وبين أن يبول في إناء ثم يصب البول فيه، ومثال الظني منه إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق الثابت في حديث الصحيحين:
стр. 160
"من أعتق شركًا له في عبدٍ، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه، وإلا فقد عتق منه ما عتق"؛ فالفارق بين العبد والأمة الأنوثة، ولا تأثير لها في منع السراية، فثبتت السراية في الأنثى لأجل ما شاركت فيه العبد من الأحكام غير السراية. وإنما كان هذا المثال ظنيًّا؛ لأنه قد يتخيل فيه احتمال اعتبار الشارع في عتق العبد استقلاله في جهادٍ وجمعةٍ وغيرهما مما لا مدخل للأنثى فيه.
وإلى كون "إلغاء الفارق" قسمًا من "تنقيح المناط" أشار إليه في "مراقي السعود" بقوله:
فمنه ما كان بإلغا الفارق ... وما بغيرٍ من دليل رائق
وأما "تخريج المناط" فهو المسلك الخامس من مسالك العلة، واسمه عند بعض الأصوليين "تخريج المناط"، وهو ما درج عليه ابن الحاجب، واسمه عند بعضهم "المناسبة والإخالة"، وهو ما درج عليه صاحب "جمع الجوامع"، والقائل بهذا القول الأخير يقول: "تخريج المناط" هو استخراج المجتهد أي استنباطه المسلك الذي هو المناسبة والإخالة.
والتحقيق جواز كل من الأمرين، فالذي يقول: إن المسلك هو نفس المناسبة لا استخراجها -كالسبكي- قوله وجيهٌ جدًّا؛ لأن المسلك دليل العلة، وشأن الدليل كما هو جلي أن يكون ثابتًا في نفسه مع قطع النظر عن نظر المستدل فيه سابق الوجود عليه. والذي يقول: إن استخراج المناسبة الذي هو "تخريج المناط" هو المسلك أي الطريق
стр. 161
الذي يعرف به كون الوصف علة للحكم -كابن الحاجب- قوله صحيحٌ أيضًا.
فيصح إطلاق المسلك على كلٍ من "المناسبة" ومن "تخريج المناط"؛ لأن المراد بالمسلك ما أثبت العلية، ونسبة إثباتها لكل منهما صحيحة، لأن المناسبة دليلٌ، والتخريج إقامة ذلك الدليل، وكل منهما يصح أن ينسب إليه المسلكية.
وقد ارتكب السبكي في المسلك الرابع الذي هو "السبر والتقسيم" نظير ما ارتكبه ابن الحاجب في المسلك الخامس الذي هو "المناسبة والإخالة" عند السبكي، و"تخريج المناط" عند ابن الحاجب.
وإيضاحه أن السبكي في "جمع الجوامع" فسر المسلك الرابع الذي هو "السبر والتقسيم" بالحصر والإبطال، وهما فعلان للمجتهد، كما أن استخراج المناط الذي فسَّر به ابن الحاجب المسلك الخامس فعل للمجتهد أيضًا.
والمناط: العلة. وتخريجها: استنباطها.
والمناسبة لغة: الملاءمة أي الموافقة، وقيل: المقاربة. والإخالة -بكسر الهمزة وبالخاء المعجمة- مِنْ خَالَ بمعنى ظنَّ، سميت مناسبة الوصف للحكم بالإخالة لأن بالنظر إلى ذاتها يُخال أي يُظَنُّ عِلِّيَّةُ الوصف للحكم.
والمناسبة في الاصطلاح: ملاءمة خاصة هي فرد من أفراد المعنى اللغوي. وعليه، فالمناسب المأخوذ منها -أي من المناسبة
стр. 162
الاصطلاحية- هو الوصف المناسب الذي استلزم ترتب الحكم عليه جلب مصلحة أو درء مفسدة، ويدخل في المفسدة المشقة، والمصلحة لذة أو وسيلتها، والمفسدة ألم أو وسيلته، وكلاهما نفسي أو بدني، دنيوي أو أخروي.
قال في "التنقيح": والمناسب ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فالأول كالغنى علة وجوب الزكاة. والثاني كالإسكار علة تحريم الخمر. انتهى.
فيلزم على ترتب وجوب الزكاة على الغنيِّ المقصودُ الذي هو سد خلة الفقراء، ومن ترتب تحريم الخمر على الإسكار المقصودُ الذي هو حفظ العقل الموجب زواله للوقوع في كثير من المهالك.
و"تخريج المناط" الذي هو نفس المسلك عند ابن الحاجب، واستخراجه عند السبكي، معناه: تعيين المجتهد العلة بإبداء مناسبة بين العلة المعينة والحكم، مع الاقتران بينهما في دليل حكم الأصل، ومع السلامة للوصف المعين من قوادح العلية، والاقتران معتبر في كون الوصف المناسب علة لا في كون الوصف مناسبًا.
وصورته أن يحكم الشارع في صورة بحكم ولا يتعرض لبيان علته، فيبحث المجتهد عن علة ذلك الحكم ويستخرج ما يصلح مناطًا له، كالإسكار في حديث مسلم. "كل مسكر حرام"؛ فهو لإزالة العقل المطلوب حفظه مناسب للحرمة، وقد اقترن بها في دليل الحكم، وهو الحديث المذكور، وسلم من القوادح.
стр. 163
وقولنا: "تعيين المجتهد العلة بإبداء مناسبة" احترزنا به عن تعيين العلة بالطرد، أو الشبه، أو الدوران، أو الوصف المستبقى في السبر، وباعتبار المناسبة في هذا المسلك يمتاز عن ترتب الحكم على الوصف الذي هو من أقسام الإيماء الذي هو المسلك الثالث، وإن اشتركا في ارتباط الحكم بالوصف في كل منهما، فحديث مسلم المذكور فيه الإيماء من جهة ترتيب الحكم على الوصف، ولو فرضنا عدم ظهور المناسبة بينهما على مذهب الأكثر من عدم اشتراطها، وفيه المناسبة -أي النوع المسمى بها- من جهة ظهور المناسبة الخاصة.
والسلامة عن القوادح قيدٌ في تسمية التعيين المذكور بتخريج المناط بحسب الواقع، لا للاعتداد به، إذ كل مسلك لا يتم بدون السلامة من القوادح، فالسلامة عنها جزء من مسمى هذا المسلك الذي هو المناسبة أو تخريج المناط، أما بالنسبة إلى غيره من المسالك فشرطٌ خارجٌ عن المسمى.
وما ذكرنا في تفسير المناسبة اصطلاحًا هو الصحيح من أقوال متقاربة ذكرها صاحب "جمع الجوامع".
واعلم أن الوصف المناسب المذكور لابد من تحقيق استقلاله بالعلية، وذلك بنفي غيره من الأوصاف، بألا يوجد مثله ولا ما هو أولى منه بالسبر والتقسيم.
وإلى جميع هذا التحقيق المذكور في "تخريج المناط" أشار في "مراقي السعود" بقوله:
стр. 164
ثم المناسبة والإخالة ... من المسالك بلا استحالة
ثم بتخريج المناط يشتهر ... تخريجها وبعضهم لا يعتبر
وهو أن يعين المجتهد ... لعلة بذكر ما سيرد
من التناسب الذي مَعْهُ اتضح ... تقارنٌ والأمن مما قد قدح
وواجبٌ تحقيق الاستقلال ... بنفي غيره من الأحوال
ثم المناسب الذي تضمنا ... ترتب الحكم عليه ما اعتنى
به الذي شرَّع من إبعاد ... مفسدة أو جلب ذي سداد
وقوله: "وبعضهم لا يعتبر" يشير به إلى إنكار الظاهرية ومن تبعهم لتخريج المناط.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له: الفرق بين هذا المسلك الخامس الذي هو "المناسبة"، أو "تخريج المناط" وبين المسلك الرابع الذي هو "السبر والتقسيم" متعسر جدًّا، إن لم يكن متعذرًا على الذهن السليم.
وإيضاحه أن "السبر والتقسيم" مركبٌ من أمرين، وهما: التقسيم والسبر، أي حصر أوصاف الحكم، وإبطال ما لا يصلح منها للعلة، وإبقاء الصالح لها. وصلاحية الوصف للتعليل إنما تكون بمناسبته، والمسلك المسمى "بالمناسبة" لابد فيه من تحقيق استقلال الوصف المناسب بالعلية بنفي المناسبة عن غيره من الأوصاف، بألا يوجد مثله أو أولى منه، وطريق ذلك إنما هو السبر والتقسيم، فيظهر اتحاد
стр. 165
المسلكي، ويعسر الفرق.
وحاول صاحب "مراقي السعود" في شرحه له المسمى "نشر البنود" حَلَّ هذا الإشكال بما نصه: وبحث في "الآيات البينات" بأنه قد يشكل الاحتراز المذكور بأن ما ذكر من الوصف المستبقى في السبر والمدار في الدوران، وغيرهما من الأوصاف، قد يشتمل على "المناسبة"، ويحصل من ترتيب الحكم عليه ما ذُكِر. وغاية الأمر أن تلك المسالك لم يعتبر فيها "المناسبة" في دلالتها على العلية، وذلك لا ينافي حصول المناسبة لتلك الأوصاف، اللهم إلا أن يريدوا أن الأوصاف المثبتة عليتها بتلك المسالك لا يحصل من ترتيب الحكم عليها ما ذُكِر، فلو اشتملت على مناسبة لكان حصول ما ذكر من ترتيب الحكم عليه باعتبار مسلك "المناسبة"، لا تلك المسالك الأخرى. انتهى فانظره، واللَّه تعالى أعلم.
وأما "تحقيق المناط" فهو إثبات العلة المتفق عليها في الفرع، فالمختلفون في "تحقيق المناط" متفقون في علة الحكم.
وإيضاحه بمثاله، اختلافهم في النَّباش الذي ينبش القبور ويأخذ الأكفان، هل هو سارقٌ تقطع يده، أم لا؟ فبعضهم يقول: المناط -أي العلة التي هي السرقة- موجودةٌ محققة في النَّباش؛ لأخذه مالًا خفيةً من حرز مثله، فيقطع، والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: لا يقطع؛ لأنه غير سارق، فلا يسلِّم أن المناط الذي هو السرقة موجود في النباش. والكل متفق على أن السارق تقطع يده، وإنما اختلفوا في تحقيق السرقة.
стр. 166
و"تحقيق المناط" ليس من مسالك العلة، بل هو دليل تثبت به الأحكام، فلا خلاف في وجوب العمل به بين الأمة، وإليه تضطر كل شريعة.
قال أبو إسحاق الشاطبي: لابد من الاجتهاد فيه في كل زمن، ولا ينقطع، إذ لا يمكن التكليف إلا به.
وإلى هذا التحقيق أشار في "مراقي السعود" بقوله:
تحقيق علة عليها ائتلفا ... في الفرع تحقيق مناط أُلِفا
ولما ذكرنا في هذا الجواب أن الوصف المناسب المذكور لابد من تحقيق استقلاله بالعلية، وذلك بنفي غيره من الأوصاف، وطريق ذلك إنما هو "السبر والتقسيم"، [سألوا توضيحه] (١)، فأجبتهم إلى بيانه، بما حاصله: أن "السبر والتقسيم" عند الأصوليين هو المعروف عند المناطقة بـ "الشرطي المنفصل"، ويسمى عند الجدليين بـ "التقسيم والترديد"، وهو عند الأصوليين المسلك الرابع من مسالك العلة، ويسمى هذا المسلك بـ "السبر" وحده، وبـ "التقسيم" وحده، وبهما معًا وهو الأكثر.
والسبر بالفتحة لغةً: هو الاختبار، ومنه سُمِّيَ ما يعرف به طول الجرح وعرضه سِبَارًا ككتاب، ومِسْبَارًا كمفتاح، تقول العرب: هذه القضية يسبر بها غور العقل. أي يختبر.
стр. 167
والتقسيم؛ الافتراق، ولذا عبَّر بعض الأصوليين عن التقسيم بالافتراق.
والأصل أن يقال: التقسيم والسبر؛ لأن الناظر يحصر ما في المحل من الأوصاف، بأن يقول مثلا: علة الربا إما الاقتيات والادخار، أو الطعم، أو الكيل، وهذا هو التقسيم، ثم يختبر الصالح للعلية من غيره، وهذا هو السبر، فيعيَّن الصالح للعلية.
وإذا كان ذلك هو الأصل فمقتضاه أن يقال: "التقسيم والسبر"، ليوافق ترتب اللفظين ترتب معنييهما، وإنما أخروا "التقسيم" في اللفظ عن "السبر" وهو سابقٌ عليه في الوجود؛ لأن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار، والأختبار هو المقصد، وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل قدِّم "السبر" لأنه المقصد الأهم، وأخِّر "التقسيم" لأنه وسيلة أخفض رتبةً من المقصد.
وكيفية إفادة هذا المسلك الذي هو "السبر والتقسيم" علية الوصف للحكم أن الحكم مهما أمكن أن يكون معللًا فلا يجعل تعبدًا، وإذا أمكن إضافته للمناسب فلا يضاف لغيره، ولم نجد مناسبًا إلا ما بقي بعد "السبر"، فوجب كونه حجة وعلةً لهذه القواعد.
وإيضاح هذا المسلك الذي هو "السبر والتقسيم": هو أن يحصر المجتهد الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، ثم يبطل ما لا يصلح للعلة من تلك الأوصاف، ويعين للتعليل الوصف الصالح له، وإبطال الأوصاف المذكورة يكون بطريقٍ من طرق إبطال العلة المعروفة في القوادح، كعدم الأطراد، وعدم الانعكاس بناءً على القدح بهما،
стр. 168
وكالكسر، وعدم تأثير الوصف.
ومن أنواع عدم تأثير الوصف كونه طرديًّا، والوصف الطردي هو ما علم من الشارع إلغاؤه، ويُعلم إلغاؤه باستقراء موارد الشريعة سواء كان طرديًّا في جميع الأحكام كالطول والقصر، فإنهما لم يعتبرا في القصاص، ولا في الكفارة، ولا في الإرث، ولا في العتق، لا في المعتِق بالكسر، ولا في المعتَق بالفتح، ولا غير المذكورات، فلا يعلل بهما حكمٌ أصلًا، أو كان طرديًّا في النزاع فقط، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، فلا يعلل بهما شيءٌ من أحكام العتق، وإن اعتبر في الشهادة، والقضاء، والإمامة، والإرث، وولاية عقد النكاح.
ومن طرق الإبطال بعد ثبوت الحصر كون الوصف ملغى، وإن كان مناسبًا للحكم المتنازع فيه، ويكون الإلغاء باستقلال المستبقى بالحكم دونه في صورةٍ مجمع عليها، كاستقلال الطعم في ملء كف من القمح بالحكم الذي هو حرمة ربا الفضل، دون الكيل وغيره، فإن ذلك لا يكال، وليس فيه اقتيات في الغالب.
ومن طرق الإبطال بعد ثبوت حصر الأوصاف ألا تظهر مناسبة الوصف الذي يريد المستدل إسقاطه للحكم بعد البحث عنها، لانتفاء مثبت العلية، بخلاف الإيماء فلا يشترط فيه ظهور المناسبة عند الأكثر، وإنما اشترطت في "السبر والتقسيم" لأنه لما تعددت فيه الأوصاف احتيج إلى بيان صلاحية بعضها للعلية بظهور المناسبة فيه، فاشتراط ظهور المناسبة في السبر لعارض.
فإن ادعى المعترض أن الوصف الذي استبقاه المستدل واعتبره
стр. 169
لمناسبة غير مناسب، فليس للمستدل إقامة الدليل على كونه مناسبًا، لأنه انتقالٌ من مسلك السبر إلى مسلك المناسبة والإخالة، لكن له ترجيح سبره على سبر المعترض، بأن يبين أن الوصف المستبقي في سبره متعدٍّ من الأصل المقيس عليه إلى فرعه، وأن الوصف في سبر المعترض قاصر، أي غير متعدٍّ من الأصل إلى فرعه، فالعلة القاصرة عندهم هي غير المتعدية إلى الفرع، والمتعدي أولى من القاصر.
وذَكَرَ الرهوني أن المستدل لو قال: لو لم يكن الوصف مناسبًا لزم التعبد بالحكم، والأصل خلافه، كان حسنًا.
وأما حصر أوصاف المحل فيكفي فيه قول المجتهد العدل: "بحثت فلم أجد فُوهِمَ مناسبة غير هذا الذي ذكر له من الأوصاف"؛ لعدالته مع أهلية النظر فيه، فيندفع عنه بذلك منع الحصر. وغير العدل لا يكفيه أن يقول ما ذكر؛ لأن قوله لا يقبل شرعًا، والمراد عدل الرواية لأن هذا إخبار محض، ولكن له الدفع بالاستدلال على الحصر كأن يقول: "العلة في الإجبار في النكاح إما البكارة، وإما الجهل بالمصالح"، فيمنع المعترض الحصر، فيحتج المستدل بالإجماع على نفي التعليل بغيرهما.
ويكفي في حصر الأوصاف في المحل أيضًا أن يقول المستدل: "الأصل عدم غير ما ذكرت من الأوصاف"؛ فإن أبدى المعترض وصفا زائدًا على الأوصاف التي ذكرها المستدل، فلا يكلف المعترض ببيان صلاحيته للتعليل، فإن المستدل لم يعتقد في صلاحية ما ادعاه إلا حصر الأوصاف التي ذكر في الأصل، وإبطال ما عدا المستبقى،
стр. 170
ووجود وصف زائد على ما ادعى يخرم بمجرده دليله، غير ألا يكون منقطعًا بمجرد إظهار المعترض الوصف الزائد على الأوصاف التي حصرها المستدل، حتى يعجز عن إبطال صلاحية ذلك الوصف للعلية، لأنه إن أظهر إبطاله ما ضرَّ وجوده؛ لأن وجود ما لا يصلح للعلية كعدمه. وذكر ولي الدين قولًا: أنه ينقطع بمجرد إظهار الوصف الزائد لظهور بطلان ما ادعاه من الحصر.
والسبر والتقسيم مركب من أمرين: أحدهما: الحصر، والثاني: الإبطال، فإذا بطل أحدهما بطل الدليل، لأن الماهية المركبة تنخرم بانخرام بعض أجزائها، وقد يتفق الخصمان على إبطال ما عدا وصفين، فيكفي المستدل التردد بين علته وعلة خصمه اكتفاءً بالاتفاق منهما على إبطال ما سواهما، وإذا أبطل علة خصمه صحت علته، مثل أن يتفق الشافعي مع الحنفي أن العلة في الربا الطعم أو التقدير، لا غير ذلك، فإذا استدل على إبطال أحدهما، صح التعليل بالآخر.
ومثال "السبر والتقسيم" أن يقول المستدل في علة ربا الفضل مثلًا: هي إما الطعم، أو الأقتيات، أو التقدير بالكيل والوزن، ثم يستدل على إبطال اثنين، فيتعين كون الثالث علة.
واعلم أن مدار "السبر والتقسيم" على أمرين، وهما: الحصر والإبطال كما تقدم، فإذا كانا قطعيين كان قطعيًّا، وإذا كان ظنيين أو أحدهما ظنيًا فالسبر والتقسيم ظني.
واعلم أن العلماء مختلفون في الاحتجاج "بالسبر والتقسيم" الظني على مذاهب:
стр. 171
أحدها -وهو قول الأكثر، واختاره القاضي أبو بكر-: أنه حجة مطلقًا. قال الفهري: وهو الأظهر، لأنه يغلب على الظن بأن الحكم لا يخلو غالبًا عن علة، وأن علته لا تعدو أوصاف محله، وإذا ظهر بطلان ما سوى المستبقى غلب على الظن أنه العلة.
الثاني: أنه غير حجة؛ لاحتمال إبطال المستبقى بسبب احتمال عدم الحصر، أو عدم الإبطال.
الثالث -وبه قال إمام الحرمين-: أن شرط كونه حجة انعقاد الاجماع على تعليل الحكم في الأصل على الجملة، وإلا فلا؛ لاحتمال أن يكون تعبدًا.
قال الفهري: ما ذكره إمام الحرمين محتمل إلا أنه خلاف الأصل. يعني أن الأصل في الأحكام -أي الغالب فيها- المعقولية لا التعبد، فإلحاقه بالأغلب أولى من إلحاقه بالنادر.
الرابع: أنه حجة للناظر لنفسه دون المناظر غيره، لأن ظنه لا يكون حجة على خصمه.
وأجاب في "الآيات البينات" عن هذا: بأنه ليس من باب التقليد، بل من باب إقامة الدليل على الغير، وإن لم يفد إلا مجرد الظن؛ لوجوب العمل بالدليل الظني، ولا فرق في كون الظني حجة بين الناظر بنفسه والمناظر غيره.
وإلى هذه التحقيقات التي ذكرنا في مباحث "السبر والتقسيم" أشار في "مراقي السعود" بقوله:
стр. 172
والسبر والتقسيم قسم رابع ... أن يحصر الأوصاف فيه جامع
ويبطل الذي لها لا يصلح ... فما بقي تعيينه متضح
معترض الحصر في دفعه يرد ... بحثت ثم بعد بحثي لم أجد
أو انفقاد ما سواها الأصل ... وليس في الحصر لظن حظل
وهو قطعي إذا ما نميا ... للقطع والظن سواه وعيا
حجية الظنيِّ رأيُ الأكثر ... في حق ناظر وفي المناظر
إن يبد وصفًا زائدًا معترض ... وَفَى به دون البيان الغرض
وقطع ذي السبر إذًا منحتم ... والأمر في إبطاله منبهم
أبطل لما طردًا يرى ويبطل ... غير مناسب له المنخذل
كذاك بالإلغا وإن قد ناسبا ... وبتعدي وصفه الذي اجتبى
واعلم أن هذا الدليل المسمى عند الأصوليين بـ "السبر والتقسيم" من أحسن الأدلة الجدلية، وأنفعها في إفحام الخصوم، وهو الدليل الذي أفحم به الشيخ الذي جيء به مقيدًا من الشام ابن أبي داود بحضرة الواثق باللَّه العباسي، وذلك أن الشيخ الشامي قال لابن أبي داود: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها وهي القول بخلق القرآن لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان عالمًا بمقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، هو وخلفاؤه الراشدون، أو كانوا غير عالمين بها، ولا واسطة بين الأمرين، أي علمهم بها وعدمه، وفي كل واحد منهما فأنت على غير
стр. 173
حق يا ابن أبي داود؛ لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم إذا كان عالمًا بها وسكت عنها، ولم يدع لها أحدًا، وكذلك خلفاؤه الراشدون، فأنت يا ابن أبي داود يسعك ما وسع النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في أمته، ووسع خلفاءه الراشدين في رعاياهم، وإن كان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وخلفاؤه الراشدون ﵃ غير عالمين بها فكيف يجهلونها وتعرفها أنت يابن أبي داود؟ ! فانقطع ابن أبي داود بهذا "السبر والتقسيم"، وفهم الواثق أنه لابد من أحد الأمرين، وذلك هو معنى "التقسيم"، وأن ابن أبي داود مخطئٌ على كل منهما، وذلك هو معنى "السبر".
ومثاله في القرآن العظيم: رد اللَّه تعالى تشريع عمرو بن لحي الذي كان عليه أشياعه من الكفار في زمن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من تحريم البحائر والسوائب والحوامي ونحو ذلك، فإنهم كانوا يحرمون بعض الإناث دون بعض، كالبحيرة والسائبة والوصيلة دون غيرها مما هو حلال عندهم، ويحرمون بعض الذكور دون بعض كالحامي دون غيره، فأبطل اللَّه تحريمهم البعض دون البعض بدليل هو الذي يقال له في الاصطلاح "السبر والتقسيم".
وإيضاح ذلك أن حاصل ما رد عليهم به هو أن تحريم البعض دون البعض إما أن يكون معللًا، أو تعبدًا، ولا واسطة بينهما، وعلى كونه معللًا، فعلة التحريم إما أن تكون الذكورة في المحرم من الذكور، والأنوثة في المحرم من الإناث، وإما أن تكون التخلق في الرحم في الجميع، فلو كانت العلة المذكورة لحرم غير الحامي من الذكور؛
стр. 174
للاشتراك في العلة، ولو كانت العلة الأنوثة لحرم غير البحيرة والسائبة والوصيلة من الإناث؛ للاشتراك في العلة، ولو كانت علة التحريم التخلق في الرحم لحرم جميع الذكور والإناث؛ لتخلقه في الرحم، ولو كان التحريم تعبديًّا لكان اللَّه هو الذي أوصاهم باجتناب هذا دون هذا؛ وهو باطلٌ.
وهذا هو حاصل معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام/ ١٤٤]؛ فقوله: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ بين به أن الذكورة ليست علة التحريم، إذ لو كانت علته لحرم كل ذكر، وقوله: ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يبين به أن الأنوثة ليست علة التحريم، إذ لو كانت علته لحرمت كل أنثى، وقوله: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يبين به أن علة التحريم ليست التخلق في الرحم، إذ لو كان العلة لحرم المجميع لتخلقه في الرحم، وقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ بين به أن التحريم المذكور ليس تعبديًّا.
فظهر بهذا "السبر والتقسيم" أن تحريمهم بعض الإناث والذكور دون بعض باطل لا وجه له على جميع التقديرات، ولذا أتبعه جل وعلا بقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام/ ١٤٤ - ١٤٥] الآية.
ومثال "السبر والتقسيم" في الشعر قول عبد اللَّه بن همام السلولي من شعراء الحماسة لما وشي به واثن إلى زياد بن أبي سفيان فقال له:
стр. 175
إنه هجاك، فقال زياد للرجل الواشي: أفأجمع بينكما؟ قال: نعم، فبعث زياد إلى ابن همام فجاء، ودخل الرجل بيتًا، فقال زياد لابن همام: بلغني أنك هجوتني، فقال: كلا أصلح اللَّه الأمير ما فعلت، وما أنت لذلك أهل. قال: فإن هذا أخبرني وأخرج الرجل. فأطرق ابن همام هنيهة، ثم أقبل على الرجل فقال له هذين البيتين:
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليًا ... فخنت وإما قلت قولًا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
فخجل الرجل وأقصاه زياد.
والبيتان المذكوران فيهما "السبر والتقسيم"؛ لأنه حصر الأوصاف بالتقسيم الصحيح في أمرين، وهما: أنه إما أن يكون حدثه بأنه هجا زيادًا، وإما أن يكون كذب عليه في ذلك، ثم بين بالسبر أنه مذمومٌ على كل من الأمرين، لأنه إن كان أخبره بأنه هجا زيادًا وائتمنه على هذا السر، فأفشاه إلى زياد، فهو خائن والخائن مذموم، وإن كان بَهَتَه وكذب عليه بأن قال عنه: إنه هجا زيادًا بالكذب فهو كذاب ذو بهتان وهو مذموم، فَبَيَّنَ بهذا الدليل أنه مذمومٌ على كل حال، فانقطع ولم يُحِرْ جوابًا بالظهور والإفحام بالسبر والتقسيم، إذ كان الحصر والإبطال صحيحين.
واعلم أن "السبر والتقسيم" من حيث هو أعم من "السبر والتقسيم" الذي هو الرابع من مسالك العلة، لأن "السبر" الذي هو المسلك لابد فيه من بقاء وصف صالح للتعليل مع إبطال غيره من الأوصاف التي
стр. 176
تصلح للعلة، و"السبر" من حيث هو يصدق بهذه الصورة التي هي المسلك وبغيرها، كإبطال جميع الأوصاف إذا كان مذهب الخصم لا يبطل إلا بإبطال جميعها، ومثاله: ما ذكرنا من قصة الشيخ الشامي مع ابن أبي داود، وآية: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ وبيتي السلولي.
و"السبر والتقسيم" عند المناطقة هو "الشرطي المنفصل"، وهو ثلاثة أقسام، لأن الشرطية المنفصلة التي يتركب منها الشرطي المنفصل ثلاثة أقسام، لأنها إما أن تكون مانعة جمع وخلو معًا، وهي المعروفة عندهم بالحقيقة، ولا تتركب إلا من النقيضين أو ما يساويهما، كقولك: العدد إما زوج وإما فرد، والشيء إما قديم وإما حادث، وإما أن تكون مانعة جمع فقط مجوزة للخلو، ولا تتركب إلا من قضية ومن أخص من نقيضها، كقولك: الجسم إما أبيض وإما أسود، وإما أن تكون مانعة خلو فقط مجوزة للجمع، ولا تتركب إلا من قضية ومن أعم من نقيضها، كقولك: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، وكقولك: إما أن يكون الجسم غير أبيض وإما أن يكون غير أسود.
وبرهان الحصر في هذه الأقسام الثلاثة: أن الشرطية المنفصلة لابد فيها من تنافر بين الطرفين، وبذلك التنافر سميت منفصلة، وذلك التنافر إما أن يكون في الوجود والعدم معًا، أو في الوجود وحده، أو العدم وحده، ولا رابع البتة. فإن كان فيهما فهي مانعة الجمع والخلو الحقيقية، وإن كان في الوجود فقط فهي مانعة الجمع المجوزة للخلو، وإن كان في العدم فقط فهي مانعة الخلو المجوزة للجمع.
ومعلوم عندهم أن القياس المركب من مانعة الجمع والخلو معًا
стр. 177
ضروبه الأربعة منتجة، فاستثناء عين كل من الطرفين ينتج نقيض الآخر لأنها مانعة جمع، واستثناء نقيض كل منهما ينتج عين الآخر لأنها مانعة خلو أيضًا، فلو قلت: العدد إما زوج وإما فرد، لكنه زوج، أنتج نقيض فرد، ولو قلت: لكنه فرد، أنتج نقيض زوج، ولو قلت: لكنه غير زوج، أنتج عين فرد، ولو قلت: لكنه غير درد، أنتج عين زوج.
وأما القياس المركب من مانعة الجمع المجوزة للخلو فاثنان من ضروبه الأربعة منتجان، واثنان عقيمان.
أما الضربان المنتجان فهما: استثناء عين المقدم، واستثناء عين التالي، إذ استثناء عين كل منهما ينتج نقيض الآخر؛ لأنها مانعة جمع، فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، ولكنه أبيض، أنتج نقيض أسود، ولو قلت: لكنه أسود، أنتج نقيض أبيض؛ لاستحالة اجتماع طرفيها؛ لأنها مانعة جمع.
وأما الضربان العقيمان: فهما استثناء نقيض المقدم، واستثناء نقيض التالي. فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، لكنه غير أبيض، لا ينتج ذلك شيئًا؛ لجواز أن يكون غير أبيض وغير أسود، لكونه أحمر أو أصفر مثلًا؛ لأنها مجوزة خلو، أي يجوز خلو المقام فيها عن الطرفين لوجود واسطة غيرهما، فالسواد والبياض في المثال المذكور يجوز خلو الجسم عنهما بأن يكون أحمر أو أصفر مثلًا.
وكذا لو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، واستثنيت نقيض التالي لأن قلت: لكنه غير أسود، لم ينتج شيئًا؛ لجواز أن يكون غير أسود وغير أبيض؛ لأنها مجوزة خلوٍّ، أي يجوز انتفاء كل من مقدمها
стр. 178
وتاليها، فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، فالطرفان يستحيل اجتماعهما بأن تكون النقطة الواحدة من الجسم سوداء بيضاء؛ لاستحالة اجتماع الضدين، ويجوز انتفاء الطرفين بأن تكون النقطة الواحدة من الجسم لا بيضاء ولا سوداء بل حمراء، فاستحالة اجتماع الطرفين هي معنى كونها مانعة جمع، وجواز انتفائهما وخلو المقام عنهما هو معنى كونها مجوزة خلو.
ومانعة الخلو المجوزة لجمع هي عكس هذه، فالقياس المركب منها ينتج منه الضربان العقيمان في قياس مانعة الجمع، وهما استثناء نقيض المقدم ونقيض التالي، ويعقم منه الضربان المنتجان من مانعة الجمع لظهور التعاكس بينهما.
فلو قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، واستثينت نقيض المقدم بأن قلت: لكنه ليس في البحر، أنتج عين لا يغرق، ولو استثنيت نقيض التالي بأن قلت: لكنه يغرق، أنتج عين المقدم، وهو كونه في البحر، بخلاف ما لو استثنيت عين المقدم أو عين التالي فلا ينتجان شيئًا؛ لأنها مجوزة جمع، فلو قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، واستثنيت عين المقدم بأن قلت: لكنه في البحر، لا ينتج شيئًا؛ لجواز أن يكون في البحر ويغرق، وأن يكون في البحر ولا يغرق؛ لكونه في مركب أو يحسن العوم، وكذا لو استثنيت عين التالي في هذا المثال بأن قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، لكنه لا يغرق؛ فلا ينتج شيئًا؛ لأن عدم الغرق الذي هو معنى "لا يغرق" يصح مع كونه في البحر في مركب مثلًا، ومع كونه غير البحر بأن يكون في
стр. 179
البر.
وقد حررنا هذه المباحث في كتابنا المنظوم وشرحه في فن المنطق.
ثم طلب منا بعض العلماء أن نتكلم لهم على المصالح المرسلة، وعلى دليل المالكية على الاستدلال بها.
وكان جوابنا أن قلنا لهم: إن المصالح المرسلة التي تسمى عند الأصوليين بهذا الاسم وبالاستصلاح وبالمرسل: هي الوصف المناسب الذي يتضمن ترتب الحكم عليه مصلحة، والحال أنه لم يرد نص من الشارع على اعتبار نفس ذلك الوصف في نفس ذلك الحكم، ولا على عدم اعتباره فيه، ووصفت بأنها مصلحة واستصلاح لما فيها من مطلق المصلحة للناس، ووصفت بالإرسال لإرسالها أي إهمالها عما يدل على اعتبارها أو عدم اعتبارها.
فمالك ﵀ لا يهمل تلك المصلحة المترتبة على ذلك الوصف من ترتيب الحكم عليه، لأن الشارع عهد منه عدم إلغاء المصالح، ودليل المالكية على العمل بالمصالح المرسلة إجماع الصحابة الإجماع السكوتي على العمل بها في وقائع كثيرة، بانضمام بعضها إلى بعض يحصل القطع، ولابد أن نذكر منها ما فيه كفاية.
فمن ذلك: تولية أبي بكر لعمر ﵄؛ لكونه أحق بالخلافة ممن سواه، فتوليته له هو الحكم، وكونه أحق هو الوصف المناسب للحكم، وقد اكتفى به أبو بكر ﵁ عند وفاته في
стр. 180
حكم يتعلق به حقوق جميع المسلمين، ووافقه جميع أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ولم ينكر عليه أحدٌ منهم، مع أن توليته لعمر لم يرد في خصوصها نص من كتاب اللَّه ولا من سنة نبيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإنما فعلها أبو بكر ﵁ للمصلحة المرسلة.
ومنها: ترك عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم توفي وهو عنهم راضٍ.
ومنها: اتخاذه ﵁ سكة يتعامل بها المسلمون لتسهل على الناس المعاملة.
ومنها: اتخاذه ﵁ دارًا بمكة للسجن لما انتشرت الرعية في زمنه.
ومنها: كتبه ﵁ أسماء الجند في ديوانه، إذ هو أول من دوَّن الدواوين في الإسلام.
فهذه المسائل التي ذكرنا عن عمر ﵁ لم يرد في واحدة منها نصٌّ خاصٌّ من كتاب أو سنة، وقد فعلها عمر للمصلحة المرسلة، ولم ينكر عليه أحدٌ من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
ومنها: إجماعهم على كتابة المصحف العثماني لأجل حفظه من الذهاب، فترتُّب ذلك الحكم على ذلك الوصف فيه مصلحة هي حفظ القرآن الذي به حفظ الدين، والشارع لم يأمر بذلك ولم ينه عنه، وقد فعله الصحابة ﵃ للمصلحة المرسلة.