← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 292

رحلة الحج إلى بيت الله الحرام

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (322 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تصلح للعلة، و"السبر" من حيث هو يصدق بهذه الصورة التي هي المسلك وبغيرها، كإبطال جميع الأوصاف إذا كان مذهب الخصم لا يبطل إلا بإبطال جميعها، ومثاله: ما ذكرنا من قصة الشيخ الشامي مع ابن أبي داود، وآية: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ وبيتي السلولي. و"السبر والتقسيم" عند المناطقة هو "الشرطي المنفصل"، وهو ثلاثة أقسام، لأن الشرطية المنفصلة التي يتركب منها الشرطي المنفصل ثلاثة أقسام، لأنها إما أن تكون مانعة جمع وخلو معًا، وهي المعروفة عندهم بالحقيقة، ولا تتركب إلا من النقيضين أو ما يساويهما، كقولك: العدد إما زوج وإما فرد، والشيء إما قديم وإما حادث، وإما أن تكون مانعة جمع فقط مجوزة للخلو، ولا تتركب إلا من قضية ومن أخص من نقيضها، كقولك: الجسم إما أبيض وإما أسود، وإما أن تكون مانعة خلو فقط مجوزة للجمع، ولا تتركب إلا من قضية ومن أعم من نقيضها، كقولك: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، وكقولك: إما أن يكون الجسم غير أبيض وإما أن يكون غير أسود. وبرهان الحصر في هذه الأقسام الثلاثة: أن الشرطية المنفصلة لابد فيها من تنافر بين الطرفين، وبذلك التنافر سميت منفصلة، وذلك التنافر إما أن يكون في الوجود والعدم معًا، أو في الوجود وحده، أو العدم وحده، ولا رابع البتة. فإن كان فيهما فهي مانعة الجمع والخلو الحقيقية، وإن كان في الوجود فقط فهي مانعة الجمع المجوزة للخلو، وإن كان في العدم فقط فهي مانعة الخلو المجوزة للجمع. ومعلوم عندهم أن القياس المركب من مانعة الجمع والخلو معًا

стр. 177

ضروبه الأربعة منتجة، فاستثناء عين كل من الطرفين ينتج نقيض الآخر لأنها مانعة جمع، واستثناء نقيض كل منهما ينتج عين الآخر لأنها مانعة خلو أيضًا، فلو قلت: العدد إما زوج وإما فرد، لكنه زوج، أنتج نقيض فرد، ولو قلت: لكنه فرد، أنتج نقيض زوج، ولو قلت: لكنه غير زوج، أنتج عين فرد، ولو قلت: لكنه غير درد، أنتج عين زوج. وأما القياس المركب من مانعة الجمع المجوزة للخلو فاثنان من ضروبه الأربعة منتجان، واثنان عقيمان. أما الضربان المنتجان فهما: استثناء عين المقدم، واستثناء عين التالي، إذ استثناء عين كل منهما ينتج نقيض الآخر؛ لأنها مانعة جمع، فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، ولكنه أبيض، أنتج نقيض أسود، ولو قلت: لكنه أسود، أنتج نقيض أبيض؛ لاستحالة اجتماع طرفيها؛ لأنها مانعة جمع. وأما الضربان العقيمان: فهما استثناء نقيض المقدم، واستثناء نقيض التالي. فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، لكنه غير أبيض، لا ينتج ذلك شيئًا؛ لجواز أن يكون غير أبيض وغير أسود، لكونه أحمر أو أصفر مثلًا؛ لأنها مجوزة خلو، أي يجوز خلو المقام فيها عن الطرفين لوجود واسطة غيرهما، فالسواد والبياض في المثال المذكور يجوز خلو الجسم عنهما بأن يكون أحمر أو أصفر مثلًا. وكذا لو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، واستثنيت نقيض التالي لأن قلت: لكنه غير أسود، لم ينتج شيئًا؛ لجواز أن يكون غير أسود وغير أبيض؛ لأنها مجوزة خلوٍّ، أي يجوز انتفاء كل من مقدمها

стр. 178

وتاليها، فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، فالطرفان يستحيل اجتماعهما بأن تكون النقطة الواحدة من الجسم سوداء بيضاء؛ لاستحالة اجتماع الضدين، ويجوز انتفاء الطرفين بأن تكون النقطة الواحدة من الجسم لا بيضاء ولا سوداء بل حمراء، فاستحالة اجتماع الطرفين هي معنى كونها مانعة جمع، وجواز انتفائهما وخلو المقام عنهما هو معنى كونها مجوزة خلو. ومانعة الخلو المجوزة لجمع هي عكس هذه، فالقياس المركب منها ينتج منه الضربان العقيمان في قياس مانعة الجمع، وهما استثناء نقيض المقدم ونقيض التالي، ويعقم منه الضربان المنتجان من مانعة الجمع لظهور التعاكس بينهما. فلو قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، واستثينت نقيض المقدم بأن قلت: لكنه ليس في البحر، أنتج عين لا يغرق، ولو استثنيت نقيض التالي بأن قلت: لكنه يغرق، أنتج عين المقدم، وهو كونه في البحر، بخلاف ما لو استثنيت عين المقدم أو عين التالي فلا ينتجان شيئًا؛ لأنها مجوزة جمع، فلو قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، واستثنيت عين المقدم بأن قلت: لكنه في البحر، لا ينتج شيئًا؛ لجواز أن يكون في البحر ويغرق، وأن يكون في البحر ولا يغرق؛ لكونه في مركب أو يحسن العوم، وكذا لو استثنيت عين التالي في هذا المثال بأن قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، لكنه لا يغرق؛ فلا ينتج شيئًا؛ لأن عدم الغرق الذي هو معنى "لا يغرق" يصح مع كونه في البحر في مركب مثلًا، ومع كونه غير البحر بأن يكون في

стр. 179

البر. وقد حررنا هذه المباحث في كتابنا المنظوم وشرحه في فن المنطق. ثم طلب منا بعض العلماء أن نتكلم لهم على المصالح المرسلة، وعلى دليل المالكية على الاستدلال بها. وكان جوابنا أن قلنا لهم: إن المصالح المرسلة التي تسمى عند الأصوليين بهذا الاسم وبالاستصلاح وبالمرسل: هي الوصف المناسب الذي يتضمن ترتب الحكم عليه مصلحة، والحال أنه لم يرد نص من الشارع على اعتبار نفس ذلك الوصف في نفس ذلك الحكم، ولا على عدم اعتباره فيه، ووصفت بأنها مصلحة واستصلاح لما فيها من مطلق المصلحة للناس، ووصفت بالإرسال لإرسالها أي إهمالها عما يدل على اعتبارها أو عدم اعتبارها. فمالك ﵀ لا يهمل تلك المصلحة المترتبة على ذلك الوصف من ترتيب الحكم عليه، لأن الشارع عهد منه عدم إلغاء المصالح، ودليل المالكية على العمل بالمصالح المرسلة إجماع الصحابة الإجماع السكوتي على العمل بها في وقائع كثيرة، بانضمام بعضها إلى بعض يحصل القطع، ولابد أن نذكر منها ما فيه كفاية. فمن ذلك: تولية أبي بكر لعمر ﵄؛ لكونه أحق بالخلافة ممن سواه، فتوليته له هو الحكم، وكونه أحق هو الوصف المناسب للحكم، وقد اكتفى به أبو بكر ﵁ عند وفاته في

стр. 180

حكم يتعلق به حقوق جميع المسلمين، ووافقه جميع أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ولم ينكر عليه أحدٌ منهم، مع أن توليته لعمر لم يرد في خصوصها نص من كتاب اللَّه ولا من سنة نبيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإنما فعلها أبو بكر ﵁ للمصلحة المرسلة. ومنها: ترك عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم توفي وهو عنهم راضٍ. ومنها: اتخاذه ﵁ سكة يتعامل بها المسلمون لتسهل على الناس المعاملة. ومنها: اتخاذه ﵁ دارًا بمكة للسجن لما انتشرت الرعية في زمنه. ومنها: كتبه ﵁ أسماء الجند في ديوانه، إذ هو أول من دوَّن الدواوين في الإسلام. فهذه المسائل التي ذكرنا عن عمر ﵁ لم يرد في واحدة منها نصٌّ خاصٌّ من كتاب أو سنة، وقد فعلها عمر للمصلحة المرسلة، ولم ينكر عليه أحدٌ من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. ومنها: إجماعهم على كتابة المصحف العثماني لأجل حفظه من الذهاب، فترتُّب ذلك الحكم على ذلك الوصف فيه مصلحة هي حفظ القرآن الذي به حفظ الدين، والشارع لم يأمر بذلك ولم ينه عنه، وقد فعله الصحابة ﵃ للمصلحة المرسلة.

стр. 181

ومنها: نَقْطُ المصحف وشَكْلُه لأجل حفظه من التصحيف. ومنها: حرق عثمان ﵁ للمصاحف وجمع الناس على مصحفٍ واحدٍ خوف الاختلاف. ومنها: تجديد عثمان ﵁ الأذان يوم الجمعة لكثرة الناس. ومنها: هدم الدور المجاورة للمسجد عند ضيقه لأجل توسعته. وأمثال هذا من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كثيرٌ جدًّا من غير نكير ولا معارض، وهذا يدلس دلالةً واضحةً على العمل بالمصالح المرسلة. لكن يجب في هذه المسألة كما حققه غير واحد من المحققين أن يتنبه للنظر في مآلات الأمور وعواقبها، فلا يحكم المجتهد على فعل من أفعال المكلفين بالإقدام عليه أو الإحجام عنه إلا بعد نظره فيما يؤول إليه، فربما يظهر في فعل أنه مشروع لمصلحة تستجلب، أو منهي عنه لمفسدة تنشأ عنه، لكن مآله على خلاف ذلك. واعلم أن التحقيق أن المصلحة المذكورة تنخرم باستلزامها مفسدة راجحة عليها، أو مساوية لها. فمثال المفسدة الراجحة ما لو أراد المسلمون فداء أسارى منهم بأيدي العدو، وامتنع العدو من قبول غير السلاح، وكان ذلك السلاح تقوى به شوكة الكفار على المسلمين قوة تستلزم قتلهم أكثر من الأسارى المذكورين، ففداء الأسارى المسلمين من أيدي الكفار

стр. 182

مصلحة تستدعي ترتب الحكم عليها، ولو كان الفداء بالسلاح وقوتهم بذلك السلاح على المسلمين حتى يقدروا على قتل أكثر من الأسارى مفسدةٌ استلزمتها هذه المصلحة وهي أعظم منها، فتنخرم المناسبة بسبب تلك المفسدة الراجحة. ومثال المفسدة المساوية للمصلحة: قوةُ الكفار بالسلاح المذكور في الفداء قوةً يقدرون بها على قتل قدر الأسارى من المسلمين. فإنقاذ أسارى المسلمين من الكفار مصلحة تستدعي الحكم ولو بالسلاح، وقوة الكفار بالسلاح حتى يقدروا على قتل الأسارى مفسدة استلزمتها المصلحة المذكورة وهي مساوية لها، لأن المستنقذ بالسلاح يموت قدره به، فتنخرم المناسبة بهذه المفسدة المساوية. وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" بقوله: اخرم مناسبًا لمفسد لزم ... للحكم وهو غير مرجوح علم وقولنا المتقدم في تعريف المصالح المرسلة: "والحال أنه لم يرد نص من الشارع على اعتبار ذلك الوصف في ذلك الحكم، ولا على عدم اعتباره"؛ لأنه إذا ورد من الشارع ما يدل على اعتبار الوصف في الحكم فهو المؤثر إن دل النص أو الإجماع على اعتبار عين الوصف في عين الحكم، أي نوعه في نوعه، والملائم إن دلَّ على اعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، أو جنس الوصف في نوع الحكم، أو جنس الوصف في جنس الحكم، وإن دلَّ الدليل على عدم اعتبار الوصف في الحكم فهو المسمى بالغريب.

стр. 183

فالحاصل أن القسمة رباعية، وهي أن الوصف المناسب للعلية ينقسم من حيث اعتبار الشرع له في ربط الأحكام وعدم اعتباره إلى أربعة أقسام: مؤثرة، وملائم، وغريب، ومرسل. وبرهان الحصر في هذه الأقسام الأربعة أن الوصف المذكور إما أن يدل الدليل على اعتباره في الحكم، وإما أن يدل على عدم اعتباره فيه، وإما أن لا يدل على اعتباره فيه ولا على عدمه. فهذه ثلاثة أقسام بالتقسيم الصحيح لا رابع لها، وواحد منها ينقسم إلى قسمين، وهو ما دل الدليل فيه على اعتبار الحكم في الوصف؛ لأنه مؤثر أو ملائم، فالمؤثر ما دل الدليل فيه على اعتبار العين في العين، أي نوع الوصف في نوع الحكم، والملائم ما دل الدليل فيه على اعتبار النوع في الجنس، أو الجنس في النوع، أو الجنس في الجنس. فإذا حققت أن القسم الأول من الأقسام الثلاثة ينقسم إلى مؤثر وإلى ملائم، فاعلم أن القسمين الآخرين هما: الغريب والمرسل. فالغريب: ما دل الدليل على عدم اعتباره، والمرسل: ما لم يدل الدليل على اعتباره ولا على عدمه. وتركنا إيضاح الأقسام الثلاثة غير المرسل -أعني المؤثر والملائم، والغريب- لعدم تطبيقنا لها على أمثلتها، لأنها ليست من غرض السائل، وإنما ذكرناها استطرادًا في التقسيم. وإلى هذا التحقيق أشار في "مراقي السعود" مع بيان أجناس

стр. 184

الحكم والوصف ووجوب تقديم الأخص بقوله: من المناسب مؤثر ذكر ... بالنص والإجماع نوعه اعتبر في النوع للحكم وإن لم يعتبر ... بذين بل ترتب الحكم ظهر على وفاقه فذا الملائم ... أقواه ما ذكر قبل القاسم من اعتبار النوع في الجنس ومن ... عكس ومن جنس بآخر زُكنِ أخص حكم منع مثل الخمر ... أو المضاهي لوجوب العصر فمطلق الحكمين بعده الطلب ... وهو بالتخيير في الوضع اصطحب فكونه حكمًا كما في الوصف ... مناسب خصصه ذو العرف مصلحة وضدها بعد فما ... كون محلها من الَّذْ علما فقَدِّمَ الأخصَّ والغريبُ ... ألغى اعتباره العلي الرقيب والوصف حيث الاعتبار يجهل ... فهو الاستصلاح قل والمرسل نقبله لعمل الصحابه ... كالنقط للمصحف والكتابه تولية الصديق للفاروق ... وهدم جار مسجد للضيق وعمل السكة تجديد النِّدا ... والسجن تدوين الدواوين بدا وقال القرافي في "شرح المحصول": "إن جميع المذاهب موجود فيها العمل بالمصالح المرسلة؛ لأنهم إذا جمعوا أو فرقوا بين مسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا أو فرقوا. بل

стр. 185

يكتفون بمطلق المناسبة، وهذه هي المصلحة المرسلة بعينها، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب. ثم إن الشافعية يقولون: إنهم أبعد الناس عنها، وهم قد أخذوا بأوفر نصيب منها، حتى تجاوزوا فيها. . . " إلى آخر ما ذكره عن إمام الحرمين والماوردي من التوسع في الأخذ بالمصالح المرسلة، توسعًا لا يرى مثله للمالكية الذين هم أهل العمل بها، وما نسبه إمام الحرمين ﵀ إلى مالك ﵀ من جواز قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها قال القرافي: قد أنكره المالكية، ولا يوجد ذلك في كتبهم، إنما يوجد في كتب المخالفين لهم. قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: ما ذكره القرافي ﵀ من أن جواز قتل ثلث الأمة لإصلاح الثلثين لم يقل به أحدٌ من المالكية، ولم يوجد في كتبهم صحيحٌ كما قال القرافي، وما ذكره عبد الباقي الزرقاني المالكي في "شرحه لمختصر خليل بن إسحاق المالكي ﵀" في باب الإجارة من جواز قتل ثلث المسلمين لإصلاح باقيهم رده محشيه المحقق البناني بما حاصله: أنه لم يُرَ لمالكيٍّ وإنما هو منسوب لغيرهم، وأنه يحرم سطره في الكتب، وشنَّعه أشد تشنيع. وسلَّم المحقق الرهوني كلام البناني. وكذلك ما ذكره إمام الحرمين من أن مالكًا ﵀ يبيح في العقوبات قطع الأعضاء ليس بصحيح؛ لأن هذا كما قال الأبياري مما دل الدليل على إهداره، فإن الشرع إنما أباح إتلاف الأعضاء في القصاص دون التعزير، وبالجملة فقد تضمن الأبياري ﵀ بالرد على ما نسبه إمام الحرمين ﵀ في هذا الباب لمالك ﵀.

стр. 186

ومما أنكره المخالفون في المصالح المرسلة على الإمام مالك ﵀ تجويزه ضرب المتهم بالسرقة ليقرَّ، فجواز ضرب المتهم هو الحكم، وتوقع الإقرار هو المصلحة المرسلة، والمراد بالمتهم بالسرقة المعروف بها إذا ادعيت عليه. كما قال ابن عاصم في "تحفته": وإن تكن دعوى على من يتهم ... فمالك بالسجن والضرب حكم قالوا: لأنه يمكن أن يكون بريئًا في نفس الأمر من السرقة المدعاة عليه، وترك الضرب لمذنب أهون من ضرب برئ. وقد قدمنا أن الحجة مع المالكية ظاهرة قوية جدًّا لإجماع الصحابة الإجماع السكوتي على العمل بالمصالح المرسلة في مسائل كثيرة، ويكفيك أن أفضل أصحاب النبي ﵌ وهو أبو بكر الصديق ﵁ عمل بالمصلحة المرسلة وقت مفارقته الدنيا، فقد قالت عائشة ﵂: كتب أبي وصية في سطرين: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويصدق الكاذب: إني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل، فذلك ظني به، ورجائى فيه. وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء/ ٢٢٧] " أخرجه ابن أبي حاتم. واستدل الحافظ ابن كثير في "تفسيره" على عموم قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية بكتابة أبي بكر ﵁ لها في وصيته باستخلاف عمر ﵁، فأبو بكر قدم على تولية عمر وتقليده حقوق جميع المسلمين في وقت مفارقته الدنيا لمجرد المصلحة

стр. 187

المرسلة، إذ لا نص في خصوص تولية عمر، وسكت جميع أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم ولم يعترضوا بعدم النص فيما فعل أبو بكر ﵁، مع أن تجويز مالك لضرب المتهم بالسرقة ليقر يدل عليه ما في بعض روايات حديث الإفك من أن عليًا ﵁ ضرب بريرة لتصدق النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم فيما سألها عنه من أمر عائشة ﵂، وبريرة بريئة ضربت لتخبر بالصدق، وهذه مصلحة مرسلة أقر عليها النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. واعلم أن ما ذكرنا من أن المصلحة المرسلة لم يدل الدليل الشرعي على اعتبارها في ترتب الحكم عليها نعني به الدليل الخاص، فلا ينافي وجود الدليل العام، لأن ما لم يدل عليه دليل خاص ولا عام لا يصح أن يكون حكمًا شرعيًّا. فالمصالح المرسلة وإن لم تدل عليها الأدلة الخاصة فقد دلت عليها الأدلة العامة، فتولية أبي بكر لعمر ﵄، وإن لم يدل على خصوصها دليل، فقد دلَّ الدليل على وجوب حفظ نظام المسلمين والإسلام بتولية الأحق بذلك من المسلمين، وكتابة المصحف ونقطه وشكله، وإن لم يدل عليها دليل خاص، فقد دلَّ الدليل العام على وجوب حفظ القرآن من الذهاب والتصحيف، وهكذا في جميع المصالح المرسلة، والعلم عند اللَّه. ثم طلب منا بعض صفوف طلبة العلم بالمعهد الديني في "أم درمان" أن نلقي عليهم درسًا شافيًا بأسلوب واضحٍ في أنواع المجاز والاستعارة، يتبين به صحة تقسيم المجاز والاستعارة، ويتضح به حد

стр. 188

كل قسم من تلك الأقسام. فكان جوابنا: أنه لما كانت الاستعارة قسمًا من أقسام المجاز نتكلم أولًا على أقسام المجاز بغاية الإيضاح، ثم على أقسام الاستعارة كذلك. فالمجاز: مَفْعَل مِنْ جاز المكان يجوزه إذا تعداه، ويحتمل أنه اسم مصدر، أو مكان، أو فاعل، أو مفعول، إذ يحتمل كونه جواز المعنى الأصلي أي تعديه إلى غيره، ويحتمل المحل الذي فعل فيه ذلك اللفظ الذي استعمل في غير معناه، ويحتمل كون اللفظ جائزًا أي متعديًا محله الأصلي إلى غيره، ويحتمل كونه مجوزًا به بمعنى أن المتكلم جاز باللفظ محله الأصلي إلى غيره. كل هذه الاحتمالات الأربعة قال بها البعض. فإذا حققت اشتقاق المجاز فاعلم أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مجاز عقلي، ومجاز مركب، ومجاز مفرد. والأول الذي هو "العقلي" يسمى أيضًا "مجازًا في الإسناد" و"المجاز الحكمي" و"المجاز في الإثبات" و"الإسناد المجازي". وحدُّه: إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في اعتقاد المتكلم لأجل ملابسة بينهما، أي المسند وذلك الغير الذي أسند إليه، مع قرينةٍ مانعةٍ عن إرادة ما هو له. والقرينة لفظية أو معنوية، والملابسة المذكورة كملابسة الفعل لفاعله لوقوعه منه، أو مفعوله لوقوعه عليه، أو مصدره لأنه جزء من

стр. 189

معناه، إذ الفعل الصناعي إذا حللته انحل إلى مصدر وزمن، فالمصدر جزء مدلول الفعل وجزؤه الآخر الزمن، وكملابسة الفعل لزمانه أو مكانه لوقوعه دنيهما، أو ملابسته لسببه لحصوله به. وسنمثل لجميع هذه الملابسات. اعلم أولًا أن الفعل المبني للفاعل أو المفعول إذا أسند إلى ما هو مبني له منهما فهو حقيقة عقلي، كقولك: "قام زيد" في البناء للفاعل، و"جنَّ عمرو" في البناء للمفعول، وإنما يكون مجازًا إذا أسند الفعل إلى غير الفاعل وهو مبني للفاعل، أو أسند إلى غير المفعول وهو مبني للمفعول لجامع بينهما وهو الملابسة المذكورة. فمثال إسناده لغير الفاعل مع بنائه للفاعل قوله تعالى: ﴿فِى عِيشَةِ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة/ ٢١]، فالفعل وهو الرضى مسندٌ في الحقيقة لغير العيشة؛ لأن الراضي هو صاحب العيشة لا هي، فالعيشة هي المفعول في الأصل؛ إذ الأصل: رضي المرء عيشته، فأسند الفعل إلى المفعول من غير أن يبنى له، فصار "رضيت العيشة" وهو معنى كونه مجازًا، ثم سبك من الفعل المبني للفاعل اسم فاعل، وأسند إلى ضمير العيشة، فقيل: "عيشة راضية" أي هي، فآل الأمر إلى إسناد الفعل إلى مفعوله للملابسة بينهما وهي وقوعه عليه، مع أن هذا الفعل الذي أسند إلى المفعول مبني للفاعل. ومثال إسناده لغير المفعول مع بنائه للمفعول مجازًا عقليًا قولهم: "سيل مُفْعَم" بصيغة اسم المفعول، فالفعل هو الإفعام، وهو في الحقيقة مسند إلى السيل، لأنه هو المالئ الوادي، والوادي في

стр. 190

الحقيقة مفعولٌ؛ لأنه مملوء بالسيل، فأسند الفعل الذي هو الإفعام إلى المفعول الذي هو الوادي، فصار "أفعم الوادي السيل" بقلب المفعول فاعلًا، فحذف الفاعل المجازي الذي هو الوادي، وناب عن المفعول المجازي الذي هو الفاعل في الأصل وهو السيل، فصار "أُفْعِمَ السيل" ببناء الفعل للمفعول، وهو كونه مجازًا نظرًا إلى أن السيل في الأصل هو الفاعل لا المفعول، ثم سبك منه اسم مفعول فقيل: "سيل مُفْعَم" بفتح العين، فأسند اسم المفعول إلى ضمير المفعول الذي هو في الأصل فاعل، أي: "سيل مفعم هو". ومثال إسناد الفعل لمصدره مجازًا عقليًّا قول أبي فراس الحمداني: سيذكرني قومي إذا جَدَّ جدُّهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر إذ الأصل: سيذكرني قومي إذا جدوا جدًّا. فحذف الفاعل الذي هو ضمير القوم، وأسند الفعل إلى المصدر الذي هو جدهم للملابسة بين الفعل ومصدره؛ لأنه جزء من مدلوله كما تقدم. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف/ ٢٠٠، فصلت/ ٣٦]. ومثال إسناد الفعل إلى ظرفه الزماني مجازًا عقليًا قول الشاعر: لقد لُمْتِنَا يا أم غيلان في السُّرى ... ونِمْتِ وما ليل المحبِّ بنائم إذ الأصل: وما المحب بنائم في ليله. فالفعل النوم والمسند إليه في الحقيقة المحب، والليل زمان الفعل الذي هو النوم، فحذف

стр. 191

الفاعل الذي هو المحب، وأسند الفعل المبني له إلى الزمان فصار "نام ليله"، وهذا هو معنى كونه مجازًا، ثم سبك من الفعل اسم فاعل، وأخبر به عن الليل فقيل: "ليل المحب نائم" فإسناد النوم إلى الليل مجازٌ عقليٌّ؛ لأن النائم الشخص لا الليل. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ [الفجر/ ٤]؛ لأنه مسرى فيه. ومثال إسناد الفعل إلى ظرفه المكاني مجازًا عقليًا قولهم: "نهر جار" لأن الأصل جرى الماء في النهر، فالفعل الجريان، والفاعل الماء، ومكان الفعل النهر، فحذف الفاعل الذي هو الماء، وأسند الفعل الذي هو الجريان إلى المكان الذي هو النهر، فقيل "جرى النهر"، وهذا هو معنى كونه مجازًا، ثم سبك من الفعل اسم فاعل فقيل: "نهر جار" بالإسناد إلى ضمير النهر مجازًا عقليًّا؛ لأن الجريان لغيره وهو الماء. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة/ ٢]؛ لأن الأصل: أخرج اللَّه الأثقال من الأرض، فالفعل الإخراج، والفاعل اللَّه، والأرض مكان الإخراج، فأسند الفعل إلى مكانه مجازًا عقليًّا لملابسة بين الفعل ومكانه وهي وقوعه فيه. ومن هذا الإسناد العقلي الذي أسند فيه الفعل إلى مكانه قول الشاعر: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المُطِيِّ الأباطحُ لأنه شبه السير في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة بسيلان

стр. 192

الماء، فاستعاره له، وأسند ذلك الفعل الذي هو السيلان إلى مكانه وهو الأباطح جمع أبطح، وهو المكان المتسع الذي فيه دقاق الحصى، والأصل إسناد السيلان المستعار للسير إلى فاعل السير حقيقة، ولكنه أسند إلى مكان السير مجازًا عقليًّا. والمجاز العقلي باعتبار انقسام طرفيه -أعني المسند إليه والمسند- إلى حقيقة ومجاز ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: كون الطرفين حقيقتين، والمجاز إنما هو في نفس الإسناد، كقول المؤمن الموحد: "أنبت الربيع البقل"، فالربيع وإنبات البقل مستعملان في معناهما الحقيقي، فهما حقيقتان، والمجاز إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع؛ لأن المنبت في الحقيقة هو اللَّه، فأسند الإنبات لغير من هو له وهو الربيع للملابسة بين الفعل الذي هو الإنبات وسببه الذي هو الربيع. القسم الثاني من الأقسام الأربعة المذكورة: كونهما مجازين والإسناد أيضًا مجازي، كقولك: "أحيى الأرضَ شبابُ الزمان"، فالمسند إليه "شباب الزمان" وهو مستعار للربيع مجازًا مفردًا على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، والمسند الإحياء، وهو مستعار للإنبات مجازًا مفردًا على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وإسناد الإحياء المستعار للإنبات إلى "شباب الزمان" المستعار للربيع مجاز عقلى؛ لأن محيي الأرض بالإنبات هو اللَّه تعالى، والربيع سبب، فأسند الفعل إلى سببه مجازًا عمليًّا مع أن الطرفين مجازان مفردان. القسم الثالث: كون المسند إليه حقيقة لغوية، والمسند مجازًا

стр. 193

مفردًا مع المجاز في الإسناد، كقولك: "أحيى الربيعُ الأرضَ"؛ فالمسند إليه الربيع وهو مستعمل في معناه الحقيقي، والمسند الإحياء وهو مجازي عن الإنبات، وإسناده إلى الربيع مجاز، لأن المنبت في الحقيقة اللَّه لا الربيع، ومن هذا القسم قول الشاعر: "وسالت بأعناق المطيِّ الأباطح". وقد أوضحنا ذلك. القسم الرابع: كَوْنُ المسند إليه مجازًا مفردا والمسند حقيقة لغوية والإسناد مجازي، كقول المؤمن الموحد: "أنبت البقلَ شبابُ الزمان"؛ فالمسند إليه "شباب الزمان" وهو مجاز عن الربيع، والمسند "إنبات البقل" وهو حقيقة، وإسناد الإنبات إلى الربيع المعبر عنه بشباب الزمان مجازٌ عمليٌّ. وهذا واضح مما قدمنا. واعلم أنا قدَّمنا في حدِّ المجاز العقلي أنه لا بدَّ فيه من قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة في الإسناد، وأن تلك القرينة تنقسم إلى لفظية ومعنوية، فمثال القرينة اللفظية على قصد المجاز قول أبي النجم: * أفناه قِيْلُ اللهِ للشمسِ اطلعي * بعد قوله: مَيَّزَ عنه قَنْزَعًا عن قنزَعِ ... جَذْبُ الليالي أبطئي أو أسرعي فإن إسناده الإفناء إلى "قيل اللَّه للشمس اطلعي" قرينة لفظية على أن إسناده تمييز قنزع من شعر رأسه عن قنزع إلى "جذب الليالي" مجاز. وأنه يعلم أن من جعل شعر رأسه قنازع متفرقة متميزًا بعضها عن بعض هو اللَّه تعالى، لا جذب الليالي.

стр. 194

ومن أمثلة القرينة اللفظية على المجاز العقلي قول الصلتان العبدي: وملَّتنا أننا المسلمون ... على دين صدِّيقنا والنبي بعد قوله: أشاب الصغيرَ وأفنى الكبيرَ ... مرُّ الغداة وكرُّ العشي فإن قوله: "وملتنا أننا المسلمون" قرينةٌ لفظيةٌ على أن إسناده إشابة الصغير وإفناء الكبير إلى "مر الغداة" و"كر العشي" مجاز. فما في "التخليص" من أنه غير مجاز لعدم القرينة على قصد المجاز فيه نظر، كما نبه عليه غير واحدٍ من المحققين. وأما القرينة المعنوية فكقولك: "جاءتك المحبة بي" إذ المحبة لا تجيء به، بل هي سبب مجيئه، وكإيمان قائل "أنبت الربيع البقل". فإذا حققت بما ذكرنا معنى المجاز العقلي فاعلم أن إسناد الفعل أو مشابهه إلى من هو له عند المتكلمين يسمى "حقيقة عقلية"، كقول المؤمن: "أنبت اللَّه البقل"، وقول الطبائعي: "أنبت الربيع البقل". والإسناد الخبري ينقسم إلى هذين القسمين -أي الحقيقة العقلية والمجاز العقلي-، والقرينة المذكورة هي الفارقة بين المجاز والكذب، كما يأتي إيضاحه في قرينة الاستعارة. وأما القسم الثاني من أقسام المجاز: وهو المجاز المركب، فهو اللفظ المركب الذي استعملت مفرداته في حقائقها اللغوية، واستعمل

стр. 195

مجموع معناه في غير ما وضع له مجموع تلك الكلمات المستعملة في حقائقها؛ لعلاقة بينهما، مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، كقولك للمتردد في فعل أمر: "ما لك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى؟ "؛ فالتقديم والتأخير والرجل والأخرى كلها حقائق لغوية، إذ المراد بكل واحدٍ منها معناه اللغوي الحقيقي، إلا أن مجموع الهيئة الحاصلة من تقديم رجل وتأخير أخرى استعمل في معنى آخر هو التردد بين الإقدام على الفعل والإحجام عنه؛ للمشابهة الحاصلة بينهما، مجازًا مركبًا على سبيل الاستعارة التمثيلية. واعلم أن علاقة المجاز المركب لابد أن تكون المشابهة أو غيرها، فإن كانت المشابهة فهي الاستعارة التمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة، وهي أحسن أنواع الاستعارة، وسيأتي لها زيادة إيضاح في مباحث الاستعارة إن شاء اللَّه. وأما إن كانت علاقة المجاز المركب غير المشابهة فهو مجاز مركب مرسل، ولا يسمى استعارة، كقول الشاعر: هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق فإن مفردات هذا البيت كلها حقائق لغوية، ومعناه المركب هو الإخبار بأن هواه مصعد جنيب مع الركب اليمانين وجثمانه موثق بمكة. إلا أنه أطلق هذا المعنى الخبري وأراد به معنى إنشائيًا، وهو إنشاء التحسر والتلهف على ما نزل به من كون جثمانه موثقًا بمكة ومَهْوِيِّه باليمن مجازًا مركبًا علاقته السببية، لأن ما أخبر به من إيثاق جثمانه بمكة وكون مَهْوِيِّه باليمن سبب لتحسره. وإنما كان الخبر

стр. 196

المذكور مجازًا لأنه لم يرد به فائدة الخبر ولا لازمها، كما هو ظاهر. ومن هذا القبيل قول الشاعر: آلة العيش صحة وشباب ... فإذا ولَّيا عن العمر ولَّى فالمدلول المركب خبري، ومقصوده منه التحسر والتأسف على تولي شبابه وصحته. ومن هذا المعنى قوله تعالى عن امرأة عمران أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران/ ٣٦] إذ لم ترد بهذا الكلام فائدة الخبر ولا لازمها، لأن اللَّه أعلم بكل شيء، كما قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾؛ فأطلقت الصيغة خبرية وأرادت بها إنشاء التحسر والتأسف على أنها لم تلد ذكرًا يصلح لخدمة المساجد، وهو واضح مما قدمنا. وأما القسم الثالث من أقسام المجاز: وهو المجاز المفرد، فَيُحَدُّ بأنه الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح به التخاطب، لعلاقة جامعة بينهما، مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، كقولك: "رأيت أسدًا يرمي" فلفظة الأسد موضوعة للحيوان المفترس، وقد استعملت في غيره وهو الرجل الشجاع لعلاقة جامعة بينهما وهي الشجاعة، مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي الذي هو الحيوان المفترس وهي لفظة "يرمي"؛ لأن الحيوان المفترس لا يرمي، والذي يرمي هو الرجل الشجاع. وإنما قلنا في حد المجاز المفرد: "في اصطلاح به التخاطب"، لأن اللفظ الواحد يكون مجازًا باعتبار اصطلاح، وحقيقة باعتبار

стр. 197

اصطلاح آخر، كما بينه في "مراقي السعود" بقوله: وهو حقيقة أو المجاز ... وباعتبارين يجي الجواز وإيضاحه بمثاله: أن الصوم مثلًا في اصطلاح التخاطب اللغوي هو كل إمساك، فيشمل الإمساك عن الكلام، كما قال تعالى حكاية عن مريم ابنة عمران: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم/ ٢٦] أي إمساكًا عن الكلام، بدليل قوله حكاية عنها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم/ ٢٦]، ويشمل الإمساك عن الجري مثلًا، كقول النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما فقوله: "خيل صيام" أي ممسكة عن الجري، وقوله: "وخيل غير صائمة" أي غير ممسكة عنه. ومنه قول امرئ القيس: كأن الثريا علقت في مَصامِها ... بأمراس كتان إلى صم جندل فقوله: "في مصامها" أي مكان صومها، أي إمساكها عن الحركة. فكل إمساكٍ صومٌ لغةً، وفي التخاطب الشرعي يستعمل الصوم في إمساك مخصوص، وهو إمساك البطن والفرج عن شهوتيهما من الفجر إلى الغروب؛ فاستعمال الصوم في الإمساك عن الكلام والجري مثلًا مجاز شرعي وحقيقة لغوية، واختصاص الصوم بإمساك البطن والفرج عن الشهوة حقيقة شرعية ومجاز لغوي. وعرَّف صاحب "مراقي السعود" الحقيقة الشرعية بقوله: وما أفاد لاسمه النبي ... لا الوضع مطلقًا هو الشرعي

стр. 198

وكذلك "الصلاة" فإنها في اللغة مطلق الدعاء، وفي اصطلاح الشرع العبادة المعروفة المركبة من نييةٍ وأفعالٍ وأقوال، فاستعمال الصلاة في مطلق الدعاء حقيقةٌ لغويةٌ ومجازٌ شرعي، واستعمالها في خصوص العبادة المعروفة حقيقةٌ شرعية ومجازٌ لغوي، وذلك هو معنى قوله في مراقي السعود: "وباعتبارين يجي الجواز" كما تقدم. واعلم أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة الشرعية واللغوية حمل على الشرعية على التحقيق؛ لأن المقاصد الشرعية مقدمة على اللغوية، فمن حَلَف ليصومنَّ لا يَبَرُّ بإمساكه عن الكلام مثلًا، ومن حلف ليصلينَّ لا يَبَرُّ بدعاء؛ لأن المقصد الشرعي مقدم على غيره، ثم بعد الشرعي العرفي، ثم اللغوي، كما بينه في "مراقي السعود" بقوله: واللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي فاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب وخالف أبو حنيفة في تقديم العرفي على اللغوي، وجنح ابن السبكي في "جمع الجوامع" إلى أن ما تعارض فيه المجاز اللغوي الراجح بالعرف، والحقيقة اللغوية الراجحة بأصل الوضع أنه يكون مجملًا، فلا يحمل على أحد الأمرين إلا بنيةٍ أو قرينة، وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" بقوله: وحيثما قصد المجاز قد غلب ... تعيينه لدى القرافي منتخب ومذهب النعمان عكس مامضى ... والقول بالإجمال فيه مرتضى وقوله: "مرتضى" يعني عند ابن السبكي في "جمع الجوامع".

стр. 199

ومحل تحرير هذه المباحث أصول الفقه، وإنما ذكرنا منه البعض استطرادًا. فإذا حققت بما قد قدمنا حدَّ المجاز المفرد، فاعلم أنه ينقسم إلى قسمين: وهما المجاز المرسل، والاستعارة. وبرهان الحصر فيهما أن المجاز لابد له من علاقة، وهي لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون المشابهة، وإما أن تكون غيرها، فإن كانت علاقته المشابهة، فهو الاستعارة، وإن كانت علاقته غير المشابهة فهو المجاز المرسل، فالاستعارة مجاز علاقته المشابهة، والمرسل مجاز علاقته غير المشابهة. واعلم أن "العلاقة" بالفتح أوضح في المعاني، وبالكسر أفصح في الآلات. ولما كانت أنواع الاستعارة مطلوبًا في السؤال بيانها مع أنواع المجاز، وهي قسم من أقسام المجاز، بدأنا بذكر بيان المجاز المرسل من قسمي المجاز المفرد، وأخرنا القسم الآخر الذي هو الاستعارة لتتم أقسام المجاز أولًا، ثم نتكلم على أقسام الاستعارة. اعلم أنا ذكرنا أن المجاز المفرد إذا كانت علاقته غير المشابهة فهو المجاز المرسل، وسنذكر أمثلة من علاقة المجاز المرسل: فمنها: السببية، أي تسمية الشيء باسم سببه مجازًا مرسلا، علاقته كونه سببه، كقولهم: "رعينا الغيث" أي النبات، فأطلق الغيث وأريد النبات؛ لأنه سببه مجازًا مرسلًا علاقته السببية.

стр. 200

ومن هذا القبيل قول الشاعر: أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر سمى الدية باسم الدم لأنه سببها. ومنها: المسبَّبية، أي تسمية الشيء باسم مسبَّبه مجازًا مرسلًا علاقته المسببية، كقولهم: "أمطرت السماء نباتًا" أي غيثًا، سُمِّي الغيث باسم مسبَّبه وهو النبات مجازًا مرسلًا علاقته المسببية. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر/ ١٣]. ومنها: الكلية، أي تسمية الجزء باسم كله مجازًا مرسلًا علاقته الكلية، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة/ ١٩] إذ المراد بالأصابع جزء منها وهو الأنامل، فسمى الأنامل باسم الأصابع، وهي كلٌ لها مجازًا مرسلًا علاقته الكلية. ومنها: الجزئية، أي تسمية الشيء باسم جزئه مجازًا مرسلًا علاقته الجزئية، كتسميتهم الربيئة -أي الرقيب- عينًا، فسموه باسم جزئه -الذي هو عينه- مجازًا مرسلًا علاقته الجزئية، ولا يطلق الجزء على الكل إلا إذا كان له مزيد اختصاص بالمعنى الذي قصد بالكل، كالربيئة الذي هو الرقيب، فلعينه الباصرة التي أطلقت عليه مجازًا مزيد اختصاص بالمعنى المراد الذي هو المراقبة. ومنها: اعتبار الوصف في الزمان الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء/ ٢] لأنهم وقت الأمر بإيتائهم أموالهم بالغون لا

стр. 201

يتامى، فأطلق عليهم اسم اليتامى نظرًا لما تقدم من يتمهم في الزمان الماضي مجازًا مرسلًا علاقته اعتبار الوصف المتقدم في زمن ماض. ومنها: اعتبار ما يؤول إليه الأمر، كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف/ ٣٦] فقد أطلق اسم الخمر على غيرها من عنب أو عصير مجازًا مرسلًا علاقته اعتبار المآل؛ لأن مآل ما ذكر من عنب أو عصير أن يكون خمرًا. ومنها: المجاورة، وهي تسمية الشيء باسم المجاورة مجازًا مرسلًا علاقته المجاورة، كتسميتهم المزادة راوية، فالمزادة الظرف الذي يستقى به الماء، والراوية البعير الذي يحمل المزادة، فسموا المزادة باسم البعير الذي هو الراوية للمجاورة بينهما مجازًا مرسلًا علاقته المجاورة. ومنها: الآلية، وهي تسمية الشيء باسم آلته مجازًا مرسلًا علاقته كونه آلته، كقول أعشى باهلة: إني أتتني لسان لا أُسَرُّ بها ... مِنْ عَفوَ لا عجبٌ فيها ولا سَخَرُ فقوله: "لسان" يعني مقالة، فسمى المقالة باسم آلتها التي تحصل بها وهي اللسان مجازًا مرسلًا علاقته الآلية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء/ ٨٤] أي ذكرًا حسنًا وثناء في الآخرين. ومنها: المحلِّية، وهي تسمية الشيء باسم محلِّه مجازًا مرسلًا علاقته المحلِّية، كتسميتهم الجماعة بالنادي، فأصل النادي المحل

стр. 202

الذي تجلس فيه الجماعة، فسموا باسمه الجماعة الجالسين فيه مجازًا مرسلًا علاقته كونه محلًا لهم. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق/ ١٧ - ١٨]. ومنها: الحاليَّة، أي تسمية الشيء باسم الحال فيه مجازًا علاقته كونه حالًا فيه، كقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران/ ١٠٧] سمى الجنة باسم الرحمة لكون الرحمة حالَّة في الجنة. وللمجاز المرسل علاقات أخرى غير ما ذكرنا، وفيما ذكرنا من الأمثلة كفاية؛ لأنا لم نرد استيعابها، بل ذكر أمثلة متعددة منها يتم بها وضوح المعنى للسامعين. فإذا حققت بما ذكرنا من البيان أن المجاز ينقسم إلى عقلي ومركب ومفرد، وأن كلًا من المركب والمفرد ينقسم إلى مرسل واستعارة، فاعلم أنَّا قد بينابخاية الإيضاح المجاز العقلي والمجاز المرسل من المفرد والمركب، ولم يبق من أقسام المجاز إلا قسمٌ واحد هو الاستعارة، وهذا أوان الشروع في تحقيق مباحث الاستعارة. اعلم أولًا أن الاستعارة من مادة "ع ور" وهي مصدر استعار، ووزن استعار استفعل، والأصل في قياس مصدر "استفعل" هو "الاستفعال" إلا أن "استفعل" ومثلها "أفعل" إذا كانت معتلة العين سقطت عينها بالاعتلال فأبدلت ألفًا وعوض من تلك العين الساقطة بالاعتلال في المصدر تاء زائدة، كما تقول: استقام استقامة، واستعان استعانة، واستعار استعارة، ولو كانت العين صحيحة لقلت في

стр. 203

المصدر: استفعالًا، كاستخرج استخراجًا، واستنكف استنكافًا، وربما أجريت مجرى الصحيح مع اعتلال العين، كقوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة/ ١٩]. فأصل الاستعارة من التعاور وهو التداول، فالمتاع المستعار تداوله المالك ومريد الانتفاع الذي هو المستعير، واللفظ تداوله معناه الأصلي والمجازي كتداول المعير والمستعير للمتاع المعار، ومن هذا المعنى قول عنترة: إذ لا أزال على رِحَالةِ سابحٍ ... نَهْدٍ تعاوره الكماةُ مكلَّمِ فإذا عرفت ما ذكرنا وعلمت أن أقسام المجاز ثلاثة: وهي المجاز العقلي، والمركب، والمفرد، فاعلم أن واحدًا منها لا تكون منه استعارة أصلًا وهو المجاز العقلي، وما يأتي في بحث الاستعارة التخييلية من أنها عند جمهور البيانيين وسلفهم في الحقيقة مجاز عقلي لا يَرِدُ على ما ذكرنا؛ لأن تسميتهم ذلك المجاز العقلي استعارة تخييلية مجازٌ؛ لأن العقلي لا يتناوله حد الاستعارة بحال، وسترى إيضاحه فيما يأتي إن شاء اللَّه. وأما المجاز المركب فهو الذي منه الاستعارة التمثيلية، ولا يأتي منه شيء من أنواع الاستعارة غيرها. وأما المجاز المفرد فهو الذي منه سائر أنواع الاستعارة؛ لأنا قدمنا أنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون علاقته المشابهة أو غيرها، فإن كانت المشابهة فالاستعارة، وإلا فالمجاز المرسل.

стр. 204

ونذكر من خلال ذلك التخييلية التي هي في الحقيقة مجاز عقلي عند الجمهور والسلف من البيانيين، ثم نذكر الاستعارة التي هي قسم من المجاز المركب وهي التمثيلية. اعلم أن الاستعارة التي هي قسم من قسمي المجاز المفرد تنقسم انقسامات كثيرة باعتبارات مختلفة، فتتنوع بذلك إلى أنواع كثيرة مختلفة. وسنبيِّن لك جميعها مع غاية الإيضاح. اعلم أولًا أن أصل الاستعارة التشبيه، فهي مجاز علاقته المشابهة، وهم يقولون: إن التشبيه زُوِّجَ بالمجاز فتولدت من بينهما الاستعارة. واعلم أن الاستعارة لابد فيها من حذف أحد طرفي التشبيه الذي هو أصلها أعني المشبه به والمشبه، ولابد مع ذلك من حذف الوجه والأداة، فالاستعارة لم يبق فيها من أركان التشبيه الذي هو أصلها إلا المشبه به فقط، أو المشبه فقط، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى تصريحية ومكنية، وبرهان الحصر فيهما بهذا الاعتبار أنك تقول: لابد في الاستعارة من حذف المشبه أو المشبه به، ولا ثالث، فإن كان المحذوف المشبه فهي التصريحية، وإن كان المحذوف المشبه به فهي المكنية. واعلم أن المشبه به إذا حذف في المكنية لابد أن يرمز له بشيء من لوازمه، ويسند ذلك اللازم المرموز به للمشبه به الى حذوف إلى المشبه المذكور، وإسناده إليه -وهو في الحقيقة لغيره- هو معنى الاستعارة التخييلية عند الأقدمين من أهل البيان، فالتخييلية عندهم مجاز عقلي، وإنما سموها استعارة مجازًا.

стр. 205

والتصريحية نسبة إلى التصريح الذي هو التعبير بالكلام الواضح الذي لا يقبل التأويل، وسميت الاستعارة تصريحية للتصريح فيها بلفظ المشبه به، والمكنية من الكناية التي هي ضد التصريح، وهى في الاصطلاح استعمال اللفظ في لازمه مع جواز قصد المعنى الأصلي، ومعنى الاستعارة بالكناية عندهم: أن المشبه به المحذوف استعير للمشبه المذكور من غير تصريح به، بل بالكناية عنه بلازمه والدلالة عليه به، ويظهر معنى الكناية والتصريح لغةً من قول الشاعر: وإني لأكني عن قَذُورٍ بغيرها ... وأعرب أحيانًا بها فأصارح فمثال الاستعارة التصريحية قولك: "رأيت أسدًا يرمي" تعني رجلًا شجاعًا، فالأصل تشبيه الرجل الشجاع بالأسد في الشجاعة، حُذِفَ المشبه الذي هو الرجل الشجاع، واستعير له الأسد الذي هو المشبه به، وصرِّح بلفظه، فصارت تصريحية، وقولنا: "يرمي" هو قرينة الاستعارة. ومثال الاستعارة بالكناية قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع فإنه أراد تشبيه المنية بالأسد، والجامع بينهما الاغتيال والإهلاك، فذكر المشبه الذي هو المنية، وحذف المشبه به الذي هو الأسد، ورمز له بلازمه الذي هو الأظفار، فرمزه للأسد بالأظفار هو معنى كونها كناية؛ لأن الأسد لم يصرح به، وإنما ذكر بطريق الكناية عنه، والاستدلال عليه بلازمه، وإسناد الأظفار إلى المنية هو الاستعارة

стр. 206

التخييلية، والأظفار في الحقيقة مستعملة في معناها اللغوي، وإنما المجاز في إسنادها إلى المنية وهي ليست لها، فإسنادها إليها مجاز عقلي عند السلف من البيانيين، وإنما سموه استعارة تخييلية مجازًا. وما ذكرنا من أن القسمة ثنائية بهذا الاعتبار لا يَرِدُ عليه جعل الاستعارة التخييلية قسمًا ثالثًا، لأن عدهم التخييلية قسمًا إنما هو باعتبار لزومها للمكنية، فهي قسم بالتبع بالاستقلال، لأن التخييلية لا تصلح قسيمًا للمكنية لملازمتها عند سلف البيانيين، لأن أداة التقسيم عنادية أبدًا كإما ونحوها، ولا عناد بين المتلازمين، ولا تصلح أيضا قسيمًا للمصرحة؛ لأن التخييلية على مذهب الأقدمين حقيقة لغويةٌ مجازٌ عقليٌّ، والمجاز العقلي ليس قسمًا من أقسام الاستعارة. وأما على مذهب السكاكي ومن تبعه فلا تصلح التخييلية أيضًا قسيمًا للمصرحة؛ لأن المصرحة عنده تنقسم إلى تخييلية وتحقيقية. فإذا كانت التخييلية عند الأقدمين مجازًا عقليًّا، وعند السكاكي استعارة مصرحة، تبين أنها لا يصح كونها قسيمًا لها، فقولك: "الاستعارة إما تصريحية أو مكنية" هذا تقسيم صحيحٌ؛ لأنه لابد من حذف أحد الطرفين، فإن كان المشبه فهي التصريحية، وإلا فالمكنية. ولا يصح قولك: "الاستعارة إما مكنية وإما تخييلية"؛ لأن التخييلية عند الأقدمين مجاز عقلي، والمجاز العقلي ليس من أقسام الاستعارة، كما لا يصح قولك: "الاستعارة إما تصريحية وإما تخييلية"؛ لأن التخييلية مجاز عقلي عند الأقدمين، ومصرحة عند السكاكي ومن وافقه، كما يأتي تحقيقه في الكلام على قرينة المكنية.

стр. 207

والذي يصح قسيمًا للتخييلية إنما هو الاستعارة التحقيقية؛ لأنك تقول: المستعار له إما أن يكون له وجود في العقل أو الخارج، أو لا وجود له في واحد منهما. فإن كان له وجودٌ في العقل أو الخارج فهي التحقيقية، وإلا فالتخييلية. وهذا التقسيم ذكره السكاكي، وهو الذي يقبله الذهن السليم، فجعل التخييلية قسيمًا للمصرحة والمكنية لا يصح إلا بالنظر لملازمتها المكنية عند الأقدمين. واعلم أن ما ذكرنا من أن الاستعارة بالكناية هي لفظ المشبه به المحذوف المرموز له بلازمه هو مذهب جمهور البيانيين وسلفهم، ونص عليه الزمخشري في "الكشاف" في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد/ ٢٧]، وهذا هو المعول عليه عندهم في المكنية. وفيها أربعة مذاهب غير هذا المذهب الصحيح، فالمذاهب فيها خمسة بالاستقراء، والمعتمد ممها هو ما بيَّنا، وسنبيِّن الأربعة الباقية، وهي: مذهب السكاكي، ومذهب الخطيب، ومذهب العصامي، ومذهب صاحب "الكشف". أما مذهب السكاكي في المكنية فهو أنها لفظ المشبه المستعمل في المشبه به بادعاء أنه هو بعينه، أي من جنس حقيقته، وإنكار أنه شيء آخر، مستدلًا على ذلك بإضافة لازمه إليه، فالاستعارة عنده في قولك: "أنشبت المنية أظفارها" هي لفظة "المنية" المستعملة عنده في الأسد، بادعاء أن المنية هي الأسد نفسه لا شيء آخر، بدليل إضافة أظفارها إليها، وإطلاق "المنية" مرادًا بها الأسد مع ادعاء أنها هي هو بقرينة إضافة أظفاره إليها هو الاستعارة عنده بالمعنى المصدري.

стр. 208

وأما مذهب الخطيب في المكنية، وهو القزويني خطيب دمشق قاضي القضاة محمد بن عبد الرحمن صاحب "التلخيص" و"الإيضاح"، فهو أنها هي التشبيه المضمر في النفس المتروك أركانه سوى المشبه المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به له. فنحو: "أنشبت المنية أظفارها" عنده معناه أن المتكلم بهذا اللفظ أراد تشبيه المنية بالأسد بجامع الاغتيال والإهلاك، فأضمر التشبيه في نفسه، وحذف أركانه كلها إلا المشبه الذي هو المنية، وأثبت له لازمه المحذوف الذي هو المشبه به. فالمحذوف الأسد، ولازمه الأظفار المثبتة للمنية، فالمكنية عنده: تشبيه مضمر في النفس مدلول عليه بذكر لازم المشبه به. وأما مذهب العصامي في المكنية فهو أن الاستعارة بالكناية لفظ المشبه به المقلوب المستعار للمشبه المقلوب، مع جعل مجموع الكلام كناية عن لازم معناه. وتقريره في نحو: "أظفار المنية" أن يقال: شبه الأسد بالمنية، واستعير لفظ المنية للأسد، ثم جعل التركيب المشتمل على هذه الاستعارة وهو مجموع قولك: "أنشبت المنية أظفارها بفلان"، من حيث معناه بعد التركيب وهو إنشاب الأسد الحقيقي أظفاره بفلان = كناية عن تحقيق الموت، فهي عندهم من فروع التشبيه المقلوب، وهو قلب المشبه به مشبهًا والمشبه مشبهًا به، كقول محمد بن وهب يمدح المأمون بن هارون الرشيد: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يُمتدح وأما مذهب صاحب "الكشف" في المكنية فهو أنها اللازم المرموز

стр. 209

به للمشبه به المحذوف، وهو الأظفار في المثال المذكور، ويسمى استعارة لاستعارته للمشبه، وبالكناية لأنه كناية عن النسبة، أي إثبات الأسدية للمنية، وهذا هو ما فهمه صاحب "الكشف" من كلام صاحب "الكشاف". والتحقيق أن كلام صاحب "الكشاف" يوافق مذهب سلف البيانيين كما قدمنا. فإذا حققت هذه المذاهب الأربعة في المكنية، وعلمت أنا قدمنا أنها لا معول على شيء منها، فسنذكر لك وجه بطلان كل واحدٍ منها على سبيل اللف والنشر المرتب. أما مذهب السكاكي في المكنية فوجه القدح فيه أن ما سماه استعارة لا يتناوله اسم الاستعارة على مذهبه، والحكم على شيء بأنه استعارة وهو ليس من الاستعارة واضح البطلان؛ لأنها على مذهبه حقيقة لغوية، والاستعارة لا تطلق اصطلاحًا إلا على مجاز علاقته المشابهة. وإيضاح ذلك أنا قدمنا أن مذهبه في المكنية أنها لفظ المشبه المستعمل في المشبه به بادعاء أنه هو لقرينة نسبة صفته إليه، فالمنية عنده مرادًا بها الأسد مدعيًا أنها هي هو لا شيء آخر بدليل نسبة أظفاره إليها، ولا يخفى أن لفظ المشبه كالمنية في المثال المذكور لم يستعمل إلا فيما وضع له تحقيقًا للقطع بأن المراد بالمنية الموت لا شيء آخر. غاية الأمر ادعاء اتحاد الموت بالأسد، ولا شيء من الاستعارة يستعمل في معناه الموضوع له تحقيقًا، والسكاكي نفسه فسَّر الاستعارة بأنها ذكر أحد طرفي التشبيه مرادًا به الآخر، وهي عنده قسم من المجاز

стр. 210

المفرد المفسر بالكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، فلا يكون على مذهبه المشبه في صورة الاستعارة بالكناية استعارة. والحاصل أن هذا الكلام الذي ذكرنا يشتمل على مقدمتين صحيحتين، يتركب منها قياس اقتراني من الشكل الثاني، ينتج بطلان مذهب السكاكي. وكيفية نظمه أن نقول: لفظ المشبه لم يستعمل إلا في معناه، ولا شيء من الاستعارة يستعمل في معناه، ينتج: لا شيء من لفظ المشبه باستعارة. وهو المطلوب في رد مذهب السكاكي. واعلم أن هذا القياس الذي ذكرنا لا يعترض بكون كلتا مقدمتيه فيها حرف سلب، والشكل الثاني يشترط لإنتاجه اختلاف مقدمتيه في الكيف، بأن تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة كما هو معلوم؛ لأن صغراه التي هي قولنا: "لفظ المشبه لم يستعمل إلا في معناه" موجَبةٌ معنًى، لأن النفي بـ "لم" نفته "إلا"، فتماسكت (١) "لم" و"إلا"، ونفي النفي إثباتٌ، فصار المعنى: لفظ المشبه مستعمل في معناه فقط. فإذا كانت تسمية الاستعارة تختل بالذهاب إلى مذهب السكاكي فلا وجه للذهاب إليه، وما أجاب به في "المفتاح" عن هذا الاعتراض نوقش فيه كثيرًا، وفيما ذكرنا كفاية. وأما مذهب الخطيب فالدليل على عدم صحته أنه فسر المكنية

стр. 211

بأنها تشبيه مضمر في النفس، والتشبيه المضمر في النفس معنى من المعاني قائمٌ بنفس الشخص، والاستعارة هي الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، فالمعنى القائم بنفس الشخص لا يصح أن يكون استعارة، والمكنية بالمعنى المصدري لا يصدق عليها حد الخطيب أيضا، لأنها بالمعنى المصدري استعمال اللفظ في غير ما وضع له، والتشبيه مباينٌ لذلك ضرورة. وأما مذهب العصامي فلا وجه له؛ لأن ما ادعاه من قلب التشبيه خلاف الأصل بلا موجب ولا دليل، وجعله مجموع الكلام كناية عن لازم معناه لابد فيه من ملاحظة الحقيقة، فيخرج بتلك الملاحظة عن حد الاستعارة لأنها مجاز، وبالجملة فمذهبه لا دليل عليه ولا حاجة إليه. وأما مذهب صاحب "الكشف" فقد قدمنا أنه غلطٌ من أجل فَهْمِه من كلام صاحب "الكشاف" غير مراده، وصاحب "الكشاف" موافق للجمهور في المكنية. وأيضًا، فإن مذهب صاحب "الكشف" الذي هو أن المكنية هي اللازم المرموز به للمشبه به المحذوف -كالأظفار في المثال المقدم- يظهر القدح فيه بأن الأظفار مثلًا مستعملة في معناها الحقيقي، فليست مجازًا حتى تكون استعارة، وإنما المجاز في إسنادها إلى المنية كما قدمنا عن الجمهور. وقول بعض البيانيين أن الأظفار في المثال المذكور مجازٌ؛ لأنها مستعملة في مشبه وهمي تخيله الذهن وتوهمه = لا دليل فيه لصاحب

стр. 212

"الكشف"؛ لأنها على ذلك القول تكون استعارة مصرحة تخييلية كما يأتي تحقيقه في مذهب التخييلية. فتحصَّل أن الأظفار مثلًا في المثال المذكور إما حقيقةٌ لغويةٌ، أو استعارٌ مصرحةٌ، وكل منهما يباين المكنية ضرورة، فظهر سقوط قول صاحب "الكشف". وما ذكرنا من أن الأظفار في المثال المذكور حقيقةٌ لغويةٌ ومجازٌ عقليٌّ عند الجمهور ينافي تسميتهم لها استعارة تخييلية، وإنما سموا هذه الحقيقة اللغوية والمجاز الإسنادي استعارةً على سبيل المجاز العرفي، وإلا فالتخييلية عنده غير داخلة في حد الاستعارة كما قدمنا. فإذا حققت المذاهب في المكنية فسنبين لك المذاهب في قرينتها. اعلم أن مذهب جمهور علماء البلاغة أن قرينة المكنية هي المسماة الاستعارة التخييلية، وهي إسناد اللازم المرموز به للمشبه به المحذوف إلى المشبه، والتخييلية عندهم في الحقيقة حقيقة لغوية، وإنما المجاز في إسناد لازم المشبه به إلى المشبه وهو ليس له، والإسناد المجازي ليس من أقسام الاستعارة؛ لأنه مجاز عقلي، وإنما سموه استعارة تخييلية على سبيل المجاز العرفي. وعلى مذهب الجمهور فالمكنية والتخييلية متلازمتان لا توجد إحداهما بدون الأخرى، ووجه ملازمتهما عندهم ظاهر؛ لأن المشبه به المحذوف لابد أن يرمز له بشيءٍ من لوازمه، ويسند ذلك اللازم إلى

стр. 213

المشبه المذكور، فالمشبه به المحذوف المدلول عليه بلازمه هو المكنية، وإسناد ذلك اللازم إلى المشبه هو التخييلية، فالتلازم واضحٌ. ولا يخفى أن الاستعارة لا تنفك عن قرينتها، لأنها جزء من حدها، إذ لابد في المجاز من قرينة كما لا تنفك قرينة الاستعارة عنها، وهذا هو المذهب المعول عليه، والخطيب موافق للجمهور فيه، فهو يوافقهم في التخييلية، ويخالفهم في المكنية. ومذهب السكاكي في قرينة المكنية أنها تكون طورًا استعارة تحقيقية، وطورًا تخييلية، وطورًا حقيقة لغوية، فمثالها تحقيقية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد/ ٢٥]، وقوله: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود/ ٤٤]؛ لأنا قدمنا أن السكاكي يقسم الاستعارة إلى تحقيقية، وتخييلية، لأن المستعار له إما أن يكون موجودًا في الخارج أو العقل، أو معدومًا فيهما، فإن كان موجودًا في واحد منهما فهي التحقيقية، وإلا فالتخييلية، فالتحقيقية قسمان نظرًا إلى وجوده في الحِسِّ أو العقل. فمثال التحقيقية التي التحقيق فيها عقلي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾؛ لأنها استعارة بالكناية، وقرينتها استعارة تحقيقية؛ لوجود المستعار له فيها عقلًا. وإيضاحه: أن المراد تشبيه العهد بالحبل، والجامع إثبات الوصلة بين أمرين، فحذف الحبل الذي هو المشبه به، وذكر العهد الذي هو المشبه، ورمز للحبل المحذوف بشيء من لوازمه وهو النقض، أي

стр. 214

تفريق طاقات الحبل وتفكيكها. فالنقض الذي هو قرينة المكنية ليس باستعارة تخييلية، بل فيها استعارة تحقيقية تصريحية تبعية. وإيضاح ذلك: أنه لما شبه بالحبل شبه إبطال العهد بتفكيك طاقات الحبل، فجرت في ملائم المشبه وملائم المشبه به تبعًا لما يلائمه كل منهما. ففي الكلام استعارتان: إحداهما مكنية، والأخرى تصريحية تحقيقية. وبيانه: أنه شبه العهد بالحبل، فاستعمل فيه على مذهب السكاكي بادعاء أنه هو بدليل إضافة النقض إليه، وعند الجمهور أنه حذف المشبه به الذي هو الحبل، وأثبت لازمه المرموز له به الذي هو النقض للمشبه المذكور الذي هو العهد، على سبيل الاستعارة المكنية، ثم شبَّه إبطال العهد بتفكيك طاقات الحبل الذي هو النقض، وحذف المشبه الذي هو الإبطال، وصرح بالمشبه به الذي هو النقض، فصارت استعارة تصريحية، والمشبه الذي هو الإبطال موجود عقلًا، فصارت تحقيقية، وتحقيقها عقلي. ومثال إتيان قرينة المكنية استعارةً تحقيقيةً وتحقيقُها حسيٌّ قوله تعالى: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾؛ لأنه شبه الماء بالغذاء، وحذف المشبه به الذي هو الغذاء، وذكر المشبه الذي هو الماء، ورمز للغذاء المحذوف بلازمه الذي هو البلع. وعند السكاكي: أن الماء مستعمل في الغذاء بادعاء أنه هو، والقرينة نسبة البلع إليه، والبلع مستعار للغَوْر؛ لأنه شبه غور الماء في الأرض ببلع الغذاء، والجامع الغيبوبة

стр. 215

الحاصلة لكل منهما، فحذف المشبه الذي هو غور الماء، وأثبت المشبه به الذي هو البلع، فجاءت تصريحية تحقيقية، والتحقيق فيها حسي؛ لأن المستعار له الذي هو غور الماء في الأرض محسوسٌ، واشتق الفعل الذي هو "ابلعي" من البلع، فجاءت الاستعارة تبعية، فقرينة هذه المكنية استعارة تحقيقية تصريحية تبعية. ومثال إتيان قرينة المكنية استعارة تخييلية قول لبيد: وغداة ريحٍ قد كشفتُ وقِرَّة ... إذْ أصبحت بيد الشَّمال زمامها أراد تشبيه "الشَّمال" بالفتح -وهي ريح مشهورة- في قوة تأثيرها في الغداة بالتبريد بالشخص المالك، والجامع قوة تأثير كل من حال إلى حال، فحذف المشبه به الذي هو الشخص المالك، ورمز له بشيء من لوازمه وهو اليد التي يتناول بها التصرف، وأثبت المشبه الذي هو الشمال؛ فجاءت استعارة مكنية. وعلى مذهب السكاكي: أراد تشبيه الشمال بالشخص المالك مدعيًا أنها هو لا شيء آخر بدليل إضافة يده إليها، وفي ذكر اليد عنده استعارة تصريحية تخييلية؛ لأنه أراد تشبيه شيء توهمه وتخيله لريح الشمال بيد الشخص المتصرف، فحذف ذلك الشيء المتوهم المتخيل الذي هو المشبه، وصرح بالمشبه به الذي هو اليد، فجاءت استعارة تصريحية، والمشبه لا وجود له في الحس ولا في العقل، فكانت استعارة تخييلية، فقرينة هذه المكنية استعارة تصريحية تخييلية. ومثال إتيان قرينة المكنية حقيقة لغوية عند السكاكي قولك:
следующие страницы →