← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 294

شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل

بدر الدين البعلي

Полный текст (160 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أحدثها بعض قضاة الشام قبل المئة السادسة، فيقولون: حكم بكذا بمحضر من خَصْمين، مع القطع أن الحاضرين لم يكونوا خَصْمَين، فإن الخصم المدَّعى عليه من إذا سكت لم يُترك، وذاك الحاضر لو سكت لما أُلْزِم (١) وادعى على رجلٍ آخر غيره، فإنما (١٥٧/ أ) الغَرَض أن يقول بلسانه: لا حقَّ لكَ قِبَلي، أو: لا أعلمُ صحةَ دعواك، أو يثبت ما ادعاه (٢)، فتكون صورته صورة الخصم وليس هو بخصمٍ، وكذلك الآخر الذي يدعى أوَّلًا، إلى أمثال ذلك من الكذب والباطل الذي لا يجوز في دين الله تعالى. ومن البدع (٣) الجديدة: أن يريد الإنسان أن يقف على نفسه، فيعلمونه أن يقر بأنه وقف على الوجه الذي يريد أن يَقِفَه عليه، ويشهدون عليه ويحكمون بصحته، ولا يستريب مسلم أن هذا حرام، فإن الإقرار هو شهادة الإنسان على نفسه، فكيف يُلَقَّن شهادة الزور؟ ! . ولهم حيلة أُخرى: يُمَلّكه لغيره، ثم يَقِفُه ذلك عليه، ولا شك أن هذا قبيح باطل، فإن حدَّ التمليك أن يرضى المُمَلِّك بنقل الملك إلى المُمَلَّك، بحيث يتصرَّف فيه بما يحِبّ، وهذا قد علم اللهُ وجميعُ الحاضرين أن المُمَلِّك لم يرض بأن يفعل فيه المُمَلَّك ما شاء غير الوقف على الوجه الذي تواطأ عليه، بل ملَّكَه بشرط أن

стр. 72

يَقِفَه عليه، وهذا تمليك فاسد، ولو فَعَلَ غيرَ ذلك لعدَّه ماكرًا غادرًا، فيتكلَّم بالتمليك استهزاءً وتلاعُبًا بآيات الله وحدوده، وقد كان له مندوحة بأن يقلِّد من يرى وقْفَه على نفسِه (١)، أو يَقِفَه على غيره ويستثني المنفعةَ مدَّةَ حياته (٢)، فإن تقليد بعض الأئمة خير من الكذب والخداع والزور. فصلٌ (٣) فإن قيل: هذه الحيل مما اختلف فيها العلماء، فإذا قلَّد الإنسانُ من يُفتي بها فله ذلك، ولا إنكارَ في مسائل الخلاف، لا سيما على من كان متقيِّدًا بمذهب من يرخِّص فيها أو قد تفقَّه فيها، ورأى أن الدليلَ يقتضي جوازَها، وقد شاع العملُ بها عن جماعاتٍ من الفقهاء، ويُعزى القولُ بها إلى مذهب أبي حنيفة والشافعي ﵄. وما قالَه مثل هؤلاء الأئمة لا ينبغي الإنكار البليغ فيه، لا سيما على من يعتقد أن الذين جوَّزوا ذلك أفضل من غيرهم، فإذا قلَّد العاميُّ أو المتفقِّه واحدًا منهم، إما على القول: إنه لا يجب على العامي الاجتهاد في أعيان المُفتين، أو على القول بوجوبه إذا ترجَّح عنده أن من قلَّده فيها هو الأفضل، فلا إنكار، إلا أن يُقال: إن المسألة قطعيَّة لا يسوغ فيها الاجتهاد، وهذا لا يمكن قوله؛ لأن

стр. 73

فيه طعنًا على الأئمة بمخالفتهم القواطع. ثم قد يُفضي ذلك إلى الخروج عن الائتلاف والخروج إلى الفرقة والاختلاف المنهيّ عنه، لا سيما ممن يحمله هوى دينه أو دنياه على ما هو أبلغ من ذلك، فتصيرُ مسائلُ الفقه من باب الأهواء، وهذا غير سائغ، وقد علمتم أن السلفَ كانوا يختلفون في الفروع مع بقاء الأُلفة وصلاح (١٥٧/ ب) ذات البين. قلنا: نعوذ بالله - سبحانه - مما يُفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة، أو انتقاصِ أحدٍ منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم، أو محادَّتهم وترك محبتهم، ونرجو من الله أن نكون ممن يحبهم ويتوَّلاهم، ونعرف من حقوقهم وفضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع، وأن يكون نصِيْبُنا من ذلك أوفر نصيب وأعظم حظٍّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن دين الإسلام إنما يتم بأمرين: أحدهما: معرفةُ فضل الأئمة وحقوقهم وقدرهم، وترك كل ما يجرُّ إلى ثَلْبهم. والثاني: النصيحةُ لله - سبحانه - ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإبانة ما أنزل الله من البينات والهدى، ولا منافات إن [شاءَ] اللهُ - سبحانه - بين القسمين لمن شرح الله صدره، وإنما يضيقُ عن ذلك أحدُ رجلين؛ رجلٌ جاهل بمقاديرهم (١)، أو رجل

стр. 74

جاهل بالشريعة وأصول الأحكام، وهذا المقصود يتلخَّص بوجوه: أحدها: أن الرجل الجليل الذى له في الإسلام قَدَم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكانةٍ عُليا، قد يكون منه الهفوةُ والزلَّةُ، هو فيها معذور بل مأجور، ولا يجوز أن يُتْبع فيها، مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين. قال ابنُ المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال لي: يا بني لا تُنْشد الشِّعر، فقلت له: يا أبه كان الحسن يُنشد، وكان ابن سيرين يُنشد، فقال لي: يا بُني إن أخذت بشَرِّ ما في الحسن وبِشَرِّ ما في ابن سيرين، اجتمعَ فيك الشرُّ كلُّه. وهذا أمر متفق عليه، فإنه ما من أحدٍ من أعيان الأمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا لهم أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة، وهذا باب واسع لا يُحصى، مع أنَّ ذلك لا يغضُّ من أقدارهم، ولا يسوِّغ اتّباعهم فيها، كما قال - سبحانه -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. قال مجاهد والحكم بن عُتَيْبَة ومالك وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويُتْرك إلا النبي ﷺ (١). وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع

стр. 75

فيك الشرُّ كله (١). قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا (٢). وقد رُوِي عن رسول الله ﷺ : "إنِّي لأخافُ على أُمَّتي من بعدي من أعمال ثلاثة" قالوا: وما هي؟ قال: "أخافُ عليهم من زَلَّةِ العالم، ومن حكم جائرٍ، ومن هوًى مُتَّبَعٍ" (٣). وقال عمر: "ثلاثٌ يَهْدِمن الدين: زلَّةُ عالمٍ، وجدال منافقٍ بالقرآن، وأئمة مُضِلُّون" (٤). وقال أبو الدرداء: "إنَّ مما أخشى عليكم: زلةُ العالم، وجدالُ المنافق بالقرآن" (٥). وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كلَّ يوم: "هَلَك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق (١٥٨/ أ) والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدُهم أن يقول: قد قرأتُ القرآنَ، فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيرَه، وإياكم وما ابتدع، فإن كلَّ بدعة ضلالة، وإياكم وزيغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم

стр. 76

بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمةَ الحق، فتلقَّوا الحقَّ عمن جاء به، فإن على الحق نورًا. قالوا: وكيف زَيْغَة الحكيم؟ قال: هي كلمة تَرُوْعُكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ ! فاحذروا زيغتَه ولا تصدَّنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجعَ الحقَّ، وأن العلمَ والإيمان مكانَهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما" (١). وعن ابن عباس قال: "ويلٌ للاتباع من عثرة العالم". قيل: كيف؟ قال: "يقول العالم برأيه، ثم يجد من هو أعلمُ برسولِ الله منه فيتْرُك قولَه ذلك، ثم يمضي الأتباعُ" (٢). وكذا رُوِي عن غير واحدٍ من الصحابة، فهذه آثار مشهورة رواها ابن عبد البر وغيره، فإذا كان قد حذرنا (٣) زلة العالم، وأمرنا مع ذلك أن لا نَرجع عنه، فالواجب على من شرح الله صدرَه للإسلام إذا بلغته مقالةٌ ضعيفةٌ عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلَّدُها، بل يسكت عن ذكرها إن تيقَّنَ صحتَها وإلَّا توقَّف في قبولها. فما أكثر ما يُحكى عن الأئمة ما لا حقيقةَ له، وكثير من المسائل يُخْرِّجُها بعضُ الأتباع عن قاعدة متبوعه، مع أن ذلك الإمام لو رأى

стр. 77

أنها تُفضي إلى ذلك لما التزمها، ومن عَلِمَ فِقة الأئمة وورعَهم عَلِم أنهم لو رأوا هذه الحيل وما أفضت إليه من التلاعُب بالدين = لقطَعَ بتحريمها من لا (١) يقطع به أوَّلًا. الوجه الثاني: أن الذين أفتوا من العلماء ببعض الحِيَل، أو أُخِذَ ذلك من بعض قواعدهم، لو بلغهم ما جاء في ذلك عن رسول الله وأصحابه؛ لرجعوا عن ذلك يقينًا، فإنهم كانوا في غاية الإنصاف، وكان أحدُهم يرجع عن رأيه بدون ما في هذه القاعدة، وقد صرَّح بذلك غير واحد منهم، وإن كانوا مُجْمعين على ذلك. قال الشافعي: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي، وقال: إذا صحَّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط (٢). وهذا لسانُ حال الجماعةِ كلِّهم. الوجه الثالث: أن القولَ بتحريم الحِيل قطعيّ ليس من مسائل (٣) الاجتهاد كما قد بيَّناه، وبيَّنا إجماع الصحابة على المنع منها بكلامٍ غليظ يُخْرِجها عن مسائل الاجتهاد، واتفاق السلف على أنها بدعة مُحْدَثة، وكلُّ بدعةٍ تخالف السنة أو آثار الصحابة؛ فإنها ضلالة، وهذا هو منصوص الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وحينئذٍ (١٥٨/ ب) فلا يجوز تقليدُ من يفتي بها، ويجب نقضُ حكمه، ولا تجوز

стр. 78

الدلالة لأحدٍ من المقلِّدين على من يُفتي بها، مع جواز ذلك في مسائل الاجتهاد، وقد نصَّ أحمد على هذه المسائل في مثل هذا، وإن كنا نعذر من اجتهد من المتقدمين في بعضها. وهذا كما أن أعيان المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدُهم في مسألة المتعة والصَّرْف والنبيذ ونحوها، بل عند فقهاء الحديث: أن من شرب النبيذَ المختَلَف فيه حُدَّ وإن كان متأوِّلًا، واختلفوا في ردِّ شهادته؛ فردَّها مالك دون الشافعي، وعن أحمد روايتان، مع أن الذين قالوا بالصَّرف والمتعة معهم سنَّة صحيحة، لكن سنة المتعة منسوخة، وحديث الصَّرف يُفَسِّره سائر الأحاديث، فكيف بالحيل التي لا أصل لها ألْبتة، بل السنة والآثار تخالفها؟!. وقولهم: مسائل الخلاف لا إنكار فيها؛ ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجَّه إلى القول بالحكم أو العمل. أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنةً أو إجماعًا قديمًا؛ وجب إنكارُه اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك، فإنه يُنكَر، بمعنى: بيان ضعفه عند من يقول: المصيْبُ واحد، وهم عامَّةُ السلف والفقهاء. وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع؛ وجب إنكارُه - أيضًا - بحسب درجاتِ الإنكار، كما ذكرناه من حدِّ شارب النبيذ، وكما يُنْقَض حكم الحاكم إذا خالف سنةً، وإن كان قد اتبع بعض العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها

стр. 79

مَسَاغ؛ لم يُنْكَر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلِّدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس. والصواب: أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليلٌ يجبُ العملُ به وجوبًا ظاهرًا، مثل حديث صحيح لا معارضَ له من جنسه، فيسوغ إذا عُدِم ذلك فيها الاجتهاد، فقد تيقَّنَّا صحة كثير من (١) أحد القولين، وليس فيه طعن على أحدٍ خالفها، مثل كون الحامل المتوفَّى عنها عدتُها وضع الحمل، وأن الجماع المجرَّد [عن إنزال] يوجب الغُسْلَ، وأن ربا الفضل والمتعة حرام، والنبيذ حرام، وأن السنة في الركوع الأخذ بالرُّكَب، وأن ديةَ الأصابع سواء، وأن يد السارق تُقْطع في ثلاثة دراهم، وأن البائع أحق بِسِلْعته إذا أفْلَس المشتري، وأن المسلم لا يُقتل بالكافر، ونحوه كثير جدًّا، من المسح على الخُفَّيْن (٢). فمن بلغه ما في هذا الباب من السنة التي لا معارضَ لها، فليس له عند الله عُذْر بتقليد من ينهاه عن تقليده، ويقول: إذا صحَّ الحديث فلا تَعْبأ (١٥٩/ أ) بقولي. ولو لم يكن في الباب أحاديث لَعَلم المؤمن بالاضطرار أن

стр. 80

محمدًا ﷺ لم يكن ممن يُعَلِّم هذه الحيل ويفتي بها ولا أصحابه، وأنها لا تليق بدين الله أصلًا. الوجه الرابع: أنا لو فرَضْنا أن الحيل من مسائل الاجتهاد، كما يختاره في بعضها طائفةٌ من أصحابنا وغيرهم، فإنَّا إنما بيَّنا الأدلة الدالة على تحريمها، كما في سائر مسائل الاجتهاد، فأما جواز تقليد من يخالف فيها وتسويغ الخلاف فيها، وغير ذلك، فليس هذا موضعَ الكلام فيه، وليس الكلام في هذا مما يختص هذا الضرب من المسائل، ولا يحتاج على هذا التقدير أن يُجاب عن السؤال، وحينئذٍ فمن وضح له الحق؛ وَجَبَ عليه اتباعُه، ومن لم يتَّضِح له؛ فحكمه حكمُ أمثاله في أمثال هذه المسائل. الوجه الخامس: أن المتأخرين أحدثوا حِيَلًا لم يصح القول بها عن أحدٍ من الأئمة، ونسبوها إلى مذهب الشافعيِّ وغيره، وهم مخطئون في نسبتها إليه على الوجه الذي يدَّعونه، يعرفُ ذلك من عرف نصوصَ الشافعي وغيره. فإن الشافعيَّ ليس معروفًا بأن يفعل الحيل ولا يدل عليها، بل يكرهها وينهى عنها، بعضُها كراهةَ تحريم وبعضُها تنزيه، وأكثر الحيل المضافة إلى مذهبه من تصرُّف بعضِ المتأخِّرين من أصحابه، تلقَّوْها عن المشرقيين. نعم، الشافعي يُجْري العقود على ظاهرها من غير سؤال للعاقد عن مقصوده، كما يُجري أمر من ظهرت زندقتُه على ظاهر الأمر إذا تاب، فيقبل توبتَه، وكما يُجري كنايات القذف وكنايات

стр. 81

الطلاق على ما يقول المتكلِّم إنه مقصوده، من غير اعتبارٍ بدلالة الحال، وأُخِذَ (١) من كلامه عدمُ تأثير العقد في الظاهر بما يسبقه من المواطأة، وعدمُ فساده بما يقارنه من النِّيَّات، على خلافٍ عنه في هذين الأصلين. أما أنه يأمر بالكذب والخداع، وبما لا حقيقة له، وبشيءٍ يتيقَّنُ أنَّ باطنَه خلاف ظاهره، فما ينبغي أن يُحكى هذا عن مثل الشافعي، فإن هذا ليس هو (٢) في كتبه، وإنما غايته أن يوجد في قاعدةٍ، وربما لو عَلِمَ أن هذه القاعدة تجرُّ إلى ذلك لما قعَّدَها ولما قَبِلَها، فمن رعايةِ حقِّ الأئمة أن لا يُحْكى هذا عنهم. ولهذا كان الإمام (٣) يكره أن يُحكى عن الكوفيِّين والمدنيِّين والمكيِّين المسائل المستقبحة، مثل: مسألة النبيذ والصرف والمتعة، ومحاشّ النساء = إذا حُكِيت لمن يُخاف أن يقلِّدَهم فيها أو ينتَقِصَهم بسببها. وفَرْقٌ بين أن آمر بشئٍ وأفعله (٤)، وبين أن أقبل من غيري ظاهرَه، قال الإمام أبو عبد الله بن بطَّة (٥): سألت أبا بكر الآجُرِّي عن الخُلْع الذي يُفتي به الناس - يعني: حل اليمين - فقال: سألت

стр. 82

أبا عبد الله الزبيري (١٥٩/ ب) كما سألتني، فقال: هذا لا أعرفه من قول الشافعي، ولا بلغني أن له في هذا قولًا معروفًا، ولا أرى من يدعي هذا عنه إلا محيلًا. وأبو عبد الله الزبيري أحد الأئمة الأعلام من أصحاب الشافعي (١) ﵁. * * *

стр. 83

الوجه الخامس عشر (١): وهو أن الحيل إنما تَصْدُر من رجلٍ كَرِه فِعْل ما أمر الله - سبحانه - به أو تَرْك ما نهى الله عنه، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢٠، ٢١]. إلى غير ذلك من المواضع التي ذمَّ الله فيها من كره أَمْر ربِّه من الصلاة والزكاة والجهاد. وقال في المُرْبِيْن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. فيجب أن نتلقَّى أمرَ الله وأحكامَه بطِيْب نفسٍ وانشراحِ صَدْرٍ، ويجب أن يتيقَّن العبدُ أنَّ اللهَ لم يأمرْه إلا بما فيه صلاحُه، ولم يَنْهه إلا عمَّا في فعله فسادُه، وأن المأمورَ به بمنزلة الغذاء الذي هو قوام العبد، والمنهيَّ عنه بمنزلة السُّمِّ الذي فيه هلاك البَدَن.

стр. 84

ومن تيقَّن هذا لم تَطِبْ [نفسُه] (١) أن يحتالَ على سقوط واجبٍ في فِعله صلاحٌ له، ولا على فِعْل محرَّم في تركه صلاح له - أيضًا -، فإنما تنشأ الحِيَل من ضَعْف الإيمان، فلهذا كانت من النفاق، وصارت نفاقًا في الشرائع، كما أن النفاق الأكبر نفاق في الدين. فإذا كانت الحِيَل مستلزمةً لكراهة أمر الله ونهيه، وذلك محرَّم بل نفاق، فحُكْم المستلزم كذلك، فتكون الحيل محرمة بل نفاقًا؛ لأنها تجر إلى كراهة الأمر والنهي اللذَيْن يحبهما الله ورسوله. الوجه السادس عشر (٢): أن نقول: الشارع لما حرَّم المطلَّقة ثلاثًا على زوجها حتى تنكح زوجًا غيره، ثم يُفارقها، لم يكن مقصوده وجودَ الحلِّ للزوج الأول، فإنه لم ينصب سببًا (٣) يُفضي إليه غالبًا، حيث علَّق وجود الحل بأن تنكح زوجًا غيره، ثم يفارقها، والثاني قد يفارقها وقد لا يُفارقها، فَعُلِم أن الشارع نَفَى الحِلَّ إما عقوبة على الطلاق أو امتحانًا للعباد، أو لما شاء - سبحانه -، ولو كان مقصوده وجوده إذا أراده المكلَّف؛ لنصب له سببًا يُفضي إليه غالبًا، كما نصب البيع للملك إذا أرادَه (١٦٠/ أ) المكلَّف، ولذلك

стр. 85

نصب لحلِّ المرأة بعد الطلقتين إذا أراده المكلَّف سببًا غالبًا وهو تناكُح الزوجَين، فإنهما إذا أراداه فعلاه، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] و ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. فعلَّق قُربان الصلاة على علمه بما يقوله، وقربان المرأة على الطهر، فعلق ذلك بسببٍ يتيسَّر غالبًا؛ لأنه - سبحانه - أراد وجودَ الحلِّ ووجودَ قربانِ الصلاة، بخلاف قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لم (١) يُيَسِّر ذلك له، بل علَّقه على سبب لا يوجد غالبًا ولا يتيسَّر كما أراده المكلَّف ولا في الغالب، فيجب الفرق بين هذا وهذا، أعني: بين ما يُقْصَد وجودُه لكن بشرط وجود غيره، وبين ما يُقْصَد عدمُه لكن بشرط أن لا يوجد غيره. فمثال الأول: [أسباب] حل المال والوطء واللحم، فإن ذلك حرام حتى توجد هذه الأسباب، وهي مقصودة الوجود؛ لأنها [من] مصلحة الخلق. ومثال الثاني: أسباب حل العقوبات من القتل والجَلْد والقَطْع، فإن الدماء والأبشار حرام حتى توجد الجنايات، وهي مقصودة العدم؛ لأن المصلحة عدمها. ومن الثاني: تحريم الخبائث حتى توجد الضرورة، ونكاح

стр. 86

المحلِّل ليس من القسم الأول؛ لأن السبب المبيح ليس منصوبًا لحصول الحل، أعني: حلها للأول، بل لحصول ما يُنافيه، فلا يكون حلُّها للأول مقصودًا للشارع إذا أراده المكلَّف. إذا تبيَّن هذا، فإذا نَكَحَها ليُحِلَّها لم يقصد النكاح وإنما قَصَد أثر زوال النكاح، وهذا لم يقصده الشارع ابتداءً، وإنما أثبته عند زوال النكاح الثاني، فلا تتفق إرادة الشارع والمحلِّل على واحدٍ من الأمرين، إذ نكاحه إنما أراده للحل، والشارع إنما أراد ثبوت الحل تبعًا للنكاح المتعقِّب للطلاق، فلا يكون واحد منهما مرادًا لهما، فيكون عَبَثًا من جهة الشارع والعاقد، وما لا يُطابق إرادة الشارع غير معتبر. وكذا الخُلْع لحلِّ اليمين، فإن الخلع إنما جعله الشارع لأجل البينونة التي يحصل بها مقصود المرأة من الافتداء، وحل اليمين يقع تبعًا لحصول البينونة، فإذا خالَعَ امرأتَه ليفعل المحلوفَ عليه لم [يكن] (١) قصدهما البينونة، بل حل اليمين، وحلها إنما جاء تبعًا، فتصير البينونة لأجل حلّ اليمين، وحلّ اليمين لأجل البينونة، فلا يصير واحد منهما مقصودًا منهما، فلا يُشرع عقدٌ ليس مقصودًا في نفسه، ولا مقصودًا (١٦٠/ ب) لما هو مقصود في نفسه من الشارع والعاقد جميعًا؛ لأنه عبث. وتفاصيل الكلام فيها طول لا يسعه هذا الموضع.

стр. 87

وأيضًا: فالمحلِّل يقصد أن ينكح ليُطلِّق، وكذا المخالع يقصد أن يُخالع ليُراجع، والعقدُ لا يُقْصَد به ضدُه ونقيضُه، فإن الطلاقَ لا يُقصد (١) بالنكاح، كما أن البيع لا يُعْقَد للفسخ، والهبة لا تُعقد للرجوع فيها قط، وليس له أن يحرم مفرِدًا أو قارنًا لقَصْد فسخ الحج والتمتُّع بالعمرة، فإن الفسخ إعدام العقد ورفعه، فإذا عقد العقد لأن يفسخه، كان المقصود هو عدمُ العقد، فلا يكون العقد مقصودًا أصلًا، فيكون عبثًا. ولا يقال: مقصوده ما يحصل بعد الفسخ من الحل للمطلِّق؛ لأن الحل إنما يثبت إذا ثبت العقد ثم انفسخ، ومقصود العقد حصول موجِبِه، ومقصود الفسخ زوال موجبه، فإذا لم يقصد ذلك فلا عقد فلا فسخ، فلا يترتَّبْ عليه تابُعِه، وهذا بيِّن لمن تأمَّله، ولهذا سُمِّي هذا متلاعِبًا مستهزءًا، ولهذا يظهر الفرق بين هذا وبين المقاصد الفرعيَّة في النكاح، مثل من يقصد أن يتزوَّج امرأةً لمصاهرةِ أهلها أو لترَبِّي أولادَه، فإن هذا لا يُنافي النكاح، بل يستدعي بقاءَه ودوامَه، فإن الشيءَ يُفْعَل لأغلب فوائدِه، ولأنْدَرِ فوائده (٢) بحيث لا تكون تلك المقاصد مُنافية لحقيقته بل مُجامعة لها، أما أن يَفْعَل لرفع حقيقته، ويوجد لمجرَّد أن تعدم؛ فهذا باطل.

стр. 88

فإن قيل: لا شك أن قصد تراجعهما قصد صالح؛ لما فيه من المنفعة لهما ولولدهما. قيل: هذه مناسبة شهد الشارعُ لها بالإلغاء والإهدار، ومثل هذا هو الذي يُحل الحرام ويُحرِّم الحلال، وما جاء الشرعُ بإلغائه فاعتبارُه مراغمةً للشارع، تصدر من عدم ملاحظة حكمته، أو عدم مقابلته بالرضى والتسليم (١)، وهي في الحقيقة لا تكون مصالح (٢) وإن ظنَّها الظَّانُّ أنها مصالح، بل حكمة الله التي شَرَع قد عَلِمَها الله ورسولُه ومن شاءَ من خلقه، خلافَ ما رآه هذا القاصِر، ولهذا كان الواجب طاعة الله ورسوله فيما ظهر لنا حُسْنُه وفيما لم يظهر، فإن خير الدنيا والآخرة طاعة الله ورسوله. ومن رأى أن الشارع قد حرَّم هذه على مُطَلِّقها ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره، وعَلِم أن النكاح الحسن الذي لا ريب في حِلِّه هو نكاح الرغبة = عَلِم قطعًا أن الشارع لم يكن متشوِّفًا إلى ردِّ هذه إلى زوجها إلا أن يقضي الله ذلك بقضاءٍ يُيَسِّره ليس للخَلْقِ فيه صُنْع، ولو كان هذا المعنى مطلوبًا لسَنَّه وندبَ إليه كما نَدَب إلى الإصلاح بين (١٦١/ أ) الخَصْمَين. وقد قال من لا ينطق عن الهوى: "ما تركتُ من شيءٍ يُقرِّبُكُم إلى الجنَّة إلا وَقَد حدَّثْتُكُمْ به، ولا مِن شيءٍ يُباعِدُكم عن النَّارِ إلا وقد حَدَّثتكم به، تَرَكْتُكم على البَيْضاءِ

стр. 89

ليلُها كنهارها لا يزيغُ عنها بَعْدي إلا هالِكٌ" (١). وقد علمَ اللهُ كثرةَ وقوع الطلاق الثلاث، فهلَّا ندبَ إلى التحليل وحضَّ عليه! ولِمَ زجر الرسول وخلفاؤه (٢) عن ذلك؟ ولعنوا فاعِلَه من غير استثناء نوعٍ، ولا ندب إلى شيءٍ من أنواعه، ولو كان مقصودُ الشارع ردَّها لما حرَّمها عليه؛ لأن الدفعَ أهونُ من الرفع. وما يحصل في ذلك من الضرر فإن المطلِّق هو الذي جلَبَه على نفسه، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. فصلٌ (٣) ومما ظن المحتالون أنه من الحِيَل: سائر العقود الصحيحة؛ فقالوا: البيع احتيالٌ على حصول الملك، والنكاح احتيال على حصول حل البضع، وكذلك سائر تصرفات الخلق، فهو احتيال على طلب مصالحهم التي أحلَّها الله تعالى لهم.

стр. 90

وقد قال النبيُّ ﷺ لعامله: "بِع الجَمْعَ بالدراهم ثم ابْتَع بالدَّراهِم جَنِيْبًا" (١)، فعقد العقد الأول ليتوسل به إلى العقد الثاني. وهذه حيلة تضمنت حصول المقصود بعد عَقْدَين، فهي أوكد مما تضمنت حصولَه بعد عقد واحد، وأشْبَهَتْ العِيْنة، فإنه قصد أن يعطيه دراهم، فلم يمكن بعقد واحد، فعقد عقدين، بأن باع السلعة ثم إبتاعها. والجواب عن هذا: أن تحصيل المقاصد بالطرق المشروعة إليها، ليس من جنس الحِيَل، سواء سُمِّي حيلة أولم يُسَمَّ، فليس النزاع في مجرَّد اللفظ، بل الفرق بينهما ثابت من جهة الوسيلة والمقصود، اللَّذَيْن هما المحتال به والمحتال عليه، وذلك أن البيع مقصوده أن يجعل ملك الثمن للبائع، ويحصل ملك المبيع للمشتري، فيكون كل منهما ملكًا لمن انتقل إليه كسائر أملاكه، وذلك في الأمر العام إنما يكون إذا قَصَد المشتري ملك السلعة للانتفاع بعينها أو انفاقها أو التجارة فيها. فإن كان قصده ثمنها فيبتاعها ثم يبيعها ويَسْتَنْفِق ثمنَها، فهي التَّوَرُّق، وفيها خلاف ذكرناه (٢). فأما إذا كان مقصود (١٦١/ ب) الرجل نَفْس الملك المباح بالبيع وما هو من توابعه، وحصَّله بالبيع، فقد قَصَد بالسبب ما

стр. 91

شرعَه الله له، وأتى بالسبب حقيقةً، وسواء حصل ذلك بعقد أو عقدين. مثل أن يكون بيده سِلْعة وهو يُريد سلعة أخرى غيرها لا تُباع بسلعة لمانع شرعي أو عُرْفي أو غيره، فيبيع سلعته ليملك ثمنها، وتملُّك الثمن أمر مقصود مشروع، ثم يبتاع التي يريدها. وهذه قضية بلال (١) ﵁ بخيبر سواء، فإنَّه قصد بالبيع ملك الثمن، ثم ابتاع بالثمن جَنِيْبًا، فلما كان بائعًا قَصَدَ ملك الثمن حقيقةً، ثم لما كان مُبتاعًا قَصَدَ ملك السلعة حقيقةً. فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري منه؛ فلا محذور فيه ألبتة، لأن كلَّ واحد من العقدين مقصود، ولذلك يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض ونحو ذلك. وأما إن ابتاع بالثمن من مُبْتاعه من جِنْس ما باعه، فَيُخاف أن لا يكون العقد الأول مقصودًا منهما، بل قصدهما بيع السِّلْعة الأولى بالثانية، فيكون ربًا، ويظهر أثر ذلك بأنه لم يحرز الثمنَ ولا نَقَدَه ولا قَبَضَه، فيُعْلَم أنه لم يقصد بالعقد الأول ملك الثَّمن، بل عَقَد العقد الأول على أن يُعيد إليه الثمن ويأخذ الأخرى، وهذا تواطؤٌ منهما حينَ عَقْدِه على فَسْخِه، فلم يكن العقد الأول مقصودًا، فوجوده كعدمه، فيكون (٢) قد اتفقا على أن يبتاع بالتَّمْرِ تَمْرًا أو ربما تشارطا على سعر إحدى السلعتين في الأخرى أوَّلًا، ثم بعد ذلك

стр. 92

يفعلا العقد بالدراهم صورةً لا حقيقةً. والعقدُ لا يُعْقَد ليُفْسَخ من غير غَرَض يتعلَّق بنفس وجوده، فإن هذا باطل كما تقدَّم بيانُه (١)، ولو كان هذا مشروعًا لم يكن في تحريم الربا حكمة إلا تضييع الزمان، وإتعاب النفوس بلا فائدة، فإنه لا يشاءُ شاءٍ أن يبتاع ربويًّا بأكثرَ منه من جنسه إِلَّا قال: بعتُك هذا بكذا، واشتريتُ منك هذا بهذا الثمن، فلا يعجز أحدٌ عن إحلال ربًا حرَّمه الله تعالى قطُّ. وكذلك جميع ما نهى عنه، فيا سبحان الله! أيعودُ الرِّبا الذي حرَّمه الله ولعنَ آكله وشاهديه وكاتبه (٢)، وعظَّم أمره، وأوجَبَ محاربة مستحلِّه = إلى أن يُسْتحلَّ جميعُه بأدنى سَعْي من غير كُلْفةٍ أصلًا، إلا بصورة عَقْد هي عبث ولعب يُضْحَك منها ويُسْتَهزأُ بها؟ ! . أم يَسْتحسن مؤمن أن ينسب نبيًّا من الأنبياء فضلًا عن سيد المرسلين، بل أن ينسب ربَّ العالمين إلى [أن] يحرِّم (٣) هذه المحرمات العظيمة ثم يُبيحها بضربٍ من اللعب والهزل (١٦٢/ أ) الذي لم يُقْصَد؟ ! . وجِمَاعُ ذلك: أنه إذا اشترى منه ربويًّا، ويريد أن يشتري منه بثمنه من جنسه، فإما أن يتواطئا عليه لفظًا، أو يكون العرف قد

стр. 93

جرى بذلك، أو لا يكون كذلك. فإن كان فهو عقد باطل؛ لما تقدم من عدم قَصْد العقد. وإن لم يَجْر بينهما مواطأة، لكن قد عَلِم المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه فهو كذلك؛ لأن علمه بذلك يمنع من قَصْد الثمن من كل منهما، بل علمه بذلك ضرب من المواطأة العرفية. وإن كان [قصد] البائع الشَّرْيَ منه ولم يعلم المشتري؛ فهنا قال الإمام أحمد: لم يجز إلا أن يمضي ليشتري من غيره فلا يمكنه ثم يرجع فيشتري منه (١). وكذلك كره مالك أن يبتاع منه في الوقت أو بعد يوم أو يومين. قال ابن القاسم: فإن طال الزمان فلا بأْس. والذي ذكره أحمد؛ لأنه متى قَصَد الشَّرْيَ منه قد لا يحتاط في الثمن لعدم قصده تملُّكَه، بخلاف ما إذا راح ليشتري من غيره فلم يجد، فإنه يقع العقد الأول مقصودًا بلا خلل من عدم النقد والوزن وغيره، فيجوز. ثم إن المتقدمين من أصحابه حملوا المنع على التحريم. وقالط القاضي وابنُ عقيل وغيرهما: إذا لم يكن عن حيلةٍ ومواطأة؛ لم يحرم، وقد أومأ إليه أحمد في رواية الكرماني في رجل اشترى

стр. 94

من رجلٍ ذهبًا ثم باعه منه؟ قال: يبيعه من غيره أعجب إليَّ. وذكر ابنُ عقيل أن أحمد لم يكرهه في رواية أخرى، وقد تقدم (١) عن ابن سيرين أنه قال: كان يكره للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير، وهذا إخبار عن الصحابة، فإن ابن سيرين من أكابر التابعين. وهذه المسألة عكس مسألة العِيْنة؛ لأنه قد عاد الثمن إلى المشتري، وفي العِيْنة قد عاد المبيع إلى البائع. ثم إن كان في الموضِعَين لم يقصد الثمن ولا المبيع، وإنما جُعل وُصْلة إلى الربا، فلا ريب في تحريمه، وكلام أحمد وغيره في ذلك كثير، وصرَّح به القاضي في مسألة العينة، وإن كان أبو الخطَّاب قد جعل في صحته وجهين، فإن الأول هو الصواب. ولهذه المسائل مأْخَذٌ آخر عند أبي حنيفة وأصحابه وهو: كون الثمن إذا لم يُستوفَ لم يتم العقد الأول، فيصير الثاني مبنيًّا عليه، وهو خارجٌ عن قاعدة الحِيَل والذرائع، فصار لها ثلاثة مآخذ. والتحقيق: أنها إذا كانت من الحيل أُعْطِيت حكمَها وإلا اعتُبِر فيها المأخذان الآخران، هذا إذا لم يقصد العقد الأول، وإن كان قد قصده حقيقةً فهو صحيح، لكن مادام الثمن في ذمةِ المشتري لم يجز أن يشتري منه المبيع بأقل منه من جنسه، ولا يبتاع منه بالثمن ربويًّا لا يباع بالأول (١٦٢/ ب) نساءً، لأن أحكام [العقد] الأول لا

стр. 95

تُستوفَى إلا بالتقابض، فمتى لم يحصل التقابض كان ذريعة إلى الربا، وإن تقابضا وكان العقد مقصودًا فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره. وأما قوله ﷺ لبلال: "بِع الجَمْعَ بالدراهم ثُمَّ ابْتَعْ بالدراهم جَنِيْبًا" (١)، فليس فيه دلالة عَلى الاحتيال بالعقود التي ليست مقصودة لوجوه: أحدها: أنه أمره أن يبيع سلعته الأولى، ثم يبتاع بثمنها سلعة أخرى، ومعلوم أن ذلك إنما يقتضي البيعَ الصحيح، ونحن نقول: كلُّ بيع صحيح فإنه يفيد الملك، لكن الشأن في بيوع قد دلَّت السنة على أن ظاهرها - وإن كان بيعًا - فإنها ربا، وهي بيع فاسد، ومثل هذا لا يدخل في الحديث حتى يثبت أنه بيعٌ صحيح، فلا حجَّةَ فيه على صحة صورة من صور النزاع ألبتة. والنكتة أن يُقال: الأمر المطلق [بالبيع] إنما يقتضي الصحيح، ونحن لا نُسلِّم صحة ذلك (٢). الوجه الثاني: أن الحديث ليس فيه عموم؛ لأن الأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرًا بشيءٍ من قيودها؛ لأن الحقيقة مشتركة بين

стр. 96

الأفراد، والقَدْر المشترك ليس هو ما تميَّزَ به كلُّ واحدٍ من الأفراد عن الآخر ولا هو مستلزمًا له، فلا يكون الأمر بالمشترك أمرًا بالمميز بحال. نعم هو مستلزم لبعض تلك القيود لا بعينه، فيكون عامًّا لها على سبيل البدل، فلا يقتضي العموم للأفراد على سبيل الجمع، وهو المطلوب. فقولُه: "بع هذا الثوب" لا يقتضي بيعَه لزيد ولا لعَمرو، ولا بكذا، ولا بهذه السوق؛ لكن متى أتى بالمسمَّى حصل ممتثلًا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة وجود تلك القيود، وهذا لا خلاف فيه. فليس في الحديث أن يبتاع من المشتري ولا من غيره، فلا يدل لفظُه على شيءٍ من ذلك بعينه، ولا على جميع ذلك، مطابقة ولا تَضَمُّنًا ولا التزامًا، كما لا يدل على بيعه حالًا أو مؤجلًا، ولا بثمن المثل أو غيره؛ لخروج هذه القيود عن مفهوم اللفظ، وإنما استفيد عدم الإجزاء إذا باع بدون ثمن المثل أو بغير نقد البلد من العُرْف الذي ثبت للبيع المطلق. وكذلك ليس فيه دليل على أنه يبيعه من المشتري ولا من غيره؛ لكن إنما يُستفاد ذلك من أدلة أخرى، فما أباحته الشريعة جاز فِعْلُه، وما لا فلا. وبهذا يظهر الجواب عن قول من يقول: لو كان الابتياع من المشتري حرامًا لنهى عنه، فإن مقصوده ﷺ إنما كان بيان الطريق التي بها يحصل اشتراء التَّمْر الجيِّد لمن عنده رديء، ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه، لكون المقصود ذكر الحكم على وجه

стр. 97

الجملة، أو لأن المخاطَب (١٦٣/ أ) يفهم البيعَ الصحيحَ، فلا يحتاج إلى بيان. فلا يُحْتج بهذا الحديث على نَفْي شرطٍ مخصوص، كما لا يُحْتج به على نفي سائر الشروط. الوجه الثالث: أن قوله: "بِع ... " إنما يُفْهم منه البيع المقصود الخالي عن شرط يمنع كونه مقصودًا، ودليل ذلك: أنه لو قال: بعتُ هذا، أو بِعْ هذا، لم يُفْهم منه بيع المكره، ولا بيع الهازل، وإنما يُفْهم البيع الذي قصد به نقل الملك، ولو قالوا: "فلان باع دارَه" لم يُفْهم منه (١) بيع لا حقيقةَ له، فلا تدخل هذه الصورة في لفظ البيع؛ لانتفاء مسمَّى البيع المطلق. الوجه الرابع: أنَّه ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (٢)، ومتى تواطئا على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه، فهو بيعتان في بيعة، فلا يكون داخلًا في الحديث. الوجه الخامس: أنه لو فُرِضَ أن في الحديث عمومًا لفظيًّا؛ فهو مخصوص بصور لا تُعَدُّ، فإنَّ كلَّ بيع فاسد لا يدخل فيه،

стр. 98

فتضعُف دلالته. وتُخَص منه هذه الصورة - أيضًا - بما ذكرناه من الأدلة التي هي نصوص في بطلان الحِيَل، وانظر قوله: "لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ لَه" (١)، فإنه عام لفظًا ومعنًى لم يُخص منه شيء ولم يعارضه نصٌّ آخر، فأيهما أولى بالتخصيص؛ هو أم قوله: "بِع الجَمْعَ بالدراهم ثم ابْتَع بها جَنِيْبًا"؟ مع أنه ليس بعامٍّ لفظًا ولَا معنًى، بل هو مطلق. * * *

стр. 99

الوجه السابع عشر (١): أن الحِيَل مع أنها محدثة فإنها من باب الرأي، وإنما أحدثها من كان الغالبُ عليهم اتِّباعَ الرأي، فيدلُّ على بطلانها ما ورد من الحديث والأثر في ذمِّ الرأي وأهله؛ لأنها رأي محض، ليس فيها أثر ولا لها نظير. وهذا مثل قوله ﷺ : "إنَّ اللهَ لا يَنْزعُ العلمَ بعد أن أعطاهُمُوه ولكنْ بقبْضِ العلماء، فيَبْقَى ناسٌ جُهَّال يُسْتَفتَونَ فَيُفْتُوْنَ برَأْيهم فيَضِلُّون ويُضِلُّون" رواه البخاري (٢)، وهو مشهور في "الصحيحين" (٣) وغيرهما. إلى أحاديث أُخَر، مثل قوله: "سَتَفْترق أُمَّتي على بضعٍ وسبعين فرقة؛ أعظمها فتنةً الذين يقيسون الأمورَ برأيهم، فيُحِلُّون الحرامَ ويُحَرِّمون الحلالَ" (٤). وهذا مشهور عن نُعَيم بن حماد،

стр. 100

ورواه عدة من الثقات عنه، وإسناده في الظاهر جيد (١)، ومعناه شبيه بالواقع. إلى غيره من الأحاديث التي اشتهرت بِرَدِّ مذهب أهل الأهواء. ورُوِيَ عن ابن مسعود أنه قال: "ليسَ عامٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه، لا أقولُ: عامٌ أَمْطر من عام ولا أَخْصَب، ولا أَميرٌ خيرٌ من أمير؛ ولكن ذهابُ خيارِكم وعلمائكم، ثمَّ يحدثُ قومٌ يقيسونَ الأمورَ برأيهم، فَيُهدم الإسلامُ ويُثْلَم" (٢). وفي ذم الرأي آثار مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وهذا إنما يُحمل على قياس عارض الكتابَ والسنةَ وما كان عليه سلفُ الأمة، فهذا هو الذي يهدم الإسلام، بأن يضع الاسم على غير موضعه، أو يُراعَى (١٦٣/ ب) مجرَّدُ اللفظ دون موضوعه، ولا يخفى أن الحِيَل تندرج في ذلك. ولا يُراد بهذا اجتهاد الرأي على الأصول من الكتاب والسنة والإجماع، ممن يعرف الأشباهَ والنظائرَ، مثل قياس تشبِيهٍ وتمثيل، أو قياس تعليل وتأصيل، قياسًا لم يُعارضْه ما هو أولى منه، فإن أدلة جواز هذا كثيرة جدًّا. وأيضًا: ليس في هذا القياس تحليل ولا تحريم بخلاف

стр. 101

الأول، فإنه الذي يهدم الإسلام باستحلال المحرمات الظاهرة بنوع تأويل، وهذا بيِّن في الحِيَل، فإن تحريم السِّفاح والرِّبا والخمر ونحو ذلك، هو من الأحكام الظاهرة، وإنما يضلّ من يتأوَّل ويَسِمُ الشيءَ من ذلك بغير اسمه، ويُحِلُّه بنوع حيلةٍ، فيهدم الإسلام حينئذٍ. قال بِشْرُ بنُ السَّريّ (١) - وهو من العلماء الثقات أخذ عنه الإمام أحمد وغيره - قال: نظرتُ في العلم، فإذا هو الحديث والرأي، فالحديث فيه ذِكْرُ النبيين والمرسلين، وذكرُ الموت وربوبيةُ الرب، وجلالُه (٢) وعظمتُه، والجنةُ والنارُ، والحلالُ والحرامُ، والحثُّ على صلة الأرحام. ونظرتُ في الرأي، فإذا فيه المكر والخديعة والتشاحُّ والمماكسة في الدين، واستعمال الحيل، والبعث على قطع الأرحام. وروي مثل هذا عن يونس بن أسلم (٣). وقال الإمام أحمد - وذكر الحيل من أصحاب الرأي - فقال: يحتالون لنقض سنن رسول الله ﷺ (٤). الوجه الثامن عشر (٥): أنَّ النبيَّ ﷺ أخبر أن أول ما تفقدون

стр. 102

من الدين الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة (١). وحدَّث عن رفع الأمانة الحديثَ المشهورَ، وفيه: "أنه يحدُثُ قومٌ يشهدون ولا يُسْتشهدون، ويَخُونون ولا يُؤْتمنون ... " (٢). وهذه أحاديث صحيحة. ومعلوم أن الحيل تفتح بابَ الخيانة والكذب؛ لاتفاقهما على إظهار عقد ليس له حقيقة، ولهذا لا يطمئن القلبُ إلى من يستحلُّ الحِيَلَ؛ خوفًا من مكرِه، وقد قال [ ﷺ ]: "يُنْصَبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ عند اسْتِهِ بقدْرِ غَدْرَتِهِ" (٣). يُبَيِّنُه: الوجه التاسع عشر: وهو أن الله - سبحانه - أوجب في المعاملات خاصةً، وفي الدين عامةً النصيحةَ والبيانَ، وحرَّم الخلابة والغش والكتمان، ففي "الصحيحين" (٤) عن جرير قال: "بايعتُ رسولَ اللهِ على النُّصْحِ لكلِّ مُسْلم".

стр. 103

وعن تميم عن النبي ﷺ قال: "الدينُ النَّصيحة، الدينُ النَّصيحة، الدينُ النَّصيحة، قالوا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١). وقال: "من غَشَّنا فليسَ مِنَّا" رواه مسلم (٢). وقد عُلِمَ أنَّ المحتال ليس بناصِح (١٦٤/ أ) للمحتال عليه، بل هو غاشٌّ له، وهذا ظاهر في مثل الحِيَل التي تبطل الحقوق، وكثير من الحيل لا تتم إلا بوقوع الكذب أو الكتمان (٣). وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "بَيْعُ المُحَفَّلات خِلابَة، ولا تحلُّ الخِلَابَةُ لمسلمٍ" (٤). وهذا نص في تحريم جميع أنواع الخلابة في البيع وغيره. والخلابة: الخديعة، يقال: رجل خلَّاب، أي: خدَّاع، وامرأة خلَّابة، أي: خدَّاعة. والبرق الخُلَّب، والسحاب الخُلَّب: الذي لا غيث معه، كأنه يخدع من يراه.

стр. 104

وفي "الصحيحين" (١) عن الرجل الذي كان يُخْدَع في البيع، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا بايعتَ فقلْ: لا خِلابَة". وهذا شرط موافقٌ لمقتضى العقد؛ ولكن أراد بيانه - أيضًا - بالشرط، كما قال ﷺ في بيع العدَّاء (٢): "بيع المسلم للمسلم لا داءَ ولا غائلةَ ولا خِبْثَةَ" (٣). يُبَيَّنُه قوله: "ولا تحلُّ الخلابةُ لمسلمٍ"، وإذا حُرِّمت الخلابة فالحيل خلابة، إما مع الخَلْق أو مع الخالق، وهو - سبحانه - أحق أن يُستحيى منه. الوجه العشرون (٤): ما أخرجاه في "الصحيحين" (٥) عن أبي حُميد الساعدي قال: استعمل نبيُّ الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِيَّة على الصدقة، فلما قَدِم قال: هذا لكم وهذا أُهديَ لي، قال: فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فَحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني استعملُ الرجلَ منكم على العمل مما ولَّاني

стр. 105

الله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا أُهدي لي، أفلا جَلَس في بيت أبيه وأُمِّه حتى تأتي هديَّتُه إن كان صادقًا، والله لا يأخذ أحدكم شيئًا بغير حقَّه إلا لقيَ اللهَ يَحْمِلُه يومَ القيامة ... " الحديث. فوجه الدلالة: أن الهدية عطيَّة يُبْتَغَى بها وجهُ المعطي وكرامتُه، فلم ينظر النبيُّ ﷺ إلى ظاهر الإعطاء قولًا وفعلًا، ولكن نظر إلى قصد المعطين ونياتهم، التي تُعْلَم بدلالةِ الحال، فإن كان الرجل بحيث لو نُزِع عن تلك الولاية أُهدي له تلك الهدية، لم تكن الولاية هي الداعية للناس إلى عطيَّتِه، وإلا فالمقصود بالعطيَّة إنما هي ولايته؛ إما ليكرمهم فيها أو يخفف عنهم، أو يقدمهم على غيرهم، أو نحو ذلك، فاعتبر ﷺ قصدَهم، فكان هذا أصلًا في اعتبار المقاصد ودلالات الحال في العقود، وهو المطلوب. وهذا الحكم الذي ذكره النبي ﷺ أصلٌ عظيم في كل من أخذ شيئًا أو أعطاه تبرُّعًا لشخص أو معاوضة بشيءٍ في الظاهر وهو في القصد والحقيقة لغيره، فإنه يقال: هلَّا تركَ ذلك الشيء الذي هو المقصود، ثم ينظر هل يكون ذلك الأمر إن كان صادقًا. فيقال في جميع العقود الربوية - إذا كانت خداعًا - مثل ذلك، كما ذكرناه. (١٦٤/ ب) وهذا الأصل لكل من بذل لجهةٍ لولا هي لم يبذله، فإنه يَجْعل تلك الجهة هي المقصودة بذلك البذل، فيكون المال لربِّ تلك الجهة، إن حلالًا فحلال وإلا فحرام (١).

стр. 106

ونظير حديثِ ابنِ اللُّتْبِيَّة، وهو: الوجه الحادي والعشرون: ما روى ابنُ ماجه (١) عن يحيى بن [أبي] (٢) إسحاق الهُنَائي قال: سألتُ أنسَ بنَ مالك: الرجلُ مِنَّا يُقرض قرضًا لأخيه، فيهدي إليه؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أَقْرَض أحدُكم قرضًا فأُهْدِي إليه أو حَمَله على الدابة، فلا يَقْبَلْه ولا يركبها، إِلا أَن يكون جرى بينَه وبينَه قبل ذلك". هكذا رواه ابن ماجه، ورواه سعيد (٣) والبخاري في "تاريخه" (٤). وروى البخاري في "صحيحه" (٥) عن أبي بُرْدة قال: قَدِمتُ المدينةَ فلقيتُ عبدَ الله بن سَلَام فقال لي: إنَّك بأرضٍ الرِّبا فيها فاشٍ، فإذا كان لكَ على رجلٍ حقٌّ فأهدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حِمْلَ شعيرٍ أو قَتٍّ، فلا تأخُذْه، فإنَّه رِبا. وروى سعيد في "سننه" هذا المعنى عن أُبي بن كعب. وجاء عن عبد الله بن مسعود، وعن عبد الله بن عمر (٦).

стр. 107

فنهى النبيُّ ﷺ وأصحابُه المُقْرِضَ عن قبول هدية المُقْترض قبل الوفاء؛ لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء، فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة وأَلْف مؤخَّرة، وهذا ربا. ولهذا جاز أن يزيده عند الوفاء، ويُهدي له بعد الوفاء؛ لزوال المعنى، ومن لم ينظر إلى المقاصد أجاز وخالف السنة، وهذا بين لمن تدبَّره من غير هوى. قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦] وهو أن يُهْدي ليُهْدَى إليه أكثر مما أَهْدى، فهذا كلُّه دليل على أن صور العقد غير كافية، فكلّ ما لو شَرَطه في العقد كان عوضًا فاسدًا فقصده فاسد؛ لأنه لو كان صالحًا لما حَرُم اشتراطه؛ لقوله [ ﷺ ]: "المُسْلِمونَ على شروطِهم إلا شَرْطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا" رواه أبو داود (١). الوجه الثاني والعشرون: أن أصحابَ النبي ﷺ أجمعوا على تحريم هذه الحيل وإبطالها، وإجماعُهم حجةٌ قاطعة يجب اتباعُها، وليس في ذلك خلاف بين الفقهاء ولا بين سائر المؤمنين الذين هم

стр. 108

مؤمنون، وإنما خالف فيه بعض أهل البدع. وبيانُ إجماعهم ما سنذكره (١) إن شاء الله عن عمر أنه خطب الناسَ على منبر رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وقال: "لا أُوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما". ويُذكر عن عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وغيرهم: أنهم نهوا عن التحليل وإن لم يشترط في العقد ولا قبله، وهذه أقوالٌ قيلت في أوقات مختلفة، وأماكن متعددة، وقضايا متفرِّقة (١٦٥/ أ)، ولم يُنكِرْ ذلك أحد مع طول الأزمنة وانتفاء الموانع. وقد تقدَّم (٢) عن غير واحد من أعيانهم، مثل أُبَيِّ بن كعب وابن مسعود وعبد الله بن سلام وابن عمر وابن عباس: أنهم نهوا المُقْرِض عن قبول الهدية إلا إذا كافأه عليها، أو حسبها من دينه، وجعلوا قبولها ربًا. وهذه أيضًا أقوال اشتهرت ولم تُنكر فيكون ذلك إجماعًا. وأيضًا: قد تقدم (٣) ما رُوِيَ عن عائشة في مسألة العينة. فكيف يكون قول هؤلاء في إسقاط الزكاة والشفعة وتأخير الصوم، وإخراج الأبضاع والأموال عن ملك صاحبها، وتصحيح العقود الفاسدة (٤)؟ ! .

стр. 109

وأيضًا: فإن عمر وعثمان وعليًّا وسائر البدريين وغيرهم = اتفقوا على [أن] (١) المبتوتة في المرض ترث، ولم يُنكر ذلك أحد. فعُلِم أنهم كانوا يعتبرون القصود ويحرمون هذه الحِيَل، وهذا إذا تأمَّله اللبيب؛ قطعَ بتحريم جنس هذه الحيل وإبطالها. الوجه الثالث والعشرون (٢): أنَّه - سبحانه - إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما فيه من المصالح لخلقه، ودفع المفاسد عنهم؛ ولأن يبتليهم بأن يميز من يطيعه ممن يعصيه، فإذا احتال المرءُ على حلِّ المحرم أو سقوط الواجب [بأن يعمل عملًا لو عُمِل على وجهه المقصود به لزال ذلك التحريم أو سقط ذلك الواجب ضمنًا وتبعًا لا أصلًا وقصدًا، ويكون إنما عمله ليغير ذلك الحكم أصلًا وقصدًا] (٣)، والله تعالى إنما حرَّم الربا والزنا وتوابعهما؛ لما في ذلك من الفساد، وأباحَ البيعَ والنكاحَ لما فيه من المصلحة، ولا بدَّ أن يكون بين الحلال والحرام فرق، وإلا لكان البيع مثل الربا، والفرقُ في الصورة دون الحقيقة غيرُ مؤثِّر؛ لأن الاعتبار بالمعاني، فإن الألفاظَ إذا اختلفت ومعناها واحد كان حكمها واحدًا، بخلاف العكس (٤). فالأمر المحتال به صورتُه صورة الحلال، وليس حقيقته

стр. 110

ومقصوده ذلك، فيجب ألا يكون بمنزلته، فلا يترتَّب عليه حكمه. الوجه الرابع والعشرون: أنك إذا تأملتَ عامةَ الحيل وجدتَها دفعًا (١) للتحريم أو الوجوب، مع قيام المعنى المُقْتضي للوجوب أو التحريم، فيصير حرامًا من وجهين: من جهة أن فيها فِعْل المحرَّم وترك الواجب. ومن جهة أنها خِداع وتدليس، وخِلابة ومَكْر، ونفاق واعتقاد فاسد. وهذا الوجه أعظمها إثمًا؛ لأنه بمنزلة البدع والنفاق، بخلاف الأول، فإنه بمنزلة سائر العُصاة. وإذا استفرغ الرجلُ وُسْعَه وعمل بها كان معذورًا، فيمنع من لحوق (١٦٥/ ب) الذمِّ، [وإلا] (٢) كان المقتضي للذم قائم (٣)، ولهذا كان التغليظ على من يأمرُ بها ويدلُّ عليها متبوعًا في ذلك أعظم من التغليظ على من يعمل بها مقلِّدًا. وهذا الوجه مما اعتمد عليه أحمد، قال أبو طالب: سمعتُ أبا عبد الله قال له رجل في "كتاب الحيل": إذا اشترى الرجل أمةً فأراد أن يقع بها، يُعتقها ثم يتزوجها؟ فقال أحمد: بلغني أن المهديَّ اشترى جارية فأعجبته، فقيل له: أعتقها وتزوجها، فقال:
следующие страницы →