← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الدعاء في صلاة الاستسقاء: ٤٨٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبرٍ، فوضع له بالمصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوةً وبلاغًا إلى حينٍ، ثم رفع يديه، فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابةً، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت". رواه أبو داود وقال: غريب، وإسناده جيد. "شكا" الشكاية معناها: رفع الشكوى، والشكوى هي: ذكر ما يتألم به الإنسان لمن يزيله مثل: الرجل يشكو إليك الفقر معناه يذكر لك هذا الفقر من أجل أن تزيله سواء أزلته بنفسك أو أزلته بوسيلة، الناس رفعوا إلى الرسول- ﵊ ما حل بهم لأجل أن يزيل هذا ليس بنفسه، ولكن بواسطة دعائه، وقولها: "قحوط المطر" قحوط هو: فحط مصدر قحط يقحط أو يقحط بمعنى: انحبس وامتنع، والمعنى: أن المطر تأخر واحتبس فشكوا للنبي ﷺ . قالت: "فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى"، المنبر مأخوذ من النبر وهو الارتفاع، وكل شيء مرتفع بالمعنى العام منبر، لكن المراد به هنا: المنبر الذي يصنع، والظاهر أنه صنع من خشب، وقولها: "بالمصلى" المراد به: مصلى العيد. "ووعد الناس يومًا يخرجون فيه"، ولم يعين أيوم الاثنين أو الخميس أو الأربعاء، لم يعين يومًا، لكن المهم: أن يعين ذلك اليوم للناس لأجل أن يستعدوا له ويخرجوا. "فخرج حين بدا" أي: ظهر وبدأ بالهمزة بمعنى ارتفع وشرع في الشيء ﴿والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾ [المائدة: ٩٩]. يعني: ما تظهرون، إذن بدا بمعنى: ظهر. وقوله: "حاجب الشمس" قالوا: إنه ضوء الشمس، فسمي ضوؤها حاجبًا؛ لأنه يحجب قرصها عن النظر هكذا ذكره في القاموس، فيكون حاجب هنا بمعنى الضوء، وإن كان يتبادر إلى الذهن أن المراد بحاجب الشمس: قرصها، وأن الحاجب بمعنى محجوب، أي: بدا محجوبها بالأفق وظهر، ولكن الذي في القاموس: أن الحاجب هو الضوء وهذا يقتضي أن الشمس ارتفعت حتى صار لها شعاع يمنع من رؤية قرصها.

стр. 1017

تقول: "فقعد على المنبر .. إلخ"، إذن الخطبة قبل الصلاة، "فكبر وحمد الله"، يعني: قال: الله أكبر، "وحمد الله"، يعني: قال أحمد الله، أو الحمد لله، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم"، وتأمل أول الحديث تقول: "إنهم شكوا قحوط المطر"، وهنا قال النبي- ﵊: "إنكم شكوتم جدب دياركم"؛ لأن العبرة بجدب الديار لا بالمطر، فالمطر قد ينزل وتجدب الديار، وجدبها بمعنى: المحل وعدم خروج النبات؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "ليس السنة ألا تمطروا إنما السنة أن تمطروا فلا تنبت الأرض شيئا". ولهذا بين الرسول ﷺ الشيء الذي هو المقصود وهو جدب الديار. قوله: "وقد أمركم الله أن تدعوه"؛ لقوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعواه الداع ... ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفيةً إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥]. والآيات كثيرة، وقوله: "أمركم الله أن تدعوه"، "ووعدكم أن يستجيب لكم" أين الوعد؟ ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾، ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب﴾، فالأولى أمر والثانية خبر، وكلاهما لا يتخلف ما دام الله قد وعد به؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد لتمام علمه وقدرته. وقوله: "ووعدكم أن يستجيب لكم" هل هذا على إطلاقه؟ الجواب: نعم على إطلاقه، لكن لا بد له من شروط، ثم الاستجابة لا يلزم أن تكون عين المدعو به، فقد يستجيب الله له بأشياء أخرى فمثلًا قد يستجيب ما طلب وقد يرفع عنه من السوء مثله أو أعظم، وقد يدخر ذلك له إلى يوم القيامة حسب ما تقتضيه حكمته- إنما الأصل أنه يستجيب ما دعا به الإنسان، ثم قال النبي- ﵊ بعد أن هيأ النفوس للدعاء، وهنا هيأها من وجهين: الوجه الأول: من ذكر حالهم، وأن بلادهم قد أجدبت، وهذا يقتضي حرص الإنسان على الدعاء؛ لأنه يكون دعاء المضطر. والوجه الثاني: من ذكر أن الله تعالى أمر بالدعاء والاستجابة، لما تهيأت النفوس شرع النبي- ﵊ في الدعاء، ثم قال: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين" بدأ بهذه الآيات الثلاث؛ لأنها أبلغ ما يثني به الإنسان على ربه، "الحمد لله" يعني: الوصف بصفات الكمال على وجه الاستغراق والشمول والاستحقاق والاختصاص ثابت لله، و"رب العالمين" يعني: خالقهم ومالكهم ومدبرهم، و"العالمون" كل من سوى الله، وهنا ذكر الربوبية بعد الألوهية لتلازمهما؛ لأن كل من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ثم قال:

стр. 1018

"الرحمن الرحيم" يعني: ذو الرحمة الواسعة الواصلة، الرحمة الواسعة من الرحمن، والواصلة من الرحيم، وكلاهما يدل على الرحمة، وفي ذكر هذين الاسمين الكريمين بعد قوله: "رب العالمين" إشارة إلى أن هذه الربوبية مبنية على الرحمة، ولهذا قال: "الرحمن الرحيم"، ثم قال: "مالك يوم الدين" مالك وملك قراءتان سبعيتان، فهو سبحانه ملك ومالك، وهاتان القراءتان- كما مر- كل واحدة منهما تفيد معنى لا تفيده القراءة الأخرى، فيتركب من مجموعهما معنى كامل وهو أنه- ملك ومالك، ذلك لأن المالك قد يكون مالكًا، وليس بملك، وهذا كثير الإنسان يملك بيته وسيادته ويملك ثوبه، وليس بملك، وقد يكون ملكًا وليس بمالك في الحقيقة هو ملك مدبر، يقوم بالتدبير لغيره، فيكون اسمه ملك ولكن حقيقته أنه ليس بمالك لأنه مدبر، أما الرب فإنه ملك مالك، و"يوم الدين" هذا يوم الجزاء وهو يوم القيامة. الرسول- ﵊ بدأ بهذه الآيات الثلاث التي في سورة الفاتحة، ثم قال: "لا إله إلا الله يفعل ما يريد"، قوله: "لا إله إلا الله" مر علينا معناها وإعرابها في عدة جلسات، وقلنا: إن إعرابها أن: "لا" نافية للجنس، وأن نفي الجنس نص في العموم، لأنها تنفي كل جنس، فإذا قلت: "لا رجل في البيت" معناه: لا يوجد أي رجل ولا رجال، لأنها تنفي ذلك الجنس، فهي أعم ما يكون من النفي، ولهذا قالوا: "إن "لا" النافية للجنس نافية للعموم، وأما "إله" فهي اسمها مركب معها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: "حق"، فيكون المعنى: لا إله حق إلا الله، وأما "إلا" فهي أداة استثناء "والله" بدل من الخبر المحذوف، وعلى هذا يكون إعرابها كما سمعتم، أما معناها فالمعنى أنه لا معبود حق إلا الله- ، وأما المعبود على وجه باطل فكثير. ثم قال: "يفعل ما يريد" هل شرعًا أو كونًا؟ إن أريد بالفعل ما فعله بنفسه فهو يفعل ما يريد شرعًا وكونًا؛ وإن أريد بالفعل فعل غيره فالمراد: الإرادة الكونية، وإن ما أرده شرعًا قد لا يفعله الغير. ثم قال: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت" "اللهم" يعني: يا الله، حذفت منها ياء النداء، وعوض عنها الميم وأخرت الميم للبداءة باسم الله، وصارت الميم لأنه أدل على الجمع، كأن الإنسان جمع قلبه على ربه حينما ناداه بهذا: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت"، "أنت الله" جملة خبرية وهي مفيدة للحصر؛ لأن طرفيها معرفتان، وقوله: "لا إله إلا أنت" كل هذا من باب التأكيد. "أنت الغني" أي: عن كل أحد، فهو- غني بذاته عن كل المخلوقات. فإن قلت: أليس الله قد استوى على العرش، ومعنى هذا أنه محتاج أن يستوي على العرش.

стр. 1019

فالجواب: أبدًا، هو مستوٍ عليه لكنه ليس محتاجًا إليه، بل العرش وغيره محتاج إلى الله- . وقوله: "أنت الغني ونحن الفقراء" توسل بغنى الله وفقرنا إلى مطلوبنا، "ونحن الفقراء" يقوله الإنسان ولو كان غنيًا؟ نعم، أليس في هذا جحد لنعمة الله؟ الجواب: لا؛ لأن المراد: الفقراء، يعني: إليك كما قال الله تعالى: ﴿يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٥]. "أنزل علينا الغيث" "أنزل" فعل دعاء، وإنما قال: "أنزل"؛ لأن الغيث يأتي من السماء، وقال: "الغيث" ولم يقل: المطر، لأنه- كما تقدم قبل قليل- قد ينزل المطر ولا يكون به الغيث، والغيث والغوث بمعنى: إزالة الشدة. "واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغًا إلى حين" قوة في ماذا؟ على طاعته، أي: في أبداننا وفي بهائمنا، لأن الغذاء يقوي البدن، فيكون قوة في أبداننا وفي بهائمنا، ويكون ذلك سببا لنا لطاعة الله- ، "وبلاغًا" ما معناها؟ تقدم لنا في حديث الثلاثة أن البلاغ ما يبلغ به الإنسان حاجته، فالمعنى: بلاغًا نبلغ به حوائجنا، وما نريد من النبات والماء؛ لأن الناس في حاجة إلى هذا الماء لأجل النبات ولأجل الشرب، فإن الماء الذي نشربه هو الماء الذي ينزل من السماء كما قال تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون (٦٨) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٦٩]. يقول: "واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغًا إلى حين، ثم رفع يديه فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه" رفع يديه مبالغة في الدعاء، لكنه بالغ حتى رئي بياض إبطيه، هذه دائما ترد علينا، فما معناها؟ لأن الإبط باطن لا يتعرض للشمس ولا للهواء فيكون أبيض، وليس المعنى: أن الرسول- ﵊ فيه شيء من البياض غير العادي. قالت: "ثم حول إلى الناس ظهره"، وإذا حول إلى الناس ظهره لزم أن يكون مستقبل القبلة، وقالت: "قلب رداءه وهو رافع يديه" يعني: استمر- ﵊ رافعًا يديه بعد قلب الرداء، "ثم أقبل على الناس ونزل وصلى ركعتين، فأنشأ الله سحبة فرعدت وبرقت ثم أمطرت" هذا نوع من أنواع الاستسقاء. ونأخذ من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أنه يجوز للإنسان أن يشكو إلى أهل الصلاح ما نزل في ديارهم من القحط والجدب ليدعو الله بالغيث، من أين يؤخذ؟ من شكاية الناس لرسول الله ﷺ ، ولكن هذا يرد عليه ما قاله الشاعر: [الكامل] وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

стр. 1020

كيف تشكو؟ والجواب: أن الصحابة ما شكوا الله إلى الرسول، إنما شكوا الجدب لأجل أن يتوصلوا بدعاء الرسول- ﵊ إلى إزالته من قبل الله- فليس هذا من باب شكوى الخالق للمخلوق، ولا أحد يشكون الخالق للمخلوق إلا سفيها. ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإمام أن يعد الناس يومًا معينًا للخروج إلى صلاة الاستسقاء لقوله: "فوعدهم يومًا يخرجون فيه"، وهل يأمرهم بالصوم؟ الصحيح: لا، وقال بعض الفقهاء: إنه ينبغي أن يأمرهم بالصوم، وأن يجعل خروجهم في اليوم الثالث من صومهم، وعللوا ذلك بأن دعوة الصائم مستجابة، وأنه يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فيحصل لهم بذلك الصيام قرب الإجابة، ولكن هذا القول ضعيف، ووجه ضعفه: ما سبق لنا مرارًا من أن الشيء إذا وجد سببه في عهد الرسول ﷺ ولم يذكر فيه سنة فالسنة تركه؛ لأن السنة فعل وترك، فالرسول- ﵊ لم يأمر الناس بأن يصوموا، بل وعدهم يومًا يخرجون فيه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن يخطب في صلاة الاستسقاء على منبر خلاف صلاة العيد: "فأمر بمنبر فوضع له". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن تكون صلاة الاستسقاء في مكان صلاة العيد لقوله: "بالمصلى". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن تكون صلاة الاستسقاء في أول النهار لقولها: "حين بدا حاجب الشمس"، وهل هذا وقت لازم بحيث لا تصح فيه غيره؟ لم يرد عن النبي- ﵊ فيما أعلم أنه استسقى بصلاة بعد أوقات النهي، وعلى هذا فيجوز أن يستسقى بعد الظهر في الليل، هكذا قال أهل العلم، ولكن لا شك أن السنة والأفضل أن يكون أول النهار كما فعل الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن صلى صلاة الاستسقاء أن يذكر الناس بما يجلب هممهم واستعدادهم للدعاء، وهذا يؤخذ من قوله: "شكوتم جدب دياركم". ومن فوائد هذا الحديث: تذكير الناس بما ذكر الله لقوله: "وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم". ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات الأمر والوعد من الله أي: وصفه بأنه آمر، وأنه واعد، لكن لا يسمى به؛ لأن باب الصفة أوسع من باب التسمية، فإن الله تعالى يمكن أن يوصف بكل فعل فعله على الوجه الذي ذكره عن نفسه، وأما التسمية فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي بداءة الخطب بالحمد لقولها: "ثم قال: الحمد لله رب العالمين".

стр. 1021

ومن فوائد الحديث: عموم ربوبية الله لقوله: "رب العالمين"، والله يذكر ربوبيته على صفة العموم ويذكرها على صفة الخصوص، ولهذا قالوا: إن الربوبية نوعان: عامة وخاصة، كما أن العبودية نوعان: عامة وخاصة، فباعتبار التدبير المطلق للخلق والملك والإيجاد هذه عامة، وباعتبار العناية الخاصة فإنها خاصة كما في قوله تعالى: ﴿قالوا آمنا برب العالمين (١٢١) رب موسى وهارون﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]. هذه الآية جمعت بين الربوبيتين. ومن فوائد الحديث- وهو من فوائد الآية الكريمة-: أن ربوبية الله مبنية على الرحمة، فهي ربوبية رحمة ورأفة، وليست ربوبية يراد بها الإشقاق على الخلق لقوله: "الرحمن الرحيم". ومن فوائد الحديث- وهو أيضًا من فوائد الآية-: ظهور ملك الله في يوم القيامة؛ لقوله: "مالك يوم الدين"، وهو- مالك لكل شيء ليوم الدين وللدنيا، لكن ظهور ملكه ظهورًا جليًّا لكل أحد، وكل أحد يعترف به في ذلك الوقت، متى؟ يوم الدين، فلهذا يقول الله : ﴿لمن الملك اليوم﴾ لا يجيبه أحد فيجيب نفسه: ﴿لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦]. ومن فوائد الحديث- وهو من فوائد الآية أيضًا-: إثبات الجزاء لقوله: "مالك يوم الدين" أي: يوم الجزاء. وفيها فوائد أيضًا: إثبات أن كل ما سوى الله فهو مخلوق مربوب لقوله: "رب العالمين" كل من سوى الله، فهو عالم، وسموا عالمين؛ لأنهم علم على خالقهم- . ومن فوائد الحديث: إثبات انفراد الله بالألوهية؛ لقوله: "لا إله إلا الله"، وسبق لنا معناها وما يرد عليها والجواب عنه، وأنه لا يرد عليها الأصنام التي تتخذ آلهة لأنها ليست حقًّا. ومن فوائد الحديث: أن الله لا يمنعه شيئا مما أراد لقوله: "يفعل ما يريد" كل ما أراده بالخلق فإنه يفعله، لا أحد يمنعه، ولكن اعلم أنه يجب عليك أن تعتقد بأن الله لا يفعل شيئا سواء كان منعًا أو إيجابًا إلا لحكمة- : ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلًا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (٢٧)] [ص: ٢٧]، ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦]. كل شيء فإنه لحكمة الله يفعل ما يريد لا يمنع مما أراد فعله ولا يجبر على ما يريد فعله، ولكنه يفعل الشيء لحكمة بالغة. فإن قلت: إننا قد نرى شيئا من المشروعات والمفعولات لا حكمة له. فالجواب: أن ذلك لقصور، ولهذا قال الله : ﴿ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. يعني: ما بقي عليكم إلا مسألة الروح حتى تسألوا عنها، ما عندكم علم. ويقول : ﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١]. فأنت إذا رأيت شيئا من مفعولات الله وهي مخلوقات أو من مشروعات

стр. 1022

الله وهو الوحي الذي أنزله على رسله، إذا رأيت شيئا لم يتبين لك وجه الحكمة فيه فاعلم أن ذلك لقصور فهمك، وأنك لا تستطيع أن تعلم كل ما لله تعالى من حكمة، ومن ثم كان جواب الصحابة- ﵃ في الأمور المشروعة إذا سئلوا ما الحكمة في كذا، فجوابهم: أننا أمرنا بكذا، ولم نؤمر بكذا، لما سئلت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة". فيطمئن الإنسان بهذا الجواب، لا يذهب يبحث عن علل ممكن أن تكون هي المقصودة للشارع ويمكن ألا تكون، ويمكن أن تكون مطردة منعكسة ويمكن أن تكون منتقضة، وهكذا الرسول- ﵊ أخبر بأن الشيطان يأتي ابن آدم ويلقي في قلبه ما يتعاظم أن يتكلم به، وأخبر- ﵊ أن هذا صريح الإيمان، وأن من أحسن به فليستعذ بالله ولينته، وأخبر أن الشيطان يأتي الإنسان يقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته، وفي رواية: فليقل: الله أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. كل هذا يدلك على أن الإنسان يستسلم لحكم الله تعالى الكوني والشرعي. ومن فوائد الحديث: تكرار التوحيد، لاسيما في مقام الدعاء، فإن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط والتكرار، من أين يؤخذ؟ من قوله: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت"، مع أنه قال بالأول: "لا إله إلا أنت"، لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، كما أن ذلك أيضا توطئة لما يأتي بعده وهو قوله: "أنت الغني ... " إلخ. البسط في الدعاء مشهور وله أمثلة كثيرة: "رب اغفر لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وعافني، وارزقني" كل هذه متداخلة في الرحمة، "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، سره وعلانيته، وأوله وآخره"، يوجد تكرار لكنه فيه فائدة، "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا"، يكفي أن تقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، لكن في تكرار الدعاء فوائد: الفائدة الأولى: أن فيه تفصيلًا. الفائدة الثانية: أنه مناجاة للرب ، والإنسان يحب أن يطول الكلام مع حبيبه، أنت إذا كنت تحب صديقًا لك تود أن تبقى معه كل الليل والنهار تتكلم معه، فكذلك الرب وهو أحب ما يكون للإنسان المؤمن- يحب أن يكرر معه- ؛ لأنه يناجيه. الفائدة الثالثة: أن كل جملة فيها إظهار الفقر إلى الله ، وإظهار الفقر إليه- سبحانه تعالى-

стр. 1023

من أسباب إجابة الدعاء؛ ولهذا توسل موسى- ﵊ بذكر حاله: فقال: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصاص: ٢٤]. لم يذكر دعاء، ذكر حاله أنه مفتقر إلى الله مفتقر لما أنزل إليه من الخير وهذا توسل، ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر﴾ هذه حاله ﴿وأنت أرحم الراحمين﴾ [الأنبياء: ٨٣]، هذه توسل إلى الله بأسمائه. ويستفاد من الحديث: غنى الله المطلق عن كل شيء لقوله: "أنت الغني"، وهو- غني عن كل أحد بذاته، غني عن السموات وعن الأرض، وعن الأكل وعن الشرب، وعن أي إنسان ينصره من ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل﴾ [الإسراء: ١١١]. ويستفاد منه: أن الخلق كلهم فقراء إلى الله لقوله: "ونحن الفقراء". ويستفاد من هذه الأوصاف الماضية كلها: أنه ينبغي للداعي أن يتوسل إلى الله حين الدعاء بأسماء الله وصفاته وبذكر حاله هو كل ما سبق فيها الثناء على الله تعالى بما يستحق، وفيها ذكر حال الداعي. ويستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا دعا ينبغي أن يدعو بما فيه الفائدة؛ حيث قال: "أنزل علينا الغيث" يعني: المطر الذي تزول به الشدة؛ لماذا؟ لأن المطر قد ينزل ولا تزول به الشدة كما ثبت في صحيح مسلم: "ليس السنة ألا تمطروا، إنما السنة أن تمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أيضًا أن يكرر الدعاء لقوله: "واجعل ما أنزلت قوة لنا وبلاغًا إلى حين". ومن فوائد الحديث: أته ينبغي رفع اليدين في دعاء الاستسقاء لقولها: "ثم رفع يديه". ومن فوائده: إثبات علو الله، من أين يؤخذ؟ من قولها: "ثم رفع يديه". ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه لا ترفع اليدان في الخطبة إلا في الاستسقاء، وعلى هذا يحمل حديث أنس بن مالك الثابت في الصحيحين: "أن الرسول- ﵊ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء" فيحمل على أن المراد في حال الخطبة. ومن فوائده: المبالغة في الرفع، من أين يؤخذ؟ من قولها: "حتى يرى بياض إبطيه". ومن فوائده- وانتبهوا لهذه-: أنه ينبغي ملاحظة الإبط حتى لا يبقى فيه شعر يصد به. ومن فوائد الحديث: أن الإبط ليس بعورة، وأعلى البدن كله ليس بعورة، فإن قلت: هذا يعارضه حديث أبي هريرة: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء". فما هو

стр. 1024

الجمع؟ يحمل هذا على الاستحباب، وقد يحمل على أنه في الصلاة، وأنه في الصلاة ينبغي للإنسان أن يكون قد أخذ كامل لباسه لقوله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. فالكلام على ما إذا كان الإبط ليس بعورة فالذي من فوقه من باب أولى، فيحمل حديث أبي هريرة على الاستحباب. ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي في خطبة الاستسقاء أن يتجه الإمام إلى القبلة وينقلب رداء لقولها: "ثم حول للناس ظهره، وقلب رداءه"، فما هي الحكمة في قلب الرداء؟ مرت علينا. ومن فوائده أيضًا: أن صلاة الاستسقاء بعد الخطبة لقولها: "ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين"، وهذا ظاهر في أنهما بعد الخطبة. ومن فوائد الحديث: بيان قدرة الله- في قولها: "فأنشأ الله سبحانه سحابة فرعدت وبرقت"، أيهما الأول الرعد أو البرق؟ البرق أولًا؛ لأن ضوءه أسرع، ولهذا تجدها أحيانًا تبرق ويتأخر سماع صوت الرعد. ويستفاد من هذا الحديث: إضافة الشيء إلى سببه. ومن فوائد الحديث: أن الله ربط الأسباب بمسبباتها، وهذا من بالغ حكمته، وإلا فهو قادر على أن ينزل مطرًا بدون سحاب، وبدون رعد ولا برق، ولكنه ربط كل شيء بسببه، وأحيانًا تحدث الأمور بدون أسباب معهودة مثلما خلق عيسى- ﵊ خلقه بدون أب وخلق حواء بدون أم. تحويل الرداء في الاستسقاء والجهر بالقراءة: ٤٨٨ - وقصة التحويل في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد، وفيه: "فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة". والذي في الصحيح من قصة عبد الله بن زيد أن الرسول- ﵊ دعا قبل أن يصلي كما تشاهدون، وفيه أيضًا أن الرسول- ﵊ توجه إلى القبلة يدعو، فظاهره أنه خرج ثم اتجه إلى القبلة، وجعل يدعو ثم صلى ركعتين، فإما أن يقال: إن الحديث الأول الذي رواه أبو داود أن فيه تفصيلًا أكثر، وأن الحديث الذي في الصحيح ما ذكر كل ما فعله الرسول ﷺ ، وإما أن يقال إنه صفات متعددة؛ لأن الاستسقاء لم يقع إلا مر، فنقول: إن الرسول- ﵊ يفعل هذا أحيانا وهذا أحيانًا، كما يكون ذلك في بعض العبادات، ويكون النبي ﷺ مرة بدأ بالصلاة قبل الخطبة، ومرة بدأ بالخطبة، أو بالدعاء قبل الصلاة، وهذا هو الأرجح أن السنة في ذلك متنوعة، وأن الاستسقاء السنة فيه أن يكون أحيانًا تكون الخطبة قبل الصلاة، وأحيانًا تكون الخطبة بعد الصلاة.

стр. 1025

وفي حديث عبد الله بن زيد فائدة زائدة على ما سبق، وهي: أنه جهر فيهما بالقراءة، وإذا تدبري هدي النبي- ﵊ وجدت أن الصلاة النهارية قراءتها سرية إلا في الاجتماع العام كصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء؛ لأنها تجمع كل الناس، فكان الرسول يجهر فيها. ٤٨٩ - وللدرقطني من مرسل أبي جعفر الباقر: "وحول رداءه ليتحول القحط". "الباقر" وصف بذلك ﵀؛ لأنه كثير العلم، كأنه بقر العلم وأدركه وغاص إلى غوره، وقوله: "حول رداءه ليتحول القحط" هذا بيان حكمة التحويل، لكن كيف يكون له أثر في تحول القحط، تحول الرداء ليتحول القحط؟ قال أهل العلم: إن هذا من باب التفاؤل على الله والنبي- ﵊ كان يحب الفأل يكره التشاؤم. فهذا من باب التفاؤل على الله تعالى أن يقلب حالنا مما هي عليه الآن إلى حال أخرى. وفيه أيضًا فائدة ثانية: وهو أنه لما كان اللباس نوعين لباس التقوى ولباس الزينة وستر العورة، كأنك حينما قلبت لباس الزينة وستر العورة تعبر بأنك سوف تلتزم بقلب الناس- لباس التقوى- من المعصية إلى الطاعة؛ لأن ما أصاب الناس من المصائب- ومنها: القحط: فهو إنما يكون من معاصيهم، فكأنك تشير إلى أنك ملتزم بأن تقلب لباس الدين من لباس المعصية إلى لباس الطاعة، ويكون في هذا فائدتان. أما بالنسبة لنا فإن الفوائد ثلاث: أولًا: إتباع السنة والاقتداء بالرسول- ﵊، وهذا كاف عن كل حكمة. وثانيًا: أن نتفاءل على الله أن يقلب حالنا من الشدة والقحط إلى الرخاء والخصب. والثالث: أننا نقلب لباسنا الظاهر إشعارًا بأننا ملتزمون بأن نقلب لباسنا الباطن وهو لباس التقوى الذي قلبه أهم. وعلى كل حال: كل إنسان قد عاهد الله بالمعنى العام أن يقوم بطاعته، فإن كل إنسان يشهد بفطرته أن الله رب وأنه عبد، ومقتضى هذه الشهادة الذل له والتعبد بما يؤمر به من العبادة هذا عهد عام؛ ولهذا قال الله لبني إسرائيل: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠]. ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضًا حسنًا﴾ هذا جانب من العهد، ما الجانب الآخر؟ ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار﴾ [المائدة: ١٢].

стр. 1026

مشروعية رفع اليدين في الاستسقاء: ٤٩٠ - وعن أنش ﵁: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، والنبي ﷺ قائم يخطب. فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... ". فذكر الحديث، وفيه الدعاء بإمساكها. متفق عليه. يقول: "والنبي ﷺ قائم يخطب" هذه الجملة في موضع نصب على الحال، وقوله: "قائم" خبر المبتدأ، و"يخطب" يجوز أن تكون خبرًا ثانيًا، ويجوز أن تكون حالًا من الضمير المستتر في "قائم". وقوله: "هلكت الأموال" ما المراد بالأموال؟ الأموال التي يتوقف بقاؤها على السبيل والخصب مثل الإبل، والبقر، والغنم، ومثل الزروع أيضًا. "انقطعت السبل" السبل: الطرق، وانقطاعها لأجل ضعف الإبل التي تحمل الناس في هذه الطرق؛ حيث إنها قد هزلت حتى كادت لا تسير بالناس. وقوله: "فادع الله يغيثنا" يعني: اسأله: لأن الله هو الذي إليه الملجأ: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله- الجواب: لا- قليلًا ما تذكرون﴾ [النمل: ٦٢]. فالله هو ملجأ الخلق إذا أصابتهم الضراء ما يجأرون إلا إلى الله- ، قال الله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجرون تخوفٍ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وقوله: "فادع الله يغيثنا" فيها إشكال من الناحية اللغوية، فما هو الإشكال؟ هو "يغيثنا" جواب طلب، فلا بد أن يكون يغيثنا مجزومًا، فالجواب: أنها ليست جوابًا للطلب، بل هي بيان لما يقصده السائل من الدعاء، بمعنى: أن الجملة استئنافية بيان ما يريده السائل مما طلبه من النبي ﷺ وهو أنه يريد الغيث. قال: "فرفع يديه نحو السماء ثم قال: اللهم أغثنا"، سبق لنا أن "اللهم" يعني: يا الله، فحذفت ياء النداء، وعوض عنها الميم، وجعلت الميم في الآخر تيمنا بالبداءة باسم الله ، "أغثنا" هذه فعل دعاء؛ لأن كل طلب موجه إلى الله ، لا يمكن أن يكون أمرًا وإنما هو دعاء، ومعنى "أغثنا": أزل عنا الشدة؛ لأن الغوث هو إزالة الشدة. وهذا الحديث- كما ترون- معناه: أن هذا الرجل دخل والرسول- ﵊ يخطب الناس يوم الجمعة فتكلم مع الرسول- ﵊ هذا الكلام، وبين له أنه في حاجة إلى الكلام؛ حيث إن الأموال قد هلكت والسبل قد انقطعت، وهو في حاجة إلى أن يطلب من النبي- ﵊ أن يدعو الله له بالغيث، فأجابه النبي- ﵊ ودعا الله، ورفع يديه وقال: "اللهم أغثنا".

стр. 1027

قال أنس ﵁ راوي الحديث: "والله ما في السماء من سحاب- يعني: منتشر- ولا قزعة- قطعة من الغيم- وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار". "سلع": جبل في المدينة معروف تأتي من نحوه السحب، يعني: السماء صافية صحوة فأنشأ الله تعالى سحابة فخرجت من وراء السلع، مثل: الترس صغيرة، ثم ارتفعت في السماء وانتشرت ورعدت وبرقت فأمطرت، "فلم ينزل الرسول ﷺ من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته"، هذه قدرة عظيمة من الرب ، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يأتوا بمثل هذا ما أتوا به، وهي آية للرسول- ﵊ دالة على صدقه؛ لأن الله تعالى أجاب دعاءه في هذا المشهد العظيم، وبهذه القدرة التامة، والسرعة البالغة، "ثم بقي المطر سبتًا كاملًا" يعني: من الجمعة إلى الجمعة، والسماء تمطر، فجاء رجل من الجمعة الثانية- أو الرجل الأول- فقال: "يا رسول الله، غرق المال، وتهدم البناء"- من كثرة السيول- غرق الزرع، وربما تكون الأودية حملت بعض المواشي فأغرقتها "غرق المال، وتهدم البناء، فادع الله يمسكها، فرفع النبي ﷺ يديه، وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر"، وجعل يشير حواليه بيده- ﵊، فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت بإذن الله، ليس بقدرة النبي- ﵊، ولكن بإذن الله، لأنه يسأل الله يقول: "اللهم حوالينا"، فكانت المدينة ما عليها صحو خرج الناس يمشون في الشمس، وما حولها يمطر. قال أنس: "وسال قناة شهرًا". "قناة": وادٍ بالمدينة جعل يمشي شهرًا كاملًا من هذا المطر، وبهذا يتبين تمام قدرة الله ، في سوق السحاب، وفي تفريق السحاب، ويتبين أيضًا آية للرسول صلى الله عليه سولم كما مر. يستفاد من هذا الحديث: أولًا: جواز الكلام مع الخطيب؛ لأن الصحابي تكلم، أو لأن النبي ﷺ أقره؟ الثاني، وقد سبق أن إقرار النبي ﷺ من سنته، وسبق أيضًا الاحتجاج بما وقع في عهد الرسول- ﵊ ولم ينكر، وإن كنا لا نعلم أن الرسول- ﵊ علم به، ما وجهه؟ وجهه: إقرار الله له؛ ولهذا قال جابر ﵁: كنا نعزل والقرآن ينزل. فكل في دفع فعلًا وقع في عهد الرسول- ﵊ ولم نعلم أنه علم به كل من دفعه بهذه العلة، فإن دفعه مدفوع، وضربنا فيما سبق مثلًا بقصة معاذ بن جبل حيث كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة الفريضة ويذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة فهي له نافلة ولهم فريضة، وقلنا: إن فيه دليلًا على جواز ائتمام المفترض بالمتنفل، وإن الذين منعوا ذلك قالوا: إننا لا نعلم أن الرسول- ﷺ علم بفعل معاذ، وأجبنا عن ذلك بأن هذا بعيد، وأنه لو فرض أنه لم يعلم فإن الله تعالى يعلم ذلك؛ ولهذا إذا وقع شيء لا يعلمه الرسول- عليه

стр. 1028

الصلاة والسلام- وهو مما لا يرضاه الله بينه الله، ما الدليل؟ ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨]. ويستفاد من الحديث: أن المشروع للخطيب القيام لقوله: "وهو قائم". ويستفاد منه: مشروية الخطبة للجمعة، والصواب أنها واجبة، وأن الجمعة لا تصح بدونها؛ لأن الله أوجب السعي إليها وما وجب السعي إليه فهو واجب. ويستفاد من الحديث: جواز الإخبار عن الحال لا على سبيل الشكاية، من أين يؤخذ؟ من قول الرجل: "هلكت الأموال وانقطعت السبل"، هو ما أراد أن يشكو الأمر إلى الرسول ﷺ ولكن أراد أن يبين الحال التي تقتضي أن يطلب منه الدعاء. ومن فوائد الحديث: أن الأشياء إنما تتبين بضدها، من أين يؤخذ؟ من هلاك الأموال وانقطاع السبل لفقد المطر، فلا تتبين نعمة الله على عباده بالمطر إلا إذا فقدوه وعرفوا ما يترتب على فقده. ومن فوائد الحديث: إثبات الأسباب، كيف ذلك؟ من قوله: "هلكت الأموال وانقطعت السبل"؛ فإن سبب ذلك القحوط: قحوط المطر، وإجداب الأرض. ومن فوائد الحديث: جواز التوسل بدعاء الصالحين الأحياء، من أين يؤخذ؟ من قول الرجل: "فادع الله يغيثنا"، فأقره النبي ﷺ ولم ينكر عليه، ولم يقل: ادع أنت لنفسك، وما أقره الرسول ﷺ فإنه جائز، وعلى هذا فيجوز أن تطلب من رجل صالح أن يدعو لك. فإن قال قائل: أليس في هذا تزكية لهذا المطلوب وتغريرًا به يدعوه إلى الإعجاب بنفسه؟ فالجواب: أما التزكية فلا حرج علينا أن نزكي غيرنا إذا كان أهلًا لذلك، وما الجرح والتعديل الذي يتكلم الناس عليه في المصطلح إلا من هذا النوع، وما طلب تزكية الشهود في المحاكمة إلا من هذا النوع، وما الثناء على الميت الذي وقع بحضرة النبي ﷺ وأقره إلا من هذا النوع. والمنهي أن يزكي الإنسان نفسه: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. وأما الثاني: وهو تغرير هذا الرجل حتى يصل به الأمر إلى الإعجاب بنفسه، وأنه أهل لأن يقصد ويطلب منه الدعاء، فإذا خفنا ذلك فإننا نكف عنه رحمة بهذا الرجل حتى لا يهلك؛ لأن رجلًا امتدح رجلًا بحضرة النبي ﷺ فقال له: "قطعت عنق- أو ظهر- صاحبك". فإذا خيف من طلب الدعاء من هذا الرجل الصالح أن يغتر فإنه لا يطلب منه. فإن قال قائل: هل طلب الدعاء من الرجل الصالح من باب المشروع أم من باب الجائز؟ فالجواب: الثاني، وإلا فالأفضل أن يباشر الإنسان الدعاء بنفسه من ربه لكنه من باب الجائز.

стр. 1029

ومثل هذه المسألة التي وقعت إنما اتجه الرجل إلى الرسول- ﵊ لسببين: أولًا: أن دعاء الرسول- ﵊ أقرب من دعاء الناس إلى الإجابة. وثانيًا: أن هذا أمر يتعلق بالمسلمين عمومًا، المنفعة من المطر لجميع الناس، والنبي- ﵊ هو الإمام، فكان توجه الدعاء منه أولى من أن يكون من غيره. ومن فوائد الحديث: مشروعية رفع اليدين حال الدعاء لقوله: "فرفع يديه"، ولكن الرسول- ﵊ لم يحفظ عنه أنه رفع يديه حال الخطبة إلا في دعاء الاستسقاء فقط؛ ولهذا أنكر الصحابة على بش بن مروان حين جعل يدعو في خطبته ويرفع يديه. لكن ثبت الحديث عن الرسول ﷺ أنه رفع يديه في حال الاستسقاء. ومن فوائد الحديث: أنه لا يشرع مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء، من أين يؤخذ؟ أنه لم يذكره، ولو كان ذلك واقعًا لذكر كما ذكر الرفع، ولهذا اختلف العلماء هل يسن للداعي أن يمسح وجهه بيديه بعد الفراغ من الدعاء أم لا؟ فقال بعض العلماء: إنه يسن، واستدلوا بأحاديث لكنها ضعيفة؛ إلا أن بعضهم قال: إن مجموعها يقتضي أن تكون من قبيل الحسن لغيره، كما مشى على ذلك الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، أما شيخ الإسلام ﵀ فقد قال: إنها أحاديث ضعيفة لا ينجبر بعضها على بعض، وعلى هذا فمسح الوجه باليدين بعد الدعاء بدعة، وأما تقبيل اليدين بعد مسح الوجه بهما فهو بدعة لا شك فيها؛ لأنه لم يرد عن الرسول ﷺ لا في حديث صحيح، ولا ضعيف ولا غيره. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب البداءة بالحمد والثناء على الله، ولا الصلاة على النبي ﷺ ، من أين يؤخذ؟ الرسول دعا بدون أي حمد وثناء قال: "اللهم أغثنا". فإن قال قائل: إنه دعا في أثناء خطبة مبدوءة بالحمد والثناء؟ قلنا: إن الحمد والثناء الذي في الخطبة لم يكن من أجل الدعاء، فلا يكون في ذلك دليل على وجوب البداءة بالحمد والثناء، وأما قول الرسول- ﵊ في رجل دعا الله تعالى ولم يحمد الله، ولم يثن عليه، قال: "عجل هذا". فإنه من باب ترك المستحب لا ترك الواجب. ومن فوائد الحديث: بيان قدرة الله ؛ كيف؟ حيث أنشأ السحاب في هذه المدة الوجيزة وأمطر وما نزل الرسول- ﵊ إلا والمطر يتحادر من لحيته. وفي هذا إثبات علم الله، كيف ذلك؟ كل صفة خلق فهي دالة على العلم والقدرة؛ ولهذا

стр. 1030

قال الله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سمواتٍ ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن﴾. ماذا قال؟ ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. ولا يمكن أن يكون خلق بدون قدرة عليه، وبدون علم بتكوين ذلك الشيء. ومن فوائد الحديث: إثبات سمع الله؛ كيف؟ أن الله تعالى استجاب دعاءه لأنه سمعه كما قال إبراهيم- ﵊: ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ [إبراهيم: ٣٩]. ومن فوائد الحديث: أن ابن آدم لا يتحمل لا من العدم ولا من الوجود، كيف ذلك؟ إنه في هذا الأسبوع جاء يطلب المطر وفي الأسبوع الثاني جاء يطلب إمساك المطر، فهذا دليل على أن الإنسان ليس صبورًا على كل شيء ولا يتحمل، فيكون هذا داخلًا في قوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الدعاء برفع المطر لا على سبيل الإطلاق، من أين يؤخذ؟ من قوله: "حوالينا ولا علينا"، لم يدع برفعه مطلقًا حتى نقول إن هذا جائز، والناس محتاجون إلى المطر، وإذا كان يضر ناحية فإنه ينفع ناحية أخرى، قال الله تعالى: ﴿ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورًا (٥٠)﴾ [الفرقان: ٥٠]. ويستفاد من الحديث في رواية البخاري: أن الصحابة رفعوا أيديهم مع النبي ﷺ في دعاء الاستسقاء وهم جالسون. وفيه أيضًا: أن الرسول لا يعلم الغيب، والدليل أنه لم يعلم: أن المال هلك والسبل انقطعت حتى جاء الرجل وذكره، وقد يقال: إن الرسول- ﵊ علم وأنه سيسأل في وقت آخر، لكن الظاهر لنا والله أعلم أن هذا الرجل هو الذي بلغه. أقسام التوسل وأحكامه: ٤٩١ - وعنه ﵁: "أن عمر ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب. وقال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون". رواه البخاري. "قحطوا" يعني: امتنع المطر عندهم، والقحط هو امتناع المطر، و"إذا قحطوا" يعني: امتنع المطر عنهم، "استسقى بالعباس بن عبد المطلب"؛ لأن العباس بن عبد المطلب أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ لأنه عمه، علي بن أب طالب أفضل من العباس لكنه ابن عمه، ولهذا كان يستسقي بالعباس، يقول: "اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا"، يعني: أننا نطلب السقيا منك بواسطة النبي ﷺ ، بواسطة دعائه لنا، هذا ما كنا يفعلونه مع الرسول- ﵊، ثم قال: "وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" يعني: نتوسل إليك التوسل الذي عدم بوفاة الرسول- عليه

стр. 1031

الصلاة والسلام- وهو التوسل الموجود في حياة الرسول ﷺ ، والتوسل الموجود في حياته بدعاء الرسول ﷺ كما فعل الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب، ومن حسن صنيع ابن حجر ﵀ أنه أتى بحديث ابن عمر هذا بعد حديث أنس ليبين أن الاستسقاء بالرسول ﷺ هو أن يطلب منه أن يدعو الله تعالى بالسقيا، وعلى هذا قول أبي طالب في وصف الرسول ﷺ [الطويل]: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل يعني: أن الناس يسألون النبي ﷺ لحسن خلقه وسماحته، يسألونه أن يدعو الله لهم بالسقيا فيسقيهم، والتوسل في قوله: "إنا نتوسل"، فعل مضارع مأخوذ من الوسيلة وهو التوصل إلى الشيء بالشيء، فكأن السين والصاد هنا متعاورتان يعني: كأن كل واحد منهما يكون في مكان الآخر، فالتوسل هو التوصل بالشيء إلى شيء آخر، وهو أقسام: القسم الأول: التوسل إلى الوصل إلى رضوان الله تعالى وجنته، وهذا يكون بالإيمان وبالأعمال الصالحة، فإن الإيمان والأعمال الصالحة وسيلة إلى الوصل إلى دار كرامة الله قال الله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾ [الإسراء: ٧٥]. فهذه هي الوسيلة الحقيقية التي فرض على كل أحد أن يقوم بها، وهي ما يوصل إلى رضوان الله، وتفسير الآية أن يقال: أولئك الذين يدعوهم هؤلاء ويتخذونهم أربابًا من دون الله هم بأنفسهم محتاجون إلى الله: ﴿يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾. يعني: يطلبون الطريق الذي يجعلهم أقرب إلى الله، ولا طريق يجعل الإنسان أقرب إلى الله إلا بالإيمان والعمل الصالح. القسم الثاني: أن يتوسل الإنسان بالشيء بين يدي دعائه ليكون سببًا في إجابة الدعاء، يعني: التوسل في الدعاء لا في العبادة؛ لأن الأول متعلق بالعبادة، فهذه وسيلة ينجو بها الإنسان من النار ويدخل بها الجنة، أما هذا التوسل في الدعاء فيعني أن يتخذ الإنسان وسيلة يقدمها بين يدي دعائه لتكون سببًا في إجابته وهذا أقسام أو أنواع في الحقيقة؛ لأنه قسم، والقسم يتنوع إلى أنواع: النوع الأول: أن يتوسل بالعمل الصالح، بمعنى: أن يسأل الله شيئا متوسلًا إليه- بعمله الصالح، وهذا في القرآن كثير، وهو مشروع، ومنه قوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل ... ﴾ إلى قوله: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٣]. أي: بسبب إيماننا فاغفر لنا، فتوسلوا بماذا؟

стр. 1032

بالإيمان، التوسل بالعمل الصالح كتوسل أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، توسلوا إلى الله تعالى لإجابة دعائهم بماذا؟ بعملهم الصالح وإخلاصهم لله؛ لن كل واحد منهم ذكر عملا وقال: "اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه". فتوسلوا إلى الله بالأعمال الصالحة، فالتوسل بالإيمان والعمل الصالح من دأب الصالحين، ووجه كون الإيمان والعمل الصالح وسيلة ظاهر جدًّا: لأن الله يجيب دعوة المؤمن العامل، فمن كان لله عبدًا كان الله له ربًا، فإذا كن هذا الإنسان عابدًا لله بالإيمان به- وبطاعته كان ذلك من أسباب إجابة دعائه. النوع الثاني: أن يتوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، ومنه حديث ابن مسعود ﵁ المشهور عن النبي- ﵊: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" هذه وسيلة، ما هو المقصود؟ "أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب غمي وهمي"؛ إذن توسل بماذا؟ بأسماء الله، فالتوسل إلى الله تعالى بأسمائه سواء كان على سبيل العموم كما في قوله: "أسألك بكل اسم هو لك"، أو على سبيل الخصوص كما لو قلت: "اللهم يا غفور فاغفر لي"؛ فقد توسلت بهذا الاسم إلى ما يقتضيه من المغفرة، "يا رحيم ارحمني" وما أشبه ذلك، فصار التوسل بالأسماء الحسنى له وجهان: الوجه الأول: على سبيل العموم، فيقول: "اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى"، أو "بكل اسم هو لك" كما في الحديث. والثاني: يتوسل باسم خاص معين يناسب ما دعا به مثل: "يا غفور اغفر لي، ويا رحيم ارحمني"، وما أشبه ذلك. ودليل هذا قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فقد أمر الله أن ندعوه بأسمائه، وأن نجعلها وسيلة لنا في دعائنا، التوسل بالصفات دليله: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي". ما هي الوسيلة؟ صفة من صفات الله وهي العلم والقدرة، وربما يستدل لذلك أيضا ويجعل مثالا في حديث الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك". يعني: أسالك خير الأمرين بما تعلمه فإنك تعلم ولا أعلم، وأسألك أن تقدر لي أو أن تقدرني عليه، وجهان.

стр. 1033

المهم: التوسل بالأسماء والصفات مشروع؛ لأن الله تعالى أمر به، ولأن النبي ﷺ استعمله فهو من سنته. النوع الثالث: أن يتوسل إلى الله بذكر حاله التي تستجلب الرحمة، ومنه قوله تعالى عن موسى ﷺ : ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص: ٢٤]. ومنه قولنا: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، فإن هذا تبرؤ من الحول والقوة إلا بالله، فهو استعانة بالله ، ومنه قولك: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا". ومنه قوله تعالى: ﴿لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: ١٤٩]. المهم هذا النوع الثالث بذكر حال الداعي التي تستجلب الرحمة؛ لأن ذكر حال الداعي لا شك أنها تستجلب وتستعطف المسئول حتى يعطف ويرحم هذا السائل؛ ولهذا جاء في قصة الثلاثة الأبرص، والأقرع، والأعمى ماذا قال الملك لهما؟ "إني فقير وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري"، هذه الأوصاف ماذا تستوجب؟ تستوجب أن يعطف عليه؛ ولهذا إذا قدم إليك إنسان بطاقة يقول: والله أنا فقير وصاحب عائلة ولا أستطيع أن أشتغل، ما المراد؟ المراد: أنه يريد منك أن تعطيه، إذن هذه الوسيلة جائزة فيها دليل من القرآن في قوله تعالى: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص: ٢٤]. ومن السنة: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلًا كثيرًا"، وإن كان الحديث هذا مشتملًا على ذكر حال الداعي، وحال المدعو، والتوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ يعني: هذا الحديث جامع بين الأنواع الثلاثة، إذن التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي. النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله بدعاء أحد من عباد الله الصالحين، ما مثاله؟ كحديث الاستسقاء الذي معنا، فإن الصحابي الذي جاء إلى الرسول قال: "ادع الله يغيثنا" هذا التوسل بدعاء الصالحين، وكذلك قول عكاشة بن محصن: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنتم منهم". وأمثلة هذا، التوسل بدعاء الصالحين كثيرة، ومنه أيضًا فعل عمر بن الخطاب ﵁، فإن عمر توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب لقربه من الرسول ﷺ وتعظيم الرسول صلى الله عليه سلم له؛ لأن الرسول قد جعل العباس بمنزلة الوالد له؛ لأن العباس أكبر من الرسول بسنتين. إذن نقول: التوسل بدعاء الصالحين هذا جائز؛ لأن النبي- ﵊ أقره، ولكن هل هو مشروع أم لا؟ هو من قسم الجائز، أما المشروع فليس بمشروع؛ لأن فيه نوعًا من التذلل للخلق، إذا قلت: يا فلان، ادع الله لي، فهذا فيه شيء من الخضوع للخلق وسؤال الخلق، ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدًا من المخلوقين، لكنه- والحمد لله- لا بأس به؛ لأن الإنسان قد

стр. 1034

يرى من نفسه أنه ليس أهلًا، ويرى في نفسه تقصيرًا فيخجل من الله فيطلب من عباد الله الصالحين أن يدعو الله له، فهذا جائز؛ لأن الرسول ﷺ أقره. النوع الخامس: أن يتوسل بذات أحد من المخلوقين، مثل أن يقول: "اللهم إني أسألك بنبيك" بذاته، فما حكمه؟ هذا لا يجوز، لماذا؟ لأننا سبق أن قلنا: إن الوسيلة هي ما يتوصل به إلى الشيء، وذات النبي ﷺ ليست موصلة لك إلى مقصودك، وعلى هذا فلا يجوز التوسل إلى الله تعالى بنبيه، وما ورد في ذلك من حديث ضعيف: "أسألك بنبيك نبي الرحمة". فإنه محمول على واحد من أمور ثلاثة: إما أن المعنى: أسألك بنبيك، أي: بإرسالك نبيك، فيكون هذا من باب التوسل، بماذا؟ بأفعال الله التي هي من صفاته، أو أن المعنى: "أسألك بنبيك" أي: بإيماني به، وعلى هذا فيكون التوسل بالأعمال الصالحة بالإيمان بالله والرسول- ﵊، أو أن المعنى: أسألك بنبيك؛ أي: بدعائك بأن يدعو الله لي، فيكون من باب التوسل بدعاء الصالحين، وهذا على تقدير صحة الحديث، فإن لم يصح فقد كفينا إياه، وإنما أولناه إلى أحد هذه الوجوه الثلاثة لأجل أن يطابق المعنى الذي شرعت من أجله الوسيلة وهو: أن تكون موصلة للمقصود. النوع السادس: التوسل إلى الله بجاه الرسول ﷺ ، ومنزلته عند الله، بأن يقول: أتوسل إليك يا رب بجاه نبيك ومنزلته عندك، فهذا الصحيح أنه لا يجوز ذلك؛ لأن هذا ليس بوسيلة، والوسيلة هي ما يوصل إلى المقصود، وهذا لا يوصل إلى المقصود؛ لأن جاه رسول الله ﷺ عند الله لا شك فيه، وهو أعظم الناس جاها عنده، ولكن جاهه لا ينفعني؛ لأن جاهه إنما يكون نافعًا له هو بنفسه، أما أنا فماذا يفيدني؟ لا يفيدني شيئا، فالصحيح: أن التوسل بجاه الرسول ﷺ محرم ولا يجوز؛ لأنه ليس من الأمور الموصلة إلى المقصود، ولا شك أنك إذا قدمت بين يدي دعاء ربك شيئا ليس وسيلة أنه من باب الاعتداء في الدعاء، وقد نتجاوز قليلًا ونقول: إنه من باب الاستهزاء بالله ، لأن كونك تقدم شيئا تريد من الله أن يجيب دعاءك به، وهو ليس بوسيلة، ليس معنى ذلك إلا الاستهزاء، ولكننا قد لا نتجاوز حتى نقول: إنه استهزاء، لكنه بالنسبة للمخلوقين لو أن أحدًا توسل إلي بشيء لا يفيد لعددت ذلك منه استهزاء بي. فهذه ستة أنواع. التوسل إلى الله بأشخاص غير صالحين ما حكمه؟ أعظم حرمة من الذي قبله، لماذا؟ لأنه إذا كان التوسل بالصالحين بذواتهم حرامًا فغير الصالحين من باب أولى؛ ولهذا الأنبياء الكرام- صلوات الله وسلامه عليهم- حين طلب منهم الشفاعة اعتذروا بما فعلوا من الأمور التي

стр. 1035

تابوا منها آدم اعتذر بأكله من الشجرة، ونوح اعتذر بأنه سأل ما ليس به علم، وإبراهيم اعتذر بأنه كذب ثلاث كذبات، وموسى اعتذر بأن قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها؛ لأن من لم يكن عابدًا قانتًا لله ليس أهلًا للشفاعة، حتى لو طلبت أن يدعو لك وهو ليس من الصالحين فهذا غلط؛ لأنه ليس محلًا لأن يكون مجاب الدعوة لكونه غير صالح، والله تعالى إنما يتقبل من المتقين، ولكن مع هذا قد يتقبل من غير المتقين لحكمة يريدها- . الحاصل: أن هذه الأنواع منها جائز ومنها ما هو ممنوع، وكل هذا بمقتضى الأدلة الشرعية. شبهة والرد عليها: فإن قلت: ما نوع التوسل في قوله ﷺ : "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم"؟ توسل بفعل الله، فهو من التوسل بصفات الله، أفعاله من صفاته، لكن أفعاله صفات غير ذاتية يسمونها صفات فعلية، بخلاف صفاته الذاتية الدائمة التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وعلى هذا فتوسل عمر ﵁ لو تمسك به متمسك وقال إن عمر يقول: "كنا نتوسل إليك بنبينا وإننا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا فيسقون"، وليس فيه أن العباس دعا؟ قلنا: الجواب على ذلك من وجهين: الأول: أنه قد روي في غير البخاري أن العباس قام فدعا الله، وأن عمر قال: قم يا عباس فادع الله، فقام فدعا. هذه واحدة. الوجه الثاني: نقول في رواية البخاري التي معنا ما يدل على أن عمر ﵁ أراد أن يدعو العباس الله، كيف؟ لأنه قال: نتوسل إليك بنبيك، وقد علم أنهم لا يتوسلون بالنبي- ﵊ إلا بدعائه، فيكون توسل عمر بدعاء العباس كما كانوا يتوسلون بالنبي- ﵊، فيكون حديث البخاري فيه إشارة إلى أن التوسل بالعباس ليس بذاته، ولكن بدعائه. فإن قلت: لماذا خص العباس مع أن في القوم من هو أفضل منه؟ أجبنا على ذلك فيما سبق: بأنه أقرب الناس إلى الرسول- ﵊، وكان النبي ﷺ يعظمه حتى كان له بمنزلة الوالد، فلهذا توسل به عمر ﵁. ما يفعل عند هطول المطر: ٤٩٢ - وعنه ﵁ قال: "أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر قال: فحسر ثوبه، حتى أصابه من المطر، وقال إنه حديث عهد بربه". رواه مسلم. قوله: "أصابنا ونحن مع رسول الله"، الجملة هذه حالية، يعني: والحال أننا مع رسول الله ﷺ ، ومحلها النصب على الحال.

стр. 1036

وقوله: "أصابنا مطر" يعني: نزل علينا، فإما أن يكون من الإصابة، وإما أن يكون من الصوب للنزول، وكلاهما صحيح بالنسبة للمطر. وقال: "فحسر ثوبه" "حسر" يعني: رفعه حتى أصابه من المطر، ثم علل- ﵊ وقال: "إنه حديث عهد بربه" يعني: قريب عهد بالله لماذا؟ لأنه خلق الآن فهو حديث عهد بربه، ولاحظ أن الرسول- ﵊ فعل ولم يأمر، فيكون هذا الفعل دالًا على الاستحباب وليس بواجب؛ لأنه سبق لنا قاعدة أن الفعل المجرد من الرسول- ﵊ لا يدل على الوجوب، لكن إن ظهر فيه قصد التعبد كان دالًا على الاستحباب، وإن كان على سبيل العادة أو الجبلة فإنه لا يدل على الاستحباب. وقوله: "إنه حديث عهد بربه"، هل هذه العلة متعدية أو إنها لازمة؛ لأن بعض العلل تكون لازمة؟ الظاهر أنها لازمة لا متعدية، بمعنى: أنه لا يشرع أن كل شيء يخلقه الله من جديد نمسه بأبشارنا؛ يعني: لو أن الإنسان يقول: إذا نبت الزرع أول ما ينبت هل يسن لي أن أحسر عن ثوبي وأمس هذا الزرع الأخضر مثلًا؟ لا؛ لأن الرسول ﷺ ما كان يفعله، فتكون هذه العلة قاصرة على معلولها لا نتعدى لغيره، ودليل ذلك التتبع؛ لأن الرسول ﷺ ما كان يفعل هذا. وقوله: "حديث عهد بربه" يستفاد منه فائدة في أصول الدين: وهو تجدد فعل الله ، - وأن الله يفعل ما يشاء، وفعله هنا المتجدد بالنسبة إلى المفعول، يعني: خلقه لهذا الشيء الجديد غير خلقه للشيء القديم، أما أصل الصفة وهي الخلق فهي قديمة لازمة لله لم يزل ولا يزال خلاقًا، لكن لا شك أنه يخلق الولد بعد خلق أبيه، ويأتي الليل بعد النهار، والنهار بعد الليلة السابقة، وكل ذلك مخلوق يتجدد. فيستفاد منه: قيام الأفعال الاختيارية بالله ، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وإن كان الأشاعرة وكثير من المتكلمين ينكرون هذا ويقولون: إنه لا يمكن أن نقول لله أفعال اختيارية؛ لماذا؟ قالوا: لأن الفعل الحادث لا يكون إلا بحادث، والله ليس بحادث، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، ولا ريب أن هذا التعليل لا أقول: إنه عليل، لكن أقول: إنه ميت، إذ كيف ينكر ما جاء في الكتاب والسنة من ثبوت الأفعال الاختيارية الكثيرة التي أثبتها الله لنفسه، والتي عبر عنها بقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]. ﴿فعال﴾ صيغة مبالغة، كيف ننكر هذا من أجل حجة ضعيفة؟ من يقول: إن الفعل الحادث لا يكون إلا بحادث؟ هذه القاعدة يبطلها العقل والشرع، بل إن القديم المتصف بالصفات الكاملة أولى أن يكون قادرًا على الفعل متى شاء، هم عندهم أن الله لا يفعل فعلًا اختياريًا أبدًا؛ ولهذا يقولون: إن الله لا يتكلم بكلام يسمع، وإنما كلامه هو المعنى القائم بالنفس كالعلم والقدرة، والكلام المسموع هذا شيء مخلوق خلقه الله، وهم مع ذلك يقولون: إنها لا تقوم بها الأفعال الاختيارية، ولهذا تجد

стр. 1037

الأشاعرة لا يثبون لله صفة الخلق، وإن كان الماترديدية يثبتونها، لكن الأشاعرة يحملون كل ما جاء في صفة الخلق على معنى الإرادة. فالحاصل: أن هذا الحديث دليل على تجدد فعل الله لكنه باعتبار المفعول يكون فعله لهذا الشيء غير فعله للشيء الذي سبقه، أما من حيث أصل الفعل وجنس الفعل فإنه قديم، فإن الله لم يزل ولا يزال- خلاقًا. قوله: "حسر عن ثوبه" من فوق أو من تحت أم ماذا؟ ما حدد، يحتمل هذا أو هذا، ولكن أيهما أولى؟ الظاهر من فوق أحسن، يعني مثلًا: إذا كان عليه رداء يفتح الرداء حتى يصيب أكتافه وظهره، إذا كان عليه غترة مثلًا يكشف الغترة قليلًا حتى يصيب رأسه، فيحمل على أنه أعلاه. وفي هذا دليل على إثبات ربوبية الله لكل شيء للجماد والناطق لقوله: "حديث عهد بربه"، والله تعالى رب كل شيء في الكون ومالكه، بل كل شيء يسبح له، قال الله تعالى: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤]. ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور: ٤١]. علم صلاته وتسبيحه بأي وسيلة؟ بتعليم الله له، كل شيء من الحيوانات هذه تعرف كيف تسبح الله، وكيف تعبد الله، ﴿كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ مما علمه الله، يحتمل أن معنى الآية: كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، فالآية صالحة لهذا ولهذا، وقد قال الله تعالى عن موسى ﵇: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠]. فهدى كل مخلوق لما خلق له من الأكل والشرب ومن عبادة الله وتسبيحه. الدعاء عند رؤية المطر: ٤٩٣ - وعن عائشة ﵄: "أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: اللهم صيبًا نافعًا". أخرجاه. ولكنه في حديث عائشة لا يحسر عن ثوبه فيكون يفعله مرة ويدعه مرة، وقوله: "اللهم صيبًا" هذه على وزن "فيعل"؛ لأنه من صاب يصوب. إذا نزل فيقول: "اللهم اجعله صيبًا" يعني: نازلًا، وقوله: "نافعًا" هذا هو المقصود بالدعاء؛ لأن كونه صيبًا قد وقع، لكن المهم أن يكون نافعًا، هذا هو محط الدعاء، "اللهم صيبًا نافعًا"، و"صيبًا" ما محلها من الإعراب؟ مفعول ثان لفعل محذوف تقديره: اللهم اجعله صيبًا نافعًا، وعلى هذا يقول ابن مالك: وحذف ما يعلم جائز هذا من الذي يعلم، وقوله: "نافعًا" لم يتقيد بشيء فيكون نافعًا للبهائم، ونافعًا للناس، ونافعًا للأرض بإخراج النبات منها: ﴿لنحي به بلدة ميتًا- هذا ينفع الأرض- ونسقيه مما خلقنا

стр. 1038

أنعامًا- هذا ينفع الأنعام-، وأناسي كثيرًا- هذا ينفع الناس-﴾ [الفرقان: ٤٩]، وإنما دعا الرسول- ﵊ الله بذلك؛ لأنه إن لم يكن نافعًا فإن وجوده كعدمه؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: "ليست السنة ألا تمطروا- السنة يعني: الجدب- إنما السنة أن تمطروا فلا تنبت الأرض". هذا هو الجدب في الحقيقة وهذا كثيرًا ما يقع، تكثر الأمطار ولكن لا يرى الناس لها أثرًا حتى يعرف الناس أن الأمر كله بيد الله ، وأن الله إذا لم يجعل البركة في الشيء ما نفع، وأحيانًا تكون الأمطار قليلة، ولكن يحصل خصب كثير، يحكي لنا الناس يقولون: هناك سنة تسمى سنة الدمنة- ما هي الدمنة؟ البعرة، هذه يقولون: كانت سنة خصبة وصار فيها نبات كثير، مع أن الدمنة أسفلها لا يأتيها المطر، المطر على أعلاها فقط، لكن بإذن الله- صار المطر متواجدًا يأتي رشاشًا وهو كثير فنفع الله به نفعًا كثيرًا، هذا مشهور عند العامة، الماء الذي ينزل هذا ماء نافع للأرض وللحيوان وللناس. يقول: "كان إذا رأى"، تقدم لنا أن "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، فإذا كان كذلك سيكون هذا القول غالبًا من الرسول ﷺ . ٤٩٤ - وعن سعدٍ ﵁ أن النبي ﷺ دعا في الاستسقاء: "اللهم جللنا سحابًا، كثيفًا، قصيفًا، دلوقًا، ضحوكًا، تمطرنا منه رذاذًا، قطقطًا، سجلًا، يا ذا الجلال والإكرام". رواه أبو عوانة في صحيحه. هذه من الكلمات التي تعتبر من غريب اللغة، اللغة فيها غريب وفيها مشهور، المشهور هي: الكلمات الواضحة المعنى المتداولة كثيرًا، والغريب على اسمه غريب لا يسمع إلا نادرًا قليلًا. يقول: "اللهم جللنا" يعني: اجعله لنا مثل الجلال، والجلال: ما تغطى به الإبل والدواب ليحميها البرد ومن الحرث، ومنه حديث علي ﵁: "أمرني رسول الله ﷺ أن أتصدق بلحومها وجلالها، أو بجلودها وجلالها". وهذا يقتضي أن يكون السحاب قريبًأ؛ لأن السحاب كلما قرب كان في الغالب أكثر مطرًا كما هو مشاهد. ثانيًا يقول: "سحابًا كثيفًا" يعني: متراكمًا؛ لأن السحاب إذا كان متراكمًا صار رفيعًا مثل الجبال ويحجب الشمس، وهل يكون أسود؟ الحقيقة هو أحيانًا يكون كثيفًا وأبيض، وأحيانًا يكون أسود وليس بكثيف، والذين يطيرون في الجو يشاهدون هذا، ونحن نشاهده في أحيانًا سبحان الله العظيم، تكون بعض القطع من السحاب سوداء، وبعضها حمراء، وبعضها بيضاء.

стр. 1039

قال: "قصيفًا" معناها: شديد الرعد، قالوا: لأن شدة الرعد تدل على كثرة الماء، هكذا قالوا، والرعد غير الصواعق؛ لأن السحاب أحيانًا يكون ثقيلًا جدًا في الرعد، لكن ليس فيه صواعق: شرارات تنفصل من الرعد تسقط على الأرض. أيضًا يقول: "دلوقًا" الدلوق: العجل السريع، وهذا الدلوق الغالب أنه إذا كان ثقيلًا وقريبًا من الأرض تتبين سرعته، أما البعيد فلا تتبين سرعته وكذلك يمكن أن يقول: دلوقا: أي سريع الإمطار بحيث يكون المطر شديدًا. أيضًا يقول: "ضحكونا"، و"الضحوك" قال العلماء: معناه كثير البرق، لأن البرق والرعد غالبًا يكون كثير الماء. "تمطرنا منه رذاذًا قطقطًا سجلًا". الرذاذ والقطقط هذا مطر يكون خفيفًا من حيث الحجم ولا يكون كبير النقط؛ لأن كبير النقط ربما يحصل فيه ضرر، ولكن إذ كان كثيرًا مع صغر النقط صار هذا أفيد وأقل ضررًا، وقوله: "سجلًا" معناها: الكثير الواسع. ثم قال: "يا ذا الجلال والإكرام" "ذا" منادى منصوب على النداء"، والجلال بمعنى: العظمة والإكرام- من التكريم- مصدر أكرم يكرم، فهو المعنى: أنه يكرم، أو أنه يكرم، أو المعنيان؟ المعنيان، فهو- يكرم بمعنى: يعظم بالطاعة، ويكرم أي: يكرم أولياء بالثواب، وأما الجلال فإنه من صفاته الذاتية اللازمة غير المتعدية. إن قال قائل: هذا الحديث لماذا كرر الرسول- ﵊ فيه هذه الكلمات؟ فالجواب أن يقال: إذا صح الحديث فإنه قد سبق لنا أن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط والتفصيل، وذكرنا أن لهذا شواهد منها: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، سره وعلانيته، وأوله وآخره، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت"، وما أشبه ذلك؛ لأن مقام الدعاء ينبغي فيه التفصيل من أجل أن يستحضر الإنسان كل مطلوبه إن كان طلبًا، وكل مرهوبة إن كان هربًا، ولأن مقام الدعاء مناجاة لله وكلما طالت المناجاة مع الحبيب صار ذلك أدل على المحبة. ثالثًا: ولأن الدعاء مقام ذل وافتقار إلى الله وكلما كررت الذل والافتقار لله صار ذلك أبلغ في العبادة. فهذه وجوه ثلاثة كلها في بيان الحكمة من تكرار الدعاء وتفصيله، وقوله: "يا ذا الجلال والإكرام" هذا من باب التوسل بأسماء الله وصفاته.

стр. 1040

مشروعية الاستسقاء في الأمم السابقة: ٤٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "خرج سليمان ﵇ يستسقي، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعةً قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم". رواه أحمد وصححه الحاكم. هذا الحديث فيه آيات من آيات الله، سليمان هو ابن داود أحد أنبياء بني إسرائيل، هل هو قبل موسى أم بعده؟ بعد موسى. قوله: "يستسقي" أي: يطلب السقيا من الله، "فرأى نملة" رؤية بصرية، "مستلقية" صفة لنملة، والنملة واحدة النمل، وهو معروف وهو معروف ويقال: إنه من أحكم الحشرات في قوته، وإنه يجمع القوت في وقت لا يستطيع فيه أن يخرج إلى سطح الأرض في أيام الشتاء، وأنه إذا جمع القوت أكل رءوس الحب- حب البر- لأجل ألا ينبت؛ لأنه إذا نبت فسد، فإذا جاء المطر ورأى أن البلل سيصل إلى الحب أو وصل إليه بالفعل أخرجه ونشره في الشمس حتى ييبس وبرده لئلا يعطن شيء عجيب. سأل سائل فقال: ما تقولون لو وجدت النمل ناشرًا حبه هل يجوز أن آخره؟ في الحقيقة لها قوت آخر، ولكن التغذي على قوت الغير مشكلة. يقول: "مستلقية على ظهرها"، كيف؟ قال: "رافعة قوائمها إلى السماء"؛ لأنها تعلم أن الله في السماء، تقول: "اللهم إنا خلق من خلقك" هذا اعتراف منها بربوبية الله ، وأنها مخلوقة، وأنها فرد من هذا الخلق العظيم، "ليس بنا غنًى عن سقياك" وهذا اعتراف بافتقارها إلى الله ، وأنها تحتاج إلى السقيا لأجل أن تنبت الأرض، فإذا نبتت أخذت من أشجارها وحبوبها. فقال سليمان ﵇: "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم"، يقول لأصحابه الذين معه، ما المراد بالغير؟ دعوة هذه النملة، والباء هنا للسببية، أي: سقيتم بسبب دعوة غيركم. فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: ثبوت رسالة الرسول- ﵊، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ ولا يكتب حتى يمكن أن يقول: أنه تلقى ذلك من بني إسرائيل، ومثل هذا لا يصل إليه الخبر إلا عن طريق الوحي. ومنها: أن الدعاء لطلب السقيا كان معروفا في الشرائع السابقة؛ لقوله: "خرج يستسقي"، ولكن لا يلزم أن يكون على صفة الصلاة في شريعة النبي ﷺ ، المهم: أنهم يذهبون إلى خارج البلد يستسقون. ومنها: أن البهائم تعرف خالقها؛ لأن هذه النملة كانت مستلقية رافعة قوائمها إلى السماء.

стр. 1041

ومنها: إثبات علو الله بذاته، من أين يؤخذ؟ من كونها رافعة قوائمها إلى السماء، فالحشرات تقر بأن الله في السماء، وبعض بني آدم ينكرون أن الله في السماء نسأل الله العافية، والذين أنكروا علو الله انقسموا إلى قسمين، قسم قالوا: إن الله- في ذاته في كل مكان من الأرض بر، وبحر، جو، أماكن معظمة، أماكن ممتهنة، أماكن نظيفة، أماكن قذرة، فالله بذاته في هذه الأماكن، وهذا لا شك أنه قول باطل كما سبق لنا بيانه، وحتى العقل لا يقبله، لأنه يلزم منه إما التعدد أو التجزؤ، إما أن يكون الله متعددًا يكون في كل مكان أو متجزئًا في كل مكان، وهذا لا شك أنه باطل ولا يمكن أن يقبله عقل. والطائفة الثانية التي ضلت في العلو قالت: إنه لا يجوز أن نقول: إن الله تعالى في العلو، بل يجب أن نعتقد بأن الله تعالى ليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا في العالم، ولا يمينًا ولا شمالًا، ولا متصلًا بالعالم، ولا منفصلًا عن العالم، كيف؟ لا يمكن هذا إلا أن يكون معدومًا؛ ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل لنا: صفوا الله بالعدم ما وجدنا أدق من هذا الوصف؛ لأننا إذا قلنا: هذه الأوصاف السلبية في الله وأن هذا هو الواجب علينا نحو ربنا، فمعنى ذلك: أنه يجب أن نقول: لا رب. وأما أهل السنة والجماعة الذين مشوا على طريقة السلف وعلى ما يقتضيه النص والعقل والفطرة فأجمعوا على أن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، وأنه لا يحصره مكان، فما فوق العالم عدم، والله- في ذلك فوق، وحينئذ لا يكون في اعتقادنا هذا أي تنقص لله ، وقد سبق لنا أن شبهة القائلين بأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه ولا فوق ولا تحت ... إلخ. أن شبهتهم أنهم يقولون إذا قلنا: أن الله تعالى بذاته في السماء لزم أن يكون منحصرًا بشيء، ولكن هذا باطل؛ إذ لا يلزم أن يكون منحصرًا في شيء؛ لأنه ليس فوقه شيء، فكيف يكون منحصرًا هو فوق كل شيء- ولا شيء يحصره، وهذه الشبهة التي شبهها أو التي ألقاها الشيطان في قلوبهم شبهة لا حقيقة لها، أما الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان فإنهم استدلوا بآيات المعية مثل قوله تعالى: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ [الحديد: ٤]. وقوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم ولا خمسةٍ إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ [المجادلة: ٧]. فظنوا أن المعية تستلزم الحلول والاختلاط، ولكنهم ضلوا في ذلك المعية لا تستلزم هذا الحلول الذي زعموه أبدًا، فإن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تمنع أن يكون الشيء فوقك وبعيدًا عنك وعاليًا عنك وتقول: إنه معي، ففي اللغة العربية يقولون: إن القمر معنا وهو في السماء، والنجم الفلاني معنا وهو في السماء، ويقول القائد للجند مثلًا: اذهبوا إلى المعركة وأنا معكم، وهو في مكانه في غرفة القيادة، وهكذا المعية في اللغة العربية لا تستلزم الحلول والمخالفة والمجامعة أبدًا لكنها قد تقتضي ذلك؛ ولهذا فهي تستعمل

стр. 1042

على حسب ما تضاف إليه. فإذا قلت: سقاني لبنًا معه ماء، فالمعية هنا تقتضي الاختلاط والمزج، كما قال الشاعر لا أدري أيمدح من أضافوه أو يذمهم [الزجر]: حتى إذ جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط إذن هذه المعية في البيت تقتضي الاختلاط، وإذا قلت مثلًا: "حضرت إلى الدرس ومعي كتابي" فهذا مصاحبة في المكان، وإذا قلت: "فلانة مع فلان" هذه قد تقتضي أن تكون معه في المكان، وقد تكون في البيت وهو في السوق لكنها زوجته، فتبين أن المعية يختلف معناها ومقتضياتها ومستلزماتها بحسب ما تضاف إليه ومن هنا نقول: أنتم أيها الحلولية أخطأتم في قولكم إن المعية تستلزم المشاركة في المكان؛ لأنا لو تأملنا الأمثلة لوجدنا عكس ذلك. إذن فما هو الذي يجب على المؤمن اعتقاده بالنسبة لعلو الله ؟ الواجب: أن يعتقد بأن الله تعالى عال في ذاته كما هو عال في صفاته؛ ولهذا نقول: إن العلو ينقسم إلى قسمين: علو الذات، وعلو الصفات، وكله ثابت لله . من فوائد الحديث: أن الحشرات تتكلم: ﴿وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]. إلا أن الله تعالى قد يفهمه من يشاء من عباده، سليمان يقول: ﴿علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيءٍ﴾ [النمل: ١٦]. قال العلماء: إن السر في تخصيص منطق الطير دون غيره، لأن الطير من أصعب ما يكون فهم لغته، ولهذا فهم ما تقول النملة، فعلى هذا نقول: إن جميع المخلوقات تتكلم وتنطق وتسبح الله ، وما كان محتاجًا منها إلى إمداد فإنه يسأل الله . ومن فوائد الحديث: أن البهائم تعرف حاجتها إلى ربها لقوله: "ليس بنا غنى عن سقياك". ومن فوائد الحديث: أن الإنسان قد يجاب مطلوبه بدعوة غيره لقوله: "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم". ومن فوائد الحديث: ما استنبطه بعض أهل العلم من أنه ينبغي أن يخرج الأطفال ومن لا ذنب له إلى صلاة الاستسقاء؛ لأنهم أقرب إلى إجابة الدعاء، وجهه: أن النملة غير مكلفة ولهذا قال: "ارجعوا ... الخ". ومنها: أن بعض أهل العلم قال: ينبغي ألا تخرج البهائم إلى المصلى؛ يعني: إذا كانت البهائم قد أحست بالقحط والجوع، وجهه: أن النملة لم يخرجوا بها إنما هي في بيتها، والبهائم التي في الجوع قد تستسقي وهي في ربطها. ومن فوائد الحديث: إثبات الخلق لله لقولها: "إنا خلق من خلقك". ومنها: التوسل بذكر حاجة الداعي لقولها: "إنا خلق من خلقك ليس بنا غنًى عن سقياك".

стр. 1043

ومنها: إثبات الأسباب لقوله: "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم" الباء للسببية، وإلا معلوم أن السقيا من الله لكن الدعاء سبب. ومنها: الآية التي جعلها الله لسليمان حيث كان يعرف منطق النمل، وقصته في سورة النمل معروفة: ﴿حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (١٨) فتبسم ضاحكًا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (١٩)﴾ [النمل: ١٨ - ١٩]. وهذا دليل على أنه فهم ما قالت. ومنها: أن هذه المخلوقات الضعيفة قد تنطق بكلام فصيح لقولها: "إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك" كلام عظيم تضمن الإيجاد والإمداد، ولا شك في أن هذا الكلام فصيح، وكلام النملة أيضا في القرآن بليغ جدًا؛ لأنه تضمن عدة أمور: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (١٨)﴾ [النمل: ١٨]. ففيه تنبيه وإرشاد وتحذير وتعليل، تنبيه: ﴿يا أيها النمل﴾ إرشاد: ﴿ادخلوا مساكنكم﴾، تحذير: ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾، تعليل: ﴿وهم لا يشعرون﴾. فائدة إثبات علو الله وأدلته: ومن فوائد الحديث: إثبات علو الله، وذكرنا قبل ذلك أدلة علو الله وهي خمسة أنواع وليست خمسة أفراد، الدليل الأول: كتاب الله ، كتاب الله دل على علو الله من عدة أوجه؛ فمنها: التصريح بذكر العلو مثل قوله تعالى: ﴿وهو العلي العظيم (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]. ﴿وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣]. وأشباه ذلك. ومنها: التصريح بذكر الفوقية: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام: ١٨]. ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠]. ومنها: التصريح بعروج الأشياء وصعودها إليها مثل قوله: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعراج: ٤]. ومثل قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠]. ومنها: التصريح بنزول الأشياء منه، كقوله: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾ [السجدة: ٥]. ﴿تنزيل الكتاب من الله﴾. هذه أنواع من جنس واحد وهو القرآن. السنة كذلك وهو النوع الثاني من أدلة العلو بجميع صفاته والسنة- كما تعرفون- قول الرسول- ﵊ وفعله، وإقراره، وقد اجتمع في العلو قوله وفعله وإقراره. قوله: قال النبي ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء". وقال ﷺ : "ربنا الله الذي في السماء".

стр. 1044

قال النبي- ﵊: "العرش فوق الماء والله فوق العرش". وقال: "إن الله كتب كتابًا عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي". إلى غير ذلك من الأقوال الواردة عن الرسول ﷺ ف ثبوت علو الله بذاته. وأما السنة الفعلية فإنه قام مقام الخطبة في أعظم مشهد شهده وهو يوم عرفة حين خطب الناس ووعظهم وذكرهم، ثم قال لهم: "ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد- يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس-، اللهم اشهد". يعني عليهم، بأنهم أقروا بأني بلغت، ورفعه إلى السماء إشارة إلى أي شيء؟ إلى علو الله ثم أعادها مرة أخرى ومرة ثالثة كل هذا تأكيد لعلو الله ، وكذلك كان ﷺ يرفع يديه في الدعاء بمشهد من الصحابة- ﵃ في خطبة الجمعة لما دخل الأعرابي قال: "ادع الله يغيثنا" رفع يديه، وقال: "اللهم أغثنا"، هذه سنة فعلية. أما الوصف الثالث للسنة وهو الإقرار فإنه سأل جارية لمعاوية بن الحكم قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". ولو كان الله ليس في علو لكان ينكر على هذه المرأة فتكون سنة إقرارية. الثالث من أنواع أدلة العلو: الفطرة التي فطر عليها كل إنسان- بل كل مخلوق- على أن الله تعالى في السماء، من علم النملة أن الله في السماء؟ ما فطر الله عليه الخلق، وإلا فهي لم تدرس، لكن بفطرتها التي فطر الله الخلق عليها علمت أن الله تعالى في السماء، أيضًا الإنسان بفطرته لولا أن الشياطين تجتال بعض الخلق ما كان ينصرف قلبه إذا دعا الله إلا إلى السماء؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني- وهو من الأشاعرة- يقرر إنكار استواء الله على العرش، يقول: إن الله كان ولا مكان، أو وليس شيء غيره وهو الآن على ما كان عليه، فقال له أبو العلاء الهمداني: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش، لماذا؟ لأن دليل استواء الله على العرش ثابت بالسمع، يعني: لولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش كنا لا نعلم، فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ ما قال عارف قط بالله وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، من أين أتت، هل تنكر هذه؟ لا تنكر، ولهذا أقر الجويني به واعترف، فجعل يضرب على رأسه ويصرخ ويقول: حيرني الهمداني ويكررها لأنه ما يقدر أحد أن ينكر هذه الفطرة، حتى العامي الذي في سوقه إذا قال: يا رب، أين يذهب؟ إلى السماء، هذا دليل فطري لا يمكن إنكاره أبدًا.

стр. 1045

أما الدليل الرابع: فهو دليل العقل، أن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، كيف ذلك؟ دليل العقل من ناحيتين: الناحية الأولى: أن نقول: هذا العلو صفة كمال أو صفة نقص؟ صفة كمال حتى السوقة إذا أراد أحدهم أن يقدح في أحد قال: يا سلفي، لأنه معروف عند كل أحد أن السفول نقص إذا كان العلو صفة كمال، والرب قال عن نفسه: ﴿وله المثل الأعلى﴾ [الروم: ٣٧]. قاعدة: كل مثل أعلى- يعني: كل وصف أعلى- فلمن؟ لله ؛ فوجب أن يكون العلو ثابتًا له. أما الوجه الثاني: فنقول: لا يخلو أن يكون الرب فوق الخلق أو تحت الخلق أو مساويًا للخق، ننظر الآن هذا سبر وتقسيم إما فوق الخلق أو تحتهم أو محايزًا لهم- يعني: موازيًا لهم- والأمران الأخيران ممتنعان؛ لأنه يمتنع كونه تحتهم، إذا كان الخلق فوق الخالق لم يستحق أن يكون خالقًا مدبرًا، لأنه تحت وهم عليه وفوقه مسيطرون، كيف يكون خالقًا إذا كان عن أيمانهم أو عن شمائلهم؟ لأن ذلك من لوازم أن يكون مساويًا لهم، وموازيًا لهم، والفرق بين الخالق والمخلوق أمر معلوم بضرورة العقل، ما الذي يبقى أنه فوق فيكون العقل مقررًا بفوقية الله من الناحيتين. النوع الخامس من الأدلة: هو إجماع الصحابة والتابعين وسلف الأمة وأئمتها، ليس فيهم أحد قال إن الله ليس في السماء، ولا فيهم أحد قال: إن الله ليس فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عنه، ونتحدى أي إنسان ينقل عن أي واحد من الصحابة والتابعين أو أئمة الأمة أنه قال هذا، لم يقل أحد بذلك، فيكون أدلة علو الله بذاته كم نوعًا؟ خمسة أنواع، وكل نوع متجزئ؛ إذن أي إنسان يقول: إن الله ليس في السماء، فإننا نقول: إن قولك باطل بالكتاب والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ لأن ما خالف الثابت بدليل- هذه قاعدة- فهو باطل بنفس الدليل الذي ثبت به الخلاف، فإذا قلنا: العلو ثابت بخمسة أنواع من الأدلة فضده باطل بخمسة أنواع من الأدلة؛ لأن العكس بالعكس. إذن الحمد لله أهل السنة والجماعة- نسأل الله أن يميتنا وإياكم على ما هم عليه- يقرون بهذا إقرارا عقليًا فطريًا سمعيًا نقليًا لا يشكون فيه، ولا عندهم معارض، ولا يمكن أن ينصرف عن هذا إلا من اجتالته الشياطين، والذي تجتاله الشياطين لا تستغرب أن يتصرف بما هو غريب، انظر في القرآن: ﴿أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر﴾ [الحج: ١٨]. كل هذه جمادات، ﴿والدواب﴾ حيوان لكن أعجمي، ﴿وكثير من الناس﴾ ليس كل الناس، ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ لا يسجد ولا يقر لله تعالى بما يجب له، فلا تستغرب أن يكون من بني آدم من ينكر علو الله الثابت بهذه الأدلة العظيمة، وقد سبق لنا الجمع بين ثبوت العلو الذاتي وبين ما ورد في الكتاب والسنة مما ظاهره أن ذلك قد يتخلف مثل حديث النزول وآيات المعية، وبينا أن الجامع لذلك هو أن الله تعالى لا يقاس

стр. 1046

بخلقه ولا يسلط عليه العقل الذي يسلط على ما يوصف به الخلق، فالله تعالى يمكن أن يوصف بهذا، ولا يمكن التعارض بما وصف الله به نفسه. حكم رفع اليدين في الدعاء: ٤٩٦ - وعن أنسٍ ﵁: "أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء". أخرجه مسلم. تقدم لنا أن مادة "استفعل" تدل على طلب الشيء، "استغفر": طلب المغفرة، "استسقى": طلب السقيا، ولكنها أحيانًا لا تدل على ذلك، أحيانًا تدل على الاختصاص بهذا المعنى مع المبالغة فيه مثل "استكبر"؛ لأن استكبر ليس معناها: طب الكبر، لكن المعنى: بلغ في الكبر غايته؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبني على زيادة المعنى، يعني: كلما زادت حروف الكلمة دل ذلك على زيادة في معناها، وهذه ليست قاعدة مطردة ولكنها غالبية، وإلا فإن كلمة "بقرة" و"بقر" أيهما أكثر معنى؟ "بقر"، وهي أقل حروفًا. يقول: "استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء" اختلف شراح هذا الحديث في معنى كلمة: "أشار بظهر كفيه" هل المعنى: جعل ظهور كفيه إلى السماء، أو أن المعنى: رفع رفعًا بالغًا حتى كانت ظهور كفيه تشير إلى السماء؟ فيها قولان لأهل العلم، منهم من قال: إن المعنى أنه جعل ظهورهما إلى السماء، وبنى على ذلك قاعدة مبنية على حديث ضعيف، ورأوا أن الدعاء إذا كان بصرف ما يضر فهو بظهور الكفين، وإذا كان بطلب ما ينفع فهو بالبطون، كأن الإنسان في النافع يقول: هكذا بيديه ... ليفرغ فيها الشيء، كالمستجدي، وأما الظهور فيقول: هكذا ... كالذي يدفع، ولكننا نقول: هذه القاعدة ينقضها هذا الحديث؛ لأن الرسول إذا استسقى ماذا يطلب؟ يطلب غيثًا، يطلب شيئًا نافعًا تزول به المضرة؛ ولهذا فإن شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: إنه لا يشرع الدعاء برفع اليدين مقلوبًا في جميع الأحوال سواء كان ذلك في طلب محبوب أو في دفع مكروه، وأن معنى هذا الحديث: أنه للمبالغة في رفعهما؛ لأنه بالغ الرسول ﷺ في الرفع حتى صار ظهورهما تشير إلى السماء، وقد ثبت أنه دعا حتى بدا بياض إبطيه، وهذا هو الأصح، وأنه ليس من المشروع أن يدعو الإنسان بظهر كفيه، بل إنما يدعو ببطون كفيه؛ لأنه يستجدي ويستطعم من الله فهذا هو الصحيح. وفي الحديث دليل على علو الله لقوله: "إلى السماء"، إشارة إلى علو المدعو- يبقى النظر، هل يشرع للإنسان رفع اليدين كلما دعا أو الأصل عدم مشروعية ذلك؟ إذا قلنا: إن الأصل عدم المشروعية فمعنى ذلك: أننا لا نرفع أيدينا في دعاء إلا إذا ورد به النص،

стр. 1047

وإلا فلا نرفع، وإذا قلنا: إن الأصل المشروعية، فمعنى ذلك: أننا نرفع أيدينا إلى الله بكل دعاء، إلا ما ورد النص بعدمه، وأسألكم الآن: ماذا تتصرفون؟ نرفع إلا ما ورد النص بعدمه، وهذا هو الأقرب للدلالة الأثرية والنظرية. أما الدلالة الأثرية: فإن رسول الله ﷺ جعل رفع اليدين من أسباب الدعاء، وذلك في الحديث الذي رواه مسلم في قوله ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين" فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ [المؤمنون: ٥١]. الأمر واحد ﴿واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم﴾. ثم ذكر النبي ﷺ : "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك". لماذا ذكر الأوصاف الأربعة؟ لأنها من أسباب إجابة الدعاء؛ إذن فرفع اليدين من أسباب إجابة الدعاء. ويؤيده أيضًا ما رواه أحمد في المسند: "إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرًا". فهذا دليل على أن المشروع أن ترفع يديك. أما من الناحية النظرية: فلأن الداعي يسأل ودعاء المسئول الذي يتلقى به المطلوب اليدان، ثم إن الإنسان يجد من نفسه إذا رفع يديه أن قلبه يرتفع أكثر مما لو دعا هكذا. فالظاهر لي أن الأصل في الدعاء الرفع إلا ماورد النص بعدمه، فمثلًا الدعاء في الصلاة لا رفع فيه، لا دعاء الاستفتاح: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي"، ولا دعاء الجلسة بين السجدتين، ولا دعاء الرفع من الركوع، ولا الدعاء في التشهد، كل هذا لم يرد، بل الذي يظهر عكسه؛ لأن الرسول ﷺ لو فعله لكان الصحابة ينقلونه؛ لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله، ثم إننا نعلم أن وضع اليدين في حال القيام على الصدر، أو على الأقل نعلم أن الرسول يضع اليمنى على اليسرى وفي التشهد والجلوس بين السجدتين على الفخذين، إذن فهذا دليل على عدم الرفع. بعد السلام يقول: أستغفر الله ثلاثًا فهل يرفع يديه؟ لا، ما الذي يدرينا؟ لم يرد ما دام قلنا: إن الأصل الرفع، ولكن عندنا قرينة قوية هنا تدل على أنه لم يرفع، ما هي؟ أن الصحابة يشاهدونه، وإذا كانوا ينقلون إشارة أصبعه في التشهد كيف لا ينقلون الرفع إذا سلم، فهذا دليل على أنه كان لا يرفع وهذا هو الصحيح. إذا انتهينا من إجابة المؤذن هل نرفع أيدينا أو لا؟ نرفع، ولو قال أحد: لا نرفع نقول: ما الأصل، وإلا فارجعوا عن قولكم إن الأصل الرفع، وقولوا: الأصل عدم الرفع.

стр. 1048

على كل حال: النصوص في هذا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يصرح فيه بالرفع، وقسم يصرح فيه بعدم الرفع، وينكر على الرافع، كما في حديث بشر بن مروان أنكروا عليه حين رفع يديه في الخطبة، وقسم يظهر فيه عدم الرفع فنأخذ فيها بالظاهر؛ لأن هذا أبلغ ما عندنا، وقسم آخر لا يظهر فيه الشيء فهو الذي يختلف فيه، إن قلنا: إن الأصل الرفع رفعنا، وإن قلنا: الأصل عدم الرفع لم نرفع. ثم قال المؤلف: * * * ١٧ - باب اللباس السؤال الأول: لماذا جعل المؤلف باب اللباس هنا بعد صلاة الاستسقاء مع أن المعروف عند أكثر أهل العلم أنهم يجعلونه في باب شروط الصلاة؟ الظاهر- والله أعلم-: أنه لما كان اللباس لا بد منه في الصلاة جعله في آخر كتاب الصلاة، وإلا فالأوجه أن يكون في باب شروط الصلاة؛ لأن من شروط الصلاة ستر العورة بالثياب. اللباس نوعان: لباس حسي مادي، ولباس معنوي روحي، كما يقولون، وإن كنت لا أحب أن أقول: روح وجسد؛ لأنهما متلازمان، والنعيم الذي للروح يحصل بالجسد، لكني أقول: إن اللباس نوعان: لباس حسي، ولباس معنوي، وقد أشار الله تعالى إليهما في قوله: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦]. قسم الله تعالى اللباس الحسي إلى قسمين: قسم ضروري لا بد منه، وهو ما يواري السوآت، وقسم كمالي زينة وهو ما ذكره في قوله: ﴿وريشا﴾؛ لأن هذا من باب الكمال وليس من باب الضرورة، وكلاهما من نعم الله . ومن حكمة الله- أن جعل بشرة الإنسان بادية لا تغطى بلباس، وأما غيره من البهائم- فيما نعلم- فإنه مغطى بلباس شعر، ووبر، وصوف، وريش، وزعانف، وأشياء أخرى مما هو معلوم، والحكمة في هذا- والله أعلم- من أجل أن يعلم الإنسان أنه مفتقر إلى اللباس المعنوي كما هو مفتقر إلى اللباس الحسي، فيتذكر لحاجته إلى هذا اللباس أنه محتاج أيضًا إلى اللباس الذي هو خير منه، وهو لباس التقوى هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن غير الإنسان ليس له عقل يهتدي به الاهتداء الكامل إلى تحصيل لباسه، وإن كان بعض الأحيان ربما إذا أصيب بشيء بحت شعره ربما يحاول أن يتخذ من الأشعار أو غيرها ملجأ يستجير به، لكن الإنسان له عقل يهتدي به، وهو إذا رأى نفسه مجردًا من اللباس الساتر سعى في حصول ذلك. فالحاصل: أن اللباس ضرورة لبني آدم، وهو كما سمعتم ينقسم إلى قسمين: ضروري، والثاني: كمالي. أما اللباس المعنوي- وهو لباس التقوى- فإنه خير وبه يحصل اللباس الحسي: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا (٢) ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].

стр. 1049

وما هو الأصل في اللباس؟ الأصل فيه الحل، والدليل قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ومما خلق: اللباس، فهو داخل في هذه الآية، ودليل آخر قوله تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. فأنكر الله تعالى على الذين يحرِّمون هذه الزينة، ولما كان الأصل في اللباس الحل احتاج أهل العلم أن يذكروا النصوص التي تفيد التحريم؛ لأن المحرم من اللباس أقل من المباح منه؛ فلهذا أتوا بالأدلة الدالة على تحريم اللباس والتحريم أنواع قد يكون تحريماً عارضًا، وقد يكون تحريمًا دائمًا، وقد يكون تحريمًا عامًا، وقد يكون تحريمًا خاصًا، فهناك أربعة أنواع: تحريم لازم، أو طارئ، أو عام، أو خاص. مثال اللازم أو الطارئ: الأصل في الثوب أنه حلال، فإذا صورنا فيه صورة صار لبسه حرامًا، هذا التحريم طارئ أو لازم؟ طارئ. العام يعني: الذي تشمل الذكر والأنثى، مثل أن يكون مصورًا يعني: فيه صور، فإن الذي فيه صور حرام على الرجال والنساء. والخاص: كالحرير. ثم هناك تحريم طارئ، أي تحريم يطرأ على الشيء لتعلق حق الغير به كالمغصوب فهذا الأصل فيه الحل؛ لكن لمَّا كان قد تعلق بحق الغير صار حراماً. تحريم الزنا والخمر والغناء: ٤٩٧ - عن أبي عامر الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليكوننَّ من أمَّتي أقوامٌ يستحلُّون الخزَّ والحرير)). رواه أبو داود، وأصله في البخاريِّ. في البخاري بهذا اللفظ، وفيه زيادة: والخمر والمعازف)) قوله: ((ليكونن أقوام)) فهنا إشكال في فتح النون، ففي هذا الفعل المضارع بدون أن نجد ناصبًا ينصبه؟ لأن هذه الفتحة ليست فتحة إعراب وإنَّما فتحة بناء، وسبب بنائه اتصال نون التوكيد به، فإن قلت: نحن نعرف أن المؤكد بالنون إذا كان لجماعة فإنه يكون مضمونًا؟ نقول: إنه يضم إذا كان مسندًا إلى واو الجماعة، وليس اسم ظاهر. قال: ((ليكونن أقاوم من أمتي))، الأقوام جمع قوم، وقوم في الأصل للرجال، كما قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيرًا منهن﴾ [الحجرات: ١١]. وقال الشاعر [الوافر]: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقومٌ آل حصنٍ أم نساء

стр. 1050

((أقوم أم نساء))، وهذا إذا ذكر مع النساء صار خاصًا بالرجال، أما إذا لم يذكر مع النساء فإنه يكون عامًا إلا بدليل، يعني: عامًا شاملًا، ولهذا مثلًا: ﴿ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه﴾. يشمل النساء، ﴿ولو إلى قومهم مُّنذرين﴾ [الأحقاف: ٢٩]. عام للرجال والنساء من الجنس. وقوله: ((من أمتي)) المراد بقوله: ((من أمتي)) هنا: أمة الإجابة، لا أمة الدعوة، وإنما قلنا بذلك، لأن أمة الدعوة الكافرين يستحلون ما هو أعظم من ذلك، وهو الشرك والكفر، فالمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة؛ لأن النبي- ﵊ ذكر ذلك على أنه لا ينبغي في حقهم هذا الأمر. وقوله: ((يستحلون))، استحل الشيء بمعنى، جعله حلالًا، والاستحلال هنا نوعان: إما أن يراد به الاستحلال، أي: اعتقاده حلالًا مع تحريم الله له فيحلل ما حرم الله، وهذا كفرٌ ولكنه ليس المراد، وإمَّا أن يراد بالاستحلال: أن يفعله من غير مبالاة كالمستحل له وهذا هو المراد هنا، فمعنى ((يستحلون)) أي: يفعلون هذه الأشياء فعل المستحل لها بلا مبالاة. قال ((يستحلون الحر)) يعني: الفرج، قال ابن مالك: وإنَّما تلزم فعل مضمر ... متَّصل أو مفهم ذات حر و((الحر)) يقول النحويون: أصلها حرح الحاء، فحذفت لام الكلمة اعتباطًا يعني: بدون سبب، وعلى كل حال: فإن ((الحر)) اسم مكون من حرفين، وأدنى ما يكون منه الاسم المعرب ثلاثة أحرف، لا يمكن أن يوجد اسم معرب مكون من أقل من ثلاثة أحرف، ولهذا إذا جاءهم مثل: ((يد، وحر)) يقولون: حذفت اللام اعتباطًا أو ما أشبه ذلك، إذن الحر يعني: الفرج، وإذا قلت: إن الحر هو الفرج فإنه لابد أن يكون هناك صفة محذوفة وجوبًا؛ لأنه يجب أن نقدر صفة محذوفة وهو الحرام، ((يستحلون الحر)) أي: الحرام، وأما من استحل الحر الحلال فإنه مأجور لا يلام، وقد نقول: غنه لا حاجة إلى تقدير الصفة؛ لأنها معلومة من قوله: ((يستحلون))، فإن هذا يدل على أن المراد به: الحر الحرام. المهم: أنهم يستحلون الزنا والعياذ بالله، ولا يقولون: إن الزنا حلال، ولو قالوا: عن الزنا حلال كفروا، لكن يفعلونه فعل المستحل غير مبالين به، وهذا قد وجد الآن، فهناك من الناس من يفعلون الزنا- والعياذ بالله- فعل المستحيل بدون مبالاة، حتى إنه يوجد في بعض البلاد التي يقولون: إنها بلاد إسلامية يوجد فيها أسواق وبارات للزنا، بل قيل لي: إنه يوجد بارات للواط، وأنه إذا قدم أول ما السائح يعرضون عليه صورًا للمردان وصورًا للفتيات، ويقولون: اختر هذا أو هذا، وهم ينتسبون للإسلام! فصدق قول الرسول- ﵊ أنه سيكون هذا الشيء، ونحن نعلم علم اليقين أن ما أخبر به الرسول ﷺ فإنه لابد أن يقع مهما كان الأمر، لأنه- ﵊ لا ينطق عن الهوى، فالأمور الغيبية لا يتلقاها إلا بالوحي؛ لأنه لا يعلم

стр. 1051

الغيب، وعلم المستقبل من علم الغيب، ولا يمكن إلا أن يكون بوحي من الله تعالى. وقوله: ((الحرير)) معروف، هو عبارة: عن أسلاك تنسج منها الثياب، أتدرون من أين تأتي هذه الأسلاك من دويدة- حشرة صغيرة- تسمى دودة القز، بإذن الله تخرج منها هذه الأسلاك فتطويها على نفسها حتى تبلغ الكبر وتموت، ثم يأتون يأخذونه، وإذا أردت أن تعرف كمال قدر الله انظر الآن التي يسمونها أم العنكبوت، ألقها وأنت قائم واقف إذا ألقيتها في الحال يخرج منها خيط يمسكها حتى لا تقع على الأرض، وهو أملس ما يكون! سبحان الله! ثم يمتد إلى أن تصل إلى الأرض بسلام، أعظم من البرجوات، أحيانًا إذا رأت أن المدى بعيد رجعت وصعدت مع هذا الخيط وقد شاهدناها، فيكون هذا الخيط- بإذن الله- ممسكًا لها أن تقع على الأرض، ويكون عمودًا لها تصعد عليه، ثم انظر أيضًا إلى ما تنسجه في الجدار أو السقف، ولا تستيعد في دودة القز، ((الحرير)) هذا هو الحرير الأصلي، أما الحرير الصناعي فلا يدخل في هذا، وسيأتي في الفوائد هل يجوز لبسه للرجل أو لا يجوز؟ نكمل الحديث لأنه مهم: ((الخمر)) تقدم أنه كل ما خامر العقل؛ أي: غطاه على سبيل اللذة والطرب، يعني: يمارسونه بيعًا وشراء وتأجيرًا وشربًا ممارسة المستحل له، حتى كأنه شراب، وهل حدث هذا؟ نعم، حدث هذا، فإن هذا موجود في البلاد التي هي بلاد إسلامية توجد فيها حانات الخمور، بل قيل لي: إنك إذا جلست في قهوة يأتون لك ما تطلب ويأتون بجرة الخمر معها- نسأل إله السلامة والعافية- وهذا من أخطر ما يكون على الأمة إذا وجد فيها مثل هذا العمل. أما الأمر الرابع فهي: ((المعازف)) وهي جمع معزف، وهي آلة العزف التي يعزف بها، قال العلماء: وتشمل جميع آلات الملاهي إلا ما استثنى منها وهو [الدف] في مناسبات معينة جاءت بها الشريعة، وإلا فالأصل أن جميع آلات العزف محرمة، وانظر كيف قرن النبي- ﵊ هذه الأربع بعضها ببعض؛ لأنها في الغالب إنما تكون من المترفين الذين لا يبالون ليس لهم همُّ إلا أن يشبعوا رغباتهم من المأكول والمشروب والملبوس والنكاح، وهي أيضًا في نفس الوقت متلازمة في الغالب، ولهذا يقال: إن الغناء رقية الزنا؛ أي: أنه مثل المرقاة له، أو أنه رقية يعني: مثل الذي يقرأ به حتى يأتي ويحصل، حتى إن بعض أهل المجون- والعياذ بالله- يقولون: إذا راودت امرأة وأبت فغنِّها، فإنك إذا غنيتها لانت ومكنتك من نفسها، وهذا شيء معروف؛ لأن هذه الألحان- ألحان الغناء- تؤثر في الإنسان حتى الجماع- والعياذ بالله- فترقق له الزنا واللواط؛ لأن كثيرًا منها- نسأل الله العافية- مشتمل على الغزل والدعوة إلى الفساد والحب والغرام، وما أشبه ذلك وهي مع كونها مدعاة لفساد الأخلاق، وهي- والله-

стр. 1052

مفسدة للقلوب؛ لن الإنسان إذا ابتلى بها انصرف قلبه عن الله، قال ابن القيم في النونية: حبُّ الكتاب وحبُّ ألحان الغنا ... في قلب عبدٍ ليس يجتمعان تجد المفتونين بالغناء- والعياذ بالله- أحيانًا يمشون أمامك وتجده يعزف بأصابعه يغني؛ إما بقلبه، وإما بلسانه، وقال الإمام أحمد: الغناء لا يعجبني ينبت النفاق في القلب، وروي عن بعض الصحابة مثله هذا القول، لأن الإنسان- والعياذ بالله نسأل الله تعالى أن يشفي قلوبنا وقلوبكم بذكره- إذ غفل عن ذكر الله تسلط عليه الشيطان، فالقلب إما حي نير بذكره الله تعالى، وإما مظلم ميِّت بغفلته عن الله ولا شك أن الإنسان إذا ابتلى بالمعازف والغناء أنه يصده عن ذكر الله حتى أن ابن مسعود فسر قوله تعالى" ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علمٍ ويتخذها هزوًا﴾ [لقمان: ٦]. قال: ((والله الذي لا إله غيره إنه الغناء))، فعلى هذا يتبين حكمة النبي ﷺ في قرن هذه الأمور الأربعة بعضها ببعض؛ لأنها في الغالب متلازمة. في هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أن فيه آية من آيات النبي ﷺ من أين تؤخذ؟ من قوله: ((ليكونن)). ومن فوائده: تحريم الزنا. ومن فوائده أيضًا: تحريم الحرير. ومن فوائده: أن الحرير حرام على الرجال والنساء. ومن فوائده: تحريم الخمر لقوله: ((يستحلون)) معناه: أن الخمر حرام، وهو واضح مجمع عليه. ومن فوائده: تحريم المعازف. ومن فوائده أيضًا: أن الدف حرام لأنه من المعازف، فإننا نأخذ بالدليل العام حتى يوجد مخصص. لو قال قائل: إن الأشياء الأربعة حرام على الرجال، لأنه قال: ((ليكونن أقوام))؟ فالجواب: أنها إذا أطلقت شملت الجميع. ويستفاد من هذا الحديث: أن المستحلين لهذه الأشياء الأربعة كثيرون، يؤخذ من قوله: ((أقوام))؛ لأنها جمع قوم، أصل القوم جماعة بمعنى جماعات. المؤلف ساق هذا لحديث في هذا الباب ليبين تحريم نوع من أنواع اللباس وهو الحرير. قلنا: إن الحرير الأصلي هذا هو الحرام، والحرير الصناعي هل هو حلال أم حرام؟ حلال لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿هو الَّذي خلق لكم مَّا في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ولكن مع ذلك ينبغي للرجل ألا يلبسه لسببين:

стр. 1053

السبب الأول: انه سبب لاتهامه بلباس الحرير، والإنسان ينبغي له أن يدفع عن نفسه ما تكون به التهمة؛ لأن أبعد الناس عن التهمة- وهو الرسول ﷺ قال لرجلين أنصاريين لما رأيا معه صفية: ((على رسلكما فإنها صفية)). مع أنه- ﵊ لا يمكن أن يتَّهم أبدًا، لكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، لكن قد توجد التهمة لمن لا يتهم. السبب الثاني: أنه إذا لبسه وهو يشبه الحرير الطبيعي ربما يقتدي به بعض الناس خصوصًا من لا يميزون التمييز الكامل بين الطبيعي والصناعي، ومعلوم أنه من كان سببًا للشر فإنه لا ينبغي للإنسان أن يتعرض له. فيه أيضًا سبب ثالث: لقولنا: لا ينبغي له أن يلبسه؛ لأنه إذا لبس هذا فإنه يكون مائعًا يوجب له الميوعة والميول إلى النساء، وربما إذا كان شابًا وسيمًا يكون سببًا للفتنة به. فعلى هذا نقول: إنه لا ينبغي للرجل أن يلبسه، ولكننا مع ذلك ما نتجاسر أن نقول: إنه حرام؛ لأن التحريم شديد جدًا حتى إن الإمام أحمد وغيره من السلف- ﵏ ما يطلقون الحرام إلا على ما نص على تحريمه، وإلا فهم يقولون: ينهى وما أشبه ذلك من العبارات التي يتحرزون فيها. تحريم لبس الحرير والجلوس عليه: ٤٩٨ - وعن حذيفة ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذَّهب والفضَّة وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والدِّيباج وأن نجلس عليه)). رواه البخاريُّ. بعض هذا الحديث سبق لنا في باب الآنية، وبعضه يختص بهذا الباب. قوله: ((آنية الذهب)) الآنية جمع إناء، وهي الأوعية التي تجعل فيها الأشياء، يقول: ((نهى أن نشرب في آنية الذهب)) الخالص أو الفضة الخالصة، ذهب وفضة جميعًا، أو ذهب ومعدن آخر غير الفضة، وهذا سبق لنا في باب الآنية. ثانيًا يقول: ((وأن نأكل فيها)) أي: آنية الذهب والفضة، لماذا؟ علل بعض أهل العلم بأن ذلك من باب الفخر والخيلاء، وعلل بعضهم بأنه إسرافٌ، وعلل بعضهم بأن في ذلك تغليقًا للنقدين؛ لأنهما دراهم ودنانير، فإذا اتخذت أواني ضاقت على الناس ولم يكن عندهم نقود، وعلل بعضهم ذلك بأن فيه كسرًا لقلوب الفقراء، الفقير الذي لا يجد ما يشرب إلا في الخزف يجد هذا يشرب في الذهب والفضة ينكسر قلبه، ولكن الرسول ﷺ عللها بعلة واضحة قال:

стр. 1054

بـ ((أنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة))، فهذه الميزة بين المسلمين والكفار، هؤلاء يتمتعون بها في الآخرة، والكفار يتمتعون بها في الدنيا، فهي ليست من أواني من يتقي الله ، مثل ما ذكر الرسول ﷺ في الحرير: ((إنه لباس من لا خلاق له)). وقال: ((إن هذا لا ينبغي للمتقين)). قال: ((وعن لبس الحرير)) هذا الشاهد لبس الحرير، والحرير تقدم لنا أنه نسج دود القز؛ هذا الحرير الطبيعي. ((والديباج)) وهو نوع من الثياب يكون لحمته من الصوف والقطن أو نحو ذلك، ويكون سداه من الحرير؛ يعني: تجده مثلًا أشجاره حرير لكن أصل الثوب ولحمته كلها من صوف أو قطن؛ أو ما أشبه ذلك، ولكن سيأتينا- إن شاء الله تعالى- أن الديباج المراد به: ما كان أكثر ظهورًا في الثوب، أو ما كان مجتمعًا في مكان واحد أكثر من أربعة أصابع يعني معناه أنه إذا وجد حرير مع غيره من المباح إن كان الحرير هو الأكثر ظهورًا فهو حرام، وإن كان ليس أكثر ظهورًا بل الأكثر الآخر ويكون مجتمعًا في مكان أكثر من أربعة أصابع فهو حرام، فمثلًا الثوب الموشي بالحرير إذا كان ظاهره من الحرير أكثر يكون حرامًا اعتبارًا بالأكثر، وإن كان ليس فيه نقطة أو نقطتين أو ثلاثة متفرقة والأكثر خلاف الحرير، فإن ذلك يكون مباحًا. وقوله: ((وأن نجلس عليه)) حتى وإن لم نلبسه، فقوله: ((عن لبس الحرير والديباج))، هذا يستثنى منه النساء كما سيأتي- إن شاء الله تعالى- لحاجتهن إلى التزين والتجمل لأزواجهن، وفي الحقيقة: أن الرخصة في لبس الحرير للنساء كما هو مصلحة للمرأة فهو مصلحة للزوج أيضًا، فيكون مصلحة للرجال وللنساء، لكن لما كانت المرأة أحق أن تتزين بمثل هذه الثياب صار حلالًا في حقها دون الرجل. وقوله: ((أن نجلس عليه)) هل هذا خاص بالرجال أو عام للرجال والنساء؟ فيه خلاف فقال بعض أهل العلم: إنه للرجال والنساء، وأن المرأة إنما أبيح لها أن تلبس الحرير للتجمل، والفراش منفصل عنه، فلا فرق بينها وبين الرجل في عدم حاجتها إلى الفراش من الحرير، وقال بعض العلماء: بل إنه خاص للرجال وأن للنساء أن يجلسن على الفرش من الحرير لعموم الحدي؛ ولأن الجلوس يسمى لبسًا، كما في حديث أنس: ((قمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس)). في إحدى الروايات وفي بعض ألفاظه: ((من طول ما لبس))، لكن على اللفظ الأول يكون الجلوس على الشيء نوعًا من اللباس، فمن نظر إلى عموم اللفظ في حل الحرير للنساء قال:

стр. 1055

إن جلوسهن عليه حلال؛ لأن هذا نوع من الاستعمال فهو كالثوب، ومن نظر إلى المعنى الذي من أجله أبيح للنساء الحرير قال: إنه لا يجوز، لأنه لا فرق، كيف نقول: هذا فراش للمرأة حرير وهذا فراش للرجل قطن، وكلاهما سواء ولهذا الاحتياط ألا تستعمل المرأة الحرير للجلوس. مقار ما يباح من الحرير: ٤٩٩ - وعن عمر ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ)) متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلم. ((النهي)) هو طلب الكف على سبيل الاستعلاء، فقولنا: ((طلب)) خرج به ما ليس بطلب كالأخبار، وقولنا: ((الكف)) خرج به الأمر؛ لأن الأمر طلب الفعل، وقولنا: ((على سبيل الاستعلاء)) خرج به الدعاء، والالتماس، والإرشاد، وما أشبه ذلك، ((على سبيل الاستعلاء)) بمعنى: أن الناهي يشعر بنفسه أنه أعلى من المنهي، فالأب مثلًا إذا قال لابنه: لا تفعل كذا وكذا، هذا استعلاء؛ لأنه يشعر أنه فوقك، لكن الابن لو قال لأبيه: يا أبت لا تضربني، هذا نهي؟ لا، هذا سؤال، لأن كلمة دعاء تسعر بأن هذا دعاء عبادة، ولكن لو قلنا: سؤال كفى. يقول: ((نهر رسول الله ﷺ عن لبس الحرير)) هل كلمة ((نهى)) توازن قوله: ((لا تلبسوه))؟ نقول: هذا هو الأصل، لأنه إذا قال الصحابي العارف بلغة العرب: نهى، فإن عنده علمًا يقينًا بأن الرسول قال: ((لا تلبسوا)) أو كلمة نحوها، لا يقال: لعل الصحابي فهم أنه نهي وليس بنهي كما ادّعاه بعض الأصوليين وقال: إن قول الصحابي: ((نهى)) ليس صريحًا في النهي، وجوابنا على هذا أن نقول: إن الصحابي عالم باللسان العربي، ويعرف مدلوله، فإذا قال الصحابي: ((نهى)) فهو كقول الرسول ﷺ : ((لا تلبسوا)) ولا فرق. قوله: ((عن لبس الحرير)) هذا عام سواء كان ثوبًا أو سروالًا، أو غترة، أو غير ذلك، ويعم النساء والرجال، لكن النساء سيأتي- إن شاء الله- ما يدل على التخصيص. قال: ((إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع))، هل هذا على سبيل الشك، أو على سبيل التنويع؟ هذا على سبيل التنويع، وليس الشك، ولهذا كأنه يقول: إلا ما كان على أصبعين، وإما على ثلاث، وإمّا على أربع، والتنويع الذي نسميه أحيانًا للتخيير هذا وارد في اللغة العربية ووارد أيضًا في النصوص الشرعية، قال الله تعالى: ﴿ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فـ ((أو)) هذه للتنويع، إذن يجوز إلى أربع، وهل يجوزك إلى خمس؟ لا، ودون الأصبع جائز من باب أولى. وقوله: ((إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع)) هنا يقتضي أن المعدود مؤنث، والأصبع كما سبق لنا مؤنثة، يقول أهل العلم- ﵏: إن هذا المراد به ما كان في موضع واحد مثل لو كان الجيب في الثوب موضع فيه أسلاك من الحرير، إذا وضعت أصابعك الأربع عليها، وإذا
следующие страницы →