← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أجزأه ذلك عن تحية المسجد، فإن صلى الجنازة يجزئ أو لا؟ لا يجزئ يعني: لو دخل فوجدهم يصلون على الجنازة فصلى وهو يريد أن يبقى في المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، لأن صلاة الجنازة ليست من جنس صلاة الركعتين، ولو دخل في مكة يريد الطواف كفى الطواف أو لا يكفي، الدليل أن الرسول ﷺ لمَّا دخل المسجد الحرام في الحج ماذا فعل؟ أول ما بدأ به الطواف، والتعليل أن الطائف بعدما ينتهي الطواف سيصلي ركعتين خلف المقام، واعلم أن بعض أهل العلم أطلق أنه يسن لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين ألا المسجد الحرام، لأن تحيته الطواف، وهذا الإطلاق فيه نظر، فيقال المسجد الحرام إن دخلته للطواف فتحيته الطواف، وإن دخلته لغير الطواف كما لو دخلته لتصلي أو لاستماع العلم أو ما أشبه ذلك فإنه كغيره من المساجد تحيته ركعتان. صلاة العيد بلا أذان ولا إقامة ولا نفل: ٤٦٧ - وعنه ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلى العيد بلا أذانٍ ولا إقامةٍ". أخرجه أبو داود. وأصله في البخاريِّ. خرج وصلى بالناس بدون أذان ولا إقامة ولا شيء. فيستفاد من هذا الحديث: أنه لا يؤذن لصلاة العيد، ولا يقام لها، ولا يعني ذلك أنها ليست بواجبة، فإنه ليس من شرط الوجوب أن يشرع الأذان والإقامة، فقد تجب الصلاة بدون أذان ولا إقامة كالمنذورة مثلًا، وكركعتي الطواف عند من قال بوجوبهما. وقوله: "بلا أذان ولا إقامة"، ولم يذكر شيئًا سواهما، فهل يشرع لهما نداء الكسوف؟ الصحيح: لا؛ لأنه لو كان مشروعا لنقل، ولو ثقل لبقي، ولكنه لا يشرع، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه يشرع أن ينادي لصلاة العيد: "الصلاة جامعة"، وهذا هو المشهور مذهب الحنابلة، لأنهم يرون أنه ينادى للعيدين فيقال: "الصلاة جامعة"، ولكن هذا القول ضعيف، لأنه لم يرد عن النبي ﵊ والأحاديث تنفي ذلك، فالصواب أنه لا ينادى لهما، نعم لو فرض أن ثبوت دخول الشهر جاء متأخرًا فلا حرج أن ينادى في الأسواق بنحو: "أخرجوا إلى المصلى"، وما أشبه ذلك، لأن هذا له سبب إذ إن الناس قد يظنون أنه لمَّا فات الوقت تترك الصلاة وما أشبه ذلك. * * *

стр. 982

٤٦٨ - وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: "كان النَّبي ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلَّى ركعتين". رواه ابن ماجة بإسنادٍ حسنٍ. هذا الحديث إسناده حسن عبد المؤلف، وبعض أهل العلم ضعفه وقال: إنه لا يصح عن النبي ﷺ ، وهذا لا ينافي حديث ابن عباس السابق، ولكن كثيرًا من الحفاظ ضعفوا هذا الحديث، وعلى تقدير ثبوته فهل نقول إن هاتين الركعتين راتبة لصلاة العيد، أو نقول إنهما ركعتا الضحى؟ الظاهر هذا إن صح الحديث. صلاة العيد في المصلى: ٤٦٩ - وعنه ﵁ قال: "كان النَّبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلَّى، وأوَّل شيءٍ يبدأ به الصَّلاة، ثمَّ ينصرف فيقوم مقابل النَّاس والنَّاس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم". متَّفقٌ عليه. تقدم لنا أن "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، وقوله: "المصلى" أي: مصلَّى العيد، وهو مكان معد لذلك، واعلم أن للنبي ﵊ ثلاثة مساجد: المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس وهو المعروف الآن، والثاني: مصلى الجنائز، والثالث: مصلى العيد، وهي معروفة في المدينة، فمصلى الجنائز كان يصلي على الجنائز غالبًا فيه، وربما يصلي على الجنازة في المسجد كما صلى على ابني بيضاء في المسجد، وأمَّا مصلى العيد فهو خارج البلد، يخرج النبي ﵊ فيصلي فيه. قال: "وأول شيء يبدأ به الصلاة، "أول" خبر أو مبتدأ؟ مبتدأ، و"الصلاة" خبره، أول ما يبدأ به الصلاة، يعني: صلاة العيد، "ثم ينصرف من صلاته" يعني: ينتهي منها، "ثم يقوم مقابل الناس"، يقف ﵊ مقابل الناس وظهره إلى القبلة والناس على صفوف لا يقوم إليه أحد ولا يجتمع إليه أحد، وذلك لئلًا يحصل ضجة أو تشويش أو زحام، يبقى الناس على أماكنهم ما يقربون إليه، ولكن الله يجعل في صوته بركة فيسمعونه جميعًا، "فيعظهم"، ما هي الموعظة؟ قالوا: إنها الإعلام المقرون بترغيب أو ترهيب حسب ما يقتضيه المقام، وقوله: "ويأمرهم"، يعني: يأمرهم بما يقتضي أن يأمر به، فمثلًا في الأضحى يأمرهم بالأضاحي وكيف يضحون، مثل قوله ﵊: "من لم يذبح فليذبح باسم الله". وكذلك إذا كان هنالك بعث - يريد أن يبعثه - من السرايا يأمر به ﵊.

стр. 983

يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: مشروعية الخروج في صلاة العيد إلى المصلى خارج البلد، والدليل عليه قوله: "كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى". ثانيًا: أن المدينة كغيرها من المدن يصلى فيها العيد خارج المسجد خلافًا لعمل الناس اليوم، فهم يصلون العيدين في المدينة في المسجد، ولكن السُّنَّة بلا شك أن يكون ذلك خارج المسجد. ومن فوائد الحديث: أن الصلاة لا يسبقها شيء في هذا المكان لقوله: "أول ما يبدأ به الصلاة". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للخطيب أن يكون وجهه نحو الناس لقوله: "ثم ينصرف فيكون وجهه مقابل الناس"، حتى ولو كانت القبلة خلفه، وبهذا نعرف أن استقبال القبلة له أحكام، فهو تارة يكون واجبًا، وتارة يكون مكروهًا وهو خلاف الأولى، وتارة يكون محرمًا، وتارة يكون مستحبًا، فله أربع حالات، يكون واجبًا في الصلاة، ويكون حرامًا حال قضاء الحاجة، سواء كان الإنسان في الفضاء أو في البنيان فإنه يحرم على الإنسان أن يستقبل القبلة ببول أو غائط حال قضاء الحاجة، حتى لو كان في البنيان، ويكون مستحبًّا عند الدعاء، حتى قال صاحب "الفروع": يتوجه أن يكون استقبال القبلة مشروعا في كل عبادة إلا بدليل. ثم ذكر الفقهاء ﵏ أنه يشرع للمتوضئ أن يستقبل القبلة حال الوضوء، قال في "الفروع": "هو متوجه في كل عبادة ألا بدليل، وصاحب "الفروع" هو محمد بن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام الكبار، وقد كان من أعلم الناس باختيارات شيخ الإسلام، حتى كان ابن القيم - مع كونه من خواص الشيخ - يراجعه أحيانًا ليتبين له اختيارات شيخه ﵏ جميعا - وكتاب والفروع؟ تكلمنا عنه كثيرًا، وقلنا: إنه يسمى عند الناسي مكنسة الملهب، يعني: أنه حاوٍ لجميع ما في مذهب الإمام أحمد من الأقوال والروايات والأوجه والتخريجات، بل إنه ﵀ حاوٍ لمذهب الإمام أحمد ولغيره من المذاهب فيشير إليها، ثم إن فيه التوجيهات الدقيقة التي تدل على أن الرجل عنده فقه كبير، وفيه مباحث لا تكاد تجدها في غيره من الكتب كبحثه في أول صلاة التطوع، وبيان تفاضل الأعمال، وكبحثه أيضًا في أول الحج في بر الوالدين، وهل يجوز معصيتهما أو لا يجوز؟ فهو يأتي ببحوث لا تكاد تجدها في غيره. يقول - أي: ابن مفلح -: يتوجه أن يجب استقبال القبلة في كل طاعة ألا بدليل، ومتى يكون استدبارها أولى من استقبالها؟ حال الخطبة، وإذا انصرف الإمام من الصلاة بعدما يقول: "أستغفر الله ثلاثًا"، "اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، فإن الأفضل أن يستقبل الناس. ويستفاد من هذا الحديث: أنه لا يشرع المنبر في صلاة العيد، من أين يؤخذ؟ لأنه قال: "ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس"، ولو كان ثمة منبر لقال: ثم يصعد المنبر فيقابل الناس.

стр. 984

التكبير في صلاة العيد: ٤٧٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه ﵁ قال: قال نبيُّ الله ﷺ : "التَّكبير في الفطر سبعٌ في الأولى وخمسٌ في الأخرى، والقراءة بعدهما كلتيهما". أخرجه أبو داود. - ونقل التَّرمذيُّ عن البخاريِّ تصجيحه. قوله: "عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده". من أبوه؟ أبوه: شعيب، ومن أبو شعيب؟ محمد، ومن أبو محمد؟ عبد الله بن عمرو بن العاص، الرابع هنا صحابي عبد الله بن عمرو هذه الترجمة ينبغي أن نتكلم عليها لأنها كثيرًا ما ترد والعلماء مختلفون فيها، عمرو بن شعيب، عن أبيه، أبي من: عن أبيه شعيب، أو عن أبي عمرو؟ الثاني: عن أبي عمرو؛ لأن الضمير يعود على الموضوع الذي يتحدث عنه، عن جده محل الخلاف، الأول ليس فيه خلاف عن أبيه المراد به: شعيب لكن عن جده جد من: جد عمرو، أو جد شعيب؟ قال بعض أهل العلم: إنه يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على عمرو، فيكون المراد بجدِّه محمد، فإذا روى محمد، عن رسول الله ﷺ كان الحديث مرسلًا، لأن محمدًا من التابعين ليس صحابيًّا، وإذا كان منتهى السند التابعي وهو مرفوع فإنه يكون مرسلًا من أقسام الضعيف، وقال بعضهم: عن جده - أي: جدا شعيب -، عن أبيه، عن جده - أي: جد أبيه - وهو عبد الله، قال: "إذا كان هو جد أبيه فإنه منقطع، لأن شعيبًا لم يدرك عبد الله، وإذا كان لم يدركه صار فيه انقطاع. الحاصل: أن السند على كلًا التقديرين منقطع، وإذا كان السند منقطعًا لم يكن الحديث صحيحًا وذلك لجهالة الواسطة، ومن شرط كون الحديث صحيحًا أن يكون متصل السند، ولكن المحققين من أهل العلم كالذهبي وغيره يقولون: إن شعيبًا قد أدرك جده عبد الله بن عمرو فروايته عنه إذن متصلة، حتى إن بعضهم قال: إن محمدا مات قبل شعيب، وكفل عبد الله شعيبا، فيكون الحديث حينئذٍ متصلًا، ولا إشكال فيه، والقول بأن سنده متصل هو الصحيح، وأن شعيبًا روى عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص. قال البخاري ﵀: أدركت الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وابن معين، وعامة أصحابنا كلهم يحتجون بحديث عمرو بن شعيبة عن أبيه، عن جده يقول: فمن من الناس بعد هؤلاء؟ حتى قال إسحاق بن راهويه: إنه إذا كان ما دون عمرو ثقات فإن حديثه كحديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ ولهذا ذكر النووي أن الذي عليه المحققون من أهل العلم الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقد ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد في سياق الكلام

стр. 985

على الحضانة في قول الرسول ﵊: "أنت أحق به ما لم تنكحي". فالصحيح: أنه إذا سلم ما دون عمرو من الرواة، فإن رواية عمرو، عن أبيه، عن جده صحيحة، وهذا الخلاف ما لم يدل الدليل على أن المراد بالجد عبد الله، فإن دل الدليل على أن المراد بالجد عبد الله فلا إشكال، بماذا يكون الدليل؟ مثل أن يقول: عن جسده عبد الله، فإذا قال ذلك زال الإشكال، وكذلك مثل أن يقول: عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ ، أو رأيت، فإذا قال: سمعت، أو رأيت زال الإشكال، صار المراد به عبد الله. نرجع للحديث: عن عبد الله بن عمرو ﵃، حسب المعروف أن يقال: ﵁ لأن الأخير منهم هو الصحابي فقط، وكأنه إن صحت النسخة به، يراد بذلك التغليب قال: قال النبي ﷺ : "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الأخرى، والقراءة بعدهما كلتيهما". قوله: "التكبير في الفطر سبع"، المراد بالفطر أي: صلاة الفطر، و"الأضحى" مثله، "سبع في الأولى" واختلف العلماء: هل منها تكبيرة الإحرام أو أنها خارجة؟ فمن العلماء من يقول: إن تكبيرة الإحرام منها، وعلى هذا فتكون التكبيرات الزوائد ستًا، ومنهم من قال: إن تكبيرة الإحرام ليست منها، وعلى هذا فتكون التكبيرات الزوائد سبعا، والثامنة تكبيرة الإحرام. وقوله: "وخمس في الأخرى"، هذه لا شك أن تكبيرة القيام ليست منها؛ لأن تكبيرة القيام لا تكون في حال القيام تكون في حال النهوض من السجود، وعلى هذا فهي غير محسوبة على الاحتمال الأول تكون التكبيرات الزوائد ستًا في الأولى، وخمسنا في الثانية، والجميع إحدى عشرة تكبيرة، وعلى الاحتمال الأخير تكون الزوائد سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية فيكون المجموع اثنتي عشرة. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم بناء على صحة هذا الحديث، فمنهم من قال: إن هذا الحديث ليس بصحيح، الإمام أحمد يقول: لا يثبت من هذا شيء مرفوع عن النبي ﵊، وإنما هي آثار، وقال بعض أهل العلم: إن الحديث حسن، وأما ما قاله المؤلف ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه، فقد ناقشه الشارح وقال: إنه لم يجد في سنن الترمذي عن البخاري أنه صححه، وإنما تقل البيهقي عن الترمذي أن البخاري صحح حديث كثير بن عبد الله، ومن ثم اختلف العلماء في تكبيرات العيدين قال الإمام أحمد: وقد روي في ذلك ألوان

стр. 986

وكلٍّ جائز، لكن المشهور من مذهبه ما دل عليه هذا الحديث من أنها خمس تكبيرات زوائد في الثانية وست تكبيرات زوائد في الأولى، وهذا هو المعمول به الآن. ثم في هذا بحث هل يقول بين التكبيرتين شيئًا أو لا؟ ليس في هذا سنَّة عن الرسول ﵊ ولكنه يروى عن ابن مسعود أنه يحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ . فإن فعل فلاك لأنه قول صحابي، وإن لم يفعل وكبَّر بدون أن يأتي بشيء بين التكبير فلا حرج عليه، إنما التكبير سنته أظهر وأشهر. هذه التكبيرات لو تركها الإنسان هل تبطل صلاته؟ لا، ألا تكبيرة الإحرام، لأنها ركن ما تنعقد الصلاة بدونها، وأما الزوائد فإنها سنَّة فلو تركها فلا شيء عليه. ثم هل يرفع يديه في كل تكبيرة أو في تكبيرة الإحرام والباقي بدون رفع؟ هذا أيضًا محل خلاف بين العلماء؛ لأن السُّنَّة ليست صريحة فيه، فقال بعض العلماء: يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وأما في بقية التكبير فإنه لا يرفع يديه، ولكنه ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة، وعلى هذا فيكون هو الأولى، لأن ابن عمر ﵄ كان من أشد الناس تحريًا لاتباع سنَّة الرسول ﷺ ، ثم إنه قول صحابي أو فعل صحابي قد يقال: إنه لا مجال للاجتهاد فيه، وفعل الصحابي أو قوله إذا كان لا مجال للاجتهاد فيه فله حكم الرفع، وقد يقال: إن للاجتهاد فيه مجال، إذ قد يكون فعله على سبيل القياس؛ لأن كل تكبير في قيام ترفع فيه الأيدي تكبيرة الإحرام، تكبيرة الركوع، وتكبيرة الرفع من الركوع، فربما يقيس مجتهد من أهل العلم من الصحابة أو من بعدهم هذا على ما ثبت به الحديث من رفع اليد عند تكبيرة الإحرام، وعلى كل حال حتى لو ثبت ذلك بالاجتهاد، فإن اجتهاد الصحابي خير من اجتهاد من بعده وأقرب إلى الصواب؛ ولهذا اعتمده الإمام أحمد خله، لاسيما إذا كان الاجتهاد قد جاء من الصحابة المعروفين بالعلم والفقه كابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ، وزيد بن ثابت وغيرهم. والحاصل: أن السُّنَّة في هذه التكبيرات أن يرفع اليدين فإن لم يفعله فلا شيء عليه. قراءة النبي ﷺ في صلاة العيد: ٤٧١ - وعن أبي واقدٍ اللِّيثيِّ ﵁ قال: "كان النَّبيُّ ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقتربت﴾ ". أخرجه مسلمٌ. تقدم لنا أن لفظ "كان" يشعر بالدوام غالبًا، ويدل على ذلك ما نحن فيه الآن "كان يقرأ

стр. 987

بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقتربت﴾ "، وثبت لنا من حديث النعمان بن بشير أنه كان يقرأ بسبح، وهل أتاك. وبهذا نعرف أن "كان" لا تقبل الاستمرار دائمًا بل غالبًا. قال: "يقرأ في الفطر والأضحى"، أي: في العيدين في الصلاة بـ ﴿ق﴾، ﴿ق والقرءان المجيد﴾ ق: ١]. كلمة "ق" حرف من حروف الهجاء، هل له معنى؟ قال بعض أهل العلم: إن له معنى وأنه رمز إلى أشياء يعينونها، وقال بعض أهل العلم: إن له معنى الله أعلم به، وقيل: لا نقول: له معنى، ولا معنى له، إنما تقول: الله أعلم، وقال بعض العلماء: بل نقول: لا معنى له، فعندنا الآن أربعة أقوال، والصواب أننا نقول: أنه لا معنى له. فإن قلت: كيف تجزم بأنه لا معنى له وهو كلام الله ؟ قلت: أجزم بذلك استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين * على فلبك لتكون من المنذين * بلسانٍ عربيٍ مبينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. واللسان العربي المبين لا يجعل لهذه الحروف معني، فحينئذٍ يتبين أنه لا معنى له، واستنادا إلى أن الله يقول لنبيه ﵊ ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. وهذا مما تزِّل، ولو كان له معنى لبيَّنه النبي ﵊، فلمَّا لم يبينه علم أنه لا معنى له. إذن يرد علينا مسألة عظيمة كبيرة وهي أن يكون في كلام الله تعالى ما هو لغو، قلنا: هذا إيراد صحيح، لكن عنه جواب صحيح، اللغو: هو الذي لا فائدة منه، وهذه الحروف لها فائدة عظيمة، وهي: أن القرآن الكريم الذي عجز هؤلاء الفصحاء البلغاء لم يأت بحروف لا يعرفونها وإنَّما أتى بحروف يعرفونها ويبنون منها كلماتهم ثم كلامهم، ومع ذلك أعجزهم. وأما "اقتربت" ففيها الإشارة إلى الأمم السابقين ومواقفهم من أقوامهم وماذا حلَّ بهم - أي: بالمكذبين بالرسل - ففيها موعظة عظيمة لمن كان له قلب، وفيها أيضًا ذكر الجنة والنار، ومآل المؤمنين المتقين: ﴿إن المتقين في جنتٍ ونهرٍ * في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وعلى هذا فنقول: يشرع أن يقرأ الإمام في صلاة العيدين بـ "ق"، و"اقتربت الساعة" أحيانًا، وأحيانًا بـ "سبح" و"الغاشية"، أيهما أفضل أن يقتصر على واحد منها دائمًا، أو أن يقول هذا مرة وهذا مرة؟ الثاني هو الصحيح، ولهذا نقول: إن الأفضل في جميع العبادات التي وردت على وجوه متنوعة أن يقرأ بهذا تارة وهذا تارة فيكون قائما بالسُّنَّة كلها. * * *

стр. 988

مخالفة الطريق والتكبير في الطريق: ٤٧٢ - وغن جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطَّريق". أخرجه البخاريُّ. ٤٧٣ - ولأبي داود: عن ابن عمر نحوه. "خالف الطريق" في ماذا؟ يعني مثلًا: إذا خرج إلى صلاة الظهر من طريق رجع من طريق آخر، إذا خرج ليشتري شيتا خرج من طريق ورجع من طريق آخر؟ لا، ولكن يفعل ذلك في الخروج إلى الصلاة خاصة ليس في كل شيء، يعني: ليس كل خروجه يوم العيد يكون فيه مخالفة، إنَّما المخالفة في صلاة العيد فقط، وهذا فعل من أفعال الرسول ﵊، وقد سبق لنا قاعدة أفعال الرسول ﵊، وأنه إذا كان الفعل مجردًا عن القرينة ويظهر فيه التعبد صار مستحبا فقط وليس بواجب. وعليه فنقول: يستخب الاقتداء بالنبي ﵊ في يوم العيد إذا خرج من طريق أن يرجع من طريق آخر، فإن قلت: ألا يجوز أن يكون هذا من باب الاتفاق وليس من باب القصد؟ نقول: لا، ليس هذا اتفاقًا، لو كان من باب الاتفاق لكان الأغلب أن يكون الاتفاق من طريق واحد، بأ، يكون الطريق الذي جاء منه هو الذي يرجع منه، لكن لمَّا كان يخالف علم أنه مقصود. فما هي الحكمة في المخالفة؟ قال بعض العلماء: الحكمة لأجل أن تشهد له الطريقان يوم القيامة أنه خرج فصلى، لأن الله يقول عن الأرض: ﴿يؤمئذٍ تحدث أخبارها﴾ [الزلزلة: ٤]. تشهد بما عمل عليها من خير وشر، فتكثر البقاع التي تشهد له يوم القيامة، هذا قول. وقيل: الحكمة أن العيد من الشعائر الظاهرة، فكان من الأنسب أن تخالف فيه الطرق ليكون ذلك أظهر؛ لأنه إذا جاء من طريق ثم رجع من آخر ظهرت هذه الشعيرة في الطريقين بخلاف ما إذا كان من طريق واحد. وقال بعض أهل العلم: إنما فعل ذلك إغاظة للمنافقين؛ لأن الناس ليسوا يقصدون كلهم من طريق واحد ويرجعون من طريق واحد، بل يختلفون، يمكن الطريق الذي خرجت منه أنت يكون مرجعا لغيرك، وبالعكس، فيكثر المسلمون في الأسواق فيكون في ذلك إغاظة للمنافقين. وقيل: إنه يفعل ذلك لأجل أن يتفقد أحوال الفقراء في كل سوق؛ لأن من عادة الرسول ﵊ تفقد أصحابه تخوفًا من أن يكون في هذه السوق فقير جاء من الطريق الآخر ليواسيه.

стр. 989

ويمكن أن نقول: إن الرسول يفعل ذلك لكل هذه الحكم، ولغيرها أيضا، والذي يعينا من ذلك أنه من الأمور المشروعة. يستفاد من هذه الأحاديث - الحديث الأول -: مشروعية التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، لقوله: "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الأخرى". ويستفاد من الحديث: أن الحكمة في كثرة التكبير في أيام العيد تحقيقا لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولهذا تجدون من غروب الشمس ليلة العيد يشرع التكبير والجهر به في الأسواق وفي المساجد وكذلك صلاة العيد وكذلك خطبة العيد يكثر فيها من التكبير، واختلف العلماء هل يبدؤها بالتكبير، أو يبدؤها بالحمد؛ ولهذا أكثر الفقهاء على أنه يبتدأ خطبة العيد بالتكبير تسع تكبيرات في الخطبة الأولى، وسبع في الخطبة الثانية، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يبدؤها بالحمد كغيرها من الخطب، ولكن يكثر فيها التكبير فيتبين بهذا الحكمة في هذه الزوائد - أي: في التكبيرات الزوائد - أن كل هذا الزمن وقت تكبير الله . ويستفاد من الحديث: أن العدد هو هذا سبع في الأولى معها تكبيرة الإحرام فتكون الزوائد ستًا وخمسًا في الثانية وهي زوائد كلها. ويستفاد من ظاهر الحديث: أنه لا يقول بين التكبيرات شيئًا، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم أنها تكبيرات بدون ذكر بينها، وذهب آخرون إلى أنه يسن الذكر بينها اعتمادًا على ما روي عن ابن مسعود يكن أنه كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ . أمَّا الحديث الثاني: فيستفاد منه: مشروعية قراءة "ق" و"اقتربت الساعة" لفعل الرسول ﷺ ، وهل نقول بوجوبها؟ لا نقول به؛ لأن عندنا قاعدة سبق أن قررناها وهي أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، ثمَّ إنه عندنا أيضًا دليل آخر وهو قوله ﵊: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب". فهذا دليل على أن غيرها لا تجب قراءته. ويستفاد من هذا الحديث: مراعاة الأحوال؛ لأن الرسول ﵊ كان يقرأ بهاتين السورتين في المجمع الكبير في صلاة العيد، ولم يقرأ بهما في صلاة الجمعة فيما نعلم، وذلك لطولهما، والجمعة يسبقها خطبة، فلو اجتمع الخطبة وطول الصلاة لشق ذلك على الناس، لاسيما والجمعة تأتي في وقت الظهيرة والحر بخلاف العيد. فإن قال قائل: لو قال الناس: يطول علينا إذا قرأ "ق"، واقتربت" فما الجواب؟

стр. 990

نقول: هذا ورد عن الرسول ﵊ وقد قال أنس: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ ". ولو أننا راعينا الناس في ترك السنن لكانت مللًا ولكانت الأمة أممًا؛ لأن الناس ليسوا على مشرب واحد، والمقصود: أن يجمع الناس على ما دلَّ عليه كتاب الله وسنَّة رسول الله ﷺ ، وهل يقرأ غيرهما؟ نقول: ثبت في حديث النعمان بن بشير - كما سبق - أن الرسول كان يقرأ فيهما أحيانًا بسبح والغاشية. أمَّا الحديث الأخير حديث جابر، فيستفاد منه: مشروعية مخالفة الطريق في الخروج لصلاة العيد، الدليل: فعل الرسول ﵊. فإن قلت: أفلا يمكن أن يكون هذا وقع اتفاقا فحينئذٍ لا يدل على المشروعية؟ الجواب: لا، لو وقع اتفاقًا لكان الاتفاق الأول يرجع من الطريق الأول؛ لأن ما اتفق فيه الخروج اتفق فيه الرجوع، إذن فملاحظة المخالفة لا شك أنها أمر مشروع، وفيها الحكم التي أشرنا إليها، ألحق بعض أهل العلم بذلك صلاة الجمعة، قال: يشرع أن يخالف الطريق فيها، وتعلمون أن القياس لابد فيه من أربعة أركان وهي: أصل، وفرع، وعلة، وحكم، ما هو الأصل؟ هو المقيس عليه، والفرع: المقيس، والحكم: مقتضى خطاب الشرع، والعلة: الوصف المناسب الذي يجمع بين الأصل والفرع. هنا يقولون: نقيس صلاة الجمعة على صلاة العيد، فينبغي فيها المخالفة، أين الأصل؟ صلاة العيد، والفرع: صلاة الجمعة، والحكم: المخالفة، والعلة: شهادة الطرق للإنسان، والجمعة أقوى وأشد فرضًا من صلاة العيد، ولكننا نقول: إن هذا القياس لا يصح لاختلال شرط صحته، وهو ألَّا يكون مخالفًا للنص، وهنا في هذا القياس مخالفة - فيما يظهر - للنصوص، كيف هذه المخالفة؟ نقول: إن الرسول ﵊ كان يصلي الجمعة، وصلاة الجمعة أكثر من صلاة العيد، ومع ذلك ما ورد أن الرسول ﵊ كان يخالف الطريق، ولا أرشد إليه لا فعلًا، ولا قولًا، ولا إيماءً، وإذا كان كذلك فليس بمشروع، وقد سبق لنا في هذا الباب قاعدة مهمة: "أن كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﵊ ولم يرشد فيه إلى سيئة فإن السُّنَّة فيه الترك والعدم"؛ إذ إن الرسول ﵊ لا يمكن أن يدع ما وجد سببه وهو أمر مشروع أليس كذلك؟ وعلى هذا فنقول: هذا القياس ظاهره أنه يخالف النص فلا يعتبر، وتجاوز قوم من أهل العلم في هذه المسألة، وقالوا: يلحق به المضي إلى صلاة الجماعة، صلاة الجمعة ربما يكون فيها شيء من الشبهة، لأنها اجتماع عام وصلاة في عيد الأسبوع ففيها نوع مشابهة، لكن قالوا

стр. 991

أيضًا: يلحق بها بقية الصلوات، فينبغي إذا خرج إلى المسجد من طريق أن يرجع من طريق آخر، وتوسع آخرون فقالوا: ينبغي في كل عبادة يقصدها أن يذهب من طريق ويرجع من آخر، حتى لو ذهب إلى زيارة أخيه في الله، أو إلى عيادة مريض فإنه يذهب من طريق ويرجع من آخر، هذا التوسع زائد، والتوسع في دلالات القياس إلى هذا الحد كالتوسع في دلالات الألفاظ بأن تدخل في اللفظ ما لا يحتمله، وكلاهما خطأ في الاستدلال، والواجب على طالب العلم التحري والدقة في الإلحاق سواء كان ذلك عن طريق اللفظ أو عن طريق المعنى الذي هو القياس؛ لماذا لأن الذي يلحق شيئًا بشيء أو يدخل فردًا في عموم معناه أنه قال على الله قولًا، فإذا لم يكن عن علم تشهد النصوص له بالقبول فإنه لا يجوز أن يعتمد. ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أنه يقتصر على ما جاء به النص وهو المخالفة في صلاة العيد فقط، أما ما سواها فلا يلحق بها، فالرسول ﵊ كان يعود المرضى، وكان يشهد الجنائز، وكان ﵊ يصلي الجمع والجماعات، ويذهب في الغزو، ويذهب أيضًا في الحج والعمرة ما ورد عنه أنه كان يخالف الطريق، نعم في ذهابه إلى عرفة ورجوعه منها ورد أنه كان يخالف الطريق، وأما أنه إذا دخل المسجد من باب يخرج من باب آخر وما أشبه ذلك فهذا ما ورد. ٤٧٤ - وعن أنسٍ ﵁ قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر". أخرجه أبو داود والنِّسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. قوله: "قدم المدينة" يعني: قدمها مهاجرًا من مكة، وإنما هاجر النبي ﵊ من مكة إلى المدينة مع محبته لمكة؛ لأن أهل مكة منعوه أن يظهر دين الله حتى إنهم تمالئوا على أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين﴾ [الأنفال: ٣٠]. "قدم المدينة" كانت تسمى يثرب، ثم سميت المدينة في كتاب الله وفي سنَّة رسول الله ﷺ ، ولم يسمها الله تعالى يثرب إلا حكاية عن المنافقين: ﴿وإذ قالت طآئفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم﴾ [الأحزاب: ١٣]. لكن مع الأسف تجد أن بعض الكتاب العصريين يرون أنه من الطيب ويتطايبون إذا قالوا: قدم يثرب، وخرج من يثرب، وجاء إلى يثرب، مع أن المدينة هو اسمها، وقوله: "المدينة"، في الأصل المكان الذي يجتمع فيه الناس يسمى مدينة، ولكنها صارت علمًا بالغلبة على مدينة الرسول ﷺ ، وهذا كما قال ابن مالك:

стр. 992

وقد يصير علمًا بالغلبة ... مضافًا أو مصحوب أل كالعقبة فالمدينة إذن علم بالغلبة على المدينة التي هاجر إليها الرسول ﷺ . وقوله: "ولهم يومان يلعبون فيهما" "لهم" أي: للناس، "يومان يلعبون فيهما" قد اتخذوهما عيدًا، فقال النبي ﵊: "قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر". "خيرًا منهما"، أي: من هذين اليومين، "يوم الأضحى" يعني: عيد الأضحى، و"يوم الفطر"، وهذا من النبي ﵊ إشارة إلى أنه ينبغي أن تترك جميع الأعياد الأعياد الشرعية، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى. فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أنه لا بأس باللعب في أيام العيد لقوله: "ولهم يومان يلعبون فيهما"، وعلى هذا فلا حرج على الإنسان أن يجعل أيام العيد أيام لعب، لكن بشرط ألا يخرج هذا اللعب عن الحدود الشرعية، فإن كان لعبًا فيه اختلاط رجال ونساء فإنه يكون حراما من أجل الاختلاط، وكذلك إن اشتمل على صور محرمة، أو اشتمل على أغانٍ محرمة، أو اشتمل على معازف محرمة، فإنه لا يجوز، وأما في حدود اللعب الذي يروح الإنسان به عن نفسه ويشعر بالفرح بالعيد فهذا لا بأس به. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتخذ في السُّنَّة عيدًا إلا ما شرعه الله وهو عيد الأضحى، وعيد الفطر، هذا وهو متخل على سبيل اللعب فكيف بما اتخذ على سبيل. العبادة كأعياد الميلاد، فإن عيد الميلاد - ميلاد الرسول ﵊? من البلع المنكرة التي لا يجوز للإنسان أن يفعلها، هذا إذا كان بريئا مما يقترن به من المحرمات، فأما إذا اقترن به شيء من المحرمات فهو لا شك في تحريمه مثل أن يقترن به غلو في النبي ﷺ ، وإطراء له في أمر هو ينكره مثل أن ينشدون أشعارًا تدل على أنه يدبر الكون، ويعلم الغيب، وما أشبه ذلك، وكذلك أيضًا ما يفعله بعض الجهال منهم الذين هم ناقصو عقل في الواقع مع نقصان الدين يزعمون أن الرسول ﷺ يسمع هذه الأناشيد، وأنه يطرب فيحضر إليهم، ولهذا تجدهم في أثناء طربهم هذا يقومون يقولون: عليكم السلام مرحبًا بالحبيب، وما أشبه ثلاث ماذا يدّعون؟ يدَّعون أن الرسول ﷺ حضر إليهم. ومن فوائد الحديث: أنه من حسن الدعوة إلى الله أن يسلِّي المدعو عما يمنع عنه بما يباح له، ما وجهه؟ "أبدلكم الله بهما خيرًا منهما"، يعني: أن النبي ﵊ عرَّض بأنه لا

стр. 993

ينبغي أن يحتفل بهذين اليومين، بيَّن أن هناك خيرًا منهما وهما عيد الأضحى وعيد الفطر، فهل يجوز الغناء في هذه الأيام أيام العيد؟ نعم يجوز لأن جاريتين كانتا تغنيان في عهد النبي ﵊ في أيام العيد فانتهرهما أبو بكر ﵁، فقال النبي ﷺ : "دعهما فإنها أيام عيد". لكن بشرط أن يخلو عن المعازف المحرمة، كالموسيقى، والعود، والرباب، وما أشبهها؛ لأن ما ورد في الغناء فقط لأجل أن يحصل للإنسان فرح وسرور وانطلاق، وكل إنسان بحسب مزاجه؛ لأن بعض الناس قد لا يفرح بهذا الشيء؛ لأن بعض الناس ربما إذا سمع الأغاني يتكتم ولا يفرح بهذا، وبعض الناس يفرح وهم عامة الناس فلهذا أطلق للناس هذا الفرح في هذه الأيام. الخروج إلى العيد ماشيًا: ٤٧٥ - وعن عليٍّ ﵁ قال: "من السُّنَّة أن يخرج إلى العيد ماشيًا". رواه الترمذي وحسَّنه. إذا قال الصحابي: "من السُّنَّة"، فالمراد سنَّة الرسول ﷺ ، ويكون له حكم الرفع. ثانيًا: إذا قال: "من السُّنَّة"، فقد يكون المراد: السُّنَّة الواجبة، وقد يكون المراد: السُّنَّة غير الواجبة؛ لأن المهم أنها طريق النبي ﷺ ، فقول أنس ﵁: "من السُّنَّة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، هذه سنَّة واجبة، وقول علي هنا: "من السُّنَّة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" هذا مستحب وليس بواجب. وقوله: "أن يخرج": هذه مبتدأ، "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر يكون في محل رفع مبتدأ، يعني: الخروج، و"ماشيًا" حال من فاعل يخرج، يعني: لا راكبًا. فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يخرج إلى العيد ماشيًا، وهذا هو الأفضل، لأنه يكتسب بذلك الأجر، والخطوات الكثيرة، ولأنه أخشع في الغالب من الخروج راكبًا؛ ولأنه أهون على الناس من ازدحام السيارات والتعب؛ ولهذا كثيرًا ما تفوت الإنسان الصلاة - صلاة العيد - إذا كان بالسيارة؛ لأنه إذا دخل السير ما يتمكن من الخروج، ولا من الرجوع، ولا من التقدم لزحام السيارات، فيبقى في سيارته، فتفوته الصلاة وهو في سيارته، لكن لو جاء ماشيًا تيسر أن يصلِّ إلى المسجد ألا أنه قد يقول قائل: إذا كان الإنسان بعيدًا كما هو موجود الآن البلاد فقد تباعدت البلاد، ومن الممكن أن يركب على السيارة من أجل إدراك الصلاة، لكن إذا أقبل إلى المسجد ينزل من بعيد ويأتي على قدميه فيحصل هذا وهذا. * * *

стр. 994

٤٧٦ - وعن أبي هريرة فقلت: "أنَّهم أصابهم مطرٌ في يوم عيدٍ، فصلَّى بهم النَّبيُّ ﷺ صلاة العيد في المسجد". رواه أبو داود بإسنادٍ ليِّنٍ. "اللين" يعني ضد القوي، وهو أقوى من الضعيف ودون الحسن، وفي مرتبة بين الحسن وبين الضعيف. وقوله هنا: "أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم في المسجد" يستفاد منه: أن الأصل في صلاة النبي ﷺ العيد خارج المسجد وهو كذلك. ويستفاد منه: أنه إذا حصل عذر فإنه يصلي في المسجد داخل البيت، والعذر إمَّا مطر، وإمَّا برد شديد، وريح، وإمَّا حر شديد، كما لو جاء خبر العيد متأخرًا في ارتفاع النهار، وإمَّا خوف من عدو، المهم: أي عذر يكون إذا كان هناك عذر فإنهم يصلون في المسجد، وإذا صلوا في المسجد هل يصلونها كالعادة أو كالصلاة المفروضة؟ كالعادة؛ لأنه إذا سقطت سنَّة المكان لعذر فإنها لا تسقط سنَّة الأفعال، تبقى الصلاة كما هي عليه، فيصلي أولًا ثم يأتي بالخطبة، ثم قال المؤلف: * * * * ١٥ - باب صلاة الكسوف "صلاة الكسوف" هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني: الصلاة التي سببها الكسوف، يقال: الكسوف والخسوف بمعنى واحد، وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، لقوله تعالى: ﴿وإذا برق البصر * وخسف القمرْ﴾ [القيامة: ٧ - ٨]. فالخسوف للقمر، والكسوف للشمس، ولكن الأظهر أن معناهما واحد. معنى الكسوف وأسبابه: فما هو الكسوف؟ فسره الفقهاء بقولهم: ذهاب ضوء أحد النَّيرين أو بعضه؛ أي: ذهاب بعضه، ولكنه في الحقيقة ليس ذهابًا لضوئهما ولكنه احتجاب؛ إذ إن الضوء باقٍ، ولكن الذي حصل حجاب هذا الضوء، وطبعًا احتجاب بغير الغمام والسحاب وما اعتيد هذا لا يسمى كسوفًا، وإلًا قد ينحجب ضوء الشمس أو القمر بالسحاب، وبالضباب، وبالغبار، لكن هذا ليس كسوفًا. إذن بماذا ينحجب ضوء الشمس؟ يحجب ضوء الشمس بجرم القمر فتنكسف، وينحجب ضوء القمر بجرم الأرض فينكسف القمر، كيف ذلك؟ أسباب كسوف الشمس هو أن القمر

стр. 995

يحول بينها وبين الأرض؛ ولذلك لا يكون الكسوف إلا في آخر الشهر لإمكان حيلولة القمر بين الشمس والأرض، وأسباب كسوف القمر حيلولة الأرض بين الشمس والقمر، ولذلك يكون كسوف القمر في ليالي الإبدار؛ لأن ضوء القمر مستقاد من الشمس، قال الله تعالى: ﴿فمحونا ءاية الَّيل﴾ [الإسراء: ١٢]. ويدل على أنه مستفاد منها: أن منازل القمر كلما كان القمر قريبًا من الشمس كان ضوؤه أقل لعدم المقابلة، وكلما أبعد ازداد ضوؤه لكثرة المقابلة؛ لأن الفلك مثل القبة يعني: مكور، فإذا قابلها القمر من هنا وهي من هنا امتلًا نورًا، وإذا قرب منها ضعفت المقابلة فقلَّ النَّور. إذن سبب الكسوف معلوم من الناحية الحسية، وهو بالنسبة لكسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وبالنسبة للقمر حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، هذا هو السبب - الحسي الفلكي. وهناك سبب شرعي ما يعلم ألا من طريق الرسل، السبب الأول الحسي: معلوم من طريق الحساب، ويعرفه أهل العلم بالفلك، لكن السبب الشرعي ما يعلم ألا من طريق الوحي، وهو الأهم وهو تخويف الله العباد، يخوف الله عباده بهذا الكسوف، يخوفهم أو يعاقبهم؟ يخوفهم، والفرق بين التخويف والعقوبة ظاهر، التخويف معناه: أن الله ينذر العباد من أن يقع بهم عقوبة وليست عقوبة. ولهذا بعض الجهال يقولون: كيف يصير إنذار ولم يحدث شيء لا زلازل ولا صواعق، ولا غيره، ابن الإنذار. نقول: إن الرسول ﵊ قال: "يعاقب الله بهما" وقال: يخوف الله بهما فهو إنذار قد يقع المنذر به وقد لا يقع؛ ولهذا الرسول ﵊ أمر بأن يصلى حتى ينكشف ما بنا، هذا السبب الشرعي، فهل يعارض السبب الحسي؟ لا؛ لأن الفاعل واحد، فالذي جعل القمر يحول بين الشمس والأرض، أو الأرض بين الشمس والقمر هو الله، والمخوف هو الله؛ فلا تنافي بين هذا وهذا؛ لأن الله تعالى يقدر ذلك خلقًا لحكمته شرعًا، وهو التخويف، وأما إنكار بعض الناس للسبب الحسي بحجة أن إثباته يستلزم إبطال السبب الشرعي فلا يقرون بذلك بحجة أن ذلك يؤدي إلى تكذيب حديث الرسول في قوله: "يخوف مهما عباده"، فنقول: إن هذا تصور من هؤلاء لأنه لا تنافي بينهما، فالله يقدر الشيء بأسبابه تخويفًا لعباده، الصواعق أليس لها أسباب؟ بلى، لها أسباب ويخوف الله بها العباد، والزلازل لها أسباب حسية معلومة ويخوف الله بها العباد، وكذلك الرياح وغيرها، فالأسباب الكونية لا تنافي الحكم الشرعية؛ لأن الفاعل واحد وهو الله .

стр. 996

إن قال قائل: كلامكم هذا يعارض ما جاء في التاريخ من أن إبراهيم ابن رسول الله ﷺ توفي في اليوم العاشر من شهر ربيع الأول، أو في الثاني عشر منه، أو في الثامن منه، وهذا على قولكم لا يتطابق مع ما قررتموه، لأنه إذا كان في اليوم الثاني عشر، أو العاشر، أو الثامن والشمس هي التي كسفت فالقمر بعيد منها لا يمكن أن يحول بينها وبين الأرض؟ فالجواب على ذلك: أن هذا لا يصح، قول المؤرخين هذا لا يصح؛ ولهذا اختلفوا فيه، فليس هناك سندٌ صحيح يقول: إنه في اليوم الثاني عشر، أو الثامن، أو العاشر، ولهذا حسبه المتأخرون من أهل الفلك ووجدوا أنه - أي: كسوف الشمس في عهد الرسول ﵊ كان في يوم الثلاثاء الموافق تسع وعشرين شوال سنَّة عشر من الهجرة، وعلى هذا فلا إشكال فيه؛ لأن يوم التسع والعشرين يكون القمر قريبًا من الشمس يمكن أن يحول بينها وبين الأرض فيحصل الكسوف. كذلك أيضًا قد يقول قائل: إن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا وقع الكسوف يوم الوقوف بعرفة - يعني: كسوف القمر - بعد أن غابت الشمس كسف القمر، فإنه يصلى الكسوف ثم يدفع على كلام الفقهاء فيدل على أن الأمر غير ما ذكرتم لأنهم قالوا هذا ثم عللوا، قالوا: "يتصور كسوف الشمس والقمر كل وقت والله على كل شيء قدير، التعليل صحيح لكن ما ينطبق على المعلل، الله على كل شيء قدير، التعليل صحيح لكن ما ينطبق على المعلل إنه يتصور كل وقت لأننا نقول: إذن ويتصور أن تطلع الشمس عند مغيب الشفق والله على كل شيء قدير، فالشيء ليس بالنسبة لقدرة الله، قدرة الله لا يحول دونها شيء، لكن الكلام على العادة المنتظمة التي أجراها الله التي تقتضيها حكمته ألا يقع الكسوف - كسوف الشمس - إلا في وقت الاستتار في آخر الشهر ولا يقع كسوف القمر ألا في وقت الإبدار الرابع عشر أو الخامس عشر، ونحو ذلك. الكسوف هل يمكن أن يكون على بعض الأرض دون بعض؟ نعم يمكن، وهذا يدل على أن نور الشمس والقمر لا يذهب وإنما يستتر وينحجب، لا يذهب لأنه لو ذهب لكان الكسوف إذا وقع في أرض لزم أن يكون واقعا في كل الأراضي وليس الأمر هكذا، بل ربما يقع في نقطة من الأرض كليًّا، وفي نقطة أخرى جزئيًّا، وفي نقطة ثالثة لا شيء كما هو معلوم، كما أنه الآن لو حالت سحابة بيننا وبين الشمس صارت على النقطة التي تحتها الشمس محجوبة لكن على النقطة الأخرى الشمس بادية، وعلى النقطة التي بينهما الشمس نصفها ظاهر ونصفها محجوب، صلاة الكسوف ما دام الكسوف آية من آيات الله ليس من الأمور العادية وإنما هو شيء خارج عن العادة لا يقدر عليه إلا الله كان من الحكمة أن تكون له صلاة من آيات الله خارجة عن المعتاد بالصلوات، السبب خارج عن المعتاد، والصلاة خارجة عن المعتاد أيضًا، وهذا مما يدلك على تناسب الشرع والقدر، وأنه لا تنافر بينهما ولا تنافي بينهما.

стр. 997

مشروعية صلاة الكسوف والدعاء فيها: ٤٧٧ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتموهما، فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف". متفق عليه. وفي روايةٍ للبخاري: "حتى تنجلي". ٤٧٨ - وللبخاري من حديث أبي بكرة ﵁: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم". "عهد" بمعنى زمان، وسمي الزمان عهدًا؛ لأن الإنسان يعهد به ويعلم به، وقوله: "يوم مات إبراهيم" هو ابن محمد ﵁، - وصلى الله وسلم على أبيه- وهذا الولد سماه النبي ﷺ إبراهيم على اسم أبيه الخليل ﷺ وبشر به أهله، وقال: "ولد لي الليلة ولد فسميته إبراهيم في الحال". وبه يعلم أن التسمية مشروعة حال الولادة إلا إذا كان الإنسان لم يهيئها، فإنه يسمى في اليوم السابع، وهذا الابن ﵁ توفي وله نحو ستة عشر شهرًا، وحزن عليه النبي- ﵊ حزنًا عظيمًا، حتى إنه رفع إليه وهو ينزع فبكى ودمعت عيناه، وقال- ﵊: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". وأخبر- ﵊ أن له مرضعًا في الجنة ترضعه؛ لأنه مات قبل تمام الحولين، فكان له مرضعًا ترضعه في الجنة، وكان النبي- ﵊ قد أعطاه أحد بيوت الأنصار خارج المدينة، وكان يخرج إليه بنفسه للاطلاع على حال هذا الولد. فيستفاد من ذلك: أن الرسول- ﵊ كغيره من البشر يحب أولاده محبة طبيعية، وأنه يصلهم ويتعاهدهم، وهذا داخل في قوله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". "فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم" بناء على عقيدة سائدة عندهم هي: أن الشمس تنكسف لموت العظيم أو القمر معلوم أن ابن النبي- ﵊ من أعظم الناس فقالوا: كسفت الشمس لموته بناء على هذه العقيدة، واللام في قوله: "لموته" لماذا؟ للتعليل، لموت إبراهيم.

стр. 998

فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله" والآيات جمع آية، وهي العلامة، وقد سبق لنا مرارًا أن الآيات نوعان: كونية، وشرعية، وأنها سميت آية؛ لأنها علامة حيث لا يقدر عليها إلا الله فهي آية من آيات الله في حجمها ومنافعها وانتظامها وغير ذلك مما يتعلق بها. "ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، هذه من الأمور الفلكية، والأمور الفلكية لا يستدل بها على حدوث شيء في الأحوال الأرضية، ولا يكون شيء من الأحوال الأرضية سببًا لها، ولكن قد يعاقب الله أهل الأرض بأمور سماوية لكونهم عصوا الله. وقوله- ﵊: "لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، قوله: "ولا لحياته" استشكلها بعض أهل العلم من حيث قالوا: إنه ليس عند العرب عقيدة بأن الشمس والقمر ينكسفان لحياة أحد، فكيف قال: "ولا لحياته"؟ وأجاب بعضهم: بأن هذا من باب التعميم، يعني: كما لا ينكسفان للموت، لا ينكسفان للحياة. قال: "فإذا رأيتموهما"، رؤية بصرية أو علمية؟ بصرية، وفيها حال مقدرة لزومًا وتقديرها: "فإذا رأيتموهما كاسفين"، لا بد من تقدير هذه الحال؛ لأن مجرد رؤية الشمس والقمر لا توجب الصلاة، "فإذا رأيتموهما" يعني: كاسفين. "فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف" قوله: "فادعوا الله" بماذا ندعو الله؟ بأن يكشف ما بنا، وقد بين الرسول- ﵊ أن من جملة ما ندعو به الله الاستغفار، فندعوه بالاستغفار من الذنوب، وندعوه بأن يكشف ما بنا، وقوله: "صلوا" هذا مطلق، ولكنه محمول على المقيد، ما هو المقيد؟ أن نصلي الصلاة المعهودة المشروعة في صلاة الكسوف، وقوله: "حتى ينكشف" أي: حتى يزول، يعني يزول الكسوف، و"حتى" هنا هل ترونها غائية أو تعليلية؟ أن نستمر عليه حتى ينكشف، وكلاهما حق، فإن الصلاة والدعاء من أسباب انجلائه، وكذلك يشرع أن نبقى على هذه الحال إلى أن ينكشف. قال: وفي رواية البخاري: "حتى تنجلي" أتى المؤلف ﵀ بهذه الرواية كالشرح للرواية الأولى، لأن الانكشاف يعني: الانجلاء. يستفاد من هذا الحديث: أولًا: حكمة الله حيث وقع الكسوف في اليوم الذي مات فيه إبراهيم، وجه ذلك: لأجل أن يكون القول بإبطال تلك العقيدة في وقته ومحله، وحضور الشيء في وقته ومحله يكون له وقع في النفس أكثر. وفيه أيضًا: أن الرسول ﷺ قد يصاب بالمصائب الدنيوية كما حصل بموت ابنه إبراهيم، وقد

стр. 999

قال- ﵊: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". ومن فوائد الحديث: استحباب التسمية بإبراهيم؛ لأن الرسول- ﵊ سمي به لأجل أن يكون موافقًا لأسماء الأنبياء. وفي الحديث أيضًا من الفوائد: أن الناس في عهد الرسول- ﵊ عندهم من الصراحة ما يقتضي بيان الأمر على حقيقته حين قالوا: "انكسفت الشمس لموت إبراهيم"، مع أن هذا الأمر في السنة العاشرة من الهجرة، يعني: بعد أن رسخ الإيمان والتوحيد في قلوبهم، ومع ذلك قالوا هذا القول، ولكن لحكمة؛ أي: لأجل أن يبطله النبي- ﵊. ويستفاد من الحديث: وجوب رد الباطل، وإن أجمع الناس عليه؛ لأن النبي- ﵊ رد هذا الباطل وإن كان الناس كلهم يقولون ذلك. ومن فوائد الحديث: بيان أن الشمس والقمر من آيات الله لقوله: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله". ومن فوائده: أن آيات الله تعالى لا تنحصر في الشمس والقمر، لأنه قال: ﴿من آيات الله﴾، وآيات الله كثيرة، لكن أين المتأمل والمتدبر؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ [فصلت: ٣٧]. والغريب أن بعض أهل العلم استنبط من هذه الآية مشروعية صلاة الكسوف لا كيفيتها، وجه ذلك: يقولون: لأن العابدين لهما إذا كسفا فإنهم يرغبون عن عبادتها؛ لأنهما تغيروا وفسدا فلا يصحان إلها، وبعضهم عكس قال: "إنهما إذا كسفتا" فهو دليل على غضبهما على العابدين لهما، وحينئذ لا يسجدون لهما، فقال الله: لا تسجدوا لهما حين يسجد لهما هؤلاء، واسجدوا لله. وعلى كل حال: فنحن في غنى عن هذا اللغط البعيد لكن ذكرته على سبيل الاستطراد. ومن فوائد الحديث: أن الحوادث الأرضية لا تؤثر في الأحوال الفلكية، من أين تؤخذ؟ من قوله: "لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، فالموت والحياة وغيره لا تؤثر في الشمس ولا القمر ولا النجو، نعم قد تكون سببًا لأشياء أخرى- الحوداث- مثل المعاصي ممكن أن تكون سببًا لعدم نزول المطر أو سببًا للرياح المدمرة أو الصواعق المهلكة وما أشبه ذلك. ومن فوائد الحديث: أنه لا يعمل بالحساب في صلاة الكسوف "فإذا رأيتموهما"، وعلى هذا فلو أن الحساب أطبق على أن الليلة سيكون كسوفًا وصارت السماء غيمًا ولم يتبين هل نصلي أو لا؟ لا نصلي؛ لأن الرسول- ﵊ علق ذلك بالرؤية.

стр. 1000

ومن فوائد الحديث: أنه لابد أن يظهر ذلك الأثر أو يتبين لقوله: "إذا رأيتموهما"، فعلى هذا لو كانت بالشمس كسوف جزئي ما يرى إلا بطلبه فإن الظاهر أنه لا تشرع الصلاة؛ لأن هذا ليس فيه تخويف إذا كان لم يتبين ولم يظهر إلا بطلبه، فإننا نقول: الحمد لله الذي جعله لم يتبين، ولا نصلي حتى لو كنا نتوقع ذلك بسبب قول أهل الهيئة فإننا لا نصلي. ومن فوائد الحديث: أنه لو حدثت آيات أخر أفقية أو أرضية لكنها خلاف العادة، فإننا هل نصلي أو لا نصلي؟ هذا موضع خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه يصلي لكل آية خرجت عن المألوف فلو حدثت صواعق عظيمة متتابعة فخاف الناس منها فإنهم يصلون، ولو حدث زلزال في الأرض فإنهم يصلون، ولو حصل رياح مزعجة غير مألوفة فإنهم يصلون، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يصلي إلا لكسوف الشمس والقمر فقط؛ لأنه في عهد الرسول- ﵊ وجدت الرياح، والعواصف، والرعد، والبرق، ولم يكن يصلي- ﵊. وقال بعض العلماء: يصلى للزلازل فقط دون غيرها من الحوادث، واستدلوا بما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه صلى للزلزلة، فمن نظر إلى التخصيص- الشمس والقمر- قال: لا يصلي، ومن نظر إلى العلة- وهي: التخويف والخروج عن العادة والمألوف- قال: إنه يصلى صلاة الكسوف لكل آية الزلازل وغيرها، ومنه لو فرض أنه حصل في الليل ضياء خارج عن العادة بدون قمر كأن الشمس قريبة الطلوع فإنه يصلى؛ لأن هذا يرعب ويوحش، وكذلك لو حصل ظلمة في النهار غير مألوفة يعني: ما سبقها أسباب- من غيم أو قطر، ظلمة هكذا- فإنهم يقولون: هذه من الآيات المروعة، وهي أشد ترويعًا من كسوف الشمس؛ لأنها أقل وقوعًا فيصلي لها. فأنا أقول- والله أعلم-: إن الاقتصار على ما جاء به النص أولى؛ لأن الذي جاء به النص يختلف عن الآيات التي ذكروها لأنه عام، فالقمر يشاهده كل من على وجه الأرض من ناحيته والشمس كذلك، لكن الزلازل نجدها في مناطق معينة، وكذلك العواصف والفيضانات وما أشبهها، والأصل في العبادات التوقيف حتى يتبين لنا أنها مشروعة. ومن فوائد الحديث: مشروعية الصلاة والدعاء لقوله: "فادعوا الله وصلوا" والمشروعية ثابتة بالاتفاق لم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم، ولكن هل ذلك واجب أو سنة؟ وإذا قلنا بالوجوب فهل هو فرض كفاية أو فرض عين، فها هنا ثلاثة احتمالات؛ نقول: أما الدعاء فإنه لا يجب بالاتفاق، وأما الصلاة ففيها خلاف، فمن أهل العلم من قال بوجوبها، وأنها فرض عين لأمر النبي ﷺ بذلك، والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل على أنه لغير الوجوب،

стр. 1001

وأيضًا فإنها صلاة لتهديد وإنذار، فلو تركت لكان ذلك عنوانًا على عدم المبالاة بإنذار الله وتخويفه، وهذا أمر ليس بالهين أن الله ينذرنا ونقول: ما يهم، وذهب كل واحد إلى عمله ولا يهتم، فهذا مظهر غير لائق أن الرب العظيم يخوفك ونبيه يأمرك، ثم تدع هذا كأنك غير مبالٍ لا بأمر الرسول ﷺ ولا بتخويف الله. وأما القائلون بأنها فرض كفاية فقالوا: إنه لا يظهر أن الرسول- ﵊ أمر كل أحد، وأن الناس كلهم حضروا إلى الرسول- ﵊، وأننا نلزم جميع المسلمين بأن يصلوا بل إذا حصل المظهر العام للمسلمين وأنهم قاموا بما ينبغي أن يقوموا به من الإنابة إلى الله ، والرجوع إليه فإن هذا كافٍ، وأنا متردد بين كونها فرض كفاية، أو فرض عين، أما الاقتصار على أنها سنة فقط فهذا ضعيف وإن كان جمهور أهل العلم على ذلك، لكن كيف تدفع أمر الرسول- ﵊ وقوله: "صلوا حتى ينكشف ما بكم وينجلي"، وقوله: "يخوف الله بهما عباده" وأمثال ذلك هذه أمور عظيمة ولا مدفع للجمهور لذلك إلا بحديث الأعرابي، وهو: "هل علي غيرها. قال: لا، إلا أن تطوع"، وقد سبق لنا غير مرة أن هذا لا يمكن أن يستدل به على عدم وجوب الصلاة المقرونة بسبب؛ لأن المراد بالحديث: الصلوات الخمس اليومية المتكررة، بدليل أن الإنسان لو نذر أن يصلي ركعتين لكانت الصلاة واجبة بالنص والإجماع مع أنها غير الصلوات الخمس، فكذلك الصلوات الشرعية التي لم تجب بنذر لكن لها أسباب أخر علقها الشارع بها. ومن فوائد الحديث: استمرار الصلاة والدعاء حتى ينكشف لقوله: "حتى تنكشف"، "حتى تنجلي"، ونحن في الشرح قلنا: "حتى" هنا للغاية أو للتعليل؟ قلنا: إذا كان للغاية فإنها تدل على استمرار ذلك للانجلاء، وإذا كانت للتعليل فإنه يكفي أن يصلي ويقول: عن الرسول- ﵊ قال: "صلوا لأجل أن تنجلي"، فإذا صلينا فعلنا السبب، والانجلاء عند الله ، وعلى هذا فإذا صلينا ورأينا الكسوف بدأن ينجلي نقف لأن العلة انتهت، ولكن المشهور عند أهل العلم أنها للغاية، يعني: "صلوا وادعوا إلى كذا" إلا أنهم قالوا: إنها لا تعاد مرة أخرى على صفتها، ولكن لا حرج إذا انقضت الصلاة من أن تصلى تطوعًا على صفة التطوع المعهود. ومن فوائد الحديث: أن الكسوف غمة على العباد؛ ولهذا قال: "حتى تنجلي" وفي لفظ آخر: "وحتى ينكشف ما بكم" فهو غمة؛ لأنه ما دام تخويفًا من الله فإنه يخشى أن يقع العذاب، وهذا لا نأمنه إلا إذا انجلى. * * *

стр. 1002

القراءة في صلاة الكسوف جهرًا: ٤٧٩ - وعن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجداتٍ". متفق عليه، وهذا لفظ مسلمٍ. - وفي رواية له: "فبعث مناديًا ينادي: الصلاة جامعة". نقول: إن الرسول جهر في صلاة الكسوف بقراءته مع أن الكسوف كان بالنهار فيما ارتفعت الشمس قدر رمح ظهر كسوفها ففزع الناس وصلوا فجهر بالقراءة- ﵊، وهكذا كل الصلوات النهارية التي يجتمع الناس عليها فإنه يجهر فيها بالقراءة تحقيقًا للاتفاق والإلفة؛ لأن الناس إذا اجتمعوا على قراءة الإمام صار تيقظهم أبين وأظهر من كون كل واحد يقرأ لنفسه، تأمل ذلك في صلاة الجمعة؛ لأن الناس يجتمعون فيها، وفي صلاة العيدين؛ لأن الناس يجتمعون فيها، كذلك في صلاة الكسوف؛ لأن الناس اجتمعوا فيها، والمشهور في صلاة الكسوف أن تصلى في مكان واحد كالجمعة هذا هو المشهور، وهو الأفضل، وأما فعل الناس اليوم وكونهم يصلون في كل مسجد فعلى سبيل التيسير، وإلا فالمشهور أن يحضروا للمساجد الجوامع كما فعل النبي- ﵊ فإنه جمع الناس في مسجد واحد؛ ولهذا قال أهل العلم: إنه يستحب أن تصلى الكسوف في المسجد الجامع؛ يعني: دون غيره من المساجد. وأقول الآن إذا قال قائل: ما السبب في أن الرسول- ﵊ يجهر فيها وهي نهارية؟ قلنا: لأنها صلاة ذات جمع، وكل صلاة نهارية ذات جمع فإنه يجهر فيها بالقراءة. لماذا نعتبر ذلك؟ لصلاة الجمعة والعيدين، الاستسقاء تابع للعيدين، أما الجهر في صلاة الليل فله سبب آخر غير الاجتماع؛ لأن الناس يصلون في مساجدهم، سببه- والله أعلم- أن ذلك أقرب إلى الخشوع؛ لأن الإمام يجهر، ولاسيما إذا كان حسن الصوت والأداء اجتمع الناس عليه وصار خشوعهم أكثر؛ ولأن في الجهر ضربًا لما عسى أن يكون من النعاس والنوم. قالت: "جهر في صلاة الكسوف ثم صلى أربع ركعات في ركعتين" قد يقال: هذا شبه تنافر، كيف هذا؟ لأن أربع ركعات لا يمكن أن تحسب ركعتين؛ لكن يتبين في هذا الحديث وبما يأتي من الأحاديث أن المراد بالركعة هنا: الركوع وليس الركعة الكاملة، فيفرق بين هذا وبين قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". فإن قوله: "من أدرك ركعة" ليس المراد به من أدرك ركوعًا، بل المراد: من أدرك ركعة كاملة بسجدتيها فقد أدرك الصلاة، قد

стр. 1003

تقولون: من أدرك الركوع لزم أن يدرك ما بعده ولا عكس، ولكن نقول: إن ذلك ليس بلازم قد يدرك الركوع ولا يدرك ما بعده، افرض أنه يصلي الجمعة فركع الإمام وانقطع الصوت هل يمكن الائتمام الآن؟ لا يمكن، وعلى هذا فيكون قد أدرك الركوع ولم يدرك الركعة، ومثل هذا يلزمه أن يصلي أربعًا إلا إذا كان يمكنه أن يذهب إلى مكان يدرك فيه صلاة الإمام، المهم: أن المراد بالركعة هنا أربع ركوعات صلى أربع ركوعات في ركعتين، وبهذا يتبين أنه لا تناقض بين أربع ركعات وركعتين. وقوله: "وأربع سجدات"، السجود بقي على ما هو عليه؛ لأنها ما قالت: ثمان سجدات، إنما التكرار في الركوع، والحكمة- والله أعلم- من أجل كثرة القراءة حتى يفصل بين القراءتين فيكون أريح للناس؛ ولهذا تكرر الركوع دون السجود. فيستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: أن المشروع في صلاة الكسوف الجهر، ولو في كسوف الشمس والدليل على ذلك فعل النبي ﷺ . الفائدة الثانية: أن المشروع أن يصلي في كل ركعة ركوعين لقولها: "فصلى أربع ركعات في ركعتين". والفائدة الثالثة: أن السجود لا يتكرر أو لا يتغير على الأصح، بل في كل ركعة سجودان فقط لقولها: "وأربع سجدات". الفائدة الرابعة: الحكمة في التشريع، وأنه مناسب للعلة والسبب، فإنه لما كان الكسوف آية حسية لما تجر به العادة صارت الصلة له آية شرعية ليس لها نظير في الصلوات، فالشرع مناسب للقدر لا تناقضان ولا تنافيان، وهذا من عظيم حكمة الرب ، وفي رواية: ثم قالت: "فبعث مناديًا ينادي الصلاة جامعة"، "الصلاة جامعة" كلمتان ذكر الشراح أنه يجوز فيهما وجهان "الصلاة جامعة"، بالرفع على أنها مبتدأ أو خبر، "والصلاة جامعة" بالنصب على أن الأول مفعول لفعل محذوفط، و"جامعة" حال من الصلاة، والتقدير: احضروا الصلاة جامعة، ونحن في وقتنا الحاضر إذا علمنا أن فيها وجهين فإننا تنشرح صدورنا لهذين الوجهين؛ لأن الذين ينادون في الغالب لا يعرفون النحو تارة يقولون: "الصلاة جامعة"، وتارة يقولون بالرفع، وتارة يسكنون أيضًا يقولون: "الصلاة جامعة" فيجرون الوصل مجرى الوقف، والأمر في هذا واسع لا يتغير الحكم، ثم هي ليست أذانًا، ولهذا- مما استدل به من يقول: إن صلاة الكسوف ليست واجبة- استدلوا بهذا: بـ "الصلاة جامعة"، فالرسول ما قال: "حي على الصلاة" الجماعة في الصلوات الخمس واجبة، يقول: "حي على الصلاة" أما هذه فأخبرهم بأن "الصلاة جامعة" يعني: فمن شاء حضر ومن شاء لم يحضر، وهذا

стр. 1004

وإن كان فيه شيء من الشبهة، لكن ما سبق من تغير الرسول- ﵊ تغير حاله وفزعه، وأمره بالصلاة والدعاء والاستغفار، والتكبير كل هذا يدل على الوجوب. إذ قال قائل: الآن عندنا أربع ركوعات فبأيها تدرك الركعة هل بالأول أو بالثاني؟ يعني: حضر بعد الرفع من الركوع الأول، هذا فيه خلاف: من العلماء من يقول: إنه يكون مدركا للركعة؛ لأنه أدرك ركوعًا ويجوز أن تجعل صلاة الكسوف كالنافلة العادية، وعلى ذلك فيكون هذا الرجل أدرك الركعة. ومنهم من قال: لا بد من أن يدرك الركوع الأول؛ لأنه هو الركن وهذا سنة؛ ولأن الرسول- ﵊ قال: "ما فاتكم فأتموا"، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا يكون مدركا للركعة إلا بإدراك الركوع الأول، ولو قضى الركعة يقضيها بركوعين. ويستفاد من الرواية الثانية: مشروعية النداء إلى صلاة الكسوف بهذا اللفظ لقوله: "فبعث مناديًا". ويستفاد منه: أنه يكرر بحسب الحاجة؛ لأن المنادي الذي ينادي جرت العادة أنه لا يقول: "الصلاة جامعة" مرة واحدة، فيتجول وينادي وهذا لا بد فيه من التكرار، فهل يكرره ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا؟ نقول: بحسب الحال والقدر الذي يحصل به الإسماع، فمثلًا إذا قلنا في مكان فيه رجة وكثر أصوات ومحركات نزيد التكرار، وإذا كنا في محل ليس هكذا فإننا لا حاجة إلى التكرار، هل نقول: نزيد على ذلك ونقول: صلوا يرحمكم الله كما يفعله بعض الناس؟ لا، الأولى اتباع ما ورد وإن كان هذا لا يظهر فيه قصد التعبد، لكن الأولى ألا نزيد، وهل نؤذن كالصلوات الخمس؟ لا؛ ولهذا بعض الناس في كسوف مضى قالوا لي: إنه أذن، فالظاهر أنه جاهل لا يدري. صفة صلاة الكسوف: ٤٨٠ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "انخسفت الشمس على عهد رسول الله فصلى، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه، ثم سجد، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس". متفق عليه، واللفظ للبخاري. - وفي رواية لمسلم: "فصلى حين كسفت الشمس ثماني ركعاتٍ في أربع سجداتٍ". متى كان خسوفها؟ يوم مات إبراهيم في شوال في السنة العاشرة في يوم الثلاثاء.

стр. 1005

يقول: "فصلى فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة"، "سورة البقرة" كم جزءًا؟ جزآن ونصف تقريبًا، وقراءة الرسول- ﵊ المعروف أنه يرتلها، كم تستوعب من ساعة؟ ممكن أن تستغرق ساعتين ونصفًا تقريبًا هذا في القيام الأول فقط، يقول: "ثم ركع ركوعًا طويلًا" قريبًا من قيامه إلى قوله: "دون القيام الأول" وهذا من الحكمة؛ لأن الناس بعد القيام الأول الطويل حصل لهم شيء من التعب فخفف القيام الثاني، يقول: "ثم ركع ركوعًا طويلًا دون الركوع الأول" والعلة فيه ما ذكرنا، "ثم سد ثم قام قيامًا طويلًا" هنا لم يذكر إلا سجودًا واحدًا ولم يذكر أنه طويل، لكن قد جاء في الأحاديث الأخر بأنه سجد سجودًا طويلًا نحوًا من ركوعه، وهذا هو المعروف من صلاة الرسول ﷺ كما ذكر البراء من عازب أن قيامه بعد الركوع، وركوعه، وسجوده، وجلسته بين السجدتين، أنه قريب من السواء. يقول: "ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول" أي الأول: الأول من الركعة الأولى، أو الأول الذي قبله؟ الظاهر أنه الأول الذي قبله؛ لأنك لو قلت: دون القيام الأول الذي في الركعة الأولى؛ صار القيام الأول في الركعة الثانية مساويًا للقيام الثاني في الركعة الأولى، فالظاهر خلافه. يقول: "ثم رفع ... إلخ"، كيف استوعبت هذه الصلاة؟ تقريبًا أربع ساعات أو أكثر؛ لأن كسوف الشمس كان كليًا كما ذكره الصحابة- ﵃ أنها صارت كقطعة نحاس أحمر، ومثل هذا قد يستوعب أربع ساعات وهو يصلي ﷺ والصحابة وهم قائمون، وقد ذكر جابر بن عبد الله أنه كان في يوم حار ولا يوجد مراوح ولا مكيفات، انظر الصبر العظيم على طاعة الله ، لكن بعضهم كان يسقط مغشيًا عليه، الضعفاء تعبوا من شدة الحر ومع ذلك الرسول- ﵊ ما راعى هؤلاء؛ لأنه إذا كانت السنة التطويل فإن الفرد إذا تعب أو الفردان لا يؤثر كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله. قال: وفي رواية لمسلم: "صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات" أي: ثماني ركوعات في أربع سجدات، هذا يبين قوله: "ثم سجد" أنه سجد سجودين في كل ركعة ليوافق الأحاديث الأخرى، لكن في مسألة الركوع إذا صلى ثماني ركعات كم كل ركعة من ركوع؟ أربع ركوعات، وهذا أمر لا يمكن؛ لأن حديث عائشة في الصحيحين يدل على أنه صلى أربع ركوعات في كل ركعة ركوعان، وحديث ابن عباس المتفق عليه كم من الركوع فيه؟ أربع ركوعات، ومعلوم أن ما اتفق الشيخان مرجح على ما انفرد به مسلم لا شك فيه، ومن المعلوم أن الكسوف في عهد الرسول- ﵊ لم يقع إلا مرة واحدة بالاتفاق، وعلى هذا فيكون المقصود: أربع ركوعات وأربع سجدات، وما عدا ذلك فهو شاذ؛

стр. 1006

لأن الشذوذ ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه وأحسن منه وأوثق منه، إذن المعتمد الذي فعله الرسول- ﵊ في صلاة الكسوف كم؟ أربع ركوعات وأربع سجدات فقط. نرجع إلى فوائد حديث ابن عباس ﵄، يستفاد منه: قوة النبي ﷺ في العبادة؛ لأنه قام هذا القيام الطويل. ويستفاد منه: أنه- بأبي وأمي- أهل لأن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إذا كان هذا عبادته لربه هذه العبادة التي لا يلحقها لاحق؛ فهو أهل لأن يغفر الله له ما تقدم وما تأخر. ويستفاد منه: تحقيق قول الرسول- ﵊: "إني لأعلمكم بالله وأخشاكم لله". يقول عن نفسه- ﵊ وهو صادق إذا كان يقوم في الليل حتى تتفطر قدماه هذه الخشية وهذه العبادة وهذه التقوى. ويستفاد منه: أن الناس كثيرون، من أين يؤخذ؟ لأن حديث عائشة صرح بالجهر، ولم يصرح ابن عباس بأي شيء قرأ، ففيه دليل على أنه لم يسمع بل كان في المؤخر، وهذا يدل على أن الجمع كثير، وبه نرد على من قال: إن صلاة الكسوف لا يجهر فيها بالقراءة، واستدل بهذه الجملة؛ لأن بعض أهل العلم يقولون ذلك ويستدلون بقوله: "نحو من قيامه"، قالوا: لو كان يجهر لكان ابن عباس يسمع ويدري ما قرأ، لكننا نقول: كيف نرد اللفظ الصريح في حديث عائشة جهر بشيء محتمل ونحمله على وجه صحيح، ولا يلزم منه أنه لا يجهر وهو كثرة الجمع. ويستفاد من حديث ابن عباس: أنه ينبغي تطويل صلاة الكسوف ولو شق ذلك على بعض الناس، لأن الرسول- ﵊ أطال وهذا يشق على بعض الناس، وقد ثبت في الصحيح أن بعضهم سقط من الغشية. ويستفاد منه: أن الإنسان ينبغي له اتباع السنة وتطبيق المشروع، ولو شق ذلك على أفراد الناس إلا الأمور العارضة، لو قال لنا بعض الناس: أنا أحب أن يكون مسجدنا مسجدًا جامعًا، فلا نوافقه؛ لأن هذا يخل بمقصد الشرع باجتماع الناس كل أسبوع في مسجد واحد، ولهذا ما صار تعدد الجمعة للمسلمين إلا في القرن الثالث، يعني: مضى قرنان على المسلمين ما تعددت الجمع في مكان واحد إلا في القرن الثالث في بغداد، كل هذا حماية لهذا الجمع العظيم أن يتفرق، وأما ما يفعله بعض الناس من التهاون- حتى إني أسمع أن في بعض البلاد

стр. 1007

الإسلامية كل مسجد تقام فيه الجماعة فإنها تقام فيه الجمع- فهذا منكر، اللهم إلا إذا كان الناس كثيرين والمساجد تضيق بهم فإنه على حسب الحاجة. ويستفاد من حديث ابن عباس: تفصيل صلاة الكسوف: قيام، ثم ركوع، ثم قيام، ثم ركوع، ثم سجود، لكن القيام الذي بعد الركوع الثاني ليس فيه قراءة، في القيام الذي بعد الركوع الأول يقرأ القرآن، لكن هل يقرأ الفاتحة أو لا؟ اختلف في هذا أهل العلم، فمهم من قال: إنه يقرأ الفاتحة، ومنهم من قال: إنه لا يقرؤها، الذين قالوا: إنه لا يقرأ الفاتحة، قالوا: إن هذه ركعة واحدة، وقد قرئت فيها الفاتحة ولا حاجة إلى إعادتها، والذين قالوا: يقرأ الفاتحة، قالوا: لما كانت هذه القراءة يعقبها ركوع صار لا بد فيها من قراءة الفاتحة كالركوع الأول، وأنا إلى الآن ما اطلعت على شيء في الأحاديث يبين أنه قرأ الفاتحة بعد الركوع الأول، ونريد منكم تحرير هذه المسألة: هل أنه يقرأ الفاتحة بعد الركوع الأول أو يقتصر على الفاتحة التي قبل الركوع الأول. ويستفاد من حديث ابن عباس ﵄: الخطبة بعد الصلاة لقوله: "فخطب الناس" هذه الخطبة هل هي خطبة راتبة أو خطبة عارضة؟ فيها خلاف، فقال بعض أهل العلم: إنها خطبة راتبة، وأنه يشرع لصلاة الكسوف خطبة، واستدلوا بأن الرسول- ﵊ خطب وحمد الله وأثنى عليه ووعظ الناس وهذه خطبته، ولم يقع لكسوف مرة أخرى يتركها الرسول- ﵊ حتى نعرف أنها خطبة عارضة، ففي الحقيقة لما لم يقع الكسوف مرة أخرى، ويدع الرسول- ﵊ هذه الخطبة فإننا لا ندري، لا نستطيع أن نقول: إنها خطبة عارضة، ونجزم بذلك، فالذين قالوا: إنها خطبة لازمة مشروعة لهذه الصلاة لهم وجهة قوية وهو مذهب الشافعي، وأنه يشرع أن يخطب لها لفعل الرسول ﷺ ، لأنه حمد الله وأثنى عليه، وخطب الناس ووعظهم والمشهور من مذهب الحنابلة أن هذه الخطبة خطبة عارضة لا لازمة للصلاة، وأنه إن رأى ما يوجب الخطبة خطب، وإلا فلا واستدلوا لذلك بأن الرسول- ﵊ أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والتكبير والعتق ولم يذكر الخطبة، وعندي أن في هذا الاستدلال نظرًا؛ لأن الخطبة إنما يخاطب بها الإمام بخلاف الأشياء الأخرى. فالقول بأن الخطبة خطبة راتبة لا عارضة قول قوي، ولكن إذا كان الإمام لا يعرف الخطبة، فما الجواب؟ الجواب: أن هذا الإيراد غير وارد؛ لأننا قلنا: إن المشروع أن تكون في الجوامع، وأئمة الجوامع غالبًا يستطيعون الخطبة، لكن على حسب الواقع وهي أنها تقام في كل مسجد، فإن بعض أئمة المساجد لا يستطيع أن يخطب، نقول: يمكن أن ينوب عنه واحد

стр. 1008

من الحاضرين- إذا كان يعرف الخطبة- يقوم فيخطب ويذكر الناس، وعندي أنه في وقتنا الحاضر حتى لو قلنا: إن الخطبة عارضة لا راتبة، فإنه ينبغي أن يخطب؛ لأن الناس عندهم جهل عظيم وإعراض عن الآيات كبير، ولاسيما وأنه ينشر في الصحف وبين الناس الحديث عن الكسوف ووقته، فيأتي الكسوف وكأنهم متفتحون له منشرحو الصدور، ما كأنه أمر يخشى منه أو يفزع منه، وهذا لا شك أنه يقلل أهمية الكسوف في قلوب الناس، فإذا قام أحد بعد صلاة الكسوف ووعظ فيكون في هذا خير. ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي في صلاة الكسوف أن تكون كل ركعة أقصر مما قبلها، كل قراءة وركوع تكون قصر مما قبله لهذا الحديث؛ ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي الحكمة في التشريع ومراعاة أحوال الناس، لكن بدون أن نهدر الأمر المشروع، وأنه فيما يظهر لنا أن تخفيف الرسول- ﵊ كل ركعة عما قبلها من أجل مراعاة أحوال الناس. ويستفاد منه أيضا: وجوب الرفع من الركوع ومن السجود، وأنه أمر لا بد منه، ووجوب الركوع والسجود، لكن الركوع الثاني من كل ركعة عند أكثر أهل العلم سنة وليس بواجب. روايات في كيفية صلاة الكسوف: ٤٨١ - وعن علي ﵁ مثل ذلك. ٤٨٢ - وله عن جابرٍ ﵁: "صلى ست ركعاتٍ بأربع سجداتٍ". ٤٨٣ - ولأبي داود: عن أبي كعب ﵁: "صلى، فركع خمس ركعاتٍ وسجد سجدتين، وفعل في الثانية مثل ذلك". كم يكون الجميع إذا كان خمس في الأولى، وخمس في الثانية؟ عشرة، وذكر الفقهاء أنه يجوز إلى ست يكون ركوعين وثلاثًا، وأربعًا، وخمسًا وستًا؛ لأن هذه وردت عن الصحابة- ﵃، ومثل هذا من المرفوع حكمًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه؛ ولهذا قال أهل العلم: إذا فعل الصحابي فعلًا يتعبد به لله فليس للرأي فيه مجال فيكون له حكم الرفع، ومثلوا بصلاة علي ﵁ في الكسوف، ثلاث ركوعات في كل ركعة فيكون الجميع ستا. المهم: هل هذا على سبيل التخيير والتشهي، يعني: كونه يزيد على ركوعين في كل ركعة

стр. 1009

هل هو على سبيل التخيير والتشهي، أو أنه ينبغي أن ينظر الإنسان لمقتضى الحال؟ إذا كان الكسوف قد بدأ يضمحل فإنه يجعل ركوعين في كل ركعة، وإن كان الكسوف في أوله ولاسيما أننا في الوقت الحاضر نعلم أنه سيبقى ساعتين، أو ثلاثًا فإننا نزيد في الركوعات، نعم يمكن أن يقال بهذا، لكن الذي أختاره: أن نقتصر على المرفوع الصحيح وهو أربع ركوعات في ركعتين وأربع سجدات. الدعاء عند هبوب الريح: ٤٨٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "ما هبت الريح قط إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمةً، ولا تجعلها عذابًا". رواه الشافعي والطبراني. قوله: "هبت" يعني: تحركت، وقوله: "قط" هذه- كما مضى- ظرف مبني على الضم في محل نصب، وقوله: "إلا جثا" بمعنى: برك، وقوله: "على ركبتيه" يعني: برك على ركبتيه، هكذا وهذه صفة الخائف من الشيء يبرك على ركبتيه، يكون كالمستلقي في الصلاة، لكن ينزل ظهره. قوله: "اللهم اجعلها رحمة"؛ اجعلها أي: هذه الريح، وعلى هذا فهي مؤنثة كما جاءت في القرآن: ﴿ريح فيها عذب أليم﴾ [الأحقاف]. فهي لفظها مذكر لكن معناها مؤنث، "ولا تجعلها عذابًا"؛ لأن الرياح بعضها رحمة وبعضها عذاب. واعلم أن الرياح من آيات الله كما قال الله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ... ﴾ إلى قوله: ﴿وتصريف الريح﴾ [البقرة: ١٦٤]. فتصريف الرياح من آيات الله يصرفها شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، تصريف في الجهة، يصرفها في الحركة والاندفاع، بعضها شديدة وبعضها خفيف، يصرفها في المصالح والمضار، يصرفها في الحر والبرد، يصرفها في الارتفاع والانخفاض ... إلى غير ذلك مما لا نعلمه، تصريف هذه الرياح من آيات الله بلا شك، لو اجتمعت جميع ماكينات العالم على أن تجعل الرياح من جهة محدودة مثل تلك الرياح العاصفة لا يستطيعون، ولكن من له القدرة على كل شيء يفعل ذلك- ، ففي هذه الرياح آيات عظيمة من آيات الله، وهي تأتي بالخير وتأتي بالشر، ولهذا ثبت في صحيح مسلم- وليت المؤلف جاء به- من حديث عائشة أن الرسول- ﵊ كان

стр. 1010

يقول: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به"، فهنا تجد أن الرسول ﷺ قد استعاذ من ثلاثة أمور: شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، وهذه لها معان مختلفة: "شرها" هي بنفسها، لأنها قد تحدث شرًا على الإنسان، إما عامًا أو خاصًا، و"شر ما فيها" قد تحمل أشياء أوبئة تحملها معها فتأتي بها إلى الناس، "وشر ما أرسلت به"؛ لأنها قد ترسل عذابًا تدمر، وأما "أسألك خيرها ... إلخ" فهو على ضد قوله" "أعوذ بك من شرها ... إلخ". وقد مر علينا أن الرسول ﷺ نهى عن سب الريح. وأنه لا يجوز للإنسان أن يسب الريح؛ لأنها مرسلة مأمورة، فسبها سب لمن أرسلها- فلا يحل لأحد أن يسب الريح مثل: أن يلعنها أو يسبها بوصف عيب أو ما أشبه ذلك، ولكن إذا قال: ريح شديدة مدمرة فهذا صحيح؛ لأن الله وصف ريح عاد بأنها: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وأكثر ما جاء في القرآن الرياح بالجمع عندما تأتي بالخير كالمطر كقوله: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلدٍ ميتٍ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور﴾ [فاطر: ٩]. قوله: ﴿وهو الذي أرسل الرياح ... ﴾ [الفرقان: ٤٨]. وعندما تأتي ريح بلفظ مفرد غالبًا يكون ذلك عندما تأتي بالشر والعذاب كقوله تعالى: ﴿ريح فيها عذاب أليم﴾ [الأحقاف: ٢٤]. ﴿إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١] لكن قد تأتي الريح مفردة لكنها توصف بما يدل على الخير مثل قوله: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. لأن الفلك لا يناسبها الرياح، الذي يناسبها الريح الواحدة؛ لأن الرياح تعرقل سيرها، وكانت الفلك شراعية تمشي على حسب الهواء، فلو تصرفت الرياح لكان ذلك عائقًا لها عن سيرها، فإذا جاءت ريح واحدة وكانت طيبة صار هذا أتم للنعمة. وقوله هنا: "ما هبت الريح إلا جثا"- إن صح الحديث- المراد: الهبوب الشديد؛ ولهذا في صحيح البخاري. "أنه إذا عصفت الرياح عرف ذلك في وجهه"، وعلى هذا فيكون هنا "هبت" إذا صح الحديث، "ويجثو على ركبتيه" معلوم أنه لا يجثو إلا بأفعال في نفسه، فإذا كان لا يعرف في وجهه عن الريح شيئا إلا إذا عصفت دل على أن المراد بقوله هنا: "إذا هبت" يعني: هبوبًا عاصفًا، أما الهبوب المعتاد فإن الرسول- ﵊ لا يفعل فيه هذا. وفي هذا الحديث دليل على شدة مخافة الرسول ﷺ من ربه وعقابه، ولهذا كان إذا رأى

стр. 1011

سحابًا أو غيمًا صار يقبل ويدبر ويدخل ويخرج، فتقول له عائشة: يا رسول الله، الناس إذا رأوا ذلك قد يستبشرون، فقال: "يا عائشة، وما يؤمنني أن يكون في ذلك عذاب"، قد عذب قوم عاد بالريح، لما رأوا الريح مقبلة ماذا قالوا؟ ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. ما ظنوا أنه ريح تدمرهم فقال الله تعالى: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (٢٤) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥]. نسأل الله العافية. فالحاصل: أن كل من بالله أعرف كان منه أخوف؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى ذنوبه وإلى تقصيره خاف من الله ، ولولا أن الإنسان يعتمد على خوف الله وسعة رحمته وإحسانه لهلك، لكن يرجو ويخاف، إن نظر إلى عفو ربه وسعة فضله وإحسانه رجع، وإن رأى تقصيره قال: إني خائف، وفي الحقيقة لا تنظر إلى تقصيرك باعتبار زمانك؛ لأنك إن نظرت إلى تقصيرك باعتبار زمانك قد يؤدي بك ذلك إلى أن تعجب بنفسك؛ لأنك قد ترى كل من حولك أقل منك في عبادة الله، لكن انظر إلى تقصيرك بالنسبة إلى من سبقك، انظر إلى حال النبي- ﵊ وحال الصحابة، عمر ﵁، لما سمع القارئ يقرأ﴾ إن عذاب ربك لواقع (٧) ما له دافع﴾ [الطور ٧ - ٨]. مرض حتى صار يعاد من خوفه من الله ، ونحن تمر على قلوبنا هذه وكأنها قطعة ثلج، فأنت إذا أردت أن تعرف قصورك وتقصيرك فانظر إلى حال من سبقك، أما إذا نظرت إلى حال زمانك فقد يحملك ذلك أن تقول: أنا من أولياء الله، وهذا غلط؛ لأن الكل عباد الله الذين فيما سلف والذين في وقتنا هذا، كلهم عباد الله، يجب أن يتعبدوا لله بما شرع، ونحن إذا ظرنا إلى حال الصحابة والتابعين وجدنا أن بيننا وبينهم كما بين الثرى والثريا، وعرفنا تقصيرنا تمامًا، المهم: أن الرسول ﷺ كان يخاف وكان يفعل هكذا. وقال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا"، تكون الريح رحمة؟ نعم، ما الدليل؟ ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ [الأعراف: ٥٧]. وتكون عذابًا: ﴿وفي عادٍ إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١]، ﴿وأما عاد فأهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ﴾ [الحاقة: ٦]. ريح لها صوت باردة والعياذ بالله عاتية قوية ﴿سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ حسومًا﴾ [الحاقة: ٧]. متتابعة قاطعة والعياذ بالله، والعذاب يأتي صباحًا: ﴿فأتبعوهم مشرقين﴾ [الشعراء: ٦٠]: آل فرعون، ولوط أهلكوا قومه صباحًا قال تعالى: ﴿أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ [الحجر: ٦٦]. ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ [هود: ٨١]. لأن الإنسان إذا أصبح وأمن العقوبة بالليل قال: راح كل شيء، فيأتيه العذاب في الوقت الذي يكون فيه آمنا من الوقت الآخر الناس يخافون العذاب والسطو بالليل فإذا أصبحوا أمنوا فيأتيهم العذاب في الوقت الذي يكونون فيه آمن ما يكون، نسأل الله العافية. والحاصل: أن الله أرسل هذه الريح على عاد فدمرتهم، لأن عادًا ماذا كانوا يقولون:

стр. 1012

﴿من أشد منا قوة﴾ فقال الله : ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً﴾ [فصلت: ١٥]. وتأمل قوله: ﴿الذي خلقهم﴾ يعني: أنهم مخلوقون مربوبون مغلوبون مقهورون، أهلكوا بألطف الأشياء وهي الريح التي صارت تأخذ الواحد منهم إلى السماء ثم ينقلب فيقع في الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية نعوذ بالله، وفرعون كان يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته، فبماذا أهلك؟ بنظيرها أي: بجنسها، أهلك بالغرق، فهذه سنة الله نسأل الله أن يحمينا وإياكم من عذابه. قال: ﴿ولا تجعلها عذابًا"؛ لأن الله قد يجعلها عذابًا، ثم اعلم أن هذه الرياح وإن كان لها أسباب طبيعية لكن الذي خلق أسبابها الله ، فيكون الله تعالى يحدث أسبابًا قد يعلمها بعض الناس وقد لا يعلمها، تكون منها هذه الرياح شديدة لتدمر من شاء الله أن تدمره، ولقسوة قلوبنا وعتو نفوسنا في الوقت الحاضر إذا جاءت مثل هذه الأعاصير العظيمة ماذا نقول؟ نقول: تقلبات الطقس، ما يضيفون هذا الأمر إلى الرب ، ولا يخشون ولا يخافون، لكن القلوب قاسية، هذا الحجر لا ينفع إلا أن يضربه السندان حتى يكسره، أما إذا فعلت شيئا حوله فهو قاس لا يلين، نسأل الله أن يلين قلوبنا، وهذا من جهلنا في الحقيقة. حكم الصلاة للزلازل: ٤٨٥ - وعنه ﵁: "أنه صلى في زلزلة ست ركعات، وأربع سجدات، وقال: هكذا صلاة الآيات". رواه البيهقي. وذكر الشافعي عن عليٍ بن أبي طالبٍ ﵁ مثله دون آخره. "عنه" من؟ ابن عباس، "صلى في زلزلة"، الزلزلة: رجة الأرض، والله تعالى قد يزلزل الأرض وتهلك وتدمر، هذه الزلزلة في لحظات تدمر آلاف الناس، وآلاف المساكن، ولو أن الإنسان تصور كيف يكون بهذه الزلزلة التي مثل الشرارة كأنها شرارة من سرعتها وتحدث هذا الأمر العظيم، أنا أذكر قبل سنوات حدث زلزال في إيران دمر خمسًا وعشرين مدينة، وأكثر من مائتين قرية، وأكثر من خمسة وعشرين ألفا ماتوا في لحظة، والذي حصل في اليمن قبل عدة سنوات قال الذين وصفوه: ما حسبنا إلا أن القيامة قامت حتى خرج الناس والأم ذاهلة عن طفلها فزعا مع أنها أقل من ثانية، هذا فعل الله إذا شاء، هذه الزلزلة من آيات الله يخوف الله بها عباده، فهل يصلى لهذه الآية أو لا يصلى؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: لا يصلى لها؛ وإنما يصلى للكسوف خاصة؛ لأنه الذي ورد به النص، والنبي- ﵊ قال: "آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده"، مع أننا نجد في عهد الرسول- عليه

стр. 1013

الصلاة والسلام- هبت الرياح والرعود وغيرها ومع ذلك ما كان يصلي غير الكسوف، لدل هذا على أنه لا يصلى إلى للكسوف. وقال بعض أهل العلم: يصلى للكسوف وللزلازل لورود ذلك عن الصحابة في الزلازل، والصحابي فعله حجة إذا لم يخالفه غيره. وقال آخرون: بل يصلى لكل آية إلا ما ورد له سنة معينة فيقتصر فيه على ما ورد، فمثلا الريح ورد بها سنة معينة وهي الاستعاذة منها وسؤال خيرها فلا يصلى لها، ولكن غيرها من الأشياء التي تخوف العباد يصلى لها، مثل لو فرض أن الله أرسل صواعق وصارت الصواعق متتالية دائمًا دائمًا دائمًا في زمن من الأزمان هذا يرعب أشد من إرعاب الكسوف، فمثل هذا يصلى له، قال الفقهاء: وكذلك لو وجد ضياء في الليل أكثر من العادة بدون قمر فإن هذا مرعب؛ لأنه على خلاف العادة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ قال: لأن العلة: "آيتان يخوف الله بهما عباده"، تدل على أن كل ما كان كذلك فإنه يصلى له، ولكن المشهور من المذهب أنه لا يصلى إلا للزلازل فقط لورودها عن الصحابة- ﵃. * * * ١٦ - باب الاستسقاء "الاستسقاء": طلب السقيا، وهي من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي: باب الصلاة التي سببها طلب السقيا، وطلب السقيا لا يكون إلا من الله ، لأن الله تعالى هو وحده الذي ينزل الغيث، واعلم أنه كما ثبت في صحيح مسلم: "ليس السنة ألا يمطر الناس ولكن السنة أن يمطروا فلا تنبت الأرض". نسأل الله العافية؛ لأنه قد يأتي المطر وتنبت الأرض ببركة من الله ، وقد يأتي المطر ولكن لا تنبت الأرض، وهذا مشاهد أحيانًا، وعليه فإننا إذا طلبنا السقيا من الله نطلب السقيا مع كونها غيثًا، والغيث هو: ما تزول به الشدة. والاستسقاء له عدة أوجه؛ منها: دعاء الناس أفرادًا كلٍّ يدعو مثلًا في الصلاة، يدعو في أي مناسبة، ومنها: الاستسقاء في خطبة الجمعة كما في حديث أنس، ومنها: الاستسقاء في أي مكان، أن يطلب من أحد أن يدعو الله تعالى بالسقيا، وقد طلب الصحابة من الرسول- ﵊ أن يستسقي لهم مرة من المرات فقال: "اللهم أغثنا، حتى يقوم أبو لبابة فيسد ثعلب مربده بردائه". فأمطرت السماء وكثر المطر وخاف الناس، فماذا قالوا؟ لا يمكن أن

стр. 1014

يتوقف المطر حتى يذهب هذا الرجل ويسد ثعلب مربده بردائه، "ثعلب المربد": الشق الذي يدخل معه المطر، فذهب فسد ثعلب المربد بردائه، فما إن سده حتى توقف المطر هذا من بركات النبي- ﵊. ومن آيات الله إذن الاستسقاء باب السقيا وهو على أوجه منها أن يدعو الناس أفرادًا، ومنها: أن يدعى في خطبة الجمعة، ومنها: أن يدعى في أي مكان مما يسأل فيه الإنسان أن يستسقي، ومنها- وهو الرابع- الصلاة وهو أن يخرج إلى المصلى ويستسقي للناس. صفة صلاة الاستسقاء والخطبة لها: ٤٨٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: "خرج النبي ﷺ متواضعًا، متبذلًا، متخشعًا، مترسلًا، متضرعًا، فصلى ركعتين، كما يصلي في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه". رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وأبو عوانة، وابن حبان. "خرج النبي ﷺ متواضعًا" يعني: في ضعة، ما معه جمهور يمشون بين يديه، ولا عن خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن شماله، ولا لبس اللأمة ولا حمل السيف، إنما خرج متواضعًا- ﵊، وهل خرج متجملًا بثيابه؟ لا، ولهذا قال: "متبذلًا" يعني: ليس عليه إلا لباسًا عاديًّا؛ لأن هذا ليس يوم فرح كيوم العيد حتى يخرج متجملًا، إنما هو يوم تضرع واستكانة وطلب وحاجة وفقر، فخرج- ﵊ متبذلًا، "متخشعًا" يعني: ظاهرًا عليه الخشوع على هيئته وحركته ومشيته وعلى قلبه من باب أولى، إذا خشع القلب خشعت الجوارح، "مترسلًا" يعني: في مشيه لا يسرع، وهذا ترسل أكثر مما كان يعتاد- ﵊، "متضرعًا" إلى من؟ إلى الله ، يعني: مظهرًا للحاجة والفاقة والفقر لله- ، وهذا الأخير لا يعلم إلا بإخبار الرسول- ﵊ لأن محله القلب، فالظاهر: أن ابن عباس ﵄ علم هذا من إخبار الرسول- ﵊ له. "فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه"، قوله: "فصلى ركعتين كما يصلي في العيد" يعني: يكون فيهما تكبير زائد؛ لأنه لم يقل: ركعتين وسكت، بل قال: "ركعتين كما يصلي" "الكاف" للتشبيه، و"ما" مصدرية، و"يصلي" فعل مضارع، والمضارع منسبك بـ "ما" المصدرية فيؤول مصدرًا والتقدير: كصلاته في العيد، وقوله: "لم يخطب خطبتكم هذه" يشير إلى خطبة لا نعلمها في الحقيقة ولا فسرها الشراح، وكأنهم بعد عهد الرسول- ﵊-

стр. 1015

صار الخطباء يأتون بخطب إما أنها مملة، وإما أن فيها أدعية مثلًا غير مناسبة ما نعرف، المهم: أنه لم ينف الخطبة مطلقًا، وإنما نفى الخطبة التي تشبه خطبة هؤلاء، وعلى هذا فلا يكون في هذا الحديث دليل على أن الرسول لم يخطب. يستفاد من هذا الحديث: أولًا: مشروعية الخروج لصلاة الاستسقاء لقوله: "خرج". الثاني: أنه ينبغي أن يكون على هذه الصفة متواضعًا متبذلًا متخشعًا مترسلًا متضرعًا، هيئة الفقير المسكين المستجدي، لا هيئة الفرح الذي يلبس الثياب الجميلة ويتطيب وما أشبه ذلك. ومن فوائد الحديث: مشروعية صلاة الركعتين في الاستسقاء، وأن تكون على صفة صلاة العيد؛ لقوله: "فصلى ركعتين كما يصلي في العيد"، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلى، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصلي ركعتين كالعادة، ولكن الصواب ما دل عليه الحديث، وأن بعض أهل العلم إلى أنه يصلي ركعتين كالعادة، ولكن الصواب ما دل عليه الحديث، وأن الألفاظ التي- تأتينا إن شاء الله- في الأحاديث مطلقة- مثل: "صلى ركعتين"- تحمل على هذا المقيد. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن تكون الخطبة مختصرة ملخصة مفيدة لقوله: "لم يخطب كخطبتكم هذه". ومنها: مشروعية الخطبة، كيف ذلك مع أن ابن عباس نفى؟ لا، ابن عباس نفى الصفة، ونفي الأخص يستلزم وجود الأعم. هذه قاعدة مفيدة؛ ولهذا قلنا: إن قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]. تدل على أن الله يرى؛ لأن نفي الأخص يقتضي ثبوت الأعم. فعلى هذا نقول: هذا يدل على ثبوت الخطبة، لكن ليست كخطبة هؤلاء. ومن فوائد الحديث: أن التغير- تغير الناس- قد ظهر منذ عهد الصحابة لقوله: "كخطبتكم هذه". ومن فوائد الحديث: أنه يجب على أهل العلم أن يبينوا للناس ما خالفوا به السنة لقوله: "لم يخطب كخطبتكم هذه"؛ لأنه إذا لم يبين أهل العلم ما خالف فيه الناس السنة بقيت السنة مجهولة ثم يتوسع الأمر حتى تزول سنن كثيرة بسبب سكوت الناس، لكن هاهنا مسألة وهي أن بعض الناس يخذل أهل العلم في بيان الحق يقول: لماذا تبين والناس غير مستفيدين؟ هذا حرام، لا يجوز هذا الكلام؛ لأن هذا هو التخذيل عن الحق، والعلماء إذا بينوا الحق لو لم يكن من ذلك إلا أن الناس يعرفون أنهم على باطل سواء نفع أو لم ينفع لأن العلماء إذا سكتوا عما عليه الناس من مخالفة الحق ماذا يظن الناس؟ يظنون أن هذا صواب حق فيستمدون عليه ويستمرئونه لكن إذا رأوا الإنكار عرفوا أنهم ليسوا على حق، وهذا لو لم يكن من ذلك إلا هذه الفائدة لكان كافيا، فلا تستهن ببيان الحق أبدًا.

стр. 1016

الدعاء في صلاة الاستسقاء: ٤٨٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبرٍ، فوضع له بالمصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوةً وبلاغًا إلى حينٍ، ثم رفع يديه، فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابةً، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت". رواه أبو داود وقال: غريب، وإسناده جيد. "شكا" الشكاية معناها: رفع الشكوى، والشكوى هي: ذكر ما يتألم به الإنسان لمن يزيله مثل: الرجل يشكو إليك الفقر معناه يذكر لك هذا الفقر من أجل أن تزيله سواء أزلته بنفسك أو أزلته بوسيلة، الناس رفعوا إلى الرسول- ﵊ ما حل بهم لأجل أن يزيل هذا ليس بنفسه، ولكن بواسطة دعائه، وقولها: "قحوط المطر" قحوط هو: فحط مصدر قحط يقحط أو يقحط بمعنى: انحبس وامتنع، والمعنى: أن المطر تأخر واحتبس فشكوا للنبي ﷺ . قالت: "فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى"، المنبر مأخوذ من النبر وهو الارتفاع، وكل شيء مرتفع بالمعنى العام منبر، لكن المراد به هنا: المنبر الذي يصنع، والظاهر أنه صنع من خشب، وقولها: "بالمصلى" المراد به: مصلى العيد. "ووعد الناس يومًا يخرجون فيه"، ولم يعين أيوم الاثنين أو الخميس أو الأربعاء، لم يعين يومًا، لكن المهم: أن يعين ذلك اليوم للناس لأجل أن يستعدوا له ويخرجوا. "فخرج حين بدا" أي: ظهر وبدأ بالهمزة بمعنى ارتفع وشرع في الشيء ﴿والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾ [المائدة: ٩٩]. يعني: ما تظهرون، إذن بدا بمعنى: ظهر. وقوله: "حاجب الشمس" قالوا: إنه ضوء الشمس، فسمي ضوؤها حاجبًا؛ لأنه يحجب قرصها عن النظر هكذا ذكره في القاموس، فيكون حاجب هنا بمعنى الضوء، وإن كان يتبادر إلى الذهن أن المراد بحاجب الشمس: قرصها، وأن الحاجب بمعنى محجوب، أي: بدا محجوبها بالأفق وظهر، ولكن الذي في القاموس: أن الحاجب هو الضوء وهذا يقتضي أن الشمس ارتفعت حتى صار لها شعاع يمنع من رؤية قرصها.

стр. 1017

تقول: "فقعد على المنبر .. إلخ"، إذن الخطبة قبل الصلاة، "فكبر وحمد الله"، يعني: قال: الله أكبر، "وحمد الله"، يعني: قال أحمد الله، أو الحمد لله، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم"، وتأمل أول الحديث تقول: "إنهم شكوا قحوط المطر"، وهنا قال النبي- ﵊: "إنكم شكوتم جدب دياركم"؛ لأن العبرة بجدب الديار لا بالمطر، فالمطر قد ينزل وتجدب الديار، وجدبها بمعنى: المحل وعدم خروج النبات؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "ليس السنة ألا تمطروا إنما السنة أن تمطروا فلا تنبت الأرض شيئا". ولهذا بين الرسول ﷺ الشيء الذي هو المقصود وهو جدب الديار. قوله: "وقد أمركم الله أن تدعوه"؛ لقوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعواه الداع ... ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفيةً إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥]. والآيات كثيرة، وقوله: "أمركم الله أن تدعوه"، "ووعدكم أن يستجيب لكم" أين الوعد؟ ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾، ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب﴾، فالأولى أمر والثانية خبر، وكلاهما لا يتخلف ما دام الله قد وعد به؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد لتمام علمه وقدرته. وقوله: "ووعدكم أن يستجيب لكم" هل هذا على إطلاقه؟ الجواب: نعم على إطلاقه، لكن لا بد له من شروط، ثم الاستجابة لا يلزم أن تكون عين المدعو به، فقد يستجيب الله له بأشياء أخرى فمثلًا قد يستجيب ما طلب وقد يرفع عنه من السوء مثله أو أعظم، وقد يدخر ذلك له إلى يوم القيامة حسب ما تقتضيه حكمته- إنما الأصل أنه يستجيب ما دعا به الإنسان، ثم قال النبي- ﵊ بعد أن هيأ النفوس للدعاء، وهنا هيأها من وجهين: الوجه الأول: من ذكر حالهم، وأن بلادهم قد أجدبت، وهذا يقتضي حرص الإنسان على الدعاء؛ لأنه يكون دعاء المضطر. والوجه الثاني: من ذكر أن الله تعالى أمر بالدعاء والاستجابة، لما تهيأت النفوس شرع النبي- ﵊ في الدعاء، ثم قال: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين" بدأ بهذه الآيات الثلاث؛ لأنها أبلغ ما يثني به الإنسان على ربه، "الحمد لله" يعني: الوصف بصفات الكمال على وجه الاستغراق والشمول والاستحقاق والاختصاص ثابت لله، و"رب العالمين" يعني: خالقهم ومالكهم ومدبرهم، و"العالمون" كل من سوى الله، وهنا ذكر الربوبية بعد الألوهية لتلازمهما؛ لأن كل من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ثم قال:

стр. 1018

"الرحمن الرحيم" يعني: ذو الرحمة الواسعة الواصلة، الرحمة الواسعة من الرحمن، والواصلة من الرحيم، وكلاهما يدل على الرحمة، وفي ذكر هذين الاسمين الكريمين بعد قوله: "رب العالمين" إشارة إلى أن هذه الربوبية مبنية على الرحمة، ولهذا قال: "الرحمن الرحيم"، ثم قال: "مالك يوم الدين" مالك وملك قراءتان سبعيتان، فهو سبحانه ملك ومالك، وهاتان القراءتان- كما مر- كل واحدة منهما تفيد معنى لا تفيده القراءة الأخرى، فيتركب من مجموعهما معنى كامل وهو أنه- ملك ومالك، ذلك لأن المالك قد يكون مالكًا، وليس بملك، وهذا كثير الإنسان يملك بيته وسيادته ويملك ثوبه، وليس بملك، وقد يكون ملكًا وليس بمالك في الحقيقة هو ملك مدبر، يقوم بالتدبير لغيره، فيكون اسمه ملك ولكن حقيقته أنه ليس بمالك لأنه مدبر، أما الرب فإنه ملك مالك، و"يوم الدين" هذا يوم الجزاء وهو يوم القيامة. الرسول- ﵊ بدأ بهذه الآيات الثلاث التي في سورة الفاتحة، ثم قال: "لا إله إلا الله يفعل ما يريد"، قوله: "لا إله إلا الله" مر علينا معناها وإعرابها في عدة جلسات، وقلنا: إن إعرابها أن: "لا" نافية للجنس، وأن نفي الجنس نص في العموم، لأنها تنفي كل جنس، فإذا قلت: "لا رجل في البيت" معناه: لا يوجد أي رجل ولا رجال، لأنها تنفي ذلك الجنس، فهي أعم ما يكون من النفي، ولهذا قالوا: "إن "لا" النافية للجنس نافية للعموم، وأما "إله" فهي اسمها مركب معها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: "حق"، فيكون المعنى: لا إله حق إلا الله، وأما "إلا" فهي أداة استثناء "والله" بدل من الخبر المحذوف، وعلى هذا يكون إعرابها كما سمعتم، أما معناها فالمعنى أنه لا معبود حق إلا الله- ، وأما المعبود على وجه باطل فكثير. ثم قال: "يفعل ما يريد" هل شرعًا أو كونًا؟ إن أريد بالفعل ما فعله بنفسه فهو يفعل ما يريد شرعًا وكونًا؛ وإن أريد بالفعل فعل غيره فالمراد: الإرادة الكونية، وإن ما أرده شرعًا قد لا يفعله الغير. ثم قال: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت" "اللهم" يعني: يا الله، حذفت منها ياء النداء، وعوض عنها الميم وأخرت الميم للبداءة باسم الله، وصارت الميم لأنه أدل على الجمع، كأن الإنسان جمع قلبه على ربه حينما ناداه بهذا: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت"، "أنت الله" جملة خبرية وهي مفيدة للحصر؛ لأن طرفيها معرفتان، وقوله: "لا إله إلا أنت" كل هذا من باب التأكيد. "أنت الغني" أي: عن كل أحد، فهو- غني بذاته عن كل المخلوقات. فإن قلت: أليس الله قد استوى على العرش، ومعنى هذا أنه محتاج أن يستوي على العرش.

стр. 1019

فالجواب: أبدًا، هو مستوٍ عليه لكنه ليس محتاجًا إليه، بل العرش وغيره محتاج إلى الله- . وقوله: "أنت الغني ونحن الفقراء" توسل بغنى الله وفقرنا إلى مطلوبنا، "ونحن الفقراء" يقوله الإنسان ولو كان غنيًا؟ نعم، أليس في هذا جحد لنعمة الله؟ الجواب: لا؛ لأن المراد: الفقراء، يعني: إليك كما قال الله تعالى: ﴿يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٥]. "أنزل علينا الغيث" "أنزل" فعل دعاء، وإنما قال: "أنزل"؛ لأن الغيث يأتي من السماء، وقال: "الغيث" ولم يقل: المطر، لأنه- كما تقدم قبل قليل- قد ينزل المطر ولا يكون به الغيث، والغيث والغوث بمعنى: إزالة الشدة. "واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغًا إلى حين" قوة في ماذا؟ على طاعته، أي: في أبداننا وفي بهائمنا، لأن الغذاء يقوي البدن، فيكون قوة في أبداننا وفي بهائمنا، ويكون ذلك سببا لنا لطاعة الله- ، "وبلاغًا" ما معناها؟ تقدم لنا في حديث الثلاثة أن البلاغ ما يبلغ به الإنسان حاجته، فالمعنى: بلاغًا نبلغ به حوائجنا، وما نريد من النبات والماء؛ لأن الناس في حاجة إلى هذا الماء لأجل النبات ولأجل الشرب، فإن الماء الذي نشربه هو الماء الذي ينزل من السماء كما قال تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون (٦٨) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٦٩]. يقول: "واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغًا إلى حين، ثم رفع يديه فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه" رفع يديه مبالغة في الدعاء، لكنه بالغ حتى رئي بياض إبطيه، هذه دائما ترد علينا، فما معناها؟ لأن الإبط باطن لا يتعرض للشمس ولا للهواء فيكون أبيض، وليس المعنى: أن الرسول- ﵊ فيه شيء من البياض غير العادي. قالت: "ثم حول إلى الناس ظهره"، وإذا حول إلى الناس ظهره لزم أن يكون مستقبل القبلة، وقالت: "قلب رداءه وهو رافع يديه" يعني: استمر- ﵊ رافعًا يديه بعد قلب الرداء، "ثم أقبل على الناس ونزل وصلى ركعتين، فأنشأ الله سحبة فرعدت وبرقت ثم أمطرت" هذا نوع من أنواع الاستسقاء. ونأخذ من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أنه يجوز للإنسان أن يشكو إلى أهل الصلاح ما نزل في ديارهم من القحط والجدب ليدعو الله بالغيث، من أين يؤخذ؟ من شكاية الناس لرسول الله ﷺ ، ولكن هذا يرد عليه ما قاله الشاعر: [الكامل] وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

стр. 1020

كيف تشكو؟ والجواب: أن الصحابة ما شكوا الله إلى الرسول، إنما شكوا الجدب لأجل أن يتوصلوا بدعاء الرسول- ﵊ إلى إزالته من قبل الله- فليس هذا من باب شكوى الخالق للمخلوق، ولا أحد يشكون الخالق للمخلوق إلا سفيها. ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإمام أن يعد الناس يومًا معينًا للخروج إلى صلاة الاستسقاء لقوله: "فوعدهم يومًا يخرجون فيه"، وهل يأمرهم بالصوم؟ الصحيح: لا، وقال بعض الفقهاء: إنه ينبغي أن يأمرهم بالصوم، وأن يجعل خروجهم في اليوم الثالث من صومهم، وعللوا ذلك بأن دعوة الصائم مستجابة، وأنه يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فيحصل لهم بذلك الصيام قرب الإجابة، ولكن هذا القول ضعيف، ووجه ضعفه: ما سبق لنا مرارًا من أن الشيء إذا وجد سببه في عهد الرسول ﷺ ولم يذكر فيه سنة فالسنة تركه؛ لأن السنة فعل وترك، فالرسول- ﵊ لم يأمر الناس بأن يصوموا، بل وعدهم يومًا يخرجون فيه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن يخطب في صلاة الاستسقاء على منبر خلاف صلاة العيد: "فأمر بمنبر فوضع له". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن تكون صلاة الاستسقاء في مكان صلاة العيد لقوله: "بالمصلى". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن تكون صلاة الاستسقاء في أول النهار لقولها: "حين بدا حاجب الشمس"، وهل هذا وقت لازم بحيث لا تصح فيه غيره؟ لم يرد عن النبي- ﵊ فيما أعلم أنه استسقى بصلاة بعد أوقات النهي، وعلى هذا فيجوز أن يستسقى بعد الظهر في الليل، هكذا قال أهل العلم، ولكن لا شك أن السنة والأفضل أن يكون أول النهار كما فعل الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن صلى صلاة الاستسقاء أن يذكر الناس بما يجلب هممهم واستعدادهم للدعاء، وهذا يؤخذ من قوله: "شكوتم جدب دياركم". ومن فوائد هذا الحديث: تذكير الناس بما ذكر الله لقوله: "وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم". ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات الأمر والوعد من الله أي: وصفه بأنه آمر، وأنه واعد، لكن لا يسمى به؛ لأن باب الصفة أوسع من باب التسمية، فإن الله تعالى يمكن أن يوصف بكل فعل فعله على الوجه الذي ذكره عن نفسه، وأما التسمية فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي بداءة الخطب بالحمد لقولها: "ثم قال: الحمد لله رب العالمين".
следующие страницы →