← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الغيب، وعلم المستقبل من علم الغيب، ولا يمكن إلا أن يكون بوحي من الله تعالى. وقوله: ((الحرير)) معروف، هو عبارة: عن أسلاك تنسج منها الثياب، أتدرون من أين تأتي هذه الأسلاك من دويدة- حشرة صغيرة- تسمى دودة القز، بإذن الله تخرج منها هذه الأسلاك فتطويها على نفسها حتى تبلغ الكبر وتموت، ثم يأتون يأخذونه، وإذا أردت أن تعرف كمال قدر الله انظر الآن التي يسمونها أم العنكبوت، ألقها وأنت قائم واقف إذا ألقيتها في الحال يخرج منها خيط يمسكها حتى لا تقع على الأرض، وهو أملس ما يكون! سبحان الله! ثم يمتد إلى أن تصل إلى الأرض بسلام، أعظم من البرجوات، أحيانًا إذا رأت أن المدى بعيد رجعت وصعدت مع هذا الخيط وقد شاهدناها، فيكون هذا الخيط- بإذن الله- ممسكًا لها أن تقع على الأرض، ويكون عمودًا لها تصعد عليه، ثم انظر أيضًا إلى ما تنسجه في الجدار أو السقف، ولا تستيعد في دودة القز، ((الحرير)) هذا هو الحرير الأصلي، أما الحرير الصناعي فلا يدخل في هذا، وسيأتي في الفوائد هل يجوز لبسه للرجل أو لا يجوز؟ نكمل الحديث لأنه مهم: ((الخمر)) تقدم أنه كل ما خامر العقل؛ أي: غطاه على سبيل اللذة والطرب، يعني: يمارسونه بيعًا وشراء وتأجيرًا وشربًا ممارسة المستحل له، حتى كأنه شراب، وهل حدث هذا؟ نعم، حدث هذا، فإن هذا موجود في البلاد التي هي بلاد إسلامية توجد فيها حانات الخمور، بل قيل لي: إنك إذا جلست في قهوة يأتون لك ما تطلب ويأتون بجرة الخمر معها- نسأل إله السلامة والعافية- وهذا من أخطر ما يكون على الأمة إذا وجد فيها مثل هذا العمل. أما الأمر الرابع فهي: ((المعازف)) وهي جمع معزف، وهي آلة العزف التي يعزف بها، قال العلماء: وتشمل جميع آلات الملاهي إلا ما استثنى منها وهو [الدف] في مناسبات معينة جاءت بها الشريعة، وإلا فالأصل أن جميع آلات العزف محرمة، وانظر كيف قرن النبي- ﵊ هذه الأربع بعضها ببعض؛ لأنها في الغالب إنما تكون من المترفين الذين لا يبالون ليس لهم همُّ إلا أن يشبعوا رغباتهم من المأكول والمشروب والملبوس والنكاح، وهي أيضًا في نفس الوقت متلازمة في الغالب، ولهذا يقال: إن الغناء رقية الزنا؛ أي: أنه مثل المرقاة له، أو أنه رقية يعني: مثل الذي يقرأ به حتى يأتي ويحصل، حتى إن بعض أهل المجون- والعياذ بالله- يقولون: إذا راودت امرأة وأبت فغنِّها، فإنك إذا غنيتها لانت ومكنتك من نفسها، وهذا شيء معروف؛ لأن هذه الألحان- ألحان الغناء- تؤثر في الإنسان حتى الجماع- والعياذ بالله- فترقق له الزنا واللواط؛ لأن كثيرًا منها- نسأل الله العافية- مشتمل على الغزل والدعوة إلى الفساد والحب والغرام، وما أشبه ذلك وهي مع كونها مدعاة لفساد الأخلاق، وهي- والله-

стр. 1052

مفسدة للقلوب؛ لن الإنسان إذا ابتلى بها انصرف قلبه عن الله، قال ابن القيم في النونية: حبُّ الكتاب وحبُّ ألحان الغنا ... في قلب عبدٍ ليس يجتمعان تجد المفتونين بالغناء- والعياذ بالله- أحيانًا يمشون أمامك وتجده يعزف بأصابعه يغني؛ إما بقلبه، وإما بلسانه، وقال الإمام أحمد: الغناء لا يعجبني ينبت النفاق في القلب، وروي عن بعض الصحابة مثله هذا القول، لأن الإنسان- والعياذ بالله نسأل الله تعالى أن يشفي قلوبنا وقلوبكم بذكره- إذ غفل عن ذكر الله تسلط عليه الشيطان، فالقلب إما حي نير بذكره الله تعالى، وإما مظلم ميِّت بغفلته عن الله ولا شك أن الإنسان إذا ابتلى بالمعازف والغناء أنه يصده عن ذكر الله حتى أن ابن مسعود فسر قوله تعالى" ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علمٍ ويتخذها هزوًا﴾ [لقمان: ٦]. قال: ((والله الذي لا إله غيره إنه الغناء))، فعلى هذا يتبين حكمة النبي ﷺ في قرن هذه الأمور الأربعة بعضها ببعض؛ لأنها في الغالب متلازمة. في هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أن فيه آية من آيات النبي ﷺ من أين تؤخذ؟ من قوله: ((ليكونن)). ومن فوائده: تحريم الزنا. ومن فوائده أيضًا: تحريم الحرير. ومن فوائده: أن الحرير حرام على الرجال والنساء. ومن فوائده: تحريم الخمر لقوله: ((يستحلون)) معناه: أن الخمر حرام، وهو واضح مجمع عليه. ومن فوائده: تحريم المعازف. ومن فوائده أيضًا: أن الدف حرام لأنه من المعازف، فإننا نأخذ بالدليل العام حتى يوجد مخصص. لو قال قائل: إن الأشياء الأربعة حرام على الرجال، لأنه قال: ((ليكونن أقوام))؟ فالجواب: أنها إذا أطلقت شملت الجميع. ويستفاد من هذا الحديث: أن المستحلين لهذه الأشياء الأربعة كثيرون، يؤخذ من قوله: ((أقوام))؛ لأنها جمع قوم، أصل القوم جماعة بمعنى جماعات. المؤلف ساق هذا لحديث في هذا الباب ليبين تحريم نوع من أنواع اللباس وهو الحرير. قلنا: إن الحرير الأصلي هذا هو الحرام، والحرير الصناعي هل هو حلال أم حرام؟ حلال لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿هو الَّذي خلق لكم مَّا في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ولكن مع ذلك ينبغي للرجل ألا يلبسه لسببين:

стр. 1053

السبب الأول: انه سبب لاتهامه بلباس الحرير، والإنسان ينبغي له أن يدفع عن نفسه ما تكون به التهمة؛ لأن أبعد الناس عن التهمة- وهو الرسول ﷺ قال لرجلين أنصاريين لما رأيا معه صفية: ((على رسلكما فإنها صفية)). مع أنه- ﵊ لا يمكن أن يتَّهم أبدًا، لكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، لكن قد توجد التهمة لمن لا يتهم. السبب الثاني: أنه إذا لبسه وهو يشبه الحرير الطبيعي ربما يقتدي به بعض الناس خصوصًا من لا يميزون التمييز الكامل بين الطبيعي والصناعي، ومعلوم أنه من كان سببًا للشر فإنه لا ينبغي للإنسان أن يتعرض له. فيه أيضًا سبب ثالث: لقولنا: لا ينبغي له أن يلبسه؛ لأنه إذا لبس هذا فإنه يكون مائعًا يوجب له الميوعة والميول إلى النساء، وربما إذا كان شابًا وسيمًا يكون سببًا للفتنة به. فعلى هذا نقول: إنه لا ينبغي للرجل أن يلبسه، ولكننا مع ذلك ما نتجاسر أن نقول: إنه حرام؛ لأن التحريم شديد جدًا حتى إن الإمام أحمد وغيره من السلف- ﵏ ما يطلقون الحرام إلا على ما نص على تحريمه، وإلا فهم يقولون: ينهى وما أشبه ذلك من العبارات التي يتحرزون فيها. تحريم لبس الحرير والجلوس عليه: ٤٩٨ - وعن حذيفة ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذَّهب والفضَّة وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والدِّيباج وأن نجلس عليه)). رواه البخاريُّ. بعض هذا الحديث سبق لنا في باب الآنية، وبعضه يختص بهذا الباب. قوله: ((آنية الذهب)) الآنية جمع إناء، وهي الأوعية التي تجعل فيها الأشياء، يقول: ((نهى أن نشرب في آنية الذهب)) الخالص أو الفضة الخالصة، ذهب وفضة جميعًا، أو ذهب ومعدن آخر غير الفضة، وهذا سبق لنا في باب الآنية. ثانيًا يقول: ((وأن نأكل فيها)) أي: آنية الذهب والفضة، لماذا؟ علل بعض أهل العلم بأن ذلك من باب الفخر والخيلاء، وعلل بعضهم بأنه إسرافٌ، وعلل بعضهم بأن في ذلك تغليقًا للنقدين؛ لأنهما دراهم ودنانير، فإذا اتخذت أواني ضاقت على الناس ولم يكن عندهم نقود، وعلل بعضهم ذلك بأن فيه كسرًا لقلوب الفقراء، الفقير الذي لا يجد ما يشرب إلا في الخزف يجد هذا يشرب في الذهب والفضة ينكسر قلبه، ولكن الرسول ﷺ عللها بعلة واضحة قال:

стр. 1054

بـ ((أنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة))، فهذه الميزة بين المسلمين والكفار، هؤلاء يتمتعون بها في الآخرة، والكفار يتمتعون بها في الدنيا، فهي ليست من أواني من يتقي الله ، مثل ما ذكر الرسول ﷺ في الحرير: ((إنه لباس من لا خلاق له)). وقال: ((إن هذا لا ينبغي للمتقين)). قال: ((وعن لبس الحرير)) هذا الشاهد لبس الحرير، والحرير تقدم لنا أنه نسج دود القز؛ هذا الحرير الطبيعي. ((والديباج)) وهو نوع من الثياب يكون لحمته من الصوف والقطن أو نحو ذلك، ويكون سداه من الحرير؛ يعني: تجده مثلًا أشجاره حرير لكن أصل الثوب ولحمته كلها من صوف أو قطن؛ أو ما أشبه ذلك، ولكن سيأتينا- إن شاء الله تعالى- أن الديباج المراد به: ما كان أكثر ظهورًا في الثوب، أو ما كان مجتمعًا في مكان واحد أكثر من أربعة أصابع يعني معناه أنه إذا وجد حرير مع غيره من المباح إن كان الحرير هو الأكثر ظهورًا فهو حرام، وإن كان ليس أكثر ظهورًا بل الأكثر الآخر ويكون مجتمعًا في مكان أكثر من أربعة أصابع فهو حرام، فمثلًا الثوب الموشي بالحرير إذا كان ظاهره من الحرير أكثر يكون حرامًا اعتبارًا بالأكثر، وإن كان ليس فيه نقطة أو نقطتين أو ثلاثة متفرقة والأكثر خلاف الحرير، فإن ذلك يكون مباحًا. وقوله: ((وأن نجلس عليه)) حتى وإن لم نلبسه، فقوله: ((عن لبس الحرير والديباج))، هذا يستثنى منه النساء كما سيأتي- إن شاء الله تعالى- لحاجتهن إلى التزين والتجمل لأزواجهن، وفي الحقيقة: أن الرخصة في لبس الحرير للنساء كما هو مصلحة للمرأة فهو مصلحة للزوج أيضًا، فيكون مصلحة للرجال وللنساء، لكن لما كانت المرأة أحق أن تتزين بمثل هذه الثياب صار حلالًا في حقها دون الرجل. وقوله: ((أن نجلس عليه)) هل هذا خاص بالرجال أو عام للرجال والنساء؟ فيه خلاف فقال بعض أهل العلم: إنه للرجال والنساء، وأن المرأة إنما أبيح لها أن تلبس الحرير للتجمل، والفراش منفصل عنه، فلا فرق بينها وبين الرجل في عدم حاجتها إلى الفراش من الحرير، وقال بعض العلماء: بل إنه خاص للرجال وأن للنساء أن يجلسن على الفرش من الحرير لعموم الحدي؛ ولأن الجلوس يسمى لبسًا، كما في حديث أنس: ((قمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس)). في إحدى الروايات وفي بعض ألفاظه: ((من طول ما لبس))، لكن على اللفظ الأول يكون الجلوس على الشيء نوعًا من اللباس، فمن نظر إلى عموم اللفظ في حل الحرير للنساء قال:

стр. 1055

إن جلوسهن عليه حلال؛ لأن هذا نوع من الاستعمال فهو كالثوب، ومن نظر إلى المعنى الذي من أجله أبيح للنساء الحرير قال: إنه لا يجوز، لأنه لا فرق، كيف نقول: هذا فراش للمرأة حرير وهذا فراش للرجل قطن، وكلاهما سواء ولهذا الاحتياط ألا تستعمل المرأة الحرير للجلوس. مقار ما يباح من الحرير: ٤٩٩ - وعن عمر ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ)) متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلم. ((النهي)) هو طلب الكف على سبيل الاستعلاء، فقولنا: ((طلب)) خرج به ما ليس بطلب كالأخبار، وقولنا: ((الكف)) خرج به الأمر؛ لأن الأمر طلب الفعل، وقولنا: ((على سبيل الاستعلاء)) خرج به الدعاء، والالتماس، والإرشاد، وما أشبه ذلك، ((على سبيل الاستعلاء)) بمعنى: أن الناهي يشعر بنفسه أنه أعلى من المنهي، فالأب مثلًا إذا قال لابنه: لا تفعل كذا وكذا، هذا استعلاء؛ لأنه يشعر أنه فوقك، لكن الابن لو قال لأبيه: يا أبت لا تضربني، هذا نهي؟ لا، هذا سؤال، لأن كلمة دعاء تسعر بأن هذا دعاء عبادة، ولكن لو قلنا: سؤال كفى. يقول: ((نهر رسول الله ﷺ عن لبس الحرير)) هل كلمة ((نهى)) توازن قوله: ((لا تلبسوه))؟ نقول: هذا هو الأصل، لأنه إذا قال الصحابي العارف بلغة العرب: نهى، فإن عنده علمًا يقينًا بأن الرسول قال: ((لا تلبسوا)) أو كلمة نحوها، لا يقال: لعل الصحابي فهم أنه نهي وليس بنهي كما ادّعاه بعض الأصوليين وقال: إن قول الصحابي: ((نهى)) ليس صريحًا في النهي، وجوابنا على هذا أن نقول: إن الصحابي عالم باللسان العربي، ويعرف مدلوله، فإذا قال الصحابي: ((نهى)) فهو كقول الرسول ﷺ : ((لا تلبسوا)) ولا فرق. قوله: ((عن لبس الحرير)) هذا عام سواء كان ثوبًا أو سروالًا، أو غترة، أو غير ذلك، ويعم النساء والرجال، لكن النساء سيأتي- إن شاء الله- ما يدل على التخصيص. قال: ((إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع))، هل هذا على سبيل الشك، أو على سبيل التنويع؟ هذا على سبيل التنويع، وليس الشك، ولهذا كأنه يقول: إلا ما كان على أصبعين، وإما على ثلاث، وإمّا على أربع، والتنويع الذي نسميه أحيانًا للتخيير هذا وارد في اللغة العربية ووارد أيضًا في النصوص الشرعية، قال الله تعالى: ﴿ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فـ ((أو)) هذه للتنويع، إذن يجوز إلى أربع، وهل يجوزك إلى خمس؟ لا، ودون الأصبع جائز من باب أولى. وقوله: ((إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع)) هنا يقتضي أن المعدود مؤنث، والأصبع كما سبق لنا مؤنثة، يقول أهل العلم- ﵏: إن هذا المراد به ما كان في موضع واحد مثل لو كان الجيب في الثوب موضع فيه أسلاك من الحرير، إذا وضعت أصابعك الأربع عليها، وإذا

стр. 1056

هي أكثر من أربع أصابع فإنه حرام، وإن كان أربع فأقل فهو جائز مباح. فإن قال قائل: الأصابع تختلف: من الناس من تكون أصابعه دقيقة، ومنهم من تكون غليظة غير دقيقة، فأيهما نعتبر؟ نقول المتوسط، أو نقول: الأمر في هذا واسع، وأنه ما دام ما قيد فإذا صار في أربع أصابع فأقل فهو جائز. يستفاد من الحديث الأول: أولًا: تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. ثانيًا: حل استعمالهما في غير ذلك، وقد سبق لنا ذكر الخلاف فيه، والمشهور من المذهب تحريم استعمالهما أكلًا وشربًا واستعمالًا .... إلخ. ويستفاد منه: تحريم لبس الحرير؛ لقوله: ((وعن لبس الحرير))، وعن تحريم لبس الديباج في الحرير، وتحريم الجلوس على الحرير. فإن قلت: لو أن أحدًا خاط على الحرير ثوبًا من الكتان أو من القطن حتى لا يظهر الحرير هل يجوز أو لا؟ نقول: إنه يجوز؛ لأنه ليس بظاهر فيكون جائزًا، وهذا قد يضطر الإنسان إليه، أما مع عدم الضرورة فقد لا ينبغي لكن قد يضطر، يكون الفراش الذي عنده لا يستغني عنه، ولكن لا يستطيع أن يشقه، فنقول: إذا خاط عليه ليس إذا وضع، لكن إذا خاط عليه خرقة فلا بأس، أما لو وضع عليه فراضًا أو كساءً فإن هذا لا يصلح، والفرق بينهما: أنه إذا خاط عليه صار متصلًا ببعضه، لكن إذا وضع فهذا لا يجوز. ويستفاد من الحديث الثاني: النهي عن لبس الحرير كالأول، وهل نستفيد النهي من هذا الحديث الثاني لأننا نقول: إن التحريم مستفاد من الحديث الأول؟ الجواب: نعم نستفيد؛ لأنه كلما كثرت الأدلة قوي الحكم. ويستفاد منه: جواز أربع أصابع فما دون في موضع واحد لقوله: ((إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع)). حكم لبس الحرير لعذر أو مرض: ٥٠٠ - وعن أنس بن مالك ﵁: ((أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص لعبد الرَّحمن بن عوفٍ والزُّبير في قميص الحرير، في سفر؛ من حكَّةٍ كانت بهما)). متَّفقٌ عليه. ((الرخصة)) في اللغة بمعنى: السهولة، وعند الأصوليين يقولون: إن الرخصة ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، هذا التعريف فيه شيء من التعقيد، مثال ذلك: في الذي معنا الحرير حرام، الحكة تحله، إذن ثبت الحل على خلاف دليل شرعي، وهو التحريم لمعارض راجح، وهو الضرر أو الحكة هذه الرخصة، ولو قيل: إن الرخصة في اللغة هي الرخصة في الشرع، وأن المراد بها: التسهيل لسبب من الأسباب، لكنهم يقولون: غنك إذا قلت:

стр. 1057

الرخصة هي السهولة؛ لزم أن يشمل ذلك جميع الدين؛ لأن كل يسر وسهولة، ولكننا ننفصل عن هذا الإيراد ونقول: إنه من السهولة فيما ثبت فيه الإيجاب أو التحريم، فمثلًا هذا الحكم واجب ثم نقول لهذا الرجل لا يجب عليك لسبب وهذا الحكم محرم، ونقول لهذا الرجل: لا يحرم عليك لسبب هذه الرخصة، فالتسهيل إذن يكون لسبب، بمعنى: أننا نخرج بعض الناس من الإيجاب أو من التحريم لسبب هذا هو الرخصة. قال: ((لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير))، القميص: هو الثوب ذو الأكمام، وقوله: ((في سفر)) هل هذا بيان للواقع أو قيد؟ بيان للواقع، فهو إذن ليس بقيد، قوله: ((من حكة كانت بهما)) ((من)) سببية فتكون دالة على العلة، و ((الحكة)) معروفة هي: ما يصيب البدن، مما يسمى في الوقت الحاضر ((حساسية)). وقوله: ((في قميص الحرير في سفر)) قميص الحرير يعني: قميص من الحرير، فالإضافة هنا على تقدير ((من))، وقد سبق أن الإضافة تكون على تقدير ((من، واللام، وفي))، فإذا كان المضاف إليه ظرفًا للمضاف فهذا على تقدير ((في)) كقوله تعالى: ﴿بل مكر الَّيل والنَّهار إذ تأمروننا أن نَّكفر بالله﴾ [سبأ: ٣٣]. مكر الليل، يعني: مكر في الليل، وإذا كان المضاف إليه جنسًا للمضاف فالإضافة على تقدير ((من))، كما تقول: ((خاتم حديد)) و ((ثوب حرير)) وما أشبهها، أي: خاتم من حديد، وثوب من حرير، والحرير تقدم لنا أنه نسج دود القز، أما ما عدا ذلك فالإضافة على تقدير اللام وهي كثيرة جدًا. يقول: ((في سفر من حكة)) ((من)) هنا للتعليل؛ أي: بسبب حكة، والحكة هي ما يعرف عندنا الآن بالحساسية ((كانت بهما))، وإنَّما رخص في ثوب الحرير من الحكة؛ لأن الحرير فيه خاصية حيث إنه فيه تبريد هذه الحكة، بل فيه شفاء هذه الحكة، ولهذا رخَّص النبي ﷺ لهما في استعمال هذا الحرير. فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أن تحريم الحرير ليس لخبثه؛ لأنه لو كان لخبثه ما كان فيه فائدة ولا شفاء؛ لأن الشفاء لا يمكن أن يكون فيما حرم الله ﷺ ولذلك لما سئل النبي ﷺ عن الاستشفاء بالخمر وأنها تتخذ دواء قال: ((إنها داء وليست بدواء)). لأنها محرَّمة لخبثها، وما حرَّم لخبثه كيف يكون مفيدًا، لكن الحرير إنما حرِّم لما فيه من النعومة التي لا تليق بالرجل، ولهذا جاز للمرأة، ولو كان التحريم لخبث هذا النوع من اللباس لكان هذا شاملًا للرجال والنساء، وبهذا يندفع الإشكال الذي قد يستشكله البعض، حيث يقول: كيف كان الشفاء في شيء محرم والله تعالى لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرمه عليها؟ فنقول: إن التحريم هنا ليس بمعنى يتعلق بذات الحرير، ولكن لمعنى خارجي، ما هو المعنى

стр. 1058

الخارجي؟ أنه يحصل بلباسه من النعومة ما لا يليق بالرجال؛ ولهذا حلَّ للنساء. ويستفاد من هذا الحديث: أن تحريم الحرير ليس كالتحريم الباقي الذي لا يجوز إلا أيضًا، ولهذا أبيح للحاجة؛ لأن الحكة من الجائز أن تزول بغيره، ومن الجائز ألا تزول به أيضًا وهكذا جميع الأدوية يمكن أن يزول المرض بها ويمكن ألا يزول بها؛ ولهذا سهل تحريمه. ويستفاد من هذا الحديث: جواز لبس الحرير للحكة لقوله: __من حكة كانت بهما))، وهل يشترط أن يكون ذلك في السفر؟ لا؛ هذا القيد بيان للواقع، يعني: أن الترخيص كان في سفر، فلو كان في حضر لم يختلف الحكم، وهذا ما يسمى عند الأصوليين بمفهوم اللقب، مفهوم اللقب هو الذي ليس له تأثير في الحكم فكل ما ليس له تأثير في الحكم فإنهم يسمونه مفهوم لقب لا يختلف فيه الحكم. سؤال: هل هذا الحكم خاص بعبد الرحمن بن عوف والزبير؟ أجاب الشيخ: لا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإن قال قائل: هذا ليس فيه عموم. قلنا: إن العموم نوعان: عموم لفظي، وعموم معنوي؛ فالعموم اللفظي: أن يوجد لفظ من ألفاظ العموم ورد على سبب خاص فيكون عامًا ولا عبرة لسببه، والعموم المعنوي هو أن نقول: إن العلة التي أبيح من أجلها الحرير لهذين الرجلين عامة وليست خاصة، وهي الحاجة إلى لبسه، فهذا نقول: إنه عموم معنوي، ثم إنه قد سبق لنا قاعدة نافعة في هذا الباب، وهي أنه لا يوجد أحد يخصص بحكم من الأحكام لهينه أبدًا، وإنَّما يخصص من يخصص بالأحكام لوصف كان فيه، أما أن الحكم شرعي هو لهذا الرجل دون غيره فهذا لا يمكن؛ لأن الأحكام الشرعية مربوطة بعللها ومعانيها، والأشخاص ليسوا عللًا ومعاني، إلا أنه يرد على هذا قول النبي ﷺ لأبي بردة بن نيار حيث ضحى بشاته قبل صلاة العيد يريد أن تكون هي أول ما يؤكل في البيت، فلما سمع النبي ﷺ يخطب يقول: من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، وأمر من ذبح قبل الصلاة أن يذبح مكانها أخرى، قال: يا رسول الله، أن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال: ((نعم، ولن تجزئ عن احد بعدك)). أليس في هذا دليلٌ على التخصيص؟ نقول: نعم عند بعض أهل العلم يقولون إن هذا دليل على التخصيص العيني دون الوصفي؛ لأنه قال: ((ولن تجزئ عن أحد بعدك))، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: إن المراد بالبعدية هنا أي: بعد حالك، وأنه لو وجد إنسان على الوصف الذي وقع لأبي بردة فإنه يحل له أن يضحي بعناق، يعني: لو ضحى إنسان بشاته قبل الصلاة جهلًا ثم لم يكن عنده إلا عناق

стр. 1059

فإننا نقول: تجزئ عنك في هذه الحال استدلالًا بحديث أبي بردة، وما ذهب إليه شيخ الإسلام لا شك في أنه خلاف ظاهر اللفظ، ولكن المعنى الذي نعلمه من الشريعة أن أحكامها معللة بالمعاني والأوصاف دون الأشخاص يرجح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعلى هذا فتكون الشريعة ليس فيها تخصيص حكم لشخص بعينه. فإن قلت: هذا ينتقض بالخصائص التي ثبتت للرسول ﷺ ؟ فالجواب: أن النبي ﷺ خصص بخصائص؛ لأنه رسول الله، هذه الخصائص علِّقت بوصف وهو الرسالة، ولا يشاركه أحد في هذا الوصف؛ لأنه- ﵊ كان خاتم النبيين فتبين أن هذا الحديث يعم من سوى عبد الرحمن بن عوف والزبير. وبقي أن يقال: إذا احتيج إلى لبس الحرير لغير الحكة آخر فهل يجوز؟ الجواب: أنه يجوز؛ لأن القياس في الشريعة الإسلامية أحد الأصول يستدل بها في الأحكام، فالأصول التي يستدل بها في الأحكام: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح، وهذا الذي تكلمنا عليه يسمى التخصيص بالحكم، ولكن هناك تخصيص بالفضيلة ممكن أن يخص أحد من الناس بفضيلة لا يشاركه أحد فيها، مثل: أبي بكر والخلفاء من بعده، هذه الفضائل غير الأحكام، لكن الأحكام التي هي مناط التكليف هذه ما أحد يختص بها دون الآخر، ولهذا قال النبي ﷺ لعلي لمَّا خلفه في أهله في غزوة تبوك: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)). هذه الخصيصة كون الرسول ﷺ يخص علي بن أبي طالب من بين سائر أهله وأصحابه أن يكون خليفة في أهله هذه ما تدل على أنه انفراد بحكم من الأحكام، وكذلك: ((لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبهم الله ورسوله كثير. جواز إهداء الحرير للرجال لا ليلبسوه: ٥٠١ - وعن عليٍّ ﵁ قال: ((كساني النَّبيُّ ﷺ حلَّةً سيراء، فخرجت فيها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي)). متَّفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلم. علي بن أبي طالب ﵁ هو أفضل آل البيت لقرابته من الرسول، أو لما يتصف به من الخصال؟ لهما كليهما، وما فضِّل على آل البيت لقرابته، بل لما كان له من الصفات الحميدة، ولو قلنا: إن فضله لآل البيت من أجل القرابة لكان العباس أفضل منه؛ لأن العباس عم النبي ﷺ والعم أقرب إلى ابن أخيه من ابن العم إلى ابن عمه، ولكن عليًّا ﵁ تميز بخصائص من

стр. 1060

الفضيلة لا يشاركه فيها العباس، ولهذا نعرف أن أبا بكر وعمر وعثمان امتازوا بالفضيلة على علي بن أبي طالب، وإن كان هو أفضل منهم بالقرب؛ لأن مدار الفضائل الأصلي هو الأشياء التي يتخلق بها والقرابة إلى ذلك، لاشك أن لقرابة النبي ﷺ حقًا على أمته؛ ولهذا الذين ليسوا بمؤمنين من قرابة الرسول ﷺ يجب علينا أن نكرههم وألا نولي لهم المحبة، وذلك لنهم أعداء لله وأعداء للرسول، ونوح- ﵊ قال الله له عن ابنه: ﴿إنَّه ليس من أهلك﴾ [هود: ٤٦]. ولهذا آل الرسول ﷺ أو قرابته الذين لا يؤمنون به ليسوا من أهله. يقول: ((كساني حلَّة سيراء)) يجوز حلة سيراء بالقطع عن الإضافة وتجوز الإضافة، فيجوز أن نقول: ((حلَّة سيراء)) ويجوز أن نقول: ((حلَّة سيراء)). على الوجه الأول نقول: ((حلة)) مفعول كسا الثاني، والمفعول الأول الياء، وحلة مضاف، وشيراء مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه لا ينصرف، والمانع من الصرف ألف التأنيث الممدودة، وعلى هذا فتكون الإضافة على تقدير: ((من))، و ((السيراء)) هي: بردة فيها أعلام من الحرير؛ يعني: خطوط من الحرير تشبه السيور؛ ولهذا سميت سيراء من السيور. أما على الوجه الثاني فنقول: ((حلة)) مفعول كسا الثاني منصوب بالفتحة الظاهرة، وسيراء صفة لحلة، وصفة المنصوب منصوب وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره، وإذا أردنا أن نحول سيراء إلى حرير نقول: ((حلة حرير)) أو ((حلة حريرًا)) فإذا جاءك ((حلة حريرًا)) فإنها إما أن تكون صفة، وإما أن تكون عطف بيان؛ لأنها بينت نوع هذه الحلة. وعلى كل حال: فما هي الحلة؟ الحلة قالوا: إنها الإزار والرداء، وقيل: الثوبان المترادفان مطلقًا، فكل ثوب فوقه ثوب فهو حلة، أو أنه الإزار والرداء، وأما السيراء فهو الحرير. يقول: ((كساني، فخرجت فيها))، لبسها ﵁ وخرج، ((فرأيت الغضب في وجهه))، أولًا هذه الجملة فيها إيجاز بالحذف، وما هو الإيجاز بالحذف؟ أن يكون في الجملة شيء محذوف دل عليه السياق، ما هو الشيء المحذوف الذي دل عليه السياق. ((فرآني فرأيت الغضب في وجهه)) الرؤية هنا بصرية، وقوله: ((رأيت الغضب)) أي: أثر الغضب؛ لأن الغضب محله القلب كما قال النبي ﷺ : ((إنه جمرة يقيها الشيطان في قلب ابن آدم)). لكنه يظهر على الوجه فيحمر الوجه وتنتفخ الأوداج وربما تقف الأشعار؛ أي: يقف شعر الإنسان من شدة الغضب. ((فشققها بين نسائي)) يعني: شققت هذه الحلة، وفي رواية مسلم: ((أنه جعلها خمرًا)) جمع خمار، أي: جعلها لنسائه، لكن في بعض روايات الحديث أن الرسول ﷺ بعث إليه بالحلة

стр. 1061

ففهم منه أنه يريد أن يلبسها فقال: ((كساني))، وهذا اللفظ متعين يجب أن نفهمه؛ لأننا لو أخذنا هذا الحديث على ظاهر اللفظ الذي معنا لكان هناك تناقض؛ إذ كيف يكسوه الرسول- ﵊ ثم يغضب، ولكن الروايات الأخرى تبين ذلك، بعث إليه بهذه الحلة فظن أنه يريد أن يلبسها فلبسها، وعبر عن ذلك في قوله: ((كساني)) بناء على ظنه، وأيضًا لما رآه الرسول قال له: ((إنَّما بعثت بها لتكسوها الفواطم)) يعني: لتعطيها نشاءك، ولهذا فعل ﵁ فشق هذا لنسائه. يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: جواز إهداء الشيء المحرم على المهدى إليه إذا كان يحل لغيره؛ وجهه: أن الرسول ﷺ أهداه عليًا، وهو حرام على الرجال لكنه حلال للنساء، فعلى هذا لو أهديت لشخص خاتمًا من ذهب- وهو رجل- يجوز ذلك، ولكن يجعله لنسائه، إلا إذا علمت أنك إذا أهديت له هذا المحرم ربما يستعمله هو، فإذا خشيت ذلك صار حرامًا؛ لماذا؟ من باب سد الذرائع، والقاعدة المعروفة في أصول الفقه: أن للوسائل أحكام المقاصد، وهناك عبارة أخرى يقولون: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي العبارتين أحسن؟ أن للوسائل أحكام المقاصد؛ لأنك إذا قلت: للوسائل أحكام المقاصد صار وسيلة الواجب واجبة، فتكون بمعنى: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وصارت وسيلة المحرم محرمة لا تدخل في قولك: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا عن طريق العكس، مثل أن تقول: المحرم يجب اجتنابه وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الخلاصة أن نقول: يجوز أن تهدي شخصًا شيئًا محرمًا عليه إلا إذا خشيت أن يستعمله في الحرام فلا يجوز. ويستفاد من هذا الحديث: استحباب الغضب إذا انتهكت محارم الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ((فرأيت الغضب في وجهه)). ويستفاد منه أن عليًا ﵁ ليس بمعصوم، أنه أخطأ في لبس هذا الحرير، وأن الرسول ﷺ غضب عليه، فإذا كان علي بن أبي طالب ﵁ غير معصوم وهو إمام الأئمة عند من يثبتون الأئمة فمن دونه من باب أولى. ويستفاد من هذا الحديث: أن الغضب ليس صفة ذم، لأن الرسول ﷺ غضب. ويستفاد منه: أن معنى قول الرسول ﷺ : ((لا تغضب)). ليس معناه: أنه لا يعتريك الغضب، لماذا؟ لأن الرسول نفسه يغضب، فكيف ينهي عن شيء يكون فيه هو، لكن معنى ((لا تغضب)) يعني: لا تفعل فعلًا تذم عليه يكون سببه الغضب، أو أن المعنى: لا تغضب: لا تتعرض لما يغضبك، وأما الغضب الطبيعي فهذا لا يمكن النهي عنه. ويستفاد من الحديث: جواز تمزيق الثوب لجهة أخرى ينتفع به فيها؛ لأنه شق هذه الحلة

стр. 1062

بين النساء، لا يقال: إن هذا إفساد للثوب، يعني: لو قال قائل: لماذا لم يبق علي ﵁ هذا الثوب ويعطيه إحدى النساء؟ فالجواب: أنه لا حرج عليه أن يشقه ويحوله إلى صفة أخرى، فقد حوله هنا وصيره خمرًا. ويستفاد منه: أن علي بن أبي طالب له نساء كثيرات؟ محتمل لكنه لم يتزوج على فاطمة في عهد النبي ﷺ حتى توفيت. إباحة الذهب والحرير للنساء والحكمة منها: ٥٠٢ - وعن أبي موسى ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((أحلَّ الذهب والحرير لإناث أمَّتي، وحرِّم على ذكورها)). رواه أحمد، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ وصحَّحه. قوله: ((أحل الذهب والحرير)) هذا فعل ماض مبني للمجهول، والرسول ﷺ إذا قال ((أحل)) فالمراد: أحله الله، والصحابي إذا قال: ((أحل)) فالمراد: أحله النبي ﷺ ، قوله: ((أحل الذهب والحرير)) الذهب هو هذا المعدن المعروف الأصفر ويقابله الفضة وليس من الذهب ما اشتهر في الزمن الأخير فيما يسمى بالذهب الأبيض وهو الماس والبلاتين هذه تسمية اصطلاحية، لكن الذهب المقصود هنا هو الذهب الأصلي الذي هو الذهب الأحمر المعدن المعروف، وقوله: ((الحرير)) سبق أن المراد به: منسوج دود القز. وقوله- ﵊: ((لإناث أمتي)) إنا جمع أنثى، وهو شامل للصغيرة والكبيرة؛ لأنها أنثى، والأنثى تحتاج إلى الزينة وإلى اللباس الجميل لما في زينتها وجمالها من جلب مودة زوجها لها، وجلب مودة الزوج لزوجته هذا من الأمور المشروعة، فلهذا كان من حكمة الشارع أن أباح للنساء الذهب والحرير؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة الزخرف: ﴿أو من ينشَّؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. من يعني بذلك؟ النساء؛ لن المرأة تنشأ- يعني: تربى من أول نشأتها- في الحلية، وهي إذا بلغت تكون في الخصام غير مبينة لا تستطيع أن تفصح وأن تغلب غيرها، وهذا باعتبار الجنس، وإلا فقد يكون من النساء من تكون في الخصام مبينة لكن العبرة بالأعم، فالمرأة ناقصة ولذلك جبر الله نقصها بإباحة التحلي لها. وإباحة التحلي للمرأة بالذهب وإباحة لبس الحرير لها هل هو من مصلحتها الخاصة فقط، أو م مصلحتها ومصلحة الرجل؟ الثاني؛ فإن الرجل لا شك أنه يتمتع بزوجته بالنظر إليها إذا كانت على هذا الوصف. وقوله: ((حرم على ذكورها)) قد تقول: لماذا لم يقل: حرمًا على ذكورها؟ لأن الضمير يعود

стр. 1063

على اثنين، والقاعدة المطردة في اللغة العربية أن الضمير إذا كان يعود إلى اثنين فإنه يجب أن يثنَّى موافقة لمرجعه وهنا قال: ((وحرّم على ذكورها))، والجواب على ذلك: أن مثل هذا وارد في اللغة العربية، بل في القرآن الكريم، وهو أن يذكر ضمير لأحد المرجعين ويحذف ما يماثله من الضمير الراجع للآخر، مثاله قوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحقُّ أن يرضوه﴾ [التوبة: ٦٢]. كان المفترض في السياق أن يقول: أحق أن يرضوهما؛ لأنه جمعهما بحرف العطف الدال على الجمع، لكننا نقول في مثل هذا: إنه حذف من الجملة ما يشبه الموجود وهو أبلغ من ذكر الفعل للضمير المطابق؛ لأنه إذا حذف من الجملة صار كأنه ذكر مرتين بخلاف ما إذا جمعا في ضمير واحد. وعلى هذا فنقول: ((وحرِّم)) أي: الذهب، و ((حرم)) أي: الحرير، وقوله- ﵊: ((على ذكورها)) ولم يقل: على رجالها؛ لأن الذكر يقابل الأنثى، والرجل يقابل المرأة، والحكم يتعلق بمجرد الذكورة لا بالبلوغ، ولهذا قال: ((حرِّم على ذكورها)) سواء كانوا بالغين أم غير بالغين. قوله: ((على إناث أمتي)) ما المراد بالأمة هنا، أمة الدعوة أم أمة الإجابة؟ هذا ينبني على خلاف أهل العلم في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الإسلام أو ليسوا مخاطبين؟ وقد درستم في أصول الفقه أنهم مخاطبون بفروع الإسلام، وعلى هذا فيكون المراد: أمة الدعوة، فالرجل إذا كان كافرًا ولبس الحرير والذهب فإنه سيعاقب على هذا بالإضافة إلى معاقبته على الكفر وأدلة هذا مبسوطة في أصول الفقه. ويستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: حكمة الشرع في التحليل والتحريم، من أين تؤخذ؟ من تحليل الحرير والذهب للإناث وتحريمه على الذكور؛ لأن هذا هو مقتضى الحكمة؛ لأن الرجل لو يلبس الذهب ويلبس الحرير فمعنى ذلك: أنه يميل إلى النعومة وبالتالي يدعو الناس إلى الافتتان به؛ ولهذا كم من إناث سقطوا في شرك هذا الأمر حين يأتي شاب مائع يتزين ويلبس سلاسل الذهب وثياب الحرير، ثم يخرج إلى الناس ماذا يحصل من الفتنة؟ يحصل فتنة عظيمة حتى ينقلب الرجال إناثًا؛ ولهذا كان من الحكمة تحريمه على الذكور. ويستفاد من هذا الحديث: أن تحليل الذهب والحرير للإناث يشمل الصغيرة والكبيرة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ((لإناث أمتي)). فإن قلت: تعميمك الحكم للصغيرة والكبيرة من النساء ينافي ما ذكرت من الحكمة من أن في ذلك مصلحة للمرأة ولزوجها. فالجواب أن نقول: إنه أبيح لها وهي صغيرة وإن كانت ليست في حاجة أن تتحلى بهذا من أجل تنشَّأ عليه: ﴿أو من ينشَّؤا في الحلية﴾ وتعتاده ولا يضر هذا.

стр. 1064

ويستفاد من هذا الحديث: أدب النبي ﷺ مع ربه لقوله: ((أحل)) و ((حرِّم))، وإنما قال ذلك دون أن ينسبه إلى نفسه، لأننا إذا علمنا أنه من عند الله صار اجتنابنا لما حرم علينا منه أوكد وأعظم وإن كان من يطع الرسول فقد أطاع الله لكن هذا أوكد وأبلغ. ويستفاد من هذا الحديث: جواز لبس الحرير والذهب للنساء ولو كثر، لكنه كغيره من النصوص المطلقة، فالأكل والشرب حلال لكن إذا وصل إلى حد الإسراف صار حرامًا، كذلك الذهب والحرير إذا وصل إلى حد الإسراف صار حرامًا، وما ميزان الإسراف؟ ميزانه: أن يتجاوز الإنسان بفعله ما كان معروفًا عند الناس، فلو أن امرأة من التاجرات وذوات الهيئات الكبيرة لبست شيئًا كثيرًا من الذهب وجاءت امرأة صغيرة فقيرة وقالت: أرد أن ألبس مثلها ماذا نقول، هل نمنعها أو نقول: يجوز لك ذلك؟ إن منعناها احتجت علينا وقالت: الفقير ليس له قيمة عندكم حتى في هذه الأمور، وكما قال أحد الناس لما وصفوا له ديكًا صغيرًا يذبحه ويجعل في مرقه دواء؛ لأنه مريض لم يكن منه إلا أن قال: أحضروا الديك هذا الذي وصفتم لي وأمسك به وقال: استصغروك فوصفوك فهلا وصفوا شبل الأسد. لكن المعري إذا لم يكن قد تاب مما هو عليه فهو زنديق؛ لأنه ينكر حل اللحم ولا يأكل من اللحم شيئًا، المهم أن هذه المرأة فقيرة قلنا لها: حرام عليك تلبسين هذا اللباس من الذهب وعند جارتها من ذوات الهيئات والغني تلبس هذا وقلنا لجارتها في المنزل حلال ولها حرام أما تحتج علينا؟ نعم، لكن نقول: إن الله جعل للباس المحلل والطعام المحلل، والشراب المحلل قاعدة، قال الفقهاء- ﵏: ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن يلبسه. وقوله: ((أحل الذهب والحرير)) هل يشمل الذهب الذي صنع على صورة حيوان؟ ظاهر الحديث أنه يشمله وأن الذهب لو كان على شكل حيوان كثعبان وفراشة وسمكة فإنه جائز، ولكننا نقول كما قلنا في القاعدة السابقة: الشريعة من مشرع واحد، فيحمل مطلق كلامه على مقيده، وعمومه على مخصصه، وعلى هذا فنقول: قد رددت أحاديث كثيرة في تحريم الصور ولا سيما المجسمات، وعلى هذا فلا يجوز أن تتخذ المرأة سوارًا على شكل ثعبان أو أن تتخذ قلادة على شكل فراشة أو سمكة أو ما أشبه ذلك، ظاهر الحديث: انه لا فرق بين أن يكون الذهب محلقًا أو مرصَّعًا، ما وجهه؟ العموم: ((أحل الذهب)) وهو عام يشمل المرصَّع والمحلق. وعلى هذا فنقول: إن الحديث يدل على إباحة الذهب مطلقًا ولو كان محلقًا، ولكن بعض أهل العلم ذهب إلى تحريم المحلَّق مستدلين بأحاديث- إن شاء الله- يأتي الكلام عليها.

стр. 1065

حبُّ الله لرؤية أثر نعمته على عبده: ٥٠٣ - وعن عمران بن حصينٍ ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: ((إنَّ الله يحبُّ إذا أنعم على عبده نعمةً أن يرى أثر نعمته عليه)). رواه البيهقيُّ. وذلك لكمال كرمه وأنه إذا أنعم عليك نعمة يحب أن يرى أثر هذه النعمة عليك، والنعمة- كما تعرفون جميعًا- هي الفضل، ونعمة الله على العبد نوعان: نعمة في الدين، ونعمة في الدنيا. والنعمة في الدين: هي الإيمان والعلم، يعني: تنبني على الإيمان والعلم، فينبغي للإنسان إذا منَّ الله علي بالإيمان أن يرى الله- من ثمرات هذا الإيمان ما يتبين به نعمته عليه وذلك بالعمل الصالح، كثرة الطاعات واجتناب المعاصي؛ لأن الإيمان يستلزم ذلك ولابد فإن الإيمان صلاح القلب صلحت الجوارح، أيضًا العلم هذا نعمة من الله، ولهذا قال الله تعالى لرسوله- ﵊: ﴿وعلَّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. فإن نعمة الله على العبد بالعلم من أفضل النعم، فيرى أثر نعمته عليه بالعلم في مظهره، ومتعبده ودعوته الخلق، وتعليم الخلق ما استطاع، هذا من آثار النعمة، لا يكون الرجل الذي من الله عليه بالعلم كالرجل العامي يجلس في المجلس ويقوم ولا ينتفع الناس به، أو تكون صلاته كصلاة الناس على العادة لا يظهر فيها تجديد موافق للشرع بل يصلي كما يصلي الناس، هذا ما أرى الله أثر نعمته عليه، بل لابد أن يكون لهذه النعمة آثار تظهر على سلوك الإنسان نفسهـ، وعلى سلوكه مع غيره. وأما النوع الثاني من النعمة: فهي نعمة الدنيا من المال والحسب والجاه وما أشبه ذلك، فالله يحب من عبده أن يرى أثر نعمته عليه في ذلك، ففي المال مثلًا إذا أنعم الله عليك بالمال فإن من آثار نعمة الله عليك بالمال أن يكون لباسك جميلًا، وأن يكون لك فراش ليس للفقراء، وبيت ليس كبيوت الفقراء، وما أشبه ذلك، هذا من آثار النعمة، لا تقل أنا قد أنعم الله علي بالمال وعندي مال كثير أخرج بعباءة مرقعة وثوب متشقق ونعال متقطعة، لماذا يا أخي؟ قال: لأن هذا هو الزهد. هذا ليس بزهد، هذا قد يكون الإنسان به آثمًا؛ لأنه لباس شهرة بالنسبة إليه، فإن الشهرة كما تكون في لبس الشيء الذي يلفت النظر لارتفاعه تكون أيضًا في لبس الشيء الذي يلفت النظر لدنوه وانحطاطه، فليس هذا من لباسك أر الله أثر نعمته عليك بلباسك ومظهرك لا تقل: أنا لا ألبس الزينة، فإذا قلت ذلك فإن الله يقول: ﴿قل من حرم زينة الله الَّتي أخرج لعباده والطَّيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. كذلك إذا كنت ذا حسب فأر الله نعمته

стр. 1066

عليك بهذا الحسب؛ لا تجلس مجلس ذوي الدناءة والسفول والانحطاط، فإن لكل مقام مقالًا؛ ولهذا يعتب الناس على الرجل ذي الحسب أن يجلس في مجالس القوم الرديئة، كذلك إذا كنت ذا جاه فأر الله تعالى نعمته عليك بهذا الجاه، انفع الناس به ما استطعت، وهكذا كل نعمة من الله على عبده فإن الله تعالى يحب أن يرى أثر هذه النعمة على العبد. ساق المؤلف هذا الحديث في باب اللباس، والمناسبة فيه ظاهرة: وهي أن نعمة الله على عبده بالمال أن يظهر أثر هذا المال في ملبسه، لا يلبس لباسًا دنيئًا لباس الفقراء وقد أغناه الله؛ لأن هذا لم يظهر نعمة الله عليه بالمال. فإن قلت: إن بعض العلماء ندوب أن يلبس الإنسان الثياب الدون تواضعنا لله كما قال ابن عبد القوي في منظومته: ومن يرتضي دون اللِّباس تواضعًا ... سيكسي اللِّباس العبقريات في غدٍ فالجواب على ذلك: أنه إذا كان من باب التواضع بحيث لا يكون حولك إلا أناس فقراء لو لبست ثيابًا رفيعة وهم عليهم ثياب دون، صار في ذلك نوع من الترفع وانكسار القلب، ففي هذه الحال إذا تركته من باب التواضع يكون هذا أمرًا عارضًا اقتضت المصلحة أن تتصف به، فلكل مقام مقال. فعلى كل حال يعود هذا للمصلحة. فائدة: إثبات صفة المحبة لله : وفي الحديث: إثبات أن الله يتصف بالمحبة لقوله: ((إن الله يحب)) ونصوص إثبات المحبة لله في القرآن والسنة كثيرو، وقد أجمع السلف وأئمة الخلف ومن سلك سبيلهم على أن الله تعالى موصوف بالمحبة على الوجه اللائق به، وأنه يُحِب ويُحَب، وهذا ظاهر في القرآن والسنة قال الله تعالى: ﴿يأيُّها الَّذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه﴾ [المائدة: ٥٤]. ففيه إثبات المحبة من الجانبين أن الله يحِب ويحَب- ، وهي محبة حقيقة كسائر صفاته، ولا يجوز لنا أن نؤولها تأويل تحريف بأن نخرجها عن معناها الذي أراد الله بها فإن هذا من القول على الله بلا علم، ومن الجناية على كلامه، ومن تحريف الكلم عن مواضعه، وهو من دأب اليهود والنصارى الذين حرفوا كلام الله وأخرجوه عن ظاهره. وقد ذهب بعض أهل التحريف إلى تحريف المحبة بمعنى: الإثابة، وقالوا: يحبهم يعني: يثيبهم، ومعنى: يحبونه أي: يفعلون ما يقتضي الثواب، فلا يثبتون أن الله يحِب ولا أنه يحَب، وقال بعض أهل التحريف: إن الله يحَب، ولكنه لا يحب؛ لأن المحبة من الإنسان ثابتة، لكن محبة الله للإنسان لا نثبتها، لماذا؟ قالوا: لن المحبة هي ميل ذي المحبة إلى ما فيه منفعة له أو

стр. 1067

دفع مضرة هذه المحبة، يعني: ما تحب الله شيئًا تنتفع من ورائه أو تدفع به ضررًا عنك، والله مستغن عن ذلك، فليس في حاجة إلى جلب نفع ولا إلى دفع ضرر، كما قال عن نفسه في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني)). وحينئذٍ يجب أن تؤول، هم يقولون: تؤول، ونحن نقول: تحرِّف، إلى ماذا؟ قالوا: إلى إرادة الإنعام والثواب أو إلى الثواب نفسه، ولكنه سبق لنا أن قلنا: إن هذا القول باطل، لأنه يتضمن إنكار دلالة الكتاب والسنة على ما أراد الله ورسوله بهما. وثانيًا: أن اللازم الذي ذكروه غير لازم في الحقيقة؛ لأن هذا اللازم الذي ذكروه إنما يلزم على محبة المخلوق، أما محبة الخالق فلا يلزم منها ذلك، لأنها ليست كمحبة المخلوق للمخلوق، بل هي محبة لا نعلم كنهها وكيفيتها، ولكننا نعلم معناها، أما كنهها أو حقيقتها وكيفيتها فهذا غير معلوم لنا. ثم إن قولهم: إن الإنسان لا يحب إلا ما فيه نفع له أو دفع مضرة غير مسلم أيضًا حتى في المخلوق، فإن من الناس الطيبين من يحب الخير للمؤمنين كما يودون لأنفسهم يحب لأخيه أن ينفعه الله ويرفع عنه الضرر وإن كان هو بنفسه لا ينتفع بذلك ولا يتضرر، لو تضرر أخوه فليس بلازم، ثم إنا نورد عليهم فنقول لهم: ألستم تثبتون الإرادة فيقولون: بلى نثبت الإرادة، إرادة الإنسان هل الإنسان العاقل يريد شيئًا إلا ويطمع أن فيه منفعة له أو دفع مضرة ما الجواب؟ نعم، الجواب كذلك، وأنتم تثبتون الإرادة لله فيلزم على قياس قاعدتكم أن تنكروا الإرادة، فإن أجبتم بأنها إرادة خاصة بالله لا تستلزم النقص الذي تستلزمه إرادة المخلوق، قلنا لهم: وكذلك المحبة، والنصوص الواردة في المحبة في الكتاب والسنة أكثر بكثير من النصوص الواردة في الإرادة فالصواب أن الله تعالى له محبة حقيقية، ولكنها ليست كمحبة المخلوق، بل هي أعلم وأكمل وأعظم، ولا نستطيع أن نتصورها، فالواجب علينا أن نثبت ما أثبته الله لنفسه، لأنه أعلم بنفسه منا، فإذا أخبرنا عن نفسه بصفة فليس من حقنا أن ننكرها. ويستفاد من الحديث: كرم الله ، وأنه يحب ظهور آثار نعمته على الخلق، وذلك من أجل كرمه- حتى يتبين ويظهر كرمه على خلقه؛ لأن بظهور كرمه على خلقه، وظهور آثار صفاته زيادة محبته وتعظيمه، وكلما ظهرت لنا آثار صفاته- صفات الرحمة أو صفات الغضب والانتقام- فإن ذلك يزيد فينا محبة له وتعظيمًا له. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان عبد الله سواء أطاع الله أم لم يطعه لقوله: ((إذا أنعم عاى عبده أن يرى أثر نعمته عليه))؛ لأنه إذا لم يوجد أثر نعمة فإنه يكون قد خالف ما يحبه الله

стр. 1068

عز وجل فتنقض عبوديته لله، والله تعالى وصفه بالعبودية مطلقة سواء أزهر أثر النعمة أم لم يظهرها، ولهذا مرَّ علينا أن العبودية تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة، فالعامة: تشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ومنها قوله تعالى: ﴿إن كلُّ من السَّموات والأرض إلَّا ءاتى الرَّحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]. والخاصة: هي التي تختص بمن عبده عبودية طاعة وتذلل، وهي خاصة بالمؤمنين المنقادين لأمره، ومنها قوله تعالى: ﴿وعباد الرَّحمن الَّذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز لمن أنعم الله عليه بالمال أن يلبس الثياب المناسبة لحاله، الثياب الجميلة الجيدة النوع بحسب ما تقتضيه حاله من الغنى؛ لأنه داخل في قوله: ((إذا أنعم على عبده نعمةً))، فإن ((نعمة)) هذه نكرة في سياق الشرط، ((إذا أنعم نعمة)) فتكون للعموم، أي نعمة ينعم بها عليك ينبغي ان تري ربك أثر هذه النعمة. هذا الحديث يجب أن يقيد بقوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنَّه لا يحبُّ المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١]. وفي الحديث: إثبات الرؤية لله ورؤيته- شاملة لكل شيء يرى- دبيب النمل الأسود على الصخرة السوداء في ظلمة الليل، ويرى الحبات الصغيرة في باطن الأرض، وفي قاع البحار، وهكذا بقية صفاته. فإن قلت: هل هذا النظر صفة إدارية فعلية اختيارية أو لا؟ فالجواب: أن منه ما يكون كذلك، ومنهم ما يكون عامًا كسائر الصفات، وكذلك سمعه، ولهذا جاء في بعض النصوص: ((لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)). فالنظر الذي هو نظر الرحمة والتأييد والنصر لا يشمل كل أحد، وأما النظر الذي هو نظر الإحاطة فإنه عام شامل لكل شيء لا يشذ عنه شيء أبدًا، وبهذا نجمع بين النصوص العامة في ثبوت الرؤية مثل: ﴿وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. وبين النصوص التي تنفي الرؤية عن بعض الأشياء، بأن نقول: إن الرؤية المنفية هي الرؤيا الخاصة التي تقتضي اللطف، والإحسان، والنصر، والتأييد، هذه لا تكون لكل أحد، وأمَّا الرؤيا التي هي رؤيا الإحاطة فإنها رؤيا شاملة لا يشذ عن بصر الله تعالى شيء. النهي عن لبس القسيِّ والمعصفر: ٥٠٤ - وعن عليَّ ﵁: ((أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن لبس القسيِّ والمعصفر)). رواه مسلمٌ. قوله: (نهى)) النهي هو: طلب الكف على سبيل الاستعلاء، والأصل فيما نهى الله ورسوله عنه التحريم؛ لأن النهي أمر بالكف، وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عن أمره أن

стр. 1069

تصيبهم فتنةٌ أو يصيبهم عذابٌ أليمٌ﴾ [النور: ٦٣]. إلا إذا قام الدليل على أن النهي لكراهة، مثل أن ينهي النبي ﷺ عن شيء ثم يفعله، فإن هذا دليل على أن النهي ليس للتحريم، وأمَّا من قال: إن النهي بالنسبة للأمة يبقى على التحريم، ويكون جواز الفعل من خصائص الرسول ﷺ فقد أبعد النجعة؛ وذلك لأن الأصل أنَّا مأمورون بالتأسي بأفعال النبي ﷺ ، فإذا فعل شيئًا فإننا نفعله، ويكون الجمع بين نهيه وفعله أن النهي يكون للكراهة لا للتحريم، على أن هذا أيضًا فيه نظر، إذ قد يقول قائل: هل الرسول ﷺ يفعل ما يكره ولو تنزيهًا، ولهذا لو قيل: إن النهي للإرشاد وأنه على سبيل الأولى والأفضل لكان له وجه؛ يعني: حتى لو قلنا بأنه للكراهة، فإنه قد يعارض معارض فيقول: إن الرسول ﷺ لا يفعل المكروه، وكونه ينهي عن شيء ثم يفعله يدل على أن النهي هنا للإرشاد وليس للكراهة ولا للتحريم. قال ((القسي)) ما هو القسي؟ هو نوعٌ من الحرير، وقد سبق لنا أن الرسول ﷺ نهى عن لباس الحرير، وأنه حرم على ذكور الأمة إلا إذا كان موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع، أو إذا كان أكثر ظهورًا من غيره وإن كان موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع، ما دام أكثر ظهورًا فإن العبرة بالأكثر، وبهذا نعرف أن الحلة السيراء التي أعطاها النبي ﷺ علي بن أبي طالب من هذا النوع، أن خطوط الحرير التي فيها كانت أكثر ظهورًا وأغلب. وقوله: ((المعصفر)) يعني: المصبوغ بالعصفر، فقد نهى عنه ﷺ . وظاهر الحديث: ان النهي عام للرجال والنساء، ولكن أكثر الفقهاء يقولون: إن هذا خاص بالرجال- المعصفر-؛ لأن النبي ﷺ لما رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين معصفرين قال له: ((أمك أمرتك بهذا؟ ))؛ لأن هذا من لباس النساء، فالمرأة يجوز لها أن تلبس الأحمر والمصبوغ بالعصفر، وأما الرجل فإنه ينهي عنه، هذا النهي يشمل ما إذا كان الثوب كله مصبوغًا بالعصفر، أما إذا كان بعضه مصبوغًا بالعصفر وبعضه ملونًا بلون آخر، فإنَّا إذا قسناه على مسألة الحرير نقول: إذا كان الأكثر ظهورًا هو الأحمر صار منهيًا عنه، وإذا كان الأكثر ظهورًا سواه، أو كانا مستويين كان ذلك جائزًا واختلف أهل العلم في هذا النهي هل هو للكراهة والتنزيه وخلاف الأولى أو أنه للتحريم؟ فذهب أكثر أهل العلم: إلى أن ذلك للتنزيه، وليس حرامًا على المرء أن يلبس ثوبًا معصفرًا أو مصبوغًا بما يشبه العصفر من الحمرة، وقالوا: إنه ثبت عن النبي ﷺ أنه خرج من قبته بالأبطح وعليه حلَّة حمراء. فإذا كان عليه حلة حمراء دل ذلك على أن الأحمر جائز، لكن ابن القيم ﵀ يقول: إن هذه الحلة الحمراء معناها: أن أعلامها حمر وليست كلها حمراء، وأنه لما كانت

стр. 1070

أعلامها كلها حمرًا صح أن نطلق عليها أنها حلة حمراء مثل ما نقول لكم الآن: الشماغ هذا أحمر أم أبيض؟ أحمر وإن كان فيه بياض، فابن القيم يرى أن لبس الأحمر محرمًا، وأن ما ورد من كون الرسول ﷺ عليه حلة حمراء فالمراد: أن أعلامها حمر وليس حمراء خالصة. فبناء على ذلك فإن ما يوجد من الثياب التي يلبسها بعض الناس- بعض فئات الناس مثل الكنّاسين، ومثل العاملين في الأندية الرياضية يلبسون أحمر خالصًا- نقول لهم: إن هذا إما مكروه وإما محرم، فإن كان فيه أعلام بيض أو صفر أو لون آخر زالت الكراهة؛ لأنه ليس أحمر خالصًا، والحكمة من النهي أما بالنسبة للقسي فظاهرة لأنه من الحرير، أما للمعصفر فقد قيل: إنه لباس أهل النار فلا ينبغي للإنسان أن يتشبه بهم. ٥٠٥ - وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: ((رأى عليَّ النَّبيُّ ﷺ معصفرين، فقال أمُّك أمرتك بهذا؟ )). رواه مسلمٌ. ((رأى عليَّ)) هل هي رؤية عين؟ نعم، فقال: ((أمُّك أمرتك بهذا؟ )) ((أمك)) مبتدأ، ولكنه على تقدير همزة الاستفهام، والتقدير: أؤمك أمرتك بهذا، و ((أمرتك)) الجملة خبر المبتدأ، وإنما قال ﷺ ذلك؛ لأن ذلك من لباس النساء لا يلبسه الرجال، ولا يخفي ما في هذا القول من التوبيخ والتقريع لعبد الله بن عمرو بن العاص؛ مثل ما يقول الناس الآن: تربية هذا الرجل تربية امرأة، يعنون: أنه ناقص التربية، فكذلك قوله: ((أمك امرأتك بهذا))؛ لأن تربية الأم ناقصة، ولأن هذا من لباس النساء. فيستفاد من هذا الحديث: وجوب الإنكار على من تلبس بالمنكر لقوله: ((أمك أمرتك بهذا)). ويستفاد منه: أن لباس الأحمر جائز للنساء؛ لأن قوله: ((أمك أمرتك بهذا)) من أجل أن النساء يعتدن ذلك فتظن المرأة أنه يجوز للرجل أن يلبسه. ومن فوائد الحديث: أن تربية الأم ناقصة لقوله: ((أمك أمرتك بهذا))، ولذلك قال أهل العلم في باب الحضانة: أنه إذا خيِّر الغلام الذي بلغ سبع سنين واختار أمه فإنه يكون عندها ليلًا وعند أبيه نهارًا لأجل أن يؤدبه ويقوم بمصالحه. جواز كف الثياب بالحرير وضوابطه: ٥٠٦ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂: ((أنَّها أخرجت جبَّة رسول الله ﷺ مكفوفة الجيب والكمَّين والفرجين بالدِّيباج)). رواه أبو داود، وأصله في مسلمٍ. قولها: ((الجيب)) هو الطريق يوصل معه الرأس، وقولها: ((الكمين)) معروف، وقولها: ((الفرجين))

стр. 1071

هما شقان تشق بهما الجبة أحدهما من الأمام والثاني من الخلف، وسمي فرجين؛ لأنها تنفرج الجبة إذا شقت من الأسفل، وقولها: ((مكفوفة)) يعني: أنها كف بعضها على بعض؛ يعني: ثني بعضها على بعض وخيط بالديباج، فهذا دليل على أنه يجوز أن يكون طوق الجبة، وأن يكون أكمام الجبة، وأن يكون فرج الجبة من الحرير؛ لأن هذا يسير تابع، فهو داخل في حديث عمر السابق: ((إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع)). - وزاد: ((كانت عند عائشة حتَّى قبضت، فقبضتها، وكان النَّبيُّ ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها)). - وزاد البخاريُّ في الأدب المفرد. ((وكان يلبسها للوفد والجمعة)). ((زاد)) يعني: مسلم ((كانت هذه الجبة عند عائشة حتى قبضت)) يعني: ماتت، ((فقبضتها))، ولكن يشكل على هذا الحديث كيف كانت عند عائشة، وقد قال النبي ﷺ : ((إنَّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة)). والجواب على ذلك: أن عائشة ﵂ لم تتملكها، ولهذا من الذي أخذها؟ أسماء بنت أبي بكر، أخذتها أختها، ولكنها كانت عندها لنفع الناس بها. قالت: ((وكان النبي ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها))، و ((كان يلبسها للوفد والجمعة)) يعني: الجبة، فهذا دليل على أن عائشة ﵂ ما اقتنتها لنفسها، ولكن لنفع المسلمين كانوا يغسلونها للمرضى يستشفون بها، لماذا؟ لأنها جبة النبي ﷺ ، وقد سبق لنا أن يجوز التبرك بآثار النبي ﷺ وأنه لا بأس بها، ومن آيات الله ، أن هذه الجبة تغسل للمريض ويؤخذ الماء ثم تغسل لمريض ويؤخذ الماء، ثم لمريض ثالث، وكل ذلك ببركة النبي ﷺ . الشاهد من هذا الحديث: أن جبة الرسول- ﵊ كانت مكفوفة الجيب والكمين والفرجين والديباج، فدلّ ذلك على أنه يجوز أن تكفَّف مثل هذه الأشياء وأن تخاط بالديباج، وقاس شيخ الإسلام ﵀ على هذه المسألة مسألة الذهب، وقال: إن الذهب والحرير بابهما واحد، وأن العباءة التي تجعل بالزر الذي يكون من الذهب لا بأس بها لأنها تابعة وليست مستقلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز الذهب ولو كان يسيرًا تابعًا، وقال: إن الأصل بقاء الأحاديث على عمومها، وخرج ما كان موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع من الحرير بالنص فبقي الذهب على حاله محرمًا. من فوائد الحديث: جواز كف الطوق والكم والفرج من الجبة بالحرير، وجه ذلك: أن

стр. 1072

ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز الاستشفاء والتبرك بآثار النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن آثار الرسول ﷺ قد تكون سببًا للشفاء كما كان عند أم سلمة جلجل من فضة وفيها شعرات من شعر النبي ﷺ يستشفي بها. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يتجمل للوفد، وأن يتجمل للجمعة لقوله: ((وكان يلبسها للوفد والجمعة)) فعلى هذا لا يلام الإنسان إذا جاءه ضيف وذهب إلى بيته ولبس ثيابًا جميلة لا يلام على ذلك، بل إنه يحمد على ذلك؛ لأن هذا فعل النبي ﷺ ، أما أن تأتي إلى ضيوفك وأنت حاسر عن رأسك فاتح عن صدرك مشمر لأكمامك فهذا لا ينبغي؛ لن الرسول ﷺ كان يتجمل للوفد وهو من مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، وكذلك في الجمعة كان الرسول ﷺ يلبس فيه أحسن ثيابه، ومنها أنه كان يلبس هذه الجبة التي فيها الحرير. * * *

стр. 1073

كتاب الجنائز

стр. 1074

كتاب الجنائز سبق لنا أن الجنائز: جمع جَنازة أو جِنازة، وأن بعضهم قال: الجنازة بالفتح: الميت، والجنازة بالكسر: النعش عليه الميت، وقال بعض أهل اللغة: إنهما سواء، يقال: الجَنازة. ويقال: الجِنازة. والجنائز: هم الأموات، هم الأحياء في الواقع لكنهم انتقلوا من دار إلى دار أخرى، كما انتقلوا من الدار التي هي بطون أمهاتهم إلى الدنيا فيرجعون بعد الدنيا إلى البطن الأول وهو بطن الثرى والتراب، ثم بعد ذلك يخرجون من هذا البطن إلى الحياة الآخرة، وهذا من الحكمة أن يكون الخروج من البطن الأول إلى البقاء الآخر، وأما في الدنيا فهو الخروج من البطن الثاني إلى العمل، فهنا طرفان: الطرف الأول الذي هو خلق الإنسان من الطين، والطرف الآخر خروجه من هذا البطن إلى اليوم الآخر الدائم، فيكون في ذلك الطرفان الأول والطرف الأخير لكن في الحمل في بطون أمهاتهم هم طرفان، في الوسط يخرج الإنسان من بطن أمه إلى الدنيا ثم ينتقل. الترغيب في تذكر الموت: ٥٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكثروا ذكر هاذم اللَّذَّات الموت)). رواه التِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان. قول: ((أكثروا ذكره)) في نفوسكم أو فيما بينكم؟ يشمل هذا وهذا. وقوله: ((هاذم وهادم)) لغتان؛ فـ ((هاذم)) بمعنى: قاطع، و ((هادم)) من الهدم الذي هو هدم البنيان. وقوله: ((هاذم اللذات)) يعني: الذي يهذمها ويقطعها، والمراد باللذات: لذائذ الدنيا، وإلا فإن الموت بالنسبة للإنسان المؤمن ابتداء لذة لا تشبه لذات الدنيا، لكن لذات الدنيا تنقطع بالموت، وإنما أمر

стр. 1075

النبي ﷺ بالإكثار من ذكره؛ لأن ذلك يلين القلوب ويزهدها في الدنيا، ويذكرها الحال التي لابد من عبورها، فكما قال كعب بن زهير: [البسيط] كلُّ أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلةٍ حدباء محمول هذه الحقيقة الواقعة يجب على الإنسان أن يتذكرها لا لأجل أن يبكي، أو لأجل أن يقول: سأفارق أهلي وبلدي وإخواني وأصحابي، لكن يكثر من ذكرها لأجل الاعتبار والاتعاظ كما قال النبي ﷺ : ((زور القبور تذكر الآخرة))، وإذا أكثر الإنسان من ذكر الشيء فإنه لابد أن يستعد له، والاستعداد للموت يكون بالإيمان والعمل الصالح، ولهذا لا ينفع الإنسان أن يقوم فيذكر الناس بالموت وأنهم سينتقلون من دارهم إلى القبور وما أشبه ذلك، حتى يقرن هذا بالحث على العمل الصالح واغتنام الوقت. يستفاد من الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يعظ نفسه بما يكون واعظًا، ومنه ذكر للموت. ويستفاد من ذلك: أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، سواء يذكر بذلك نفسه أو يذكر بذلك غيره. ومن فوائد الحديث: أن الموت يقطع كل لذة، فإن الإنسان إن كان مؤمنًا انقطعت لذته من الدنيا إلى لذة خير منها، وإن كان كافرًا انقطعت لذته من الدنيا إلى حال لا لذة فيها إطلاقًا، وإنّما فيها الشقاء والبلاء؛ ولهذا ورد في الحديث الصحيح: ((أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))، فالدنيا للمؤمن سجن، وأما الكفر فإن الدنيا جنته؛ لأنه مهما وجد في الدنيا من بؤس فإنه بالنسبة لعذاب القبر وعذاب النار يعتبر جنة، وقد ذكرت لكم ما أثرت عن ابن حجر العسقلاني ﵀ وكان قاضي القضاة في مصر، وكان إذا حضر إلى مجلس القضاء يحضر على عربة تجرها البغال وفي موكب فمر ذات يوم بيهودي دهّان- زيات- ثيابه ملوَّثة وهو متعبٌ، فأوقف هذا الموكب اليهودي وقال لابن حجر: إن نبيكم يقول: (إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))، والآن أنت مؤمن وأنت على ما أنت عليه من النعيم والاحترام والتعظيم، وهو- أي: هذا اليهودي- يعتبر في عيش ضيِّق ومسكين، فقال له ابن حجر: ما أنا فيه من النعيم بالنسبة لنعيم الآخرة يعتبر سجنًا، وما أنت عليه من البؤس يعتبر بالنسبة لعذاب الآخرة جنة/ فاتعظ اليهودي، وقال: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

стр. 1076

كراهة تمني الموت: ٥٠٨ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به، فإن كان لابدَّ متمنيًا فليقل: اللهمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني ما كانت الوفاة خيرًا لي)). متَّفقٌ عليه. قوله: ((لا يتمنين)) التمني هو: طلب الشيء الذي يستبعد حصوله أو يتعذر حصوله، والفرق بين التمني والرجاء: أن الرجاء فيما هو قريب الحصول، والتمني فيما هو بعيد الحصول. وفي قوله: ((لا يتمنين)) مشكل؛ حيث كانت ((لا)) ناهية ونصبت الفعل المضارع، والمعروف أن ((لا)) الناهية تجزم الفعل المضارع، فما الجواب؟ الجواب: أن الفتحة هنا فتحة بناء لا إعراب. وقوله: ((لا يتمنين أحدكم الموت)) يعني: لا يقول: اللهم أمتني لا بقلبه ولا بلسانه، وقواه: ((لضرٍّ)) اللام للتعليل؛ أي: من أجل ضر نزل به، سواء كان هذا الضر في بدنه، أو في أهله، أو في ماله، أو في مجتمعه، أو في دينه، أو في دنياه، كل العمومات هذه، لأنه قال: ((لضرٍّ نزل به)). مثال الضر في بدنه: أن يصاب بمرض شديد سواء كان المرض بدنيًّا، أو فكريًّا، أو نفسيًّا أصيب بمرض، فتمنى أن يموت من أجل هذا الضر الذي به. بماله: مثل أن يصاب بجوائح نزول الأسعار، تلف، وما أشبه ذلك. في أهله: بموت، أو أمراض عقلية، أو نفسية، أو جسمية. في مجتمعه نكثات: في المجتمع معاص، وفسوق وما أشبه ذلك. في دينه: مثل أن يجد من نفسه إعراضًا عن دين الله وتكاسلًا في الخير وما أشبه ذلك. في دنياه واضح. المهم: أن الحديث عام: ((لضر نزل به))، فإن كان لابد متمنيًا هذا يدل على أنها حالة غير مرغوب فيها، ولكن إن كان ولابد فليقل: ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي)). ((اللهم)) يعني: يا الله، ولكنها حذفت منها النداء وعوضت عنها الميم، حذفت ياء النداء تبركًا بالبداءة باسم الله وعوِّض عنها الميم وجعلت في الآخرة؛ لأن الميم تدل على الضم وهو الجمع، كأن الإنسان جمع قلبه على ربه ((اللهم أحيني)) فعل دعاء؛ لأنك لا يمكن أن تأمر الله . وقوله: ((ما كانت الحياة خيرًا لي)) ((ما)) هذه مصدرية ظرفية، كيف ذلك؟ مصدرية؛ لأنها تؤول بمصدر، وظرفبة: لأنه يقدر قبلها ظرف، فما كانت الحياة أي: مدة كون الحياة خيرًا لي. ((وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي))، أقول في ((توفني)) مثل ما أقول في ((أحيني))، و ((ما كانت

стр. 1077

الوفاة)) مثل ما قلنا في ((ما كانت الحياة))، وإنما يقول الإنسان ذلك لأنه لا يعلم: هل الخير في البقاء او في الموت، وأكثر الناس يظنون أن الحياة للإنسان، وليس الأمر كذلك، بل قد تكون الحياة شرًا للإنسان، قال الله تعالى: ﴿ولا يحسبنَّ الَّذين كفروا إنَّما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنَّما نملي لهم ليزدادوا إثمًا ولهم عذابٌ مهينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقال تعالى: ﴿فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (٤٤) وأملي لهم إنَّ كيدي متين﴾ [القلم: ٤٤، ٤٥]. ولهذا كره بعض العلماء أن يدعى للإنسان بطول البقاء، يعني: لا تقل: أطال الله بقاءك أو أطال الله عمرك إلا إذا قيدته فقلت مثلًا: على طاعة الله؛ لأنك لا تعلم إذا طال عمره هل يكون ذلك خيرًا له أو شرًا له، وأنا أقول: إن الإنسان قد يدرك أنه في أول شبابه خيرٌ منه اليوم، حتى الصحابة ﵃ كان بعضهم حينما فتحت الدنيا خاف على نفسه، وأقرَّ بأنه في عهد الرسول ﷺ خيرٌ من اليوم، فالإنسان لا يدري والحي لا يأمن الفتنة، ولهذا ينبغي لك إذا دعوت الله بطول العمر لك أو لغيرك أن تقيده بأن يكون على طاعة الله . في هذا الحديث نهى الرسول ﷺ أن يتمنى الإنسان الموت لضر نزل به، وإنما نهى عن ذلك؛ لأن هذا يدل على عدم الصبر، والواجب على الإنسان أن يصبر وينتظر الفرج من الله- فقد قال تعالى: ﴿فإنَّ مع العسر يسرًا (٥) إنَّ مع العسر يسرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] وقال الرسول ﷺ : ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)). يقال: إن الحجاج قال لشخص من الناس- اختلف معه في كلمة (فُعْلة) - هل تأتي في اللغة العربية أم لا؟ فذهب هذا الرجل إلى البوادي والأعراب يسأل هل تأتي فعلة على هذا أم لا؟ وتعرفون أن الحجاج ربما لو ما جاء بها له يقتله، فقيل له هذا البيت: ربَّما تكره النُّفوس من الأمـ ... ـر له فرجة كحلٌ العقال ثم إنه لما أنشد هذا البيت جاء الخبر بأن الحجاج قد مات، فانطبق هذا البيت تمامًا على الحالة الواقعة. أقول: إن الإنسان يجب عليه أن ينتظر الفرج من الله ، وانتظار الفرج مع الصبر عبادة. يستفاد من هذا الحديث: تحريم تمني الموت لضر نزل بالإنسان، من أين يؤخذ؟ من النهي المؤكد: ((لا يتمنين)).

стр. 1078

وهل يستفاد منه جواز تمني الموت لغير الضر. لا؛ لأن الرسول ﷺ قيَّد، ولكن هذا القيد أغلبي، وقال أهل الأصول: القيد الأغلب ليس له مفهوم، وضربوا لذلك أمثلة منها: ﴿وربائبكم الَّتي في حجوركم من نسآءكم الَّتي دخلتم بهنَّ﴾ [النساء: ٢٣]. من الربائب؟ بنات الزوجات، لكن قال: ﴿الَّتي في حجوركم﴾ يعني: عندكم في بيوتكم من ﴿نسآءكم الَّتي دخلتم بهنَّ﴾، لو أخذنا بظاهر هذا القيد لكانت الربيبة التي لبست في بيت زوج أمها حلالًا، والصحيح أن الأمر ليس كذلك، بدليل أن الله ذكر مفهوم القيد الثاني دون الأول حيث قال: ﴿فإن لَّم تكونوا دخلتم بهنَّ فلا جناح عليكم﴾؛ إذن فالقيد هذا أغلبي لا مفهوم له، ومثلوا لذلك أيضًا بقوله- ﵎: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصُّنًا﴾ [النور: ٢٣]. فإن أردن غير التحصن مثل أن قالت: لا أريد البغاء لأن هذا الرجل الذي أحضرتموه رجل ذميم كريه المنظر، أحضروا رجلًا جميلًا، وأقول: أهلًا وسهلًا، هذه أرادت التحصن؟ لا، أبت البغاء لقبح الرجل لا للتحصن، فهل نقول: إذا أبت البغاء لقبح الرجل يجبرها؟ لا، الله يقول: ﴿إن أردن تحصُّنًا﴾ فيقول: لأن هذا القيد أغلبي. إذن قول النبي ﷺ هنا: ((لضر نزل به)) بناء على الأغلب؛ لأن الإنسان الذي لم يأته ضرر ما أحد يتمنى الموت. ويستفاد من هذا الحديث: وجوب الصبر على الأضرار النازلة بالإنسان، من أين يؤخذ؟ من النهي عن تمني الموت لأجل الضرر؛ يعني: معناها اصبر. ويستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا كان لابد متمنيًا- وهي حالة نادرة- فليقل ما ذكر. ويستفاد منه: أن الإنسان لا يعلم الغيب، من أين تؤخذ؟ من التفويض: ((اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي)) لأنني ما أعلم. ويستفاد منه: ثبوت علم الله بالمستقبل ((ما علمت الحياة)) و ((ما علمت الوفاة خيرًا لي)). ويستفاد منه: أن الموت قد يكون خيرًا للإنسان كما أن الحياة قد تكون خيرًا له، لقوله: ((ما كانت الوفاة خيرًا لي)) وهذا لا شك أن الوفاة قد تكون خيرًا للإنسان، وقد أخبر الرسول ﷺ أن الرجل يأتي في آخر الزمان إلى القبر: فيقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر؛ لما يرى من الفتن العظيمة التي قد تحول بينه وبين السعادة الأبدية. فإن قلت: ما الجمع بين هذا الحديث، وقول مريم- عليها الصلاة والسلام- أو نقول: مريم ﵂؟ الأخير، [قالت]: ﴿يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيًا مَّنسيًا﴾ [مريم: ٢٣]. وكذلك ما جاء

стр. 1079

في الحديث: ((إن أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)). وكذلك ما جاء عن يوسف: ﴿أنت ولي وفي الدُّنيا والآخرة توفَّنى مسلمًا وألحقنى بالصَّالحين﴾ [يوسف: ١٠١]. كيف نجمع بينها وبين هذا الحديث؟ الجواب: أما قول مريم: ﴿يا ليتنى متُّ قبل هذا وكنت نسيًا مَّنسيًا﴾ [مريم: ٢٣]، وكذلك قوله: ((اقبضني إليك غير مفتون)) فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تمني الموت إذا كان لضرر ديني أو خوف الفتنة فإنه لا بأس به، وحمل هذا الحديث الذي معنا على الضرر غير الديني، وهذا الجمع قد يكون مقبولًا، ولكننا نقول: إن هناك جمعًا أيسر منه وأبقى لعموم هذا الحديث الذي معنا، وهو أن يقال: إن مريم ﵂ لم تتمن الموت، وإنما تمنَّت أنها ماتت ولم تحصل هذه الفتنة، وأظن أن هناك فرقًا بين أن يتمنى الإنسان أنه لم يحصل هذا الشيء حتى مات وبين أن يتمنى الموت متقدمًا، فالمعنى أنها تقول: ﴿يا ليتنى متُّ قبل هذا﴾ أي: يا ليتني لم يصبني ذلك حتى الموت، وكذلك قوله: ((اقبضني إليك غير مفتون)) ليس فيها تعجل الموت، فيها أن الله يقبضه على حال وهو غير مفتون، ولهذا ((غير)) منصوب على الحال، هو لا يقول: أسرع بقبضي وإهلاكي وموتي، لكن يقول: اقبضني على حال أكون فيها غير مفتون حتى لو حضرت الفتنة، وحضور الفتنة مع الثبات أبلغ أجرًا من الموت قبل الفتنة، كذلك أيضًا قول يوسف- ﵊: ﴿توفنى مسلمًا وألحقنى بالصًّالحين﴾ هل هو طلب من الله أن يتوفاه؟ لا، وإنما طلب أن يتوفاه على الإسلام بهذا القيد، وكذلك أيضًا قول أولو الألباب: ﴿وتوفَّنا مع الأبرار﴾ ﴿آل عمران: ١٩٢]. ليس طلبًا للوفاة ولكنه طلب لوفاة مقيدة، وبهذا تلتئم النصوص ولا يناقض بعضها بعضًا، والإنسان في الحقيقة حتى في الأضرار الدينية وفي الفتن لا يتمنى الموت، وإن كان لابد متمنيًا وخاف على نفسه من الفتنة الدينية لقوة الدافع ففي هذه الحال يقول: ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرً لي))، إذن هذا هو الجمع. ٥٠٩ - وعن بريدة ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: ((المؤمن يموت بعرق الجبين)). رواه الثَّلاثة وصحَّحه ابن حبَّان. قال- ﵊: ((المؤمن يموت))، ((المؤمن)): مبتدأ، وجملة ((يموت)) خبرها، وقوله:

стр. 1080

((بعرق الجبين)) الباء هذه للملابسة والمصاحبة؛ أي: يموت وجبينه في عرق، ما معنى هذا؟ قيل: معناها أن المؤمن يشدد عليه النزع حتى يعرق جبينه. وقيل: معناه أن المؤمن يعمل ويكدح، ويتطوع لله حتى يأتيه الموت وهو لا يزال في عناء العمل ومشقته، فهذان قولان والحديث يحتملهما، وهما لا يتعارضان، وقد بيّنا مرارًا أن النص إذا كان يحتمل المعنيين ولا معارضة بينهما فإنه يحمل عليهما، فإن تعارضا طلب المرجح. وعلى هذا فنقول: إن الحديث له معنيان، وربما يكون له معنى ثالث أيضًا وهو أن المؤمن يموت وهو في حياء وخجل من الله والعادة أن الإنسان إذا صار عنده خجل وحياء تعرق جبينه، والكافر- والعياذ بالله- قلبه قاس ليس عنده خجل ولا حياء من الله- . تلقين المحتضر الشهادة: ٥١٠ - وعن أبي سعيدٍ ولأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((لقِّنوا موتاكم لا إله إلَّا الله)). رواه مسلمٌ والأربعة. قوله ﷺ : ((لقنوا موتاكم)) معنى التلقين: أن الإنسان يقول الشيء ليتبعه غيره كما يلقن المدرس الطفل الصغير القراءة مثلًا، يقرأ ثم ذاك يتبعه، فالمعنى: قولوا: ((لا إله إلا الله)) من أجل أن يتبعوكم، وقوله: ((موتاكم)) كلمة ((موتاكم)) يراد بها هنا: الذين هم في سياق الموت فهو باعتبار ما سيكون، والوصف قد يطلق على ما يتلوه إذا كان عاقبًا له مثل: ﴿فإذا قرأت القرآن﴾ [النحل: ٩٨]. هل المعنى: إذا أنهيت قراءته، أو إذا أردت أن تقرأ بحيث تكون القراءة تالية لهذا؟ هذا هو المراد، فالوصف قد يوصف به من لم يتلبس به إذا كان قريبًا من ذلك، والموت يطلق على من أخذه سبب الموت كما في الحديث الذي نتلوه كل وقت هو: ((أعود بك من فتنة المحيا والممات)). وقوله: ((لا إله إلا الله)) هذه الجملة هي كلمة التوحيد، فما معنى ((لا إله إلا الله) أي: لا معبود حق يستحق أن يعبد إلا الله ، وليس معناها: أنه لا توجد آلهة سوى الله؛ لأن هناك آلهة كثيرة تعبد من دون الله سماها الله تعالى آلهة فقال: ﴿فلا تدع مع الله إلاهًا آخر﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال: ﴿فما أغنت عنهم ءالهتهم التي يدعون من دون الله من شيءٍ﴾ [هود: ١٠١]. وعلى هذا يتبين لنا أن النفي الموجود في ((لا إله إلا الله، أو النفي الموجود في قول الرسل لقومهم: ﴿ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٦٥]. أن المراد: من إله حق مستحق لذلك؛ فإنه لا أحد يستحق هذا إلا الله .

стр. 1081

وقوله: ((لا إله إلا الله)) اختلف العلماء لماذا لم يقل: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))؟ فقيل: لأن من أقر بالتوحيد فإنه مقر بالرسالة؛ لأن ألوهية الله تقتضي لكمالها أن يكون محمد رسول الله، وقيل: إن المعنى: لقنوهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحذف الثانية استغناء عنها بالأولى، ولكن ظاهر الحديث أنه لا حذف فيه، وأن من شهد أن لا إله حق إلا الله فإن هذه الشهادة تتضمن الإقرار بأن محمدًا رسول الله، ولهذا في حديث أسامة الذي لحق بالرجل المشرك فلما أدركه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة ﵁، فلما أخبر النبي ﷺ بذلك قال له: ((قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله)) قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا- يعني: يستعيذ من القتل- فجعل الرسول ﷺ يكررها: ((قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ )) حتى قال أسامة: تمنيت أن لم أكن أسلمت بعد، فهذا يدل على أن ((لا إله إلا الله)) إذا قالها الإنسان فهو مؤمن ثم يطالب بعد ذلك بلوازمها. وقوله: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) عرفنا معنى التلقين، وهذا الأمر ليس على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الاستحباب، إذ لم يعلم أن أحدًا من أهل العلم قال بوجوبه، ثم إن قوله: ((موتاكم)) الضمير يعود على المسلمين، فيكون التلقين لمن مات من المسلمين، وأما الكفار فإنهم يؤمرون أمرًا يقال لهم: قولوا لا إله إلا الله، ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال لعمه أبي طالب وقد حضرته الوفاة: ((يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)). قال أهل العلم: والفرق بين المؤمن والكافر: أن المؤمن لو أنك أمرته أمرًا فلربما اشمأز ونفر وكره ما قلت، وربما يقول: ما نبغي هذا نسأل الله العافية، أما الكافر فإنك إذا أمرته فإن قال ذلك فقد ربح، وإن لم يقل ذلك فهو خاسر من الأصل على كفره. وقال بعض أهل العلم: بل يفرق بين الرجل الذي نرى أنه قد رجع وضاق صدره عند نزول الموت به وهو مؤمن، فهذا لا نقول: قل، ولكننا نلقنه لا إله إلا الله، نقول عنده هكذا: لا إله إلا الله، أما إذا كان قد انشرح صدره- لأن الناس يختلفون عند الموت- واطمأن فهذا لا بأس أن نقول له: قل لا إله إلا الله، أو اذكر الله أو ما أشبه ذلك؛ لأنه ورد أن الرسول ﷺ عاد رجلًا من الأنصار فقال له: ((قل لا إله إلا الله))، فعلى هذا القول يكون الأمر عائدًا إلى حال الميت وإلى اجتهاد الحاضر، فإذا لقنته لا إله إلا الله وقال ذلك فاسكت لا تكلمه بشيء؛ لماذا؟ حتى

стр. 1082

يكون آخر كلامه لا إله إلا الله، فإن تكلم هو بشيء مثل: أعطوني ماء، أو ما أشبه ذلك فإنك تعيد تلقينه، فإذا لقنته ولم يقل: لا إله إلا الله فأعد التلقين مرة ثانية فإن ذكر الله فاسكت، وإن لم يذكر الله فأعد التلقين مرة ثالثة، فإن ذكر الله فذاك، وإن لم يذكر الله فقد قال العلماء لا يعيد تلقينه بعد الثالثة؛ لئلا يضجر لأنه في حالة لا يشعر بها إلا من أصابته؛ فلأجل ألا يضجر لا تعدها أكثر من ثلاث مرات، وينبغي أن يقال في هذه الحال، أنه ينظر في حال الميت، وربما يكون عندما قلت له مرتين أو ثلاثًا يكون في إغماء أو في شدة شديدة، فإذا أعدت عليه تذكر. فالحاصل في مثل هذه الأمور أن الإنسان الحكيم يعرف كيف يتصرف، ولكل مقام مقال، أحيانًا ربما نرى هذا المحتضر، يتحرك حركات شديدة ويتنهد نهدات عظيمة وربما يتضجر، وربما يقول: يا ويلتاه، وغير ذلك من الأشياء، فهذا لا بأس أن تقول له: اصبر، احتسب، انتظر الفرج من الله وما أشبه ذلك، فالذي أراه في هذه المسألة أنها ترجع إلى ما تقتضيه الحال، ويستعمل الإنسان الحكيم ما يراه أصلح. فيستفاد من هذا الحديث: مشروعية تلقين الميت، يعني: الذي حضره الأجل؛ لقوله: ((لقنوا)). ويستفاد منه: أن هذا التلقين للموتى المسلمين، لقوله: ((موتاكم))، أما غير المسلمين فيؤمرون كما عرفتم. ويستفاد منه: فضيلة هذه الكلمة ((لا إله إلا الله)) بحيث يلقن بها الإنسان عند مفارقة الدنيا، وقد ورد في الحديث أن: ((من كان آخر كلامه لا إله الله دخل الجنة)). ويستفاد منه: أنه ينبغي أن يكون الناس متعاونين فيما بينهم على نفع بعضهم بعضًا؛ لأن هذا من مصلحة الميت وهي أيضًا من مصلحته، فإن الرسول ﷺ يقول: ((لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم))، وربما إذا رفقت بهذا المحتضر ربما ييسر الله لك من يرفق بك عند احتضارك؛ لأن هذه الحال ستمر بك، فإذا رفقت بإخوانك المسلمين فقد ييسر الله لك إذا وصلت إلى هذه الحال. * * *

стр. 1083

حكم قراءة يس عند المحتضر: ٥١١ - وعن معقل بن يسارٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: ((اقرءوا على موتاكم يس)). رواه أبو داود، والنَّسائيُّ، وصحَّحه ابن حيان. قوله: ((اقرءوا على موتاكم))، نقول في ((موتاكم)) هنا مثل ما قلنا في ((لقنوا موتاكم))، أي: المحتضر، وليس المراد: أن نقرأها عليه بعد الموت؛ لأنه بعد الموت ما نقول: قرأت عليه، نقول: قرأت عنده، أما قرأت عليه فمعناه: انه يسمع، كما يقول المحدثون: قرأت على الشيخ، وكما يقول: قرأ علي سورة كذا وكذا، المعنى: قرأها وأنا استمع إليه؛ فقوله: ((اقرءوا على موتاكم)) أي: في حال وجودهم قبل أن يموتوا، يعني: في حال الاحتضار، قوله: ((يس)) يعني: سورة يس، أو يس فقط وحدها؟ لا، سورة ((يس))، وإنما يس علم لها، ويس من الحروف المقطعة في كتاب الله والحروف المقطعة في كتاب الله أصح ما قيل فيها ما قاله مجاهد: من أنها حروف هجائية لا معنى لها، ووجه قوله هذا هو القول الراجح: أن القرآن نزل بلسان عربي باللغة العربية، ومثل هذه الحروف في اللغة العربية ليس لها معنى، إذن ما الفائدة منها؟ ذكر بعض العلماء أن الفائدة منها: هو بيان أن هذا القرآن الذي أعجز العرب وغيرهم لم يأت بجديد من الحروف، وإنما أتى بحروف كانوا يؤلفون منها كلامهم ومع ذلك يعجزون أن يؤلفوا من هذه الحروف ما يشبه كلام الله ، قالوا: والدليل على هذا أنك لا تكاد تجد آية مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن ﴿آلم (١) ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١، ٢]. ﴿آلم (١) الله لا إله إلَّا هو الحيُّ القيُّوم (٢) نزَّل عليك الكتاب﴾ [آل عمران: ١ - ٣]. وهذت القول أصح ما قيل في ذلك. وأما من قال: إن يس اسم من أسماء الرسول ﷺ واستدل لذلك بالخطاب الذي بعده ﴿يس (١) والقرءان الحكيم (٢) إنَّك لمن المرسلين﴾ [يس: ١ - ٣]. فإننا نقول له: إذن من أسماء الرسول ﷺ (×××)؛ لنه قال بعدها: ﴿كتابٌ أنزل إليك﴾ [الأعراف: ٢]. وهذا لا يقوله أحد، (طه، ويس) ليستا من أسماء الرسول ﷺ ، وإن كان قد اشتهر حتى عند بعض العلماء أن (طه) من أسماء

стр. 1084

الرسول ﷺ ، لكن هذا لا يصح، وإنما (طه، ويس) مثل: (ن)، و (ف)، و (الر)، و (الم)، و (المص). هذا الحديث عند من صححه يقولون: إن الفائدة هي أن قراءة (يس) على الميت تسهل خروج الروح، نقله الإمام أحمد عن أشياخه وعن سلفه؛ لأن فيها ذكر الجنة والتشويق إليها مثل قوله: ﴿قيل ادخل الجنَّة قال يا ليت قومي يعلمون (٢٦) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]. ومثل قوله: ﴿إنَّ أصحاب الجنَّة اليوم في شغلٍ فاكهون (٥٥) هم وأزواجهم في ظلالٍ على الآرائك متكئون (٥٦) لهم فيها فاكهةٌ ولهم ما يدعون (٥٧)﴾ [يس: ٥٥ - ٥٧]. وفيها أيضًا إثبات البعث وتقريره بأحسن تقرير: ﴿أو لم ير الإنسان أنَّا خلقناه من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبينٌ (٧٧) وضرب لنا .... ﴾ إلى قوله: ﴿فسبحان الَّذي بيده ملكوت كل شيءٍ وإليه ترجعون﴾ [يس: ٨٣] في آخر السورة، فإن فيها ثمانية أدلة عقلية كلها تدل على إمكان البعث، وعند من لم يصحح هذا الحديث يقول: إن قراءة سورة (يس) على الميت بدعة؛ لأنه إذا لم يثبت الحديث عن النبي ﷺ فإنه لا يتعبد لله بشيء لم يشرعه. تغميض الميت: ٥١٢ - وعن أمِّ سلمة ﵂ قالت: ((دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة ﵁ وقد شقَّ بصره فأغمضه، ثمَّ قال: إنَّ الرٌّوح إذا قبض اتَّبعه البصر، فضجَّ ناسٌ من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخيرٍ، فإنَّ الملائكة تؤمِّن على ما تقولون، ثمَّ قال: اللهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديِّبن، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه)). رواه مسلمٌ. أبو سلمة هو زوج أم سلمة أم المؤمنين ﵂، وقوله: ((شقَّ بصره))، شق يعني: انفتح انفتاحًا واسعًا وصار لا ينظر إلى جهة واحدة، فهو كشخص البصر كما يقال: شخص بصره، وإنما شق بصره ينظر إلى روحه التي في جسده تقبض بإذن الله وتخرج إذا خرجت، ويقال: إنها تخرج من الخياشيم إذا خرجت رآها الميت، فينظر إليها- تعالى الله- وهذا دليل على أن الحياة تبقى في العين بعد خروج الروح. لما رآه النبي ﷺ قد شق بصره أغمض عينيه ثم قال: ((إن الروح إذا قبض)) هنا ذكر الروح ((إذا قبض))، وكان ظاهر الأمر أن يقول: إذا قبضت، ولكنه قال: ((إذا قبض)) ذكره باعتباره لفظه؛ لأن الروح مذكر لفظًا، فذكره باعتبار لفظه، ((اتبعه البصر)) أي بصر؟ بصر الميت، ((اتبعه)) يعني: يتابعه ويشاهده. ((فضج ناس من أهله)) ضجوا يعني: بالصياح وخرجت منهم أصوات، وقوله: ((من أهله))

стр. 1085

أي: من أهل أبي سلمة؛ لأنه لما قال النبي ﷺ : ((إن الروح إذا قبض)) علموا أنه قد توفي فضجوا كعادة الناس؛ فقال النبي ﷺ : ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة تؤِّمن على ما تقولون))، ((لا تدعوا على أنفسكم)) يحتمل أن المعنى: لا تدعوا على الميت؛ لأن الميت من أنفسهم أو على أنفسكم أنتم، كما هي عادتهم في الجاهلية إذا أصيبوا بمصائب يقولون: واثبوراه، وانقطاع ظهراه وما أشبه ذلك، أيهما أقرب؟ الثاني هو الأقرب؛ لأن دعاءهم على الميت بعيد أو متعذر. وقوله- ﵊: ((لا تدعوا إلا بخير)) يعني: ولا تدعوا بشر، بل إن لدينا ثلاثة أمور: خير وشر، ولا خير ولا شر، والرسول ﷺ قال: ((لا تدعوا إلا بخير))، علل ذلك بقوله: ((فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون)) أي ملائكة هم؟ الذين حضروا لقبض روح الميت، أو الملائكة الموكلون بكتابة أعمال بني آدم، أم ملائكة وكلهم الله بحضور المحتضرين، ليؤمنوا على دعاء أهليهم؟ أما الأول فبعيد؛ لأن الملائكة الذين حضروا لقبض روح الميت مشغولون بما أمروا به، وأما الثاني والثالث فكلاهما محتمل، وأيًّا كان فإن تأمين الملائكة على ما ندعو به سبب لإجابة الدعوة، وقوله: ((فإن الملائكة تؤِّمن على ما تقولون)) على أنفسكم أو على الميت؟ الظاهر: العموم؛ ولهذا ينبغي في مثل هذه الحال أن يدعى للميت: ((اللهم اغفر له، اللهم تغمده بالرحمة))، كما سيأتي- إن شاء الله- أن الرسول دعا له، ومن أحسن ما يقال: ((اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها)). ثم قال الرسول ﷺ الذي بالمؤمنين رءوف رحيم وأشفق عليهم من آبائهم وأمهاتهم- هذه الكلمات العظيمة التي يتمنى كل أحد أنها له، قال: ((اللهم اغفر لأبي سلمة)) اغفر له ذنوبه، ((وارفع درجته في المهديين)) يعني: في الجنة ((في المهديين)) أي: معهم، ومن هم المهديون؟ عم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أهدنا الصراط المستقيم (١) صراط الَّذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. إذن فالذين أنعمت عليهم مهديون إلى صراط مستقيم، فيكون معنى: ((ارفع درجته في المهديين)) أي: في الذين أنعم الله عليهم. ثم قال: ((وأفسح له في قبره)) ((أفسح)) بمعنى: وسِّع، والقبر- كما نعلم- من الناحية الحسية ضيق، لكنه قد يوسَّع للإنسان حتى يكون مدَّ بصره، كيف يوسع وهو ضيق حسًّا؟ لأن أحوال الآخرة غير أحوال الدنيا، إذا كان الإنسان وهو نائم أحيانًا يرى في المنام أنه في مكان واسع فسيح بستان وما أشبه ذلك، وأحيانًا يرى أنه في مكان ضيق في نفق، ومع هذا فهو في غرفته

стр. 1086

التي لا تزيد ولا تنقص وهو متغطٍّ بلحافه، فإذا كانت هذه حال الروح في الدنيا فما بالك بحالها في الآخرة. قال: ((وأفسح له في قبره ونوِّر له فيه)) القبر ظلمة من حيث الحس ظلمة محتومة على الإنسان، لكن يقول: ((ونور له فيه)) اجعل له فيه نورًا، إذا كان القبر فسيحًا، ونورًا فإن ذلك ينسي الدنيا كلها. قال: ((واخلفه في عقبه)) أي: كن خليفته في عقبه؛ أي: فيمن عقب من زوجة وولد، لننظر هذه الدعوات العظيمة من رسول الله ﷺ هل قبلت أم ردّت. نحن نعلم منها أن ما وقع وهو أن الله خلفه في عقبه، أتدرون من كان خليفته في عقبه؟ رسول الله ﷺ ، وهذا أعظم خلافة أن يكون زوجته وأولاده تحت رعاية النبي ﷺ ، نحن نقول: إن بقية الجمل الأربع إنما نرجو من الله أنه استجاب دعاء رسوله ﷺ ، لا سيما وأن الملائكة في مثل هذه الحال تؤمِّن على ما يقول، فاجتمع دعاء الرسول ﷺ وتأمين الملائكة والقرينة التي شاهدناها أو التي علمناها، وهي أنه خلفه في عقبه، فيكون كل هذا مما يؤيد أن الله استجاب دعاء رسوله ﷺ لهذا الرجل. في هذا الحديث فوائد، منها: أن من عادة رسول الله ﷺ عيادة المرضى؛ لأنه جاء إلى أبي سلمة عائدًا له. ثانيًا: أنه ينبغي تغميض عين الميت، الدليل: أنَّ الرسول ﷺ أغمضه. ثالثًا: أن الروح جسم مرئيٌّ لأن البصر أتبعه. رابعًا: أنه قد يبقى الإحساس في البدن مع مفارقة الروح له؛ لأن البصر يتبع الروح بعد قبضه وهذا من الناحية الطبية الآن مشاهد، وأنا قد ذبحت دجاجة وبعد أن ذبحتها وماتت وسلخت جلدها وفككت صدرها وجدت أن قلبها ينبض، القلب له جهتان: جهة تدفع الدن وجهة تستقبله. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي في هذه الحال ألا يدعى إلا بخير لقوله: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير)). ومن فوائده: أنه لا يلام الأهل إذا ضجوا من موت الميت؛ لأن الرسول ﷺ أقرّهم، لم يقل: لا تضجوا، بل قال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير)). ومن فوائده: ((إثبات الملائكة لقوله: ((فإن الملائكة يؤمِّنون)). ومن فوائده: عناية الله تعالى ببني آدم، حيث وكّل ملائكة يتابعونهم ويؤمِّنون على دعائهم، ومن الملائكة؟ الملائكة: عالم غيبي خلقهم الله ، من نور، وأعطاهم الله تعالى قوة في الإرادة وقوة في التنفيذ، ﴿لَّا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]. ﴿يسبّحون الليل

стр. 1087

والنَّهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ٢٠]. ومع ذلك فلهم سرعة عظيمة في الذهاب والمجيء أشد من سرعة الجن، دليل هذا: ﴿قال عفريتٌ من الجن أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مَّقامك وإنِّي عليه لقويٌ أمينٌ (٣٩) قال الَّذي عنده علمٌ من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠]. هذا أسرع من السريع، قال العلماء: إن هذا الذي عنده علم من الكتاب دعا الله فحملته الملائكة وجاءت به في هذه اللحظة العظيمة من اليمن وهو في الشام. حكم تسجية الميت: ٥١٣ - وعن عائشة ﵂: ((أنَّ النَّبي ﷺ حين توفِّي سجِّي ببردٍ حبرةٍ)). متَّفقٌ عليه. ((سجِّي)) بمعنى: غطي، وقوله: ((حبرة)) أي: معلمة، والبرود: نوع من الثياب تأتي من اليمن، وكان النبي ﷺ يحبها فسجَّوه بها، وتسجيتهم إيَّاه بها مع بقاء ثيابه عليه بدليل ما سيأتي- إن شاء الله تعالى- أما غير النبي ﷺ فإنه تخلع ثيابه ثم يغطى، قال أهل العلم: الوحكمة من ذلك لئلا يحتمي مع بقاء ثيابه عليه فيسرع إليه من الانتفاخ والتغير فيسجى بعد أن تنزع ثيابه. يستفاد من هذا الحديث: مشروعية تسجية الميت، يؤخذ من تسجية الصحابة للنبي ﷺ ولكن قد يقول قائل: هذا فعل الصحابة، وليس هذا في عهد النبي ﷺ حتى نقول: إن الوحي أقره، فما هو الجواب على هذا الاعتراض؟ لا شك أن هذا صادر بعد موافقة الخلفاء الراشدين، والخلفاء الراشدون لهم سنن متَّبعة، ثم نقول: إن هذا إذا صح سيأتي حين قالوا: ((أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا؟ فسمعوا هاتفًا يهتف: أن غسِّلوا رسول الله ﷺ في قميصه))، إذا صح هذا فإن إقرار الله لهم بالتسجية بدون أن يهتف هاتف يدل على أنها مشروعة. وها يستفاد من الحديث أن يسجَّى الميت بما يحب أن يستعمله في حياته؟ نعم إذا صحت العلة التي ذكرها بعض شراح الحديث من أن الرسول ﷺ سجي بهذه البردة لأنه كان يحب ذلك. حكم تقبيل الميت: ٥١٤ - وعنها: ((أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق ﵁ قبَّل النَّبيَّ ﷺ بعد موته)). رواه البخاريُّ. وسبب ذلك: أن رسول الله ﷺ أصبح يوم مات أحسن منه من الأيام التي قبلها، وكان أبو بكر ﵁ ملازمًا للبقاء في المدينة حين مرض النبي ﷺ واشتداد المرض به، فلما رآه قد أصبح بارئًا وأصبح من ذي قبل خرج إلى مكان له يسمى السنح- خارج المدينة- فتوفي النبي

стр. 1088

صلى الله عليه وسلم من ضحى ذلك اليوم، وحصل ما حصل من انزعاج الصحابة- ﵃ حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على شدة بأسه وقوته أشكل عليه الأمر وقام في الناس في المسجد يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ وإنما صعق، وليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم من خلاف، أبو بكر لما بلغه الخبر دخل على النبي ﷺ ووجده مغطّى، فكشف عنه وقبله وبكى، وقال: بأبي وأمي يا رسول الله، طبت حيًّا وميتًا، والله لا يجعل الله عليك موتتين، أما الموتة الأولى فقد متَّها، ثم غطَّاه وخرج إلى الناس ووجد عمر بن الخطاب يتكلم به، فقال له: على رسلك يا هذا، ثم صعد المنبر فخطب تلك الخطبة العظيمة، قال: أما بعد: أيها الناس، فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ ﵁: ﴿وما محمَّد إلَّا رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل أفأين مَّات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرَّ الله شيئًا وسيجزي الله الشَّاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤]. قال عمر: فما- والله- إن سمعتها حتى عقرت فلم تقلَّني رجلاي. وعرف الحق حتى كأن الناس ما قرءوا هذه الآية، فعرفوا أن النبي ﷺ مات حقًا، وفي هذا دليل على ثبات أبي بكر ﵁ لأننا نعلم- والعلم عند الله أن أشد الناس مصيبة برسول الله ﷺ هو أبو بكر؛ لأنه أحب الناس إليه حتى صرّح بذلك في مرض موته قال: ((لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام))، ومع هذا ثبت هذا الثبات، وله مقامات أخرى تدل على ثباته، مثل: قتال أهل الردة، وإرسال جيش أسامة بن زيد مع الضائقة التي كان عليها الصحابة، الشاهد من هذا الحديث أن أبا بكر قبّل النبي ﷺ بعد موته. فيستفاد منه: جواز تقبيل الميت بعد موته لفعل أبي بكر. فإن قلت: فعل أبي بكر فعل صحابي فهل يكون فيه دليل؟ الجواب: نعم؛ لقول النبي ﷺ ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي))، بل لقوله: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر))، بل لقوله: ((فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)). فعلى هذا يكون في الحديث دليل على ذلك، فيجوز للإنسان إذ دخل على ميت صديق له أو قريب له أن يقبله، بشرط أن يكون ممن يحل له تقبيله حال حياته مع الرجل، والمرأة مع المرأة، والزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها.

стр. 1089

وهل يستفاد من طهارة بدن الميت؟ يقال: إنه حتى لو فرض أن الإنسان باشر نجاسة وليس فيه ما يوجب أن تعلق النجاسة به فإنه لا يتنجس بذلك؛ يعني: لو باشر نجاسة وهو يابس وهي يابسة هل يلزمه الغسل؟ لا، لا يلزمه، وعلى فرض أن الميت نجس فإذا مسه الإنسان بدون أن يكون مبتلًا لم يجب أن يغسل ما أصاب الميت، ومن هنا قال العوام- والعوام الهوام لكن الهوام في بعض الأحيان تأكل الأذى ويصير فيها فائدة: - ليس بين اليابسين نجاسة، هل هذا صحيح. صحيح؛ يعني: تمس نجاسة وأنت يابس ليس عليك شيء، ولا يجب عليك أن تغسل يديك مباشرة، النجس إذا لم يتعدَّ إليك فلا بأس به، فإن تعدى إليك فإن كان لحاجة أو لمصلحة فلا بأس به أيضًا، كما لو باشرت النجس لإزالته، ولهذا الإنسان المستنجي بالماء يمس النجاسة بيده، وكذلك لو كان لحاجة كما ذكر بعضهم أن شحم الخنزير يستفاد منه في بعض الجروح، فهذا أيضًا لا بأس به للحاجة، لكن بشرط إذا جاء وقت الصلاة أن تطهِّر المحل وتزيل هذه النجاسة. الإسراع في قضاء دين الميت: ٥١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((نفس المؤمنين معلَّقةٌ بدينه حتَّى يقضى عنه)). رواه أحمد والتِّرمذيُّ وحسَّنه. قوله: ((نفس المؤمن)) يعني: روحه، ((معلقة بدينه)) ما هو الدين؟ الدين هو كل ما ثبت الذمة من قرض وثمن مبيع وأجرة وصداق وعوض وخلع، وغير ذلك، وعند كثير من الناس أن الدين هو: ما أخذ عن طريق التورُّق، والتَّوُّرق هو الذي جعله الناس تورقًا، وهو أن الإنسان يحتاج إلى دراهم، ولكن ما عنده شيء، فيأتي إلى شخص يقول له: أنا أريد أن تبيع عليَّ هذه السيارة التي تساوي عشرة آلاف باثنى عشر ألفًا مؤجلًا إلى سنة، فيبيعه السيارة عليه ثم يأخذها هذا الرجل ويبيعها في السوق بعشرة، بثمانية حسب ما يسوق الله له من رزق، ويأخذ الدراهم ينتفع بها، وسمي تورقًا؛ لأن الإنسان يتوصل بهذه المعاملة إلى الورق، وهي الفضة، هذه المعاملة اختلف فيها العلماء: فمنهم من أجازها إذا دعت الحاجة إليها وهو المشهور من المذهب، ومنهم من منعها مطلقًا وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ورواية عن الإمام أحمد ﵀ وهو المروي عن عمرو بن عبد العزيز ﵀، قال صاحب إعلام الموقعين- وهو ابن القيم-: كان شيخنا ﵀ يكرر عليه القول ويطلب منه القول إباحة التّورّق، ولكنه يأبى؛ لأنه يقول: هذه حيلة، لكن

стр. 1090

ليت الناس بقوا على هذا الأمر، ولكنهم صاروا إلى التورط في التورق، ماذا يصنعون الآن؟ يقول: أنا أبيع عشرة آلاف دينًا يقول له: ما يخالف العشرة خمسة عشرة، يقول له: نزِّل العشرة بأربعة عشرة، نزِّل بثلاثة عشرة، نزِّل بعشرة، فهو يبيع ويشتري دراهم بدراهم، وبعدما يتفقون يذهبون إلى صاحب المحل ويشتري السلعة، وإذا كانت أكياسًا قدرنا أنها عشرة أكياس من الرز، كيف يقبضها؟ يمر يده عليها يقول: هذا قبض، ثم يقول: بعتها عليك باثنى عشر ألفًا إلى سنة، فإذا قال: هكذا قال: حسنًا، فيقول: أخرجها من المكان، يقول: هذا تكلفني وإن بعتها في السوق نزلت أكثر، أبيعها على من؟ على صاحب الدكان، أقول له: الآن اشتراها منك صاحبي بعشرة آلاف ريال، وأنا أنزلك بتسعة آلاف وخمسمائة، فيقول: نعم، فيعطيه المبلغ. فيكون هذا الفقير أكلته السباع من وجهين: الوجه الأول: هو البائع، والبائع على البائع الأول، هذا كسب عليه ألفين وهذا كسب عليه خمسمائة. هذه المسألة- مسألة التّورّق- صارت تورطًا، وصارت حيلة ظاهرة، ومن العجب أن هؤلاء الذين يصفون هذا يأتون إليهم يمسحون كما يقال- دموع التماسيح، يقول: انظروا البنوك تحارب الله ورسوله يعطونك مائة بمائة وعشرين: ﴿فإن لَّم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]. يقولون: شددوا على هؤلاء، افعلوا، اتركوا، وهم يتورطون، يعني: هم فعلوا فعل البنوك وأخبث؛ لأنهم خانوا وخادعوا الله ورسوله وخادعوا المؤمنين، هؤلاء البنوك نقول: نعم، هم وقعوا في الربا صراحة، وهم يقرون على أنفسهم بالذنب، لكن هؤلاء يقولون: هذا فعلنا حلال ولذلك يسمونه التصحيح، يقولون: نصحح عليك، وهو في الحقيقة ليس تصحيحًا، ولكنه تقبيح، هذا هو الواقع، نحن الآن بلينا بهؤلاء المخادعين وهؤلاء المصرِّحين، بلينا بالبنوك ورباها الصريح- والعياذ بالله- إعلان حرب على رب العالمين، وكذلك بلينا بهؤلاء الذين سلكوا طريق المنافقين فأظهروا أنهم على صواب وهم على خطأ. وأسألكم الآن أيهما أعظم: هذه الحيلة أم حيلة اليهود لما حرمت عليهم الشحوم فأذابوها وباعوها، وأكلوا ثمنها، أيهم أقرب إلى فعل المحرم؟ الأخير هو الأقرب لا شك؛ لأن أولئك ما أكلوا الشحوم، ولا باعوا الشحوم ذوبوا الشحوم إلى ودك ودهن ثم باعوها وأكلوا الثمن، ومع ذلك قال رسول الله ﷺ فيهم: ((قاتل الله اليهود)). ما هو الدَّين شرعًا؟ كا ما ثبت في ذمة الإنسان من ثمن مبيع أو أجرة أو قرض أو صداق أو خلع أو غير ذلك، إذا مات إنسان فإن نفسه معلقة بدينه؛ أنها لا تنبسط ولا تفرح بما لها من النعيم حتى يقضى الدين. يستفاد من هذا الحديث إثبابت عذاب القبر؛ لأنه لا شك أن تعليق النفس ومنعها من السرور والفرح والانبساط نوع من العذاب.
следующие страницы →