Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
التي لا تزيد ولا تنقص وهو متغطٍّ بلحافه، فإذا كانت هذه حال الروح في الدنيا فما بالك بحالها في الآخرة.
قال: ((وأفسح له في قبره ونوِّر له فيه)) القبر ظلمة من حيث الحس ظلمة محتومة على الإنسان، لكن يقول: ((ونور له فيه)) اجعل له فيه نورًا، إذا كان القبر فسيحًا، ونورًا فإن ذلك ينسي الدنيا كلها.
قال: ((واخلفه في عقبه)) أي: كن خليفته في عقبه؛ أي: فيمن عقب من زوجة وولد، لننظر هذه الدعوات العظيمة من رسول الله ﷺ هل قبلت أم ردّت. نحن نعلم منها أن ما وقع وهو أن الله خلفه في عقبه، أتدرون من كان خليفته في عقبه؟ رسول الله ﷺ ، وهذا أعظم خلافة أن يكون زوجته وأولاده تحت رعاية النبي ﷺ ، نحن نقول: إن بقية الجمل الأربع إنما نرجو من الله أنه استجاب دعاء رسوله ﷺ ، لا سيما وأن الملائكة في مثل هذه الحال تؤمِّن على ما يقول، فاجتمع دعاء الرسول ﷺ وتأمين الملائكة والقرينة التي شاهدناها أو التي علمناها، وهي أنه خلفه في عقبه، فيكون كل هذا مما يؤيد أن الله استجاب دعاء رسوله ﷺ لهذا الرجل.
في هذا الحديث فوائد، منها: أن من عادة رسول الله ﷺ عيادة المرضى؛ لأنه جاء إلى أبي سلمة عائدًا له.
ثانيًا: أنه ينبغي تغميض عين الميت، الدليل: أنَّ الرسول ﷺ أغمضه.
ثالثًا: أن الروح جسم مرئيٌّ لأن البصر أتبعه.
رابعًا: أنه قد يبقى الإحساس في البدن مع مفارقة الروح له؛ لأن البصر يتبع الروح بعد قبضه وهذا من الناحية الطبية الآن مشاهد، وأنا قد ذبحت دجاجة وبعد أن ذبحتها وماتت وسلخت جلدها وفككت صدرها وجدت أن قلبها ينبض، القلب له جهتان: جهة تدفع الدن وجهة تستقبله.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي في هذه الحال ألا يدعى إلا بخير لقوله: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير)).
ومن فوائده: أنه لا يلام الأهل إذا ضجوا من موت الميت؛ لأن الرسول ﷺ أقرّهم، لم يقل: لا تضجوا، بل قال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير)).
ومن فوائده: ((إثبات الملائكة لقوله: ((فإن الملائكة يؤمِّنون)).
ومن فوائده: عناية الله تعالى ببني آدم، حيث وكّل ملائكة يتابعونهم ويؤمِّنون على دعائهم، ومن الملائكة؟ الملائكة: عالم غيبي خلقهم الله ، من نور، وأعطاهم الله تعالى قوة في الإرادة وقوة في التنفيذ، ﴿لَّا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]. ﴿يسبّحون الليل
стр. 1087
والنَّهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ٢٠]. ومع ذلك فلهم سرعة عظيمة في الذهاب والمجيء أشد من سرعة الجن، دليل هذا: ﴿قال عفريتٌ من الجن أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مَّقامك وإنِّي عليه لقويٌ أمينٌ (٣٩) قال الَّذي عنده علمٌ من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠]. هذا أسرع من السريع، قال العلماء: إن هذا الذي عنده علم من الكتاب دعا الله فحملته الملائكة وجاءت به في هذه اللحظة العظيمة من اليمن وهو في الشام.
حكم تسجية الميت:
٥١٣ - وعن عائشة ﵂: ((أنَّ النَّبي ﷺ حين توفِّي سجِّي ببردٍ حبرةٍ)). متَّفقٌ عليه.
((سجِّي)) بمعنى: غطي، وقوله: ((حبرة)) أي: معلمة، والبرود: نوع من الثياب تأتي من اليمن، وكان النبي ﷺ يحبها فسجَّوه بها، وتسجيتهم إيَّاه بها مع بقاء ثيابه عليه بدليل ما سيأتي- إن شاء الله تعالى- أما غير النبي ﷺ فإنه تخلع ثيابه ثم يغطى، قال أهل العلم: الوحكمة من ذلك لئلا يحتمي مع بقاء ثيابه عليه فيسرع إليه من الانتفاخ والتغير فيسجى بعد أن تنزع ثيابه.
يستفاد من هذا الحديث: مشروعية تسجية الميت، يؤخذ من تسجية الصحابة للنبي ﷺ ولكن قد يقول قائل: هذا فعل الصحابة، وليس هذا في عهد النبي ﷺ حتى نقول: إن الوحي أقره، فما هو الجواب على هذا الاعتراض؟ لا شك أن هذا صادر بعد موافقة الخلفاء الراشدين، والخلفاء الراشدون لهم سنن متَّبعة، ثم نقول: إن هذا إذا صح سيأتي حين قالوا: ((أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا؟ فسمعوا هاتفًا يهتف: أن غسِّلوا رسول الله ﷺ في قميصه))، إذا صح هذا فإن إقرار الله لهم بالتسجية بدون أن يهتف هاتف يدل على أنها مشروعة.
وها يستفاد من الحديث أن يسجَّى الميت بما يحب أن يستعمله في حياته؟ نعم إذا صحت العلة التي ذكرها بعض شراح الحديث من أن الرسول ﷺ سجي بهذه البردة لأنه كان يحب ذلك.
حكم تقبيل الميت:
٥١٤ - وعنها: ((أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق ﵁ قبَّل النَّبيَّ ﷺ بعد موته)). رواه البخاريُّ.
وسبب ذلك: أن رسول الله ﷺ أصبح يوم مات أحسن منه من الأيام التي قبلها، وكان أبو بكر ﵁ ملازمًا للبقاء في المدينة حين مرض النبي ﷺ واشتداد المرض به، فلما رآه قد أصبح بارئًا وأصبح من ذي قبل خرج إلى مكان له يسمى السنح- خارج المدينة- فتوفي النبي
стр. 1088
صلى الله عليه وسلم من ضحى ذلك اليوم، وحصل ما حصل من انزعاج الصحابة- ﵃ حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على شدة بأسه وقوته أشكل عليه الأمر وقام في الناس في المسجد يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ وإنما صعق، وليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم من خلاف، أبو بكر لما بلغه الخبر دخل على النبي ﷺ ووجده مغطّى، فكشف عنه وقبله وبكى، وقال: بأبي وأمي يا رسول الله، طبت حيًّا وميتًا، والله لا يجعل الله عليك موتتين، أما الموتة الأولى فقد متَّها، ثم غطَّاه وخرج إلى الناس ووجد عمر بن الخطاب يتكلم به، فقال له: على رسلك يا هذا، ثم صعد المنبر فخطب تلك الخطبة العظيمة، قال: أما بعد: أيها الناس، فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ ﵁: ﴿وما محمَّد إلَّا رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل أفأين مَّات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرَّ الله شيئًا وسيجزي الله الشَّاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤].
قال عمر: فما- والله- إن سمعتها حتى عقرت فلم تقلَّني رجلاي. وعرف الحق حتى كأن الناس ما قرءوا هذه الآية، فعرفوا أن النبي ﷺ مات حقًا، وفي هذا دليل على ثبات أبي بكر ﵁ لأننا نعلم- والعلم عند الله أن أشد الناس مصيبة برسول الله ﷺ هو أبو بكر؛ لأنه أحب الناس إليه حتى صرّح بذلك في مرض موته قال: ((لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام))، ومع هذا ثبت هذا الثبات، وله مقامات أخرى تدل على ثباته، مثل: قتال أهل الردة، وإرسال جيش أسامة بن زيد مع الضائقة التي كان عليها الصحابة، الشاهد من هذا الحديث أن أبا بكر قبّل النبي ﷺ بعد موته.
فيستفاد منه: جواز تقبيل الميت بعد موته لفعل أبي بكر.
فإن قلت: فعل أبي بكر فعل صحابي فهل يكون فيه دليل؟
الجواب: نعم؛ لقول النبي ﷺ ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي))، بل لقوله: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر))، بل لقوله: ((فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)). فعلى هذا يكون في الحديث دليل على ذلك، فيجوز للإنسان إذ دخل على ميت صديق له أو قريب له أن يقبله، بشرط أن يكون ممن يحل له تقبيله حال حياته مع الرجل، والمرأة مع المرأة، والزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها.
стр. 1089
وهل يستفاد من طهارة بدن الميت؟ يقال: إنه حتى لو فرض أن الإنسان باشر نجاسة وليس فيه ما يوجب أن تعلق النجاسة به فإنه لا يتنجس بذلك؛ يعني: لو باشر نجاسة وهو يابس وهي يابسة هل يلزمه الغسل؟ لا، لا يلزمه، وعلى فرض أن الميت نجس فإذا مسه الإنسان بدون أن يكون مبتلًا لم يجب أن يغسل ما أصاب الميت، ومن هنا قال العوام- والعوام الهوام لكن الهوام في بعض الأحيان تأكل الأذى ويصير فيها فائدة: - ليس بين اليابسين نجاسة، هل هذا صحيح. صحيح؛ يعني: تمس نجاسة وأنت يابس ليس عليك شيء، ولا يجب عليك أن تغسل يديك مباشرة، النجس إذا لم يتعدَّ إليك فلا بأس به، فإن تعدى إليك فإن كان لحاجة أو لمصلحة فلا بأس به أيضًا، كما لو باشرت النجس لإزالته، ولهذا الإنسان المستنجي بالماء يمس النجاسة بيده، وكذلك لو كان لحاجة كما ذكر بعضهم أن شحم الخنزير يستفاد منه في بعض الجروح، فهذا أيضًا لا بأس به للحاجة، لكن بشرط إذا جاء وقت الصلاة أن تطهِّر المحل وتزيل هذه النجاسة.
الإسراع في قضاء دين الميت:
٥١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((نفس المؤمنين معلَّقةٌ بدينه حتَّى يقضى عنه)). رواه أحمد والتِّرمذيُّ وحسَّنه.
قوله: ((نفس المؤمن)) يعني: روحه، ((معلقة بدينه)) ما هو الدين؟ الدين هو كل ما ثبت الذمة من قرض وثمن مبيع وأجرة وصداق وعوض وخلع، وغير ذلك، وعند كثير من الناس أن الدين هو: ما أخذ عن طريق التورُّق، والتَّوُّرق هو الذي جعله الناس تورقًا، وهو أن الإنسان يحتاج إلى دراهم، ولكن ما عنده شيء، فيأتي إلى شخص يقول له: أنا أريد أن تبيع عليَّ هذه السيارة التي تساوي عشرة آلاف باثنى عشر ألفًا مؤجلًا إلى سنة، فيبيعه السيارة عليه ثم يأخذها هذا الرجل ويبيعها في السوق بعشرة، بثمانية حسب ما يسوق الله له من رزق، ويأخذ الدراهم ينتفع بها، وسمي تورقًا؛ لأن الإنسان يتوصل بهذه المعاملة إلى الورق، وهي الفضة، هذه المعاملة اختلف فيها العلماء: فمنهم من أجازها إذا دعت الحاجة إليها وهو المشهور من المذهب، ومنهم من منعها مطلقًا وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ورواية عن الإمام أحمد ﵀ وهو المروي عن عمرو بن عبد العزيز ﵀، قال صاحب إعلام الموقعين- وهو ابن القيم-: كان شيخنا ﵀ يكرر عليه القول ويطلب منه القول إباحة التّورّق، ولكنه يأبى؛ لأنه يقول: هذه حيلة، لكن
стр. 1090
ليت الناس بقوا على هذا الأمر، ولكنهم صاروا إلى التورط في التورق، ماذا يصنعون الآن؟ يقول: أنا أبيع عشرة آلاف دينًا يقول له: ما يخالف العشرة خمسة عشرة، يقول له: نزِّل العشرة بأربعة عشرة، نزِّل بثلاثة عشرة، نزِّل بعشرة، فهو يبيع ويشتري دراهم بدراهم، وبعدما يتفقون يذهبون إلى صاحب المحل ويشتري السلعة، وإذا كانت أكياسًا قدرنا أنها عشرة أكياس من الرز، كيف يقبضها؟ يمر يده عليها يقول: هذا قبض، ثم يقول: بعتها عليك باثنى عشر ألفًا إلى سنة، فإذا قال: هكذا قال: حسنًا، فيقول: أخرجها من المكان، يقول: هذا تكلفني وإن بعتها في السوق نزلت أكثر، أبيعها على من؟ على صاحب الدكان، أقول له: الآن اشتراها منك صاحبي بعشرة آلاف ريال، وأنا أنزلك بتسعة آلاف وخمسمائة، فيقول: نعم، فيعطيه المبلغ. فيكون هذا الفقير أكلته السباع من وجهين: الوجه الأول: هو البائع، والبائع على البائع الأول، هذا كسب عليه ألفين وهذا كسب عليه خمسمائة.
هذه المسألة- مسألة التّورّق- صارت تورطًا، وصارت حيلة ظاهرة، ومن العجب أن هؤلاء الذين يصفون هذا يأتون إليهم يمسحون كما يقال- دموع التماسيح، يقول: انظروا البنوك تحارب الله ورسوله يعطونك مائة بمائة وعشرين: ﴿فإن لَّم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]. يقولون: شددوا على هؤلاء، افعلوا، اتركوا، وهم يتورطون، يعني: هم فعلوا فعل البنوك وأخبث؛ لأنهم خانوا وخادعوا الله ورسوله وخادعوا المؤمنين، هؤلاء البنوك نقول: نعم، هم وقعوا في الربا صراحة، وهم يقرون على أنفسهم بالذنب، لكن هؤلاء يقولون: هذا فعلنا حلال ولذلك يسمونه التصحيح، يقولون: نصحح عليك، وهو في الحقيقة ليس تصحيحًا، ولكنه تقبيح، هذا هو الواقع، نحن الآن بلينا بهؤلاء المخادعين وهؤلاء المصرِّحين، بلينا بالبنوك ورباها الصريح- والعياذ بالله- إعلان حرب على رب العالمين، وكذلك بلينا بهؤلاء الذين سلكوا طريق المنافقين فأظهروا أنهم على صواب وهم على خطأ.
وأسألكم الآن أيهما أعظم: هذه الحيلة أم حيلة اليهود لما حرمت عليهم الشحوم فأذابوها وباعوها، وأكلوا ثمنها، أيهم أقرب إلى فعل المحرم؟ الأخير هو الأقرب لا شك؛ لأن أولئك ما أكلوا الشحوم، ولا باعوا الشحوم ذوبوا الشحوم إلى ودك ودهن ثم باعوها وأكلوا الثمن، ومع ذلك قال رسول الله ﷺ فيهم: ((قاتل الله اليهود)).
ما هو الدَّين شرعًا؟ كا ما ثبت في ذمة الإنسان من ثمن مبيع أو أجرة أو قرض أو صداق أو خلع أو غير ذلك، إذا مات إنسان فإن نفسه معلقة بدينه؛ أنها لا تنبسط ولا تفرح بما لها من النعيم حتى يقضى الدين.
يستفاد من هذا الحديث إثبابت عذاب القبر؛ لأنه لا شك أن تعليق النفس ومنعها من السرور والفرح والانبساط نوع من العذاب.
стр. 1091
ويستفاد منه: أهمية قضاء الدين في حال الحياة، وجه ذلك: أنه إذا مات الإنسان علقت نفسه، وكثير من الورثة ظلمة- والعياذ بالله- تجده يرث الأموال الكثيرة من هذا الميت ويتباطأ في قضاء دينه، يقول مثلًا: أنا ورثت منه أراضي أنتظر حتى تزيد الأراضي ثم نبيع ونأخذ الدين، وهذا محرم؛ ولهذا قال العلماء: يجب على الورثة الإسراع في قضاء الدين وجوبًا، والله جعل حق الورثة لا يرد إلا بعد قضاء الدين، قال: ﴿من بعد وصيَّة يوصى بها أو دينٍ﴾ [النساء: ١١]. فهم ليس لهم حق في أن يأخذوا شيئًا من الميراث إلا بعد قضاء الدين.
ويستفاد من هذا الحديث: عظم الدين وأنه مهم جدًا ويدل لذلك أن الرسول ﷺ كان لا يصلي على من عليه دين لا وفاء له، ويدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ أخبر أن الشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدّين وهذا يدل على أهميته.
وقوله: ((دين)) يشمل دين الله ودين الآدمي، دين الله: مثل لو كان على الإنسان كفارة عتق رقبة فهذا دين، أو إطعام ستين مسكينًا مثلًا فهذا دين، والدليل على ذلك قوله ﷺ : ((دين الله أحق بالوفاء)). فأثبت أن الله- دينًا.
فإن قلت: هل يشمل ذلك الزكاة؟
نقول: إن كان الميت قد ترك إخراج الزكاة لا يريد إخراجها أبدًا فإن هذا لا يجزئ أن نخرج عنه ولا يلزمنا أن نخرج عنه؛ لأن الرجل قد عزم على ألا يخرجها، وأما إذا كان الرجل عنده تكاسل في الإخراج فقط فيقول: اليوم أخرج، غدًا أخرج، وما أشبه ذلك، فإن هذا يخرج عنه، وقد ذكر ذلك ابن القيم في كتاب ((تهذيب السنن))، على أن الإنسان الذي يترك الزكاة ما نوى إخراجها وهو مقر بوجوبها لكن لا يخرجها عصيانًا، فإنه في هذه الحال لا تخرج عنه بعد موته، وأما إذا كان تهاونًا بأن يقول: اليوم أو غدًا ولكنه أتاه الأجل فإنها تخرج عنه.
إذا قلت: كيف يصح هذا الحديث وقد توفي النبي ﷺ وعليه دينٌ، فهل الرسول ﷺ معلقة نفسه بدينه حتى يقضى عنه أم ماذا؟
الجواب أن يقال: إن النبي قد رهن درعه عند هذا اليهودي فقد أمن الدّين؛ ولهذا إذا أمّن الدين صلى عليه الرسول ﷺ كما فعل حين تحمل أبو قتادة الدين الذي على رجل من الأنصار هذا هو الجواب، وبعض العلماء أعلَّ هذا الحديث بالحديث الذي أشرت إليه.
* * *
стр. 1092
حكم تحنيط الميت المحرم:
٥١٦ - وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في الَّذي سقط عن راحلته فمات: ((اغسلوه بماءٍ وسدرٍ، وكفِّنوه في ثوبيه)). متَّفقٌ عليه.
كان ذلك في حجة الوداع وهو واقف بعرفة، فجيء إلى النبي ﷺ ليستفتي في شأنه فأفتاهم فقال: ((اغسلوه بماء سدر))، (اغسلوه)) الضمير يعود على هذا الميت الذي سقط عن ناقته فمات، بماء وسدر مخلوطين جميعًا بأن يدق السدر ثم يوضع الماء ويضرب باليد وتؤخذ الرغوة ويغسل بها الرأس، ويبقى السَّفل يغسل به بقية الجسد؛ لأن السفل لو غسل به الرأس لبقي آثاره في الرأس بخلاف الرُّغوة.
وقوله: ((وكفنوه في ثوبيه)) ((كفنوه)) يعني: غطوه واستروه في ثوبيه، والضمير في قوله: ((ثوبيه)) يعود إلى هذا الميت، وهما: الإزار والرداء اللذان أحرم بهما، والقصة، كما قلت لكم: أن هذا الرجل كان واقفًا بعرفة فأوقصته ناقته فسقط فمات فجاءوا يستفتون النبي ﷺ في شأنه فأفتاهم بذلك.
فيؤخذ من هذا الحديث فوائد عديدة منها: جواز استفتاء العالم في وقت الوقوف بعرفة؛ لأن هؤلاء استفتوا النبي ﷺ وهو واقف بعرفة، فلا يقال: إن هذا اليوم دعاء فلا ينبغي أن يستفتى عن الشيء.
ومنها، أن العلم أفضل من الذكر والدعاء المجرد؛ لأن النبي ﷺ تشاغل عن دعائه بإجابتهم وأفتاهم.
ومنها: أن الحوادث موجودة في عهد الرسول ﷺ حوادث المركوبات موجودة حتى في عهد الرسول، ويتفرع على هذه الفائدة: رد قول من قال: إنه ينبغي لكل محرم الآن أن يشترط في إحرامه أنَّ محلي حيث حبستني؛ لأن العلماء اختلفوا في الاشتراط للإحرام هل يشترط الإنسان عند إحرامه أنَّ محله حيث حبس أو ينوي ويطلق ولا يشترط؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنه يسن الاشتراط مطلقًا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
القول الثاني: إنه لا يسن مطلقًا؛ وبهذا قال ابن عمر وجماعة من أهل العلم.
القول الثالث: إنه يسن الاشتراط لمن كان به مانع أو لمن كان يظن أن يحدث له مانع يمنعه من إكمال النسك، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعني: أن الاشتراط ليس مستحبًا مطلقًا ولكن لابد من التفصيل، وهذا القول هو الراجح؛ لأن به تجتمع الأدلة فالنبي
стр. 1093
صلى الله عليه وسلم أحرم ولم يشترط؛ لأنه ليس فيه شيء يخشى أن يعوقه عن إتمام نسكه، وضباعة بنت الزبير: يا رسول الله، إنِّي أريد الحج وأجدني شاحبة، فقال لها: ((حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما استثنيت)). فأرشدها إلى الاستثناء؛ لأنها شاكية مريضة، وهو لم يستثن؛ لأنه ليس فيه شيء يخشى أن يعوقه عن إتمام النسك، فقال بعض الناس: اليوم إنه يسن الاشتراط مطلقًا؛ لأن الحوادث كثيرة- حوادث السيارات- والإنسان يخشى أن يعوقه شيء، فنقول له: إن الحوادث موجودة في عهد النبي ﷺ ولم يرشد النبي ﷺ أمته أن يشترطوا إلا في الحالات المخصوصة، وأيضًا الحوادث الموجودة في عهدنا لو نسبتها إلى السلامة لم تكن شيئًا، فإذا كان كذلك فإنها ليست أمرًا مخيفًا بحيث يحتاج الإنسان إلى الاشتراط.
ويستفاد من الحديث: وجوب تغسيل الميت لقوله: ((اغسلوه)).
ويستفاد منه: أنه لا يجب العدد يعني: أنه لا يجب إلا الغسل، فلا يشترط العدد يعني: لا يشترك بثلاث ولا خمس ولا سبع ولا غيرها؛ وجهه: قوله: ((اغسلوه)) أنه مطلق، وسيأتينا- إن شاء الله تعالى- في اللاتي يغسلن بنت النبي ﷺ أنه قال: ((اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك))، لمنه قال: ((إن رأيتن ذلك)).
وهل يستفاد منه: أنه يتعين الماء في تغسيل الميت؟ نعم؛ لقوله: ((اغسلوه بماء))، فإذا لم يوجد الماء، أو خيف أن يتفسخ الميت بغسله بالماء فماذا نصنع؟ قال بعض أهل العلم: إنه ييمّم. وقال آخرون: إنه لا ييمم؛ لأن تغسيل الميت من أجل التنظيف بدليل أن الرسول ﷺ قال: ((اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك رأيتن ذلك))، ولو كان من باب غسل العبادة ما زاد على الثلاث، وعلى هذا القول فإنه لا يشرع أن ييمم إذا لم يجد ماء ت=نغسله به.
ويستفاد من الحديث: أن الماء المتغير بالطاهر لا ينتقل عن الطهورية، من أين يؤخذ؟ من قوله: ((اغسلوه بماء السدر)).
ومن فوائده: مشروعية الجمع بين الماء والسدر لقوله: ((اغسلوه بماء وسدر)).
ومن فوائده: جواز الاغتسال للمحرم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ((اغسلوه))، وهذا اغتسال.
ومن فوائده: جواز استعمال المحرم للسدر والمنظفات كلها ما عدا المطيب لقوله: ((بماء وسدر)).
ويستفاد من الحديث: وجوب التكفين؛ لقوله: ((كفنوه في ثوبيه)).
ويستفاد منه: أن تغسيل الميت وتكفينه فرض كفاية وليس فرض عين، ما وجهه؟ لأنه لم
стр. 1094
يأمر جميع الناس أن يغسلوه ولا هو نفسه باشر غسله ولا تكفينه، فهو إذن فرض كفاية، والفرق بين فرض الكفاية وفرض العين: أن فرض العين مطلوب من كل شخص فقد أريد به التعبد لله من كل واحد، وأما فرض الكفاية فالغرض منه تحصيل ذلك الشيء بقطع النظر عن الفاعل، فالأذان مثلًا فرض كفاية؛ لأن المقصود منه الإعلام بدخول وقت الصلاة، تغسيل الميت فرض كفاية؛ لأن المقصود منه التغسيل بقطع النظر عن الفاعل.
وهل يستفاد منه: أنه يشترط أن يكون الغاسل مكلفًا؛ أي: بالغًا عاقلًا؟ نعم؛ لأن توجيه الخطاب إنما يكون للمكلفين، إذ إن غير البالغ قد رفع عنه القلم.
ويؤخذ منه: جواز تغسيل المحرم للميت، ألا يمكن أن يكون بعضهم لم يحرم؟ الاحتمال العقلي وارد، لكنه مخالف جدًّا لظاهر الحال، وقد ذكر أهل العلم كالمؤلف ﵀ في الفتح أن الاحتمالات العقلية لا ترد في الدلائل النظرية؛ وذلك لأننا لو أردنا أن نورد كل احتمال يفرضه الذهن لكان جميع الأدلة يمكن أن تبطل؛ لأنه ما من دليل إلا ويمكن إيراد احتمال عقلي يبطله؛ فإذن بظهر الحال، فظاهر الحال أن جميع هؤلاء محرمون؛ إذ يبعد أن أحدًا مع الرسول ﷺ لم يحرم.
ويستفاد من الحديث: ان الكفن مقدم على الدَّين، من أين يؤخذ؟ من قوله: ((كفنوه في ثوبيه)) ولم يستفصل هل عليه دين أم لا، فيؤخذ منه فائدة فرعية: أن لباس الإنسان الحي المفلس مقدِّم على دينه، لا نقول: بع ثوبك، بع سروالك، بع مشلحك، واقض به الدَّين.
ويستفاد منه: أن المشروع في المحرم أن يكفن في ثوبي إحرامه لقوله: ((في ثوبيه)) أي: ثوبي الإحرام.
ويستفاد منه أيضًا: أنه إذا كان للميت تركة فلا ينبغي أن يجهز إلا منها لقوله: ((في ثوبيه))، ولما في ذلك من المنة، لو أن أحدًا قال: أنا أتبرع وأقوم باللازم من التجهيز وله تركة، فنقول: لا ما دام له تركة فإن الأولى أن يجهز من تركته لهذا الحديث ولما في ذلك من المنة.
وفيه جواز الوقوف على الراحلة في عرفة وما الأفضل: أن يقف راكبًا أو أن يقف ماشيًا؛ يعني: غير راكب؟ اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من قال: إن الأفضل أن يقف راكبًا، وعلى هذا فالأفضل لنا إذا أردنا الدعاء أن نركب على السيارات وندعو أحسن من كوننا ندعو على الأرض، ولكن ينبغي في هذه المسألة أن يقال: إنه ينظر إلى ما هو أصلح للقلب، فإذا كان الأصلح للإنسان أن يدعو الله وهو في الأرض بعيدًا عن الناس فليفعل، وإذا كان الأصلح أن يدعو وهو على راحلته فليفعل، لكن أيهما أصلح في الغالب؟ الغالب أن الأرض أصلح؛ لأنه يبتعد عن الناس وعن ضوضائهم، وربما يكون أدعى إلى الإخلاص لله فليفعل الإنسان ما يراه أصلح لقلبه.
стр. 1095
ومن فوائد الحديث: أنه إذا مات المحرم لا يكمل نسكه ولو كان فريضة، وجهه: أن النبي ﷺ لم يأمرهم بإتمام نسك الميت: خلافًا لما قاله فقهاؤنا- ﵏: أنه إذا مات في أثناء النسك وحجة واجب فإنه يقضي منه ما بقي، وهذا ليس بصواب، والصواب أنه لا يقضي عنه.
ومن فوائد الحديث: أن الميت إذا مات محرمًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا لقوله: ((فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا))، وذلك- والله أعلم- لأن الحج نوع من الجهاد في سبيل الله، ومن مات في سبيل الله فإنه يخرج يوم القيامة- إذا جرح في سبيل الله- وجرحه يثعب دمًا: اللون لون الدم والريح ريح المسك.
ومن فوائد الحديث أيضًا: مشروعية تحنيط الميت؛ لأنه قال: ((ولا تحنطوه))، فدل ذلك على أنه من عادتهم التحنيط وإلا لم يكن للنهي عنه فائدة.
ومن فوائده: وجوب اجتناب الطيب للمحرم لقوله: ((ولا تحنطوه))، وتعليل ذلك: أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا.
ومن فوائده أيضًا: أنه لا يجوز للمحرم أن بغطي رأسه لقوله: ((ولا تخمروا رأسه))، وهذا أعم من قوله ﷺ حين سئل ما يلبس المحرم؟ فقال: ((لا يلبس السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم))؛ لأن تغطية الرأس أعم من خصوص اللبس.
ومن فوائد الحديث: جواز استظلال المحرم بالشمسية ونحوها؛ لأن النهي عن التغطية لا عن التظليل، ولكن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنه لا يجوز للمحرم أن يستظل بالشمسية ولا بالهودج ولا بالمحمل ولا بالسيارة أيضًا؛ ولهذا من أراد أن يقلد المشهور من مذهب الإمام أحمد فإنه لا يحل له أن يركب السيارة المغطاة، لابد أن يكون في سيارة مكشوفة، ولكن العمل على خلاف هذا القول، والعلماء يقولون: إن الساتر للرأي ثلاث أقسام: ساتر لا بأس به بالإجماع بل بالنص والإجماع مثل: الخيمة، والاستظلال بالثوب على الشجرة وما أشبه ذلك؛ لأنه منفصل عن المرء ولا يتبعه. والثاني: ساتر للرأس ملاصق له، فهذا حرام لا يجوز بالاتفاق. والثالث: ظل منفصل عن الرأس، لكنه تابع للإنسان يمشي بمشي الإنسان أو يمشي الإنسان بمشيه، فهذا محل خلاف والصواب جوازه.
ومن فوائد الحديث أيضًا: إثبات البعث لقوله: ((فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)).
ويستفاد منه: أنه لا يجب أن يكون الكفن ثلاثة أثواب لقوله: ((في ثوبيه)).
ويستفاد منه أيضًا فائدة أخرى: وهي أنه لا يشرع الزيادة على ثوبي المحرم، إلا أن يقال أن الرسول ﷺ قد راعى في ذلك أن هذا الرجل ليس عنده مال إلا ثوبيه، وأنه لو طلبنا زيادة
стр. 1096
فمعناه: أنا سألنا الناس له، وهذا أمر لا ينبغي، لكن الأول أظهر؛ بمعنى: أنه ينبغي أن يكفن فيما هو محرم فيه فقط.
هل يؤخذ من هذا الحديث قاعدة: أن من مات على شيء بعث عليه؟
يقول العلماء: إنه لا يمكن أن نستدل بالأخص على الأعم، ويمكن أن نستدل بالأعم على الأخص؛ لأن استدلالنا بالأعم على الأخص استدلال العموم على بعض أفراده، لكن استدلالنا بالأخص على الأعم معناه: أننا زدنا على النص.
حكم تجريد الميت عن تغسيله:
٥١٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: ((لمَّا أرادوا غسل رسول الله ﷺ قالوا: والله ما ندري، نجرِّد رسول الله ﷺ كما نجرِّد موتانا، أم لا؟ ... )). الحديث، رواه أحمد، وأبو داود.
قولها ﵂: ((والله ما ندري)) القائل: هم الصحابة الذين باشروا غسل النبي ﷺ ، ومنهم العباس بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب ﵄ قالوا: ((والله ما ندري)) أي: ما نعلم، وأقسموا هنا بدون استقسام لدعاء الحاجة إليه، أو قد يقال: إن هذا من باب لغو اليمين، وإنهم ما أرادوا القسم.
((نجرد رسول الله ﷺ ، يعني: من ثيابه، ((كما نجرد موتانا أم لا))، وبقية الحديث: أن الله تعالى ألقى عليهم النوم فسمعوا هاتفًا يقول: ((اغسلوا رسول الله ﷺ في قميصه فكانوا يصبون الماء على القميص، ويدلكونه من روائه)).
فيستفاد من هذا الحديث: أن المشروع عند تغسيل الميت أن يجرد، لكنه سبق لنا- بل قد قلناه في مجلس آخر- أنه يجب أن تغطى عورته- تغطى عورته بثوب- حتى لا تشاهده؛ لأنه لا حاجة إلى مشاهدتها، وسبق لنا أن الغاسل إذا أراد أن يغسله وعورته مستورة يجعل في يده خرقة لأجل أن ينظف فرجيه، ثم يزيل هذه الخرقة إذا نظفهما ويأتي بخرقة ثانية لأسنانه ومنخره؛ لأنه يبل الخرقة ويمسح أسنانه ولثته ومنخريه بدون أن يصب الماء، قال بعض العلماء: ويأتي بخرقة ثالثة لبقية الجسم، قالوا: والمستحب ألا يمس سائره إلا بالخرقة، ولكن هذا الأخير خلاف ظاهر النصوص، فإت الظاهر أن الذين يغسلون الأموات يباشرون الأموات بأيديهم.
ويستفاد من هذا الحديث: خصوصية الرسول ﷺ وهي أنه لم يجرد حين مات.
ويستفاد منه: أن المشروع تجريد الميت عند تغسيله.
ويستفاد منه: جواز الحلف بدون استحلاف إن قلنا: إن هذا قد قصد وإلا فهو من لغو اليمين.
стр. 1097
صفة الغسل:
٥١٨ - وعن أمِّ عطيَّة ﵂ قالت: ((دخل علينا النَّبيُّ ﷺ ونحن نغسِّل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنَّ ذلك، بماٍ وسدرٍ، واجعلن في الأخيرة كافورًا، أو شيئًا من كافورٍ، فلمَّا فرغنا أدنَّاه، فألقى إلينا حقوه. فقال: أشعرنها إيَّاه)). متَّفقٌ عليه.
- وفي روايةٍ: ((ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)).
- وفي لفظٍ للبخاريِّ: ((فضفَّرنا شعرها ثلاثة قرونٍ، فألقيناها خلفها)).
جملة: ((ونحن نغسل)) في موضع نصب على الحال أين صاحبها؟ ((نا)) في قوله: ((علينا)) وقولها: (نغسل ابنته)) أي: بناته؟ لأن بناته اللاتي متن في حياته ثلاث: زينب، ورقية، وأم كلثوم، قيل: إنها زينب، وهو الذي في صحيح مسلم، وقيل: إنها أم كلثوم، ولكن الصحيح أنها زينب، وقولها ﵁: ((دخل علينا ونحن نغسل ابنته)) لأنهم كانوا- فيما يظهر- في حجرة فدخل عليهنَّ وكلمهنَّ.
وقوله: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك)) ((أو)) هنا للتخيير، وهل هو تخيير مصلحة أو تخيير تشهٍّ؟ تخيير مصلحة، وذلك لو أن الإنسان إذا خير بين شيئين فإن كان يعمل لنفسه فالغالب أنه تخيير تشه، وإن كان يعمل لغيره فالغالب أنه تخيير مصلحة؛ لأن الواجب على الإنسان في عمله لغيره أن يختار ما هو أصلح أما في عمله لنفسه فهو حر، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ففديةٌ من صيامٍ أو نسكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. هذا تخيير تشهٍّ؛ لأنه لمصلحتهم، وأما إذا كان لمصلحة غيره فإنه يكون تخيير مصلحة، وهنا لمصلحة الغير.
قال: ((أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك)). قوله: ((إن رأيتن)) هذا قيد في قوله: ((اغسلنها ثلاثًا))، فيشمل حتى الثلاث، إن رأين أن يغسلنها ثلاثًا فعلن وإلا اكتفين بواحدة، وقوله: ((إن رأيتن ذلك)) الرؤية هنا ما هي: بصرية أو عملية قلبية؟ الظاهر أنها قلبية.
يستفاد من قوله: ((أكثر من ذلك)): أنه يجوز الزيادة على السبع لقوله: ((أو أكثر من ذلك))، ولم يقيد، بل في صحيح البخاري: ((أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك))، وفي هذا دليل على أن تغسيل الميت يراعى فيه جانب النظافة؛ لأنه لو كان من باب الاغتسالات الشرعية لكان لا يزاد على ثلاثة، بل إن الغسل الشرعي على القول الراجح مرة واحدة ما يثلث فيه إلا الرأس وقوله: ((اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا)) لماذا لم يذكر أربعًا؟ لأنه ينبغي أن يقطع على وتر، حتى لو أنقت بأربع تزيد خامسة.
стр. 1098
ويستفاد من الحديث: جواز العمل برأي المرأة فيما يتعلق بشئون النساء لقوله: ((إن رأيتن ذلك)).
وفيه أيضًا: مشروعية وضع السدر في تغسيل الميت لقوله: ((بماء وسدر))، وقد ذكرنا أن أهل العلم يقولون: إنه يدق السدر ويوضع في الماء ويخلط باليد، فإذا صار له رغوة أخذت الرغوة فغسل بها الرأس، وبقية السفل يغسل سائر الجسم.
ويستفاد من قوله: ((بماء وسدر)): أن الماء إذا خالطه شيء طاهر فإنه لا يسلبه الطهورية وإلا لم يكن لذلك فائدة.
ثم قال: ((واجعلن في الأخيرة كافورًا)) ((اجعلن)): فعل أمر، وهذا الأمر ليس للوجوب بل هو للاستحباب، وهو الكافور: نوع من الطيب يشبه الشب، يدق هذا ويوضع في الماء ثم يكون في آخر غسله، وإنما كان في آخر غسله؛ لأن فيه فائدة وهي تبريد الجسم وتصليبه، والثالثة: طرد الهوام عنه؛ ولهذا قال: ((اجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور)) ((أو)) هنا الظاهر أنها شك من الراوي، هل قال: ((شيئًا من الكافور))، أو قال: ((كافورًا))؟ واللفظة الأخيرة تدل على التقليل يعني: أن يجعل شيئًا من الكافور ليس شيئًا كثيرًا، ولكن شيء تحصل به الفائدة بدون أن يكون إسرافًا.
فلما فرغن آذناه، وكان قد قال- ﵊ في السياق الآخر: ((فإذا فرغتن فآذنني))؛ أي: أخبرتني: قالت: ((فلما فرغن آذناه)) أي: أعلمناه بذلك، فألقى إلينا حقوه، فقال: ((أشعرنها إياه))، الحقو: الإزار، وسمِّي به؛ لأنه يربط بالحقو، والحقو: هو أعلى الفخذ مما يلي البطن، وإنما أعطاهم إياه من باب التبرك بلباسه ﷺ ، وقال: ((أشعرنها إياه)) أي: اجعلنه شعارًا لها، أي: مما يلي جسدها، فالشعار من الثياب هو الذي يلي الجسد، والدثار: ما فوقه؛ ولهذا قال النبي ﷺ وهو يخطب الأنصار في غزوة حنين: ((الأنصار شعار والناس دثار)).
وفي رواية: ((ابدأن بميامنها ومواضع الوضوع منها))، ((ابدأن)) يعني: في التغسيل يعني بالأيمن فالأيمن، فاليد اليمنى قبل اليسرى، والرجل اليمنى قبل اليسرى، والشق الأيمن من البدن قبل الأيسر، ((ومواضع الوضوء منها))، وهي أربعة، وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان؛ ولهذا قال أهل العلم في صفة تغسيل الميت: إن أول ما يوضع على سرير غسله أنه يرفع رأسه قليلًا، ويعصر بطنه برفق لأجل أن يخرج ما كان متهيئًا للخروج من الأذى والقدر، ثم بعد ذلك يجعل الغاسل على يده خرقة فيغسل فرجه وينجيه، ثم إذا نظفه مرة ألقى تلك الخرقة وأخذ
стр. 1099
خرقة أخرى وبلها بالماء لأجل أن ينظف أسنانه ومنخريه بدون تنشيق؛ لأنه متعذر أن يستنشق، وبدون مضمضة وعللو ذلك بأنه لو صب الماء في فمه فإنه ينزل إلى أسفل، وإذا نزل إلى أسفل فإنه ربما يحرك ما في البطن فيخرج ويتلوث مرة أخرى، ثم يغسل وجهه، ثم يده اليمنى، ثم يده اليسرى، ثم رأسه، ثم رجليه، ثم بقية البدن يغسله غسلًا، وفي أذنيه ينظفهما بخرقة فإذا لم ينق الميت- وعلامة عدم النقاء: أن يزلُّ الماء فيكون كأن فيه دهنًا فمعناه: أنه لم ينق بعد- يعيد الغسل مرة ثانية وثالثة كما قال الرسول ﷺ إلى السبع أو إلى أكثر، ثم بعد هذا ينشفه، ثم يكفنه بعد أن يجعل الحنوط، وعلمتم أنه يوضع السدر في الماء من أول غسلة، وأنه يوضع في آخر غسلة الكافور.
يقول: وفي لفظ للبخاري: ((فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها)) ضفرنا شعرها؛ أي: جعلناه ضفائر، عند العامة يسمونه جدايل، ((وألقيناها)) الضمير يعود على الضفائر وليس عل الشعر.
فيستفاد من بقية الحديث: أولًا: حرص النبي ﷺ على مراقبة تغسيل ابنته، يؤخذ من كونه- ﵊ ينتظر إعلامهن، ومعنى ذلك: أنه كان قريبًا منهن.
ومنها: أن الرجل لا يشارك في تغسيل ابنته؛ لأن الني ﷺ لم يشارك، إذا لو شارك ما احتاج إلى أن يقول: ((فإذا فرغتن فآذنني)).
ومنها: أنه لا يحضر تغسيل ابنته؛ لأنه لا أحد من الرجال يغسل المرأة إلا الزوج مع زوجته والسيد مع سرِّيته، وإلا فالمرأة لا يغسلها أبوها ولا ابنها ولا أخوها، قال أهل العلم: ويكره لغير من يحتاج إليه أن يحضر حتى النساء، يعني: لا يحضر تغسيل الميت إلا من احتيج إليه سواء كان رجلًا أو امرأة مع النساء.
ويستفاد منه: جواز التبرك بآثار النبي ﷺ الحسية، يؤخذ من إعطائهن حقوه وأمرهن أن يشعرنها إياه.
وهل يلحق بالنبي ﷺ الصالحون؟ يرى بعض أهل العلم: أن الصالحين يلحقون بالرسول ﷺ ، وأنه يتبرك بآثارهم وبعرقهم بثيابهم وما أشبه ذلك، ولكن الصواب: أنه لا يلحق به؛ لأن الصحابة- ﵃ لا شك أن فيهم صالحين مبرزين في الصلاح، بل هم أفضل الأمة بعد الأنبياء، ومع ذلك ما كانوا يتبركون بآثار بعضهم مع بعض، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لفعلوه حتى يثبت الحكم، ولأن هذا يؤدي إلى فتنة بالصالحين والتعلق بهم وفتنة للصالح نفسه؛ فإنه إذا رأى الناس يتبركون به قد تغره نفسه ويعجب بها، ويقول: أنا من أنا، وهذا ضرر عظيم؛ ولهذا قال الرسول ﷺ في رجل مدح رجلًا عنده: ((قطعت ظهر أخيك
стр. 1100
أو عنقه))، وهذا يدل على أن مثل هذه الأمور ربما تؤدي إلى هلاك الممدوح، فالصحيح أنه لا يجوز التبرك بآثار أحد من الناس ولو كان صالحًا إلا النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: جواز لبس المرأة ما يلبسه الرجل، يؤخذ من إعطائه حقوه، لكن هل هن ألبسن هذا الحقو المرأة كما يلبسه الرجل أو جعلنه كالثوب يطفو على جسدها؟ الظاهر الثاني بدليل قوله: ((أشعرنها إياه))؛ ولهذا يجوز للمرأة أن تلبس الثياب البيضاء وغيرها مما يلبسه الرجال، بشرط أن يكون خياطته وتفصيله مخالفًا لخياطة وتفصيل ثياب الرجال؛ فاللون لا أثر له، إنما الهيئة والصفة هي التي يجب أن تميِّز الرجال على النساء.
ويستفاد من الحديث: مشروعية ضفر رأس المرأة، يؤخذ من ضفر أو عطية ومن معها لشعر بنت الرسول ﷺ ، ولكن قد يناقش في هذه الفائدة بأن يقال: هل هذا بعلم الرسول ﷺ ، هل هذا بإقراره؟ أما بأمره فالحديث ليس فيه دليل، وأما إقراره فها في الحديث ما يدل على أن النبي ﷺ علم فأقر؟ لا، ولكن الظاهر أنه مشروع؛ لأن أم عطية ﵂ ممن كنَّ يغسلن النساء ويكفنِّ، فالظاهر أنها لم تفعل ذلك إلا بعلم من الرسول ﷺ ، وهل يضفر رأس الرجل فيما لو كان رجلٌ عنده رأس طويل: هل يضفر أو يغسل ويجمع ويلقى خلفه أو يلقى على وجهه حسب اتجاه الشعر؟ أنا لا أعلم حتى الآن نصًّا في أن شعر الرجل يضفر كما يضفر شعر المرأة، والمسألة تحت البحث إن شاء الله.
ويستفاد من الحديث: أنه يبدأ في تغسيل الميت باليمين لقوله: ((ابدأن بميامنها)).
ويستفاد منه: أنه يبدأ بمواضع الوضوء لقوله: ((ومواضع الوضوء منها)) فهل يقاس على ذلك غسل الرجل من الجنابة؟ نقول: فيه نص عن الرسول ﷺ أنه كان يتوضأ قبل أن يغتسل وضوءه للجنابة، ثم يحثي على رأسه ثم يغسل سائر جسده، وفي حديث ميمونة أنه كان يتوضأ لكنه لا يغسل رجليه ثم يغتسل، فإذا فرغ من الغسل غسل رجليه.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الذي يغسِّل المرأة المرأة وهو الذي، ويغسِّل الرجل الرجل إلا الزوج مع زوجته والسيد مع سرِّيته، وإلا من كان دون السبع فإن الفقهاء- ﵏ يقولون: من كان دون السبع فإن يغسله الرجال والنساء، سواء كان ذكرًا أو أنثى، وعلى هذا فالطفل الصغير إذا مات يجوز أن تغسله النساء، والطفلة الصغيرة إذا ماتت يجوز أن يغسلها
стр. 1101
الرجال، فإذا لم يوجد رجل- فيما لو كان الواجب أن يباشر التغسيل رجال- مثلًا: مات رجل بين نساء فماذا نصنع؟ يقول الفقهاء: إنه ييمم فيضرب الإنسان يديه على الأرض، ويمسح بهما وجه الميت وكفيه. وقال بعض العلماء: بل يغسله النساء بدون مباشرة بأن يصب عليه الماء صبًا بدون أن تباشر النساء؛ لأن المحذور هو المباشر ولمس ما لا يجوز لمسه، فإذا زال هذا يصبه فلا بأس به، وإذا قلنا: بأن تغسيل الميت ليس للتعبد بل هو للتنظيف، فهل يشرع التيمم إذا لم يحضر المرأة نساء أو المرأة رجال؟ لا يشرع، لأن التيمم الآن لا يفيد؛ ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الأغسال المستحبة إذا فقد الإنسان الماء فيها أو كان يضره استعماله فإنه لا يتيمم لها؛ لأن الأغسال المستحبة ليست عن جنابة، وإنما هي للتنظيف والتطهير فإذا لم يجد الماء أو كات الماء يضره فإنه لا يتيمم، والله إنما ذكر التيمم في الطهارة الواجبة ولم يذكره في الطهارة المستحبة، لكن أكثر الفقهاء يقولون: إنه يشرع التيمم إذا عدم الماء في الأغسال المستحبة التي يتضرر بها.
تكفين الميت وأحكامه:
٥١٩ - وعن عائشة ﵁ قالت: ((كفِّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سحوليَّةٍ من كرسفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ)). متَّفقٌ عليه.
((كفن)) أصل التكفين بمعنى: التغطية، والكفن والكفت معناه: التغطية كما قال الله : ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا (٢٥) أحياءً وأمواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]. والكفن سمي بذلك؛ لأنه يغطي الميت.
قالت: ((كفِّن)) من الذي كفنه؟ كفنه من تولى تجهيزه ومنهم عليّ بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب.
تقول: ((في ثلاثة أثواب))، الثوب: هو القطعة من القماش سواء كان مخيطًا أم غير مخيط، وأما المعروف عندنا في اللغة العامية فهو أن الثوب هو المخيط، بل القميص فقط وهذه لغة عرفية خلاف اللغة العربية، ((في ثلاثة أثواب بيض سحولية)) نسبة إلى بلدة في اليمن تسمى ((سحول)).
وقولها: ((من كرسف)) أي: من قطن، فـ ((من)) هنا بيانية كقولهم: خاتم من فضة، خاتم من ذهب.
стр. 1102
وقولها: ((ليس فيها قميص)) القميص: هو هذا الثوب المعروف بالأكمام، ((ولا عمامة)) هي: ملبوس الرأس؛ أي: أن النبي ﷺ كفن في هذه الأثواب الثلاثة، ولم يكفن بقميص ولا عمامة، هذا هو المعنى المتبادر من الحديث، وأما من زعم من أهل العلم: أن المعنى ليس فيها قميص ولا عمامة، أي: أنها ثلاث أثواب زائدة على القميص والعمامة، وأن المشروع أن يكفن الرجل في خمسة أثواب: القميص، والعمامة، وثلاثة أثواب يلف بها فهذا بعيد من اللفظ، والصواب: أن قولها: ((ليس فيها قميص ولا عمامة)) تنفي ما قد يظن أن لباس الميت كلباس الحي حتى يتبين أن الكفن عبارة عن قطعة من خرق يلف بها الميت يدرج بها إدراجًا، قال العلماء: وكيفية ذلك أن توضع اللفائف بعضها فوق بعض بعد أن تطيب بالبخور أو نحوه، ويوضع الميت عليها ثم يردُّ طرف اللفافة العليا الأيمن، ثم يرد عليه الأيسر، ثم يفعل في الثانية التي تحتها كذلك، ثم في الثالثة كذلك، قالوا: وينبغي أن يجعل أكثر الفاضل عند الرأس، ثم يعقد هذه الخرق الثلاث ويحل العقد في القبر، يعقدها لئلا تنتشر مع حمل الميت والمشي به، فإذا وصل إلى القبر فإنها تحلّ.
فيستفاد من هذا الحديث: أن المشروع أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، وأنه ليس من المشروع أن يكون فيها قميص ولا عمامة.
ويستفاد منه: أن الأفضل في الكفن أن يكون أبيض، وقد دل على ذلك حث النبي ﷺ على لباس البياض، وهل يدل على أن الأفضل أن يكون الكفن من القطن لقولها: ((من كرسف))، أو أن هذا وصف فردي لا اعتبار به؟ يحتمل هذا، وهذا يحتمل أن يقال: إن الأفضل أن تكون من القطن؛ لأن الصوف في الغالب يكون حارًا، فيؤثر في بدن الميت؛ ولأن غيره قد يكون فيه مباهاة ومفاخرة، وأما الحرير فهو حرام.
ويستثنى من هذا الحديث المحرم، فإن المحرم يكفن في ثياب إحرامه في إزاره وردائه؛ لقول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته راحلته: ((كفنوه في ثوبيه))، فهذا مستثنى، وإلا فكل ذكر يسن أن يكفن في هذا، وما هو الواجب من هذه الثلاثة الأثواب؟ الواجب ثوب واحد يستر جميع الميت.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه لابد أن يكون الكفن شاملًا لجميع البدن، من أين يؤخذ؟ من قولها: ((كفن في ثلاثة))، و ((في)) للظرفية، والظرف لابد أن يكون محيطًا بماذا؟ بالمظروف، وعلى هذا فلابد أن يكون الكفن شاملًا لجميع الميت، فإن لم يوجد كفن يشمل جميع الميت
стр. 1103
فإنه يكفن أعلى البدن وأسفله، يكفن بإذخر أو أوراق شجر أو ما أشبه ذلك، ما هو الدليل؟ حديث مصعب بن عمير ﵁ فإنه استشهد في أحد وليس له إلا بردة إن غطّوا بها رأسه بدت رجلاه وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمرهم النبي ﷺ أن يغطوا رأسه، وأن يجعلوا على رجليه شيئًا من الإذخر، يعني: يوضع على الرجلين ثم يربط بحبل لأجل ألا ينتشر، فإن لم يوجد شيء إطلاقًا لا وجدنا ثوبًا ولا إذخرًا ولا شجرًا، فقال بعض العلماء: إنه يطيَّن كيف ذلك؟ يعني: يؤتى بطين ويوضع على جسده، ولكن هذا فيما يظهر ليس بواجب؛ لأن هذا من باب التكلف والتعمق، ثم إن فيه تلويثًا للميت، والمشروع أن يطهر ويغسل وإن كان الإنسان خلق من الطين، لكن هذا يعتبر تلويثًا له، فالصحيح أنه إذا لم يوجد شيء فإنه يدفن على ما هو عليه، وسوف يبعث يوم القيامة عاريًا وإن كفن.
فإن قلت: كيف يتصور ألا يوجد شيئًا؟
الجواب: يتصور بأن يعرض للرجل قطاع الطريق ويسلبونه ثيابه ومتاعه ولا يبقون عليه شيئًا، وهذا واقع في زمن سبق، فقد ذكروا لنا قصة أن جماعة من الذين يذهبون يأتون بالعلف- وهو الحشيش- اعترض لهم قطاع طريق فسلبوا ما معهم حتى الثياب، وجاءوا عراة إلى البلد، لكنهم لما قاربوا البلد جلسوا وأرسلوا واحدًا منهم في الليل وأتى لهم بثياب من أهلهم، فمثل هؤلاء إذا مات منهم ميت وليس حولهم شجر ولا شيء يغطون به الميت فإنه يدفن عاريًا، وأيضًا يستثنى المجاهد في سبيل الله إذا قتل فإنه يدفن في ثيابه مثل المحرم.
٥٢٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: ((لمَّا توفِّي عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أعطني قميصك أكفِّنه فيه، فأعطاه إيَّاه)). متَّفقٌ عليه.
قوله: ((لمَّا توفي)) كما قال الله تعالى: ﴿- قل يتوفَّكم ملك الموت﴾ [السجدة: ١١]. وقال: ﴿حتَّى إذا جاء أحدكم الموت توفَّته رسلنا﴾ [الأنعام: ٦]. فهو متوفَّى وليس متوف، ولكن لو أن أحدًا قال: إنه متَّوف بمعنى: أنه متوف أجله وحياته كالذي استوفى حقه من مدينه لكان له وجه، لكن هذا يتوقف على وروده في اللغة العربية.
قال: ((لما توفي عبد الله بن أبي)) - للفائدة- يقال: عبد الله بن أبي بن سلول، وسلول أمه، فكيف ننطق بأبي وكيف ننطق بابن سلول؟ هل نقول: عبد الله بن أبي بن سلول، أو عبد الله بن أبي بن
стр. 1104
سلول؟ الأخير، فنقول: عبد الله بن أبي بالتنوين، ابن سلول بالرفع، بخلاف ما لو قلنا: ((عبد الله بن محمد بن علي)) إذا كان ((علي)) هو الجد نقول: عبد الله بن محمد بن علي، ولا ننون محمدًا ونكسر ابن، أما عبد الله بن أبيٍّ فإننا ننون أبيًّا ونجعل ابن الثانية تابعة للاسم الأول، وهناك فرق ثالث وهو أننا نضع ألف ابن في ((ابن سلول)) بخلاف ما لو كان هو الجد فإننا لا نضع ألفًا لابن. ومنه ذلك ((عبد الله بن مالكٍ ابن بحينة))؛ لأن بحينة هذه ليست جده، بل هي أم عبد الله، عبد الله بن أبي هذا- والعياذ بالله- رأس المنافقين وهو مشهور بنفاقه، وله ابن اسمه عبد الله من خيار المؤمنين، وكان عبد الله بن أبي الخبيث يتظاهر بالإسلام، وكان النبي ﷺ يعامل المنافقين معاملة المسلمين أخذًا بظواهرهم؛ لأن الواجب علينا نحن أن نعامل الناس بالظواهر؛ لأن البواطن إلى الله- ، فكما أننا نحن ملزمون بأن نعامل الناس بالظواهر، فكذلك الحكم على الناس في الدنيا بالظواهر، أما في الآخرة فالحكم بما في البواطن لقول الله تعالى: ﴿يوم تبلى السرآئر (٩) فما له من قوةٍ ولا ناصرٍ﴾ [الطارق: ٩، ١٠]. ﴿- أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (٩) وحصل ما في الصُّدور﴾ [العاديات: ٩، ١٠]. عبد الله بن أبي ابن سلول لما مات جاء ابنه عبد الله- وهو من خيار المؤمنين- إلى النبي ﷺ فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه، قميص النبي ﷺ يلبسه الرسول- ﵊ ولا شك أن ما كان الرسول يلبسه فإنه يجوز أن يتبرك به الإنسان كما سبق في حديث زينب، وعلى هذا فإن عبد الله جاء إلى النبي ﷺ ليعطيه قميصه ليكفنه فيتبرك بذلك، ولكن هل ينفعه هذا؟ لا ينفعه، لكن بناء على الظاهر، أما الحقيقة فإنه لا ينفعه؛ لأن الكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين.
يستفاد من هذا الحديث: كرم النبي ﷺ ؛ حيث لا يرد سائلًا سأل ما يجوز.
ويستفاد منه أيضًا: إذا قلنا بأن الرسول ﷺ أعطى عبد الله بن أبي هذا مكافأة لأبيه حينما أعطى العباس قميصه في أسرى بدر، فيؤخذ منه: مكافأة المعروف بمثله، وهذه الفائدة وإن كان في أخذها من هذا الحديث شيء من الصعوبة، لكن قد دلت عليه الأدلة الأخرى، مثل قوله ﷺ : ((من صنع إليكم معروفًا فكافئوه))؛ ولهذا لا ينبغي للإنسان إذا أسدى إليه أحد من الناس معروفًا أن يأخذه ويسكت لابد أن يكافئه بالمال وإما بالدعاء إذا كان ككم يكافأ بالدعاء.
ويستفاد منه: أن المنافق يعامل معاملة المسلم وإن كان معروف النفاق، لا سيما في عهد الرسول ﷺ ، لأن النبي ﷺ كان يقول: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))، فكان صلى الله عليه وسلم
стр. 1105
لما يرى من المصلحة العظيمة في أن يعامل هؤلاء على ظاهر الحال وإن كان يعلمهم رأى أن يعاملهم معاملة من ينافقون فيه وهم المسلمون.
وفيه دليل على مشروعية الكفن: لقوله: ((يكفنه)).
وفيه دليل على جواز التكفين بالقميص لقوله: ((أعطني قميصك)).
وفيه دليل على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ لقميصه وإزاره ووضوئه وما أشبه ذلك، وهل هذا ثابت لغيره؟ الصواب: لا، وان غير النبي ﷺ مهما بلغ من العلم والفضل والكرم لا يتبرك بآثاره.
فإن قلت: ما الدليل على أنه يتبرك بآثاره مع أن العلة هي الصلاح؟
فالجواب: أن صلاح الرسالة والنبوة لا يساويه صلاح آخر هذا من جهة فالقياس ممتنع، ثانيًا: من جهة الأثر أن الصحابة- ﵃ أنفسهم كانوا يعرفون التفاضل بينهم، وكانوا يقرون أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ومع ذلك كانوا لا يتبركون بآثارهم، فنقول لأي إنسان أراد أن يتبرك بشخص عالٍ أو من يزعم أنه ولي، نقول له: هذا ليس بمشروع؛ لأن ليس من عادة الصحابة ولا من سننهم.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المودة بالقرابة لا تعد من المودة في الدين، يؤخذ من أن عبد الله بن أبي ما سأل هذا لأبيه إلا من أجل محبته أن يخفف الله عنه، فإن قلت: هذا يرد عليه قوله تعالى: ﴿لَّا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر ..... ﴾ إلى قوله: ﴿عشيرتهم﴾ [المجادلة: ٢٢]. فالجواب: أن المودة والمحبة الطبيعية التي متقضاها القرابة شيء آخر، فالمواد هو: الذي يسعى في طلب المودة أكثر مما تقتضيه الفطرة، ويدلك على هذا قوله تعالى: ﴿قل إن كان ءابآؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب﴾ هذا خبر كان ﴿إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربَّصوا﴾ فإذا قدم محبة هؤلاء على محيبة الله ورسوله فهذا هو الممنوع؛ ولهذا تههدهم الله بقوله: ﴿فتربَّصوا حتَّى يأتي الله بأمره﴾ [التوبة: ٢٤].
وربما نأخذ فائدة: أن تأليف رؤساء الكفر لأجل أن يتألف الإنسان قومه، ثم إن فيه أيضًا تأليفًا لعبد الله بن أبي الابن، وذاك لا ينتفع بالقميص بلا شك.
* * *
стр. 1106
استحباب الكفن الأبيض:
٥٢١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم)). رواه الخمسة إلا النَّسائيَّ، وصحَّحه التِّرمذيُّ.
((البسوا من ثيابكم البياض))، هذا على سبيل الإرشاد وليس على سبيل الوجوب، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ كان يلبس غير البياض، وكذلك الصحابة يلبسون ويقرهم النبي ﷺ إلا أنه كان ينهاهم عن المعصفر وعن الأحمر، فدلَّ ذلك على أن الأمر هنا ليس للوجوب.
وقوله: ((من ثيابكم)) ((من)) هذه لبيان الجنس، وقوله: ((البياض)) المراد بالصفة هنا: الموصوف، يعني: الأبيض، وقوله: ((فإنها من خير ثيابكم)) أي: من خير ما تلبسون، وقوله: ((وكفنوا فيها موتاكما)) هذا الشاهد من هذا الحديث في باب الجنائز، ((كفنوا)) سبق لنا أن الكفن بمعنى التغطية: والستر، ومنه قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا (٢٥) أحياءً وأمواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦].
وقوله: ((موتاكم)) النسبة هنا نسبة قرابة أو نسبة جنس؟ نسبة جنس، حتى الذي غير قريب لك من المسلمين إذا مات فإنه يجب عليك أن تكفنه؛ لأن تكفينه فرض كفاية.
ففي هذا الحديث: إرشاد من النبي ﷺ إلى استعمال البياض قي لباس الأحياء وفي لباس الأموات.
وفيه أيضًا: قرن الحكم بعلته لقوله: ((فإنها من خير ثيابكم))، وقرن الحكم بالعلة له ثلاث فوائد: الفائدة الأول: الإشارة إلى أن هذه الشريعة لا تأمر بشيء ولا تنهي عن شيء إلا لحكمة. هذه واحدة.
ثانيًا: زيادة طمأنينة الإنسان؛ لأن الإنسان إذا عرف علة الحكم فإنه يطمئن إليها أكثر.
الثالث: إمكان القياس على المعلل بما يشاركه في العلة فيقاس عليه في الحكم، ويقال: حكمهما واحد، مثال ذلك: قال النبي ﷺ : ((لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه)). هذه العلة أعلِّت لحكم واحد وهو التناجي بين اثنين دون الثالث، لكن لكل ما كان يحزن المؤمن فإنه يقتضي هذا الحديث أن يكون منهيًا عنه؛ لأن العلة وهي الأحزان موجودة، فهاذ المثال من أبرز ما يكون على ما ذكرنا، وأظهرها أن الحكمة مقرونة بالحكم، يستفاد منه هذه الفوائد الثلاث.
стр. 1107
ويستفاد من الحديث: مشروعية التكفين بالبياض وهو كذلك، فإن كفِّن بغير الأبيض فهو جائز، لكنه لا يكفن في ثوب محرم كما لو كفن الرجل بحرير فإن ذلك حرام، أو كفن الرجل أو المرأة بمصوَّر- ثياب فيها تصاوير- فإن ذلك حرام، لو كفنوا بمغصوب كذلك حرام سواء كان رجلًا أو امرأة، وهل تكفن المرأة في الحرير؟ إذا قلنا: بجواز تكفين المرأة بالحرير حتى ولو كان ظاهر الحديث العموم- ((أحل لإناث أمتي)) - فإنه قد يقال: إنما أحل للنساء في حال الحياة لحاجتهن إلى التجمل، وأما بعد الممات فلا حاجة، فنقول: تتجمل لمن؟ لكن إذا قدرنا أنه ليس من باب الإسراف- وقد يكون الحرير رخيصًا مثلًا-، أو لا نجد إلا هذا الحرير يجوز.
ويستفاد من هذا الحديث: الإرشاد إلى لبس البياض، وهو عام للرجال والنساء؛ لأن قوله: ((البسوا)) وإن كان موجهًا للرجال فالأصل اشتراك النساء مع الرجال في الأحكام، إلا ما قام الدليل عليه، كما أن الحكم الموجه إلى النساء يشمل الرجال إلا ما قام الدليل عليه، ففي قوله تعالى: ﴿والئين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ...... ﴾ [النور: ٤].
لو أن أحدًا رمى محصنًا من الرجال هل يجلد؟ نعم، يجلد ثمانين جلدة؛ لأن الحكم المخصص به النساء يشمل الرجال إلا بدليل، إذن يجوز للمرأة أن تلبس البياض لكن بشرط ألا يكون تفصيله كثياب الرجال؛ لأنه إذا كان تفصيله كثياب الرجال صار تشبهًا، والنبي ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وقد مر علينا مسألة غريبة في باب الإحداد على الميت ولعلكم تذكرونها وهي: أن الفقهاء- ﵏ يقولون: يجوز للمحادة أن تلبس الأبيض ولو كان حسنًا، ولكن ذكرنا أن ذلك ليس بصحيح، هم يعللون يقولون: هذا الحسن من طبيعته ما أضيف إليه لون أو ما أشبه ذلك حتى نقول: إنه يحرم، ولكن سبق لنا أن العبرة بالتعريف أو بالحد والضابط دون الأجزاء، والضابط أنه يحرم على المحادة أن تلبس كل شيء يدعو إلى النظر إليها ويرغب في جماعها، وعلى هذا تمنع من الأبيض، أقول: إن لباس المرأة البياض لا بأس به، ولكن هل يجوز لها أن تخرج بالبياض بدون أن يكون عليه عباءة؟ يقولون: إن الأبيض في بعض البلاد لباس عادي مثل الأسود ولا يهتمون به، لكنه عندنا وخصوصًا في نجد يرون أن البياض لباس زينة، وبناء على ذلك لا يجوز للمرأة أن تلبس الأبيض ولو كان عليها عباءة، ما دام أن العباءة ليست ضافية على كل البدن؛ لأنه إذا كان لباس زينة صار من باب التبرج.
* * *
стр. 1108
استحباب إحسان الكفن:
٥٢٢ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كفَّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)). رواه مسلمٌ.
المراد بالأخ هنا: الأخ في الدين، فيشمل من جمع بين الأخوتين: أخوة النسب وأخوة الدين، وقوله: ((فليحسن كفنه))، الإحسان نوعان: أحدهما: أن يأتي بقدر الواجب وهذا واجب، والثاني: أن يحسن أكثر من ذلك وهذا سنة، وإحسان الكفن ليس معناه أن ننظر إلى أغلى ما يكون من الأكفان ونكفنه به، ولكن إحسان الكفن ما وافق الشرع؛ لأن الإحسان حقيقة هو ما وافق الشرع، فكل شيء موافق للشرع فهو حسن، وكل شيء مخالف للشرع فهو سيئ وليس بالحسن، وهذا نظير قول الرسول ﷺ : ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة)). وبينا فيما سبق أن هذا لا ينافي الرجم الثابت للزاني المحصن؛ لأن المراد بإحسان القتلة: أن تكون متمشية على الشريعة.
فيستفاد من هذا الحديث: الأمر بإحسان الكفن لقوله: ((فليحسن كفنه)) بحيث يكفنه على الوجه المشروع.
ثانيًا: استعمال الألفاظ التي تجلب الحنو والشفقة لقوله: ((أخاه)).
هل يؤخذ من هذا الحديث أن غير المسلم لا يكفن لقوله: ((إذا كفن أخاه))، أو يقال: إنه مسكوت عنه؟ الظاهر: أنه مسكوت عنه؛ لأنَّا لو أردنا أن نأخذ بالمفهوم لقلنا، وإذا كفن غير المسلم فلا يحسن كفنه فيكون ذلك دليلًا على جواز التكفين، ولكن بدون إحسان، فالذي يظهر: أنه لا يؤخذ من الحديث عدم تكفين الكافر، وإنما يؤخذ من عمومات أخرى وهو أن الكافر ليس له حرمة، وإذا كان ليس له حرمة فإن المسلم لا يتولاه إلا على سبيل دفع أذيته فقط، بأن يخرج به إلى مكان يحفر له ويرمي به في الحفرة؛ لئلا يتأذى الناس برائحته ويتأذى قريبه بمشاهدته)).
هل يجمع بين الرجال في الدفن، ومن يقدَّم:
٥٢٣ - وعنه ﵁ قال: ((كان النَّبيُّ ﷺ يجمع بين الرَّجلين من قتلى أحدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثمَّ يقول: أيُّهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فيقدِّمه في اللَّحد، ولم يغسَّلوا، ولم يصلَّ عليهم)). رواه البخارسُّ.
((كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين)) أي: يأمر بذلك لأنَّا نعلم أن النبي ﷺ لم يكن يباشر التكفين، وقوله: ((من قتلى أحد)) ((قتلى)): جمع بين قتيل، بمعنى: مقتول، فهو فعيل بمعنى مفعول،
стр. 1109
وقوله: ((أحد)) فنسبه إلى المكان وهو الجبل المشهور، وكانت الوقعة في شوال في السنة الثالثة من الهجرة، بين النبي ﷺ وبين قريش الذين قدموا للأخذ بالثأر من الرسول ﷺ حين قتل زعماءهم في بدر، والقصة مشهورة، كانت الهزيمة في أول النهار على المشركين لكن حصل شيء من المعصية في توجيه الرسول ﷺ لهؤلاء الجند والتنازع، أشار الله إليه بقوله: ﴿حتَّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم مّن بعد ما أراكم مَّا تحبُّون﴾ [آل عمران: ١٥٢]. أين الجواب إذا؟ من بلاغة القرآن أنه لم يذكر الجواب لأجل أن يذهب الذهن في تقديره كل مذهب، فممكن أن نقدر: وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون فحصل لكم ما تكرهون، أو فحلت بكم العقوبة أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ((يجمعهم في ثوب واحد)) هل المعنى: أنه يشق الثوب بين الاثنين، فيكفن هذا في بعضه وهذا في بعضه لئلا تمس بشرة كل إنسان بشرة الآخر، أو المعنى: أنه يجمعهم في ثوب واحد ملتصقين؟ أما الأول فهو أقرب، وأما الثاني فهو أقرب إلى ظاهر الحديث، ولكن على التقديرين ففيه إشكال عظيم نرجو الله أن ييسر حلَّه ذلك الإشكال: أن المعروف أن الرسول ﷺ دفن أهل أحد في دمائهم وثيابهم، ومن المعلوم أن كل واحد منهم عليه ثوب فكيف يحتجون إلى أن يجمع الرجلان في ثوب واحد وكل واحد معه ثيابه؟ الجواب على ذلك أن يقال: إن الثياب ليست ضافية بحيث تشمل الجسم كله؛ لأن الرأس في الغالب يكون بارزًا وعليه البيضة التي تقي من السلاح، والقدمان أيضًا في الغالب تكونا مكشوفتين؛ لأن المعروف من الصحابة- ﵃ أنهم انتهوا عما نهى عنه الرسول من تنزيل الإزار إلى أسفل الكعبين، وإذا كان كذلك فلابد أن يكمل الكفن من ثياب أخرى، وهذا يرجح الاحتمال الأول بأنه يأخذ من هذا ليكمل بهذا وتتم المسألة، ويمكن أيقال: عن أعلى الجسم من الرجلين يفصل الرسول ﷺ بينها بالخرقة، وأما الرجلان فقد يضم بعضهما، والمسألة ما زالت عندي مشكلة حتى مع هذا الاحتمال.
ثم يقول: ((أيهم كان أكثر أخذًا للقرآن)) ((أخذًا)) ما الذي نصبها؟ تمييز لأكثر.
وقوله: ((أيهم أكثر أخذًا للقرآن)) فيه إشكال؛ لأن قوله: ((يجمع بين الرجلين)) يقتضي أن يكون أيهما أكثر، ((وأيهم)) جمع، والحديث بين الرجلين، فيقال: إن في هذا إشارة إلى رواية أخرى: ((يجمع بين الرجلين والثلاثة)). أو يقال: إنه شاهد لما قبل من أقل الجمع اثنان.
وقوله: ((فيقدمه في اللحد يجعله مقدمًا على صاحبه))، كيف يقدمه في اللحد وهم في ثوب واحد؟ هذا الثوب الواحد إذا قدرنا أنه قد طوي عليهما معًا ينظر الأكثر للقرآن فيقدم في الكفن إذا وضع في القبر، وربما نقول: فيقدمه في اللحد، إن هذا يدل على أن قوله: ((يجمع الرجلين في
стр. 1110
ثوب واحد)) يعني: يوزع الثوب الواحد على الرجلين، وإذا أنزلهما في اللحد قدّم الأكثر قرآنًا.
وقوله: ((ولم يغسلوا)) يعني: ما غسلهم أحد لا بأمر الرسول ﷺ ولا بعدم أمره، وقوله: ((ولم يصلِّ عليهم)).
كذلك فإن قلت: ألم يرد عن النبي ﷺ أنه في آخر أيام حياته خرج إلى شهداء أحد وصلى عليهم.
فالجواب: أن الصلاة التي صلاها على شهداء أحد في آخر حياته ليست هي الصلاة على الميت؛ لأن الصلاة على الميت إنما تكون متى؟ عند موته، ولكن الصلاة التي صلاها على شهداء أحد في آخر أيام حياته قال أهل العلم: إنها صلاة دعاء كالمودع لهم ﷺ .
يستفاد من هذا الحديث: جواز جمع الرجلين في لحد واحد، ولكن هذا عند الحاجة، والحاجة قد تكون كثرة الموتى وتعب الأحياء في حفر القبور، وقد تكون الحاجة لعدم قدرة الإنسان على الحفر مثل لو كان الميت رجلين ونحن في بر وليس معنا آلات نحفر بها فإنه بلا شك يشق علينا أن نحفر لكل واحد قبرًا، وإن لم يكن الأموات كثيرين، المهم متى دعت الحاجة إلى ذلك جاز.
وهل دفن الرجلين في لحد واحد حرام أو مكروه؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه حرام، وذهب آخرون إلى أنه مكروه، فالمشهور من المذهب أنه حرام إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، واختار شيخ الإسلام أنه يكره إلا لحاجة، وعلى هذا فما يوجد الآن في بعض البلاد الإسلامية يجمع بين الأموات جميعًا يحمل على أن ذلك على سبيل الحاجة، وأن الحكم عند هؤلاء العلماء الذين أفتوهم به على سبيل الكراهة.
ومن فوائد الحديث: فضيلة القرآن لقوله: ((أيهم أكثر أخذًا للقرآن)).
ومن فوائده: أن المعتبر بالأقرأ الأكثر قراءة، فيؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، يعني: أكثرهم قراءة بدليل هذا الحديث أنه قدمه لكثرة قراءته، وبدليل حديث مالك بن الحويرث: ((وليؤمكم أكثركم قرآنًا)).
ومن فوائد الحديث: ما أشرنا إليه قبل قليل، وهو أن الشهيد لا يغسل، والحكمة من ذلك إبقاء دمه عليه؛ لأنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا: اللون لون الدم، والريح ريح المسك.
وهل يستفاد منه: أن ينبغي إبقاء أثر العبادة المكروه عند الناس أو لا؟ الجواب: قال بعض العلماء ذلك؛ ولهذا قالوا: ينبغي للمعتكف أن يخرج يوم العيد غير متجمل، يخرج بثياب اعتكافه،
стр. 1111
قالوا: لأنها أثر عبادة فاستحب أن تبقى على، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن وساخة الثوب بالنسبة للمعتكف ليس من أجل الاعتكاف، ولكن يكون من المكث؛ ولهذا المعتكف يجوز أن يغتسل ويجوز أن يتطيب، ويجوز أن يلبس الثياب الجميلة هذا كله ليس له دخل بالاعتكاف، وقد كان الرسول ﷺ يخرج رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله وهو في اعتكافه، الوسخ التي في ثياب المعتكف ليس من أثر العبادة حتى يقاس على دم الشهيد.
لكن لو قال قائل: المحرم يكون أشعت أغبر لأنه مكشوف الرأس والبدن ليس عليه ثياب معروفة، فهل نقول: يسن للمحرم أن يبقى الشعت والغبر عليه، هل يشرع له ذلك أو له أن يغتسل ويزيل هذا الشيء؟
الجواب: الثاني: وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يغتسل وهو محرم، وعلى هذا فإن هذه المسألة لا يقاس عليها بل هي مسألة خاصة بالشهداء.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يصلى على الشهيد لقوله: ((ولم يصل عليهم)) قال أهل العلم: وذلك لأن الصلاة على الميت شفاعة بدليل قول النبي ﷺ : ((ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه)). ومن قتل شهيدًا فقد كفِّرت خطاياه فلا يحتاج إلى شافع، وهذا تعليل جيد.
وهل يلحق بالشهيد- شهيد المعركة- من قتل ظلمًا، لأن من قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، فهل يلحق بذلك؟ فيه خلاف، والمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنه يلحق بشهيد المعركة، وأن من قتل ظلمًا فإنه لا يغسل ولا يكفن لا يصلى عليه، وإنما يدفن بدمه وثيابه بدون صلاة، ولكن هذا القول ضعيف لوجود الفارق بين هذا وبين المقتول ظلمًا، ما الفرق بينهما؟
أولًا: أن هذا قتل مجاهدًا في سبيل الله، وذاك قتل غير مجاهد في سبيل الله.
ثانيًا: أن هذا هو الذي عرض نفسه للقتل ليقتل ي سبيل الله وأما هذا فإنه فارٌّ من القتل ولكنه قتل ظلمًا.
الثالث: أن هؤلاء الشهداء في سبيل الله لا يساويهم أحد في الفضل والدرجة كما قال تعالى: ﴿ولا تحسبنَّ الَّذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وشهادة المقتول ظلمًا كشهادة المطعون والمبطون ونحوهم؛ لأن الكل منهم أتاه الموت بغتة ومفاجأة
стр. 1112
فلا يكون مثل الذي قتل في سبيل الله، فالصحيح: أن المقتول ظلمًا يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه كسائر المسلمين.
فائدة: قال العلماء: الشهيد إذا بقي حيًّا ثم مات بعد ذلك فإنه يثبت له أحكام غيره من التغسيل والتكفين والصلاة عليه، لكن إذا قتل في نفس المعركة فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه.
ظاهر الحديث أنه لا يغسل ولو كان عليه جنابة، وجهه: أن الرسول ﷺ ما استفصل، وهو كذلك فصوابه أن الشهيد لا يغسل ولو كان جنبًا، وأما من قال: غنه كان جنبًا وجب تغسيله فإن قوله ضعيف؛ لأن غسل الجنابة إنما يجب على من قام إلى الصلاة لقوله تعالى: ﴿يأيُّها الَّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصَّلاة﴾ حتى قال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطَّهروا﴾ [المائدة: ٦]. وهل هؤلاء الذين قتلوا يقومون إلى الصلاة؟ وأما استدلال بعضهم في القصة المشهورة في حنظلة الذي قتل في احد شهيدًا وغسلته الملائكة؛ فإن هذا على تقدير ثبوت القصة لا يدل على أن من كان جنبًا وجب أن يغسل؛ لن هذا من بابا الكراهة لهذا الرجل، ثم إن تغسيل الملائكة ليس عن تكليف ما يكلف بنو آدم ولو كان هذا من الواجب لقال الرسول ﷺ لأمته، ومن كان جنبًا فافعلوا به هكذا، والصواب: أنه لا يغسل مطلقًا حتى ولو علمنا أنه قتل شهيدًا وهو جنب.
كراهة المغالاة في الكفن:
٥٢٤ - وعن عليٍّ ﵁ قال: ((سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: لا تغالوا في الكفن، فإنَّه يسلب سريعًا)). رواه أبو داود.
((لا تغالوا)) مأخوذة من الغلو، والمعنى: لا تبلغوا الغاية في الغلو في الكفن الذي يكفن فيه الميت، وعلل النبي ﷺ ذلك بأنه يسلب سريعًا؛ أي: تأكله الأرض ويسلب عن الميت سريعًا، وقوله: ((سريعًا)) أمر نسبي بحسب الأرض؛ لأن من الأراضي ما يتأخر فيها سلب الكفن، ومنها ما يسلب، والغالب أن الأرض إذا كانت محالة أنه يسرع فيها سلب الكفن، وأما إذا كانت رملية باردة فإنه يتأخر.
وعلى كل حال: فإن هذا الحديث يدل على أنه لا ينبغي المغالاة في الكفن، وإنما يكفن بما ليس فيه إسراف ولا مجاوزة حد.
стр. 1113
وفي هذا الحديث من الفوائد: النهي عن المغالاة فيه والزيادة، وهو شامل للكمية والكيفية.
وفيه أيضًا: تعليًا الأحكام لقوله: (فإنه يسلب سريعًا)
وفيه: حسن تعليم الرسول ﷺ ؛ حيث ذكر الحكم مقرونًا بعلته لما فيه من الفوائد، من ذلك- وقد سبقت لنا: بيان سمو الشريعة، وأن أحكامها مقرونة بالحكمة وطمأنينة المكلف.
فإذا قال قائل: المؤمن مطمئن لحكم الله سواء ذكرت العلة أو لم تذكر.
قلنا: ولكن ليزداد طمأنينة؛ لأن الإنسان كلما أتته البراهين ازداد قوة ويقينًا، فليس الخبر كالمعاينة.
وأما الفائدة الثالثة: فهو القياس على ما شارك هذا في العلة، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قوله: ﴿فإنه رجس﴾ يستفاد منه تحريم كل ما كان رجسًا أي: نجسًا، وعلى هذا فيلزم من كون الشيء نجسًا أن يكون حرامًا، ولا يلزم من كون الشيء حرامًا أن يكون نجسًا كما سبق.
حكم تغسيل الرجل لزوجته والعكس:
٥٢٥ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: "لو مت قبلي لغسلتك" الحديث رواه أحمد، وأبن ماجه، وصححه ابن حبان.
"لو" هذا شرطية غير جازمة، ولكنها شرطية فيها شرط وجوابه، وقلوه: "مت أو مت" يجوز الوجهان، إن كانت من مات يميت فهي مت، وإن كانت من مات يموت فهي مت، وإن كانت من مات يموت فهي مت، وهما لغتان في هذا الفعل.
وقوله: "لغسلتك" هذا جواب الشرط، يعني: أن الرسول (صلى الله عليه سولم) خاطب عائشة بهذه الجملة بأنها لو ماتت قبلها لغسلها، قال ذلك نم باب التحبب يعني: أنه يتولاها ﵊ حتى بعد مماتها فغيسلها هو بنفسه.
وأتى المؤلف بهذا الحديث في كتاب الجنائز لفائدة- وهي الشاهد- جواز تغسيل الرجل زوجته، وجه الدلالة من الحديث: أنه قال: "لو مت قبلي لغسلتك"، ولو كان حرامًا ما غسلها، فيستفاد من الحديث هذه الفائدة وهي محل الشاهد.
стр. 1114
ويستفاد منه: بيان منزلة عائشة عند الرسول ﷺ ، وكانت أحب نسائه اللاتي معه.
ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان أن يتودد إلى زوجته، كما ينبغي لها أيضًا أن تتودد إلى زوجها، وفي الحديث: "تزوجوا الودود الولود"، حتى أنه أبيح للرجل مع زوجته والزوجة مع زوجها الكذب الذي ينبني عليه المحبة والمودة، هو ليس كالكذب ولكنه الكذب الذي فيه مصلحة؛ لأن المودة بين الزوجين لها فوائد عظيمة.
فإن قال قائل: كيف يغسلها وقد بانت منه؟
الجواب أن نقول: لأنه قد بقى شيء من المتعلقات الزوجية وهي الإرث، وأيضًا فإن النصوص دلت بعمومها على أن الإنسان إذا مات وزوجته مع أو بالعكس فإنها تكون زوجته في الآخرة: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ [غارف: ٨﴾، وقال تعالى: ﴿والذين أمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور: ٢١]، فآثار النكاح باقية.
وهل تغسل المرأة زوجها؟ نعم، من باب أولى، لأن المرأة باق حق الزوجية في حقها، وهو العدة فهي أبلغ من الزوج، فيجوز إذن للزوج أن يغسل زوجته وللزوجة أن تغسل زوجها.
هل المملوكة كذلك؟ إن قلتم: نعم؛ أخطأتم، وإن قلتم: لا، أخطأتم، فيه تفصيل: إن كانت المملوكة سرية له حتى مات فهي كالزوجة، لأنها من محللاته أو بعبارة أصح: لأنها فراش له، وإن كان لم يتسرها أو كانت مزوجة بغيرة فإنها لا تغسله.
٥٢٦ - وعز أسماء بنت عميس ﵂: (أن فاطمة ﵂ أوصت أن يغسلها علي)، رواه الدارقطني.
هذا الحديث نقول فيه كما قلنا في حديث عائشة وهو جواز تغسيل الرجل زوجته.
ويستفاد منه أيضًا: جواز وصية الرجل إلى من يغسله، وجهه: أن فاطمة أوصت، وأن عليًا فعل ذلك، هل الدليل بوصية فاطمة، أو بتنفيذ علي؟ أما فاطمة فهي صحابية والاستدلال بما فعلت ينبني على الاستدلال بقول الصحابي، وأما علي إذا كان نفذ ذلك فالاستدلال بفعله ظاهر؛ لأنه [من الخلفاء الراشدين المهديين].
стр. 1115
حكم الصلاة على المقتول في حد:
٥٢٧ - وعن بريدة (رضى الله عنه) في قصة الغامدية التي أمر النبي ﷺ برجمها في الزنا قال: "ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت". رواه مسلم.
الغامدية هذه من غامد، وغامد بطن من جهينة، ولذلك ذكرها بريدة ﵁ باسم الغامدية، وذكرها عمران بن حصين باسم امرأة من جهينة، وههما واحدة، هذه المرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا واعترفت عنده بأنها زنت، وأمرها النبي ﷺ أن تتوب إلى الله وأن تستغفر وأن تستر على نفسها، فقالت: يا رسول الله، أتريد أن تردني كما رددت ماعزًا؟ ! مصممة ﵂ على أن يطهرها من هذا الزنا، فقال: ما شأنك؟ قالت: إنها حبلي من الزنا، ولكن الرسول ﷺ أمر أن تنتظر حتى تضع ثم تفطم الولد، فلما فطمت الولد، فلما فطمت الولد أمر بها فرجمت، فكان من جملة من رجمها خالد بن الوليد ﵁ فحصل عليه دم من رأسها حين ضربه فسبها، فقال له النبي ﷺ : "لقد تابت توبة لها تابها صاحب مكس لغفر له"، ولما توفيت ﵂ صلى عليها النبي ﷺ فقال له عمر: يا نبي الله، تصلي عليها وقد زنت، فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لو سعتهم"، هذا بعد أن ماتت ﵂.
وقول المؤلف: "أمر بها فصلى عليها ودفنت" ليته أتى بحديث عمران بن حصين الذي فيه التصريح بأن النبي ﷺ صلى عليها، وأن عمر كلمة في ذلك؛ لأن قوله هنا: "ثم أمر بها فصلى عليها" ظاهره أنه هو ﷺ لم يصل عليها، وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من أهل العلم وقال: إنه لا ينبغي للإمام أن يصلى على من قتل في حد، ولكن الحديث الصحيح صريح جدًا في صحيح مسلم من رواية عمران بن حصين في أن النبي ﷺ صلى عليها بنفسه، فيكون صلى عليها بعد أن أمر بأن يصلى عليها.
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: أن الزنا ليس بكفر، وجه ذلك؟ أن النبي ﷺ أمر أن يصلى عليها، وصلى عليها هو بنفسه، ودفنت مع المسلمين، يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لأن الخوارج يقولون في فاعل الكبيرة: إنه كافر، والمعتزلة [يقولون: في منزلة بين المنزلتين].
стр. 1116
حكم الصلاة على قاتل نفسه:
٥٢٨ - وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه"، رواه مسلم.
"أتى برجل" أي: جيء به إليه وهو ميت، "قتل نفسه بمشاقص"، الباء هذه للاستعانة أو للسببية؟ الأقرب أنها للاستعانة كما يقال: ذبحته بالسكين وضربته بالعصا، وقوله: "بمشاقص": جمع مشقص، قال أهل اللغة: والمشقص: نصل عريض، يعني: نصل من السهام لكنه عريض، "وقتل نفسه" الله أعلم ما سبب هذا القتل، لكن قتل النفس محرم من كبائر الذنوب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن من قتل نفسه بشيء عذب به في جهنم، وإن كان بحديدة فهو يجأ بها نفسه خالدًا مخلدًا في نار جهنم، وإن كان جسمًا فإنه يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، إن كان مترديًا من جبل فإنه يتردي في نار جهنم خالدًا مخلدًا، المهم: أن من قتل نفسه بسبب عذب به في جهنم، وهذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا) [النساء: ٩٣].
إلا أن العلماء اختلفوا هل من قتل نفسه عليه كفارة أو ليس عليه كفارة؟ فالمشهور من المذهب: أن عليه كفارة، وعلى هذا فلو أن الإنسان حصل عليه حادث بتفريطه أو بتعديه ومات من فعله فإنه يجب أن يخرج عنه كفارة من تركته، بأن يشتري رقبة وتعتق، والصحيح إنه لا يحب كما سيأتي- إن شاء الله-، المهم: أنه قاتل نفسه مخلد في النار كما جاء في الحديث الصحيح.
وقوله: "فلم يصل عليه" أي: النبي ﷺ ، ولكن هل صلى عليه غيره؟ يحتمل لأنه لم يقل: وأمر بالصلاة عليه، بل قال: فلم يصل عليه، ولكننا نقول: لو كان غيره لم يصل عليه لقال: فلم يصل عليه بالبناء للمجهول، ولما قال: "فلم يصل" وخص الفعل بالنبي ﷺ دل على أن صلى علي، ويؤيده لفظ رواية النسائي: "أما أنا فلا أصلى عليه".
وهذا ظاهر أو كالصريح بأن الرسول ﷺ هو الذي لم يصل عليه، وأما غيره فقد صلى عليه، ويؤيده من حيث المعنى أن الرسول ﷺ كان قبل أن يفتح عليه إذا أتى برجل مدين ليس له وفاء لا يصلى عليه، ويقول: "صلوا على صاحبكم". إذن الذي يترجح- إن لم يكن متعينًا- هو أن الرسول ﷺ لم يصل عليه ولكن الصحابة صلوا عليه.
стр. 1117
فيستفاد من هذا الحديث: تعظيم قتل النفس، لأن الرسول ﷺ عزره بترك الصلاة عليه، ولكن هل هو تأديب له، أو ردع لغيره؟ الثاني، أما هو فلا يفيده التأديب.
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أنه يشرع للإمام أو كبير القوم ألا يصلى على قاتل النفس، ولكن هل يكره أو يحرم؟ فيه قولان لأهل العلم، فمنهم من قال: يحرم أني صلى، ومنهم من قال: يكره، والصحيح: أنه راجع إلى مراعاة المصلحة، فإذا تعينت المصلحة في عدم الصلاة عليه وجب ألا يصلى وحرمت الصلاة، وإن كان الأمر ليس ذا أهمية عند الناس فهو إلى الكراهية أقرب، المهم أن المشروع ألا يصلى على قاتل نفسه.
ويستفاد من هذا الحديث: أن قتل النفس كبيرة، كيف ذلك؟ لأن الرسول لم يصل عليه، وهذا نوع من العقوبة، وقد حد شيخ الإسلام الكبيرة في بعض كتبه بأنها كل ما رتب عليه عقوبة خاصة فإنه من كبائر الذنوب أيا كانت هذه العقوبة.
وهنا سؤال يطرح نفسه: هل قاتل نفسه للتخلص من ويلات الحياة الدنيا ونكباتها هل يفيده ذلك شيئًا؟ يفيده أنه ينتقل إلى عذاب أشد، هو كالمستجير من الرمضاء بالنار كما قال الشاعر: [البسيط]
والمستغيث بعمرو عند كربته *** كالمستغيث من الرمضاء بالنار
أيهما أهون؟ الرمضاء أهون، فالمهم أن أولئك الذين ينتحرون- والعياذ بالله- ليتخلصوا من ويلات الدنيا ونكدها لا يزيدهم ذلك إلا بلاء وعذابًا، لأنه من حين ما تخرج أرواحهم تخرج إلى العذاب، نسأل الله العافية؛ لأنه كما جاء في الحديث: يخلدوا في النار، وقد مر علينا أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة وغيرها من كبائر الذنوب: أن فاعل الكبيرة تحت مشيئة الله قد يعفو الله عنه وإن لم يتب، أما إذا تاب فبالإجماع، لكنه إذا لم يتب فالصيح عند أهل السنة- وهو الحق بلا شك: أنه تحت المشيئة، لأن الله تعالى ذكر آيتين مكتنفين لآية القتل التي فيها الوعيد بالخلود: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد أفترى إثمًا عظيمًا (٤٨)) [النساء: ٤٨]، هذه بعد آية القتل، وهذا يدل على أن الخلود المذكور في آية القتل داخل في هذا، ولكن إذا قيل: إذا كان داخلاً في ذلك وأن القاتل تحت المشيئة فكيف نجيب عن الآية؟
نقول: اختلف في هذا أجوبة أهل العلم، وقد ذكرنا من قبل ثلاثة أجوبة: الجواب الأول:
стр. 1118
أن هذا من باب الوعيد، والوعيد إخلافه كرم بخلاف الوعد كما قال الشاعر: [الطويل]
وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
أوعدته أو وعدته: الإيعاد بالشر والوعد بالخير، يقول: "لمخلف إيعادي ومنجز موعدي" قالوا: وهذا كرم، وإخلاف الوعيد من كرم الله ذلك أن يتوعد عبادة على فعل شيء توعدهم بالعذاب عليهم ثم بعد ذلك يعفو ويصفح: .
والقول الثاني: أن هذا لمن يستحل القتل ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ أي: من يقتله مستحلاً للقتل فالعموم مراد به الخصوص ﴿ومن يقتل﴾ هذه عامة ولكنها يراد بها الخصوص؛ أي: مستحلاً للقتل، ولكن الإمام ﵀ أنكر هذا، قال: سبحان الله، إذا استحل قتل المؤمن فهو كافر، قتله أم لم يقتله، وصدق ﵀ وما ها القول إلا كقول من قال في تارك الصلاة: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، وقال: "من تركها فقد كفر"، قالوا: من تركها جاحدًا لوجوبها نقول: - سبحانه الله- يكفر ولو كان يصلى كل الخمس ونوافلها معها، فلا يصح أن يخصص بهذا، إذن هذا القول ليس بصحيح.
القول الثالث: يقولون: إن هذا جزاؤه إن جازاه، فيجعلون الآية على تقدير شرط ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه- إن جازيته- جهنم خلدًا فيها﴾ [النساء: ٩٣﴾، وهذا كما ترون يسلب الكلام معناه، هذا جزاؤه إن جازيته، كيف يقال هذا؟ أصبح هكذا التهديد لا قيمة له.
الرابع: يقولون: إن هذا من باب آيات الوعيد ولا نتعرض له، بل نقول كما قال ربنا: ﴿ومن يقتل مؤمنًا ... عظيمًا﴾، ونقول: كل مؤمن لا يخلد في النار ونسكت، وهؤلاء تخلصوا من مضيق طلب الجمع بين النصوص، لكنهم ما ظهروا بنتيجة، ما حصلنا علمًا من وراء ذلك.
والوجه الخامس: يقولون: إن هذا من باب التهديد الذي يراد به التنفير، وإن كان لا حقيقة له، كما نوحش أولادنا الصغار نقول: جاءكم البعبع، جاءكم الهر، وليس يوجد شيء، لكن من أجل أن يخافوا، وهذا من أضعف الأقوال.
والقول السادس: يقولون: إن هذا سبب للخلود، وما يدرينا لعل هذا القاتل الذي استحل هذه الحرمة العظيمة أن يختم الله على قلبه ويطبع، حتى يكون من أهل النار فهو سب، والأسباب لا عمل لها إذا انتفت الموانع، قد يكون السبب قائمًا لكن يأتي معنى ويمنع منه، ومعلوم أن كل الأسباب لا تثبت إلا بوجود الأسباب وانتفاء الموانع، وهذا كما نقول: الولادة
стр. 1119
سبب للإرث، فالأب يرث من أبنه والابن يرث من أبيه، لكن قد يوجد مانع كاختلاف الدين ولا يثبت الإرث، فالقتل سبب للخلود في النار لكن يوجد مانع يمنع من ذلك، وهذا أقرب الأقوال فيما أظن.
وعلى كل حال: فإن قاتل النفس- قاتل نفسه- كقاتل غيره من جهة الوعيد كما أخبر النبي ﷺ بذلك، كيف لو قتل نفسه بغير مشاقص؟ العلة واحدة فتكون كلمة "بمشاقص" وصفًا طرديًا، وقد علم في باب القياس أن الوصف الطردي لا مفهوم له، الطردي الذي ليس له معنى مناسب كما في حديث: "خيرت بريرة على زوجها حين عتقت وكان عبدًا أسود"، كلمة أسود وصف طردي، لو كان عبدًا غير أسود يثبت التخيير.
وهناك وجه سابع: وهو أن الخلود إذا لم يقرن بالتأييد فهو المكث الطويل، وليس المكث الدائم.
حكم الصلاة على القبر:
٥٢٩ - وعن أبى هريرة ﵁ - في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد-: فسأل عنها النبي ﷺ فقالوا: مات، فقال: أفلا كنتم أذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها".متفق عليه.
- وزاد مسلم، ثم قال: "إن هذه القبول مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم"
وقد اختلفت الأحاديث: هل هي امرأة أو رجل؟ ففي بعضها أنها امرأة، وفي بعضها أنه رجل، وفي بعضها أنه إنسان كان يقم المسجد، والاختلاف في هذا قريب.
فمن أهل العلم من ذهب إلى تعدد القصة وأنه رجل يقم وامرأة تقم، ولا مانع ولكن هذا ضعيف، وبضعفه اتحاد المخرج وكون القصة سياقها يدل على الوحدة.
ومنهم من قال: إن القصة واحدة، لكن الرواة اختلفوا في اسم هذا الرجل، وهذا الاختلاف لا يعد اختلافًا ضارًا في الحديث، لأنه لا يخل بالمقصود منه، قال أهل العلم: والاضطراب في مثل ذلك لا يعد ضعفًا في الحديث، لأن المقصود واللب ليس في تعيين الرجل، إنما المقصود واللب هذه القصة بقطع النظر عن القائل أو الفاعل، ونظير ذلك اختلاف الرواة في حديث ثمن جمل جابر، ونظيره أيضًا، اختلافهم في حديث فضالة بن عبيد في قصة القلادة،
стр. 1120
والاختلاف في ثمنها، كل هذا الخلاف يقول فيه أهل العلم: إنه لا يوجب ضعف الحديث ولا الحكم عليه بالاضطراب، كذلك هنا الاختلاف في تعيين الذي يقم المسجد هذا لا يضر، الكلام على أن هذا قصة واقعة حصلت على هذا الوجه، أما على من حصلت فالأمر يسير لا يضر.
قوله: "تقم" أي: تنقيه من القمامة، والقمامة هي: الأذى كالعيدان والخرق وما أشبه ذلك.
وقوله: "المسجد" "أل" هنا: للعهد الذهني، لأنه هو المفهوم عند الإطلاق، إذن ما هو المسجد؟ هو مسجد النبي ﷺ فسأل عنها النبي ﷺ وكأنه أتفقد هذه المرأة التي كانت تقم المسجد، فسأل عنها أين هي؟ فقالوا: ماتت، فقال: "أفلا كنتم آذنتموني؟ " "أفلا" الاستفهام هنا: يحتمل أن يكون للتوبيخ والإنكار، لأنهم لا يخبروا النبي ﷺ بها، ويحتمل أنه للتعظيم، أي: تعظيم هذه المرأة وتكريمها، وقوله: "أفلا" الفاء هنا: عاطفة، والمعطوف عليه محذوف يقدر بما يناسب المقام، وقيل: إن المعطوف عليه هو ما سبق، ولكن ها قد يمتنع هذا الوجه؛ لماذا؟ لأن النبي (صلى الله علي وسلم) لم يسبق له كلام على هذه الجملة، بخلاف ما يوجد في القرآن من نحو: ﴿أفلم يسيروا﴾ [يوسف ١٠٩] ﴿أو لم يسيروا﴾ [غافر: ٢١] ﴿أثم إذا وقع أمنتم به﴾ [يوسف: ٥١] ,
إذن قوله: "أفلا" نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء للعطف، والمعطوف عليه محذوف، ويقدر بما يناسب المقام، فكيف نقدر؟ نقول: احتقرتم هذه فلا كنتم آذنتموني.
وقوله "آذنتموني" أي: أعلمتموني، لأن الأذان بمعني: الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وأذن من الله ورسوله ... ﴾ [التوبة: ٣].
قال: "فكأنهم صغروا أمرها" يعني: رأوا أمرها صغيرًا بحيث لا تحتاج إلى أن يخبر عنها النبي (صلى الله عليه ولسم) وفي سياق آخر: أنه كانت في ليلة ظلماء، فخافوا أن يشقوا على النبي ﷺ إذا اخبروه، وعلى هذا تكون العلة مركبة من شيئين، أحدهما: أنهم رأوا أنها امرأة صغيرة ليست ذات أهمية بحيث يخبر بها النبي ﷺ ، والثاني: أنها كانت ظلمة فخافوا أن يكون ذلك مشقة على النبي ﷺ ، فتكون العلة إذن مركبة من شيئين: تصغير أمر المرأة وخوف المشقة على النبي ﷺ .
يقول: فقال النبي ﷺ : "دلوني على قبرها" وهذا أمر وهو واجب التنفيذ على الذين خوطبوا به، لأنهم لو عصوا الرول، وقالوا: لا صار الأمر عظيمًا، وهناك فرق بين من يواجه بالخطاب ومن لا يواجه، فدلوه أو فدلوه؟ الأول، متى تكون الثاني؟ إذا كانت معتلة بالألف صارت فدلوه، أما إذا كان آخرها اللام فإنه يقال: دلوه، فهي إذن فعلها ماض على وزن فعل، أما دلى فهي على وزن فعل فهي رباعية، قال تعالى: ﴿فدلها بغرور﴾ [الأعراف: ٢٢].
стр. 1121
"فدلوه فصلى عليها" وهي في قبرها، وزاد مسلم: "إن هذه القبور" "القبور" هذه بدل من اسم الإشارة، و"مملوءة" خبر، و"ظلمة" تمييز، تميز نوع المملوء مثل: ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾ [آل عمران: ٩١].
"وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم"، "وينورها" أي: يجعل فيها نورًا، "بصلاتي عليهم" أي: بدعائي لهم، وليست الصلاة عليهم، لأن الرسول ﷺ إنما صلى على قبر واحد لا على القبور كلها، فتحمل الصلاة هنا على الدعاء كما حملنا الصلاة على الأموات على الدعاء في صلاة النبي ﷺ على شهداء أحد في آخر حياته.
هذا الحديث قصته واضحة وهي أن امرأة كانت - جزاها الله خيرًا- تنظف المسجد وتزيل قماماته، ففقدها النبي ﷺ وسأل عنها، فأخبروه أنها ماتت، فكأنه بين علو شأنها أو وبخهم حين لم يعلموه بموتها، أما هم فلم يؤذنوا الرسول ﷺ لأنهم صغروا شأنها وخافوا أيضًا من المشقة على النبي ﷺ ، لأن الليلة كانت ظلماء، ولكن الرسول ﷺ أمر أن يدلوه على قبرها فدلوه، فخرج فصلى عليها ﵊ وأخبر أن دعاء النبي ﷺ لأهل هذه القبور سبب بإنارتها لهم.
أما ما يستفاد من الحديث فهو عدة مسائل كثيرة، منها: مشروعية تنظيف المساجد بإزالة القمامة عنها، وجهه: إقرار النبي ﷺ على ذلك، أو فعل المرأة؟ الأول، وقد سبق لنا أن فعل الإنسان الشيء في عهد الرسول ﷺ يعتبر إقراراً، لكن من الرسول إن علم به ومن الله إن لم يعلم به الرسول ﷺ ، وقد مر علينا في كتاب المساجد- في حديث عائشة ﵂ أن الرسول (صلى الله عليه ولسم) أمر ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب، وعلى هذا فالمشروع تنظيف المساجد من الأذى وتطيبيها، يعني: تحسينها وتزيينها ووضع الطيب فيها؛ لأنها أماكن عبادة.
يتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي أن يجعل في المساجد ما يريح المصلين مثل: التكييف أو المراوح، أو الأنوار إذا كان الناس يحتاجون إليها في الليل وما أشبه ذلك؛ لأن تطييب المسجد مما يريح المصلين فإن طيب الرائحة وإزالة الأذى لا شك أنه سبب لإراحة المصلين.
ومن فوائد الحديث: أن جواز خدمة المرأة للمسجد، يؤخذ من إقرار الرسول ﷺ على ذلك، ولكن كما نعلم جميعًا أن الأشياء المباحة إذا كان يخشي منها شر صارت محذورة حسب ما يترتب عليها من الشر، فأنت لا تأخذ بالجواز مطلقًا، لو أن امرأة شابه جميلة قالت: إنها تريد أن تقم المسجد وتأتي في الليل وتقمه، نقول: لا، لأن هذه يخشي عليها من الفتنة، لكن الأصل الجواز والإباحة.
ويستفاد من الحديث: تفقد النبي ﷺ لأصحابه، وذلك من قوله: "فسأل عنها النبي ﷺ ،
стр. 1122
وربما يؤخذ منه محبة الرسول ﷺ لتنظيف المسجد، لأنه سال عنها حين فقد هذا القمم من هذه المرأة.
ويستفاد من الحديث: جواز الصلاة على القبر، يؤخذ من قوله: "فصلى عليها" إذن فالصالة على القبر مشروعة سواء كان ذلك من أهل البلد أو من إنسان قادم بعد أن مات الميت ودفن؛ لأن الرسول ﷺ خرج وهو مع أهل البلد، ولكن هل يشترط في جواز ذلك ألا يكون الإنسان عالمًا بموتها؟ بمعنى: هل يشترط أن يكون الإنسان متمكنًا من الصلاة على الميت قبل دفنه أولا يشترط؟ لنفرض مثلاً: إن أحدًا علم بموته فلان، ولكنه قال غدًا أخرج أصلى عليه عند القبر، أما الآن فأنا مشغول، قد نقول في ذلك: إنه لا يشرع، لأن المشروع أن تصلى على الميت حاضرًا، فإذا لم يكن صل على قبره، فإلى متى الصلاة على القبر؟ حدها بعض أهل العلم بشهر، فإذا انتهي الشهر فإنه لا تشرع الصلاة عليه، وعللوا ذلك بأن النبي ﷺ صلى على قبر إلى شره، استدلوا لذلك بهذا الحديث قالوا: وهذا دليل على التحليل، ولكننا لا نسلم لهذا القول، لماذا لا نسلم؟ لأن صلاة النبي ﷺ على القبر إلى شهر إنما وقعت اتفاقًا لا قصدًا وما وقع اتفاقًا لا يصح أن يكون حدًا، هذه قاعدة: كل شيء وقع اتفاقًا فإنه لا يصح أن يكون حدًا إلا أن يكون هناك دليل على منع هذا الشيء فإنه يخصص ذلك الدليل على المنع بهذه القضية المعينة، يعني: لو كان هناك دليل على أنه لا يصلي على القبر كنهي مثلاً، ثم وجدنا أن الرسول ﷺ صلى على قبر إلى شهر ماذا نقول؟ نقول: نبقي العموم على عمومه ونخصه بهذه الصورة المعينة فقط، لكن ليس هناك دليل يقول: لا تصلوا على القبور إلى مدة كذا، أو لا تصلوا على القبور أبدًا، وعلى هذا فما وقع اتفاقًا لا يصح أن يكون حدًا، ومن ذلك تحديد بعض أهل العلم الإقامة التي ينقطع بها أحكام السفر بأربعة أيام استدلالاً بأن الرسول ﷺ قدم إلى مكة في اليوم الرابع في حجة الوداع وكان يقصر الصلاة، قالوا: فما زاد على الأربعة لا يجوز قصر الصلاة فيه، فيقال لهم: لو كان الرسول ﷺ أعطانا حكمًا عامًا: إن الإقامة في البلد تنقطع بها أحكام السفر لكنا جعلنا الأربعة أيام حدًا، فلما لم يرد ذلك وقد وقعت القضية اتفاقًا فإنها لا تصح أن تكون حدًا.
إذن إذا قلنا: إنه لا يحد بشهر فبكم؟ أي وقت تحدده ستطالب بالدليل، بعضهم قال: إنه يصلى إلى سنه، وبعضهم قال: يصلى إلى الأبد، وبعضهم قال: إلى أن يبلى، وما الذي يعلمنا ببلاه؟ الأراضي تختلف، والناس أيضًا قد يكرم الله بعض الناس بعدم بلاء أجسادهم، لكن
стр. 1123
الأنبياء محقق أن الأرض لا تأكل أجسادهم، وقد ذكر لنا بعض الثقات أنهم كانوا يحفرون للسور هنا في غنيزة فمروا على جانب من مقبرة قديمة، فلما حفروا عثروا على قبر فوجودا فيه ميتًا قد بليت أكفانه ولكن جسمه باق كله، حتى إنهم يقولون: شعر لحيته باق؛ ووجدوا منه رائحة ليس لها نظير، فتوقفوا وجاءوا إلى قاضي البلد وأخبروه، فقال: أدفنوه على ما هو عليه ونحو الجدار، فمن الناس من لا تأكله الأرض والتقييد بالبلي فيه نظر؛ لأننا لا نصلى على جسده، ولكن نصلى على روحه، ولهذا لو أن الرجل احترق نهائيًا أو أكلته السباع فإنا نصلى عليه، لكن ذكر بعض أهل العلم كلامًا، يقولون: إذا كان هذا المقبور مات وأنت أهل للصلاة على الميت فصل عليه، وإن مات قبل أن تكون أهلاً للصلاة عليه فلا تصل عليه، لأنه حين موته وأنت من أهل الصلاة فهي مشروعة في حقك، مثلاً: لو كان هذا الميت له عشرون سنه وعمرك تسع عشرة سنة لم يشرع لك الصلاة عليه؛ لأنه مات وأنت لم تخلص، أو لك أربع سنين لا تصل عليه؛ لأنه مات قبل أن تكون من أهل الصالة عليه، ولهذا لا يشرع لنا نحن الآن أن نصلى على النبي ﷺ على قبره صلاة الميت ولا على قبر أبى بكر ولا عثمان ولا غيرهم من الصحابة، لأنهم ماتوا قبل أن نخلق، وهذا القول هو أحسن الأقوال عندي.
ومن فوائد الحديث: جواز الإخبار بموت الميت؛ لقوله: "أفلا كنتم آذنتموني؟ "، وعلى هذا فيحمل النهي عن النعي على ما كان معروفًا في الجاهلية من أنهم إذا مات الميت خرجوا بالأسواق وقالوا: مات فلان، مات فلان، تشييدًا لذكره وإشهارًا له فهذا هو المنهي، ومن ذلك ما يفعله الناس الآن، وسنتكلم عليه في الفوائد.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن عمل عملاً عامًا في مصلحة عامة أن يشاد بذكره وأن يحترم ويعظم، وجهه: أن الرسول ﷺ قال: "هلا كنتم آذنتموني"، وأنه أمرهم أن يدلوه على قبرها حتى صلى عليها.
ومن فوائد الحديث: أن من يصلى على القبر يجعل القبر بينه وبين القبلة لا عن يمينه ولا عن شماله ولا خلف ظهره، يؤخذ من قوله: "فصلى عليها" والمعروف أن الصلاة على الميت يكون الميت هو الذي بينك وبين القبلة.
ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب لا ما وقع ولا ما لم يقع يؤخذ من قوله: "أفلا كنتم أذنتموني" و"دلوني على قبرها" فالرسول لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله به.
وهل من فوائد الحديث: أن من صلى على الميت لا يعيد الصلاة عليه مرة أخرى؟ يحتمل أن الذين حضروا مع النبي ﷺ سبق أن صلوا، ويحتمل ألا يكونوا قد صلوا، لكن الظاهر- والله أعلم- أنهم لو صلوا لنقلوا ذلك، وعلى هذا فلا يشرع لمن صلى أن يعيد الصلاة
стр. 1124
على الميت مرة أخرى وقال بعض العلماء: بل يعيدها مطلقًا، وقال آخرون: بل يعيدها لسبب، والسبب مثل: أن يصلى عليها جماعة لم يصلوا عليها من قبل فيصلى معهم، وهذا القول اختيار شيح الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح، وقد يستدل له بقول النبي ﷺ : "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة"، يمكن أن يستدل بهذا.
ويستفاد من الحديث: جواز إعادة الصلاة على الميت لمن لم يصل عليه، لأن الرسول صلى عليها مع أن الصحابة كانوا قد صلوا عليها من قبل.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن القبور قد تكون ظلمة حتى بالنسبة لقوم صالحين، يؤخذ من أن أهل البقيع كلهم من الصحابة ومع ذلك قال: (إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة" فلا تغتر بالعمل، فإن العمل ليس هو كل شيء، فهؤلاء الصحابة خير القرون قد تكون قبورهم مملوءة ظلمة، كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن الدعاء للأموات ينفعهم لقوله: "وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم" أي: بدعائي لهم.
ومن ذلك أن يقول الإنسان: اللهم أفسح لهم في قبورهم ونورها عليهم وما أشبه ذلك، فهذا ما ينبغي للإنسان أن يدعو به سواء دعا به حين زيارة المقبرة أو في بيته، أو يدعو في صلاته أن الله يفسح لأموات المسلمين في قبورهم وينور لهم فيها.
وهل يؤخذ من الحديث: أن الرسول ﷺ يعلم الغيب؟ نقول: إذا كان الرسول ﷺ لم يعلم بما حدث على ظهر الأرض من موت المرأة وقبرها فكيف يعلم بما في باطن الأرض؟ ! ولكنا نحن نعلم أن الرسول ﷺ أخبر بهذا.
ومن فوائد الحديث: جواز ذكر المكروه النازل في قوم إذا كان على سبيل العموم، كيف ذلك؟ لأنه معلوم أن كون القبور مملوءة ظلمة هذا فيه كراهة، لكن الرسول قالها على سبيل العموم.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الرسول ﷺ لا يستطيع أن يجلب الخير لأحد، ولكنه سبب من الأسباب، يؤخذ من قوله: "فإن الله ينورها" فأضاف التنوير إلى الله :
ومن فوائد الحديث: إثبات الأسباب يؤخذ من قوله: "بصلاتي عليهم".
فالحديث هذا فيه فوائد كثيرة في الحقيقة، وربما لو تأمل الإنسان وجد فوائد أخرى، لكن من الفوائد ما يكون ظاهرًا، ومنها ما يكون قريبًا، ومنها ما يكون بعيدًا، ولكن مهما أمكن من الاستدلال بالسنة أو بالقرآن فإنه أولى من الاستدلال بالنظر والقياس، لكن بشرط أن يكون اللفظ محتملاً لذلك، أما أن تحمل اللفظ ما لا يحتمل فهذا لا يجوز.
стр. 1125
وممكن أن يستفاد من الحديث: أنه ينبغي لمن كان في المقبرة أن يذكر ما فيه الترغيب والترهيب لقوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلمه" لأن الرسول قالها بعد أن صلى على المرأة، وله شاهد: وهو أن الرسول خرج في جنازة رجل فلما وصلوا إلى القبر ولم يتم اللحد جلس النبي ﷺ وجلس الناس حوله فحدثهم عن حالة الموت، وقال الرسول ﷺ : "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة"، وهو حقيقة، فإن الإنسان يمشي بين هؤلاء كانوا أمس على ظهرها كما هو عليها اليوم، بل كانوا أقوى منه وأغنى منه وأعلم منه، وهم الآن مرتهنون بأعمالهم، فلا شك أنها عبرة لكن لمن اعتبر، فالقرآن مثلاً عبرة كما قال الله: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة ... ﴾ [يونس: ٥٧]. لكن مع ذلك يتلى على قوم فيزيدهم رجسًا إلى رجسهم - والعياذ بالله- لا ينتفعون به، فالمقابر التي نمر بها كل يوم -إلا ما شاء الله- نجد أكثر الناس غافلين، كأنهم يمرون إلا على أحجار منصوبة على أرض، كأن هؤلاء القوم ما كانوا على الدنيا وهم أكثر منهم ترفًا وتنعمًا وقوة في البدن وفي العقل، ومع ذلك أصبحوا الآن جثثًا في القبور لا يستطيعون زيادة في حسناتهم ولا نقص سيئة من سيئاتهم، فالموعظة في هذا المكان لا شك أنها مناسبة، لكن كوننا يقوم واحد من الناس ويخطب ويعظ هذا ليس بصواب، إنما لو جلس الرجل وجلس حوله أحد وأخذ يذكرهم كما فعل الرسول ﷺ لكان هذا جيدًا ونافعًا، وأما أن نجعل المقبرة وتشييع الجنائز منابر للخطابة فهذا خلاف المشروع.
ممكن أن يؤخذ منه أيضًا: أن من مات في البلد لا يصلى عليه صلاة الغائب.
وربما يستفاد من الحديث: أن الذي يضع الأذى في المساجد أن يهان؛ يعني: ضد الإكرام.
النهي عن النعي:
٥٣٠ - وعن حذيفة ﵁: "أن النبي ﷺ كان ينهي عن النعي"، رواه أحمد، والترمذي وحسنه.
قوله: "كان" الجملة خبر "إن" ,"ينهي" الجملة خبر كان، و"كان" إذا كان خبرها مضارعًا فإنها تدل على الاستمرار غالبًا لا دائمًا، وقوله: "ينهي" النهي: طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة معينة وهي المضارع المقرون بلا الناهية، هذا هو النهي، وإنما قلنا: طلب الكف ليخرج بذلك الأمر؛ لأن الأمر طلب الفعل، وليخرج بذلك الاستفهام لأنه طلب الإخبار بشيء،
следующие страницы →