← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

"فدلوه فصلى عليها" وهي في قبرها، وزاد مسلم: "إن هذه القبور" "القبور" هذه بدل من اسم الإشارة، و"مملوءة" خبر، و"ظلمة" تمييز، تميز نوع المملوء مثل: ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾ [آل عمران: ٩١]. "وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم"، "وينورها" أي: يجعل فيها نورًا، "بصلاتي عليهم" أي: بدعائي لهم، وليست الصلاة عليهم، لأن الرسول ﷺ إنما صلى على قبر واحد لا على القبور كلها، فتحمل الصلاة هنا على الدعاء كما حملنا الصلاة على الأموات على الدعاء في صلاة النبي ﷺ على شهداء أحد في آخر حياته. هذا الحديث قصته واضحة وهي أن امرأة كانت - جزاها الله خيرًا- تنظف المسجد وتزيل قماماته، ففقدها النبي ﷺ وسأل عنها، فأخبروه أنها ماتت، فكأنه بين علو شأنها أو وبخهم حين لم يعلموه بموتها، أما هم فلم يؤذنوا الرسول ﷺ لأنهم صغروا شأنها وخافوا أيضًا من المشقة على النبي ﷺ ، لأن الليلة كانت ظلماء، ولكن الرسول ﷺ أمر أن يدلوه على قبرها فدلوه، فخرج فصلى عليها ﵊ وأخبر أن دعاء النبي ﷺ لأهل هذه القبور سبب بإنارتها لهم. أما ما يستفاد من الحديث فهو عدة مسائل كثيرة، منها: مشروعية تنظيف المساجد بإزالة القمامة عنها، وجهه: إقرار النبي ﷺ على ذلك، أو فعل المرأة؟ الأول، وقد سبق لنا أن فعل الإنسان الشيء في عهد الرسول ﷺ يعتبر إقراراً، لكن من الرسول إن علم به ومن الله إن لم يعلم به الرسول ﷺ ، وقد مر علينا في كتاب المساجد- في حديث عائشة ﵂ أن الرسول (صلى الله عليه ولسم) أمر ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب، وعلى هذا فالمشروع تنظيف المساجد من الأذى وتطيبيها، يعني: تحسينها وتزيينها ووضع الطيب فيها؛ لأنها أماكن عبادة. يتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي أن يجعل في المساجد ما يريح المصلين مثل: التكييف أو المراوح، أو الأنوار إذا كان الناس يحتاجون إليها في الليل وما أشبه ذلك؛ لأن تطييب المسجد مما يريح المصلين فإن طيب الرائحة وإزالة الأذى لا شك أنه سبب لإراحة المصلين. ومن فوائد الحديث: أن جواز خدمة المرأة للمسجد، يؤخذ من إقرار الرسول ﷺ على ذلك، ولكن كما نعلم جميعًا أن الأشياء المباحة إذا كان يخشي منها شر صارت محذورة حسب ما يترتب عليها من الشر، فأنت لا تأخذ بالجواز مطلقًا، لو أن امرأة شابه جميلة قالت: إنها تريد أن تقم المسجد وتأتي في الليل وتقمه، نقول: لا، لأن هذه يخشي عليها من الفتنة، لكن الأصل الجواز والإباحة. ويستفاد من الحديث: تفقد النبي ﷺ لأصحابه، وذلك من قوله: "فسأل عنها النبي ﷺ ،

стр. 1122

وربما يؤخذ منه محبة الرسول ﷺ لتنظيف المسجد، لأنه سال عنها حين فقد هذا القمم من هذه المرأة. ويستفاد من الحديث: جواز الصلاة على القبر، يؤخذ من قوله: "فصلى عليها" إذن فالصالة على القبر مشروعة سواء كان ذلك من أهل البلد أو من إنسان قادم بعد أن مات الميت ودفن؛ لأن الرسول ﷺ خرج وهو مع أهل البلد، ولكن هل يشترط في جواز ذلك ألا يكون الإنسان عالمًا بموتها؟ بمعنى: هل يشترط أن يكون الإنسان متمكنًا من الصلاة على الميت قبل دفنه أولا يشترط؟ لنفرض مثلاً: إن أحدًا علم بموته فلان، ولكنه قال غدًا أخرج أصلى عليه عند القبر، أما الآن فأنا مشغول، قد نقول في ذلك: إنه لا يشرع، لأن المشروع أن تصلى على الميت حاضرًا، فإذا لم يكن صل على قبره، فإلى متى الصلاة على القبر؟ حدها بعض أهل العلم بشهر، فإذا انتهي الشهر فإنه لا تشرع الصلاة عليه، وعللوا ذلك بأن النبي ﷺ صلى على قبر إلى شره، استدلوا لذلك بهذا الحديث قالوا: وهذا دليل على التحليل، ولكننا لا نسلم لهذا القول، لماذا لا نسلم؟ لأن صلاة النبي ﷺ على القبر إلى شهر إنما وقعت اتفاقًا لا قصدًا وما وقع اتفاقًا لا يصح أن يكون حدًا، هذه قاعدة: كل شيء وقع اتفاقًا فإنه لا يصح أن يكون حدًا إلا أن يكون هناك دليل على منع هذا الشيء فإنه يخصص ذلك الدليل على المنع بهذه القضية المعينة، يعني: لو كان هناك دليل على أنه لا يصلي على القبر كنهي مثلاً، ثم وجدنا أن الرسول ﷺ صلى على قبر إلى شهر ماذا نقول؟ نقول: نبقي العموم على عمومه ونخصه بهذه الصورة المعينة فقط، لكن ليس هناك دليل يقول: لا تصلوا على القبور إلى مدة كذا، أو لا تصلوا على القبور أبدًا، وعلى هذا فما وقع اتفاقًا لا يصح أن يكون حدًا، ومن ذلك تحديد بعض أهل العلم الإقامة التي ينقطع بها أحكام السفر بأربعة أيام استدلالاً بأن الرسول ﷺ قدم إلى مكة في اليوم الرابع في حجة الوداع وكان يقصر الصلاة، قالوا: فما زاد على الأربعة لا يجوز قصر الصلاة فيه، فيقال لهم: لو كان الرسول ﷺ أعطانا حكمًا عامًا: إن الإقامة في البلد تنقطع بها أحكام السفر لكنا جعلنا الأربعة أيام حدًا، فلما لم يرد ذلك وقد وقعت القضية اتفاقًا فإنها لا تصح أن تكون حدًا. إذن إذا قلنا: إنه لا يحد بشهر فبكم؟ أي وقت تحدده ستطالب بالدليل، بعضهم قال: إنه يصلى إلى سنه، وبعضهم قال: يصلى إلى الأبد، وبعضهم قال: إلى أن يبلى، وما الذي يعلمنا ببلاه؟ الأراضي تختلف، والناس أيضًا قد يكرم الله بعض الناس بعدم بلاء أجسادهم، لكن

стр. 1123

الأنبياء محقق أن الأرض لا تأكل أجسادهم، وقد ذكر لنا بعض الثقات أنهم كانوا يحفرون للسور هنا في غنيزة فمروا على جانب من مقبرة قديمة، فلما حفروا عثروا على قبر فوجودا فيه ميتًا قد بليت أكفانه ولكن جسمه باق كله، حتى إنهم يقولون: شعر لحيته باق؛ ووجدوا منه رائحة ليس لها نظير، فتوقفوا وجاءوا إلى قاضي البلد وأخبروه، فقال: أدفنوه على ما هو عليه ونحو الجدار، فمن الناس من لا تأكله الأرض والتقييد بالبلي فيه نظر؛ لأننا لا نصلى على جسده، ولكن نصلى على روحه، ولهذا لو أن الرجل احترق نهائيًا أو أكلته السباع فإنا نصلى عليه، لكن ذكر بعض أهل العلم كلامًا، يقولون: إذا كان هذا المقبور مات وأنت أهل للصلاة على الميت فصل عليه، وإن مات قبل أن تكون أهلاً للصلاة عليه فلا تصل عليه، لأنه حين موته وأنت من أهل الصلاة فهي مشروعة في حقك، مثلاً: لو كان هذا الميت له عشرون سنه وعمرك تسع عشرة سنة لم يشرع لك الصلاة عليه؛ لأنه مات وأنت لم تخلص، أو لك أربع سنين لا تصل عليه؛ لأنه مات قبل أن تكون من أهل الصالة عليه، ولهذا لا يشرع لنا نحن الآن أن نصلى على النبي ﷺ على قبره صلاة الميت ولا على قبر أبى بكر ولا عثمان ولا غيرهم من الصحابة، لأنهم ماتوا قبل أن نخلق، وهذا القول هو أحسن الأقوال عندي. ومن فوائد الحديث: جواز الإخبار بموت الميت؛ لقوله: "أفلا كنتم آذنتموني؟ "، وعلى هذا فيحمل النهي عن النعي على ما كان معروفًا في الجاهلية من أنهم إذا مات الميت خرجوا بالأسواق وقالوا: مات فلان، مات فلان، تشييدًا لذكره وإشهارًا له فهذا هو المنهي، ومن ذلك ما يفعله الناس الآن، وسنتكلم عليه في الفوائد. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن عمل عملاً عامًا في مصلحة عامة أن يشاد بذكره وأن يحترم ويعظم، وجهه: أن الرسول ﷺ قال: "هلا كنتم آذنتموني"، وأنه أمرهم أن يدلوه على قبرها حتى صلى عليها. ومن فوائد الحديث: أن من يصلى على القبر يجعل القبر بينه وبين القبلة لا عن يمينه ولا عن شماله ولا خلف ظهره، يؤخذ من قوله: "فصلى عليها" والمعروف أن الصلاة على الميت يكون الميت هو الذي بينك وبين القبلة. ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب لا ما وقع ولا ما لم يقع يؤخذ من قوله: "أفلا كنتم أذنتموني" و"دلوني على قبرها" فالرسول لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله به. وهل من فوائد الحديث: أن من صلى على الميت لا يعيد الصلاة عليه مرة أخرى؟ يحتمل أن الذين حضروا مع النبي ﷺ سبق أن صلوا، ويحتمل ألا يكونوا قد صلوا، لكن الظاهر- والله أعلم- أنهم لو صلوا لنقلوا ذلك، وعلى هذا فلا يشرع لمن صلى أن يعيد الصلاة

стр. 1124

على الميت مرة أخرى وقال بعض العلماء: بل يعيدها مطلقًا، وقال آخرون: بل يعيدها لسبب، والسبب مثل: أن يصلى عليها جماعة لم يصلوا عليها من قبل فيصلى معهم، وهذا القول اختيار شيح الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح، وقد يستدل له بقول النبي ﷺ : "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة"، يمكن أن يستدل بهذا. ويستفاد من الحديث: جواز إعادة الصلاة على الميت لمن لم يصل عليه، لأن الرسول صلى عليها مع أن الصحابة كانوا قد صلوا عليها من قبل. ومن فوائد الحديث أيضًا: أن القبور قد تكون ظلمة حتى بالنسبة لقوم صالحين، يؤخذ من أن أهل البقيع كلهم من الصحابة ومع ذلك قال: (إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة" فلا تغتر بالعمل، فإن العمل ليس هو كل شيء، فهؤلاء الصحابة خير القرون قد تكون قبورهم مملوءة ظلمة، كما أخبر بذلك النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن الدعاء للأموات ينفعهم لقوله: "وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم" أي: بدعائي لهم. ومن ذلك أن يقول الإنسان: اللهم أفسح لهم في قبورهم ونورها عليهم وما أشبه ذلك، فهذا ما ينبغي للإنسان أن يدعو به سواء دعا به حين زيارة المقبرة أو في بيته، أو يدعو في صلاته أن الله يفسح لأموات المسلمين في قبورهم وينور لهم فيها. وهل يؤخذ من الحديث: أن الرسول ﷺ يعلم الغيب؟ نقول: إذا كان الرسول ﷺ لم يعلم بما حدث على ظهر الأرض من موت المرأة وقبرها فكيف يعلم بما في باطن الأرض؟ ! ولكنا نحن نعلم أن الرسول ﷺ أخبر بهذا. ومن فوائد الحديث: جواز ذكر المكروه النازل في قوم إذا كان على سبيل العموم، كيف ذلك؟ لأنه معلوم أن كون القبور مملوءة ظلمة هذا فيه كراهة، لكن الرسول قالها على سبيل العموم. ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الرسول ﷺ لا يستطيع أن يجلب الخير لأحد، ولكنه سبب من الأسباب، يؤخذ من قوله: "فإن الله ينورها" فأضاف التنوير إلى الله : ومن فوائد الحديث: إثبات الأسباب يؤخذ من قوله: "بصلاتي عليهم". فالحديث هذا فيه فوائد كثيرة في الحقيقة، وربما لو تأمل الإنسان وجد فوائد أخرى، لكن من الفوائد ما يكون ظاهرًا، ومنها ما يكون قريبًا، ومنها ما يكون بعيدًا، ولكن مهما أمكن من الاستدلال بالسنة أو بالقرآن فإنه أولى من الاستدلال بالنظر والقياس، لكن بشرط أن يكون اللفظ محتملاً لذلك، أما أن تحمل اللفظ ما لا يحتمل فهذا لا يجوز.

стр. 1125

وممكن أن يستفاد من الحديث: أنه ينبغي لمن كان في المقبرة أن يذكر ما فيه الترغيب والترهيب لقوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلمه" لأن الرسول قالها بعد أن صلى على المرأة، وله شاهد: وهو أن الرسول خرج في جنازة رجل فلما وصلوا إلى القبر ولم يتم اللحد جلس النبي ﷺ وجلس الناس حوله فحدثهم عن حالة الموت، وقال الرسول ﷺ : "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة"، وهو حقيقة، فإن الإنسان يمشي بين هؤلاء كانوا أمس على ظهرها كما هو عليها اليوم، بل كانوا أقوى منه وأغنى منه وأعلم منه، وهم الآن مرتهنون بأعمالهم، فلا شك أنها عبرة لكن لمن اعتبر، فالقرآن مثلاً عبرة كما قال الله: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة ... ﴾ [يونس: ٥٧]. لكن مع ذلك يتلى على قوم فيزيدهم رجسًا إلى رجسهم - والعياذ بالله- لا ينتفعون به، فالمقابر التي نمر بها كل يوم -إلا ما شاء الله- نجد أكثر الناس غافلين، كأنهم يمرون إلا على أحجار منصوبة على أرض، كأن هؤلاء القوم ما كانوا على الدنيا وهم أكثر منهم ترفًا وتنعمًا وقوة في البدن وفي العقل، ومع ذلك أصبحوا الآن جثثًا في القبور لا يستطيعون زيادة في حسناتهم ولا نقص سيئة من سيئاتهم، فالموعظة في هذا المكان لا شك أنها مناسبة، لكن كوننا يقوم واحد من الناس ويخطب ويعظ هذا ليس بصواب، إنما لو جلس الرجل وجلس حوله أحد وأخذ يذكرهم كما فعل الرسول ﷺ لكان هذا جيدًا ونافعًا، وأما أن نجعل المقبرة وتشييع الجنائز منابر للخطابة فهذا خلاف المشروع. ممكن أن يؤخذ منه أيضًا: أن من مات في البلد لا يصلى عليه صلاة الغائب. وربما يستفاد من الحديث: أن الذي يضع الأذى في المساجد أن يهان؛ يعني: ضد الإكرام. النهي عن النعي: ٥٣٠ - وعن حذيفة ﵁: "أن النبي ﷺ كان ينهي عن النعي"، رواه أحمد، والترمذي وحسنه. قوله: "كان" الجملة خبر "إن" ,"ينهي" الجملة خبر كان، و"كان" إذا كان خبرها مضارعًا فإنها تدل على الاستمرار غالبًا لا دائمًا، وقوله: "ينهي" النهي: طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة معينة وهي المضارع المقرون بلا الناهية، هذا هو النهي، وإنما قلنا: طلب الكف ليخرج بذلك الأمر؛ لأن الأمر طلب الفعل، وليخرج بذلك الاستفهام لأنه طلب الإخبار بشيء،

стр. 1126

وقولنا: "على وجه الاستعلاء" خرج به الدعاء، فلا يسمي نهيًا مثل قوله تعالى: ﴿بنا لا تؤاخذنا﴾ هذا دعاء، لأنه ليس على سبيل الاستجداء، وخرج به الالتماس أيضًا وهو: أن توجه هذه الصيغة إلى من كان يماثلك أو يساويك فلا يسمي أمرًا، لأنه ليس على سبيل الاستعلاء، وقولنا: "بصيغة معينة" هي: المضارع المقرون بلا الناهية، خرج بذلك كلمة أترك أو دع، هذه طلب كف لكن ليس بصيغة المضارع المقرون بلا الناهية فلا يسمي نهيًا، وإنما يسمي أمرًا بالترك والأمر بالترك ليس نهيًا، لأن النهي له صيغة معينة وهي المضارع المقرون بلا الناهية، وقولنا: "على وجه الاستعلاء" ولا نقول: من عال على من دونه: لأنه قد يأتي إ، سان هو دونك لكن يكون له فرصة يستعلى عليك كما لو أمسك اللص سلطانًا وهو يمشي وحدة فقال له اللص: أحضر لي الأرض هذه وأخرج منها كذا وكذا، أيهما أعلى؟ السلطان أعلى في الواقع، لكن هذا اللص استعلى يعني: أنه تكلف العلو وإلا فهو ليس من شيمته ولا من حاله. إذن الرسول ﷺ إذا قال: لا تفعلوا كذا فهو على سبيل الاستعلاء، لا أنه ﵊ متكبر مترفع عن الخلق، لكن أمره فوق أمورنا، وهو مبلغ عن الله . وقوله: "ينهي عن النعي" هل هذه الصيغة كما لو قال الراوي: قال النبي ﷺ : لا تنعوا موتاكم؟ الصحيح أنها كقول الراوي: قال النبي ﷺ : "لا تنعوا موتاكم" وأمن من قال: إن هذا قد يكون فهمًا من الصحابي، وأن الرسول ما نهي لكن كره النعي فليس صريحًا في النهي، فإن هذا ليس بصواب، ذلك لأن الصحابة أدرى بصيغ الألفاظ لأنهم عرب فصحاء؛ ولأن الصحابة أورع من أن يقولوا: نهي أو ينهي وهم لم يتأكد لهم ذلك، إذن فقول الصحابي: "كان ينهي" مساو لقوله: قال النبي ﷺ : لا تفعلوا كذا، ولا فرق لما ذكرت لكم. وقوله: "عن النعي"، النعي: هو الإعلام بموت الشخص، وكلمة "أل" هل هي لبيان الحقيقة أو للعهد؟ إن قلنا: لبيان الحقيقة وقعنا في مشكلة، وإن قلنا: للعهد زال عنا الإشكال، كيف ذلك؟ إذا قلنا: إنها لبيان الحقيقة صار النهي واردًا على النعي من حيث هو نعي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وإذا قلنا: إن "أل" للعهد زال الإشكال، فما هو العهد هنا؟ عهد ذهني؛ يعني: عن النعي المعهود المعروف في الجاهلية كانوا إذا مات الميت خرجوا في الأسواق يقولون: مات لان، ويكيلون له من المدح والثناء ما لا يكون أهلاً له، لكنهم يطوفون في الأسواق وعلى الإحياء يعلمون الناس بموته، هذا هو الذي نهى عنه الرسول (صلى الله عليه ولسم)، وبناء على ذلك فليس في الحديث شيء مشكل، فيكون النعي الذي نهي عنه الرسول ﷺ هو النعي المعروف في الجاهلية.

стр. 1127

يستفاد من هذا الحديث: نهي النبي ﷺ عن النعي، وهل هو للكراهة أو للتحريم؟ الأصل في النهي: التحريم، كما أن الأصل في الأمر: الوجوب، هذا هو الذي عليه كثير من أهل الأصول، واستدلوا بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) [النساء: ٥٩]. ومنها: قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ... ﴾ [النور: ٦٣]. قال الإمام أحمد: الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قوله شيء من الزيغ فيهلك، وهذا خطي لاسيما إذا رد الإنسان قوله الله ورسوله كراهية له، فإنه قد يخرج به ذلك إلى الكفر، فالمهم أن أكثر الفقهاء أو الأصوليين يقولون: إن الأصل في النهي التحريم، والأصل في الأمر الوجوب، وعلى هذا فإذا وردت نصوص من الكتاب أو السنة فيها أوامر تقول: هي واجبة أفعل، وإن لم تفعل فأنت آثم، ما لم يوجد دليل يدل على أن هذا الأمر ليس للوجوب، وسواء كان الدليل بلفظ متصل أو بلفظ منفصل أو بفعل، المهم: أن يأتي دليل، وكذلك نقول في النهي. وقال بعض الأصوليين: إن الأصل في الأمر الاستحباب، والأصل في النهي الكراهة، وعللوا ذلك بأنه لما أمر به الشارع صار مطلوبًا فثبتت المشروعية، والتأثيم بالترك يحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة وعدم الإثم، فإذن إذا لم يرد دليل على أن هذا الأمر للوجوب إما بعزم من الشارع أو بتوبيخ على تركه أو ما أشبه ذلك فإن هذا الشيء المأمور به يكون مستحبًا لا واجبًا، وكذلك قالوا في النهي، ولا شك أن الأمر فيه إشكال سواء قلنا بأن الأصل الوجوب، أو قلنا بأن الأصل الاستحباب في الأمر، والأصل التحريم في النهي أو الكراهة، لا بد أن يمر بك شيء قد تعجز عن الجواب عنه، إن قلت بالوجوب ورد عليه أوامر كثيرة كلها للاستحباب، وإن قلت للندب ورد عليك أوامر كثيرة كلها للوجوب، وحينئذ لا بد من أن يكون الإنسان فاحصًا وفاهمًا لمورد الشريعة ومصادرها ومعاقلها حتى يتمكن له أن هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب، وهذا النهي للكراهة أو للتحريم، والمسألة صعبة؛ ولهذا نجد العلماء يقوم بينهم معارك من الخلاف نحو هذا الأمر، تجد هذا يقول: هذا واجب؛ لأن الرسول أمر به والأصل في الأمر الوجوب، ثم يقول الثاني: هذا مستحب؛ لأن الأصل عدم التأثيم وبراءة الذمة، ولكننا نقول- لصفة التعبد أو بمقتضى العبادة لله : إذا أمرك بأمر فافعله: إن كان للوجوب أثبت

стр. 1128

عليه ثواب الواجب، وإن كان للاستحباب أثبت عليه ثواب المستحب، وأنت إن تركته على خطر، وكذلك نقول في النهي: إذا نهى عن شيء فاتركه، أنت لو نهاك أبوك عن شيء هل تقول: يا أبت، أنت عازم في النهي أو لست بعازم، أم تنتهي عنه؟ يمكن لو قلت له ذلك أن يلفعك على الرأس ويقول لك: نهيتك انته، أمرتك ائتمر، فلهذا على الإنسان الذي يريد أن يخلص ذمته يفعل ما أمر به وليترك ما نهى عنه إلا إذا قامت الأدلة الواضحة على أن للكراهة في النهي وللندب في الأمر، فهذا ظاهر وإلا فلا شك أن السلامة أن يفعل الإنسان المأمور وأن يدع المنهي بدون أن يستفصل، نعم ربما لو أن أحدًا وقع فيما نهي عنه الشارع وليس عند الإنسان يقين بأن النهي للتحريم قد يتورع المفتى عن تأثيم هذا الرجل أو إلزامه بشيء، ولكن كيف يتخلص من هذا؟ يقول: تب على الله مما انتهكت من النهي وبهذا يسلم. ثم قال المؤلف: الصلاة على الغائب: ٥٣١ - وعن أبى هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربعًا" متفق عليه. "نعى النجاشي" يعني: أخبر بموته في اليوم الذي مات فهي - وحى من الله- أعظم من التليفون وأسرع وأصدق وأبين، أخبره الله بأن هذا الرجل مات، والنجاشي اسمه "اصحمة"، وكان ملكًا للحبشة في أفريقيا، وقد أكرم الذين هاجروا من الصحابة إليه، أكرهم وأسلم ﵁، لكنه لم ير النبي ﷺ ففاتته رتبة الصحبة إلا أنه أكمل من التابعين، لأنه أدرك عهد النبوة، والعدل أن يعطي كل إنسان ما يستحق، فالذي أدرك عهد النبوة وشاهد النبي ﷺ وآمن به صحابي أعلى المراتب، والذي لم يدرك العهد دون ذلك، والذي أدرك العهد ولم يجتمع بالنبي ﷺ بين المرتبتين، ولهذا الصحيح أن هؤلاء أفضل من التابعين من حيث المرتبة يقطع النظر عن الشخص مع الشخص، لكن من حيث المرتبة، هذه المرتبة أفضل من مرتبة التابعين، ويسمى في اصطلاح أهل العلم "مخضرمًا" لأن الخضرمة القطع، انقطع عن مرتبة الصحابة. النجاشي ﵀ أسلم وآمن بالرسول ﷺ وبعث إليه، بل أصدقه صداق أم حبيبة ﵁ أصدقه إياه أربعمائة دينار فيما أظن، وهذا الرجل توفى في بلده، وهل عنده قوم يصلون عليه أم لا؟ لا ندري، قد يغلب على الظن أنه ليس عنده أحد، أو عنده من لا يعلم عن صلاة الجنائز، لأنهم بعيدون عن المدينة والمواصلات ليست كوقتنا هذا، على كل حال أخبرهم بموته في اليوم الذي مات فيه، وسماه أخًا لهم.

стр. 1129

وقوله: "في اليوم الذي مات فيه" متعلق بـ "نعي" يعني: نعاه في نفس اليوم، وقوله: "خرج بهم إلى المصلى" اختلف الشراح في "المصلى" بعد اتفاقهم على أن المصلى على وزن "مفعل" أي: مكان الصلاة، لأن اسم المكان من الرباعي فما فوق يكون على وزن اسم المفعول، فيقال: مصلى، ويقال: مخرج وما أشبه ذلك، فقوله: "إلى المصلى" اختلف الشراح في المراد به، فقيل: إن المراد به: مصلى الجنائز، وقيل: إن المراد به: مصلى العيد، فرجح الأول بأن هذه صلاة جنازة، فكان الأنسب أن تكون في المكان الذي يصلى فيه على الجنائز، ورجح الثاني بأن "أل" للعهد، والمعهود في عهد الرسول ﷺ عندما يقال: المصلى فهو مصلى العيد، وأما مصلى الجنائز فيقيد بالإضافة، ويقال: مصلى الجنائز، فهذا ما يرجح أن المراد به: مصلى العيد، الحكمة من ذلك: إعلاء شأن هذا الرجل، لأن الناس إذا خرجوا إلى مصلى العيد ليصلوا عليه اشتهر ورفع ذكره بين الناس وهذا مرعوف، وهذا عندي هو الأقرب، أنه خرج بهم إلى مصلى العيد تنويهًا بذكر هذا الرجل وإعلاء لشأنه ﵀. قال: "فصف بهم" أي: جعلهم صفوفًا كصفوف الصلاة، و"كبر عليه أربعًا" في حديث جابر ﵁: "كنت في الصف الثالث أو الرابع"، وهذا يدل على كثرة الذين خرجوا، لأن مصلى العيد- فيما يظهر- واسع، فإذا كان جابر في الصف الثالث أو الرابع فهذا دليل على أن الناس خرجوا بكثرة، قال: "وكبر عليه أربعًا" ولم يذكر سوى التكبير، لأن المظاهر - والله أعلم- أنه أراد أن سن عدد التكبير حيث اختلفت السنة فيه، فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى على جنازة فكبر عليها خمسًا، فلما اختلفت نص على التبكير، وأما ما يقرأ فيما بين التكبيرات فسيأتي - إن شاء الله تعالى-. ففي هذا الحديث عدة فوائد؛ منها: جواز النعي وهو: الإخبار بموت الميت ليصلى عليه، ودليلة: فعل الرسول ﷺ . فإن قلت: هذا فعل، وحديث حذيفة قول، والقول مقدم على الفعل لاحتمال الخصوصية فالجواب: أن الأصل عدم الخصوصية، وأننا مأمورون بالتأسي بالنبي ﷺ قولاً وفعلاً. إذن نقولك احتمال أن يكون خاصًا بالرسول ﷺ الأصل عدمه، ومن العجيب أن الشوكاني ﵀ - مع أنه من العلماء الفحول- يري أنه إذا تعارض القول والفعل أدنى معارضة فالحكم للقول ويلغي الفعل، يقول: لاحتمال الخصوصية، ونحن نقول: إذا أمكن الجمع فإن

стр. 1130

الأول الجمع؛ لأن فعل الرسول لا يعارض قوله، ولهذا أمثلة كثيرة منها هذا الحديث" ومنها: حديث النهي عن الشرب قائمًا، مع أنه شرب قائمًا، ومنها: حديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في البنيان، وله أمثله كثيرة، لكن الصواب في هذا أنه يجب علينا أن نأخذ بالقول والفعل، وأن نجمع بينهما ما استطعنا، نعم إذا لم نستطع وأعيانًا الأمر فيمكن أن نقول: هذا خاص بالرسول ﷺ لأننا لا نعلم وجهًا يمكن فيه الجمع بين فعله وقوله، فحينئذ نقول: فعله خاص به ونبقى على دلالة القول. ومن فوائد الحديث: فضيلة النجاشي ﵀، وذلك لاهتمام النبي ﷺ به، بل ولعناية الله به من قبل، فإن الله تعالى أخبر نبيه بموته، والنبي ﷺ اهتم به كما سمعتم. فيستفاد منه: فضلية هذا الرجل، وربما يستفاد منه: فضيلة صلاح السلطان، وأن للسلطان أهمية في صلاحه؛ لأن هذا الرجل ليس رجلاً عاديًا، بل هو ملك للحبشة. فقد يؤخذ منه: الاهتمام بصلاح السلطان، ولا شك أن صلاح السلطان له أهمية عظيمة كما قال الإمام أحمد ﵀: لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان، لأن بصلاحه صلاح الأمة. وقد يؤخذ منه أيضًا: فضيلة من انفرد بالصلاح في مكان أهله ذو فساد، يؤخذ من أن النجاشي ﵀ كان في مكان أهل شر وفساد وهو ﵀ صالح، ولا شك أن الصلاح في موضع الفساد له فضل وأهمية، ولهذا ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: "طوبي للغرباء الذين يكونون في الناس كالغرباء"، الناس أهل شر وفساد وهذا أهل صلاح كأنه غريب في هذا البلد، وورد أيضًا في أيام الصبر أن للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة، ولا شك أن انفراد الإنسان بالصلاح في موضع يكثر فيه الفساد يعتبر من نعمة الله عليه وأن له شأنًا ينبغي أن يهتم به؛ ليكون ذلك تشجيعًا لغيره، وكذلك تقويه لهذا الرجل الذي صلح في مكان الفساد. ويستفاد من الحديث: مشروعية الصلاة على لغائب أو جواز الصلاة على الغائب، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على أقوال ثلاثة: فمنهم من يري: أنه يشرع الصلاة على كل غائب أيا كان هذا الغائب، إذا مات ميت في بلد فإنه تشرع الصلاة عليه مطلقًا ولو كان من عامة الناس، وبناء على ذلك رأي بعض أهل العلم- ﵏ أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن

стр. 1131

ينام أن يصلى صلاة الجنازة وينوي بها الصلاة على كل من مات من المسلمين في هذا اليوم والليلة، والقول الثاني: أنه لا تشرع الصلاة مطلقًا على من مات إلا إذا علمنا أنه لم يصل عليه، أو بعبارة أصح: إلا إذا لم نعلم أنه صلى عليه، والثالث: أنه تشرع الصلاة على كل من قدم صدق وإصلاح ونفع في الأمة، كالعالم الكبير والتاجر النافع للناس بماله والسلطان وما أشبه ذلك هذا قول وسط بين القولين، ولكن الأرجح القول الثاني أن الصلاة لا تشرع إلا على من لا نعلم أنه صلى عليه، فإنه يجب علينا أن نصلى عليه. ومن فوائد الحديث: ثبوت آية للنبي ﷺ ، حيث كشف له عن موته في نفس اليوم، وهو ظاهر لقوله: "في اليوم الذي مات فيه". ومن فوائد الحديث: أنه تجوز الصلاة على الميت في مصلى العيد، بناء على أن المصلى في الحديث هو مصلى العيد. وفيه أيضًا: التنويه بفضل النجاشي، لأن خروج النبي ﷺ بهم إلى المصلى هذا يوجب أن يكون له ذكر وشهره بين المصلين. ومن فوائد الحديث: مشروعية المصافة في صلاة الجنازة لقوله: "فصف بهم". ومن فوائد: أن صلاة الجنازة حكمها حكم الصلوات الأخرى، فيشرع لها ما يشرع للصلوات الأخرى من الوضوء، أو بعبارة أعم: من الطهارة واستقبال القبلة والتسوك وما أشبه ذلك. لو خاف الإنسان أن تفوته الصلاة على الجنازة وهو ليس على وضوء هل يتيمم؟ هذا مسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يتيم قياسًا على خوف فوات وقت الفريضة، فإن الإنسان إذا لم يجد الماء حتى تضايق وقت الفريضة فإنه يتيمم، قالوا: وكذلك صلاة الجنازة إذا لم يتيمم ويصلى فاتته الصلاة، ومثلها صلاة الجمعة إذا أقيمت وأنت لست على وضوء أو أحدثت وأنت قد حضرت بوضوء فإن ذهبت تتوضأ فاتتك الصلاة، وإن تيممت أدركت الصلاة فهذه أيضًا موضع خلاف بين العلماء، فشيخ الإسلام ﵀ يقول: كل صلاة تفوت إذا تطهر الإنسان لها فإنه يتيم لها، وقاس ذلك على خوف فوات المفروضة المؤقتة. فعلى هذه القاعدة نقول: إن من خاف أن تفوته صلاة الجمعة- إذا ذهب يتوضأ- له أن يتيم ويصلى الجمعة، ولا يذهب فيتوضأ فتفوته الصلاة ثم يصلى ظهرًا. ومن فوائد الحديث: مشروعية التكبير على الجنازة أربعًا لقوله: "وكبر عليه أربعًا" وهل تجوز الزيادة؟ سيأتي بيان ذلك في الحديث الذي يأتي ثم قال المؤلف:

стр. 1132

فضل كثرة المصلين على الميت: ٥٣٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه"، رواه مسلم. قوله: "ما من رجل مسلم يموت" كلنا يعلم أن "ما" من حيث الإعراب نافية، وأن "من" حرف جر زائد، يعني: زائد لفظًا زائد معنى، يعني: يزيد في المعنى وهو التوكيد، وقوله: "رجل" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهروها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و"مسلم" صفة له على لفظه، ويجوز أن نقول: "ما من رجل مسلم" على المحل، كما هي في قوله تعالى: ﴿أعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٦٥] فهو صفة على اللفظ وعلى المحل، وقوله: "يموت" هل هي صفة أو خبر؟ إذا لت: ما رجل يموت هل تم الكلام؟ لا، لكن عدم تمام الكلام من حيث المعنى لا يدل على أنه لم تتم أركان الجملة، ولننظر إلى قوله: "فيقوم" هذه معطوف على "يموت". قوله: ﴿على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه" هذا الخبر، وقوله: "رجلاً" تمييز، لاشي شيء؟ لـ "أربعون" أي: عدد، وقوله: "غلا شفعهم" أي: قبل شفاعتهم فيه، هذا المراد بالتشفيع يعني: يقبل شفاعتهم. يقول الرسول ﷺ : "إنه لا يموت رجل مسلم فيقول على جنازته أربعن رجلاً قد سلمت قلوبهم من الشرك فيدعون الله له إلا قبل الله شفاعتهم فيه فقوله: "ما من رجل مسلم" خرج به الكافر، الكافر لو صلى عليه ألف رجل ما نفعته صلاتهم عليه، بل إنه لا يجوز أن يصلى أحد من المسلمين على الكفار؛ لقوله الله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله﴾ [التوبة: ٨٤] الكافر لا يجوز للمسلم أن يصلى عليه. وقوله: "أربعون رجلاً لا يشركون بالله" هل المراد بنفي الشرك: ما يتناول الأصغر والأكبر أو هو بالأكبر فقط؟ نقول: ما يتناول الأصغر والأكبر، لأن الذين قاموا عليه لو كانوا مشركين شركًا أكبر ما صحت صلاتهم أصلاً، ولكن المراد: أنهم لا يشركون أصغر ولا أكبر، وما أعظم هذا الشرط، لأننا لو طبقناه على كثير من الناس لوجدنا أنهم خالون من هذا الشرط فما أكثر المرائين، وما أكثر الذين يحلفون بغير الله ! وما أكثر الذين يتعلقون بأسباب لم يجعلها الله سببًا لا شرعًا ولا قدرًا .. إلى غير ذلك من أنواع الشرك الأكبر! ! هذا ولا بد أن يكون القائم على الجنازة حاليًا من الشرك صغيرة وكبيرة، لأن من كان مشركًا لا يليق أن يكون شافعًا، كيف

стр. 1133

نقول: إنه شافع وهو نفسه يحتاج إلى من يشفع له، الشافع لا بد أن يكون خاليًا من الشوائب التي تحول بينه وبين الشفاعة. وقوله: "أربعون رجلاً" هل هي على سبيل التحديد، أو من باب المبالغة، ما الأصل؟ الأصل: التحديد إلا إذا قامت قرائن تدل على أن المراد: المبالغة فإنه يعمل بها، وبناء على ذلك فإنه يفهم من قوله: "أربعون رجلاً" أنه لو صلى عليه تسع وثلاثون فإن شفاعتهم غير مضمونة لكنها ليست ممنوعة وفرق بين أن تكون مضمونة وأن تكون ممنوعة، ممكن أن يشفعهم الله فيه ولو كانوا دون الأربعين، لكن الشيء المضمون هو أن يكونوا أربعين، وقوله: "أربعون رجلاً" يفهم منه أنه لو صلى عليه عشرون رجلاً وعشرون امرأة لا تؤمن الشفاعة، فيقال: لا؛ الظاهر أن هذا القيد من باب الأغلب؛ لأن أغلب الذين يصلون على الجنائز رجال، فإذا جاء القيد موافقًا للأغلب لم يكن لمفهومه حكم، ثم إن كثيرًا من الأحكام الشرعية تعلق بوصف الرجولة، سواء كانت جمع تكسير أو كانت مفردًا أو كانت جمعًا سالمًا، ولا يعني ذلك أن النساء لا يدخلن في هذا إلا إذا وجد دليل يخرج النساء. ففي هذا الحديث فوائد منها: أولاً: أن غير المسلم لا تنفع الشفاعة، لقوله: "ما من رجل مسلم". ثانيًا: أن المرأة لو قام على جنازتها أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئًا شفعهم الله فيها؛ لأن القيد أغلبي، أو نقول: ما يثبت في حق الرجال يثبت في حق النساء إلا بدليل. ومن فوائد الحديث: أن غير المسلم لا تنفعه الشفاعة؛ لقوله: "رجل مسلم" وهو كذلك، وقد قال الله ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين (٢٨)﴾ [المدثر: ٤٨]. ومن فوائده: مشروعية تكثير المصلين على الجنازة طلبًا لنيل شفاعتهم ومن فوائده، أن الدعاء من الشفاعة، يعني: دعاء الإنسان للإنسان شفاعة، فإذا دعوت لأحد فمعناه: أنك شفعت له عند الله وأصل الشفاعة جعل الفرد شفعًا؛ لأن الشافع يأتي مع المشفوع له، فبدلاً من أن يكون المشفوع له واحدًا صار اثنين: هو والشافع. ومن فوائد الحديث: أن الأعداد التي يعينها الشرع توقيفيه، بمعني أننا لا نعلم حكمتها، لأن الرسول قال: "أربعون رجلاً" لماذا لم يكن ثلاثين؟ قد نقول: لأنهم أقل: وإذا قلنا: لأنهم أقل، قال قائل: والأربعون أقل من الخمسين فيأتي الدور، ولكننا نقول: إن هذه الأعداد التي يعينها الشرع ليس للعقل فيها مجال، ولهذا لا يقول قائل: لماذا كانت صلاة الظهر أربعًا، وصلاة العصر أربعًا، لماذا لم تكن ستًا أو ثمانيًا؟ والجواب: أن نقول هذه أمور توقيفية ليس للعقل فيها مدخل.

стр. 1134

ومن فوائد الحديث: فضيلة التوحيد، تؤخذ من قوله: "لا يشركون بالله شيئًا". ومن فوائد الحديث: أن المشرك - ولو شركًا أصغر- ليس أهلاً للشفاعة، من أين تؤخذ؟ من قوله: "لا يشركون بالله شيئًا إلى شفعهم"، وقد يقال: إن هذا في ضمان الشفاعة لا في أصل القول: لأنه قد يكون مشركًا شركًا أصغر وهو لا يخرج به من الإسلام، فقد يقبل الله تعالى شفاعته. ومن فوائد الحديث: مشروعية الإخلاص في الدعاء للميت، لأنك إذا تصورت أنك قد حضرت شافعًا له عند الله فسوف تخلص في الدعاء، وتلح على الله في الدعاء؛ وهو كذلك لأنه أخوك. ومن فوائده: أنك إذا علمت أن هذا الرجل كافر حرم عليك الصلاة ما وجهه؟ قوله "رجل مسلم" لأنك إذا شفعت في رجل غير مسلم فهذا من الاستهزاء بالله ، وقد يكون متضمنًا لتكذيب خبره في قوله: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] وهذا أمر مجمع عليه فيما أعلم، أي: أنه لا يجوز أن يصلى الإنسان على شخص يعلم أنه كافر بأي سبب كان كفره، وبناء عليه فإن تارك الصلاة على القول الراجح كافر ولا تجوز الصلاة عليه. موقف الإمام في الصلاة على المرأة: ٥٣٣ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: "صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها" متفق عليه. قوله: "صليت وراء النبي ﷺ لأن المشروع في صلاة الجنازة المصافة وقوله: "على امرأة ماتت في نفاسها" "في" يحتمل أن تكون للظرفيه، ويحتمل أن تكون للسببية، لأنها تأتي لهذا وهذا، يحتمل أن المعني: في نفاسها؛ أي: بسبب نفاسها كما في الحديث: "عذبت امرأة في هرة حبستها"، يعني: بسبب هرة، ويحتمل أنها للظرفية، يعني: ماتت وهي نفساء بمرض قد يكون من غير النفاس، وقوله: "فقام وسطها" أي: متوسطًا منها. فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: مشروعية المصافة في صلاة الجنازة لقوله: "وراء النبي ﷺ وأما الإمام فيتقدم إلى الجنازة وحده، لأن الأصل أن كل المصلين وراءه، ويؤيده حديث ﷺ ، وأما الإمام فيتقدم إلى الجنازة وحده، لأن الأصل أن كل المصلين وراءه، ويؤيده حديث أبى هريرة في قصة النجاشي، وما يفعله العامة من كون أهل الميت يقفون إلى جانب الإمام فإنه لا أصل له. فإن قلت: إذا كان المكان ضيقًا، ولم يجد الذي قدموا الجنازة مكانًا في الصف الأول لا أصل له. فإن قلت: إذا كان المكان ضيقًا، ولم يجد الذين قدموا الجنازة مكانًا في الصف الأول فماذا يصنعون؟

стр. 1135

نقول: يتقدم الإمام ويكونون خلفه ولو كان قريبين منه، فإن لم يمكن بأن كان لو تقدم ما يتمكن فهم يصلون عن يمينه وعن يساره، لأن هذه حاجة وضرورة، لكن بعض العامة يعتقدون في صلاة الجنازة أنه لا بد أن يكون مع الإمام الواحد، حتى إنهم إذا قدموا الجنازة وتأخر الذين قدموها ربما تقدم واحد من الصف يقف مع الإمام، وهذا قد جرى لنا، فينبغي لطلبة العلم أن ينبهوا العامة على أن صلاة الجنازة في المصافة كغيرها، المشروع فيها أن يتقدم الإمام على المأمومين. وقوله: "على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها" هل هو وصف طردي لا مفهوم له، أو نقول: إن هذا الحكم - أي: قيام الإمام وسط المرأة- فيمن ماتت في النفاس؟ الأول، أي: أنه وصف طردي، لأننا لا نعلم معني لتقييد ذلك بالنفساء لا نعلم ذلك وعلى هذا فيكون وصفًا طرديًا. أخذ العلماء من هذا الحديث: مشروعية وقوف الإمام في صلاة الجنازة إذا كانت المرأة أن يكون وسطها؛ يعني: متوسطًا منها لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، فما هي الحكمة في ذلك؟ قال بعضهم: إن الحكمة هي: أن يكون حائلاً بين عجيزتها ومن وراءه، وهذه العلة النفس منها شيء، لأنه لو فرض أن يحول بين من وراءه مباشرة وبين رؤية عجيزتها فإنه لا يحول بين من كان على يمينه أو على يساره، ولم يتبين لي في ذلك حكمة تطمئن إلى النفس، إلا أن المؤمن حكمته ثبوت النص، فإذا ثبت النص فهذه الحكمة، ولهذا لما سئلت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضى الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فتؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، ولم تعلل إلا بالنص. وهل يدل هذا الحديث على مشروعية الصلاة على النفساء؟ نعم، ويتفرع على هذه الفائدة: أن الشهداء- غير شهيد المعركة- يصلى عليهم، لأنه قد ورد في عد الشهداء: أن منهم المرأة تموت في نفاسها، وإذا كان كذلك فهو دليل على أن الشهداء- غير شهيد المعركة- يصلى عليهم، وهذا هو الصحيح وقد تقدم. حكم الصلاة على الميت في المساجد: ٥٣٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "والله لقد صلى رسول الله ﷺ على أبني بيضاء في المسجد"، رواه مسلم. "والله لقد" الجملة قسمية، وفيها ثلاثة مؤكدات القسم واللام وقد، "والله لقد صلى رسول الله ﷺ على أبني بيضاء في المسجد" "في" للظرفية و"المسجد" هو الظرف، والمظرف هو:

стр. 1136

الصلاة على أبني بيضاء، وعلى هذا فتكون الصلاة عليهما في نفس المسجد. وهي ذكرت ذلك، لأن من الناس من أنكر الصلاة على الميت في المسجد في عهد النبي ﷺ وكذلك بعده، وقالوا: لا يمكن أن يصلى على الجنائز في المساجد، لماذا؟ قالوا: لأنه يخشي من التلويث فقد يخرج من لا ميت شيء في أثناء حمله وتنزيله فيلوث المسجد فحينئذ من التلويث فقد يخرج من الميت شيء في أثناء حمله وتنزيله فيلوث المسجد، فحينئذ لا يصلى عليه في المسجد، نصلى عليه في مكان معد الصلاة على الأموات؛ ولهذا احتاجت أم المؤمنين ﵂ إلى أن تؤكد ذلك بالقسم، فقالت: "والله لقد". وقولها: "على أبني بيضاء في المسجد" الذي في مسجد الرسول ﷺ أما الجنائز؟ كلهم هذا هو المتبادر من الحديث وهذا الذي من أجله ساقت الحديث، الصلاة على الجنازة، والجنازة في المسجد. والعجيب: أن الذين منعوا الصلاة على الميت في المسجد قالوا: إن "في المسجد" ظرف لصلاة الرسول لا للمصلى عليه، الجنائز خارج باب المسجد والرسول في المسجد، ولا شك أن هذا خلاف ظاهر اللفظ وخلاف ما ساقت أم المؤمنين الحديث من أجله، وهو إثبات ما كان ينكره بعض الناس من الصلاة على الأموات في المساجد، ولكن هذه البلية- وهي كون الإنسان يعتقد أولاً ثم يستدل- ابتلى بها كثير من الناس، إذا اعتقد أولاً ثم استدل ثانيًا، حرف بذلك النصوص من أجل أن يوفق ما يعتقده، سواء مذهبه أو فكره، وهذه بلية عظيمة، ولهذا يجب أن يكون الإنسان مع الأدلة، أن يكون كمن لا يعرف الطريق مع الماهر في الطريق، إذا ذهبت مثلاً إلى مكة وأنت لا تعرف الطريق ومعك دليل يدل إذا قال: امش إلى كذا، هل تقول: لا وتخالفه؟ لا تخالفه أبدًا، وإنما تسلم له تمامًا، وتكون كما يقول العوام: "حط رأسك في الجلص" يعني: السطل، والمعنى: أنك لا تبصر شيئًا هذا المراد، فهذا الإنسان الذي قد تم تحكيمه للكتاب والسنة ما يعتقد شيئًا إلى تبعًا للدليل، فإذا جاء الدليل على خلاف ما كان يعتقده قال: سمعًا وطاعة، ومشى مع الدليل وترك ما يعتقده، وكذلك لو جاء دليل مخالف لمن يقلده من الأئمة قال: مرحبًا بالدليل، وترك التعصب ومشي على ما يقتضيه الدليل. ويستفاد من الحديث: جواز اليمين على الفتوى، إذا اقتضت الحاجة ذلك: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل أي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣] ﴿ويستنبئونك﴾ يعني: يطلبون منك النبأ والخبر، هذا الاستفتاء، بناء على ذلك يجوز للمفتى أن يحلف على الفتوى، ولكن هل يحلف على كل شيء أو لا يحلف إلا إذا علم أن هذا هو الحكم أو غلب على ظنه؟ الجواب: لا يحلف إلا إذا علم أن هذا هو الحكم أو غلب على ظنه أن ذلك هو الحكم فيجوز، ولاسيما عند عظم المفتى به أو عند تشكك المستفتي ليطمئنه.

стр. 1137

فإذا كان الأمر عظيمًا فإنه قد يحسن أن تحلف عليه، وكذلك إذا رأينا أن المستفتي قد تشكك فإنه لا حرج أن يحلف، بل قد يكون ذلك من الأمور المستحسنة. ومن فوائد الحديث: جواز الصلاة على الأموات في المساجد؛ لقولها: "صلى على ابني بيضاء في المسجد". ومنها: أن المعهود لا يحتاج إلى التنصيص عليه، من أين تؤخذ؟ من قولها: "في المسجد" لأن "أل" هنا للعهد، يعني: المسجد الذي كان يصلى فيه ﵊. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة ذكرها الفقهاء في باب المعاملات وهي: الشرط العرفي كالشرط الفظي، فالشيء إذا كان معهودًا بين الناس ومعروفًا بينهم لا يحتاج إلى التنصيص عليه وذكره، فلو أن رجلاً اشترى سلعة من شخص، وهذا المشترى نقلها إلى بيته بدون إذن البائع وقال البائع: لماذا تنقلها؟ نقول: هذا شرط عرفي، معروف عند الناس أنني إذا اشتريت الشيء نقلته، كذلك لو أن رجلاً تزوج امرأة وأراد أن ينقلها إلى بيته فقالت هي وأهلها لم تشترط علينا أن تنتقل إل البيت، نقول: العرف أن ينقلها إلى بيته دون شرط، فالشيء المعهود بين الناس لا يحتاج إلى التنصيص عليه، ولذلك نقول الشرط العرفي كالشرط اللفظي، وهذه قاعدة مهمة في المعاملات. ومن فوائد الحديث: النسبة إلى الأم هل هو جائز أو لا؟ الجواب: إذا كانت النسبة إلى الأم لا تعني محو نسبته إلى الأب فلا بأس به، بشرط ألا يغضب من ذلك فتكون كالكنية ويكون الاسم الأول هو الأصل، فأما إذا تنوسي اسم الأب ومحي فإن هذا لا يجوز، لعموم قوله تعالى: ﴿أدعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] ولأنه إذا تنوسي فربما يضيع نسب هذا الرجل، ولأنه إذا تنوسي ربما يتهم هذا الرجل بأنه أبن زنا، ليس له أب، وأما إذا جعل ذلك كالكنية مع الاسم الأصلى فلا حرج، هذا النبي ﷺ يكني عبد الرحمن بن صخر أبا هريرة، وهذا عبد الله بن مالك ابن بحينة ينسب إلى أبيه وأمه، وهذا رأس المنافقين ينسب إلى أمه فيقال: عبد الله بن أبى ابن سلول. عدد التكبير في صلاة الجنازة: ٥٣٥ - وعن عبد الرحمن بن أبى ليل ﵁ قال: "كان زيد بن أرقم ﵁ يكبر على جنائزنا أربعًا، وأنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ بكبرها"، رواه مسلم والأربعة. الأول: تابعي عبد الرحمن بن أبى ليلي، والثاني: صحابي، وقوله: "يكبر على جنائزنا" الإضافة

стр. 1138

للنسبة، لكنها ليست نسبة قرابة بل نسبة بلد، يعني: على الجنائز التي تقدم إليه في بلده كان يكبر أربعًا، وقد ثبت أن الرسول ﷺ كبر على النجاشي أربعًا، وأنه كبر على جنازة خمسًا فزاد واحدة. فسألته فقال: "كان رسول الله ﷺ يكبرها" يعني: يكبر خمسًا، لقوله: "يكبرها" أي: الخمس، فهي عائدة على الخمس، وليست عائدة على الخامسة. فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: أن المشروع في العبادات الواردة على وجوه متنوعة أن يفعلها تارة على هذا الوجه، وتارة على وجه آخر، بدليل فعل هذا الصحابي كان يكبر على الجنائز أربعًا وكبر خمسًا وبين أن النبي ﷺ فعل ذلك. وعلى هذا فيكون لهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أصل من فعل الصحابي ﵁ وأن السنة إذا جاءت على وجوه متنوعة فينبغي أن نفعل هذا مرة وهذا مرة لأجل أن تكون للسنة كلها. ومن فوائد الحديث: أن الأكثر في الجنائز أن يكبر عليها أربعًا وهذا فعل الرسول ﷺ أكثر ما يكبر أربعًا، حتى زعم بعض أهل العلم: أن التكبيرات الزائدة على الأربع منسوخة، ولكن الصحيح أنها ليست منسوخة وذلك لإمكان الجمع، ومن شرط النسخ ألا يمكن الجمع. ومن فوائد الحديث: حرص التابعين على العلم، لأن عبد الرحمن بن أبى ليلي سأل. ومن فوائده: أن ما خرج عن الأصل والعادة فإنه محل سؤال، لماذا؟ لأنه قد يخطئ الإنسان فيزيد وقد يغلط، فإذا خرج الشيء عن المعتاد، فاسأل لماذا؟ ولهذا لم سلم النبي ﷺ من ركعتين- لحديث أبى هريرة- في قصة ذي اليدين، قالوا: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ ولما صلى خمسًا في حديث ابن مسعود قالوا: يا رسول الله، أزيد في الصلاة؟ فإذا خرج الشيء عن العادة فلا بد أن يسأل عنه؛ لئلا يكون الإنسان في خطا. ومن فوائد الحديث: أن من هدي الصحابة ﵃ إظهار السنة بالفعل، يؤخذ من فعل زيد ﵁، وهكذا ينبغي لأهلا لعلم أن يظهروا السنة بالفعل، لأن إظهار السنة بالقول لا شك أنه طريق من طرق البلاغ، وداخل في قول الرسول ﷺ : "بلغوا عني ولو آية"، لكن الفعل أبلغ، ولهذا لو أن رجلاً من الناس نصح نصيحة بما يتعلق بأحكام الفقه فقبلها الناس وسمعوها وبقيت في أذهانهم ما شاء الله، لكن لو فعلها فعلاً لكان ذلك أبلغ وأرسخ في الذهن، تجدهم يقولون: صلى فلان ذاك اليوم، وفعل كذا وكذا، فيبقي في أذهانهم، لاسيما ما يخرج على المألوف عندهم. ومن فوائد الحديث: مشروعية التبكيرات الخمس في صلاة الجنازة؛ لأن النبي ﷺ فعل

стр. 1139

ذلك، ولكن ماذا يصنع في التكبيرات؟ نحن نقول: فيا لأولى: الفاتحة، وفي الثانية: الصلاة على النبي ﷺ وفي الثالثة: الدعاء، وفي الرابعة: الدعاء أيضًا، وفي الخامسة سكوت ثم الدعاء، وعلى هذا فإنك تدعو، ومن الممكن أنتقسم الدعاء الذي يكون في الرابعة بين الرابعة والخامسة، ومن الممكن أن تدعو دعاء مستقلاً مناسبًا للحال، فالمقصود هو الدعاء للميت، هذا وأهم شيء في صلاة الجنازة هو أن تدعو للميت. ٥٣٦ - وعن علي ﵁: "انه كبر على سهل بن حنيف ستًا، وقال: إنه بدري"، رواه سعيد بن منصور، وأصله في البخاري. على بن أبى طالب ﵁: "أنه كبر على سهل بن حنيف ستًا، وقال: إنه بدري"، رواه سعيد بن منصور، واصله في البخاري. على بن أبى طالب ﵁ أحد الخلفاء الراشدين، وهو يمتاز عن الخلفاء الأربعة بأنه أقربهم نسبًا من رسول الله ﷺ تولى الخلافة بعد قتل عثمان ﵁ واستشهاده، لأنه أحق الناس بها بعد عثمان، وكان فيما سبق كان الخليفة هو الذي يتولى الإمام - إمامة الناس- فكبر على سهل بن حنيف ستًا، وقال: "إنه بدري" احتمالان: احتمال أنه فعل ذلك اجتهادًا منه ﵁ لكون هذا الرجل بدريًا زاده في التكبيرات ليزيده في الدعاء، ويحتمل أن هذا من عادة الرسول ﷺ أنه يكبر على أهل بدر ستًا فإن كان قد صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يصلى على أهل بدر ستًا تعيين الاحتمال الثاني، وإن لم يصح فالأصل العدم، فيترجح الاحتمال الأول بأن عليًا ﵁ اجتهد ورأي أن أصحاب بدر لهم حق بحيث يزاد في تكبيرات الجنائز عليهم، ليزداد الدعاء لهم، وعلى هذا فإن على بن أبى طالب ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بإتباعهم ما لم يخالفوا سنة الرسول ﷺ فإن خالف أحد سنة رسول الله ﷺ فإنه لا يؤخذ بقوله كائنًا من كان. وعلى هذا فإذا صلينا على بدري كبرنا عليه ستًا وهذا لا يمكن اليوم، أهل بدر- ﵃ امتازوا بميزة من جهة الأثر الذي حصل بالغزوة ومن جهة الثواب: أما الأثر: فإنه من ذلك اليوم اعتز الإسلام اعتزازًا عظيمًا: ﴿وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان﴾ [الأنفال: ٤١]. ولهذا ما بزغ نجم النفاق إلا بعد غزوة بدر، لما قوى المسلمون بدأ يظهر النفاق- والعياذ بالله-، وكان بالأول غالب الكفار يبين كفره ولا يبالي هذا الأثر. وأما الثواب: فإن الله تعالى أطلع على أهل بدر وقال: "أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، ولهذا ما ارتد أحد من أهل بدر أبدًا.

стр. 1140

وقد أشكل على بعض الناس كيف الله يقول: "أعملوا ما شئتم" هل هذا يقتضى أن يباح لهم الكفر؟ الجواب: لا؛ لأن الله يعلم أنهم لم يكفروا، وهم بأنفسهم لا يمكن أن يقع منهم الكفر، لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الإيمان الراسخ، إذن "ما شئتم" مما دون الكفر، فالكبائر مكفرة لهم مغفورة والصغائر من باب أولى، وإنما غفرت لهم الكبائر لما حصل لهم من هذه الحسنة العظيمة التي لا يعدلها شيء، حتى حاطب بن أبى بلتعة ﵁ لما اجتهد وظن أنه على صواب وأرسل رسالة إلى قريش- حين أراد النبي ﷺ أن يغزوهم- وجاء الوحي إلى النبي ﷺ وأرسل إلى المرأة من يأخذ الكتاب منها، واستأذن عمر ﵁ أن يضرب عنق حاطب، قال النبي ﷺ : "وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففعل حاطب إذن وقع تحت هذا العموم "ما شئتم فقد غفرت لكم" إذن على بن أبى طالب ﵁ رأي أنه يصلى على أهل بدر يكبر عليهم في الجنائز ستًا. يستفاد من هذا الحديث: أولاً: جواز الزيادة على أربع في تكبيرات الجنائز، والدليل فعل على ﵁. فإن قال قائل: هل فعل على حجة؟ فالجواب: نعم، لأنه أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بإتباعهم، وهذا لا يخالف النص؛ لأن الرسول ﷺ كبر أربعًا وكبر خمسًا، ولم يقل: لا تزيدوا، صحيح قد يقول قائل: إن عموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلى" يدخل فيه هذا وأننا لا نريد على ما ثبتت به السنة، ولكن يقال: لو كان هذا الأمر مقصودًا ما خالفه على ﵁، ثم إن القضية "صلوا كما رأيتموني أصلى" يخاطب مالك بن الحويرث، وقد شهد صلاة النبي ﷺ ، صلوات ذات الركوع والسجود. ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي لمن فعل فعلاً يمكن أن يرد عليه سؤال أن يبين وجه فعله؛ لأنه إن كان مشروعًا فقد بين أنه مشروع، وإن كان سائغًا غير محرم فقد دفع عن نفسه الشبهه والتهمة، وأما أن يفعل الشيء الخارج عما يألفه الناس ويسكت فهذا سيكون عرضه لكلام الناس فيه، حتى ربما يقول الصواب ولا يقبلونه، لأن الإنسان إذا وجد عليه خطأ صار كل ما يقوله محل تساؤل: لعله أخطأ كما أخطأ في الأول وما أشبه ذلك! وهذا النبي ﷺ لما حياء وخجلاً أن يريا رسول الله ﷺ مع أهله قال- ﵊: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي" الله أكبر! بالمؤمنين رءوف رحيم فالصحابيان ﵂ قالا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإن خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا"، أو

стр. 1141

قال: "شيئًا"، فأنظر إلى فعل الرسول ﷺ ، حيث إنه لما رأي أن هذا الفعل قد يحدث به التساؤل بينه ووضحه. قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة: ٥٣٧ - وعن جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يكبر على جنائزنا أربعًا ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى"، رواه الشافعي بإسناد ضعيف. ٥٣٨ - وعن طلحة بن عبد الله بن عوف ﵁ قال: "صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب فقال: لتعلموا أنها سنة" رواه البخاري. المؤلف ﵀ ذكر حديثين أحدهما مرفوع صريحًا، والثاني مرفوع حكمًا، المرفوع الصريح ضعيف كما قال: بإسناد ضعيف، ولكنه أعقبه بالحديث المرفوع حكمًا، وهو قول ابن عباس: "لتعلموا أنها سنة" ويؤيد ذلك أيضًا عموم قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن: فإن الصلاة على الجنازة داخله في اسم الصلاة فتكون داخله في هذا العموم، وعلى هذا فنقول: عندنا ثلاثة أدلة الآن: عموم وهو حديث مرفوع صحيح صريح، وخصوص وهو حديث مرفوع بسند ضعيف، وخصوص وهو مرفوع حكمًا بسند صحيح رواه البخاري. قله: "يكبر على جنائزنا أربعًا" هذا له شاهد بل عدة شواهد تدل على أن النبي ﷺ كان يكبر على الجنائز أربعًا، ونمه ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما أنه كبرى على النجاشي أربعًا، ولا إشكال فيه: "ويقرأ بفاتحة الكتاب"، ذكرنا ثلاثة أدلة على ذلك ولكنه قال: "في التكبيرة الأولى" وهذا الحديث- كما رأيتم- ضعيف، وحديث ابن عباس ليس فيه تعيين أن الفاتحة في الركعة الأولى، ولكننا نقول: إن هذا الحديث الضعيف يعضده القياس والمعني، أما القياس فإن النبي ﷺ كان لا يبدأ بشيء قبل الفاتحة في الصلاة، كما قالت عائشة: "كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين" وعلى هذا فلا شك أن المناسب في تكبيرات الجنازة أن تكون قراءة الفاتحة في التكبيرة الأولى، وأيضًا هي فاتحة الكتاب فتنفتح بها الصلاة ما عدا التكبير. وقوله: "بفاتحة الكتاب" سميت فاتحة الكتاب: لأنه افتتح بها كتاب الله وليست هي أول ما نزل بل إن أول ما نزل قوله تعالى: ﴿أقرأ باسم ربك الذي خلق (١) خلق الإنسان من علق (٢) أقرأ وربك الأكرم (٣) الذي علم بالقلم (٤) علم الإنسان ما يعلم﴾ [العلق: ١ - ٤]. هذه الآيات الأربع هي أول ما نزل حتى قبل

стр. 1142

البسملة وقوله: "بفاتحة الكتاب"، الكتاب: هو القرآن، وسمي كتابًا، لأنه مكتوب فهو فعال بمعني مفعول تأتي في اللغة العربية، كما في الغراس والبناء والفراش ونحوها، وسمي كتابًا لأنه بمعني: مكتوبًا؛ لأنه كتب في اللوح المحفوظ: ﴿بل هو قرآن مجيد (٢١) في لوح محفوظ) [البروج: ٢١، ٢٢]، وكتب في الصحف التي في أيدي الملائكة ﴿كلا إنا تذكرة (١١) فمن شاء ذكره (١٢) في صحف مكرمة (١٣) مرفوعة مطهرة (١٤) كرام برره) [عبس: ١١]، وكتب في الصحف التي بين أيدي الناس فهو مكتوب لهذه الوجوه الثلاثة. إذا قال قائل: ماذا يستفاد من الحديث؟ نقول: يستفاد منه: مشروعية قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، وهل هي ركن، أو واجب، أو سنة؟ فالجواب: أنه ركن، لعموم قولة ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب" وعلى هذا فهي ركن في صلاة الجنازة لو تركها إنسان ما صحت صلاة الجنازة فلا بد منها. وأما حديث ابن عباس ﵂ فيستفاد منه: أن ينبغي للعالم أن يجهر بما يحتاج الناس إلى تعلمه؛ لأنه الظاهر أن ابن عباس جهر حيث قال "لتعلموا أنها سنة" اللام هنا: للتعليل، والمعلل محذوف تقديره: قرأتها لتعلموا، وقوله: "أنها سنة" السنة في اللغة: الطريقة، وفي الاصطلاح: طريقة النبي ﷺ وتشمل: القول، والفعل، والإقرار، وفي اصطلاح الأصوليين: السنة ما أثيب فاعله ويعاقب تاركه، فلها ثلاثة تعريفات، أيها المراد من كلام ابن عباس؟ المراد: المعني الوسط أي: أنها سنة النبي ﷺ لأن الظاهر أن تقسيم المشروع، المأمور به إلى سنة وواجب، الظاهر أنه حدث أخيرًا، وأن كل ما يسمي سنه في لسان الشارع، أو في لسان الصحابة فإنه يشمل الواجب والمستحب، وتعينه قواعد الشريعة، هل المراد به الواجب، أو المراد به السنة؟ هنا نقول: إن المراد بها الطريقة، فهل هي واجبة أو غير واجبة؟ واجبة، والدليل: "لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب" وأما مجرد قراءة النبي ﷺ لا يدل على الوجوب، حتى ولو قام الدليل على أنه من العبادة فإنه لا يدل على الوجوب، لأنه لم يقرن بأمر بفعله ولا ينهي عن تركه، وإنما هو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا عام خرج أفراد كثيرة ليست على الوجوب. وقوله: "لتعلموا أنها سنة" ذكرنا أنه من باب المرفوع حكمًا، فهل هناك مرفوعات؟

стр. 1143

الجواب: نعم، فيه مرفوع صريحًا ومرفوع حكمًا، فالمرفوع صريحًا هو الذي يضاف إلى النبي ﷺ نفسه بأن يقال: قال النبي، أو فعل النبي، أو رأي النبي ﷺ كذا، أو سمع كذا فأقره، هذا يسمي مرفوعًا صريحًا، أما المرفوع حكمًا فهو: ما ثبت له حكم الرفع ولكنه لم يصرح برفعه إلى النبي ﷺ وله أمثلة كثيرة منها: إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فهو مرفوع حكمًا؛ لأن الصحابي عاشر النبي ﷺ وله أمثلة كثيرة منها: إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فهو مرفوع حكمًا، لأن الصحابي عاشر النبي ﷺ وسمع منه ورأي منه، فإذا قال: من السنة، فإنما يعني: سنة من شاهده وسمع منه - وهو الرسول ﷺ ، وأيضًا إنما يعني: من سنته تشريع، أما إذا قال التابعي: من السنة كذا، فقيل: إنه موقوف، لأن التابعين إنما يعنون بالسنة: ما سنة الصحابة، وقيل: إنه مرفوع مرسل كما لو نسب التابعي إلى النبي ﷺ مرفوعًا صريحًا، فإنه يكون مرفوعًا مرسلاً، فإذا نسب إليه مرفوعًا حكمًا صار مرفوعًا حكمًا مرسلاً، وهو محل خلاف بين المحدثين. المهم: أن هذا الحديث يدل على أن قراءة الفاتحة من السنة، أي: من سنة الرسول ﷺ الشاملة الواجب والمندوب، وقد دل الحديث على وجوبها. الدعاء للميت في صلاة الجنازة: ٥٣٩ - وعن عوف بن مالك ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت منه دعائه: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وقه فتنه القبر وعذاب النار" رواه مسلم. سبق أننا ذكرنا عن أهل اللغة أنهم إذا قالوا جنازة بالفتح فهي الميت، وإذا قالوا: جنازة فهي النعش عليه ميت وقوله: "حفظت من"، "من" للتبعيض وهو يدل على أن هناء دعاء آخر، هذه أدعية عظيمة جدًا، حتى قال عوف بن مالك ﵁ - راوي الحديث- حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت لا تمنيًا للموت ولكن تمنيًا لهذا الدعاء، نرجع إلى قوله: "اللهم" يعين: يا الله، يقولون في توجيهها: حذفت ياء النداء تبركًا للبداءة بالاسم الكريم، وعوض عنها بالميم في الآخر ولم يختر من الحروف إلا الميم لدلالتها على الجمع، فكأن الداعي جمع قلبه ولسانه وقوله بالتوجه إلى الله فقال: اللهم، وقال ابن مالك: والأكثر اللهم بالتعويض *** وشذ ياللهم في قريض

стр. 1144

قال الشاعر الذي أشار إليه ابن مالك: إني إذا ما حدث ألمًا *** أقول يا ألهم يا للهما والأكثر أن يقال: اللهم اللهم، يقول "اللهم اغفر لهم وارحمه" المغفرة هي: ستر الذنب والتجاوز عنه، ليست مجرد الستر ولا مجرد التجاوز، بل ستر وتجاوز، من أين عرفنا كلا المعنيين؟ من الاشتقاق، لأن المغفرة مأخذوه من الغفر، والمغفر هو: شيء من الحديد يوضع على الرأس عند الحرب، ففيه وقاية وستر، ويدل لذلك أيضًا أن الله إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه، قال له: "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم"، إذن المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، "وارحمه" الرحمة فوق المغفرة، لأنه بعد إزالة العقوبات يطلب له حصول الرحمات وارحمه ففيها حصول المطلوب بعد زوال المرهوب، ولهذا دائمًا تقرن مع المغفرة متأخرة عنها، فبعد ما تزال الشوائب المانعة تأتي الرحمة، ولهذا يقولون: التحلي بعد التخلي، التحيل، يعني: التجميل وإصلاح الإنسان نفسه، وليس الحلي يكون بعد التخلي، المرأة إذا لبست الحلي ووجهها ملوث بالأوساخ، نقول: أذهبي أغسلي وجهك أولاً ثم ألبسي الحلي، فهنا تخل قبل تحل. "وعافه واعف عنه" و"عافه" من أي شيء؟ من العذاب الحاصل بفعل الذنوب، "واعف عنه" تجاوز عنه من التقصير بفعل الواجب؛ لأن الآثام سببها أمران: إما فعل محرم، وإما ترك واجب، ففي "عافه" من آثار المحرمات، و"وأعف عنه" عن آثار التهاون بالواجبات. لو قال قائل: هل هاتان الجملتان داخلتان فيما سبق؟ فالجواب: نعم، لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط والتكرار، وذكرنا فيما سبق: أن استحباب البسط والتكرار بالدعاء له فوائد متعددة، منها: أنه كلما طالت المناجاة مع من تحب كان ذلك أبلغ في إقامة الحجة والبيان على أنك تحبه، الثاني: أن الدعاء عبادة فكلما كررته زدت في عبادة الله ، الثالث: أن تكراره إلحاح من العبد، وهو دليل على شعور الإنسان بشدة الافتقار إلى ربه ، وإذا شعر الإنسان بذلك أوشك أن يمده الله بما يكون فيه الغني، أي: أن الله يحب من عبده الإلحاح والتكرار، فينال بذلك محبة الله، ومنها: أن هذا التفضيل قد يذكر الإنسان بأشياء دقيقة ليست مذكورة مثل الإجمال، يقول: "وأكرم نزله" النزل: ما يقدم للضيف

стр. 1145

من كرامة، قال النبي ﷺ : "ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه" فـ "أكرم نزله" يعني: أجمل نزله، أي: ضيافته كريمة، وهذا يراد به: كثرة الثواب من الله لهذا الميت. ووسع مدخله أو مدخله؟ إن كان من أدخل فهو مدخل، وإن كان من دخل فهو مدخل قال الله ﴿رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ [الإسراء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلهم مدخلاً كريمًا﴾ [النساء: ٣١] لأنها من الرباعي على وزن "مفعل"، وأما إن كانت من الثلاثي فهي على وزن "مفعل": مدخل، وهذا نقول في "مقام" و"مقام" من الثلاثي مقام، ومن الرباعي مقام، قال الله تعالى: ﴿وإذا قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم﴾ [الأحزاب: ١٣] لأنه مأخوذ من أقام في المكان فهو رباعي، وقال تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، من قام يقوم وذلك في يوم القيامة، لأن يوم القيامة أيضًا محل عبور، إذن نقول: مدخله، فمدخله من الرباعي، ومدخل هذا الثلاثي، ومدخل: مكان الدخول، ما معني مدخله؟ يعني به: القبر؛ لأن المكان الذي يدخل فيه الإنسان، فوسعه يعني: أجعله واسعًا فسيحًا، فهو يوسع، ولكنه توسيع غيبي لا توسيع محسوس، وإلا لو أننا دفنا إنسانًا في قبر سعته المحسوسة مائة ذراع وليس من أهل الجنة أي: ليس من المؤمنين لا ينفعه هذا، ولو دفنا الإنسان بالتراب بدون لحد وصار التراب محيطًا به من كل جانب وهو من أهل الإيمان وسع له، فالمراد: التوسعة الغيبية التي هي خاصة بالحياة البرزخية، وهذه لا نعلم عنها إنما يعلم عنها الميت إذا مات، ولكننا علمنا عن طريق النبي ﷺ الثابت بالوحي. "واغسله بالماء والثلج والبرد" بتنقيته من الذنوب وإزالة أوساخها، واختير الثلج والبرد، لأن هذا هو المناسب، إذا إن أثارها العقوبة بالنار وهي حارة، فناسب أن تقابل بماذا؟ بماء وثلج وبرد. "ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس" يعني: بعد الغسل يكون نقيًا من الخطايا والذنوب، كما ينقي الثوب، "الكاف" هنا للتشبيه، و"ما" مصدرية، وعلى هذا فيسبك الفعل بعدها معها بمصدر، أي: يحول إلى مصدر فيقال: كنتقيه الثوب الأبيض من الدنس، وقوله: " الأبيض" دون غيره، لأن ظهور الوسخ في البياض أكثر، فإذا كان الثوب أبيض وليس فيه وسخ علم أنه نظيف جدًا، لكن لو كان عليك ثوب أسود وفيه أوساخ لكنها قليلة وليست كثيرة، لا تظهر؛ فلهذا وصف الثوب باللون الأبيض، "من الدنس" أي: الوسخ الحسي.

стр. 1146

يقول: "وأبله دارًا خيرًا من داره" يعني: أجعل له دارًا خيرًا نم داره، والدار التي انتقل منها دار الدنيا: دار الهموم والغم والنصب والتعب البدني والعقلي؛ ولهذا لا تجد شيئًا في الدنيا حسنًا إلا وهو مقرون معه السيئ أبدًا حتى الزمن فيه حسن وسيء كما قال الشاعر: فيوم علينا ويم لنا*** ويوم نساء ويوم نسر وهذه من حكمة الله أرأيتم لو أن ما في الدنيا من الأشياء الحسنة يبقي حسنًا لا سوء فيه، أفلا يفتن الناس بذلك؟ يفتنون جدًا، لكن قرن السوء بالحسن فيما يتعلق بالدنيا ليتعظ الإنسان ويعتبر ويطلب دارًا أخرى ليس فيها حسن وسيء: ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (٣٥) الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فينا نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ [فاطر: ٣٥] لا تعب ولا إعياء أبدًا، كاملة، لكن الدنيا فيها نقص كبير، والدار التي ينتقل إليها أول ما ينتقل من الدنيا هي: القبر، فهل يمكن أن تكون خيرًا نم داره؟ نعم، ولولا ذلك ما دعا الرسول ﷺ بها، إذ إن الرسول ﷺ لا يدعو بأمر محال، والقبر يكون خيرًا من الدنيا إذا فسح للإنسان مد بصره، وقيل له: نم صالحًا، وفتح له باب إلى الجنة، وأتاه من ريحها ونعيمها وفرش له من الجنة فيكون - والله- أحسن من الدنيا ألف مرة، ولهذا قال: "أبله دارًا خيرًا من داره" لكن "أهلاً خيرًا من أهله" وأهل المرء: ما يأهلهم ويأوي إليهم كالزوجة والود والأم والوالد إذا كان عنده في البيت ولا شك أن الإنسان يأنس بأهله ويسر بهم ويطيب عيشه فيهم، فالرسول ﷺ يقول: "أبدله أهلاً خيرًا من أهله" لأنه سوف ينتقل عن الأهل الأولين وعن الأهل الآخرين، فيقول: "أبدله أهلاً خيرًا من أهله" وذلك في جنة النعيم، "وزجًا خيرًا من زوجة" يعني: أبدله زوجًا خيرًا من زوجه، والزوج معروف، ويطلق على الرجل وعلى المرأة في اللغة العربية. ولكن هنا إشكال وهو أن يقال: " من هذا الذي يبدل به زوجة في الدنيا ويكون خيرًا منه مع أنه يوم القيامة يكون الرجل وزوجته وذريته ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم﴾ [غافر: ٨] وثبت أن أزواج النبي ﷺ يكون زوجاته في الآخرة كيف يقول: "زوجًا خيرًا من زوجة"؟ أجاب عنه بعض أهل العلم وقال: إن الإبدال نوعان: إبدال أعيان، وإبدال أوصاف، إبدال الأعيان: أن أعطيك شيئًا وتعطيني بدله كما يحصل في المبايعات، مثلاً: المشترى يعطي الثمن والبائع يعطي السلعة هذا بدل هذا ومنه قوله تعالى: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان: ٧٠] تكون السيئة حسنة، وإبدال أوصاف بمعني: أن العين واحدة لكن تتغير صفاتها،

стр. 1147

ومنه قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾ [إبراهيم: ٤٨] تبدل بأوصافها ﴿يوم تكون السماء كالمهل (٨) وتكون الجبال كالعهن﴾ [المعارج: ٨، ٩] كذلك الأرض تبدل فتكون قاعًا صفصفًا لا ترى فيه عوجًا ولا أمتا، وتكون بعد التكوير ممدودة: ﴿وإذا الأرض مدت (٣)﴾ [الانشقاق: ٣] فهنا نقول: أما زوجاته من الحور العين فلا ريب أنهم غير زوجاته من الدنيا وهن خير من زوجات الدنيا من وجه، وزوجات الدنيا خير منهم من وجه آخر، والزوجة في الدنيا تبدل في الآخرة بأوصافها فهذا معني قوله: "زوجًا خيرًا من زوجة". نقول: إن كانت الزوجة من الحور العين فالأمر ظاهر، وأما إن كانت من زوجاته في الدنيا فالمراد إبدال الأوصاف. يقول: "وأدخله الجنة" الجنة: سبق لنا أنها في اللغة: البستان ذو الأشجار الكثيرة، وسمي بذلك، لأن يحن من فيه، أي: يفتنه، ولكنه لا ينبغي أن يعرف بهذا التعريف في جنة الخلد، لأن جنة الخلد إذا عرفت بهذا التعريف سوف يتصورها أكثر الناس بأقل ما هي عليه في الحقيقة، ولكننا نقول: إن الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله: "وقه فتنه القبر وعذاب النار" قوله: "قه" هذه فعل أمر وتنصيب مفعولين: المفعول الأول الهاء، والمفعول الثاني "فتنة" وهي من حرف واحد، لأن فعلها مثال ناقص، وإذا كان الفعل مثالاً ناقصًا صار فعل الأمر منه على حرف واحد، الفتنة في اللغة تطلق على معان منها: الاختبار، ومنها: الصد، قال الله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥] هذه بمعنى: اختبار، وقال تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا﴾ [البروج: ١٠] أي: صدوا، وقال تعالى: ﴿فإنكم وما تعبدون [١٦١، ١٦٢]، أي: بصادين، فتطلق على معان منها: الصد، ومنها: الاختبار والامتحان، والمراد بها هنا: الاختبار وهو سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه، وهي ثابتة لكل من يدفن، إذا دفن الإنسان فإنه يسأل عن هذه الأمور الثلاثة، إلا أن العلماء اختلفوا في الصغير والمجنون: هل يسأل أو لا يسأل؟ على قولين، ويستثني من ذلك الشهداء فإنهم لا يسألون كما رواه النسائي، قال الرسول ﷺ : "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنه" وهل يستثني الأنبياء؟ قال بعض العلماء، يستثنى الأنبياء لأنهم أولى من الشهداء، ولأن المسئول عنهم هم الأنبياء والرسل، حيث إن الأسئلة هناك هي: من ربك؟ وما دينك؟ ما نبيك؟ فلا يسألون، ومتى تكون هذه الفتنة؟ تكون إذا دفن الميت، فإن بقى يومًا أو يومين

стр. 1148

لانتظار جماعة أو لتحقيق في أمره أو ما أشبه ذلك فإنه لا يسأل حتى يدفن؛ لأن النبي قال: "إذا دفن الميت وتولى عنه أصحابه حتى أنه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان"، فإن لم يدفن مثل أن يموت في بر وتأكله السباع فإنه يسأل؛ ولهذا نقول: فتنة القبر، "القبر" في اللغة: الحفرة التي يدفن فيها الميت، ويراد بها هنا: البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، قال الله تعالى: ﴿حتَّى جاء أحدهم الموت قال ري ارجعون (٩٩) لعلى أعمل صالحًا ... ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. قال" "قه فتنة القبر" هذا فيه إشكال وهو إذا كان السؤال عامًا لكل أحد- ولابد منه- فكيف يدعو النبي ﷺ ربه أن يقي هذا الميت فتنة القبر مع أن الرسول ﷺ قال: "أوحي إلىَّ أنكم تفتنون في قبوركم- مثل أو- قريبًا من فتنة الدجال". الجواب أن يقال: إن المراد: وقاية شرها وأثرها لا وقاية فعلها أو السؤال نفسه، هذا لابد منه. وقوله: "وعذاب النار" يعني: العذاب الذي يكون في النار، والإضافة هنا بمعنى: "في"؛ لأن الإضافة تكون بمعنى: اللام، وبمعنى: "من"، وبمعنى: "في"، تكون على تقدير "في" إذا كان ما بعد المضاف ظرفًا للمضاف، يعني: على تقدير "في"، وتكون على تقدير "من" إذا كان المضاف إليه جنسًا للمضاف، وتكون على تقدير اللام فيما عدا ذلك، فخاتم حديد: على تقدير من، وقوله تعالى: ﴿بل مكر الَّيل والنَّهار﴾ [سبأ: ٣٣]. على تقدير "في"، وعليه فقوله: "عذاب النار" يكون على تقدير "في" والباقي على تقدير اللام، وهذا كثير مثل: كتاب زيد؛ أي: كتاب لزيد، قال: "وعذاب النار" النار هي: الدار التي أعدها الله للكافرين، ﴿واتَّقوا النَّار الَّتي أعدَّت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]. وقد أخبر النبي ﷺ أنها فضّلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا، قال: "ناركم هذه الذي توقدون". هذه فضِّلت عليها بتسعة وستين جزءًا، ونارنا هذه كافية في التعذيب، لكن هذه فوقها بتسعة وستين ومع ذلك عذاب- والعياذ بالله- متنوع ولا وقاية ولا سلامة، حتى إنهم- والعياذ بالله- يمنون فيدفعون إلى أعلاها كأنهم سيخرجون، ولكن يعادون فيها ويوبخون: ﴿كلَّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النَّار الَّذي كنتم به تكذبون (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]. نسأل الله العافية؛ ولهذا دعا النبي ﷺ لهذا الميت أن يقيه الله تعالى عذاب النار.

стр. 1149

* ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أنه ينبغي أن ندعو لميتنا بهذا الدعاء، الدليل: فعل النبي ﷺ . ثانيًا: أن كل واحد محتاج إلى الدعاء حتى الصحابة، ولهذا دعا النبي ﷺ لهذا الرجل. ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ لا يملك النفع لأحد، وجهه: لو كان يملك ما دعا. ومن فوائد الحديث: إثبات نعيم القبر من قوله: "وأكرم نزله ووسع مدخله". ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الإنسان ينتقل من الدنيا إلى دار أخرى، فكلاهما دار أبدله دارًا خيرًا من داره، وينتقل أيضًا إلى أهلين آخرين وإلى زوجات أخر، كل هذا مستفاد من قوله: "دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه"، والدُّور أربع: في البطن، في الدنيا، في البرزخ، في الآخرة: إما نار، وإما جنة. ومن وفوائد الحديث: إثبات الجنة؛ لقوله: "وأدخله الجنة" وإثبات النار؛ لقوله: "وعذاب النار". ومن فوائده: إثبات فتنة القبر؛ لقوله: "وقه فتنة القبر"، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿يثبت الله الَّذين ءامنوا بالقول الثَّابت في الحية الدُّنيا وفي الآخرة ويضلُّ الله الظَّالمين ويفعل الله ما يشاء (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧]. فإن هذه تدل أيضًا على فتنة القبر، وفي هذا الحديث إشكال، وهو إذا كان الإنسان لم يتزوج من قبل، هل نقول: أبدله زوجًا خيرًا من زوجه؟ يعني: زوجًا خيرًا من زوجه الذي يتزوجه لو بقي، يعني: هل نأخذ بالعموم؛ لأن هذا الميت الذي مات في عهد الرسول ما ندري هل له زوجة أو لا، فهل نقول بالعموم وننوي زوجًا خيرًا من زوجه- أي: ممن يفترض أن يتزوجه في الدنيا من النساء-؟ يمكن أن نقول: هكذا، وإذا كانت امرأة لها زوج واحد هل نقول: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها؟ ما دمنا نقول: إن الإبدال يكون إبدال أوصاف وإبدال أعيان يمكن أن نقول هذا، بمعنى: أن الله سبحانه بينها وبين زوجها في الجنة، وإذا اجتمعوا في الجنة سيكون أحسن حالًا من الدنيا. ويستفاد من الحديث: الجهر بالدعاء؛ لأن الصحابي سمعه. ويستفاد أيضًا من الحديث: أن الرسول ﷺ لم يقتصر على هذا الدعاء لقوله "من دعائه"، فإما أن يكون لم يسمع إلا هذا، وإما أن يكون نسي ولم يحفظ إلا هذا.

стр. 1150

الدعاء للمسلمين في صلاة الجنازة: ٥٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى على جنازةٍ يقول: اللهمَّ اغفر لحيِّنا وميِّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهمَّ من أحييته منَّا فأحيه على الإسلام، ومن توفَّيته منَّا فتوفَّه على الإيمان، اللهمَّ لا تحرمنا أجره، ولا تضلَّنا بعده". رواه مسلمٌ والأربعة. تقدم لنا أن "كان" تفيد الاستمرار غالبًا لا دائمًا، يقول: "اللهم اغفر لحينا"، الضمير يعود على المسلمين لا على الأمة جميعها؛ لأنه لا يجوز أن يدعى للكافر ولو كان عربيًا، "وميتنا" أي: من مات من قبل، وشاهدنا الحاضر، و"غائبنا" من ليس بحاضر، و"صغيرنا" من لم يبلغ، "وكبيرنا" من بلغ، "وذكرنا وأنثانا" متقابلان، وكان يغني عن ذلك قوله: اللهم اغفر لنا لحينا وميتنا"؛ لأن الحي يشمل الحاضر والغائب، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، ولكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، قال: "ذكرنا وأنثانا"، ولم يذكر صنفًا ثالثًا يذكره العلماء وهو الخنثى المشكل؛ لأن هذا نادر جدًا، وهو إما ذكر أو أنثى أو ذكر وأنثى جميعًا، ثم هو من المسائل النادرة في بني آدم. قال: "اللهم من أحييته"، "من" شرطية، وفعل الشرط "أحييت" وجوابه: "فأحيه"، أي: فاجعله "على الإسلام"، "ومن توفيته" بمعنى: قبضته، والوفاة تطلق على الوفاة التي هي مفارقة الروح للبدن بالموت، وتطلق على الوفاة التي هي مفارقة الروح للبدن بالنوم، قال الله تعالى: ﴿وهو الذَّي يتوفَّاكم بالَّيل﴾ [الأنعام: ٦٠]. وقال : ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والَّتي لم تمت في منامها فيمسك الَّتي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ [الزمر: ٤٢]. ولكن المراد هنا بالوفاة: الموت. وقوله: "على الإيمان" أي: الإيمان في القلب والإسلام في الجوارح؛ لماذا خص الإيمان بحال الموت والإسلام بحال الحياة؟ قال بعض أهل العلم: إنه اختلاف عبارة وتفنن في التعبير، وإلا فالإسلام والإيمان شيء واحد، فيكون معنى قوله: "أحييته على الإسلام" أي: أحييته على الإيمان، "وتوفيته على الإيمان" أي: على الإسلام فهما شيء واحد، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن من تتبع النصوص تبين له أن الإسلام هو الإيمان عند الانفراد كما قال تعالى: ﴿ورضيت

стр. 1151

لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: ٣]. المراد بالإسلام هنا: كل الشرع بظاهره وباطنه، والإيمان عند الانفراد يشمل الإسلام كما نقول: هذا مؤمن، فهو شامل للإيمان والإسلام، وأما عند الاقتران فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر- في الجوارح- ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿- قالت الأعراب ءامنَّا قل لَّم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: ١٤]. وهذا واضح في أن هناك فرقًا بينهما، ويدل لذلك أيضًا حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ عن الإسلام فأحابه، وسأله عن الإيمان فأجابه بما يخالف ما سبق، فدل هذا على أن الإيمان والإسلام شيئان متباينان عند الاقتران، أما إذا انفردا فهما شيء واحد. وأما قوله تعال: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (٣٥) فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين﴾ [الذريات: ٣٥ - ٣٦]. فلا يدل على اتفاق الإسلام والإيمان، بل يدل على افتراقهما؛ لأن البيت كل من داخله مسلمون، ولكن الذين خرجوا ونجواهم المؤمنون؛ لأن البيت يشمل لوطًا وامرأته ومن معه وبناته، امرأته في ظاهر الحال مسلمة ولهذا قال الله تعالى: ﴿ضرب الله مثلًا كفروا امرأت نوحٍ وامرأت لوطٍ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما .... ﴾ [التحريم: ١٠]، وهذا يدل على أنهما كانتا كافرين بدون علم من زوجيهما، إذن هي مسلمة والبيت يقال: بيت إسلام لكن الخروج ما كان إلا لمن كان مؤمنًا فقط، فالآية لا تدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد. إذن لماذا فرق النبي ﷺ في دعاء الميت بين الحياة والموت فقال: "أحيه على الإسلام"، وفي الموت: "توفه على الإيمان؛ لأنه أبلغ، وأيضًا في حال الحياة كون الإنسان جاريًا على الظاهر موافقًا للناس غير مخالف يكفي، لكن إذا نابذهم هذا المشكل، أما في حال الموت فالأمر بخلاف ذلك لأنه قد ولى. ثم قال: "اللهم لا تحرمنا أجره" الأجر: هو الثواب، وسمي أجرًا؛ لأنه في مقابلة عمل، أو أنه سمي أجرًا؛ لأن الله التزم لعبده كالتزام المؤجر للمؤجر بالأجرة؛ ولهذا سمي الله الصدقة قرضًا ففال: ﴿مَّن ذا الَّذي يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. فسماها الله قرضًا؛ لأنها بمنزلة القرض الذي يلتزم وفاؤه، فهنا أجره يعني: الثواب الذي كتب الله- له، ولكن هل المراد أجر عمله؟ لا؛ لأننا لو دعونا الله بألا يحرمنا أجر عمله لكنا في ذلك معتدين؛ لأن أجر عمله لنفسه، إذن الإضافة هنا لأدنى ملابسة، والمراد بأجره: الأجر الذي نكسبه من موته وذلك بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه، وكذلك بالمصيبة به إن كان هذا الميت ممن يصاب به الإنسان، فيكون المراد؛ الأجر الحاصل لنا بما نقوم به على هذا الميت أو بما أصابنا بمصيبته، أما أجره الذي هو عمله فليس لنا فيه حق، حتى نسأل الله ألا يحرمنا أجره.

стр. 1152

"ولا تضلنا بعده"، تسأل الله ألا يضلك بعده سواء كان هذا الميت من أهل العلم الذين يهدون الناس بأمر الله ، أو كان من غير أهل العلم؛ لأنه ربما إذا مات المسلم وهذا المسلم ربما لا يبقى في الناس إلا ضالة يضلون بعدهم فتسأل الله ألا يضلك بعد هذا الميت. نرجع إلى الفوائد، فيستفاد منه: أولًا: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء للميت؛ وهل يبدأ به قبل الدعاء الخاص أو يقدمه على الدعاء الخاص؟ نقول: الأمر في هذا واسع، إن قدّمه على الدعاء الخاص فيه مناسبة، وهي أن يبدأ بالدعاء العام الذي يشمل الميت وغيره ثم يأتي بالدعاء الخاص، والبداءة بالعام ثم الخاص موجدة في القرآن بكثرة منها ما مر علينا في التفسير قبل ليال: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ لأن هذه الصلاة ما أقيمت إلا على هذا الميت فكان البداءة بحقه أولى. ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه ينبغي البسط في الدعاء لما في البسط من فوائد سبقت الإشارة إليها، نعيدها لن لم يسمع: منها: زيادة الأجر؛ لأن الدعاء عبادة، فكلما زاد الإنسان في الدعاء زاد أجره. ثانيًا: الإلحاح في الدعاء، والله يحب الملحين في الدعاء. ثالثًا: قد يبدو للداعي أشياء ما تخطر عليه لكنها تظهر له عند البسط في الدعاء، أن فيه زيادة ذل وخضوع لله وهذا لا شك أنه يكسب العبد زيادة في الإيمان، المناجاة مع محبوبه، فكل محبوب يفرح بطول المناجاة معه، والدعاء مناجاة مع الله وكلما ازددت دعاء ازددت محبة لله بمعنى: أن الإنسان بالتكرار قد يزداد خشوعًا لله . ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا، بدليل أنه دعا ولو كان يملك لقال: قد غفرت لحينا وميتنا، ولم يقل: "اللهم اغفر لحينا وميتنا". ومن فوائد الحديث: ما يتضمنه الدعاء من شعور الإنسان بعلم الله وقدرته وكرمه، والشعور بالعلم؛ لأنك لا يمكن أن تدعو من لا يعلم، وقدرته لا تدعو من لا يقدر، وكرمه لا تدعو من لا يعطي ويتفضل، فالإنسان الداعي يشعر بذلك ولا شك، وهل هذا يكون دليلًا على إثبات السمع؟ نعم؛ لأن الله تعالى إذا لم يسمع كيف يجيب. ومن فوائد الحديث: الفرق بين الإسلام والإيمان؛ لقوله: "من أحييته .... إلخ". وقد يقلب الإنسان الدليل عليك ويقول: هذا دليل على أنه لا فرق بين الإسلام والإيمان، ولكن الرسول ذكر هذا من باب التفنن وأن الوفاة على الإيمان هي الوفاة على الإسلام. ولكننا نجيب عن ذلك: بأن حال الإنسان عند الموت لا يناسبها إلا الإيمان؛ لأنه أكمل؛

стр. 1153

ولأن الإنسان حال الموت قد لا يتمكن من فعل ما يعتبر إسلامًا، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فدل ذلك على الفرق، والفرق بينهما مشروط بما إذا اجتمعنا، أما إذا ذكر كل واحد على حدة دخل كل واحد منهما في الثاني. ومن فوائد الحديث: أن للإنسان أجرًا في الصلاة على الميت وتجهيزه والصبر على مصيبته، لقوله: "اللهم لا تحرمنا أجره". ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الإنسان إذا كان حيًّا لا تؤمن عليه الفتنة، لقوله؛ "ولا تضلنا بعده"، وتأمل كلمة "بعده" حيث تشعر بأن الإنسان ما دام حيًّا، فإنه لا تؤمن عليه الفتنة، وكم من إنسان يرى نفسه أنه في خير ولكنه قد يصاب من حيث لا يشعر، ولا سيما إذا كانت عبادته لله ليست متمكنة كما قال تعالى: ﴿ومن النَّاس من يعبد الله على حرفٍ فإن أصابه خيرٌ طمأنَّ به﴾ إذا لم يأته شيء يكدر عليه واطمأن به، ﴿وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدُّنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١]. والفتنة التي قد تصيب الإنسان ضعيف العبادة إما شبهة، وإما شهوة، يلتبس عليه العلم فيضل ويبقى حيران، وإما شهوة، والشهوة: قد تكون محاولة لنيل المحبوب أو لدفع المكروه، قد يرتد الإنسان إذا أصيب بمصيبة، قد يصاب الإنسان مثلًا بفقد ابنه أو ابيه أو أخيه أو أحد عزيز عليه فتؤثر هذه المصيبة في قلبه حتى يرتد- والعياذ ابلله- لفوات محبوبه، وقد تكون الفتنة طلب محبوب لا فوات محبوب، يفتن الإنيان إما بالتكاثر في الدنيا وإما بشهوة الفرج وإما بغير ذلك فيضل؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يكون حذرًا من كل شيء وألا يعتمد على ما في قلبه، فإن الرسول ﷺ قال في الدجال: "من سمع به فلينأ عنه، فإن الإنسان قد يأتي إليه وهو مؤمن فلا يزال به حتى يتبعه بما يبعث في قلبه من الشبهات"، فالمهم: أنك كن دائمًا مراقبًا لقلبك، ولا تعتمد على مجرد ما تفعله من عبادات، العبادات صحيح أنها بمنزلة السقي للقلب، لكن تحتاج إلى صيانة. الإخلاص في الدعاء للميت: ٥٤١ - وعنه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا صلَّيتم على الميِّت فأخلصوا له الدُّعاء". رواه أبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان. يعني: أن الرسول أمرنا أن نخلص الدعاء للميت، وإخلاص الدعاء قد يكون بالتعيين، وقد يكون بالصفة، بالتعيين بمعنى: أن أدعو له وحده، ويفسّره حديث عوف بن مالك؛ لأن إخلاص الشيء معناه: توحيده وتنقيته وإزالة ما يشوبه كما تقول: الإخلاص لله : "فأخلصوا

стр. 1154

له الدعاء" أي: اجعلوه خاصًّا به، فهو مرادف لقولنا: خصصوه بالدعاء؛ لأن الصلاة إنما أقيمت من أجله، فيكون هو أحق الناس بالدعاء فيها، ويمكن أن يكون الإخلاص بمعنى: الإخلاص لله وأن يكون الإنسان في دعوته صادقًا حاضر القلب، فهناك فرق بين دعاء الإنسان المخلص وبين دعاء الغافل اللاهي، وهل يمكن أن يراد الأمران؟ نعم، وبناء على ذلك نستفيد من هذا الحديث أنه لابد أن يخصص الميت بالدعاء، وأن الدعاء العام لا يكفي، ولهذا ذكر العلماء من أركان صلاة الجنازة: أدنى دعاء للميت، وقوله ﷺ : "أخلصوا له الدعاء"، الدعاء: اسم مطلق يشمل أي دعاء كان حتى لو دعوت له مرة واحدة، لو قلت: "اللهم اغفر له" لكفى، وعلى هذا فيمكن أن تقتصر في صلاة الجنازة على التكبيرات الأربع والفاتحة واللهم صلِّ على محمد فقط واللهم اغفر له وتسلِّم، ثم قال: استحباب الإسراع بالجنازة: ٥٤٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحةً فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم". متَّفقٌ عليه. قوله- ﵊: "وأسرعوا بالجنازة"، الإسراع بها يتناول الإسراع في تجهيزها والإسراع في حملها ودفنها، وظاهر الإسراع في حملها من قوله: "إن تك صالحة .... إلخ"؛ لأن الذي يكون على الرقاب هو الحمل، ولكن مر علينا أنه إذا جاءنا لفظ عام ثم فرّع على هذا اللفظ العام حكم خاص فإنه يشمل العام والخاص، ويكون ذكر هذا الحكم المرتب من باب التمثيل مثل: "قضى النبي ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". فقوله: بالشُّفعة في كل ما لم يقسم" عام، "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق"، هذا خاص بالأرض؛ لأن الأرض هي التي يكون فيها الحدود وفيها الطرق، لكن في كل ما لم يقسم يشمل حتى السيارة إذا كانت بين شخصين فباع أحدهما نصيبه منها على ثالث فإن للشريك الأول أن يشفِّع، وهذا القول هو الصحيح، وإن كان المشهور من المذهب أنه لا يشفع إلا في الأراضي، لكن الصحيح أنه عام، ومر علينا أيضًا قول بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿والمطلَّقات يتربصن .... ﴾ إلَّى قوله: ﴿وبعولتهن أحقُّ بردهنَّ في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فإن بعض أهل العلم يقول: ﴿والمطلَّقات﴾ يشمل المطلقة ثلاثًا ومن لها رجعة، وقوله: ﴿وبعولتهنَّ﴾ لمن لها رجعة، ولكن هناك آخر أن: ﴿وبعولتهنَّ﴾ عام حتى فيمن

стр. 1155

طلقت ثلاثًا، وهذا قبل أن يحدد الطلاق بالثلاث، وقد أشرنا إليه فيما سبق، لشاهد أن قوله: "أسرعوا بالجنازة" عام يشمل الإسراع في تجهيزها وفي حملها وفي دفنها، كلما أسرعنا فهو أولى؛ لأن الجنازة إن كانت صالحة فإن روح الميت تقول: "قدموني قدموني"، وإن كانت غير صالحة فلا خير في جثة غير صالحة أن تبقى عند أهلها. وقوله ﷺ : "أسرعوا"، الإسراع معروف وهو المشي بسرعة، إلا أن أهل العلم يقولون: بشرط ألا يشق ذلك على المشيعين، وألا يخشى منه تفسخ الميت أو خروج شيء منه مع الخضخضة، فإن خيف تفسخه- كما لو كان الميت حريقًا وخيف من الإسراع به أن يتمزق- فإنه لا يسرع به، أو خيف أن يخرج منه شيء لكونه مصابًا بالبطن، وأنه مع الخضخضة ربما يخرج شيء فإنه لا يسرع به الإسراع الذي يخشى منه ذلك، وإلا فالأفضل أن يسرع، كذلك لو كان يشق على الناس بأن حمله شباب أقوياء صاروا يطيرون به والآخرون يشق عليهم ومتابعتهم فإن هذا أيضًا ليس مقصود الشارع؛ ولهذا قال الرسول ﷺ في الماشي يكون أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها، وهذا يدل على ألا يكون الإسراع إسراعًا شديدًا يشق على الناس. وقوله: "فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه"، نعم إذا كانت صالحة فإنكم تقدمونها إلى خير؛ لأنكم تقدمونها إلى الجنة، فإن أول مراحل نعيمه هو قبره، فإذا قدمته إلى هذا القبر فقد قدمته إلى خير من الدنيا وما فيها، ولهذا قال: "فخير تقدمونها إلى"، وقال: "وإن تك سوى ذلك"، ولم يقل: وإن تك طالحة، وهذا من حسن التعبير. قال: "سوى ذلك" كراهة أن يقول: طالحة، أو سيئة، أو ما أشبه ذلك، وهذا كما قلت: من حسن تعبير الرسول ﷺ . "فشر تضعونه عن رقابكم" ولم يقل: فشر تقدمونها إليه؛ لأنه لا ينبغي لنا أن نقدم أخانا المسلم إلى شر، لكنه قال: شر تتخلصون منه، وهذا صحيح، أي: أن الإنسان يؤمر أن يتخلص من الشر، وهذا أيضًا من بلاغة الرسول ﷺ في لفظه قال: "فشر تضعونه عن رقابكم"، ما إعراب قوله: "فخير تقدمونها إليه" "فخير": خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فذلك خير، وعلى كونها خبرًا لمبتدأ محذوف تكون الجملة "تقدمونها إليه" صفة لخير، وعلى أن "خير" مبتدأ تكون الجملة خبر المبتدأ، وكذلك نقول: "فشر تضعونه عن رقابكم" إما أن تكون مبتدأ خبرها "تضعونه"، أو خبلا لمبتدأ محذوف؛ أي: فذلك شر تضعونه عن رقابكم. يستفاد من هذا الحديث: أولًا: كمال نصح الرسول ﷺ للأمة، وذلك من قوله: "أسرعوا بالجنازة"، ثم ذكر العلة، ومن هذا المنطلق نعرف أن ما جاء به من أسماء الله وصفاته فهو مبنى على كمال العلم وكمال النصح، فليس فيه ألغاز، وليس فيه أحاج، وليس فيه تضليل للناس، فإذا قال: "إن الله يفرح بتوبة عبده؛ يعني: أشد من فرح الإنسان ببعيره التي ضلت ثم وجدها"، هل نقول: إن الرسول ﷺ لم يرد الفرح؟ لا، لو كان المراد سوى الفرح لبينه الرسول ﷺ ؛ لأنه

стр. 1156

ناصح، لا يكلم الناس بكلام وهو يريد غيره بدون بيان أبدًا، وكذلك في كل الصفات، وبهذا نرد على أهل التحريف الذين اتخذوا لأنفسهم اسمًا وهو أهل التأويل، ولكنهم في الحقيقة أهل التحريف، الرسول ﷺ لا يتكلم بكلام وهو يريد خلافه أبدًا إلا بينه. ويستفاد من الحديث: مشروعية الإسراع بالجنازة لقوله: "أسرعوا بالجنازة". ويستفاد منه: حكمة الرسول ﷺ بقرن الأحكام بعللها لقوله: "فإن تك"، "وإن تك"، كل هذا لنعرف العلة في الأمر بالإسراع. ويستفاد منه: إثبات عذاب القبر ونعيم القبر يؤخذ من قوله: "تقدمونها إليه"، و"شر تضعونه". ويستفاد من الحديث: أن من المسلمين من هو صالح، ومنهم من سوى ذلك، وجهه: انه قسّم من يصلى عليه، وغير المسلم لا يصلى عليه، وهذا كقوله تعالى عن الجن: ﴿وأنَّا منَّا الصَّالحون ومنَّا دون ذلك﴾ [الجن: ١١]. وهؤلاء الذين دون ذلك مسلمون لما أرادوا أن يقسموا أنفسهم إلى مسلمين وغير مسلمين قالوا: ﴿وأنَّا منَّا المسلمون ومنَّا القسطون فمن أسلم .... ﴾ [الجن: ١٤] الآية. فالجن قسموا إلى مسلم وكافر، وقسموا المسلم إلى صالح ودون ذلك، وهذا نظير هذا التقسيم في كلام الرسول ﷺ . فضل اتباع الجنائز والصلاة عليها: ٥٤٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة حتَّى يصلَّى عليها فله قيراطٌ، ومن شهدها حتَّى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين". متَّفقٌ عليه. - ولمسلم: "حتَّى توضع في اللَّحد". - وللبخاريِّ أيضًا من حديث أبي هريرة: "من تبع جنازة مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتَّى يصلَّى عليها ويفرغ من دفنها؛ فإنَّه يرجع بقيراطين، كلُّ قيراط مثل جبل أحدٍ". قوله: "من شهد" بمعنى: حضر، ومنه قوله- فيما سبق-: "وشاهدنا وغائبنا"، إن الشاهد بمعنى: الحاضر. وقوله: "حتى يصلى عليها" "حتى" للغاية وليست للتعليل، وقد سبق لنا أن حتى تأتي للغاية وتأتي للتعليل فهنا للغاية، وفي قوله تعالى: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتَّى ينفضوا﴾ [المنافقون: ٧]. هذه للتعليل أي: لينفضوا.

стр. 1157

وقوله: "فله قيراط" هذه جواب الشرط، "ومن شهدها حتى تدفن". قوله: "حتى" للغاية أيضًا، و"تدفن" فيها- كما ترون- ثلاث روايات: تدفن، وتوضع في اللحد، ويفرغ من دفنها، فوضعها في اللحد وإن لم تدفن، وتدفن وإن لم يفرغ، ويفرغ من دفنها هو الغاية، فأي هذه الثلاثة الألفاظ الشامل للمعنيين الآخرين؟ حتى يفرغ من دفنها، وعلى هذا فيكون هو المعتمد، وهذا هو سر إتيان المؤلف به. وقوله: "قيراط" القيراط في حساب الفرائض: جزء من أربعة وعشرين جزءًا أو جزء من عشرين جزءًا على اصطلاحين عند أهل الفرائض، قد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم وقال: المراد: جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أجر أهل الميت الذين أصيبوا به، ولكن هذا القول ضعيف بل هو قول باطل؛ أولًا: أن كون القيراط جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا اصطلاح حادث، ولا يمكن أن تنزل ألفاظ الكتاب والسنة على الاصطلاحات الحادثة؛ لأننا لو نزلناها على الاصطلاحات الحادثة لمنعنا دلالتها عن أهل العصر الذين نزلت في عصرهم وصارت عندهم بمنزلة حروف المعجم التي ليس لها معنى، وصار المعنى إنما يستفاد في عصر متأخر، وهكذا نقول في كل من حمل ألفاظ الشرع على الاصطلاحات الحادثة؛ فإننا نقول له إذا قلت بذلك فإنك قد سلبت دلالة القرآن عن أهل العصر الذين نزل في عصرهم وكان الأحرى أن يكون بالعكس، يعني: لو فرض أن القرآن ما هو صالح إلا لعصر واحد لكانت صلاحيته لعصر من كان في عصرهم أولى، والوجه الثاني مما يبطل هذا المعنى: أن الرسول ﷺ فسرها هو بنفسه لما سئل: ما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين"، ولا يمكن أن يفسر كلام أحد بخلاف ما فسره هو به، فعلى هذا نقول: إن القول بأنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا باطل من وجهين. قوله: "من شهدها حتى يصلى عليها" واضح أن هناك شهودًا للجنازة قبل الصلاة عليها، فمن الناس من سيأتي منذ خروجها من بينها حتى يصلى عليها، أو من وجوده منتظرًا لها حتى يصلى عليها؛ لأن الغاية لابد أن يكون قبلها شيء مغيًا وإلا لما صحت؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل لابد أن يصاحب الجنازة من بيتها أو يكفي إذا صلى عليها وإن لم يعلم بها إلا حين قدمت في مكان الصلاة؟ فمن العلماء من قال: لابد من أن نأخذ بظاهر الحديث ونقول: من مشى معها من البيت حتى يصلى عليها أو جاء إلى المسجد منتظرًا حتى يصلى عليها، وأما من لم يكن كذلك فلا يحصل له الأجر؛ لأنه لو كان الأجر يحصل بالصلاة لقال الرسول ﷺ : من صلى على جنازة؛ لأن شهودها من بيته إلى أن يصلى عليها أكثر عملًا، ولا يمكن أن يساوي الأكثر عملًا ما كان دونه، وعلى هذا فمن صلى فقط فله أجر معلوم عند الله، ولا يلزم أن يكون هو هذا الأجر المقدم، وقال بعض أهل العلم: بل المقصود: الصلاة، وقول الرسول ﷺ : "من

стр. 1158

شهدها حتى يصلى عليها"؛ لأنه ربما يشهدها في حملها وتجهيزها ثم لا ينتظر الصلاة، فيكون المقصود هو الصلاة، وإنما ذكر ما قبلها؛ لأنه وسيلة إليها، ولكن مع ذلك لا يستوي الأجران: أجر من مشى معها من بيتها أو جاء منتظرًا لها حتى حضرت، وأجر من صلى عليها مصادقة بدون أن يكون مستعدًا لها. وقوله: "حتى تدفن" عرفتم الروايات فيها: "حتى توضع في اللحد، أو حتى يفرغ من دفنها) ٩، وقلنا: نعتمد حتى يفرغ من دفنها؛ لأنه تجتمع فيه كل الروايات الثلاث، فإنه إذا فرغ من دفنها فقط شهدها حتى وضعت في اللحد وحتى دفن الميت ولكن لم يتم. قوله: "قيل: وما القيراطان؟ " القائل هو: أبو هريرة كما ورد ذلك في بعض الألفاظ، ثم إنه لا يعنينا أن نعرف عين القائل؛ لن المهم الحكم، ولهذا دائمًا يحذف الفاعل أو يبهم صاحب القصة لكنه ليس هو المقصود، المقصود: معرفة الحكم. وقوله: "مثل الجبلين العظيمين" في بعض الألفاظ: "أصغرهما مثل أحد"، وفي لفظ البخاري الثاني: "كل قيراط مثل جبل أحد"، وعلى هذا فيكون أحد جبلًا عظيمًا؛ لأنه كبير. وعلى هذا يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: الترغيب في شهود الجنازة لإدراك هذا الأجر العظيم؛ ولهذا لما ذكر ذلك لعبد الله بن عمر قال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة"، ثم صار لا تفوته جنازة إلا خرج معها. ويستفاد من الحديث: أن هذا الأجر مرتب على الصلاة، ولكننا لا نجرم بذلك إلا لمن شهدها حتى يصلى عليها، وأما من أدرك الصلاة فقط فالله أعلم، لكن نرجو أن يكون كذلك. ومن فوائد الحديث: اختلاف الأجر باختلاف العمل، وجهه: أنه جعل من شهدها حتى يصلى عليها له قيراط واحد، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان اثنان، وهذا من كمال العدل. ويستفاد من هذا الحديث: أن القيراطين لا يحصلان إلا لمن شهد الصلاة والدفن، يؤخذ من قوله: "ومن شهدها حتى تدفن"؛ لأنه من المعلوم أن الصلاة سابقة على الدفن، فإن شهد الدفن دون الصلاة مثل: أن يمر رجل بأناس في المقبرة يدفنون ميتًا فحضر وشاركهم في الدفن، هل يحصل له أجرًا؟ الحديث فيه دليل على أنه يحصل له قيراط إلا إذا انضمت إليه الصلاة ولا يلزم حصول الأجر بانضمام شيء إلى آخر أن يحصل به منفردًا، إن صلى عليها في المقبرة يكون أدركهم قبل الدفن فصلى عليها وبقي حتى يدفن هذا يرجع له ذلك، بناء على ما سبق من أنه لابد أن يشهدها قبل الصلاة حتى يصلى عليها أو يكفي حصول الصلاة.

стр. 1159

ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة- ﵃ على العمل لسؤالهم عن هذين القيراطين. ومن فوائد الحديث: الرد على أهل التفويض، من هم أهل التفويض؟ أهل التفويض: هم الذين يقولون: إن نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته ليس لها معنى معلوم عندنا، وإنما الواجب علينا أن نفوض علمها إلى الله، ما وجه الرد؟ ذلك أن الصحابة لما جهلوا اللفظ في هذه المسألة الجزئية استفسروا عنه، فلو كانت نصوص الكتاب والسنة غير مفهومة في أسماء الله وصفاته هل يدعها الصحابة بدون استفهام مع أنها زبدة الرسالة، فلما لم يستفهموا عنها علم أن معناها معلوم عندهم وهذا هو الواقع، لأن الله قال للرسول ﷺ : ﴿وأنزلنا إليك الّكر لتبين للنَّاس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكَّرون﴾ [النحل: ٤٤]. أي إنسان يقول: في القرآن شيء ما بين فقد قدح في مدلول هذه الآية؛ لأن معنى قوله هذا: أن الرسول لم يبين. فعلى هذا نقول: في هذا الحديث رد على أهل التفويض، وقد علمتم ما نقلناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية من أن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، مع أن بعض الجهَّال الآن يظنون أن هذا هو مذهب السلف، ولهذا يقولون عبارتهم- الكاذبة من وجه والصادقة من وجه- يقولون: "طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم"؛ لأن السلف عندهم بمنزلة الأميين الذين يقولون: ما ندري: فالذي يقول: ما أدري عما لا يدري فهو سالم بلا شك، ومع ذلك يقولون: طريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذا تناقض بيّن؛ لن مبنى السلامة الحقيقية على العلم والحكمة، فيلزم من كون طريقة الخلف أعلم وأحكم أن تكون أسلم، أو نقول: يلزم من كون طريقة السلف أسلم أن تكون أعلم وأحكم، ولذلك هذه العبارة وإن قالها من قالها من العلماء الأجلاء فهي في الحقيقة مردودة على قائلها، وطريقة السلف- بلا شك- أسلم وأعلم وأحكم، أهل التفويض شيخ الإسلام ﵀ يقول: إن قولهم شر أقوال أهل البدع؛ لأن قولهم يستلزم أن الرسول ﷺ لم يبين الحق في أسماء الله وصفاته، بل إن الله ما بين الحق في أسمائه وصفاته، وهذا شر، يستلزم شيئًا آخر استطال أهل التخييل من الفلاسفة وغيرهم على أهل السنة زعموا أنهم ممثِّلة وقالوا: إذا كنتم لا تعلمون معاني الكتاب والسنة فاذهبوا نحن نعلمها، فالنبوات والمعاد والإله لا حقيقة له، إنما هو تخييل قام به عباقرة الإنسانية حتى يسنوا للناس طرقًا فيمشوا عليها بسبب هذا البعبع، يعني: الذي يخوفون به الصبيان، هم يقولون: جاء عباقرة من بني آدم وسنوا لهم طرقًا يعبرون عنها بالإصلاح أو التهديد، لكنهم يقولون: هناك رب، وهناك جنة ونار، والذي لا يطيعنا يدخله هذا الرب النار،

стр. 1160

والذي يوافقنا يدخله الرب الجنة، وإلا فإن الحقيقة لا يوجد شيء، يقولون: كل هذا القرآن والسنة المقصود به: التخويف والتقويم، وأنتم لا تدرون ما معناهما؟ فنحن أعلم منكم. المهم: أن أهل التفويض قولهم باطل لا شك، وهذا الحديث مما يبطل قولهم. ومن فوائد الحديث: تفسير المعقول، أو إن شئت فقل: تفسير الموعود بالموجود، يؤخذ من قوله: "كالجبلين العظيمين"؛ لأن الجبلين مشهودان، والقيراطان موعودان، فيفسر الموعود الذي لا يرى بالمشهود الذي يرى: ﴿وتلك الأمثل نضربها للنَّاس وما يعقلها إلَّا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣]. قوله: "وللبخاري أيضًا"، كلمة "أيضًا" هذه تكرر كثيرًا في كلام الناس، وهي مصدر آضى يئيض أيضًا كباع يبيع بيعًا، ومال يميل ميلًا، وما معناها؟ معنى "آضى" أي: رجع، فعلى هذا يكون "أيضًا" يعني: رجوعًا على ما سبق، لكنها محذوفة العامل وجوبًا، مثل: "سبحان" ما يذكر معها عاملها، هذه أيضًا لا يذكر معها عاملها، فهي إذن إعرابها منصوبة على أنها مفعول مطلق عاملة محذوف وجوبًا، ومعناه: رجوعًا يعني: على ما سبق. قوله: "من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا"، وعلى هذا فلا يكون من تبع جنازة الكافر لا يكون له مثل الأجر، بل لابد من أن يكون المتبوع مسلمًا، وهذا الحديث مقيد للحديث السابق: "من تبع الجنازة حتى يصلى عليها" مقيد له على أننا قلنا: إن الأول فيه ما يدل على أن المراد بها جنازة المسلم من قوله: "حتى يصلى عليها"، والكافر لا يصلى عليه، إذن فهو عام أريد به الخصوص، وخص من قوله: "حتى يصلى عليه". وقوله: "إيمانًا واحتسابًا" أي: إيمانًا بما عند الله- من الأجر، أو إيمانًا بما جاء به الشرع من الحث على اتباع الجنائز؟ الثاني، "واحتسابًا" يعني: انتظارًا وحسبانًا للأجر على الله- ، فالاحتساب بمعنى: أنه يحتسب بهذا العمل الأجر عند الله، وهذا يدل على إيمانه بالجزاء، وأما "إيمانًا" فهو الإيمان بأن هذا من الأمور المشروعة التي حث عليها الشرع. قال: "وكان معها حتى يصلى عليها"، هذا القول مشعر بأنه كان متبعًا لها من بيتها، "ويفرغ من دفنها"، وهنا نقول: إننا نأخذ بهذا؛ لن الحديث الذي سبق فيه لفظان: "حتى تدفن"، "حتى توضع في اللحد"، و"حتى يفرغ" يشمل الجميع. وقوله: "فإنه يرجع بقيراطين" يرجع من المقبرة يعني: مصطلحبًا لقيراطين، الباء هنا للمصاحبة، وقوله: "كل قيراط مثل جبل أحد" يدل على عظم هذين القيراطين، ويبطل قول من يقول: إنهما جزآن من أربعة وعشرين جزءًا من أجر المصاب، فإن هذا لا وجه له بعد تفسير الرسول ﷺ .
следующие страницы →