← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ليس في استطاعة الرسول ﷺ أن يدركه فإنه حجة، وهذه اتخذوها حجة لكن كثيرا من العلماء ﵏ إذا احتج عليه أحد بكون هذا الشيء فعل في عهد الرسول: قال: من يقول: إن الرسول علم به فأقره. نقول: نحن نوافقك على هذا وإننا لا نجزم بأن الرسول ﷺ علم به فأقره إلا بدليل، لكن هب أن الرسول لم يعلمه فإن الله قد علم به، ولا يمكن أن يقر الله العباد على خطأ، ولهذا لما بيت المنافقون ما بيتوا فضحهم الله فقال: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾ [النساء: ١٠٨]. فهم لا يعلم بهم الرسول ﵊ لكن علم بهم الله. وعلى هذا فنقول: كل ما فعل في عهد الرسول ﵊ ولم ينكره الله فهو حجة؛ لأننا نعلم أن الله لا يقر العباد على ضلال وخطأ، لكن في قضيتنا هذه هل الغالب أن الرسول علم بأن اللعاب يسيل على كتفه أو لا؟ الغالب أنه علم لا شك. فإذا قال قائل: هب أنه لم يعلم، وأن الله سكت عن ذلك، وهذا على الفرض الذي لا يمكن أن يقع فإن الأصل هو الطهارة، وليس بنا حاجة إلى أن نأتي بدليل إيجابي يدل على الطهارة، طهارة ريق البعير؛ لأن الأصل الطهارة لكنه لا شك أنه إذا جاء الدليل مقررا لأصل - كان ذلك أبلغ في الحجة، وهل نقيس على هذا، ونقول: كل حيوان حلال فريقه طاهر؟ الجواب: نعم. وعلى هذا فنقول: كل حيوان حلال فإن جميع ما يخرج منه يكون طاهرا ما عدا الدم المسفوح؛ لأن الدم المسفوح بنص القرآن أنه رجس لكن غير ذلك طاهر، البعر طاهر، والبول طاهر، والريح طاهر، والمخاط طاهر، أي: أن كل حيوان مباح الأكل فإن ما يخرج منه من فضلات تعد طاهرة ما عدا الدم لوجود الدليل فيه. لأي مناسبة ساق المؤلف هذا الحديث؟ لأن الباب هنا باب إزالة النجاسة وبيانها، فأراد ﵀ بسياق هذا الحديث أن لعاب الإبل ليس بنجس. ثم قال: طهارة المني: ٢٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل. متفق عليه. - ولمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا، فيصلي فيه".

стр. 107

- وفي لفظ له: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه". هذا الحديث فيه بيان حكم المني، والمني: هو الماء الدافق الذي يخرج من الإنسان بشهوة، فلابد أن يكون دافقا حتى يصلح عليه أنه مني صحة وليس من مرض؛ لأن المني قد يخرج من مرض، لكن الكلام هنا على المني الذي يخرج من الصحة، وهذا لا يكون إلا دافقا لقول الله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق﴾ [الطارق: ٥، ٦]. هذا الحديث تقول عائشة: إن الرسول يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل، يعني: أنه يصلي فيه ﵊ وهو لا يزال رطبا لم ييبس من غسله. ذكر المني قد يوجب لنا أن نذكر ما يخرج من الذكر. الذي يخرج من الذكر أربعة أنواع: المني، والمذي، والبول، والودي. أربعة أشياء كلها مختلفة، إلا الودي مع البول. المني سيتبين لنا إن شاء الله من الحديث أنه طاهر موجب للغسل، المذي بين الطهارة والنجاسة ليس من النجاسات الثقيلة ولا من الطاهرة، وهو أيضا سبب الشهوة، لكنه لما كان لا يخرج حين اشتدادها وقوتها وإنما يخرج عند تذكر أو رؤية المرأة أو أشبه ذلك، ويخرج من دون أن يحس به الإنسان ولا يدري عنه إلا برطوبته، هذا بين بين جعله الشارع بين المني والبول، فهو يوجب غسل الذكر والأنثيين وإن لم يصيبها، ويوجب أيضا أن ينضح ما أصابه نضحا بحيث يغمر بالماء دون أن يتقاطر منه، ودون أن يعصر، ويفرق عن البول والودي لأن حكمهما واحد، كلاهما نجس، وكلاهما يغسل غسلا تاما بحيث يصب عليه الماء حتى يتقاطر ويفرك ويعصر. تقول ﵂: "كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل" متفق عليه. قولها: "يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب"؛ أي: الثوب الذي فيه المني وغسله منه، وقولها: "وأنا أنظر" يحتمل أن تكون الجملة حالية؛ يعني: يخرج وأنا أنظر إليه أتبعه بصري، ويحتمل أنها استئنافية بمعنى: أنه يخرج خروجا غير مقيد بكونها تنظر إليه بل أنا أنظر إليه حين خروجه أو قبل خروجه، وعلى هذا فالحكم لا يختلف، وفي رواية لمسل: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا فيصلي فيه". الفرك: هو الدلك إما بالأصابع أو مع الراحة أو ما أشبه ذلك، وقولها ﵂: "فركا" من باب التوكيد فهو مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد قال العلماء: إن فائدته نفي احتمال المجاز مع التوكيد، فقوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤].

стр. 108

﴿تكليما﴾: هذه مصدر مؤكد وفائدته نفي احتمال المجاز، يعني: على القول بأن المجاز واقع في القرآن، والصواب أنه ليس بواقع، وقولها: "فيصلي فيه" يعني: من غير غسل بل بالفرك، وفي لفظ: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه". وهذه طريقة أخرى بدل الفرك تحكه بظفرها، وهذا فيما إذا بقي له جرم تحكه بظفرها حتى تزول عينه بألا يرى، ومثل هذا قد يكون فيه شيء من الحياء والخجل إذا رؤي أثر المني على ثوب الإنسان. أسئلة: - ما الذي يؤخذ من حديث عمرو بن خارجة بالنسبة للحيوان؟ طهارة لعاب الحيوان المأكول وكل شيء يخرج منه ما عدا الدم المسفوح. - إذا قال قائل: كيف نستدل بحديث عمرو بن خارجة وهو يحكي حكاية لم يذكر أن النبي ﷺ اطلع عليه؟ كل ما وقع في عهد الرسول ﷺ فهو حجة؛ لأنه لو لم يعلم به فقد علم الله. - هل هناك دليل في عمل الصحابة على استدلالهم بإقرار الله تعالى بالشيء؟ نعم، ودليله حديث جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئا لأنكره الله". هل فيه دليل من القرآن على أنه لو كان منكرا لأنكره الله؟ قوله تعالى: ﴿يستخفون من الناس﴾ الآية. فوائد الحديث: في حديث عائشة ﵂ في حكايتها في تقرير المني من فوائده: جواز التصريح بما يستحيا من ذكره عند الحاجة إليه؛ لقولها: "يغسل المني". فإن قال قائل: كيف صرحت بذلك وهو مما يستحيا منه غالبا، ومما يتعلق بالاستمتاع بالنساء، وعلي ﵁ استحيا أن يسأل النبي عن المذي حيث إنه يتعلق بالشهوة لأنه كان زوج ابنته؟ فالجواب عن ذلك أن يقال: إن الناس يختلفون في الحياء؛ فعلي معذور مع أنه ﵁ لم يهمل الأمر، وكل من يسأل عنه، وعائشة معذورة لأنها تريد أن تبين حكما وشرعا. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي إزالة أثر المني، سواء قلنا بطهارته أو بنجاسته. ومن فوائده: أن المني ليس بنجس؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بغسله، فإن قال قائل: ولكنه غسله، فالجواب: أن فعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، الوجوب يكون بالأمر وبعضهم قال: إن الفعل الدائم المستمر يدل على الوجوب وإن لم يأمر به، وهذا ليس من الشيء المستمر؛ لأنه أحيانا إذا يبس يفركه.

стр. 109

ومن فوائد هذا الحديث: أنه يمكن أن يقاس على المني كل ما يستحيا من رؤيته، فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله عن ثوبه فلو كان به أثر دم وإن قلنا بالطهارة؛ أو كان فيه أثر مخاط؛ أي: في الثوب فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله؛ لأن هذا مما يستحيا منه وتتقزز النفوس منه، وبالتالي يكون نفس الذي اتصف به مكروها في طبائع الناس، وإن كان غير مكروه شرعا لكن الناس لا يجبون أن يروا هذا المذى على غيرهم. ومن فوائد الحديث في لفظ مسلم: أن من العشرة بالمعروف أن تخدم المرأة زوجها لقولها ﵂: "لقد كنت أفركه". فإن قال قائل: وهل خدمة الزوجة زوجها أمر واجب عليها؟ فالجواب: أن الله تعالى حكم بهذا حكما عدلا فقال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]. فإذا كان المعروف عند الناس أن المرأة تخدم زوجها وجب عليها أن تقوم بخدمته، وإذا كان المعروف أن الزوجة لا تخدم الزوج وأنها تستخدم الخادم لم يجب عليها أن تخدم الزوج، وإذا كان من المعروف أن تخدمه في شيء، دون شيء فعلى حسب المعروف ما جرت العادة أن تخدمه فيه وجب عليها أن تخدمه، وما لم تجر العادة به لم يجب عليها، كل هذا مأخوذ من كلمتين: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاقتصار على فرك المني إذا كان يلبسا، وأنه لا يجب غسله، ولكن بعض الأشخاص يكون لمنيه أثر وإن فركوه فهل نقول: اغسل الأثر؟ الجواب: نعم، اغسله لئلا يتقزز الناس من رؤيته. ومن فوائد هذا الحديث - أعني: رواية مسلم-: أنه كالصريح في طهارة المني؛ لأن النجس- ولاسيما ما كان له جرم- لا يكفي فيه الفرك؛ إذ إن الثوب يتشرب النجاسة، فالفرك لا يمكن أن يزيل عين النجاسة، وهذا يدل على أن المني طاهر وهو كذلك، بقي أن يقال - وهي مسألة ليست في الحديث-: إذا كانت النجاسة التي لها جرم على شيء أملس كالمرآة فهل يجزئ فيها الفرك إذا أزالها بالكلية؟ الصواب: أنه يجزئ؛ لأن القول الراجح أن النجاسة متى زالت بأي مزيل طهر المحل. ومن فوائد هذا الحديث: زهد النبي ﷺ في الدنيا؛ حيث كان ثوبه الذي يصيبه المني يغسله ويصلي فيه، بمعنى: أنه لا يحتاج إلى ثوب للصلاة، وثوب للفراش، وثوب للبيت وما أشبه ذلك. فهل يقال: إنه لما أنعم الله علينا بالمال ينبغي لأن نعود إلى ذلك، وأن نجعل ثوب النوم هو ثوب الصلاة؟

стр. 110

الجواب: لا، ليس كذلك إذا وسع الله علينا فإن الله "يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". فإن قال قائل: هل هذا المني الذي تفركه عائشة من ثوب الرسول ﵊ هو عن احتلام أو عن جماع؟ الجواب: أنه عن جماع؛ لأن النبي ﷺ لا يحتلم، فإن من خصائصه ﵊ أنه لا يحتلم كما ذكر ذلك أهل العلم. ومن فوائد اللفظ الثاني لمسلم: جواز تأكيد الشيء بأي مؤكد وذلك من قولها: "كنت أحكه يابسا بظفري"، التوكيد هنا هل هو في قولها: "بظفري"، أو في قولها: "يابسا" أو فيهما؟ الجواب: فيهما، لأنه لا يمكن الحك إلا إذا كان يابسا، والحك أيضا لا يكون إلا بالظفر. حكم بول الجارية والغلام والفرق بينهما: ٢٦ - وعن أبي السمح ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام". أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم. ٢٧ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂: أن النبي ﷺ قال في دم الحيض يصيب الثوب: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه". متفق عليه. ٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟ قال: يكفيك الماء، ولا يضرك أثره". أخرجه الترمذي، وسنده ضعيف. قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي السمح ﵁: أبو السمح هذا أحد خدم الرسول ﷺ روى عنه هذا الحديث "يغسل من بول الجارية" أي: الأنثى الصغيرة، "ويرش من بول الغلام" أي: الذكر الصغير.

стр. 111

"يغسل"، يعني: البول، "ويرش" يعني: البول، يعني: إذا أصاب الإنسان بول جارية فإنه يغسل كما تغسل سائر الأبوال إذا أصابه بول غلام فإنه يرش، والمراد بالرش هنا: النضح بحيث يصب عليه الماء، وإن لم يتقاطر ويكفي أدنى شيء. سبب هذا الحديث: أن أبا السمح ﵁ كان يخدم النبي ﷺ فأتاه بالحسن أو الحسين فبال على صدره، فأراد أن يغسله أبو السمح، فقال النبي ﷺ هذا، فيكون هذا الحديث له سبب، والعبرة كما قال العلماء بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا فيكون عاما. فإن قال قائل: ما هو الضابط فيما يغسل وما يرش من بول الغلام؟ قلنا: الضابط ما ثبت في الصحيحين "أن النبي ﷺ أتى بصبي لم يأكل الطعام فبال في حجره فأمر النبي ﷺ بماء فنضحه". فيكون الضابط في هذا ألا يأكل الطعام وليس المراد ألا يطعم شيئا؛ لأن هذا لو قلنا به لكان الصبي في أيامه الأولى يمكن أن يمضغ شيئا، لكن المراد ألا يكون الطعام بدلا من اللبن أو الأكثر، يتغذى بالطعام أكثر مما يتغذى باللبن، أما إذا كان الطعام هو غذاؤه فالأمر واسع. وأما إذا كان هو الأكثر بناء على ما ذكره العلماء ﵏ من تغليب الأكثر على الأقل في كثير من المسائل يغلب فيها الأكثر على الأقل، فمثلا الحيض إذا زاد على خمسة عشر يوما، صار الدم استحاضة وليس حيضا؛ تغليبا للأكثر، الجلالة التي تأكل العذرة قال العلماء: إنها تكون جلالة إذا كان أكثر علفها النجاسة فاعتبروا الأكثر، كذلك هذا الصبي إذا كان أكثر غذائه الطعام حكمنا بأنه يأكل الطعام، وإن شرب لبنا مرة أو مرتين في اليوم فلا ينضح. ففي هذا الحديث دليل على التفريق بين الأنثى والذكر، والفروق بين الأنثى والذكر قدرا وشرعا كثيرة ويمكن - إن شاء الله- أن نكلفكم بإحصائها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، الفرق بين الذكر والأنثى من وجوه كثيرة قدرية وشرعية فهنا فيه الفرق بين بول الذكر وبول الأنثى الصغار، الأنثى يغسل كما تغسل سائر الأبوال، والذكر ينضح، والرش هنا بمعنى النضح حتى يعم سواء تقاطر أم لم يتقاطر، ولا يحتاج إلى عصر أو إلى فرك. فإن قال قائل: ما الفرق بينهما؟ قلنا: الفرق بينهما حكم الله ورسوله، فمتى حكم الله ورسوله بين شيئين متقاربين فالعلة هي حكم الله ورسوله، وهذه العلة مقنعة لكل مؤمن ولا يحتاج بعدها إلى نقاش؛ لأننا نؤمن بأن حكم الله مبني على الحكمة، وإذا كنا مؤمنين بأن حكم الله مبني على الحكمة علمنا أنه لابد أن

стр. 112

يكون هناك حكمة أوجبت التفريق في الحكم، وحينئذ نقتنع ولا يخفى على كثير منكم "أن امرأة سألت عائشة ﵂ ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، وجعلت ذلك هو الحكمة وهو كذلك، لكن بعض العلماء ﵏ التمس لذلك علة وبعض العلماء قال: لا نعلم، فهو أمر تعبدي جاءت به السنة، فعلينا ألا نسأل بل نطبق. ومن الفروق التي ذكرها من فرق أو من ذكر حكمة التفريق نقول: إن الغذاء الذي هو اللبن لطيف خفيف ليس له ثقل كالطعام؛ يعني: ليس له جرم يظهر بل هـ خفيف تشربه المعدة والعروق ويخرج منه الشيء خفيفا، وبناء على ذلك يتلاقى هذا مع حرارة الذكورة وقوة إنضاج الذكر للطعام، فمن هذه القوة وخفة الغذاء يكون البول خفيف النجاسة، ولهذا يوجد فرق بينه وبين بول الجارية في الرائحة مما يدل على صحة هذا التعليل، وأن الخبث الذي يكون في بول الذكر بالنسبة لبول الأنثى أخف. هذه واحدة. ثانيا: قالوا: بول الذكر يخرج من ثقب في أنبوبة، وهذا يقتضي أن ينتشر وأن يتسع ما يصيبه، وإذا انتشر واتسع ما يصيبه صار التحرز منه شديدا؛ لأنه ينتشر فيكون التحرز منه شديدا، بخلاف بول الجارية، فإنه يخرج ثرثرة بدون أن يكون له بروز، فيكون ما يصيب الثوب منه او البدن قليلا، وهذه علة كما تعلمون تمشي على ثلاثة من أربعة. الثالث: يقولون: الذكر مرغوب عند أمه، فتحمله كثيرا بخلاف الجارية، الغالب أن الجارية مسكينة تكون في ركن الزاوية ولا يهتمون بها كثيرا بخلاف الذكر، فإذا كانت تهتم به كثيرا فسوف تحمله كثيرا، ويشق التحرز من بوله بخلاف الجارية، وهذه العلة تمشي على اثنتين من أربع لماذا؟ لأننا نجد كثيرا من الناس - ولاسيما في زمن الصغر- يرقون للبنات أكثر ما يرقون للأولاد، ويكون حملهما للجارية أكثر. على كل حال: أقرب شيء أن العلة الأولى هي المقنعة لكل مؤمن وهي: أن هذا حكم الله ورسوله، ولابد أن يكون هناك حكمة لكننا لا يمكن أن نحيط بكل حكم الله . الثانية: ما ذكرنا من لطافة الغذاء وحرارة البدن، فيجتمع هذا وهذا يكون خفيفا بدليل الفرق في الرائحة، استفدنا من هذا الحديث فوائد: الفائدة الأولى: أن بول الغلام الصغير وبول الجارية الصغيرة نجس؛ لأن كلا منهما عرضة للتطهير منه، لكن الجارية تغسل والغلام نضح أو رش.

стр. 113

ومن فوائد هذا الحديث: أننا فهمنا بذلك حكمة الشريعة وتفريقها في الأمور على حسب ما يقتضيه الحال؛ سواء قلنا: إن هذا الحكم تعبدي أو إنه معلل؛ لأننا نعلم أنه لا يمكن التفريق إلا أن هناك علة مؤثرة. ومن فوائد هذا الحديث: أن العذرة من الغلام ومن الجارية على حد سواء؛ لأن التفريق إنما كان في البول فقط فتبقى العذرة على ما هي عليه. ومن فوائده أيضا: أنه إذا كبر الغلام ووصل إلى حد يتغذى بالطعام أو يكون غذاؤه بالطعام أكثر، فإن حكمه كالبالغ؛ يعني: لابد من غسل بوله. ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بذكر البول "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام"، وكثير من الناس إذا أراد أن يعبر عن البول يقول: أطيرا وهذه لغة عامية قصيمية، يقول صاحب الفروع - وقد كان من أكبر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وأعلمهم بفقهيات شيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان ابن القيم يرجع إليه في فقهيات شيخ الإسلام-، الأولى أن يقول: أبول، ولا يقول: أريق الماء؛ لأن هذا غلط هل البول ماء فكيف يقول ذلك أريق الماء إذا كان ماء فهو يشرب وفي إناء لكن الآن هذا نجس، فقل: أبول كما قال النبي ﵊ "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام". حكم دم الحيض ودم الاستحاضة: - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أم عنها؟ عنهما؛ لأن الصحابي إذا كان أبوه مسلما يقال: ﵂ "أن النبي ﷺ قال في دم الحيض يصيب الثوب" "الحيض": هو دم طبيعة وجبلة يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة سن المحيض واستعدت للحمل، وهو أمر طبيعي، يعني: ليس أمرا حادثا عن الأنثى، بدليل قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ حين وجدها تبكي من الحيض قال: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم منذ خلقهن". وقال ﷺ في الحيض يصيب الثوب، "تحته" يعني: تحت الدم، "ثم تقرصه بالماء"، والقرص: هو الدلك بأطراف الأصابع سواء كان بالماء أو ببل ريقها أو ما أشبه ذلك، "ثم تنضحه" تصب عليه الماء فهذه ثلاث مراتب: الأولى: "الحت ومتى تحتاج إليه؟ إذا يبس. والثانية: قرص بالماء، يعني: تدلكه بين أصبعين هكذا. والثالثة: النضح، والمراد بالنضح هنا: الغسل، ثم قال: "ثم تصلي فيه"، وهذا كأنه - والله

стр. 114

أعلم - النبي ﷺ استفتى في ذلك في المرأة يصيب ثوبها الحيض أتصلي فيه أم لا؟ فقال: هذا وهذا. الحديث من فوائده: أن دم الحيض نجس؛ لأنه لما ذكر تطهيره في المراتب التي سمعتم قال: "ثم تصلي فيه"، فدل على أنه لابد من إزالته قبل الصلاة، وهو يدل على أنه نجس. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يعفى عن اليسير لقوله: "ثم تقرصه بالماء"، وهذا لا يكون غالبا إلا في الشيء القليل، أما في الشيء الكثير فلابد من حته بالراحة، يعني: براحة اليد كلها لكن القليل هو الذي يكون بالقرص، فيكون في هذا الحديث دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره، بقية الدماء القول الراجح فيها أنها ليست بنجسة، يعني: أن الدماء الخارجة من الإنسان ليست بنجسة؛ لأنني - إلى ساعتي هذه- ما وجدت دليلا يدل على النجاسة، وقد تقرر أن الأصل في الأشياء الطهارة إلا بدليل، وذكرنا عند حديث "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت" أن القاعدة ألا يكون نجسا؛ لأن ميتة الآدمي طاهرة، فما انفصل منه في حياته يكون طاهرا، كما لو قطعنا يدل من يديه مثلا أو رجلا من رجليه فهي طاهرة، وإذا قلنا بالنجاسة وهو قول جمهور العلماء، وهو القول الذي لا يعرف أكثر الطلبة إلا إياه، يقولون: إنه يعفى عن يسيره فما هو اليسير؟ هل اليسير ما استسهله كل إنسان بحبسه أو اليسير ما استسهله عامة الناس؟ في هذا قولان لأن للفقهاء. القول الأول: أن اليسير ما استسهله كل إنسان بحسب حاله. والقول الثاني: أن العبرة بعامة الناس ومتوسطي الناس؛ فما رأوه يسيرا فهو يسير، وما رأوه كثيرا فهو كثير. القول الأول له وجهة نظر وعليه مؤاخذة، وجهة النظر: أن الإنسان إذا رأى أن هذا الدم الذي أصابه يسير اطمأن وصلى بطمأنينة ولم يحصل منه قلق، ولا يرى أنه قصر في شيء، فيقال: أنت وربك، ولكن فيه مؤاخذة؛ المؤاخذة: أن الناس يختلفون؛ فمن الناس من يوسوس، النقطة التي كعين الجرادة يرى أنها كثيرة، ومن الناس من يكون متهاونا يرى النقطة التي هي أكبر من العصفور قليلة، وحينئذ يختلف الناس في التقدير فيكون الرجوع لأوساط الناس هو القول المترتب، ولهذا شواهد في الشريعة اللقطة تعرفون أنها إذا كانت يسيرة قليلة فإن الإنسان يملكها بمجرد لقيتها إذا لم يعرف صاحبها. اليسير عند من؟ عند أوساط الناس، فالرجوع إلى أوساط الناس أمر معتبر شرعا، فيرجع في القليل والكثير إلى أوساط الناس، لا نأخذ برأي المتهاون ولا برأي الموسوس، هذا بالنسبة لدم غير الحيض، أما الحيض فالحديث يدل على أن كثره وقليله نجس، وليس لنا خروج عما تقتضيه السنة.

стр. 115

* وبقينا في دم الاستحاضة هل هو نجس أو كسائر الدماء؟ نقول: إن الأقرب أنه نجس؛ لأنه خارج من سبيل، وقد يقول قائل: إنه ليس بنجس؛ لأن النبي ﷺ وصفه بأنه "دم عرق"، ودم العروق إما نجس يعفى عن يسيره، وإما طاهر، وهذا دم عرق فلا يكون نجسا. ثانيا: أن القول الراجح: أن المستحاضة يجوز لزوجها أن يطأها، وإباحة وطئها تقتضي أن يلامس النجاسة ولا يضر. هذا الذي يرجح أنه طاهر. الذي يرجح أنه نجس، نقول: إنه خارج من سبيل وليس دم عرق طاهر حتى نقول إنه كسائر الدماء، وأما كون الزوج يباح له أن يطأها فالمسألة خلافية، من العلماء من يقول: لا يجوز أن يطأها إلا إذا خاف العنت، وحينئذ يكون وطأها هنا ضرورة وسوف يغسل ما أصابه منها، ومنهم من يقول بالجواز مطلقا وهو الراجح، لكن هذا للحاجة كما أن الإنسان يغسل النجاسة للحاجة ويمسها بيده، فهذا كذلك يريد أن يستمتع بزوجته الاستمتاع الذي أباحه الله. والأقرب عندي: أن دم الاستحاضة كدم الحيض؛ يعني: أنه يجب التحرز منه، لكن أبيح للحاجة من جهة الزوج، وأما ما يصيب الثوب منه فلابد من غسله قليلا كان أو كثيرا. من فوائد هذا الحديث: بيان أن الصحابة ﵃ عندهم بساطة في الأمور، المرأة تصلي في الثوب الذي تحيض فيه، والرجل يصلي في الثوب الذي يجامع فيه كما مر علينا من فعل الرسول - صلوات الله وسلامه عليه- وهذا يدل على بساطتهم وسهولة أمرهم وأنهم لا يتكلفون. الآن بعض النساء لها ثوب للصلاة، وثوب لحمل الأولاد، وثوب للبذلة، وثوب للزينة، والرفرف مملوء من الثياب وغالبها أيضا - في العهد الحديث- متروك مهجور؛ لأنها خرجت موضة جديدة ولابد من التغيير، حتى لو كان الثوب من أحسن الثياب تقول: ما نريده، وهذا خطأ لكن نقول: لا قتر ولا سرف. الصحابة ﵃ لم تفتح عليهم الدنيا إلا أخيرا ولو على هذا الوجه، لكن لما أنعم الله علينا فلا بأس أن تتخذ المرأة ثوبا للصلاة، وثوبا للبيت للأولاد، ولا نقول: إن هذا من باب الإسراف - إن شاء الله تعالى-. من فوائد هذا الحديث: أنه يجب إزالة عين النجاسة قبل أن تغسل لقوله: "تحته"؛ لأنك

стр. 116

لو صبيت الماء عليها لغسلها قبل أن تحتها ازداد اتساع النجاسة وصارت قد زادت مع الطين بلة فلذلك نقول: لابد من الحت أولا. وهل يقاس عليها مثلها في النجاسة؟ الجواب: نعم، العذرة مثلا لابد أن تحتها أولا، ثم تغسل المكان، وفي هذا رد لما اشتهر عن بعض الناس أن دم الحيض لا يتجمد، وأن دم الاستحاضة يتجمد، وعللوا ذلك بأن دم الحيض انفجار البويضات في الرحم، ثم يتسرب الدم فتكون قد تجمدت أولا، فإذا خرجت فإنها لا تتجمد، لكن ظاهر هذا الحديث "تحته" يدل على أنه يتجمد فليراجع هذا الموضوع، وكنت بالأول مقتنعا بأن هذا هو الفرق بين دم الاستحاضة، ودم الحيض مع الفروق التي ذكرها الفقهاء، لكن هذا الحديث يمنع الاقتناع بهذا الرأي. ومن فوائد هذا الحديث أيضا: التدرج في إزالة النجاسة لقوله: "ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه". سؤال: - هل قيء الغلام كقيء الجارية؟ نعم، كلاهما طاهر. بقي علينا من فوائد حديث أسماء بعض الفوائد ذكرنا أن من الفوائد: أن قولها: "تحته" يرد على بعض المعاصرين من الأطباء الذين يرون أن دم الحيض لا يتجمد، ولكن قال لي أحد المحاضرين ممن هو عالم بالطب: إنه ليس يتجمد لكن يكون له بقية، بمعنى: أنه ليس كالماء إذا يبس ليس له أثر، فله أثر يمكن أن يحت، وبناء على ذلك يعني هو أكد أن ما قاله الطبيب المعاصر أنه صحيح، يعني: أن دم الحيض لا يتجمد لكن إذا يبس فلابد أن يكون له جسم وليس كالماء إذا يبس، وعلى هذا فلا يكون في الحديث معارضة له؛ لأن ما كان كذلك يمكن أن يحت. ومن فوائد هذا الحديث: أنه عند إزالة النجاسة ينبغي ألا يكثر الصب - صب الماء- لأنه إذا أكثر الصب والنجاسة باقية بعينها يترشش عليه الماء، ثم يلوث لكن يأتي بغسله شيئا فشيئا من أجل ألا يصب عليه الماء الكثير إلا بعد أن تزول عين النجاسة، ولا يبقى إلا الأثر الذي لا يزيله إلا الماء. ومن الفوائد: أن النجاسة لا تزال إلا بالماء لقول: "ثم تقرصه بالماء"، وهذا ما عليه أكثر العلماء أنه لا تزال النجاسة إلا بالماء، ولكن القول الراجح أن النجاسة تزال بكل ما يزيلها من ماء أو حت أو دلك أو غير ذلك، لكن الأحاديث الواردة في الماء إنما كانت كذلك؛ لأن الماء في ذلك الوقت هو أيسر ما يمكن أن تزال به النجاسة. ومن فوائد هذا الحديث أيضا: أن إزالة النجاسة من الثوب الذي يصلي فيه شرط لصحة الصلاة لقوله: "ثم تصلي فيه" فإن ظاهره أنها لا يمكن أن تصلي فيه حتى تفعل ما ذكر النبي ﷺ .

стр. 117

ومن فوائده: أن النضح يطلق على الغسل لقوله: "ثم تنضحه" .. فالمراد بالنضح هنا: الغسل إلا أن يقال: إن حته ثم قرصه بالماء يخفف النجاسة حتى يمكن أن تزول بالنضح. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟ قال: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره". قوله: "قالت خولة": هي بنت يسار "يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم" تريد: لونه؛ بمعنى: بعد أن تحته ثم تقرصه، ثم تنضحه ولم يزل الدم، فقال: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره". "يكفيك الماء" دليل على أن الماء يزيل بالنجاسة. "ولا يضرك أثره" والأثر هنا هو اللون، أما إذا بقي شيء من جرمه فإنه لا يكفي، وكذلك الريح مثل اللون إذا صعب إزالته فإنه لا يضر. ففي هذا الحديث فائدة تضاف إلى ما سبق وهي: أنه إذا بقي لون الدم فإنه لا يضر؛ لأن العبرة بزوال عين النجاسة أما لونها فهو لا يضر، وبهذا يتم ما أورده المؤلف ﵀ من الأحاديث في باب "إزالة النجاسة وبيانها" فلنرجع إلى تحرير ذلك وتلخيصه. أولا: إزالة النجاسة على القول الراجح تحصل بأي مزيل، وبأي عدد فلا يشترط فيما يزيلها نوع معين، ولا يشترط فيما يزيلها عدد معين، بل قد تزول بأول مرة أو بثاني مرة أو لا تزول إلا بعد عشرين مرة، المهم أن النجاسة عين قذرة لا يطهر المحل إلا بزوالها. ثانيا: إزالة النجاسة هل يتحقق بغير الماء أو لابد من الماء؟ في ذلك خلاف بين العلماء وأكثر العلماء أنه لا تتحقق إزالة النجاسة إلا بالماء إلا ما استثني كالاستجمار، فإن النجاسة تزول بالاستجمار، ومن العلماء من يقول: إن النجاسة لا تزول بالاستجمار؛ وإنما يزول حكمها، وأن الاستجمار هذا مبيح وليس بمطهر، وهذا هو المشهور عند فقهاء الحنابلة ﵏، وينبني على ذلك أنه لو استجمر ثم مس ثوبه وهو رطب بمحل الاستجمار، فإن الثوب ينجس؛ لأن النجاسة لم تزل بالاستجمار، وكذلك يقولون: لو احتلم الإنسان وهو مستجمر فإن ما يبرز من الماء يلاقي مكانا نجسا فينجس ويكون الماء الذي خرج بالاحتلام متنجسا وليس بنجس، لكن القول الراجح: أن الاستجمار مطهر لحديث ابن مسعود ﵁ "إنهما" - أي: الروث والعظم- "لا يطهران"؛ فدل ذلك على أن الاستجمار مطهر وهو كذلك، وكذلك وردت السنة بأن الحذاء نطهر بالدلك بالتراب، وأن أسفل ثوب المرأة إذا مر بالنجاسة فإنه يطهر بما يمر به من بعد النجاسة من التراب الطاهر. وهذه الشواهد تدل على أن إزالة النجاسة تحصل بأي مزيل، وهذا هو الحق، كيف نقسم

стр. 118

ما يحصل به التطهير؟ قسم العلماء ذلك إلى ثلاثة أقسام: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، ونجاسة متوسطة. فالمغلظة: هي نجاسة الكلب إذا ولغ في الإناء فلابد من سبع غسلات إحداهما بالتراب، وهل يقاس على الكلب الخنزير؛ لأنه أخبث؟ قال بعض العلماء: إنه يقاس، والصحيح أنه لا يقاس، وهل يقاس على ولوغه ما خرج منه من فضلات كالعذرة والبول والدم أو لا؟ فيه خلاف أيضا: من العلماء من ألحقه بالولوغ، ومنهم من قال: حكمه كسائر النجاسات، لكن الأحوط بلا شك أن يلحق بولوغه وألا يحكم بطهارته إلا بسبع غسلات إحداها بالتراب. النجاسة المخففة: هي نجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، يعني: لو يفطم بعد؛ هذه مخففة يكفي فيها النضح وهو صب الماء عليها، وإن لم يتقاطر منها وإن لم يدلك، وإن لم يغسل، وكذلك على القول الراجح المذي يكفي فيه النضح كبول الصغير؛ لأن المذي طبيعته بين المني والبول فأعطي حكما بين الحكمين. أما المتوسطة: فهي ما سوى ذلك - مغلظة ومخففة- ومتوسطة ما بين ذلك، فإذا عرفت المغلظ والمخفف وقلت ما بين ذلك هو المتوسط، فهذا يشمل جميع النجاسات فكيف تطهر؟ المشهور من مذهب الحنابلة ﵏ أنه لابد من سبع غسلات لكن بدون تراب، والصحيح أنه لا يشترط سبع غسلات، وأنه متى زالت عين النجاسة فإنها تطهر سواء بثلاث أو بخمس أو بتسع أو بعشر أو ما أشبه ذلك، المهم المقصود هو إزالة عين النجاسة، هذا هو القول الراجح ويدل على ذلك ما ذكره المؤلف في دم الحيض من أن النبي ﷺ لم يحدد عددا معينا وإنما ذكر صفة معينة يزول بها الدم. أما النجاسات. ما هي النجاسات؟ هذه بعض العلماء حدها وقال: "كل عين حرم تناولها لا لحرمتها ولا استقذارها ولا بضرر منها في بدن أو عقل"، وكما تعلمون هذا التعريف طويل جدا، وقد لا يكون مانعا ولا جامعا، لكن سقناه على حسب ما ذكره بعض الفقهاء كل عين حرم تناولها لا لحرمتها ولا لاستقذارها ولا لضرر منها في بدن أو عقل، ولكن يقال الأحسن ألا نأخذ به؛ لأنه قد يرد علينا أشياء تنقض هذا التعريف بل نعدها والأصل فيما عداها الطهارة؛ فنبدأ بما أشار إليه المؤلف وهو الخمر: فالخمر على ما عليه جمهور العلماء نجس قليله وكثيره، ولا يعفى عن شيء منه، والمناقشة في أدلته سبقت ولا حاجة إلى إعادتها، وتبين أن الراجح أنه ليس بنجس نجاسة حسية، ولكنه نجس نجاسة معنوية، وذكرنا أن الدليل على ذلك نوعان: سلبي وإيجابي.

стр. 119

السلبي: هم عدم الدليل فليس هناك دليل يدل على نجاستها. والإيجابي: أن هناك أدلة تدل على طهارتها فعلا كعدم أمر النبي ﷺ بغسل الأواني حينما حرمت الخمر مع أنه أمر بغسلها حين حرمت الحمر الأهلية، وكذلك أيضا الصحابة أراقوها بالأسواق ولو كانت نجسة ما أراقوها بالأسواق، وكذلك صاحب راوية الخمر التي أهداها إلى النبي ﷺ ولم يأمره بغسلها. هذا واحد. ثانيا: لحوم الحمر الأهلية نجسة، وعلى هذا فنقول: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس: بوله، وروثه، وعرقه، ومنيه، وريقه، وكل ما ينفصل منه، كل حيوان محرم الأكل نجس. هل يمكن أن نقول: يستثنى من ذلك الآدمي؟ على رأي المناطقة يستثنى الآدمي؛ لأنهم يقولون: الآدمي حيوان ناطق، لكننا نستثنى الآدمي، ونستثنى أيضا ما لا يمكن التحرز منه على القول الراجح كالهرة، ومن العلماء من يقول: نستثني الهرة وما دونها في الخلقة، والصواب أن تستثنى ما يشق التحرز منه كالهرة، وكذلك على القول الصحيح الغل والحمار، لأن الناس يحتاجون إلى ركوبهما واستعمالهما ويشق التحرز منهما، يستثنى من ذلك أيضا كل ما ليس له نفس سائلة فإنه طاهر كالعقرب والجعل والخنفساء وما أشبه ذلك. إذن نأخذ من حديث أنس في الحمر أن كل حيوان محرم الأكل فهو نجس، يستثنى من ذلك الآدمي. ثانيا: ما يشق التحرز منه كالهرة ونحوها. ثالثا: ما لا نفس له سائلة أي: ما ليس له دم يسيل. هذان صنفان. الثالث: الميتات، كل ميتة فهي نجسة إلا ما يستثنى، يستثنى من ذلك ميتة البحر، لأنها حلال، ويلزم من الحل أن تكون طاهرة، يستثنى من ذلك ميتة الآدمي فإنها طاهرة؛ لأن المؤمن لا ينجس حيت ولا ميتا، يستثنى من ذلك ميتة ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض والعقرب والصارور وما أشبه ذلك، هذه أيضا ميتتها طاهرة، ودليلها حديث الذباب أن الرسول ﵊ أمر إذا وقع في الشراب أن يغمس، وهذا يلزم منه الموت إذا كان الشراب جارا أو دهنيا ونحوه. كم هذه؟ ثلاثة أنواع من النجاسات. الرابع: بول وروث ما لا يؤكل لحمه مثل: بول الحمار وروثه، البغل وروثه، أبوال السباع وأرواثها، كل هذه نجسة، ولا يستثنى من هذا ما يشق التحرز منه، وعلى هذا فأبوال السنانير وأرواثها نجسة. استثنى بعض العلماء ما لا يمكن التحرز منه وما كان يسيرا، كقيء الذباب وما يخرج منه؛ لأن هذا يشق التحرز منه. فمن الذي يسلم من وقوع الذباب على ثوبه ثم يقيء، أو على الكتاب

стр. 120

أو ما أشبه ذلك، وألحق به بعض العلماء بعر الفأر وبول الفأر؛ لأن هذا يشق التحرز منه، ولكن الذي يظهر أنه نجس، ويمكن أن يقال في الذباب ونحوه: إنه لكثرة وروده على الإنسان وتردده عليه يعفى عما يخرج منه على أن الذباب أيضا إذا كانت ميتة طاهرة وليس له نفس سائلة، فهذا أيضا مما يرجع القول بأن ما يخرج منه طاهر. عرق الحيوان: الحيوان المحرم الأكل نجس وما يخرج منه من أنفه أو فمه نجس إلا ما يشق التحرز منه كالهرة، وعلى القول الصحيح الحمار والبغل وما يشق التحرز منه فإن هذه الفضلات - أعني: الريق والعرق والمخاط- طاهرة. ما يخرج من الإنسان يدخل في أي قاعدة مما ذكرنا؟ فيما لا يؤكل، فبوله نجس، وروثه نجس، ومنيه على القول الراجح طاهر، وإن كان بعض العلماء قال إنه نجس؛ لأنه من الفضلات، والصواب أنه طاهر، استثنى بعض العلماء ﵏ من ذلك ما يخرج من النبي ﵊ من بول أو غائط وقال: إن بول النبي ﷺ وغائطه ليس بنجس ولكن هذا ضعيف جدا؛ لأن هذه من الطبائع البشرية وقد قال النبي ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم". ثم إن الرسول ﵊ يستنجي ويستجمر، وقال لابن مسعود لما أتى له بالعظم والروث قال: "إنهما لا يطهران"، وهذا يدل على أن بوله وغائطه ﵊ كغيره من الناس وهذا هو الصواب. أما عرقه، فعرقه طاهر، وعرق غيره من البشر طاهر أيضا، لكن يختص عرقه بأنه يجوز التبرك به، وكذلك ريقه ﵊ يجوز التبرك به. أما عرق غيره من البشر وريقه فإنه لا يجوز التبرك به؛ لأن ذلك لم يرد، والتبرك بالشيء ولإثبات أن فيه بركة يحتاج إلى دليل. أسئلة: - كون الشريعة الإسلامية تحث على التخلي عن النجاسة ما الدليل عليه؟ - النجاسة هل نحكم على الأشياء بأنها نجسة أو الطهارة هي الأصل، وما الدليل؟ الطهارة هي الأصل، والدليل: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض .... ﴾ الآية. -

стр. 121

لماذا ساق المؤلف ﵀ حديث أنس في باب إزالة النجاسة وبيانها في الخل يتخذ خمرا؟ بناء على أن الخمر نجسة نجاسة حسية فتحتاج إلى إزالتها بالماء. - كيف يتخذ الخمر خلا؟ - هل ما ذهب إليه المؤلف أو من قال: إن الخمر نجسة حسية هل هذا صواب؟ الصواب خلافه وهي أنها نجسة نجاسة معنوية وليست نجاسة حسية. - ما هو الدليل على نجاستها؟ أمر النبي ﷺ بإراقتها في طرقات المدينة. - ما هو الدليل على أن الرجس هو النجس؟ قوله تعالى: ﴿رجس .... ﴾. - نحن الآن هل نحتاج إلى دليل يثبت الطهارة؟ لا؛ لأن الأصل الطهارة لكن مع ذلك هناك أدلة تثبت الطهارة: إراقة الصحابة للخمر في المدينة والنافي حديث الرجل الذي أهدى الرواية. - الحمر الأهلية هل لها مفهوم؟ - لماذا كان النعي عن لحوم الحمر، وهل لبنها نجس؟ نعم؛ لأنه يخرج من بين فرث ودم. - يلزمكم على هذا بأن لبن الإبل ينتقض الوضوء ما قلتم بأن لحمها ينقض الوضوء فهل تقولون بذلك؟ نقول: لاشك أن الوضوء من ألبان الإبل أفضل لأمر النبي ﷺ ، ولكن لا يجب استدلالا بقصة العرنيين الذين أمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبانها وأبوالها ولم يأمرهم بالوضوء فتخصص هذا بهذا الحديث. - حديث عمرو بن خارجة لماذا أتى به المؤلف؟ أتى به المؤلف ليستدل على أن لعاب الإبل طاهر. - كيف الدليل؟ نقول: الغالب أن الرسول ﷺ رآه وإذا لم يره الرسول فالله يعلم ويقر، إذن هل نأخذ من هذا قاعدة بأن جميع ما يؤكل لحمه من الحيوان فلعابه طاهر؟ نعم، ولا حاجة لذلك؛ لأن الأصل الطهرة. - ذكرنا أن الذي يخرج من الإنسان من ذكره ينقسم إلى أقسام؟ - مر علينا فيما سبق أنه يجوز للإنسان أن يخطب على الراحلة ما الدليل؟ - ما هي الحكمة من كون الرسول ﷺ خطب على البعير؟ - هل يمكن أن نأخذ من هذا أنه ينبغي للخطيب أن يكون عاليا؟ - لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في هذا الباب؟ - في مسألة اللعاب هل أخذ العلماء منها ضابطا أو قاعدة؟ - هل بول الإبل طاهر؟ - ما هو المني الطاهر؟ الذي يخرج دفقا بلذة. -

стр. 122

عائشة ﵂ ذكرت المني باسمه الصريح وهي امرأة فهل يدل على أنها ليس عندها حياء؟ لا، ولكن لا يستحيي الإنسان من بيان الحكم. - في حديث أبي السمح ما يدل على الفرق بين بول الذكر والأنثى؟ يغسل من بول الجارية؟ ويرش من بول الغلام. - قوله الغلام هل هو يشمل كل غلام أم ماذا؟ الذي يتغذى باللبن ولا يكثر الطعام. - ما الحكمة في التفريق بينهما؟ أن النبي ﷺ فرق بينهما. - ما الذي التمسه العلماء من الحكم؟ قالوا: إن الذكر أغلى عند أمه فيكثر حمله فخفف فيه. - امرأة أصاب ثوبها دم حيض ماذا تقول؟ تحته إذا كان يابسا، ثم تقرصه، ثم تغسله. - لماذا رتب النبي ﷺ هذه المراتب؟ لسهولة إزالة النجاسة. - في هذا الحديث إشكال وهو كيف جاز للإنسان أن يلوث يده بالشيء النجس؟ هذا تلوث بالنجاسة من أجل الإزالة. - ما رأيك لو أن محرما أصاب ثوبه طيب وقلنا لابد أن تزيله فجعل يفركه بيده ليزيله ما رأيك؟ نعم، يزيله. - ونظيره إنسان في أرض غصب وتاب من الغصب وأراد أن يخرج إن مشى سوف يستعمل الأرض المغصوبة هل تقول حرام عليك أن تخطو خطوة واحدة؟ لا، لابد أن يمشي، وكذلك لو غصب قدرا فأراد أن يرده إلى صاحبه فحمله - وهو يحمل المغصوب- لكن من أجل التخلص منه. - في مسالة الطيب للمحرم ثبت أن النبي ﷺ تطيب لإحرامه وأنه يرى وبيص المسك في مفارقه. من المعلوم أن الإنسان يتوضأ ووبيص المسك في مفارقه سوف يمس الطيب فهل يلزمه أن يغسل يده أو يقول إن هذا مما يشق التحرز منه، فيكون معفوا عنه؟ الثاني: وإن كان ظاهر كلام بعض الفقهاء أن يغسل يده من هذا الطيب. - في حديث أسماء ما يدل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره؟ - ولكن ماذا نقول في دم الاستحاضة هل هو نجس أم طاهر؟ الصحيح أنه يلحق الحيض. - امرأة غسلت الدم لكن بقي اللون هل عليها شيء؟ المهم إزالة عين النجاسة حتى بقي اللون فلا إشكال.

стр. 123

٤ - باب الوضوء يقال: الوضوء، والوضوء بالضم؛ فالوضوء: الماء الذي يتوضأ به، والوضوء- بالضم-: التوضأ، يعني: الفعل، وله أمثلة: كطهور وطهور، وسحور وسحور، ووجور ووجور له أمثلة كثيرة في اللغة العربية على هذا المنوال، فما هو الوضوء؟ الوضوء مشتق في اللغة من الوضاءة، وهو: الحسن والجمال والنظافة من الأقذار والمؤذيات، وأما في الشرع فهو: التعبد لله بتطهير الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. الأعضاء معروفة و "أل" فيها للعهد الذهني، وإنما قلنا "التعبد لله"؛ لأننا نريد أن نعرف تعبديا فلابد أن نقول عبادة. كذلك في الصلاة هل نقول: إنها أقوال وأفعال معلومة أم نقول التعبد لله؟ التعبد لله، وكذا نقول في الصلاة وفي الصيام وفي الحج، والوضوء من أفضل الأعمال. وله فوائد كثيرة منها: أنه إذا كان في أيام الشتاء والبرد مما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات كما في الحديث: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة". ومنها: أنه كلما طهر الإنسان عضوا من الأعضاء، تطهر هذا العضو من النجاسة المعنوية وهي الآثام، فيخرج إثم كل عضو من هذه الأعضاء عند آخر قطرة من القطرات. ومنها: أنه اقتداء وأسوة برسول الله ﷺ . ومنها: أنه امتثال لأمر الله ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ [المائدة: ٦]. ومنها: وهو خاص بهذه الأمة "يدعون يوم القيامة غرا محجلين". من أثر الضوء. ومنها: أن الحلية في الجنة تبلغ حيث يبلغ الوضوء ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا﴾ [فاطر: ٣٢]. ﴿وحلوا أساور من فضة﴾ [الإنسان: ٢١]. فأساورهم ثلاثة أنواع: من ذهب، والثاني: اللؤلؤ، والثالث: فضة، وهذه إذا اجتمعت يكون لها منظر يسر الناظرين. المهم: أن له فوائد كثيرة، ولذلك كان القول الراجح من أقوال العلماء أنه عبادة تجب فيه النية خلافا لمن قال: إنه طهارة لا تجب النية فيه، كإزالة النجاسة، ومعلوم أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها النية، فلو أن الإنسان نشر ثوبه النجس ونزل المطر وطهره صار طاهرا وإن لم ينو، لكن الوضوء لا يكون صحيحا إلا بنية؛ لأنه عبادة.

стр. 124

الوضوء له سنن وله فرائض وواجبات؛ فمن سننه السواك دليله حديث أبي هريرة: ٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". "لولا" هذه حرف امتناع لوجود، وعندنا ثلاث أدوات اقتسمت الامتناع أو الوجود: "لما، ولو، ولولا": "لما" حرف وجود لوجود، "لو" حرف امتناع لامتناع، "ولولا" حرف امتناع لوجود. مثاله في "لما" تقول: "لما زارني أكرمته"؛ هنا حصل الإكرام لحصول الزيارة، إذن وجود لوجود. ومثال "لو": "لو زارني لأكرمته"؛ فهنا امتنع الإكرام لامتناع الزيارة. ومثال "لولا": "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم"؛ فهنا امتنع الأمر لوجود المشقة، وقوله: "لولا أن أشق" المشقة هي التعب والإجتهاد. وقوله: "على أمتي" المراد بالأمة: أمة الإجابة؛ لأن أمة الدعوة الأمة المدعوون لا يخاطبون بالسواك، وإنما يخاطبون بالإسلام أولا. وقوله: "لأمرتهم" أي: أمر إلزام. وجه ذلك: أنا حملناهم على الإلزام؛ لأن أمر غير الإلزام لا مشقة فيه؛ حيث إنه يجوز للإنسان تركه، وما دام يجوز تركه فلا مشقة فيه، وعلى هذا فيكون مراده "لأمرتهم" أمر إلزام. "بالسواك" السواك يطلق على الألة التي يتسوك بها، وعلى الفعل، نقول: تسوك الرجل سواكا بالغ فيه هذا الفعل، وعلى هذا يكون السواك اسم مصدر وليس مصدرا؛ لأنه لم يطابق الفعل في حروفه، ومن ذلك أيضا قول النبي ﷺ : "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب". السواك يعني: التسوك وليس العود، ومن استعماله بمعنى الآلة التي يتسوك بها أن القول: أعطيت فلانا سواكا؛ يعني: ما يتسوك به، فصار السواك يطلق على الآلة التي يتسوك بها، وعلى نفس الفعل، فما المراد به في الحديث "لأمرتهم بالسواك؟ " الفعل وليس الآلة؛ لأنه ليس من المعقول أن يكون المراد "لأمرتهم" أن يحمل الواحد منهم آلة يتسوك بها بل المراد بالسواك أي بالفعل.

стр. 125

يقول: "أخرجه مالك وأحمد والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقا". قدم المؤلف مالكا إما لتقدم ومنه، وإما لأن "الموطأ" أصح من "المسند"، وإلا فلا شك أنا إماما كالإمام أحمد أشهر من الإمام مالك وغيره، فقد أطلق عليه إمام أهل السنة وحاله مشهورة معروفة، وقوله: "ذكره البخاري تعليقا" ما معنى التعليق؟ يقول علماء المصطلح: التعليق: حذف أول المسند، فمثلا إذا كان الراوي - يعني: مخرج الحديث - رواه على هذا الترتيب (١ - ٢ - ٣ - ٤) إلى منتهاه، فحذف رقه (١) معلق، حذف (ا، ٢) معلق، حذف (١، ٢، ٣) معلق، بل يطلق المعلق على حذف السند كله، حكم المعلق أنه ضعيف؛ لعدم وجود السند، وإذا عدم السند صار الرواة مجهولين لابد من العلم بالرواة لأنهم أهل للرواية؛ إلا أنهم قالوا: إذا كان المخرج قد التزم بتعليق ما هو صحيح عنده بصيغة الجزم فيحكم بصحته مطلقا، أو عند المعلق؟ عند المعلق فقط، يعني: قد يكون صحيحا عنده ولكنه ليس بصحيح عند غيره. الخلاصة: المعلق اصطلاحا: ما حذف أول إسناده أو جميع الإسناد، المعلق في المرتبة من قسم الضعيف، إلا إذا كان في كتاب التزم مخرجه الصحة، وهذا يكون صحيحا عنده فقط وعند غيره قد يكون صحيحا وقد يكون غير ذلك، لكنه إذا كان المعلق إماما معتبرا عند الحفاظ فلا شك أن تعليقه له وزنه وله قيمته، ولهذا ذكره المؤلف قال: "ذكره البخاري تعليقا"، مع أنه يكفي أن يقول: رواه مالك، وأحمد، والنسائي، وصححه ابن خزيمة. في هذا الحديث فوائد متعددة منها: شفقة النبي ﷺ ، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ لأنه يثبت بالتواتر لقوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. ومن فوائده: أن النبي ﷺ له أن يجتهد في الأحكام لقوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" ولم يقل: "لولا أن الله لم يأمرني لأمرتهم"، بل قال: "لولا أن أشق"، فالمانع له من الأمر الملزم ليس عدم أمر الله، ولكن المشقة. إذن للنبي أن يجتهد ثم إن أقره الله فالحكم شرعي بإقرار الله، وهذا هو الأصل وإن لم يقره الله ارتفع الحكم، فعفو النبي ﵊ على المتخلفين لم يقره الله

стр. 126

عليه بل قال: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكذبين﴾ [التوبة: ٤٣]. فقوله: ﴿عفا الله عنك﴾ بدأ بالعفو عما حصل قبل أن يذكره، قال: "عفا الله عنك" وقال اللله ﵎: ﴿يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك﴾ [التحريم: ١]. إذن للنبي ﷺ أن يجتهد في الأحكام، ثم إن أقرع الله فهو الشرع من عند الله، وإن لم يقره الله - وهو نادر نادر نادر- فإنه يرتفع الحكم، أخذ الفداء من أسرى بدر لم يقره الله بل قال: ﴿لولا كتب من الله سبق﴾ في تكميل الرسالة واستمرارها ﴿لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ [الأنفال: ٦٨]. وهذه المسألة طال فيها الجدل بين العلماء، وعندي أنه ليس فيها - والحمد لله- إشكال، وأنها واضحة أن الرسول يأمر وينهى سواء كان بوحي من الله أو بإقرار من الله. ومن فوائد هذا الحديث: تأكد استعمال السواك؛ لأن النبي ﷺ لم يمنعه من الإلزام به إلا المشقة. ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل في الأمر الوجوب لقوله: "لأمرتهم" هكذا استدل بعض أهل العلم بذلك وقالوا: إن هذا يدل على أن الأمر المطلق يكون للوجوب، ولكن قد يناقش ويقال: إن قوله: "لأمرتهم" أمر إلزام، وإلا فمطلق الأمر ثابت، لكن كون الأمر للوجوب أو للاستحباب أو للإرشاد والتوجيه لا يمكن فيما تتبعته أن ينضبط بضابط؛ لأن بعض الأوامر تكون للوجوب بالاتفاق، وبعض الأوامر تكون لغير الوجوب بالاتفاق، وبعض الأوامر تكون محل نزاع، ولهذا اختلف فيها العلماء: منهم من قال: الأصل في الأمر الوجوب، واستدل لقوله. ومنهم من قال: الأصل في الأمر الاستحباب؛ واستدل لقوله. ومنهم من قال: ما كان مقصودا به التعبد فالأمر فيه للوجوب، وما كان المقصود به التأدب فالأمر فيه للاستحباب، وهذا أقربها من حيث العموم وإلا فقد يكون من الآداب وهو واجب. فإن قال قائل: أنا أريد أن أشق على نفسي وأتسوك عند كل وضوء، فهل هذا هو الأفضل أو الأفضل أن يأخذ برخصة الرسول ﵊؟ الثاني، وقد يقال: إن كان فيه مشقة بينة فالأفضل إتيان الرخصة، وإن لم يكن فيه إلا أن تخرج السواك من جيبك وتدلك أسنانك فافعل؛ لأن هذا في الحقيقة ليس فيه مشقة. وقوله: ﵊: "وبالسواك" قلنا: المراد بذلك: التسوك، وبناء على هذا هل تحصل فضيلة السواك بغير العود، أي: بغير عود الأراك؟ فيه خلاف:

стр. 127

من العلماء من يقول: إنه لا يحصل فضل السواك إلا إذا تسوك بالمسواك. ومنهم من قال: بل يحصل له من السنة بقدر ما حصل من الإنقاء، وأنه يمكن أن يدرك السنة إذا تسوك بأصبعه أو خرقة، وهذا أقرب إلى الصواب أن يقال لا شك أن الأكمل والأفضل أن يكون بعود الأراك أو ما يقوم مقامه، ولكن لو تسوك بالإصبع أو الخرقة فإنه يحصل من السنة على قدر ما حصل له من التنظيف. فيه أيضا بحث آخر: قول النبي ﵊: "مع كل وضوء" أين يكون محله؟ قبل الشروع في الوضوء، أو بعده أو في أثنائه؟ الحديث مطلق لم يبين لكن العلماء ﵏ اختاروا أن يكون التسوك عند المضمضة، قالوا: لأن هذا هو محل تنظيف الفم يكون المناسب أن يكون حال المضمضة والله أعلم. أسئلة: - هل الوضوء خاص بهذه الأمة أو للأمم كلها؟ للأمم كلها. - ما هو الشي الخاص بهذه الأمة من الوضوء؟ أنهم يدعون يوم القيامة غرا محجلين، وهذا هو ظاهر السنة؛ لقوله ﵊: "أعطيت خمسا ... ". ومنها التيمم عند عدم الماء يدل ذلك على أن غيرنا يتطهر بطهارتنا إلا في التيمم، وكذلك أيضا: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء" فالظاهر أن التخصيص هو هذا الثواب الذي يحصل لهذه الأمة. - في الحديث الذي قرأناه مسائل أصولية منها: أن الأصل في الأمر الوجوب؟ - قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" ما وجه الدلالة؟ أنه لو أمرهم لكان لازما يشق عليهم، ولو كان الأمر للاستحباب ما شق عليهم. - ذكرنا أن هذا هو المشهور عند علماء الأصول لكن هناك قولا آخر يقول: إن الأصل إذا كان بالتعبد فواجب وإذا كان بالتأدب فسنة. - هناك قول ثالث ما هو، وما دليله؟ أن الأمر للاستحباب مطلقا، الدليل: الأمر فيه يدل على مشروعيته، والأصل عدم التأثيم بالترك وهذا هو حقيقة الاستحباب. - قوله: "لأمرتهم بالسواك" ما المراد به؟ به الفعل. -

стр. 128

أين محله في أقوال العلماء؟ عند المضمضة؛ لأنها هي محل تطهير الفم. - هذا يدل على أن من الأحوال التي يسن فيها السواك الوضوء هل هناك شيء آخر؟ نعم عند قراءة القرآن، لكن هذا ذكره العلماء استحسانا عند الاستيقاظ من النوم وعند دخول البيت وعند تغير رائحة الفم. - هل يستثنى من ذلك وقت من الأوقات؟ ذكر بعض أهل العلم أنه يكره التسوك للصائم بعد الزوال، وعللوا بعلة عليلة؛ العلة هي: أن آخر النهار للصائم - ولاسيما مع طول النهار- يفوح من معدته رائحة كريهة وهذه تسمى خلوف فم الصائم، وهي محبوبة عند الله أطيب من ريح المسك، قالوا: وإذا كان كذلك فلا ينبغي السعي في إزالتها؛ لأنها أطيب عند الله من ريح المسك، وقياسا على دم الشهيد إذا قتل في سبيل الله فإنه لا يسن غسله بل لا يجوز غسله على القول الراجح، لأن هذا الدم ناشئ من طاعة الله من الجهاد في سبيل الله، فيقاس عليه خلوف فم الصائم، ولكننا نرد هذا بعموم الأدلة الدالة على التسوك مطلقا من غير قيد، وقال عامر بن ربيعة: "رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم". ذكره البخاري تعليقا، وهذا ليس ضروريا أن نحتاج إليه في الإثبات؛ لأن لدينا العمومات كقوله: "مع كل وضوء" فهذا عام يشمل وضوء الصائم بعد الزوال كما يشمل وضوء غيره. فالصواب: أنه يسن للصائم أن يتسوك كما يسن لغيره في كل وقت. هل يستثنى من ذلك أن يكون الإنسان بحضرة الناس؟ يسن ولو بحضرة الناس؛ لأن النبي ﷺ تسوك أمام رعيته كان يتسوك أمام أصحابه، ولو كان هذا مكروها ما فعله النبي ﵊، ولو كان من خصائصه لبين أنه من خصائصه، لكن إذا كان يشغل الإنسان عن استماع شيء مأمور باستماعه فلا يفعل، فلو أن الإنسان أخذ يتسوك والإمام يخطب يوم الجمعة قلنا: لا يتسوك إلا إذا أراد به خيرا مثل أن يصيبه النعاس فيتسوك من أجل أن يذهب عنه النعاس، فهذا لا بأس به، بل قد نقول: إنه مشروع؛ لأنه يعينه على الاستماع إلى الخطبة، وسبق لنا هل يحصل التسوك بغير العود؟ قلنا: نعم، لكنه في العود أحسن وأنضر. صفة الوضوء: ٣٠ - ثم قال: "وعن حمران أن عثمان ﵁". عثمان: هو أحد الخلفاء الراشدين؛ وهو الثالث منهم، وأجمع الصحابة ﵃ على أنه الثالث في الخلافة، وأجمع أهل السنة

стр. 129

على أن عثمان بن عفان هو الثالث في الخلافة، وقال الإمام أحمد: "من طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله"، وقال الحسن فيما أظن: "من زعم أن عليا أولى بالخلافة من عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار"، أي: عابهم وانتقصهم. عثمان ﵁ "دعا بوضوء" دعا به؛ أي: طلبه، والوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به. "فغسل كفيه ثلاث مرات"، والكف من مفصل الذراع إلى رءوس الأصابع يبتدئ بالكوع والكسوغ والرسغ، ونختبر في هذا ما هو الكوع؟ العظم الذي يلي الإبهام، والكسوع: الذي يلي الخنصر، والرسغ: ما بينهما إلى أطراف الأصابع. "فغسل كفيه ثلاث مرات": وهذا الغسل تعبد لا شك؛ لأن النبي ﷺ تعبد لله به فهو عبادة، لكنه ليس من الأعضاء التي يجب غسلها إلا بعد غسل الوجه، فيكون تقديم غسل الكفين هنا؛ لأنها آلة غرف الماء، فينبغي أن تكون نظيفة قبل أن يشرع في غسل بقية الأعضاء ثلاث مرات. "ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر"، وليس في ذكر التثليث لكنه قد تثبت به السنة، "تمضمض"، المضمضة: تحريك الماء داخل الفم، "واستنشق"، يعني: استنشق الماء في منخريه، "واستنثر"، يعني: نفر الماء الذي استنشقه، أما المضمضة فلتطهير الفم، وأما الاستنشاق فلتطهير الأنف، وليس في الحديث أنه أدخل أصبعه في أنفه وجعل ينظفه. "ثم غسل وجهه ثلاث مرات" والوجه معروف ما تحصل به المواجهة، وحده العلماء ﵏ عرضا من الأذن إلى الأذن وطولا من منابت شعر الرأس المعتاد، وبعضهم قال: من منحنى الجبهة، وهذا اضبط؛ لأن منابت الشعر تختلف، بعض الناس ينحسر عند الشعر، أي: عن ناصيته فيكون أنزع، وبعضهم ينزل فيكون أغم، يعني: إذا نزل الشعر، فإذا قلنا: منحنى الجبهة صار هذا منضبطا سواء كان عليه شعر أم لم يكن، إلى أسفل اللحية. وهل ما استرسل من اللحية يدخل في الوجه؟ في ذلك خلاف بين العلماء فمنهم من قال: إنه لا يدخل، كما لا يدخل المسترسل من شعر الرأس في الرأس، ومنهم من قال: إنه يدخل، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يخلل لحيته، وإن كان الحديث فيه ما فيه، والوجه ما تحصل به المواجهة وأما الرأس فلأن الرأس من الترأس وما نزل عن منابت شعر الرأس ليس فيه ترأس.

стр. 130

"ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات" المرفق: ما يرتفق عليه الإنسان، وهو مفصل الربط بين العظم والذراع، وتسميته مرفقا واضحة؛ لأنه يرتفق عليه الإنسان، يعني: يتكئ عليه. وقوله: "إلى المرفق" هو كقوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾، فهل (إلى) هنا للغاية أو لها معنى آخر؟ إن قلت: للغاية؛ فإن القاعدة الغالبة في (إلى) أن غايتها لا تثبت، وعلى هذا فتكون المرافق غير داخلة، وإن قلت: إنها بمعنى مع، أي: مع المرافق فالمرافق داخلة، ولكن إثبات أنها تأتي بمعنى (مع) يحتاج إلى دليل في اللغة العربية. قالوا: الدليل قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]. أي: مع أموالكم، ولكن هذا فيه نظر، في الآية ضمن الفعل تأكل معنى تضموا أموالهم إلى أموالكم فلا شاهد فيه، ولكن يقال: (إلى) للغاية، والغالب أن الغاية لا تدخل في المغيا، لكن إاذ وجد دليل يدل على أن الغاية داخلة وجب الأخذ به، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يدير الماء على مرفقه، وأنه يغسله حتى يشرع في العظم، وعلى هذا يكون معنى (إلى): الغاية، لكن دلت السنة على أن الغاية هنا داخلة، والنبي ﷺ أعلم الناس بكتاب الله ومراد الله، هنا لم يذكر الابتداء، قال: "إلى المرفق" ولم يذكر الابتداء، وسيأتي - إن شاء الله- في الفوائد: هل الأفضل أن تبدأ بأطراف الأصابع ماشيا بالماء إلى المرفق أو لك أن تبدأ بما شئت؛ لأن المحدود هنا الغاية دون البداية، يأتينا إن شاء الله. "ثم اليسرى مثل ذلك" يعني: ثلاث مرات، "ثم مسح برأسه" ولم يذكر التكرار، ولم يذكر الأذنين قال: "مسح برأسه"، والباء هنا ليست للتبعيض كما زعمه بعضهم، ولا تأتي في اللغة العربية بمعنى التبعيض أبدا. قال ابن برهان: من زعم أن الباء تأتي في اللغة العربية "للتبعيض" فقد قال على أهل العربية قولا - أظنه قال-: بما لا يعلمون أو كلمة نحوها، لكن الباء للإلصاق بمعنى: إنك تمر يدك على رأسك. ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]. والرأس حده من جهة الوجه: منحنى الجبهة، وحده من الخلف: الرقبة، وحده من الجانبين: منابت الشعر، وهي في الغالب - غالب الناس- متساوية ولم يذكر الأذنين فيقال: إن عدم الذكر ليس ذكرا للعدم، فإذا جاءنا من طريق آخر أن الأذنين تمسحان فإنه لا معارضة بينه وبين هذا الحديث؛ لأن الساكت لا قال إنه ناف، وهذا هو معنى قول العلماء: "إن عدم الذكر ليس ذكرا للعدم"؛ لأنك لو قلت: إن عدم الذكر ذكر للعدم لكان

стр. 131

هذا الحديث يعارض الأحاديث الدالة على مسح الأذنين، فإذا قلت: ليس ذكرا للعدم، قلنا: الساكت ليس بمتكلم فضلا عن أن يكون سكوته معارضا للصريح. يقول: "ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات" الكعبان هما: العظمان الناتئان في أسفل الساق، وهما يربطان بين الساق وبين القدم، ويقال في قوله: "إلى الكعبين" ما قيل في قوله: إلى المرفقين". "ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا". متفق عليه. "رأيت": أي بعيني؛ أي: أبصرت، "رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا"، قلنا: إن "رأيت" بمعنى أبصرت لا بمعنى علمت، وعلى هذا فقوله: "توضأ"، الجملة حال من النبي وليست مفعولا ثانيا؛ لأن رأي البصرية إلا مفعولا واحدا، وليت المؤلف جاء بباقي الحديث؛ لأن باقي الحديث من الناحية المسلكية مهم جدا جدا. باقي الحديث يا إخوان، "ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه"، وهذه مهمة للإنسان من أجل أن يتعبد لله بهذه الصلاة، لكن المؤلف ﵀ على الاختصار لا يذكر إلا الشاهد أحيانا؛ يذكر الشاهد ولا يستفيد الإنسان منه شيئا، كما سيأتينا - إن شاء الله- في كتاب الصلاة، لكن هنا أقول: غفر الله له، لو أنه ذكر هذا لأفاد فائدة كبيرة وهي: أن الإنسان كلما توضأ صلى ركعتين يجتهد ألا يوسوس فيهما ولا يحدث نفسه، إذا فعل ذلك غفر الله له ما تقدم من ذنبه. في هذا الحديث فوائد منها: تواضع الصحابة الجم، وجهه: أن هذا خليفة على الجزيرة العربية، على المسلمين عامة؛ الشام، ومصر، والعراق، واليمن، والجزيرة، أمة عظيمة هو خليفة عليهم، ومع ذلك يدعو بالوضوء ليتوضأ أمام الناس حتى يدركوا ذلك بأعينهم، وهذا لا شك أنه تواضع جم. ومن فوائده: أنه ينبغي للمعلم أن يسلك الوسائل التي تقرب المعنى إلى المتعلم، وجه ذلك: أنه أراهم إياها عمليا؛ لأن التطبيق العملي فيه مع العلم الذي محله القلب أنه يتصور الإنسان، ويبقى في مخيلته هذا الشيء المشاهد ولا ينساه. ومن فوائده: ذلك أنه أدق في فهم المعنى، أرأيت لو قلت لك: إن القيل حيوان ضخم له خرطوم، وله آذان طويلة، وله أرجل غليظة قصيرة بالنسبة لحجمه، وله خرطوم قوي، ووصفته أدق وصف، هل تدركه مثل ما تدركه لو رايته؟ لا.

стр. 132

إذن لو أني وصفت الوضوء وقلت: افعل كذا وافعل كذا، وافعل كذا بأدق وصف، ثم شاهدته أنت عمليا أيهما أشد إدراكا؟ الثاني أشد. ومن فوائد الحديث: جواز الوضوء لقصد التعليم، ولكن هل نقول: إن عثمان ﵁ قصد التعليم والعبادة، وأنه إنما خرج عن نية العبادة في إظهار هذا الوضوء فقط، وإلا فهو يريد أن يتوضأ أو أنه توضأ عبثا؟ الظاهر الأول: أنه قصد التعبد، لكن قصد أن يكون أمام الناس من أجل أن يعلمهم. ينبني على ذلك مسألة مهمة، لو أن إنسانا أراد أن يعلم الأطفال الصلاة وصلى صلاة تامة من أولها إلى آخرها بدون قصد النية لكن يعلمهم فقط، فهل نقول: هذا مشروع او غير مشروع؟ نقول: أما لو قطعه وجزأه وقال للصبي: ارفع يديك قل هكذا، ثم سبحانك اللهم وبحمدك، ثم اقرأ الفاتحة، ثم إذا قرأت الفاتحة اقرأ سورة، ويكلمه كلاما، ثم اركع وقل هكذا هذا لا بأس به وإلا إشكال فيه، لكن قول: الأفضل أن يجعلها عبادة تعبد ليستفيد ويفيد. يتفرع على ذلك أيضا شيء آخر: بعض الناس في مشاهد التمثيليات يجعلون إنسانا يصلي على أنها تمثيلية وهذا حرام عليه، لا يجوز أن تمثل العبادات تمثيل مشاهدة للمرح أو ما أشبه ذلك، بل يجب الكف عن هذا، وكذلك بعضهم يأتي بقرآن وما أشبه ذلك، كل هذا لا يجوز في مثل هذه الأشياء التي هي للمرح والترويح عن النفس دون قصد التعليم. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يشرع غسل الكفين ثلاث مرات قبل الوضوء، دليله: أن عثمان فعل ذلك، وقال: رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. وهل هذا الغسل واجب؟ لا ليس بواجب بل هو سنة، والدليل على أنه ليس بواجب قول الله ﵎: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلىلصلوة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]. ولم يذكر غسل الكفين، فدل هذا على أن غسل الكفين قبل غسل الوجه ليس بواجب وإنما هو سنة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط للوضوء مقارنة الاستنجاء خلافا للعامة، العامة يظنون أنهلا يمكن ان يتوضأ إلا باستنجاء حتى ولو كان مستنجيا قبلها ولو بساعة لابد أن يعيد الاستنجاء وهذا غلط. الاستنجاء الغرض منه تطهير المحل فقط، ولا علاقة له بالوضوء إطلاقا. هل هذا الحديث يدل على أنه يجوز الوضوء بدون تقدم من استنجاء صحيح؟ قد يقال ذلك؛ لأن الآية الكريمة والواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يتكلموا عن الاستنجاء؛ لأن الاستنجاء عمل مستقل، وهذه المسألة - أعني: هل يصح الوضوء قبل أن يتقدمه استنجاء أو استجمار شرعي- فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا يصح الوضوء قبل الاستنجاء فلو أن الإنسان لم يستجمر استجمارا شرعيا وإنما استجمر حتى يبس المحل وأنقى المحل بدون أن

стр. 133

يعتبر ذلك بثلاث مسحات ثم توضأ، فمن قال: إنه لا يصح الوضوء قبل الاستجمار الشرعي والاستنجاء قال: وضوؤه غير صحيح، وإذا كان قد صلى فصلاته غير صحيحة، وإذا قلنا: إنه يصح، وإنه لا علاقة للاستنجاء بالوضوء، وهذا هو القول الراجح قلنا: إن صلاته صحيحة. ومن فوائد هذا الحديث: تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وهل هذا واجب؟ الجواب: لا، لو غسل وجهه أولا ثم تمضمض واستنشق واستنثر فلا بأس، لكن الأفضل أن يبدأ بالمضمضة والاستنشاق؛ لأن المضمضة والاستنشاق فيهما شيء من البطون، يعني: أنها باطنة، فكان البدء بتنظيفها أولى من الظاهرة؛ لأن الوجه ظاهر. ومن الفوائد: مشروعية الاستنثار، فهل الاستنثار واجب؟ الجواب: لا، الاستنشاق هو الواجب والاستنثار سنة، كما أن المضمضة واجبة، ولفظ الماء سنة وليس بواجب، ثم قال المؤلف: ٣٠ - وعن علي ﵁ في صفة وضوء النبي ﷺ قال: "ومسح برأسه واحدة". أخرجه أبو داود. ٣١ - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵄ في صفة الوضوء- قال: "ومسح رسول الله ﷺ برأسه، فأقبل بيديه وأدبر". متفق عليه - وفي لفظ لهما: "بدأ بمقدم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه". ٣٢ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ في صفة الوضوء- قال: "ثم مسح ﷺ برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه". أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة. سبق لنا في حديث حمران مولى عثمان بن عفان ﵁ أن عثمان دعا بوضوء وذكر الحديث، وهذا أجمع حديث في باب الوضوء، ولهذا جاء به المؤلف ﵀ عمدة، فكل الروايات التي بعده ما هي إلا تفريع أو ذكر بعض أجزاء هاذ الحديث العظيم.

стр. 134

قال: "وعن علي ﵁ ... " الحديث، "مسح": يعني النبي ﷺ "برأسه" أي: على رأسه، لكن الباء هنا أتت في مكان (على) للإشارة إلى أن المسح استوعب الرأس، فإن الباء تفيد الاستيعاب كما في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. والرأس معروف: هو منابت الشعر، وأما الرقبة والجبهة فليست منه، وقوله: "واحدة" أي: مسحة واحدة، ولا يعارضه حديث عبد الله بن زيد الذي يأتي بعده، فإنما خفف في تطهير الرأس لمشقة غسلها، فإنه لو غسل لكان ذلك مشقة على الإنسان، ولاسيما في أيام الشتاء إذا جعل الماء يتسرب على وجهه ورقبته وثيابه، فلهذا خفف فيه ولله الحمد، ثم جعل واحدة؛ لأنه يحصل بها كمال التعدد، فالتكرار لا يليق أن يقال: يطلب التكرار في موضوع خفف أصل التطهير فيه، فلا ينبغي أن يكرر، قال العلماء: إنه لا تكرار في كل ممسوح. يستفاد من هذا الحديث: أن الواجب في مسح الرأس مرة واحدة لا يزيد عليها، ويستفاد من ذلك: تخفيف الشريعة الإسلامية وسهولتها ويسرها. وعن عبد الله بن زيد في - صفة الوضوء- قال: " .... ومسح رأسه فأقبل بيديه وأدبر" معنى "فأقبل بيديه وأدبره": أنه مسح بيديه جميعا ولم يمسح بيد واحدة بل باليدين جميعا، أقبل وأدبر: أي بدأ بما هو يستقبل بدنه وهو الناصية وأدبر من الخلف، ولذلك فسره بقوله في اللفظ الآخر: "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه"، وهذا لا ينافي حديث علي ﵁؛ لن هذه المسحة في الكيفية فقط؛ لأن الرأس كما تعلمون شعره من الناصية متجه إلى الإمام، وشعره من الخلف متجه إلى الخلف، فإذا مسحه من عند الناصية استقبل بطون الشعر، ويستقبل بالنسبة للخلف ظهور الشعر، ثم إذا عاد استقبل بطون الشعر من الخلف، وظهور الشعر من جهة الناصية هذا هو الحكمة في أن يأتي بالمقدم إلى ما ينتهي من المؤخر، ثم يعود. وفي الحديث من الفوائد ما سبق الإشارة إليه وهو: أنه لابد من المسح، فلو غسله بدلا عن مسحه فهل يجزئ؟ قال بعض العلماء: إنه يجزئ؛ لأنه انتقال من الأخف إلى الأعلى، والصحيح أنه لا يجزئ؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، وقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولهذا كان هناك قول ثالث في المسألة وهو: أنه يجزئ الغسل إن أمر يده على رأسه؛ لأنه إذا أمر يده على رأسه صار ماسحا، لكنه جعل في ماء المسح، وهذا القول له حظ من النظر، لكن لو أراد الإنسان التعنت والتنطع فربما يقال: إنه لا يصح حتى ولو مسح يده بعد

стр. 135

غسلها لقول النبي ﷺ : "هلك المتنطعون - قالها ثلاثا-"؛ ولإنكاره على الذين واصلوا متشددين في صيامهم، فيمكن أن يقال: حتى وإن مسح على رأسه مع الغسل فإنه لا يجزئ؛ لأنه من باب التنطع، والتنطع هلاك. قال: وعن عبد الله بن عمرو ﵄ في صفة الوضوء- قال: "ثم مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهامه ظاهر أذنيه" هذا يبين صفة المسح - مسح الأذنين-. هل يمسح الأذنان؟ الجواب: نعم، يمسح الأذنان مع الرأس لأنهما منه، ولكن كيفية ذلك أن يدخل السباحتين في الأذنين، والسباحتان هما السبابتان، والسبابتان هما ما بين الإبهام والوسطى، سميتا بذلك؛ لأن الإنسان يشير بهما عند التسبيح وعند السب والشتم. وقوله: "في أذنيه" يعني: في ثقب الأذنين، واختيرت السباحة؛ لأنها هي التي يشار بها عادة ويعمل بها عادة، فلذلك خصت من بين سائر الأصابع. وقوله: "ومسح بإبهامه ظاهر أذنيه" الإبهامان معروفان، وظاهرهما يعني: ظاهر الأذنين، وهما الجهة التي تلي الرأس، وأما الغضارين فلا يجب مسحها وإنما المسح خاص بالصماخ وظهور الأذنين فقط. ففي هذا الحديث دليل على مشروعية مسح الأذنين، والصحيح أن مسحهما واجب؛ لأنهما من الرأس، وفيه أيضا: بيان كيفية مسح الأذنين وهو أن يدخل الإنسان السبابتين في صماخيهما ويمسح ب‘بهامه ظاهرهما. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشرع تكرار مسح الأذنين؛ لأن الحديث ليس فيه التكرار، وقد ذكرنا فيما سبق في مسح الرأس، أنه إنما يمسح مرة واحدة، وكذلك الأذنان؛ لأنهما ملحقان به، ويشبه إلحاق الأذنين بالرأس إلحاق الأنف بالجبهة في السجود، يعني: فهما ليسا عضوين مستقلين لكنهما عضوان تابعان للرأس فيجب مسحهما كمسح الرأس. ٣٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه". متفق عليه. "استيقظ": أي صحى من النوم، وقوله: "من نومه" لم يقيد بنوم ليل أو بنوم نهار، ولكن قوله: "فإن الشيطان يبيت" يفيد أن المراد بالنوم هنا: نوم الليل، وسيأتي الكلام عليه في الفوائد إن شاء الله.

стр. 136

وقوله: "فليستنثر ثلاثا" الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه، يعني: أن تستنشق الماء أولا ثم تستنثره. وقوله: "ثلاثا" أي: ثلاث مرات، ولم يبين هل لكل استنثارة غرفة أن إنه يستنثر بغرفة واحدة؟ والجواب: أن هذا مما يتسامح فيه إن شاء بغرفة واحدة، وإن شاء بثلاث غرفات. وقوله: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه" (أل) هنا للجنس وليست للعهد، فلا يخص شيطانا معينا؛ بل المراد جنس الشياطين. أسئلة: - كيف يمسح أذنيه؟ - ما هو ظاهر الأذنين؟ - ما معنى الاستنثار؟ وقوله: "إذا استيقظ أحدكم من نومه" قلنا: إن كلمة "نوم" عامة، وطريق العموم فيها أنها مضافة، والمفرد المضاف يكون للعموم، وقوله: "فإن الشيطان" قلنا: المراد بـ "أل" هنا الجنس، يعني: ليس شيطانا معينا بل جنس الشياطين. "يبيت على خيشومه" أي: على أنفه؛ لأن الخيشوم تطلق على الأنف كله، وتطلق على العظام الرقيقة التي هي داخل الأنف. في هذا الحديث فوائد منها: أمر من استيقظ من النوم أن يستنثر ثلاثا، يستفاد من قوله: "فليستنثر ثلاثا"، وهل هذا الأمر للوجوب أو لا؟ نقول: الأصل في الأمر الوجوب لاسيما وأن النبي ﷺ علل ذلك بأمر يجب التنزه عنه، وهو أثر الشيطان الذي يبيت على الخيشوم. ومن فوائد هذا الحديث: تكرار التطهير ثلاثا لقوله: "فليستنثر ثلاثا" فهل يؤخذ من هذا أن إزالة النجاسة لابد أن تكون بثلاث غسلات، وأنه لا يكتفى بمرة واحدة ولو زالت النجاسة؟ يحتمل هذا وهذا، ويحتمل أن يقال: إنه يقاس عليه بقية النجاسات كما ذهب إليه بعض الفقهاء، وقال: إنه يشترط في إزالة النجاسة أن تكون بثلاث غسلات، والمذهب - كما هو معروف عندكم- لابد من سبع غسلات. ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار التثليث في كثير من الأحكام الشرعية كما في هذا الحديث ونظائره. ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ ؛ حيث قرن الحكم بعلته، وقرن الحكم بالعلة له فوائد: منها: العموم إذا كانت هذه لعلة موجودة في غير ما نص عليه.

стр. 137

ومنها: تنشيط الإنسان على العمل أو نفوره منه؛ فإن كان في خير فإنه ينشط، وإن كان في غيره فإنه يهرب ولا ينشط، وهذا من باب الترهيب لقوله: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه". ومنها: ثبوت نبوة النبي ﷺ ؛ لأن علمه بأن الشيطان يبيت على خيشومه لا يدرك بالحس؛ فإنه لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يطلعوا على هذا ما اطلعوا عليه، ولكن النبي ﷺ اطلع على ذلك عن طريق الوحي؛ لأنه ﵊ لا يعلم الغيب. ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره العموم، أي: عموم الأمر بالاستنثار في كل نوم لقوله: "من نومه"، ولكن العلة تقتضي التخصيص حيث قال: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه". فمن العلماء من أخذ بالعموم، وقال: إن تعليل بعض أفراد العام بعلة لا يقتضي التخصيص. ومن العلماء من قال: بل العلة تخصيص العام، وعلى كل حال: الاحتياط أن يستنثر الإنسان ثلاثا حتى في نوم النهار؛ لأن اللفظ يحتمله، وعود العلة على بعض أفراده لا يقتضي التخصيص، كما أن عود الحكم على بعض الأفراد داخل في التخصيص. ونضرب لهذا مثلا بحديث جابر: "قضى النبي ﷺ في الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". إذا نظرنا إلى أول الحديث: "قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم"، قلنا: إن الشفعة ثابتة لكل شريك باع شريكه نصيبه المشترك سواء كان من الأراضي أو من السيارات أو من المعدات أو غيره لعموم قوله: "في كل ما لم يقسم" حتى في الثياب، وإذا نظرنا إلى قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" قلنا: إن هذا يقتضي أن يكون المراد بالعموم في قوله: "في كل ما لم يقسم": الأراضي فقط؛ لأنها هي التي يقع فيها الحدود ويصرف فيها الطرق، ولهذا اختلف العلماء ﵏ هل الشفعة واجبة في كل شيء أو في الأرض التي تجب قسمتها أو تجوز حسب الاختلاف المعروف عند العلماء، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وهذا عام، المطلقات تشمل من لزوجها الرجعة عليها ومن لا رجعة له عليها، لكن قوله: ﴿بعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ يقتضي أن يكون المراد بالمطلقات هنا الرجعية، والعلماء جمهورهم على الأول: أن جميع المطلقات يلزمهن أن يتربصن ثلاثة قروء ولم يلتفتوا إلى تخصيص الحكم في بعض الأفراد ولا شك أن الاحتياط الأخذ بالعموم سواء في هذا أو في هذا، يقول: ٣٤ -

стр. 138

وعنه - يعني: أبي هريرة أيضا ﵁: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. الجملة الأولى في هذا الحديث مطابقة تماما للجملة الأولى في الحديث الذي سبقه، لكن ما بعدها يخالفهما؛ في الحديث الأول فيه الأمر، والحديث الثاني فيه النهي: "فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا" يعني: حتى يغسلها بعد النوم ثلاثا، أي: ثلاث مرات. "فإنه لا يدري أين باتت يده". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، فإنه - أي: المستيقظ- لا يدري أين باتت يده، وقوله: "لا يدري" أي: لا يعلم أين باتت يده، من المعلوم أن النبي ﵊ لا يريد: لا يعلم أباتت معه في الفراش أو باتت في مكان منفصل لا يريد هذا إطلاقا، لكن يريد: لا يعلم أين باتت يد من حيث التصرف والعمل، فقد تكون حركت إلى أماكن قذرة أما ما أشبه ذلك. هذا قول بعض العلماء، ولذلك سيأتي أنهم يقولون: إنه إذا باتت يده في جراب أو نحوه مما يتيقن الإنسان أنها لم تصب شيئا نجسا؛ فإنه لا يدخل في هذا الحديث، وقيل: "لا يدري أين باتت يده" من الناحية الغيبية، وهو أنه ربما يكون الشيطان قد عبث بيده في منامه، كما أنه يبيت على خيشومه يبيت على يده ويلوثها بأقذار أو أنجاس تؤثر في الإنسان، وهذا الأخير هو الأقرب. على هذا نستفيد من هذا الحديث فوائد منها: أن الإنسان إذا استيقظ من النوم فإنه لا يجوز أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا للنهي، والأصل في النهي التحريم. ومنها: هل يجوز أن يغمس بعضها لقوله: "فلا يغمس يده"؟ لا؛ لأن الأصل فيما أضيف إلى اليد أن يكون عاما لها، واليد إذا أطلقت فإنها إلى الكف، وإذا قيدت إلى المرفق تقيدت به، لكن عند الإطلاق تكون إلى الكف، ويحتمل أن يقال: نرجع إلى القاعدة العامة "أن المنهي عنه يتناول النهي فيه جزأه وكله"، وأن غمس بعض اليد كغمس اليد كلها، وهذا هو الأصح؛ لأن الأصل في النهي عنه أن يعم جميع المنهي عنه لقول النبي ﷺ : "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، وعلى هذا فيكون النهي شاملا لغمس اليد كاملة أو غمس جزء منها. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب تطهير ما يشك في كونه نجسا لقوله: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، وهذا مبني على أن التعليل هذا يعني أنه ربما تلوثت يده بنجاسة وهو لا يدري، لكن هذا القول ضعيف، ولذلك لما كان هذا التعليل هو الذي ذهب إليه بعض العلماء

стр. 139

قال آخرون: إن النهي هنا ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة؛ لأن الأشياء لا تنجس بمجرد الظن، ولكن الصواب أن معنى قوله: "لا يدري أين باتت يده": أنه ربما يكون الشيطان قد عبث بها وأدخل فيها الأوساخ والأقذار وهو لا يعلم. ومن فوائد هذا الحديث: أن فيه إثبات نبوة الرسول ﷺ ؛ لأن مثل هذا لا يعلم بالحس وإنما يعلم بالوحي؛ إذ إن هذا حال الإنسان وهو نائم لا يعلم أحد ما يحدث له. ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ ؛ لأنه ذكر الحكم مقرونا بالعلة. ومنها: سلوك جانب الاحتياط لقوله: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" بخلاف الأول، فإن الأول يقول: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه" ففيه الجزم بأن الشيطان يبيت على خيشومه، أما هذا فيقول: "فإنه لا يدري أين باتت يده" ففيه إيماء إلى سلوك جانب الاحتياط، وأن الإنسان ينبغي له أن يبتعد عما يحتمل أن يكون فيه مضرة عليه، فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا فهل يتغير الماء أو لا يتغير أو يأثم أو لا يأثم؟ إذا قلنا: إن النهي للتحريم فهو آثم، وإذا قلنا للكراهة فليس بآثم، أما الماء فإن النبي ﷺ لم يتعرض له، فالصواب أنه يكون طهورا وأنه لا يتأثر بنجاسة، ولا يتأثر بانتقاله من طهورية إلى طاهر، بل الأصح أنه ليس هناك قسم يسمى طاهرا. وجوب المضمضة والاستنشاق: ٣٥ - وعن لقيط بن صبرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما". - أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة. "أسبغ الوضوء"، يعني: أشمل به جميع الأعضاء التي أمر بها؛ لأن الإسباغ معناه: الشمول كما قال الله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة﴾ [لقمان: ٢٠]. وعلى هذا فهو إشارة إلى الكيفية لا إلى الكمية، أي: فلا يدخل تكرار غسل ما يشرع تكرار غسله، وإنما المراد: التعميم، فإذا كان المراد التعميم كان الأمر هنا للوجوب، وإذا كان يشمل التعميم ويشمل الكمية صار الأمر هنا مشتركا بين الوجوب والاستحباب، وقوله: "الوضوء" الضوء هو: تطهير الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. "وخلل هذه الأصابع" خلل بينها، أي: أدخل أصابعك بين الأصابع، وهل المراد أصابع اليد

стр. 140

أو أصابع الرجل أو الجميع؟ ظاهر الحديث أنه الجميع، يخلل أصابع اليدين ويخلل أصابع الرجلين، لكنه في الرجلين أوكد؛ لأن تلاصق الأصابع في الرجل أشد من تلاصقها في اليد. وقوله: "بالغ في الاستنشاق" الاستنشاق هو: جذب الماء بنفس إلى داخل الأنف إلا أن تكون صائما؛ يعني: فلا تبالغ في الاستنشاق حذرا من أن ينزل الماء من الأنف إلى المعدة فيكون هذا سببا للإفطار. ففي هذا الحديث فوائد منها: وجوب إسباغ الوضوء هذا إذا قلنا الإسباغ بمعنى الشمول والتعميم، وأما إذا قلنا أسبغوا، أي: ائتوا به كاملا فإنه يجب فيما فيه التعميم ويستحب فيما فيه الكيفية. ومن فوائد هذا الحديث: حرص النبي ﷺ على إتمام الوضوء، وعلى أنه لا ينبغي التهاون به. ومن فوائده: أنه إذا كان الإنسان مأمورا بإسباغ الوضوء وهو من شروط الصلاة؛ فإكمال الصلاة من باب أولى؛ يعني: إذا كنا مأمورين بأن نحرص على شروط الصلاة ونعتني بها فالصلاة من باب أولى، فيكون فيه إشارة إلى أنه يجب الاعتناء بالصلاة. ومن فوائد هذا الحديث: الأمر بتخليل الأصابع، وهل الأمر للوجوب؟ في هذا تفصيل إن كانت متلاصقة جدا بحيث لا يصل الماء إلى ما بينها فالتخليل واجب، وإن كانت متسعة فالخليل ليس بواجب. فإن قال قائل: وهل للتخليل صفة مشروعة أو هو مطلق خلل بأي إصبع شئت، وعلى أي كيفية شئت؟ فالجواب: أن ألأمر واجب، ولكن بماذا تبدأ؟ نقول: ابدأ بالخنصر بالنسبة لليمنى، ثم البنصر ثم الوسطى، ثم السبابة، ثم الإبهام. بالنسبة لليسرى تكون بالعكس يبدأ بالإبهام إلى الخنصر. ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية المبالغة في الاستنشاق لقوله: "بالغ في الاستنشاق" إلى حد يصل إلى احتمال نزول الماء إلى المعدة، دليل أن هذا حد المبالغة: الاستثناء في قوله: "إلا أن تكون صائما". ومن فوائد الحديث: أن ما وصل إلى المعدة من الشراب عن طريق الأنف كالذي يصل إلها عن طريق الفم لقوله: "إلا أن تكون صائما". ومن فوائد هذا الحديث: أن الصائم لا يسن له المبالغة في الاستنشاق سواء كان صومه نفلا أو فرضا. ومن فوائد هذا الحديث: الأخذ بالاحتياط؛ لأن المبالغة في الاستنشاق للصائم ربما ينزل الماء إلى بطنه، فيحتاط الإنسان ولا يبالغ. فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يتضرر بالمبالغة؛ لأن بعض الناس يتضررون بها، بأن يحصل

стр. 141

لهم احتقان في الأنف أو حساسية أو ما أشبه ذلك، فإنا نقول: يكتفي في ذلك بأن يدخل الماء إلى منخريه. وهل يستفاد من هذا أن الاستنشاق واجب؟ قد يقول قائل: إنه يفيد أن الاستنشاق واجب لقوله: "بالغ فيه"، وسبب المبالغة لا يتحقق إلا إذا وجد الأصل، وقد يقال: إنه لا يدل على الوجوب؛ لأن الأمر بالصفة أمر بها إذا وقع الفعل، فيقال: بالغ في الاستنشاق إن استنشقت، وقد سبق لنا أن الآية الكريمة تدل على وجوب المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما من الوجه. ومن فوائد هذا الحديث: أن أمر النبي ﷺ لواحد من الأمة أمر للجميع؛ ولهذا يستعمل العلماء ﵏ الاستدلال بمثل هذه الأحاديث الموجهة إلى الواحد على أنها للعموم وهو كذلك، فخطاب النبي ﷺ لواحد من الأمة خطاب لجميع الأمة إلى يوم القيامة. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد قال لأبي بردة بن نيار في العناق: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك". وهذا تخصيص فما الجواب؟ الجواب من أحد وجهين: الوجه الأول: إما أن نقول: إن هذا نص النبي ﷺ على خصوصيته، وكونه ينص على خصوصيته دليل على أنه لولا أنه لم يخصص بهذا لكان الحكم عاما، ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فدل ذلك على أن ما لم يخصص به الرسول ﵊ فهو عام له وللأمة. هذا وجه. الوجه الثاني: أن المراد بالبعدية هنا: بعدية حال وصفة؛ أي: لن تجزئ عن أحد لم تصل به الحال إلى حالك التي وصلت إليها، وهذا الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأنه يقول: الأحكام الشرعية تبنى على الأوصاف والعلل والمعاني، وليست على الأشخاص؛ لأن الناس عند حكم الله واحد، فلا يخص أحدا بعينه؛ لأنه فلان بل يخص بوصفه لا بعينه، وما ذهب إليه ﵀ هو الحق؛ أي: أن الشرع لا يمكن أن يخصص أحدا بعينه؛ لأنه فلان بل لابد من وصف إذا وجد في غيره ثبت الحكم في حقه. قال: "ولأبي داود في رواية: "إذا توضأت فمضمض". فعلى هذا يكون في حديث لقيط ذكر الاستنشاق وذكر المضمضة، والمضمضة صرح النبي ﷺ بالأمر بها إذا توضأت فمضمض،

стр. 142

والمؤلف ﵀ أراد بسياق هذه الأدلة الدالة على وجوب المضمضة والاستنشاق أراد بذلك التأكيد، وإلا فلا شك أن الأنف والفم داخلان في الوجه. استحباب تخليل اللحية: ٣٦ - وعن عثمان ﵁ قال: "إن النبي ﷺ كان يخلل لحيته في الوضوء". أخرجه الترمذي، وصححه ابن خزيمة. اللحية معروفة: هي الشهر النابت على اللحيين والخدين كما ذكر ذلك صاحب القاموس، وعلى هذا فالعوارض من اللحية، ولا ضرر أن تكون اللحية مشتملة على اسم يعم أجزاء لكل واحد منها اسم خاص، كما لو قلت: "اليد" مثلا فيها الكف، وفيها الأصابع، وفيها الذراع، وفيها المرافق، وكلها يشملها اسم اليد، كذلك أيضا اللحية نقول: هي لكل شعر الوجه واللحيين، ولا مانع من أن نقول: هذا عارض، وهذا ذقن، وهذا كذا، وهذا كذا، لا مانع، وإنما أشرت إلى هذا؛ لأن بعض الناس قال: إن المراد باللحية: الذقن فقط دون ما ينبت على اللحيين، ودون ما ينبت على الخدين؛ لأن ذلك له اسم خاص، فيقال: إنه لا مانع من أن يكون الاسم يطلق على شيء له أجزاء لكل واحد منها اسم خاص، الرأس الآن فيه مؤخر ويمين وشمال وهو يطلق عليه اسم رأس. قوله: "كان يخلل لحيته في الوضوء"، أي: يدخل الماء فيما بين الشعر من أجل أن يصل الماء إلى جميع الشعر، وظاهر الحديث: أن النبي ﷺ كان يخللها مع طولها، ومن المعلوم أن لحية النبي ﷺ كانت كثة عظيمة. فيستفاد من هذا الحديث: استحباب تخليل اللحية، ولا يكون وجوبا؛ لأن ذلك مجرد فعل، والفعل لا يدل بمجرده على الوجوب. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي تطهير الشعر النابت على محل الفرض، وأما الشعر الذي دونه كالشعر الذي على الرقبة فلا، ولم يذكر شعر الحاجب وشعر الأهداب؛ لأن هذه لا

стр. 143

تحتاج إلى تخليل إذ إنها قليلة، والغالب أنها تكون خفيفة، وهذا وقد ذكر العلماء ﵏ أن الشعر النابت على الوجه ينقسم إلى قسمين: خفيف، والثاني كثيف. فالخفيف: هو الذي ترى من ورائه البشرة. والكثيف: هو الذي لا ترى من ورائه البشرة، ثم قسموا تطهيرها للشعر إلى ثلاثة أقسام، فقالوا: إما في التيمم فلا يجب إلا مسح ظاهر الشعر، ولا يجب أن يوصل الإنسان التراب إلى داخل الشعر سواء كان على جنابة أو كان على حدث أصغر، وأما إذا كانت الطهارة طهارة جنابة؛ فإنه يجب إيصال الماء إلى الشعر ظاهره وباطنه، سواء كان خفيفا أو كثيفا، وهذان متقابلان، التيمم لا يجب مطلقا، والغسل من الجنابة يجب مطلقا، وأما الوضوء فإن كان الشعر خفيفا ترى من ورائه البشرة وجب إيصال الماء إليه، وإن كان كثيفا لم يجب إيصال الماء إلى باطن الشعر، واكتفي بغسل ظاهره. ثم اختلف العلماء - رحمهم اله- في المسترسل من شعر اللحية هل يجب غسله أو لا يجب إلا ما كان على قدر اللحيين فقط؟ والصحيح: أن غسله واجب؛ لأنه داخل في عموم الوجه، وقد قال الله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]. فإن اللحية وإن طالت يجب في الوضوء أن يغسلها الإنسان، إما أن يغسل ظاهرها إن كانت كثيفة، أو ظاهرها وباطنها إن كانت خفيفة. أسئلة في إسباغ الوضوء: - هل الأمر للوجوب أو لا؟ - هل اللفظ المشترك يستعمل في معنين؟ الراجح يستعمل بشر ألا يتنافيا. - لماذا قال: "إن أن تكون صائما"؟ - لو وصل الماء عن طريق الأذن إلى المعدة هل يفطر؟ لا - هل يؤخذ من حديث لقيط اتباع الاحتياط؟ نعم. - هل نأخذ من حديث عثمان أن رسول الله ﷺ كان ذا لحية؟ حكم الدلك: ٣٧ - وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: "إن النبي ﷺ أتى بثلثي مد، فجعل يدلك ذراعه". أخرجه وصححه ابن خزيمة. "أتى بثلثي مد" والمد: ربع الصاع - صاع النبي ﵊ وصاع النبي - عليه

стр. 144

الصلاة والسلام- أقل من الصاع المعروف عندنا بالخمس وزيادة، يعني: ثمانين من مائة وخمسة، هذا صاع النبي ﵊ بالنسبة لأصواعنا فهو قليل، والمد: ربع الصاع، وثلثا المد يعني الثلثين ... قليل، ومع ذلك كان النبي ﷺ يتوضأ بثلثي مد، وهذا أقل ما روي أنه توضأ به، وأكثر ما يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي الإسراف في استعمال الماء، وأن الإنسان يقتصر على أدنى ما يمكن إسباغ الوضوء به؛ وقوله: "فجعل يدلك ذراعيه". الدلك هو مسح الشيء على وجه فيه شدة حتى يسبغه؛ لأن الماء قليل فلابد من دلك حتى يسبغ ذراعيه، والذراع: هو الساعد الذي بين المرفق والكتف. فيستفاد من هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان لا يسرف في استعمال الماء؛ لأنه يقتصر على ثلثي مد. فإن قال قائل: وهل ممكن؟ قلنا: نعم، هذا ممكن إذا كان الرسول ﵊ فعله فهو ممكن؛ لأنه أسوتنا، أما على ما نحن عليه الآن من هذه الصنابير فإن الإنسان يتوضأ بكم؟ يمكن بأكثر من صاع؛ لأنه لا يزال الماء في الصنوبر يمشي ولا يمكن أن تقدر - قدره، ولهذا رأينا في بعض المناطق في الحجاز أنهم يستعملون استعمالا جيدا جعلوا البزبوز الصمام الذي يكون للغاز، لأنه ضيق فلا يسرف كثيرا، وهذا لا شك أنه جيد، خصوصا في الأماكن العامة التي لا يقدر فيها الناس قدر الماء. وفي هذا الحديث أيضا: استحباب دلك الأعضاء لقوله: "فجعل يدلك"؛ فيستحب منه الدلك، ولكن هذا فيما إذا كان الماء كثيرا يسبغ بدون دلك، فالدلك يكون سنة؛ لأنه أبلغ في الإسباغ، أما إذا كان الماء قليلا لا يمكن أن يجزي على الأعضاء إلا بدلك، فالدلك واجب وهذا القول وسط بين قولين: الأول: أن الدلك واجب مطلقا؛ لأنه لا يتيقن أن الماء وصل إلى جميع العضو إلا بالدلك؛ إذ إن الجلد فيه شيء من الدهون، فقد لا يصل الماء عن موضع الجلد فلا يدرك الواجب. الثاني: بعض العلماء: -وهم الأكثر ٠ يقولون: إن التدليك سنة، وفي هذا يقول القحطاني في نونيته ﵀: [الكامل] الغسل فرض والتدلك سنة ... وهما بمذهب مالك فرضان لكن الصحيح: التفصيل؛ إذا كان الماء كثيرا ينتشر على الجلد بلا إشكال فالدلك سنة،

стр. 145

وإن كان قليلا فالدلك واجب. إذا نزلنا هذا الحديث على ما ذكرنا من التفصيل يكون الدلك واجبا. صفة مسح الرأس والأذنين: ٣٩ - وعنه ﵁: "أنه رأى النبي ﷺ يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه". أخرجه البيهقي - وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو المحفوظ. "وعنه" يعني: عبد الله بن زيد، أنه رأي النبي ﷺ يأخذ ماء لأذنيه، ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه، والماء الذي أخذه لرأسه مسح به الرأس، ثم أخذ لأذنيه ماء جديدا غير الماء الذي أخذ لرأسه. يقول المؤلف معقبا على هذه الرواية: وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو المحفوظ. وعلى هذا تكون رواية البيهقي شاذة؛ لأن المخرج واحد، ورواية مسلم أقوى، والمعروف في علم المصطلح أنه يقدم الأقوى ولو كان الثاني ثقة، ويكون الأقولا محفوظا والثاني شاذا، ولهذا نقول: المخالفة في الزيادة إن لم تكن منافية وجاءت من ثقة فهي مقبولة كما لو روى الحديث مستقلا، وإن جاءت الزيادة منافية نظرنا إلى إن كانت منافية لمن هو أوثق مع ثقة ناقليها فهي شاذة، وإن كان الزائد ضعيفا فهي منكرة وغير الزائد يسمى معروفا، فعندنا المعروف يقابل بالمنكر، والمحفوظ يقابل بالشاذ. وأما حكم هذه المسألة فرواية البيهقي تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ لأذنيه ماء غير ما مسح به رأسه، ولكن هذا لا يثبت عن النبي ﷺ ولولا أن الحديث أتى من وجه واحد لقلنا: لعل النبي ﷺ يفعل هذا تارة وهذا أخرى، أو لعله يأخذ ماء لأذنيه إذا نشفت يداه وكان لابد من أن يأخذ ماء، لكن ما دام الوجه واحدا والطريق واحدا وجاءت رواية مسلم أنه أخذ ماء جديدا للرأس دون الأذنين فإنها مقدمة على رواية البيهقي. أخذ الفقهاء ﵏ بما دلت عليه رواية البيهقي، وقالوا: يسن أن يأخذ ماء جديدا
следующие страницы →