← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لهم احتقان في الأنف أو حساسية أو ما أشبه ذلك، فإنا نقول: يكتفي في ذلك بأن يدخل الماء إلى منخريه. وهل يستفاد من هذا أن الاستنشاق واجب؟ قد يقول قائل: إنه يفيد أن الاستنشاق واجب لقوله: "بالغ فيه"، وسبب المبالغة لا يتحقق إلا إذا وجد الأصل، وقد يقال: إنه لا يدل على الوجوب؛ لأن الأمر بالصفة أمر بها إذا وقع الفعل، فيقال: بالغ في الاستنشاق إن استنشقت، وقد سبق لنا أن الآية الكريمة تدل على وجوب المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما من الوجه. ومن فوائد هذا الحديث: أن أمر النبي ﷺ لواحد من الأمة أمر للجميع؛ ولهذا يستعمل العلماء ﵏ الاستدلال بمثل هذه الأحاديث الموجهة إلى الواحد على أنها للعموم وهو كذلك، فخطاب النبي ﷺ لواحد من الأمة خطاب لجميع الأمة إلى يوم القيامة. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد قال لأبي بردة بن نيار في العناق: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك". وهذا تخصيص فما الجواب؟ الجواب من أحد وجهين: الوجه الأول: إما أن نقول: إن هذا نص النبي ﷺ على خصوصيته، وكونه ينص على خصوصيته دليل على أنه لولا أنه لم يخصص بهذا لكان الحكم عاما، ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فدل ذلك على أن ما لم يخصص به الرسول ﵊ فهو عام له وللأمة. هذا وجه. الوجه الثاني: أن المراد بالبعدية هنا: بعدية حال وصفة؛ أي: لن تجزئ عن أحد لم تصل به الحال إلى حالك التي وصلت إليها، وهذا الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأنه يقول: الأحكام الشرعية تبنى على الأوصاف والعلل والمعاني، وليست على الأشخاص؛ لأن الناس عند حكم الله واحد، فلا يخص أحدا بعينه؛ لأنه فلان بل يخص بوصفه لا بعينه، وما ذهب إليه ﵀ هو الحق؛ أي: أن الشرع لا يمكن أن يخصص أحدا بعينه؛ لأنه فلان بل لابد من وصف إذا وجد في غيره ثبت الحكم في حقه. قال: "ولأبي داود في رواية: "إذا توضأت فمضمض". فعلى هذا يكون في حديث لقيط ذكر الاستنشاق وذكر المضمضة، والمضمضة صرح النبي ﷺ بالأمر بها إذا توضأت فمضمض،

стр. 142

والمؤلف ﵀ أراد بسياق هذه الأدلة الدالة على وجوب المضمضة والاستنشاق أراد بذلك التأكيد، وإلا فلا شك أن الأنف والفم داخلان في الوجه. استحباب تخليل اللحية: ٣٦ - وعن عثمان ﵁ قال: "إن النبي ﷺ كان يخلل لحيته في الوضوء". أخرجه الترمذي، وصححه ابن خزيمة. اللحية معروفة: هي الشهر النابت على اللحيين والخدين كما ذكر ذلك صاحب القاموس، وعلى هذا فالعوارض من اللحية، ولا ضرر أن تكون اللحية مشتملة على اسم يعم أجزاء لكل واحد منها اسم خاص، كما لو قلت: "اليد" مثلا فيها الكف، وفيها الأصابع، وفيها الذراع، وفيها المرافق، وكلها يشملها اسم اليد، كذلك أيضا اللحية نقول: هي لكل شعر الوجه واللحيين، ولا مانع من أن نقول: هذا عارض، وهذا ذقن، وهذا كذا، وهذا كذا، لا مانع، وإنما أشرت إلى هذا؛ لأن بعض الناس قال: إن المراد باللحية: الذقن فقط دون ما ينبت على اللحيين، ودون ما ينبت على الخدين؛ لأن ذلك له اسم خاص، فيقال: إنه لا مانع من أن يكون الاسم يطلق على شيء له أجزاء لكل واحد منها اسم خاص، الرأس الآن فيه مؤخر ويمين وشمال وهو يطلق عليه اسم رأس. قوله: "كان يخلل لحيته في الوضوء"، أي: يدخل الماء فيما بين الشعر من أجل أن يصل الماء إلى جميع الشعر، وظاهر الحديث: أن النبي ﷺ كان يخللها مع طولها، ومن المعلوم أن لحية النبي ﷺ كانت كثة عظيمة. فيستفاد من هذا الحديث: استحباب تخليل اللحية، ولا يكون وجوبا؛ لأن ذلك مجرد فعل، والفعل لا يدل بمجرده على الوجوب. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي تطهير الشعر النابت على محل الفرض، وأما الشعر الذي دونه كالشعر الذي على الرقبة فلا، ولم يذكر شعر الحاجب وشعر الأهداب؛ لأن هذه لا

стр. 143

تحتاج إلى تخليل إذ إنها قليلة، والغالب أنها تكون خفيفة، وهذا وقد ذكر العلماء ﵏ أن الشعر النابت على الوجه ينقسم إلى قسمين: خفيف، والثاني كثيف. فالخفيف: هو الذي ترى من ورائه البشرة. والكثيف: هو الذي لا ترى من ورائه البشرة، ثم قسموا تطهيرها للشعر إلى ثلاثة أقسام، فقالوا: إما في التيمم فلا يجب إلا مسح ظاهر الشعر، ولا يجب أن يوصل الإنسان التراب إلى داخل الشعر سواء كان على جنابة أو كان على حدث أصغر، وأما إذا كانت الطهارة طهارة جنابة؛ فإنه يجب إيصال الماء إلى الشعر ظاهره وباطنه، سواء كان خفيفا أو كثيفا، وهذان متقابلان، التيمم لا يجب مطلقا، والغسل من الجنابة يجب مطلقا، وأما الوضوء فإن كان الشعر خفيفا ترى من ورائه البشرة وجب إيصال الماء إليه، وإن كان كثيفا لم يجب إيصال الماء إلى باطن الشعر، واكتفي بغسل ظاهره. ثم اختلف العلماء - رحمهم اله- في المسترسل من شعر اللحية هل يجب غسله أو لا يجب إلا ما كان على قدر اللحيين فقط؟ والصحيح: أن غسله واجب؛ لأنه داخل في عموم الوجه، وقد قال الله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]. فإن اللحية وإن طالت يجب في الوضوء أن يغسلها الإنسان، إما أن يغسل ظاهرها إن كانت كثيفة، أو ظاهرها وباطنها إن كانت خفيفة. أسئلة في إسباغ الوضوء: - هل الأمر للوجوب أو لا؟ - هل اللفظ المشترك يستعمل في معنين؟ الراجح يستعمل بشر ألا يتنافيا. - لماذا قال: "إن أن تكون صائما"؟ - لو وصل الماء عن طريق الأذن إلى المعدة هل يفطر؟ لا - هل يؤخذ من حديث لقيط اتباع الاحتياط؟ نعم. - هل نأخذ من حديث عثمان أن رسول الله ﷺ كان ذا لحية؟ حكم الدلك: ٣٧ - وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: "إن النبي ﷺ أتى بثلثي مد، فجعل يدلك ذراعه". أخرجه وصححه ابن خزيمة. "أتى بثلثي مد" والمد: ربع الصاع - صاع النبي ﵊ وصاع النبي - عليه

стр. 144

الصلاة والسلام- أقل من الصاع المعروف عندنا بالخمس وزيادة، يعني: ثمانين من مائة وخمسة، هذا صاع النبي ﵊ بالنسبة لأصواعنا فهو قليل، والمد: ربع الصاع، وثلثا المد يعني الثلثين ... قليل، ومع ذلك كان النبي ﷺ يتوضأ بثلثي مد، وهذا أقل ما روي أنه توضأ به، وأكثر ما يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي الإسراف في استعمال الماء، وأن الإنسان يقتصر على أدنى ما يمكن إسباغ الوضوء به؛ وقوله: "فجعل يدلك ذراعيه". الدلك هو مسح الشيء على وجه فيه شدة حتى يسبغه؛ لأن الماء قليل فلابد من دلك حتى يسبغ ذراعيه، والذراع: هو الساعد الذي بين المرفق والكتف. فيستفاد من هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان لا يسرف في استعمال الماء؛ لأنه يقتصر على ثلثي مد. فإن قال قائل: وهل ممكن؟ قلنا: نعم، هذا ممكن إذا كان الرسول ﵊ فعله فهو ممكن؛ لأنه أسوتنا، أما على ما نحن عليه الآن من هذه الصنابير فإن الإنسان يتوضأ بكم؟ يمكن بأكثر من صاع؛ لأنه لا يزال الماء في الصنوبر يمشي ولا يمكن أن تقدر - قدره، ولهذا رأينا في بعض المناطق في الحجاز أنهم يستعملون استعمالا جيدا جعلوا البزبوز الصمام الذي يكون للغاز، لأنه ضيق فلا يسرف كثيرا، وهذا لا شك أنه جيد، خصوصا في الأماكن العامة التي لا يقدر فيها الناس قدر الماء. وفي هذا الحديث أيضا: استحباب دلك الأعضاء لقوله: "فجعل يدلك"؛ فيستحب منه الدلك، ولكن هذا فيما إذا كان الماء كثيرا يسبغ بدون دلك، فالدلك يكون سنة؛ لأنه أبلغ في الإسباغ، أما إذا كان الماء قليلا لا يمكن أن يجزي على الأعضاء إلا بدلك، فالدلك واجب وهذا القول وسط بين قولين: الأول: أن الدلك واجب مطلقا؛ لأنه لا يتيقن أن الماء وصل إلى جميع العضو إلا بالدلك؛ إذ إن الجلد فيه شيء من الدهون، فقد لا يصل الماء عن موضع الجلد فلا يدرك الواجب. الثاني: بعض العلماء: -وهم الأكثر ٠ يقولون: إن التدليك سنة، وفي هذا يقول القحطاني في نونيته ﵀: [الكامل] الغسل فرض والتدلك سنة ... وهما بمذهب مالك فرضان لكن الصحيح: التفصيل؛ إذا كان الماء كثيرا ينتشر على الجلد بلا إشكال فالدلك سنة،

стр. 145

وإن كان قليلا فالدلك واجب. إذا نزلنا هذا الحديث على ما ذكرنا من التفصيل يكون الدلك واجبا. صفة مسح الرأس والأذنين: ٣٩ - وعنه ﵁: "أنه رأى النبي ﷺ يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه". أخرجه البيهقي - وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو المحفوظ. "وعنه" يعني: عبد الله بن زيد، أنه رأي النبي ﷺ يأخذ ماء لأذنيه، ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه، والماء الذي أخذه لرأسه مسح به الرأس، ثم أخذ لأذنيه ماء جديدا غير الماء الذي أخذ لرأسه. يقول المؤلف معقبا على هذه الرواية: وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو المحفوظ. وعلى هذا تكون رواية البيهقي شاذة؛ لأن المخرج واحد، ورواية مسلم أقوى، والمعروف في علم المصطلح أنه يقدم الأقوى ولو كان الثاني ثقة، ويكون الأقولا محفوظا والثاني شاذا، ولهذا نقول: المخالفة في الزيادة إن لم تكن منافية وجاءت من ثقة فهي مقبولة كما لو روى الحديث مستقلا، وإن جاءت الزيادة منافية نظرنا إلى إن كانت منافية لمن هو أوثق مع ثقة ناقليها فهي شاذة، وإن كان الزائد ضعيفا فهي منكرة وغير الزائد يسمى معروفا، فعندنا المعروف يقابل بالمنكر، والمحفوظ يقابل بالشاذ. وأما حكم هذه المسألة فرواية البيهقي تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ لأذنيه ماء غير ما مسح به رأسه، ولكن هذا لا يثبت عن النبي ﷺ ولولا أن الحديث أتى من وجه واحد لقلنا: لعل النبي ﷺ يفعل هذا تارة وهذا أخرى، أو لعله يأخذ ماء لأذنيه إذا نشفت يداه وكان لابد من أن يأخذ ماء، لكن ما دام الوجه واحدا والطريق واحدا وجاءت رواية مسلم أنه أخذ ماء جديدا للرأس دون الأذنين فإنها مقدمة على رواية البيهقي. أخذ الفقهاء ﵏ بما دلت عليه رواية البيهقي، وقالوا: يسن أن يأخذ ماء جديدا

стр. 146

لأذنيه، ولكن هذا القول ضعيف، نعم لو فرض أن اليد يبست نهائيا ولم يكن فيها بلل إطلاقا فحينئذ يحتاج إلى أن يبل بماء جديد، وهذا يتصور فيما إذا كانت الريح شديدة وكان الشعر كثيفا، وإلا فإن الغالب أنه يبقى البلل. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يمسح الأذنين بما بقي من الرأس هذا على رواية مسلم. ومن فوائده: أنه يأخذ ماء جديدا لكل عضو لقوله: "غير فضل يديه"، ولكن لو فرض أنه لم يأخذ فهل يصح الوضوء أو لا؟ يعني: لو أن إنسانا غسل يديه وبقي فيهما بلل ومسح بهما رأسه فهل يجزئ أو لا؟ نقول: أما على قول من يرى أن الماء المستعمل في طهارة واجبة يكون طاهرا غير مطهر فإنه لا يصح أن يمسح رأسه بالماء الفاضل بعد غسل اليدين؛ لأن هذا الفاضل يستعمل لطهارة واجبة فيكون طاهرا غير مطهر. وأما على القول الثاني: أنه ليس هناك قسم طاهر غير مطهر فإنه إذا بقي بلله يبل به الرأس فلا حرج؛ لأن المقصود مسح الرأس وقد حصل. فضل إسباغ الوضوء: ٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". متفق عليه، واللفظ لمسلم. قوله: "سمعته يقول: إن أمتي يأتون" والمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة؛ لأن الأمة يراد بها أمة الدعوة؛ يعني: الأمة التي وجهت إليها دعوة النبي ﷺ ، وهذا يعم جميع الناس منذ بعث الرسول ﵊ إلى يوم القيامة كلهم أمته، وأمة الإجابة وهم الذين استجابوا للرسول ﵊، فأمة الدعوة وجهت إليهم الدعوة فمنهم من آمن ومنهم من كفر. وأمة الإجابة هم الذين استجابوا، فكل فضل ورد في الأمة - أمة النبي ﷺ فإنه يحمل على أمة الإجابة؛ لأن أمة الكفر ليس لها فضيلة. يقول: "يأتون يوم القيامة" أي: يوم يبعث الناس، وسمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله كما قال الله تعالى: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين: ٦]. الثاني: أنه يقام فيه العدل لقول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا﴾ [الأنبياء: ٤٧].

стр. 147

والثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد كما قال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهد﴾ [غافر: ٥١]. "يأتون غرا" هذا حال من فاعل يأتون؟ والأغر: هو الفرس الذي في وجهه بياض، وقوله: "محجلين" أيضا حال أخرى، لكن التحجيل بياض يكون في الأرجل في أطرافها. وقوله: "من أثر" (من) هذا للتعليل، "من أثر الوضوء" يجوز فيه الوجهان: الوضوء أي: الماء، والوضوء أي: الفعل وكلاهما صحيح، هذا لفظ النبي ﷺ وفي لفظ: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين"؛ ولا منافاة لأنهم يدعون فيأتون كما قال الله تعالى: ﴿كل أمة تدعى إلى كتبها﴾ [الجاثية: ٢٨]. "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، وهل يمكن أن يستطيل؟ يقول الن القيم ﵀: إنه لا يمكن إطالة الغرة؛ لأن الغرة بياض الوجه، والوجه محدود طولا وعرضا، فلا يمكن أن تطال الغرة، لو أنه خرج بالغسل عن حد الوجه لكان خرج إلى غير الغرة، ولهذا قال في النونية: وإطالة الغرات ليس بممكن ... أيضا وهذا واضح التبيان فكيف نقول: إن النبي ﷺ تكلم بما لا يمكن؟ الجواب: أن هذا مدرج من قول أبي هريرة ﵁، ولهذا جاءت رواية أخرى لهذا الحديث ليس فيها "فمن استطاع"، لكن أدرجه بعض الرواة. وما قاله ابن القيم في هذا الحديث هو الصواب أنه مدرج، والله حدد الغسل - غسل الوجه- فقال: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]. ولو أنا خرجنا عن حد الوجه لكنا تعدينا عن الحد الذي حده الله ، أخذ بعض العلماء بهذه الزيادة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله. في هذا الحديث فوائد: أن هذه الأمة أمة محمد ﷺ تأتي يوم القيامة على هذا الوصف، وجوههم بيض نور يتلألأ، أيديهم كذلك، أرجلهم كذلك. ومن فوائد الحديث: أن هذا النور والبياض يختص بأعضاء الوضوء فقط التي تغسل وهي الوجه واليدان والرجلان، وأما الرأس فمسكوت عنها؛ لأن الغرة لا تكون إلا في الوجه. ومن فوائد هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم لما طهروا هذه الأعضاء في الوضوء امتثالا لأمر الله وتأسيا برسول الله ﷺ كان جزاؤهم مثل العمل، ولهذا تجدون في القرآن الكريم آيات كثيرة ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧]. وأمثال ذلك إشارة إلى أن الجزاء

стр. 148

من جنس العمل، ولكن الله بفضله ورحمته جعل الجزاء في الحسنات أكثر من العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة هذه الأمة حيث تأتي يوم القيامة على هذا الوجه الذي يشهد به الأولون والآخرون من عمل مضى في حين من الدهر سابق بعيد، فيأتون على هذا الوجه - جعلنا الله وإياكم منهم- ففيه فضيلة لهذه الأمة، ولهذا جاء في الحديث "سيما ليست لغيركم" ... وذكر الحديث، "سيما" يعني: علامة، والحمد لله. ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الوضوء؛ حيث كان جزاؤه يوم القيامة ظاهرا بارزا للخلائق. ومن فوائد هذا الحديث على ما ذهب إليه بعض العلماء: أنه ينبغي أن يزيد على محل الفرض لتزيد الغرة والتحجيل، وهذا القول ليس له حظ من النظر في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأن الناس سيأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، والوضوء محدد بالقرآن: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. يعني: لو أن إنسانا خرج وزاد إلى نصف العضد أو إلى الكتف ما كان للوضوء محل؛ إذ أن الوضوء محدد بالمرافق، وفي الرجلين محدد بالكعبين، فلا نقول: توضئوا إلى الركبتين؛ لأن الوضوء محدد، فالحديث لا يقتضي زيادة ولا يدل على فضيلة الزيادة، وبهذا نعرف أن قوله: "فمن استطاع منكم ... " إلخ. مدرج ولا يستقيم لكنه قد ثبت عن أبي هريرة ﵁ "أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضد وغسل رجليه حتى أشرع في الساق، وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل"، وهذا مرفوع لكن هل إشراعه في العضد إشراع زائد أو على قدر ما يتأتى به الفرض؟ الثاني هو المتعين؛ لأنه لا يمكن أن يجزم بأنه غسل المرفق إلا إذا غسل بعض العضد، وكذلك في الكعبين لا يمكن أن يتيقن أنه غسلهما إلا إذا شرع في الساق، وما ذكرناه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعني: أنه لا تسن الزيادة على موضع الفرض في الوضوء. استحباب التيمن: ٤٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله". متفق عليه. "يعجبه" أي: يسره، وهل الإعجاب الذي هو السرور والاستحسان شرعي أو طبعي؟ قد

стр. 149

يكون شرعيا، وقد يكون طبيعيا، فكان النبي ﷺ يعجبه الحلوى والعسل هذا شرعي أو طبعي؟ هذا طبعي، وكان يعجبه التيمن؟ هذا شرعي؛ لأنه هو ﷺ أمر به فقال: "ألا فيمنوا ألا فيمنوا". إذن يعجبه، يعني: يسره ويستحسنه. "التيمن" يعني الأخذ باليمين، "في تنعله"، أي: في لبس النعل إذا أراد أن يلبس النعل بدأ باليمين، وكذلك في "ترجله" إذا أراد أن يجل شعر رأسه بدأ باليمن؛ لأنه ﷺ كان له شعر يصل أحيانا إلى فروع أذنيه، وأحيانا إلى منكبيه؛ لأن اتخاذ الشعر في زمنه يعتبر رجولة وقوة ونشاطا، وأحيانا يجعله ذوائب كما في حديث ابن عباس ﵄ "أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الليل فأخذ رسول الله ﷺ بذؤابته من خلفه"، وأحيانا لا يكون له ذوائب لكن في حق الرسول ﵊ كان يصل إلى شحمة الأذنين، وأحيانا إلى المنكبين. "وطهوره" يعني: تطهره كالوضوء والغسل إلا في العضو الواحد، فإنه يبدأ به جميعا كالرأس مثلا فإنه لا يبدأ بالصفحة اليمنى قبل اليسرى، اللهم إلا أن يقال: إذا كان ليس له إلا يد واحدة فربما يقال: ابدأ باليمين. وقولها: "في شأنه كله" أي: ما يهمه من أمور الدين والدنيا يبدأ باليمن. في هذا الحديث: أن الرسول ﵊ كان يجب التيامن في شأنه كله ونص على ثلاثة أشياء: التنعل، والترجل، والطهور، ولكن هذا الحديث ليس على عمومه أنه في كل الشئون يقدم اليمين، فقد نهى ﷺ عن الاستنجاء باليمن، و"كان يستنثر باليسار"، فليس على عمومه، لكن لا مانع أن يقال: إن النصوص تأتي عامة ولها ما يخصصها، "يعجبه التيمن في شأنه كله" نقول: هذا ليس على العموم كما سيأتي. من فوائد هذا الحديث: أنه إذا أراد الإنسان أن يلبس النعل أن يبدأ باليمن وغير النعل مثلها، فإذا أردت أن تلبس السراويل فأدخل الرجل اليمنى قبل اليسرى، إذا أردت أن تلبس القميص فأدخل اليد اليمنى في كمها قبل اليسرى وعلى هذا فقس.

стр. 150

أسئلة: - ما حكم دلك المتوضئ لأعضائه؟ الدلك إذا كان الماء قليلا لا يصل إلى العضو إلا بدلك فهو واجب، وإن كان الماء كثيرا فهو مستحب. - هل الأفضل الإكثار من استعمال الماء طلبا للنظافة أو التقليل؟ الإقلال الدليل: ﴿ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]. ومن فعل الرسول أنه توضأ بثلثي مد. - في حديث أبي هريرة: "إن أمتي يدعون" ما المراد بالأمة؟ - ما الفرق بين غرا ومحجلين؟ الغرة في الوجه، والتحجيل في الأيدي والأرجل. - كيف نعرب "من أثر". - حديث عائشة: "كان النبي يعجبه التيمن" هل قوله: "في شأنه كله" عام؟ لا، ما هو الدليل؟ لا يتمسح من الخلاء بيمينه. - هل في حديث عائشة ما يدل على أن الرسول ﷺ يتخذ الشعر؟ نعم، من ذكرها الترجل، والترجل لا يكون إلا في الشعر. - ما هو الترجل؟ تسريح الشعر ودهنه وإصلاحه. - الفوائد: قال: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله"، يستفاد من هذا: أن النبي ﷺ كان يحب التيمن؛ لأن الإعجاب هنا بمعنى: المحبة والسرور. ومن فوائده: تقديم اليمين على اليسار لقولها: يعجبه التيمن. قال العلماء ﵏: إلا في مواطن الأذى والقذر فتقدم اليسرى، وأخذوا هذا الاستثناء من نهي النبي ﷺ عن الاستنجاء باليمين والتمسح بها، وعلى هذا فاليسرى تقدم للأذى واليمنى لما سواه، هذه قاعدة. والأشياء ثلاثة أقسام: أذى ونزاهة، ولا أذى ولا نزاهة، تقدم اليمين في موضعين في النزاهة، وفيما ليس بأذى ولا نزاهة، أما ما فيه أذى وقذر فإنه يقدم له اليسرى. هل يبدأ السواك بيمين فمه أو بشماله؟ نقول: يبدأ بيمين الفم لدخوله في قوله: "وطهوره"، أو في قوله: "وشأنه كله". وهل يمسك السواك باليمنى أو باليسرى؟ قال بعض العلماء: يمسكه باليسرى مطلقا. وقال بعضهم: باليمنى مطلقا، وفصل آخرون. فمن قال: باليسرى، قال: إن السواك آلة تنظيف وآلة تطهير فهي كالحجر يستجمر به

стр. 151

الإنسان، والحجر الذي يستجمر به الإنسان يأخذه باليسار فيتسوك باليسار وهو المذهب عند الحنابلة أنه يستاك بيده اليسرى. وقال بعض العلماء: بل باليمين؛ لأن السواك عبادة لقول النبي ﷺ : "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب"، فهو عبادة ولا ينبغي للإنسان أن يفعل العبادة إلا باليمين، لا يفعلها بآلة القذر. وفضل آخرون فقالوا: إن كان السواك لتطهير الفم فيأخذ باليسار، كما لو كان بعد الأكل بعد النوم بعد تغير الفم فيكون باليسار، وإذا كان لمجرد التطوع فهو باليمين كما لو توضأ الإنسان واستاك، ثم جاء إلى الصلاة فورا فهنا الفم لا يحتاج إلى تطهير لكنه يستاك عند الصلاة تسننا وتعبدا لله فيأخذه باليمين، ولو قيل: إن الأمر في هذا واسع، وأن ألإنسان إن شاء باليمين وإن شاء باليسار لم يكن بعيدا؛ لأن هذه علل قد لا يستطيع الإنسان أن يجزم ببناء الحكم عليها، فنقول: الأمر واسع، وأما بداءة الفم فيبدأ باليمين الجانب الأيمن. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الترجل لكن هل هو سنة عبادة أو سنة عادة؟ قال الإمام أحمد ﵀ هو سنة لو نقوى عليه اتخذناه لكن له كلفة ومئونة، كلفة بالعمل ومئونة بثمن الدهن ونحوه، فالإمام أحمد ﵀ ترك اتخاذ الشعر لهذا وإلا فهو سنة عنده وقيل: إنه سنة عادة، وأن الناس إذا اتخذوه عادة فلا ينبغي للإنسان أن يخرج عن عادتهم، وإن لم يتخذوه فلا ينبغي أن يخالف عادتهم، وهذا عندي أقرب؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به، بل قال في الغلام الذي خلق بعض رأسه: "احلقوه كله أو اتركوه كله". ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يعتني بنفسه في النظافة، وجهه: أن النبي ﷺ كان يرجل شعره، وهذا لا شك أنه تنظيف له، فالذي ينبغي للإنسان ألا يكون أشعث أغبر، بل يصلح من شعره ما يستطيع إصلاحه؛ لما في ذلك من النظافة والتجمل، والله جميل يحب الجمال، وأما أن يبقي نفسه رثا كريه المنظر فهذا ليس من الأدب الإسلامي، الأدب الإسلامي أن يكون الإنسان متجملا كما قال الصحابة ﵃: يا

стр. 152

رسول الله، إن أحدنا يحب أن يكون وجهه حسنا ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال". ومن فوائد هذا الحديث: جواز التنعل؛ لأن النبي ﷺ كان يتنعل لكن هل الأفضل التنعل أو الحفاء، أو في ذلك تفصيل؟ نقول: أما إذا كان الإنسان سيمشي على أرض تضره فلا شك أن التنعل أولى بل قد يكون واجبا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. كما لو كانت الأرض ذات حصى لها أسنة فهنا لا يجوز أن يمشي عليها بلا نعال، مثل أرض الحرة في المدينة، هذه لو مشى الإنسان عليها أمتارا غير بعيدة تقطعت رجله، فهنا نقول: لا يجوز أن يخاطر بنفسه ويمشي على هذه الأرض التي تضره؛ لأن الإنسان مأمور بحفظ نفسه. وأما إذا كانت الأرض عادية فالأفضل أن يحتفي أحيانا ويتنعل أحيانا، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود قال: "كان النبي ﷺ ينهى عن كثرة الإرفاه ويأمر بالاحتفاء أحيانا". ومن هنا نعرف أن ما يذهب إليه المترفون الذين يلبسون الجوارب والخفين حتى في أحر الأيام صيفا، هذا لا داعي له، اللهم إلا أن يكون في رجله شيء يحب أن يستره، أو أن فيها مرضا لو كشفها تأثرت بالكشف، هذا معذور، أما إن يعود نفسه إلى هذا الحد فإن رجله ستكون أرق من يده؛ لأنها في هذه الحال لا تبدو للشمس ولا للهواء فتكون رقيقة لا يستطيع أن يمشي عليها كما قال لي ذلك بعضهم قال: إني إذا مشيت على رجلي كأني مشيت على خدي من شدة الألم ... لا يستطيع أن يمشي أبدا لأنه عود نفسه على هذه الرفاهية، والرسول ﵊ كان ينهى عن ذلك ويأمر بالاحتفاء أحيانا. ومن فوائد هذا الحديث: استحباب البداءة باليمين في التطهر اليدان والرجلان لا شك أن الإنسان يبدأ باليمين فيهما كما تواترت به السنة. الأذنان هل يمسحهما اليمنى قبل اليسرى أو نقول هما جزء من الرأس يمسحهما جميعا؟ الثاني هو الحق أن الأذنين لا ترتيب بينهما أي بين اليمين واليسار، اللهم إلا إذا كان لا يستطيع أن يمسحهما جميعا، فهنا نقول ابدأ باليمين. إذا كان على الإنسان خفان هل يمسحهما جميعا أو يمسح اليمنى قبل اليسرى؟ هذا فيه احتمال؛ حديث المغيرة بن شعبة ذكر أن النبي صلى الله عليه سلم لما أهوى المغير لينزع خفيه أنه قال:

стр. 153

"دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما"، وهذه الجملة تحتمل أنه مسح عليهما بالترتيب، وتحتمل أنه مسح عليهما جميعا، والعلماء ﵏ اختلفوا في هذا؛ فمنهم من قال: يمسحان مرة واحدة؛ لأن هذا شأن كل ممسوح وهو ظاهر حديث المغيرة، ومنهم من قال: يبدأ باليمنى؛ لأن المسح عليهما بدل عن الغسل، والغسل يبدأ فيه باليمنى قبل اليسرى، والذي يظهر أن الأمر في هذا واسع إلا إذا كان لا يستطيع المسح إلا بيد واحدة فهنا يبدأ باليمنى. في حال الغسل هل يبدأ بالجانب الأيمن قبل الأيسر أو يغسل الجسم جميعا مرة واحدة؟ الأول أنه يبدأ بالجانب الأيمن؛ لقول النبي ﷺ لأم عطية وهو ممن شارك في غسل إحدى بناته قال: "ابدأن بميامنها ومواضع السجود منها"، وقيل: إنه في الغسل لا يرتب بل يغسل الجسم جميعا؛ لأن الجسم عضو واحد، والعضو الواحد ليس فيه ترتيب، ولكن الأول أولى، يعني: أنه يتيامن حتى في الغسل. ٤٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم". أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة. "إذا توضأتم" يعني: فعلتم الوضوء ووصلتم إلى غسل اليدين فابدءوا باليمنى، وكذلك يقال في الرجلين، والأمر هنا هل نقول هو للوجوب أو للاستحباب؟ هو للاستحباب في الواقع؛ لأن الله قال: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. ولم يرتب؛ وإنما رتب بين الأعضاء دون العضوين الذين هما في مقام العضو الواحد. فيستفاد من هذا الحديث: أن التيامن في الوضوء ثابت في السنة الفعلية والسنة القولية؛ أما ثبوته بالسنة الفعلية ففي حديث عائشة، وأما ثبوته بالسنة القولية ففي هذا الحديث.

стр. 154

المسح على العمامة وشروطه: ٤٣ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁: "أن النبي صلى الل عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة والخفين". أخرجه مسلم. قوله ﵁: "أن النبي ﷺ توضأ" الظاهر أن هذا حين كان معه في غزوة تبوك، فإن الرسول ﵊ قد خدمه المغيرة بن شعبة في تلك الغزوة، وقوله: "فمسح بناصيته" الناصية: مقدم الرأس كما قال الله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها﴾ [هود: ٥٦]. "وعلى العمامة" التي على الرأس، "وعلى الخفين" وهما معروفان. ففي هذا الحديث: جواز المسح على العمامة لقوله: "وعلى العمامة" وفيها مباحث. المبحث الأول: هل يشترط لهذه العمامة أن تكون على صفة معينة، أو نقول: كل ما صدق عليه اسم العمامة فإنه يمسح؟ في هذا قولان. القول الأول: أنه يشترط أن تكون العمامة محنكة، أو ذات ذؤابة، أما كونها محنكة فمعناه: أن يوضع لفة منها تحت الحنك حتى تثبت، وأما كونها ذات ذؤابة: فأن ترخى إحدى ذؤابتيها من الخلف، حتى تنسدل على الظهر. القول الثاني: من العلماء من قال: إن هذا ليس بشرط، وهذا الثاني هـ الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أن كل ما يطلق عليه اسم العمامة فهو داخل في هذا. المبحث الثاني: هل يشترط أن تكون طاهرة؟ الجواب: نعم، لا شك في هذا؛ لأن النبي ﷺ "أتاه جبريل وهو يصلي وأخبره أن في نعليه قذرا فخلعهما ﵊"، وإذا كان هذا شرطا في الخفين فالعمامة مثلهما أو أولى. المبحث الثاني: وهل يشترط أن تكون مباحة بحيث لا يصح المسح على العمامة المسروقة أو مقبوضة بعقد فاسد؟ قولان: الأول: أنه لابد أن تكون مباحة، وذلك لأن المسح عليها رخصة، والرخصة لا ينبغي أن تباح بالمعصية. والقول الثاني: أن ذلك ليس بشرط، وأنه يجوز أن يمسح الإنسان على العمامة المحرمة كالمسروقة، والمقبوضة بعقد فاسد، والحرير على الرجل، ولكن الإنسان إذا نظر إلى التعليل

стр. 155

فقد يرجح أنه لابد أن تكون مباحة؛ لأننا إذا أذنا له أن يمسح على المحرمة فهذا إذن له بإبقائها وألا يبالي بها، وإذا قلنا بالمنع فإنه سوف يحرص على أن يزيلها، أو على الأقل ألا يسمح عليها ويبقيها، فالمسألة عندي فيها تردد. المبحث الرابع: وهل يشترط أن يلبسها على طهارة؟ في هذا قولان: القول الأول: أنه يشترط أن يلبسها على طهارة قياسا على الخفين. والقول الثاني: لا يشترط؛ لأن الشرط لابد له من دليل، ولا دليل على هذا، ولا يصح أن تقاس على الرجلين ذلك؛ لأن طهارة العضو الذي عليه هذه العمامة طهارة مخففة وهي المسح، والمسح على العمامة من جنس المسح على الرأس كلاهما واحد، فالطهارة لا تشترط، أما الخف فإن العضو الذي عليه الخف طهارته الغسل فهو أشد، ثم إن مسح الخف ليس من جنس غسل الرجل، فهو طهارة من جنس آخر، وهذا القول أصح، بمعنى: أنه لا يشترط في العمامة أن يلبسها على طهارة؛ لأننا إذا تجاوزنا وقلنا بجواز القياس في العبادات فالقياس لابد من اتفاق الأصل والفرع فيه، وهنا لم يتفق الأصل والفرع. المبحث الخامس: هل لها مدة، أو نقول: ما دام الإنسان معتما فليمسح على العمامة وإذا أزالها فليمسح الرأس؟ قولان: القول الأول: لابد لها من مدة قياسا على الخفين. والقول الثاني: أنها لا مدة لها لعدم الدليل على ذلك، ولو كانت المدة من شريعة الله لبينها النبي ﷺ ، والقياس على الخفين صحيح أو لا؟ غير صحيح كما علمتم، وعلى هذا فنقول: ما دمت لابسا للعمامة فامسح عليها، وإذا خلعتها فامسح على الرأس، وليس هناك توقيت. المبحث السادس: هل يجوز المسح عليها في الجنابة - يعني" في الغسل-؟ الجواب: ى، لا يجوز المسح عليها في الغسل لقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. وليس في طهارة الحدث الأكبر شيء ممسوح إلا ما دعت إليه الضرورة كالجبيرة، والضرورة ليست داعية إلى العمامة، فالعمامة لا يجوز المسح عليها في الحدث الأكبر؛ لأن الحدث الأكبر لابد فيه من تطهير جميع البدن لقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. وقوله في الحديث: "وعلى الخفين" يعني: مسح على الخفين، ولم يذكر النبي ﷺ تعليلا للمسألة، إلا أنه أدخلهما طاهرتين، فلنأخذ بهذا الشرط حتى نصل إلى باب المسح على الخفين إن شاء الله. أما قوله: "وعلى ناصيته" فقد أخذ منه بعض العلماء جواز الاقتصار على مسح الناصية في الرأس، وأنه لا يجب استيعاب الرأس في المسح، لكن في هذا نظر؛ لأن قوله: "فمسح على

стр. 156

ناصيته، وعلى العمامة" يدل على أنه كان لابسا للعامة، ومعلوم أن الإنسان إذا لبس العمامة فسوف تبدو الناصية، وإذا بدت الناصية فلابد من مسحها، وأما إذا كان الرأس غير مستور بالعمامة فإن الله أمر بمسحه كله في قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] , أسئلة: - استدل بعض العلماء بحديث المغيرة على أنه يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس لقوله: "فمسح بناصيته"، فما وجه هذا الاستدلال؟ - كيف نجيب على الاستدلال؟ الحديث جملة واحدة "فمسح بناصيته والعمامة". - قوله: "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم" هذا يدل على ماذا؟ - هل التيامن في العضو الواحد؟ ٤٤ - وع جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: "ابدءوا بما بدأ الله به". أخرجه النسائي، هكذا بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر. جابر بن عبد الله ﵁ روى صفة حجة النبي ﷺ على وجه موسع مجموع؛ ولهذا يصح أن يكون هذا الحديث منسكا كما فعل الألباني في صفة حجة النبي ﷺ جعله هو الأصل، وجعل يلحق الروايات التي ليست موجودة فيه إليه، فهو بحق منسكا، ولهذا نرى أن ما وجد من أحاديث تعارضه فإنه يكون مقدما عليها؛ لأنه تابع النبي ﷺ من حين أحرم إلى أن تحلل. وهذا الحديث رواه مسلم بلفظ: "أبدأ بما بدأ الله به" وهو أنه ﵊ لما فرغ من طوافه صلى ركعتين خلف المقام، ثم مسح الركن - يعني: الحجر الأسود- ثم خرج من الباب - باب المسجد- إلى الصفا، فلما دنا منه قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]. "أبدأ بما بدأ الله به": "أبدأ" بلفظ الخبر، وإنما تلا ﵊ هذه الآية، ثم قال: "أبدا بما بدأ لله به" ليشعر نفسه أنه إنما طاف بين الصفا والمروة، وبدأ بالصفا امتثالا لأمر الله، وهكذا ينبغي لنا نحن إذا فعلنا ما أمر الله به أن نستشعر حين فعله أننا ممتثلون لأمر الله؛ لأن هذا يعطي الإنسان زيادة في الإخلاص واستحضار العبادة. عند الوضوء تشعر أنك إذا غسلت وجهك تمتثل لقول الله: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]. إذا غسلت يديك كذلك، عند الصلاة تستشعر أن الله أمرك بإقامتها، عند صلاة العصر تستشعر أنك تصلي الصلاة الوسطى التي أمر الله تعالى بالمحافظة عليها بخصوصها، وهلم جرا.

стр. 157

المهم: أنه ينبغي لنا أن نستشعر عند فعل الأوامر أننا نمتثل لأمر الله وقوله ﵊: "أبدأ بما بدأ الله به" فيه إشارة إلى أن ما بدأ الله به هو أهم مما يليه وهو كذلك، ومن ثم قال العلماء ﵏ في آية الصافات: ﴿إنما الصدقت للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠]. إن الفقراء أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم. وقوله: "بما بدأ الله به"؛ لأن الله قال: ﴿إن الصفا والمروة﴾. أما لفظ النسائي فقال: "ابدءوا بما بدأ الله به" بلفظ الأمر وهذا - أي: لفظ الأمر- صريح في أن النبي ﷺ وجه الأمر إلى أمته في هذه العبارة بخصوصها، أما على رواية مسلم: "أبدأ" فإننا في الحقيقة مأمورون بأن نبدأ بما بدأ الله به تأسيا. بمن؟ برسول الله ﷺ ، لأنه وإن كان قاله بلفظ الخبر منفذا لأمر الله، لكنه بالنسبة لنا هو في الحقيقة أمر؛ لأن الله أمرنا أن نتأسى برسول الله ﷺ ، لكنه يكون أمرا غير مباشر، بل عن طريق التأسي. فإن قال قائل: هذا الحديث في الحج فلماذا جاء به المؤلف في كتاب الوضوء؟ قلنا: ليبين أن هذا الحديث عام في أننا مأمورون أن نبدأ بما بدأ الله به، يتفرع على هذا أن نبدأ بغسل الوجه ثم اليدين ثم الرأس، ثم الرجلين؛ لأن الله بدأ بذلك. كذلك يستفاد من هذا الحديث: تقديم ما قدمه الله حتى في الذكر سواء استدللت بقوله: "أبدأ" أو بقوله: "ابدءوا". ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار العموم دون خصوص السبب لقوله: "أبدأ بما بدا الله به" وهذا عام، وإن كان صورة المسألة التي قال فيها الرسول ﵊ خاصة؛ لكن العبرة بعموم اللفظ. ومن فوائد الحديث: العناية بتدبر القرآن وتقديم ما قدم وتأخير ما أخر، وبذلك نعرف أن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن الله قال: ﴿والسبقون الأولون من المهجرين والأنصار﴾ [التوبة: ١٠٠]. فالمهاجرون أفضل من الأنصار؛ لأن الله قدمهم، ولأن المهاجرين ﵃ جمعوا بين الهجرة والنصرة، فهم نصروا النبي ﵊ لا شك وهجروا من ديارهم إلى رسول الله ﷺ . يستفاد من هذا الحديث: وجوب الترتيب بين الأعضاء لقوله: "ابدءوا بما بدأ الله به"، فنغسل أولا الوجه ثم اليدين، ثم نمسح الرأس، ثم نغسل الرجلين، وهذا واضح. واستنبط العلماء ﵏ دليل الترتيب من وجه آخر من نفس الآية، وهو أن الله أدخل الممسوح وهو الرأس بين المغسولات، والقاعدة البلاغية تقتضي

стр. 158

أن يذكر الصنف بعضه إلى بعض، فالمغسول وحده والممسوح وحده، فلما أدخل الله الممسوح بين المغسولات، علم أنه لابد من الترتيب، وإلا لكانت تدفع المغسولات وحدها والممسوح وحده، لكنه لما أدخل الممسوح بين المغسولات، على أنه لابد من الترتيب، وهو كذلك. فلو توضأ الإنسان منكسا فهل يصح وضوؤه؟ ينظر إن كان قصده التلاعب فإنه لا يصح منه ولا الوجه، وإن كان جاهلا أو ظانا أن الأمر لا بأس به؛ يعني: يعرف الترتيب لكن يظن أنه لا بأس بالمخالفة، فهذا نقول: صح منه الوجه ويعتبره أولا، ثم قال المؤلف - رحمه الله تعالى-: ٤٥ - وعنه ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه". أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف. "إذا توضأ" يعني: غسل يديه، "أدار الماء على مرفقيه"، المرفق: هو المفصل بين العظم والذراع، وسمي مرفقا؛ لأن الإنسان يرتفق به في الجلوس، إما على اليمين أو على اليسار، والحديث أتى به المؤلف ﵀ ليستدل على أنه يجب غسل المرفق لقوله: "أدار الماء على مرفقيه"، ولكن الحديث - كما ترون- يقول: "إن إسناده ضعيف"، وليت المؤلف ﵀ أتى بدله بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم: "أنه توضأ فغسل ذراعيه حتى أشرع في العضد"، فإنه إذا أشرع في العضد لزم أن يغسل المرفقين، والحديث في مسلم، ولكن الإنسان مهما كان فهو قاصر قد يفوته بعض الشيء، وإلا فمن المعلوم أن ابن حجر ﵀ حافظ جيد في التصنيف، لكن الإنسان تروح عليه بعض الأشياء، إلا أن يقال: إن هذا الحديث كان مشهورا، فأراد ابن حجر ﵀ أن يبين أنه حديث ضعيف. حكم البدء بالبسملة: ٤٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، بإسناد ضعيف. - وللترمذي: عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه، وقال أحمد: "لا يثبت فيه شيء".

стр. 159

قوله: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله" (لا) نافية للجنس، والنفي يدور على ثلاثة أشياء: إما أن يكون نفيا لوجود الشيء وإما أن يكون نفيا لصحة الشيء، وإما أن يكون نفيا لكمال الشيء. يعني: إذا سلط النفي على شيء فإما أن يكون نفيا لوجوده، أو نفيا لصحته، أو نفيا لكماله. فما هو الأصل؟ أن نفي الشيء نفي لوجوده، فإن تعذر وكان موجودا فهو نفي لصحته؛ لأن انتفاء صحته انتفاء لوجوده شرعا، وإن كان موجودا حسا. والثالث: إذا تعذر نفي الصحة رجعنا إلى نفي الكمال، وهذا أبلغ سيء، فمثلا إذا قال قائل: لا خالق إلا الله، فهذا نفي لوجوده، لا يوجد أحد خالق إلا الله، وإذا قلت: لا صلاة بغير وضوء، أي: لا صحة؛ لأن من الممكن أن يقوم قائم فيصلي بغير وضوء، لكن إذا صلى فهذه الصلاة لا وجود لها شرعا. لكن الصحة نفي للوجود الشرعي، وإذا قال: لا صلاة بحضرة طعام، هذا نفي للكمال؛ لأن الإنسان قد يصلي بحضرة طعام ويكون قلبه مشوشا من أجل وجود الطعام لكن تصح صلاته، ويكون هذا نفيا للكمال، هذا الذي معنا: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" تحمله على الوجه الأول؟ لا يمكن؛ لماذا؟ قد يتوضأ ولا يصلي، تحمله على الثاني لا وضوء؟ ممكن هذا هو الأصل؛ أنه لا وضوء له؛ أي: لأنه إذا لم يسم لم يصح وضوؤه، لكن حمله أكثر العلماء على أن المراد: لا وضوء كامل، والذي أوجب لهم ذلك هو أن هذا الحديث بجميع طرقه فيه مقال، ولهذا قال الإمام أحمد ﵀ إمام أهل السنة-: إنه لا يثبت في هذا الباب شيء، ولهذا كان جميع الواصفين لوضوء الرسول ﵊ لا يذكرون البسملة، ولو كانت فرضا في صحته لوجب أن يذكروها؛ لأنه لا يمكن أن يصح بدونها. إذن فالنفي هنا نفي للكمال وليس نفيا للصحة، فلو أن الإنسان توضأ بلا تسمية عمدا مع الذكر والعلم فإن وضوءه صحيح؛ لأن النفي هنا نفي للكمال. من فوائد هذا الحديث: أن الوضوء لا يصح بدون تسمية بناء على أن النفي للصحة، وبهذا أخذ الفقهاء ﵏ إلا أنهم يقولون: إن التسمية ليست شرطا، ولا ركنا، ونحن نقول لهم: يجب أن تجعلوها إما شرطا أو ركنا، ولا ضرر بأن يكون الفعل له أركان قولية، فالصلاة - مثلا- أفعل، ولها أركان قوليه، مثل: تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والتشهد الأخير، فنحن نقول: إما أن تجعلوه ركنا أو تجعلوه شرطا لكنهم يقولون: لا، إنه واجب يسقط بالنسيان، وهذا غريب، لأننا إذا قلنا: إن النفي هنا نفي للصحة صارت التسمية ركنا أو شرطا لا تسقط بالسهو. ومن فوائد هذا الحديث: أهمية التسمية؛ لأنه يتوقف عليها إما صحة الوضوء أو كمال

стр. 160

الوضوء، ولا شك أن للتسمية أهمية، حتى جاء عن النبي ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر". وهذا الحديث فيه مقال لكن النووي صححه، ويدلك على أهميتها أنك لو ذبحت شاة بدون تسمية بمدية قوية منهرة للدم؛ صارت حراما كالميتة حتف أنفها، ولو سميت كانت حلالا. ويدلك لهذا أيضا إذا جلس الإنسان على طعامه وأكل بدون تسمية شاركه الشيطان فيه، وإذا سمى لم يشارك؛ إذن فهي حارسة من الشيطان عند الأكل أو الشرب. واختلف العلماء ﵏ في وجوب التسمية على الأكل والشرب؛ فمنهم من قال: إنها واجبة، ومنهم من قال: إنها سنة، والصحيح أنها واجبة، وأنه يجب على الإنسان أن يسمي إذا أراد الأكل أو الشرب. ومن فوائد هذا الحديث: أن من لم يذكر اسم الله عليه لا يصح وضوؤه لقوله: "ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"، أو لا يكون كاملا على القول بأن النفي نفي للكمال، فهل يقاس على الوضوء الغسل؟ هل يقاس على الوضوء التيمم؟ هل يقاس على الوضوء إزالة النجاسة؟ هذه ثلاثة أشياء كلها تحتمل أن تكون فروعا، أما الغسل فإنه ربما يقول قائل: إنه يقاس على الوضوء؛ وذلك لأن الغسل متضمن الوضوء، وإذا كان كذلك فالتسمية فيه كالتسمية في الوضوء على أن الإنسان يجد ثقلا في نفسه لإلحاق الغسل بالوضوء؛ لأن الأصل أن لا قياس في العبادات، أي: أن ما كان شرطا في عبادة لا يمكن أن تنقله إلى عبادة أخرى إلا بدليل، لكن التسمية على كل حال أفضل وأولى. هل يقاس على ذلك التيمم، بمعنى: أن نقول إذا أردت أن تتيمم فلابد أن تسمي كما لو أردت أن تتوضأ هل نقول إنه إذا كان الوضوء لا يصح إلا بالتسمية فالتيمم عند الحدث الأصغر كذلك؟ من قال بالقياس في الأول قال بالقياس في الثاني؛ لأن البدل له حكم المبدل، وقد يقول قائل: لا يمكن أن يقاس هنا؛ لأن طهارة التيمم تختلف عن طهارة الماء اختلافا كثيرا. تتعلق طهارة التيمم بكم عضو؟ بعضوين، وطهارة الماء؟ بأربعة أعضاء في الصغرى وبالبدن كله في الكبرى، فنقول: لا يمكن أن نقيس التيمم على الوضوء، ثم إن الرسول ﵊-

стр. 161

قال لعمار بن ياسر - وقد علمه التيمم-: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا". ولم يسم، والمقام مقام تعليم وبيان، ولا يمكن تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا القول أصح بمعنى: أن التيمم لا تشترط فيه التسمية بل ولا تسن فيه التسمية، اللهم إلا أن يقول قائل: إنه يدخل في عموم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر". إن قال قائل ذلك فربما يسوغ له هذا، وإلا فالأصل أنه لا يشرع فيه التسمية؛ لأن الرسول ﷺ علم التيمم ولم يقل بالتسمية. هل نقيس على الوضوء إزالة النجاسة، بمعنى: أنك إذا أردت أن تزيل النجاسة من ثوبك يجب أن تقول: باسم الله. الجواب: لا، ولا يجوز أن نقيسها؛ لأن إزالة النجاسة من باب الترك، والوضوء من باب الفعل، ولأن إزالة النجاسة لا تحتاج إلى نية، والوضوء يحتاج إلى نية. إزالة النجاسة لا تحتاج إلى نية، بمعنى: أنه لو سقط ثوبك في الماء وفيه نجاسة، ثم زالت النجاسة في هذا الماء، فإن الثوب يطهر، فهي لا تحتاج إلى نية. إذن الشيء الذي يمكننا أن نقول: أنه يشترط فيه التسمية هو الوضوء؛ لأنه ورد به النص والباقي بالقياس بعضه قريب وبعضه غير قريب. من فوائد هذا الحديث: أن التسمية في الوضوء سنة، والذي يجعلنا أن نقول إنها سنة أمران: الأمر الأول: أن هذا الحديث فيه مقال كما قال الإمام أحمد: لا يثبت في هذا الباب شيء، والأصل براءة الذمة؛ وأننا لا نلزم عباد الله بشيء إلا بدليل، يعني: أين حجتك عند الله؟ إذا أراد إنسان أن يتوضأ ولم يسم ثم قلت له: أعد الوضوء بطلت عبادتك أين حجتك عند الله؟ والمسألة ليست هينة فهذا دين وستسأل يوم القيامة: لم أفتيت في هذا وأنت لا تعلم؟ فلذلك نقول: لا يظهر أنها واجبة ولا أنها شرط ولا أنها ركن؛ لأن الحديث هذا فيه مقال، وإذا كان فيه مقال فلا يمكن أن نلزم عباد الله به وأن نبطل عبادتهم. الدليل الثاني: أن جميع الواصفين لوضوء الرسول ﷺ والذين علموا الناس كعثمان ﵁ لم يذكروا التسمية، وعثمان علمه للناس وهو خليفة بعد موت الرسول ﷺ ولم يذكر التسمية، ولو كانت التسمية شرطا أو واجبا لكانت مما تتوافر الهمم على نقله ولنقل هذا وبين للناس بيانا شافيا، أما الأشياء المقيسة عليه وهي الغسل والتيمم وإزالة النجاسة فقد عرفتم ما فيها.

стр. 162

أسئلة: - سبق لنا أن المؤلف ﵀ ذكر حديث جابر وبدأ برواية النسائي "ابدءوا بما بدأ الله به"، فلماذا قدم البداءة بها قبل رواية مسلم؟ لأن بها تفصيل. - يشكل على هذا الحديث مخرجه واحد وروايه واحد، فكيف يروى بالوجهين؟ أن الرواة فهموا أن الخبر هنا بمعنى الأمر فنقلوه بمعنى الأمر. - ذكرنا عند قوله: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" أن النهي يأتي على أوجه ما هي؟ - ذكر اسم الله على الوضوء هل له نظير في أنه لا يصح إذا لم يذكر اسم الله عليه؟ حكم الجمع بين المضمضة والاستنشاق بكف واحدة: ٤٧ - وعن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق". أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف. "يفصل بين المضمضة والاستنشاق" يعني: يأخذ غرفة للمضمضة وغرفة للاستنشاق، فإذا كان ثلاث غرفات فيكون ستا ثلاث للمضمضة وثلاث للاستنشاق، لكن هذا الحديث يقول المؤلف: إنه ضعيف، إلا أن بعض الفقهاء عمل به وقال: يجوز أن يتمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا، فيكون الغرفات ستا، لكن الذي يأتي بعده أصح منه وهو قوله: ٤٨ - وعن علي ﵁ في صفة الوضوء-: "ثم تمضمض ﷺ واستنثر ثلاثا، يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء". أخرجه أبو داود والنسائي. ٤٩ - وعن عبد الله بن زيد ﵁ في صفة الوضوء-: "ثم أدخل ﷺ يده، فمضمض واستنشق من كف واحد، يفعل ذلك ثلاثا". متفق عليه. حديث علي يقول: "تمضمض واستنثر" يمضمض ويستنثر من الكف الذي يأخذ منه، الماء ظاهره أنه كف واحد يتمضمض منها ثلاث مرات، ويستنشق ثلاث مرات، وهذا يدل على تقليل ماء الاستنشاق والمضمضة؛ لأن كفا واحدة يبقى الإنسان يتمضمض منها ثلاث مرات، ويستنشق ثلاث مرات وهو بعد الاستنشاق سوف يستنثر، واليد لابد أن يتسرب منها

стр. 163

الماء من بين الأصابع، على هذا ستكون آخر واحدة قليلة جدا، ولهذا يكون الإتيان بهذه السنة فيه صعوبة، لكن مع ذلك لابد إذا كان اللفظ محتملا لها، فلابد أن نعمل بها. وعن عبد الله بن زيد قال: "تمضمض واستنشق من كف واحدة يفعل ذلك ثلاثا" هذا يحتمل أن يون كحديث علي أن يكون قوله: "يفعل ذلك ثلاثا" يعود على المضمضة والاستنشاق، ويكون قوله: "من كف واحدة" فيكون بهذا مطابقا لحديث علي، ويحتمل أنه يأخذ كفا فيتمضمض به ويستنثر ثم كفا آخر، ثم كفا آخر لقوله: "يفعل ذلك ثلاثا" وهذا هو الأقرب، وعلى هذا يكون في المضمضة والاستنشاق ثلاث صفات: صفة ضعيفة، وصفة لا بأس بها، وصفة قوية، ما هي الضعيفة؟ أن يفصل بين المضمضة والاستنشاق، والتي لا بأس بها وليست بتلك القوية: أن يكون بكف واحدة المضمضة ثلاثا ثلاثا. والصفة الثالثة أن يأخذ ماء بكف فيتمضمض ويستنشق، ثم كفا أخرى، ثم كفا أخرى المشهور عند الفقهاء أنها كلها جائزة؛ يعني: كلها سنة. وعلى هذا ينبغي لنا أن نفعل هذه مرة وهذه مرة، ولكن لا شك أن أثبتها وأصحها حديث عبد الله بن زيد؛ لأنه متفق عليه والإنسان مخير، ثم إن من الناس من إذا جمع المضمضة والاستنشاق كل الثلاث في كف واحدة لا يبقى في كفه شيء، فإذا لم يبق في كفه شيء حينئذ تعذرت المضمضة والاستنشاق فنعود إلى الصفة التي دل عليها حديث عبد الله بن زيد، نأخذ كفا للمضمضة والاستنشاق، وكفا أخرى للمرة الثانية، وكفا ثالثة للمرة الثالثة. حكم ما يمنع وصول الماء في الوضوء: ٥٠ - وعن أنس ﵁ قال: رأى النبي ﷺ رجلا، وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء. فقال: "ارجع فأحسن وضوءك". أخرجه أبو داود. والنسائي. قوله ﵊: "ارجع" يعني: ارجع إلى مكان الوضوء الذي توضأت منه، "فأحسن وضوءك"، يعني: توضأ وضوءا حسنا، وهل المراد بقوله: "أحسن وضوءك" أن يبتدئ الوضوء من جديد؛ أو أن يغسل ما لم يصبه الماء؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأن كلا منهما إحسان سواء ابتدأ الوضوء من أوله أو غسل ما لم يصبه الماء من القدم، ولكن القواعد تقتضي أن

стр. 164

يفصل في هذا، فإن كان الزمن بعيدا فإحسان الوضوء أن يعيده من أوله لفوات الموالاة، وإن كان قريبا فإحسان الوضوء أن يغسل ما لم يصبه الماء من القدم. ففي هذا الحديث فوائد منها: وجوب استيعاب الأعضاء بالتطهير؛ لأن النبي ﷺ أمر هذا أن يرجع فيحسن الوضوء، ويدل لهذا الحكم قوله ﵎: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]. فإذا لم يستوعب الوجه لم يمتثل الأمر، وكذلك يقال في اليدين والرأس والرجلين. ومن فوائده: أنه تجب إزالة ما يمنع وصول الماء، سواء كان قليلا أو كثيرا، حتى وإن كان مثل الظفر، وكلمة "مثل الظفر" يحتمل أن المراد مثل قلامة أو مثل الظفر كاملا، وأيا كان فإنه يدل على أنه إذا حال بين العضو والماء مثل الظفر وجب إزالته، وإلا لم يصدق عليه أنه غسله، ولكن يبقى عندنا مسائل. المسألة الأولى: الخاتم إذا كان ضيقا فإنه في الغالب يمنع وصول الماء، فهل يجب أن يحركه حتى يدخل الماء بين وبين العضو أو لا يجب؟ نقول: الظاهر أنه يجب إذا كان ضيقا جدا بحيث يمنع وصول الماء فلابد أن يحركه من أجل أن يصل الماء إلى باطنه، ويحتمل ألا يجب، وهذا الاحتمال نأخذه من كون الرسول ﵊ يلبس الخاتم ولم يرد عنه انه إذا أراد الوضوء أو الغسل نزعه، وهذا الخاتم لا ندري أهو ضيق أو واسع. لماذا نقول: يحتمل، ولكن يرد على هذا الأخير - أهو ضيق أو واسع- أنه إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فإذا كان يحتمل أنه واسع ويحتمل أنه ضيق وكانت القاعدة عندنا أنه يجب إيصال الماء إلى محل التقرير فإننا لا نأخذ بالاحتمال الثاني الذي يكون ضيقا. المسألة الثانية: إذا كان الإنسان عليه تركيبة أسنان فهل يجب عليه أن يخلعها عند المضمضة، أو يفصل إن كانت واسعة أو ضيقة، أو يقال: إنه لا يجب استيعاب الفم بالمضمضة؟ الأخير؛ لأن الفقهاء نصوا على أنه لا يجب استيعاب الفم بالمضمضة، وبناء على ذلك لا يجب على الإنسان أن يخلع تركيبة الأسنان ولا أن يخلخلها حتى يصل الماء. المسألة الثالثة: النساء يستعملن الحناء على رءوسهن، والحناء يتلبد على الرأس، ويمنع وصول الماء، فهل يعفى عن ذلك كما عفي عن مسح رأس الرجل بالعمامة ومسح رأس المرأة بالخمار على القول بذلك أو لا؟ نقول: يعفى عن ذلك، والدليل على هذا من السنة أن الرسول ﵊ في إحرامه قد لبد رأسه بالعسل والصمغ، وهذا يمنع حتى مباشرة الشعر فيكون هذا له دليل من السنة غير القياس على العمامة والخمار، والنساء يستعملن دائما - كما قلت- الحناء يلبدن على الرءوس.

стр. 165

كذلك أيضا يوجد حلي تربطه المرأة برأسها له عرى تدخل الشعر في هذه العروة من أجل أن يستمسك، وتسمى عند الناس (الهامة)؛ لأنها توضع على هامة الرأس، وهي على قدر الكف، يعني: قطعة من الحلي على قدر الكف تضعها المرأة على رأسها، ثم تخيطها بالشعر - شعر الرأس- بواسطة العرى التي فيها. هل نقول: إنه يجوز أن تمسح عليها أو يجب أن تخلعها أو تخلخلها حتى يصل الماء من تحتها؟ الجواب: يجوز أن تمسح عليها؛ لأنها من جنس الحناء ومن جنس الخمار، بل هي أشد؛ لأنها تخر بنفس شعر الرأس، وما زال النساء يستعملنها فيما سبق وعندهم العلماء ولا ينبهون على هذا. وهل يعفى عن الشيء اليسير فيمن يشق عليه التحرز من مانع وصول الماء، كأصحاب البويات الذين يستعملونها، يصبغون بها الجدر لا يخلون من أن يتعلق بأيديهم شيء من البوية، فهل يعفى عن ذلك إن كان يسيرا؟ اختار شيخ الإسلام ﵀ أن يعفى عن ذلك إذا كان يسيرا، وطرد هذا أن اليسير يعفى عنه، ووافقه الفقهاء ﵏ في الوسخ الذي يكون بالأظفار، الأظفار الطويلة، يكون تحت الظفر الوسخ يمنع من وصول الماء فهذا معفو عنه، حتى عند الفقهاء ﵏ يعفون عن ذلك؛ لأن هذا يشق التحرز منه، ولو قلنا للإنسان: يجب أن تنقب أظافرك عند كل وضوء لكان فيه مشقة، وما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ صحيح لكن فيما يشق التحرز منه، وذلك عند من؟ عند أصحاب البويات الذين يصبغون بها الجدر هؤلاء لا شك أنه يسمح بذلك. هناك مادة أخرى غير البوية تلصق بالجلد وتأبى أن تنقى من الجلد، حتى تضع عليها بنزين - والبنزين عادة يزيل البويات- لا فائدة فماذا نعمل؟ على كل حال: أنا ذكرت هذا من أجل أن تتحرزوا منه وإلا لا شك أنه إذا عجز الإنسان عنه أنه يعفى عنه، لكن نحث الإنسان على ألا يقربه، والحمد لله الآن الوسائل المانعة من ذلك كثيرة، يوجد قفازات من البلاستيك، إذا أردت أن تستعمل فالبسها وإلا فتحرز منها لأنها خطيرة. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الأمر بالمعروف، وجهه: أن الرسول ﷺ أمره أن يحسن الوضوء، ولكن إذا قال قائل: هذا فعل، والفعل المجرد عند الأصوليين لا يدل على الوجوب؟ فيقال: هذا فعل جرى امتثالا لقول الله ﵎: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وما وقع من فعل الرسول ﵊ امتثالا، فإن له حكم الأمر الذي امتثله.

стр. 166

ومن فوائد هذا الحديث: أن ترك المأمور لا يعذر فيه بالجهل، بل لابد من فعله، وجهه: أن هذا الرجل إما جاهل وإما ناس، إما جاهل يحسب أن الماء قد شمل جميع القدم، أو يحسب أنه لا يجب شمول الماء لجميع القدم أو ناس ومع ذلك لم يستفصل الرسول ﷺ منه بل أمره أن يحسن الوضوء. ومن فوائد هذا الحديث: اشتراط الموالاة إذا حملنا قوله: "أحسن" على إعادة الوضوء، وقد اختلف العلماء ﵏ في الموالاة هل هي شرط في الوضوء أو لا؟ والظاهر أنها شرط؛ لأن الوضوء عبادة واحدة، وإذا لم يوال بين أجزائه تفكك. لو قال قائل: لك أن تغسل وجهك الساعة التاسعة صباحا، ثم تغسل اليدين الساعة العاشرة، ثم تمسح رأسك الساعة الحادية عشر، ثم تغسل رجليك الساعة الثانية عشر هل يقول: إن هذا الرجل توضأ؟ حقيقة ما توضأ، وإنما غسل أعضاء، ثم إن قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]. عطف عليها، ومن المعلوم أن جواب الشرط يلي المشروط مباشرة، بدليل أنه يربط بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، فإذا قلنا: غسل الوجوه يأتي مباشرة. قلنا: وما عطف عليه يأتي مباشرة أيضا، وهذا استنباط جيد بالنسبة للدلالة من الآية. فإذا قال قائل: وهل يشترط الترتيب؛ بمعنى: أنه إذا كان الذي لم يصبه الماء من الأعضاء الأولى فهل يغسل ما تحته؟ يعني: لنفرض أنه في اليد هل نقول: اغسل اليد ثم امسح الرأس ثم اغسل الرجل، أو يسقط الترتيب؟ الجواب: لا يسقط الترتيب، بل يغسله وما بعده، ونظير ذلك: لو أن الإنسان نسي الركوع، سجد من قيام ثم ذكر هل نقول: اركع ولا تسجد، او اركع وائت بما بعده؟ الثاني؛ لأنه لابد من الترتيب لكن بعض أهل العلم يقولون: إن الترتيب يسقط بالجهل والنسيان، وبناء على هذا القول لا بأس أن يغسل ما لم يغسله من الأعضاء ويقتصر على ذلك، لو وقع هذا في غسله، يعني: إذا وجد الإنسان - بعد أن اغتسل من الجنابة- أن عليه ما يمنع وصول الماء إلى تحته، فهل نقول: أزل المانع واغسل ما تحته، أو نقول: أزل المانع واغتسل كاملا؟ الجواب: الأول؛ لأن الغسل ليس فيه الترتيب، في الغسل ابدأ بالرأس أو بالرجلين كله واحد الترتيب إنما هو في الوضوء؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. ولم يذكر من أين نبدأ.

стр. 167

فإذا قال قائل: هل الرجل رجع؟ لابد؛ لأن بعض الناس تأتي أوامر - وهذه نبهت عليها لأنها مهمة- ثم يقول: ما ورد عن الصحابة، فنقول: ما هو شرط، نحن متعبدون بما نسمع وليس من شرط ذلك أن نعلم أن الصحابة عملوا به أو لم يعملوا به، فمثلا الدعاء يوم الجمعة من دخول الإمام إلى أن تنتهي الصلاة حري بالإجابة، فهل يدعو الإنسان بين الخطبتين، أو نقول: لا تدع بين الخطبتين لأن الصحابة ما فعلوه؟ الجواب: الأول يدعو بين الخطبتين؛ لأن الأصل أن الصحابة سوف يفعلون ما أمروا به أو ما دلوا عليه من الحق هذا هو الأصل، وكونه يقول: لا يمكن إلا أن نعلم أنهم عملوا؛ هذا خطأ، لكن إذا علمنا أنهم عملوا على خلاف ما يقتضيه الأمر المطلق حينئذ يكون الأمر المطلق مقيدا بعملهم، وأظنكم تعرفون الفرق بين الأمرين، يعني: الأمر إذا ورد ولم نعلم أن الصحابة فعلوه نقول: يبقى الأمر على ما هو عليه، لكن إذا علمنا أنهم فعلوه على وجه معين نتقيد بهذا الوجه المعين، مثال ذلك: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما". هل نقول: اعتمر في الصباح والمساء لتكفر ما بينهما؟ لا؛ لأن الصحابة عملوا بهذا، لكن ما عملوا على ا، هم يكررون العمرة كل يوم أو كل أسبوع، بل نقل شيخ الإسلام ﵀ اتفاق السلف على كراهة الإكثار من العمرة والموالاة بينها ذكره في الفتاوى. على كل حال هذه مسائل دقيقة، مسألة العمل. إذا قال قائل: إذا قلتم باستحباب الدعاء بين الخطبتين أتقولون برفع اليدين؟ نقول: الأصل في الدعاء أن من آدابه رفع اليدين ولا بأس أن نرفع الأيدي، ورفع اليدين في الدعاء ينقسم إلى أربعة أقسام: ١ - قسم ورد الشرع بأنه لا رفع فيه إلا في حالة معينة. ٢ - وقسم ورد الشرع بعدم الرفع فيه مطلقا. ٣ - وقسم ورد الشرع برفع اليدين فيه. ... ٤ - وقسم مسكوت عنه. الأول: الذي ورد رفع اليدين فيه في أشياء معينة؛ الدعاء في الخطبة - خطبة الجمعة- رفع اليدين في الدعاء في خطبة الجمعة، سواء من الإمام الخطيب أو من المستمعين هذا بدعة أنكره الصحابة على مروان بن الحكم، ولكن ثبت عن النبي ﵊ أنه "رفع يديه في الدعاء في الاستسقاء والاستغفار".

стр. 168

الثاني: ما ورد في عدم الرفع مطلقا؛ وذلك في الدعاء في الصلاة أي في أثناء الصلاة كان الرسول ﵊ يدعو في صلاته ولا يرفع يديه، يدعو بين السجدتين ويداه على فخذيه، لا يرفعهما. الثالث: السكوت عنه والأصل فيه الرفع، لكن قد يتبادر للإنسان أنه لم يحصل الرفع مثل قوله ﵊ إذا فرغ من دفن الميت: "استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت"، فإن ظاهر الحال أنهم لا يرفعون أيديهم؛ لأن الراوي لم يقل ثم رفع يده ودعا مثلا، ولكن لو رفع إنسان يده وقال: هذا هو الأصل، لا نستطيع أن ننكر عليه بدون دليل بين. الرابع: الذي ورد الرفع فيه مطلقا؛ مثل الدعاء يوم عرفة؛ وعلى الصفا والمروة. أسئلة: - ما الذي يدل عليه قوله ﷺ : "ارجع فأحسن وضوءك"؟ - هل الأمر بالإحسان أمر بالإعادة أو بالتكميل؟ - في الحديث ما يدل على الأمر بالمعروف ما هو؟ - هل يفرق بين القليل والكثير؟ ٥١ - وعنه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد". متفق عليه. "كان رسول الله"، ذكر العلماء ﵏ في أصول الفقه أن "كان" تدل على الدوام غالبا، إذا كان خبرها فعلا مضارعا "كان يغتسل"، "كان يقرأ"، "كان يفعل"، لكنه ليس دائما، وما وجد مطلقا من قول بعض العلماء أن كان للدوام فمرادهم غالبا والدليل على هذا: الأحاديث الواردة، تجد مثلا حديث: "كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة سبح الغاشية"، وحديث آخر: "كان يقرأ بالجمعة والمنافقين".

стр. 169

فلو حملنا أنها على الدوام دائما لكان هذا تناقضا لكنها في الغالب، "كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد"، وسبق أن النبي ﷺ أتي بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه، وإن كان ضعيفا. والمد: هو ربع الصاع، أي: ربع صاع النبي ﷺ ، والمصطلح عليه عندنا هنا: أن المد ثلث الصاع، وقوله: يغسله بالصاع، وهو أربعة أمداد وهو كما ذكرنا لكم سابقا، ينقص عن الصاع الموجود عندنا الخمس، ويزبد عليه صاعنا الربع، إذن إذا نسيت زيادة الصاع عندنا على صاع النبي ﷺ تقول: يزيد عليه الربع؛ لأن ذاك ثمانون وهذا مائة وعشرون، وإذا قلت: ينقص صاع النبي ﷺ عن صاعنا، نقول: الخمس يعني عشرين من مائة، وأكثر إلى خمسة أمداد، فيكون صاعا ومدا؛ وهذا هو الأكثر لأن الرسول ﷺ يتوضأ بمد ويغتسل بالصاع، فيؤخذ من هذا الاقتصاد في استعمال الماء؛ لأن هذا لا شك أنه قليل. ومن فوائده أيضا: أنه ينبغي للإنسان أن يكون مقتصدا في العبادة، لا يزيد عليها لا كمية ولا كيفية، وقد قال النبي ﷺ في الكمية - لما توضأ ثلاثا- قال: "من زاد على ذلك فقد أساء وتعدى وظلم". ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن نقتدي بالرسول ﵊ في هذا، ولهذا قال العلماء: يسن أن يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وهذا ممكن إذا كان الإنسان يغترف من إناء، يعني: ممكن أن يتوضأ بهذا القدر، لكن إذا كان يصب عليه من المواسير فإن ذلك لا يمكن، ولا يمكن انضباطه. أذكار الوضوء: ٥٢ - وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد يتوضأ، فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء". أخرجه مسلم، والترمذي، وزاد: "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين". "ما منكم من أحد" لها نظير في القرآن الكريم - في التركيب هذا- وهو قوله تعالى: ﴿فما منكم من أحد عنه حجزين﴾ [الحاقة: ٤٧]. فإعرابها أن (ما) نافية، و (منكم) خبر مقدم و (من أحد) مبتدأ

стр. 170

مؤخر، لكن المبتدأ هنا اقترن ب (من) الزائدة لتوكيد العموم، وإنما قلنا: لتوكيد العموم؛ لأن (أحد) نكرة جاءت في سياق النفي وهي تفيد العموم، يعني: ما من إنسان منكم، والخطاب للصحابة، لكن خطاب النبي ﷺ للصحابة خطاب لجميع الأمة. "ما منكم من أحد يتوضأ" صفة لأحد "فيسبغ الوضوء" أي يتمه كما وكيفا، "ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" ثم يقول إذا انتهى من الوضوء: "أشهد أن لا إله إلا الله"، "أشهد" بمعنى: أنطق بلساني معترفا به في قلبي كأنما أشاهده رأي العين. وقوله: "أن لا إله إلا الله" أسمع بعض الناس ينطق بها فيقول: "أشهد أن لا إله إلا الله"، وهذا لحن فاحش؛ لأن "أن" المشددة لا يجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن محذوفا، وإنما هي "أن" المخففة، وعلى هذا فنقول: "أن لا إله" وليس: "أن لا إله"، "أن لا إله إلا الله"، وضمير الشأن نا محذوف هو اسمها، و "لا إله إلا الله" الجملة خبرها، وقوله: "لا إله إلا الله" (إله) بمعنى: مألوه، والمألوه هو: المعبود تألها ومحبة وتعظيما، وقوله: "إلا الله" لا يصح أن نعرب (الله) خبر "لا"؛ لأن لفظ الجلالة معرفة، بل يقول النحويون أنه أعرف المعارف، و (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النكرات، وعلى هذا فلا يصح أن نعرب (الله) على أنه خبرها؛ لأنه من شرطها أن تعمل في النكرات. إذن أين الحبر؟ الخبر محذوف قدره بعضهم: "لا إله موجود"، وهذا التقدير لا يصح، لماذا؟ لأنه موجود آلهة غير الله، قال الله ﵎: ﴿فما أغنت عنهم ءالهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك﴾ [هود: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿ولا تجعل مع الله إلها ءاخر﴾ [الإسراء: ٣٩]. فالآلهة موجود، وقال تعالى في ذكر بطلان آلهة المشركين: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها﴾ [النجم: ٢٣]. فهم يسمونها آلهة لكن هل هي آلهة في الحق؟ لا. وعليه فنقول: من قدر (لا إله موجود)؛ فإنه غلط فاحشا من وجهين: الوجه الأول: أن الواقع يكذبه؛ لأنه توجد آلهة سوى الله. الوجه الثاني: لا يوجد إله إلا الله لزم أن تكون هذه الآلهة هي الله وهذا خطأ فاحش. إذن ما الذي نقدر؟ نقدر ما دل عليه القرآن ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه البطل﴾ [لقمان: ٣٠]. فنقدر "حق" وهو أحسن من تقديرنا "بحق"؛ لأننا إذا قدرنا "بحق" لزم أن تكون "بحق" جار ومجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: لا إله كائن بحق إلا الله، ومتى أمكن عدم الإضمار فهو أولى، لاسيما أن عدم الإضمار فيه مطابقة للقرآن ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه البطل﴾ [لقمان: ٣٠]. وعلى هذا نقدر: لا إله حق إلا الله.

стр. 171

فإذا قال قائل: المعنى غير بين؟ نقول: هو بين، نقول: "لا رجل قائم إلا زيد" يمكن أو لا يمكن؟ يمكن، فنقول: "رجل" اسمها، و "قائم" خبرها، وعليه فنقول: "الله" لفظ الجلالة يكون بدلا من الخبر المحذوف، والبدل له حكم المبدل فعلى هذا يكون المعنى: أنه لا يوجد إله حق إلا الله ، وهذا هو المتعين. "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، "إلا الله وحده" توكيد للإثبات أو للنفي؟ توكيد للإثبات، "لا شريك له" توكيد للنفي، وحق لهذه الكلمة بمعناها العظيم أن تؤكد بأن الله وحده هو الحق لا شريك له لا مشارك له في هذه الألوهية. "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" فنقول في "أشهد" مثل ما قلنا في "أشهد" الأولى، "وان محمدا" هنا أبقيت على ثقلها أو خففت؟ بقيت على ثقلها؛ لأنها تصح أن تدخل على الجملة الاسمية أشهد أن محمدا عبده ورسوله. "محمد" علم شائع في جنس الأعلام، فمن هو؟ هو محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي - صلوات الله وسلامه عليه- وإنما لم يقيد بوصف يبينه؛ لأنه قد ملأ القلوب علم يعرف أنه فلان، العلم ليس يعين الشخص نفسه لكن يعين المسمى به، وإذا كان المسمى به محمدا مثلا عشرة صار مبهما أو معينا؟ صار مبهما، لكن هذا لما كان معرفته في القلوب حالة لا يمكن أن ينصرف القلب لغيره أغنى عن ذكر الصفة الكاشفة وصار المراد ب"محمد": محمدا رسول الله الهاشمي القرشي صلوات الله وسلامه عليه، وحقق لنا ولكم اتباعه. "عبده ورسوله" هذه عبودية من أخص أنواع العبودية؛ لأن العبودية أنواع: عبودية عامة: وهي التعبد لله تعالى كونا، وهذا شامل لجميع الخلق كل الخلق يتعبدون لله كونا لا يمكن أن يخرجوا عن طاعته أبدا حتى الكافر وهو عبد لله، قال الله ﵎: ﴿إن كل من في السموت والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدا﴾ [مريم: ٩٣]. وهذه العبودية العامة لا يحمد عليها الإنسان؛ لأن الإنسان مسخر. وعبودية خاصة: وهي التعبد لله بشرعه، هذه هي التي يحمد عليها الإنسان وهي مدار الثناء، العبودية لله بالشرع أقسام بعضها أخص من بعض، فعبودية الصالحين ليست كعبودية الأولياء؛ لأن عبودية الأولياء أخص، عبودية الأولياء ليست كعبودية الأنبياء، عبودية الأنبياء أخص، عبودية الأنبياء ليست كعبودية الرسل، عبودية الرسل أخص؛ لأنهم محملون إبلاغ الرسالة إلى عباد الله والجهاد عليها إذا أذن لهم في الجهاد. وصف النبي محمد ﷺ بالعبودية من أي الأنواع؟ من أخص الأخص، بل هو ﵊ وإخوانه من أولي العزم هم أخص أنواع العبودية، ولذلك انظر إلى أعماله ﵊ ماذا يصنع: ذكر، استغفار، صلاة صدقة، بذل، لا يوجد له نظير، حتى إنه - عليه الصلاة

стр. 172

والسلام- لما كان يصلي حتى تنفطر قدماه قالوا له في ذلك فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا". هذه هي العبودية التامة، أما الرسالة فحدث ولا حرج، يخرج إلى الناس في أوطانهم يدعوهم إلى الله ويرجع وهم قد أدموا عقبه ولم يستجيبوا له، ومع ذلك هو صابر، وخروجه إلى أهل الطائف ودعوته إياهم ثم إهانتهم له حتى يرميه فتيانهم بالحجارة ويدموا عقبه ثم يرجع لم يفق إلا في قرن الثعالب، ويأتيه ملك الجبال يقرئه السلام، يقول: إن الله أمره إذا شاء رسول الله ﷺ أن يطبق عليهم الأخشبين الآن، الأمر بيده بإذن الله لو شاء لأمر ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، لكن ماذا قال؟ قال: "أستأنيهم - أي: أتأنى- لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به". وهذا أتجدون أحدا أصبر من هذا حتى الفطرة والطبيعة تقتضي أن ينتقم الإنسان من هؤلاء وأمثالهم، لكنه ﵊. لا ينتقم لنفسه أبدا؛ إنما أمره الله، إذن هو قد اتصف بأكمل أنواع العبودية. "ورسوله" أي: المرسل من قبل الله ، فهو رسول من الله إلى من؟ إلى الإنس والجن، إلى جميع الناس من يهود ونصارى ووثنيين وملحدين، إلى كل الخلق، وهو أرسل إلى الملائكة أو لا؟ هذا معل لا حاجة إلى بحثه، لكن أرسل إلى الجن والإنس، فالإنس والجن كلهم مكلفون بقبول رسالته والشهادة له بالرسالة، وما أحسن الكلمة التي قالها الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ قال: "هو عبد لا يعبد ورسول لا يكذب"، هذه جملة جيدة جدا تصرها سهل وهي جامعة، "هو عبد لا يعبد ورسول لا يكذب"، هذه جملة جيدة جدا تصورها سهل وهي جامعة، "هو عبد لا يعبد ورسول لا يكذب"، وسيأتينا - إن شاء الله- في فوائد هذا الحديث أن الناس صاروا فيه طرفين ووسط: طرف عبدوه، وطرف كذبوه، والوسط: من عبدوا الله برسالته وصدقوه، هؤلاء هم الوسط. يقول ﵊: "ما من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة"، دائما في القرآن يشير الله إلى هاتين الشهادتين في عدة مواضع نذكر منها موضعا واحدا ونقيس عليها الباقي، قال الله تعالى: ﴿أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت ءاباءهم الأولين﴾ [المؤمنون: ٦٨]. هذه تتضمن الشهادة لله ؛ حيث جاء قوله وهو كلامه بتحقيق التوحيد ﴿أم لم يعرفوا رسولهم﴾ [المؤمنون: ٦٩]. هذه شهادة أن محمد رسول الله، وهذا يأتي في القرآن كثيرا بأن يذكر أولا ما يتضمن التوحيد ثم ما يتضمن الرسالة، قوله: "إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء"، "إلا فتحت"، من المعلوم أن الجنة ليست في الأرض، وأن القائل لا يشاهدها، ولا يشاهد

стр. 173

أبوابها، لكن إذا جاءنا الخبر عن الصادق المصدوق فما موقفنا؟ أن نصدق به أكثر مما نصدق ما نشاهده بأعيننا؛ لأن العين قد تخطئ وخبر النبي ﵊ لا يخطئ، وعلينا أن نؤمن بهذا الأمر الغيبي، وأن الإنسان إذا تطهر وأسبغ الوضوء وقال: هذا فتحت له أبواب الجنة، فماذا يترتب على فتحها؟ يترتب على فتحها له أن الله ييسر له جميع الأعمال التي بها يدخل هذه الأبواب، وتعرفون أن أبواب الجنة منها باب للصلاة، وباب للصيام، وباب للصدقة، وباب للجهاد كما جاء في الحديث، فيكون مضمون هذا أن الله تعالى ييسر لهذا المتوضئ الذي أكمل وضوءه بالتوحيد، وهي طهارة القلب، ييسر له الأعمال التي يدخل بها من أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء. أخرجه مسلم، والترمذي، وزاد- يعني: الترمذي-: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين": "اللهم" يعني: يا الله، "واجعلني" أي: سيرني من التوابين، الذين يريدون التوبة من كل ذنب وفعل فعلوه، "واجعلني من المتطهرين" الذين تطهروا بأبدانهم وقلوبهم، وهذا مأخوذ من قول الله ﵎: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يجب التوبين ويجب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فإذا جعلك الله من التوابين المتطهرين فإنك تنال بذلك محبة الله. من فوائد حديث عمر بن الخطاب ﵁: الحث على إسباغ الوضوء؛ لما يترتب عليه من الفضيلة إذا ذكر الذكر من بعده لقوله: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء". ومنها: أنه لابد لحصول الثواب من الإسلام فننظر هل هذه الفائدة واضحة؟ يمكن أن تؤخذ من قوله: "ما منكم من أحد" والخطاب للمؤمنين، غير المؤمن لو توضأ وأحسن الوضوء فإنه لا يحصل له ذلك، بل ولا يقبل منه. ومن فوائد هذا الحديث: حكمة الشريعة بالتناسب في شرائعها؛ حيث إنه لما حصلت الطهارة الحسية الظاهرة ندب إل الطهارة المعنوية، فإن التوحيد تطهير للقلب من الشرك والوضوء تطهير للأعضاء من الحدث. ومن فوائد الحديث: أنه لابد من النطق باللسان فيما يعتبر قولا، أي: لابد للقول من النطق فيه باللسان؛ لقوله: "ثم يقول: أشهد"، ولا يكفي أن يمر ذلك على قلبه، بل لابد من النطق. ومن فوائد هذا الحديث: إثبات توحيد الألوهية لقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله"، وتوحيد الألوهية له قسمان: توحيد الألوهية باعتبار تعلقه بالله ، وتوحيد الألوهية باعتبار تعلقه بفعل العبد؛ ولهذا يعبر عنه بعضهم بتوحيد العبادة وتوحيد الألوهية. ومن فوائد هذا الحديث: بطلان جميع الآلهة سوى الله لقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله".

стр. 174

ومن فوائد هذا الحديث: تأكيد الكلمات المهمة في قوله: "وحده لا شريك له"، فالأشياء المهمة ينبغي أن تؤكد إما توكيدا لفظيا، وإما توكيدا معنويا، واعلم أن التوكيد هنا ليس المراد بالتوكيد الذي ذكره النحويون، فإن التوكيد الذي ذكره النحويون لفظي ومعنوي، والمعنوي له ألفاظ مخصوصة، مثل: "كل، وجميع"، وما أشبه ذلك، لكن هنا توكيد معنوي بذكر جملة تفيد معنى الجملة التي سبقها. ومن فوائد هذا الحديث: شهادة أم محمدا عبد الله ورسوله مقترنة بشهادة التوحيد، ووجه ذلك: أن كل عبادة لابد فيها من إخلاص، ولابد فيها من متابعة، فالإخلاص يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله، وبالمتابعة تتحقق شهادة أن محمدا عبد الله ورسوله. ومن فوائد هذا الحديث: الرد على الغلاة في النبي ﷺ لقوله: "أن محمدا عبده"، فليس للنبي ﷺ حظ من الربوبية، هو عبد ﵊ وليس برب. ومن فوائد الحديث: الرد على منكري رسالة النبي ﷺ في قوله: "ورسوله". ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة النبي ﷺ حيث جمع بين شرف العبادة وشرف الرسالة لقوله: "عبده ورسوله". ومن فوائد الحديث: وجوب تصديق النبي ﷺ فيما أخبر به عن الله لكونه رسولا من عنده، ﵎ قال: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حجزين﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. فكل ما أخبر به ﵊ عن الله فهو حق وصدق، وكذلك كل ما أخبر به عما وقع من الوقائع - حتى وإن لم تتعلق بالشرائع- فإنه يجب تصديقه ﵊ لأنه معصوم من الكذب. ومن فوائد الحديث: فضيلة هذا الذكر عقب الوضوء، لكن عقب أي وضوء أم وضوءا كاملا؟ الوضوء الكامل لقوله: "فيسبغ الوضوء". المؤلف ﵀ ساق ذكرا في أول الوضوء وذكرا في آخر الوضوء، الذكر في أوله البسملة، والذكر في آخره هذا الذي سمعتم. وأما في أثناء الوضوء فإنه ليس فيه ذكر، وما يذكر من أن لكل عضو من الأعضاء ذكرا مخصوصا، فإنه لا صحة له، فليس هناك أذكار في الوضوء إلا البسملة في أوله والتشهد في آخره. ومن فوائد الحديث: إثبات الجنة وأن لها أبوابا لقوله: "إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية". ومن فوائده: أن أبواب الجنة ثمانية، وقد ثبت بالكتاب العزيز أن أبواب النار سبعة، وهذا

стр. 175

مما يشير إلى ما ثبت عن النبي ﷺ من "أن رحمة الله سبقت غضبه"؛ ولهذا كانت أبواب دار كرامته من أبواب دار عقوبته. ومن فوائد هذا الحديث: أن من قام بما ذكر تيسرت له أبواب الخير، يعني: فيسره للصلاة الصدقة، الجهاد، كل أبواب الخير. ومن فوائد هذا الحديث: الرد على الجبرية الذين ينكرون مشيئة العبد لقوله: "يدخل من أيها شاء"، وكذلك من قوله: "ما منكم من أحد يتوضأ"، فأضاف الفعل إلى الإنسان، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة السمعية والعقلية والواقعية، وأن الإنسان له مشيئة وإرادة، ولكننا نعلم أن الإنسان إذا شاء شيئا وفعله فإن الله تعالى قد شاءه وقدره ولا شك، فلا يكون في ملك الله تعالى ما لا يريد. ومن فوائد هذا الحديث في رواية الترمذي: أن الإنسان إذا فعل ما يكون سببا للطهارة والتوبة، فإنه لا يعتمد على ذلك ويعجب بعمله، بل يسأل الله القبول لقوله: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين". ومن فوائد الحديث الشريف: أن التوبة منزلة عالية ينبغي للمؤمن أن يسأل ربه إياها، لقوله: "اللهم اجعلني من التوابين" فما هي التوبة؟ التوبة بمعنى: الرجوع، وهي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، ولها شروط خمسة: الأول: الإخلاص. والثاني: الندم على ما فعل من المعصية. والثالث: الإقلاع عنها. والرابع: العزم على ألا يعود. والخامس: أن تكون في الوقت الذي تقبل فيه التوبة، وذلك قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها. فهذه الشروط الخمسة لابد فيها من التوبة وإلا لم تقبل. وهل يشترط أن يتوب من الذنوب الأخرى؟ في هذا قولان للعلماء، قول أنه لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، والصواب أن التوبة من ذنب تصح مع الإصرار على غيره، وفصل بعضهم فقال: إن كان الغير من جنس ما تاب منه فإنه يقبل، وإن لم يكن من جنسه فإنه لا يقبل، يعني: لا تقبل التوبة، والصواب أنها قبل مطلقا، فلو تاب الإنسان من الزنا مثلا قبلت التوبة وإن كان مصرا على النظر إلى النساء، وإذا تاب من السرقة قبلت توبته وإن كان يأكل

стр. 176

أموال الناس بالباطل من جهة والغش والكذب وما أشبه ذلك، لكن استحقاق التوبة المطلقة لا يكون إلا بالتوبة من جميع الذنوب. ومن فوائد الحديث أيضا: أن التطهر منزلة عالية يجدر بالمسلم ان يسأل ربه إياها لقوله: "اللهم اجعلني من المتطهرين". ومن فوائده: في هذا الدعاء الأخير هذا الجمع بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن، فمن أي جملة باب الباطن؟ "اللهم اجعلني من التوابين"، وباب الظاهر؟ "اللهم اجعلني من المتطهرين"، انتهى ما فتح الله به علينا في هذا الحديث وننتقل إلى باب المسح على الخفين. ٥ - باب المسح على الخفين المسح على الخفين يتعلق بالطهارة بعضو من أعضائها وهما: القدمان، وجوازه ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، ولم يخالف في هذا إلا الرافضة، لكن قولهم غير معتبر في الإجماع والخلاف. أما دلالته من القرآن: ففي قوله ﵎: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. على قراءة الجر، لأنها - أي: الآية - على قراءة الجر تجعل قوله: ﴿وأرجلكم﴾ من الممسوحات برءوسكم يعني: وبأرجلكم، وعلى قراءة النصب: تجعلها من المغسولات، فهل الإنسان مخي بين أن يمسح على القدم البارزة أو يغسلها؟ السنة تأبى ذلك؛ لأنه لم يرد عن النبي-عليه الصلاة السلام- حرف واحد أنه مسح على رجله وهي مكشوفة، وعليه فنرجع إلى فعل الرسول ﵊ في تنزيل الآي بقراءتيها على ما كان يفعله ﵊ إذا فعلنا ذلك وجدنا أن الرسول ﵊ كان يمسح رجليه إذا كان عليهما الخفان ويغسل إذا كانتا مشكوفتين. أما السنة فهي متواترة في هذا، وأنشدناكم من قبل بيتين حول هذا الموضوع. مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتا واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض فالسنة متواترة عن النبي ﷺ في جواز المسح على الخفين وأنه مشروع، وأن الإنسان إذا كان لابسا لهما فمسحهما أفضل من خلعهما والغسل.

стр. 177

وأما إجماع السلف فهو معلوم، حتى إن بعض العلماء جعل هذا من العقائد، ووضعه في العقيدة. شروط المسح على الخفين: ٥٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ فتوضأ فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما". متفق عليه. قوله: "كنت مع النبي ﷺ فتوضأ" وذلك في غزوة تبوك حين رجع ﵊ وكان معه المغيرة بن شعبة ينقل له الماء لوضوئه واستنجائه فتوضأ، "فأهويت لأنزع خفيه" يعني: أهويت برأسي لأنزع خفيه، وكأنه كان قائما يصب الماء على النبي ﷺ فلما وصل إلى الرجلين أهوى لينزع الخفين، فقال النبي ﷺ : "دعهما" يعني: اتركهما لا تنزعهما، ثم علل ذلك بقوله: "فإني أدخلتهما طاهرتين" هنا ضميران: "دعهما" و"أدخلتهما" "الهاء" في "دعهما"، و"أدخلتهما" هل مرجعهما واحد أو يختلف؟ لننظر "دعهما" يعني: دع الخفين لا تنزعهما، أو دعهما دع الرجلين، لا تصب عليهما، "فإني أدخلتهما" الضمير يعود على الرجلين؛ لأن الرجل هي المدخلة في الخف فيكون قوله: "أدخلتهما" معطوفا على الرجلين، وهذا يؤيد أن يكون الضمير في دعهما على الرجلين. "فمسح عليهما" على ماذا؟ على الخفين، وهذا يؤيد أن يكون قوله: "دعهما" يعود إلى الخفين، والمسألة سواء عاد إلى هذا أو إلى هذا فالحكم لا يختلف، وقوله: "أدخلتهما طاهرتين"، طاهرتين نعربها على أنها حال من الهاء في قوله: "أدخلتهما: ، "فمسح عليهما" ولم يذكر التفصيل في المسح، أي: لم يذكر أنه مسح اليمنى ثم اليسرى، لكنه أثبت أنه مسح عليهما. ففي هذا الحديث من الفوائد: جواز استخدام الحر؛ لأن النبي ﷺ استخدم المغيرة بن شعبة وهو حر. على السائل، فالمغيرة بن شعبة لما استخدمه النبي ﷺ رأى أن ذلك من شرفه وفضله وأنها غنيمة أن يستخدمه النبي ﷺ ، فإذا كان استخدامك للشخص في فعل معين أو أكثر من فعل يدخل السرور عليه وتجد أنه يفرح بذلك فإن استخدامك إياه لا يعد من المسألة المذمومة. ومن فوائد الحديث: فضيلة المغيرة بن شعبة لخدمته النبي ﷺ . ومن فوائده: جواز خلع النعلين أو الخفين من الغير وإن كان هذا يستنفر منه كثير من الناس،

стр. 178

لكن كلما قويت الصلة سهلت هذه المسألة؛ يعني: كون الإنسان يناول صاحبه العصا أو ما أشبه ذلك لا يجد فيها غضاضة، لكن كونه يلبسه النعلين أو يخلعهما هذه فيها غضاضة عند كثير من الناس، ولكن نقول: كلما قويت الصلة سهلت هذه. ومن فوائد هذا الحديث: البناء على الأصل؛ يعني: جواز تصرف الإنسان بالبناء على الأصل لقوله: "لأنزع خفيه" بناء على الأصل، ما هو الأصل هنا؟ غسل الرجلين. المغيرة ﵁ لم يستأذن الرسول فقال: أتأذن أن أخلع، بل أهوى لينزع بناء على الأصل. ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﵊ وجبره للخاطر لقوله: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فلما ذكر الحكم ذكر العلة. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه لا يمسح على الخفين إذا لبسهما على غير طهارة وجهه: أنه علل ﵊ عدم خلعهما بأنه لبسهما على طهارة يفيد أنه يشترط لجواز المسح على الخفين فقط أن يلبسهما على طهارة وقوله: "طاهرتين" هل المراد أنه أدخلهما بعد أن طهرت القدمان أو يوزع الفعل على كل قدم وحدها؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه لا يجوز أن يلبس الخفين إلا إذا تمت الطهارة بغسل الرجلين، وبناء على ذلك لو غسل الرجل اليمنى ثم لبس الخف ثم غسل اليسرى ولبس الخف فإنه لا يصح المسح عليهما حتى يخلع اليمنى ثم يعيد لبسها، وهذا هو المشهور من المذهب، وفيه حديث يشير إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسام قال: "إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما". فإن قوله: "إذا توضأ" لا يصدق عليه أنه توضأ إلا إذا تمت الطهارة، ثم هو أيضا أحوط. وأصحاب القول الثاني، يقولون: إنه أدخل كل قدم وهي طاهرة فصدق عليه أنه أدخلهما وهما طاهرتان، وهذا يقوى على القول بأن الإنسان إذا غسل كل عضو من أعضاء الوضوء ارتفع الحدث عنه، أما على قول من يقول إنه لا يرتفع الحدث حتى يتمم الأعضاء فلا شك أنه لابد أن يتمم غسل الرجلين. هل في المسألة صعوبة فيما لو أدخل اليمنى ثم اليسرى؟ ليس فيه صعوبة؛ لأن المطلوب منه الآن أن يخلع اليمنى ثم يعيد لبسها هذا المطلوب. فإن قال قائل: هذا نوع من العبث إذا ما معنى أن نقول: اخلع الخف ثم عد فالبسه؟ نقول: هذا ليس نوعا من العبث؛ لأن أصل وضع الخف أولا غير صحيح، كونه يلبسه قبل

стр. 179

أن تتم الطهارة هذا غير صحيح، فهذه ليست إعادة، هذا في الواقع لبس جديدا؛ لأن اللبس الأول الذي حصل قبل الوضوء ليس بصحيح لا يقره الشرع، بهذا ننفصل عن القول بأن هذا نوع من العبث. ومن فوائد هذا الحديث أيضا: أن المسح على الخفيبن أفضل من الغسل؛ وجه ذلك: أن الرسول قال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمسح عليهما وعلى هذا نقول: امسح ولا تخلع لتغسل، ولكن لو أن الإنسان لبس ليمسح فهل يمسح أو لا؟ في هذا تفصيل إن كان لبس ليمسح لغرض له في المسح فهنا يمسح وإن كان لبس ليمسح فيسقط واجب الغسل، فإنه لا يمسح، كما قلنا: إن الإنسان إذا سافر في رمضان ليفطر فإنه لا يحل له الفطر؛ لأن هذا تحيل على إسقاط واجب. ومن فوائد هذا الحديث: أن المسح على الخفين يكون مسحا عليهما معا لقوله: "فمسح عليهما"، ولم يذكر أنه بدأ باليمين، فعلى هذا يكون المسح عليهما جميعا باليدين، ولكن قد يقول قائل: إن مراد المغيرة ﵁ أن يبين أصل المسح بقطع النظر عن الترتيب ولهذا ما ذكر غسل الوجه ولا اليدين ولا مسح الرأس، وأن الأفضل أن يبدأ باليمنى قبل اليسرى لعموم قول عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وتطهره وفي شأنه كله". مسألة: لم يذكر في هذا الحديث كيف يمسح ولا أي موضع يمسح. فنقول: إن المسح إنما هو على الأعلى - أعلى الخف- كما سيأتي إن شاء الله، والمسح وصفه العلماء بأن الإنسان يبل يده بالماء ثم يمر بها من أطراف الأصابع إلى الساق وتكون الأصابع مفرقة؛ لأنها لو كانت مضمونة لاختص المسح لجانب من الخف، فإذا كانت مفرقة كان أوسع؛ ولهذا قال: ينبغي أن يمسح مفرقا أصابعه من أطراف الرجل إلى الساق. ومن فوائد هذا الحديث: يسر الشريعة وسهولتها، حيث إن الله تعالى لم يوجب على العباد أن يخلعوا ويغسلوا؛ لأن في ذلك مشقة في النزع والغسل واللبس، فلهذا رخص للإنسان أن يمسح، وهذا دخل في عموم قول النبي ﷺ : "إن الدين يسر". أسئلة: - المسح على الخفين هل دل عليه القرآن أم ثبت بالسنة؟ - لو قال لنا قائل: هذه القراءة مع قراءة: ﴿وأرجلكم﴾ تدل على أنه يجوز أن يغسل الرجل تارة ويمسحها تارة أخرى فما الجواب؟ -

стр. 180

المسح على الخفين هل هو افضل أو الخلع والغسل؟ - في حديث المغيرة ما يدل على أن الأفضل هو المسح ما وجهه؟ قوله ﷺ : "دعهما". - شروط المسح على الخفين متعددة، فما الذي يدل عليه حديث المغيرة من الشروط؟ دخولهما طاهرتين. - رجل لبس الخف على غير طهارة فهل يجوز أن يمسح أو لا؟ لا يجوز. - لو نسي ومسح؟ يعيد الوضوء والصلاة. - لو قال قائل: إن الله قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا﴾؟ هذا قول مأمور، والمأمور لا يكتفى فيه بالنسيان، ولهذا لو سلم من ثلاثة في صلاة رباعية قلنا: أتمها. صفة المسح على الخفين: - وللأربعة عنه - أي: عن المغيرة - إلا النسائي: "ن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله". وفي إسناده ضعف. هذا الحديث يقول: إن الرسول مسح أعلى الخف، وهو: ما يكون على ظهر القدم، وأسفله تحت القدم، لكن هذا في إسناده ضعف، وعلل عندي في الحاشية؛ لأنه من رواية كاتب المغيرة وقد ضعفه أئمة الحديث، ثم إنه يخالف الحديث الذي بعده وهو حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: ٥٤ - وعن علي ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه". أخرجه أبو داود بإسناد حسن. فهذان حديثان متعارضان، ولكن الأول ضعيف، والضعيف لا يقاوم ما هو أرجح منه ويكون أمامه ساقطا لا يعتد به، وعلى هذا فيكون المسح أعلى الخف كما قال علي ﵁ مسندا الأمر إلى رسول الله ﷺ .
следующие страницы →