← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ناصح، لا يكلم الناس بكلام وهو يريد غيره بدون بيان أبدًا، وكذلك في كل الصفات، وبهذا نرد على أهل التحريف الذين اتخذوا لأنفسهم اسمًا وهو أهل التأويل، ولكنهم في الحقيقة أهل التحريف، الرسول ﷺ لا يتكلم بكلام وهو يريد خلافه أبدًا إلا بينه. ويستفاد من الحديث: مشروعية الإسراع بالجنازة لقوله: "أسرعوا بالجنازة". ويستفاد منه: حكمة الرسول ﷺ بقرن الأحكام بعللها لقوله: "فإن تك"، "وإن تك"، كل هذا لنعرف العلة في الأمر بالإسراع. ويستفاد منه: إثبات عذاب القبر ونعيم القبر يؤخذ من قوله: "تقدمونها إليه"، و"شر تضعونه". ويستفاد من الحديث: أن من المسلمين من هو صالح، ومنهم من سوى ذلك، وجهه: انه قسّم من يصلى عليه، وغير المسلم لا يصلى عليه، وهذا كقوله تعالى عن الجن: ﴿وأنَّا منَّا الصَّالحون ومنَّا دون ذلك﴾ [الجن: ١١]. وهؤلاء الذين دون ذلك مسلمون لما أرادوا أن يقسموا أنفسهم إلى مسلمين وغير مسلمين قالوا: ﴿وأنَّا منَّا المسلمون ومنَّا القسطون فمن أسلم .... ﴾ [الجن: ١٤] الآية. فالجن قسموا إلى مسلم وكافر، وقسموا المسلم إلى صالح ودون ذلك، وهذا نظير هذا التقسيم في كلام الرسول ﷺ . فضل اتباع الجنائز والصلاة عليها: ٥٤٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة حتَّى يصلَّى عليها فله قيراطٌ، ومن شهدها حتَّى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين". متَّفقٌ عليه. - ولمسلم: "حتَّى توضع في اللَّحد". - وللبخاريِّ أيضًا من حديث أبي هريرة: "من تبع جنازة مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتَّى يصلَّى عليها ويفرغ من دفنها؛ فإنَّه يرجع بقيراطين، كلُّ قيراط مثل جبل أحدٍ". قوله: "من شهد" بمعنى: حضر، ومنه قوله- فيما سبق-: "وشاهدنا وغائبنا"، إن الشاهد بمعنى: الحاضر. وقوله: "حتى يصلى عليها" "حتى" للغاية وليست للتعليل، وقد سبق لنا أن حتى تأتي للغاية وتأتي للتعليل فهنا للغاية، وفي قوله تعالى: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتَّى ينفضوا﴾ [المنافقون: ٧]. هذه للتعليل أي: لينفضوا.

стр. 1157

وقوله: "فله قيراط" هذه جواب الشرط، "ومن شهدها حتى تدفن". قوله: "حتى" للغاية أيضًا، و"تدفن" فيها- كما ترون- ثلاث روايات: تدفن، وتوضع في اللحد، ويفرغ من دفنها، فوضعها في اللحد وإن لم تدفن، وتدفن وإن لم يفرغ، ويفرغ من دفنها هو الغاية، فأي هذه الثلاثة الألفاظ الشامل للمعنيين الآخرين؟ حتى يفرغ من دفنها، وعلى هذا فيكون هو المعتمد، وهذا هو سر إتيان المؤلف به. وقوله: "قيراط" القيراط في حساب الفرائض: جزء من أربعة وعشرين جزءًا أو جزء من عشرين جزءًا على اصطلاحين عند أهل الفرائض، قد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم وقال: المراد: جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أجر أهل الميت الذين أصيبوا به، ولكن هذا القول ضعيف بل هو قول باطل؛ أولًا: أن كون القيراط جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا اصطلاح حادث، ولا يمكن أن تنزل ألفاظ الكتاب والسنة على الاصطلاحات الحادثة؛ لأننا لو نزلناها على الاصطلاحات الحادثة لمنعنا دلالتها عن أهل العصر الذين نزلت في عصرهم وصارت عندهم بمنزلة حروف المعجم التي ليس لها معنى، وصار المعنى إنما يستفاد في عصر متأخر، وهكذا نقول في كل من حمل ألفاظ الشرع على الاصطلاحات الحادثة؛ فإننا نقول له إذا قلت بذلك فإنك قد سلبت دلالة القرآن عن أهل العصر الذين نزل في عصرهم وكان الأحرى أن يكون بالعكس، يعني: لو فرض أن القرآن ما هو صالح إلا لعصر واحد لكانت صلاحيته لعصر من كان في عصرهم أولى، والوجه الثاني مما يبطل هذا المعنى: أن الرسول ﷺ فسرها هو بنفسه لما سئل: ما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين"، ولا يمكن أن يفسر كلام أحد بخلاف ما فسره هو به، فعلى هذا نقول: إن القول بأنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا باطل من وجهين. قوله: "من شهدها حتى يصلى عليها" واضح أن هناك شهودًا للجنازة قبل الصلاة عليها، فمن الناس من سيأتي منذ خروجها من بينها حتى يصلى عليها، أو من وجوده منتظرًا لها حتى يصلى عليها؛ لأن الغاية لابد أن يكون قبلها شيء مغيًا وإلا لما صحت؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل لابد أن يصاحب الجنازة من بيتها أو يكفي إذا صلى عليها وإن لم يعلم بها إلا حين قدمت في مكان الصلاة؟ فمن العلماء من قال: لابد من أن نأخذ بظاهر الحديث ونقول: من مشى معها من البيت حتى يصلى عليها أو جاء إلى المسجد منتظرًا حتى يصلى عليها، وأما من لم يكن كذلك فلا يحصل له الأجر؛ لأنه لو كان الأجر يحصل بالصلاة لقال الرسول ﷺ : من صلى على جنازة؛ لأن شهودها من بيته إلى أن يصلى عليها أكثر عملًا، ولا يمكن أن يساوي الأكثر عملًا ما كان دونه، وعلى هذا فمن صلى فقط فله أجر معلوم عند الله، ولا يلزم أن يكون هو هذا الأجر المقدم، وقال بعض أهل العلم: بل المقصود: الصلاة، وقول الرسول ﷺ : "من

стр. 1158

شهدها حتى يصلى عليها"؛ لأنه ربما يشهدها في حملها وتجهيزها ثم لا ينتظر الصلاة، فيكون المقصود هو الصلاة، وإنما ذكر ما قبلها؛ لأنه وسيلة إليها، ولكن مع ذلك لا يستوي الأجران: أجر من مشى معها من بيتها أو جاء منتظرًا لها حتى حضرت، وأجر من صلى عليها مصادقة بدون أن يكون مستعدًا لها. وقوله: "حتى تدفن" عرفتم الروايات فيها: "حتى توضع في اللحد، أو حتى يفرغ من دفنها) ٩، وقلنا: نعتمد حتى يفرغ من دفنها؛ لأنه تجتمع فيه كل الروايات الثلاث، فإنه إذا فرغ من دفنها فقط شهدها حتى وضعت في اللحد وحتى دفن الميت ولكن لم يتم. قوله: "قيل: وما القيراطان؟ " القائل هو: أبو هريرة كما ورد ذلك في بعض الألفاظ، ثم إنه لا يعنينا أن نعرف عين القائل؛ لن المهم الحكم، ولهذا دائمًا يحذف الفاعل أو يبهم صاحب القصة لكنه ليس هو المقصود، المقصود: معرفة الحكم. وقوله: "مثل الجبلين العظيمين" في بعض الألفاظ: "أصغرهما مثل أحد"، وفي لفظ البخاري الثاني: "كل قيراط مثل جبل أحد"، وعلى هذا فيكون أحد جبلًا عظيمًا؛ لأنه كبير. وعلى هذا يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: الترغيب في شهود الجنازة لإدراك هذا الأجر العظيم؛ ولهذا لما ذكر ذلك لعبد الله بن عمر قال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة"، ثم صار لا تفوته جنازة إلا خرج معها. ويستفاد من الحديث: أن هذا الأجر مرتب على الصلاة، ولكننا لا نجرم بذلك إلا لمن شهدها حتى يصلى عليها، وأما من أدرك الصلاة فقط فالله أعلم، لكن نرجو أن يكون كذلك. ومن فوائد الحديث: اختلاف الأجر باختلاف العمل، وجهه: أنه جعل من شهدها حتى يصلى عليها له قيراط واحد، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان اثنان، وهذا من كمال العدل. ويستفاد من هذا الحديث: أن القيراطين لا يحصلان إلا لمن شهد الصلاة والدفن، يؤخذ من قوله: "ومن شهدها حتى تدفن"؛ لأنه من المعلوم أن الصلاة سابقة على الدفن، فإن شهد الدفن دون الصلاة مثل: أن يمر رجل بأناس في المقبرة يدفنون ميتًا فحضر وشاركهم في الدفن، هل يحصل له أجرًا؟ الحديث فيه دليل على أنه يحصل له قيراط إلا إذا انضمت إليه الصلاة ولا يلزم حصول الأجر بانضمام شيء إلى آخر أن يحصل به منفردًا، إن صلى عليها في المقبرة يكون أدركهم قبل الدفن فصلى عليها وبقي حتى يدفن هذا يرجع له ذلك، بناء على ما سبق من أنه لابد أن يشهدها قبل الصلاة حتى يصلى عليها أو يكفي حصول الصلاة.

стр. 1159

ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة- ﵃ على العمل لسؤالهم عن هذين القيراطين. ومن فوائد الحديث: الرد على أهل التفويض، من هم أهل التفويض؟ أهل التفويض: هم الذين يقولون: إن نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته ليس لها معنى معلوم عندنا، وإنما الواجب علينا أن نفوض علمها إلى الله، ما وجه الرد؟ ذلك أن الصحابة لما جهلوا اللفظ في هذه المسألة الجزئية استفسروا عنه، فلو كانت نصوص الكتاب والسنة غير مفهومة في أسماء الله وصفاته هل يدعها الصحابة بدون استفهام مع أنها زبدة الرسالة، فلما لم يستفهموا عنها علم أن معناها معلوم عندهم وهذا هو الواقع، لأن الله قال للرسول ﷺ : ﴿وأنزلنا إليك الّكر لتبين للنَّاس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكَّرون﴾ [النحل: ٤٤]. أي إنسان يقول: في القرآن شيء ما بين فقد قدح في مدلول هذه الآية؛ لأن معنى قوله هذا: أن الرسول لم يبين. فعلى هذا نقول: في هذا الحديث رد على أهل التفويض، وقد علمتم ما نقلناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية من أن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، مع أن بعض الجهَّال الآن يظنون أن هذا هو مذهب السلف، ولهذا يقولون عبارتهم- الكاذبة من وجه والصادقة من وجه- يقولون: "طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم"؛ لأن السلف عندهم بمنزلة الأميين الذين يقولون: ما ندري: فالذي يقول: ما أدري عما لا يدري فهو سالم بلا شك، ومع ذلك يقولون: طريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذا تناقض بيّن؛ لن مبنى السلامة الحقيقية على العلم والحكمة، فيلزم من كون طريقة الخلف أعلم وأحكم أن تكون أسلم، أو نقول: يلزم من كون طريقة السلف أسلم أن تكون أعلم وأحكم، ولذلك هذه العبارة وإن قالها من قالها من العلماء الأجلاء فهي في الحقيقة مردودة على قائلها، وطريقة السلف- بلا شك- أسلم وأعلم وأحكم، أهل التفويض شيخ الإسلام ﵀ يقول: إن قولهم شر أقوال أهل البدع؛ لأن قولهم يستلزم أن الرسول ﷺ لم يبين الحق في أسماء الله وصفاته، بل إن الله ما بين الحق في أسمائه وصفاته، وهذا شر، يستلزم شيئًا آخر استطال أهل التخييل من الفلاسفة وغيرهم على أهل السنة زعموا أنهم ممثِّلة وقالوا: إذا كنتم لا تعلمون معاني الكتاب والسنة فاذهبوا نحن نعلمها، فالنبوات والمعاد والإله لا حقيقة له، إنما هو تخييل قام به عباقرة الإنسانية حتى يسنوا للناس طرقًا فيمشوا عليها بسبب هذا البعبع، يعني: الذي يخوفون به الصبيان، هم يقولون: جاء عباقرة من بني آدم وسنوا لهم طرقًا يعبرون عنها بالإصلاح أو التهديد، لكنهم يقولون: هناك رب، وهناك جنة ونار، والذي لا يطيعنا يدخله هذا الرب النار،

стр. 1160

والذي يوافقنا يدخله الرب الجنة، وإلا فإن الحقيقة لا يوجد شيء، يقولون: كل هذا القرآن والسنة المقصود به: التخويف والتقويم، وأنتم لا تدرون ما معناهما؟ فنحن أعلم منكم. المهم: أن أهل التفويض قولهم باطل لا شك، وهذا الحديث مما يبطل قولهم. ومن فوائد الحديث: تفسير المعقول، أو إن شئت فقل: تفسير الموعود بالموجود، يؤخذ من قوله: "كالجبلين العظيمين"؛ لأن الجبلين مشهودان، والقيراطان موعودان، فيفسر الموعود الذي لا يرى بالمشهود الذي يرى: ﴿وتلك الأمثل نضربها للنَّاس وما يعقلها إلَّا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣]. قوله: "وللبخاري أيضًا"، كلمة "أيضًا" هذه تكرر كثيرًا في كلام الناس، وهي مصدر آضى يئيض أيضًا كباع يبيع بيعًا، ومال يميل ميلًا، وما معناها؟ معنى "آضى" أي: رجع، فعلى هذا يكون "أيضًا" يعني: رجوعًا على ما سبق، لكنها محذوفة العامل وجوبًا، مثل: "سبحان" ما يذكر معها عاملها، هذه أيضًا لا يذكر معها عاملها، فهي إذن إعرابها منصوبة على أنها مفعول مطلق عاملة محذوف وجوبًا، ومعناه: رجوعًا يعني: على ما سبق. قوله: "من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا"، وعلى هذا فلا يكون من تبع جنازة الكافر لا يكون له مثل الأجر، بل لابد من أن يكون المتبوع مسلمًا، وهذا الحديث مقيد للحديث السابق: "من تبع الجنازة حتى يصلى عليها" مقيد له على أننا قلنا: إن الأول فيه ما يدل على أن المراد بها جنازة المسلم من قوله: "حتى يصلى عليها"، والكافر لا يصلى عليه، إذن فهو عام أريد به الخصوص، وخص من قوله: "حتى يصلى عليه". وقوله: "إيمانًا واحتسابًا" أي: إيمانًا بما عند الله- من الأجر، أو إيمانًا بما جاء به الشرع من الحث على اتباع الجنائز؟ الثاني، "واحتسابًا" يعني: انتظارًا وحسبانًا للأجر على الله- ، فالاحتساب بمعنى: أنه يحتسب بهذا العمل الأجر عند الله، وهذا يدل على إيمانه بالجزاء، وأما "إيمانًا" فهو الإيمان بأن هذا من الأمور المشروعة التي حث عليها الشرع. قال: "وكان معها حتى يصلى عليها"، هذا القول مشعر بأنه كان متبعًا لها من بيتها، "ويفرغ من دفنها"، وهنا نقول: إننا نأخذ بهذا؛ لن الحديث الذي سبق فيه لفظان: "حتى تدفن"، "حتى توضع في اللحد"، و"حتى يفرغ" يشمل الجميع. وقوله: "فإنه يرجع بقيراطين" يرجع من المقبرة يعني: مصطلحبًا لقيراطين، الباء هنا للمصاحبة، وقوله: "كل قيراط مثل جبل أحد" يدل على عظم هذين القيراطين، ويبطل قول من يقول: إنهما جزآن من أربعة وعشرين جزءًا من أجر المصاب، فإن هذا لا وجه له بعد تفسير الرسول ﷺ .

стр. 1161

ويستفاد من هذا الحديث: أولًا: أنه ينبغي للإنسان أن يلاحظ الإيمان والاحتساب حتى تكون أعماله مبنية على قاعدة من الشرع وعلى انتظار الجزاء، وأما بقية الحديث فمستفاد مما سبق. كيفية السير في الجنازة: ٥٤٤ - وعن سالمٍ عن أبيه ﵁: "أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمر، وهم يمشون أما الجنازة". رواه الخمسة، وصحَّحه ابن حبَّان، وأعلَّه النَّسائيُّ وطائفةٌ بالإرسال. من سالم وأبوه؟ سالم بن عبد الله بن عمر، وأبوه عبد الله بن عمر، قوله: "رأى النبي" أي: رؤيا بصرية، وعلى هذا فتكون جملة "يمشون" في موضع نصب على الحال؛ لأن "رأى" البصرية لا تنصب مفعولين، وإنما تنصب مفعولًا واحدًا، فإذا جاء بعدها ما قد يوهم أنه المفعول الثاني فاجعله حالًت تقول: "رأيت زيدًا راكبًا على الجمل"، فـ "راكبًا" حال، ولا يصح أن تقول: "راكبًا" مفعول ثانٍ؛ لأن "رأى" البصرية لا تنصب إلا مفعولًا واحدًا، وقوله: "وأبا بكر" معطوف على "النبي" وجملة " ﷺ " جملة اعتراضية دعائية، وهي بلفظ الخبر، لكن معناها: الإنشاء، وقوله: "وهم يمشون" هذه الجملة حالية "أمام الجنازة" يعني: قدامها. يستفاد من هذا الحديث: مشروعية كون الماشي أما الجنازة، لأن ابن عمر أخبر بأنه رأى النبي ﷺ ، وأبا بكر وعمر يمشون، وهذا يحتمل أنه رآهم جميعًا، ويحتما أنه رأى كل واحد على انفراد، لكن المهم: أن الجميع كانوا يمشون أمام الجنازة، ووجه كون المشي أمامها على ما قال أهل العلم: أن المشيِّع كالشافع للجنازة، فكان الأولى أن يكون أمامها يتقدمها، ولكن الحديث يقول: إنه معلُّ بالإرسال، وما معنى الإرسال؟ الإرسال: يطلق على معنى خاصٍّ وهو ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ ، هذا المرسل بمعناه الخاص، وتارة يطلق الإرسال على كل ما لم يتصل سنده لسقوط راوٍ بين المحدث به وبين من عزاه إليه، وهنا الحديث متصل بالنظر إلى سالم عن أبيه، فإذا جعلناه مرسلًا بالمعنى الخاص فالذي يسقط منه ابن عمر- أبوه- يكون الرافع له تابعيًا وهو سالم، وأما إذا جعلناه بالمعنى العام فيمكن أن بعض سنده فيه انقطاع. على كل حال: الإرسال يوجب ضعف الحديث حتى تعلم من الساقط، فإن علم الساقط ممن تقبل روايته قبل وإلا ردّ، وهذه المسألة- أعني: مسألة المشاة- أين يكونون من الجنازة؟

стр. 1162

كل الأحاديث التي فيها لا تخلو من مقال وضعف، لكن فيها حديث المغيرة وهو لا بأس به، وفيه أن النبي ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث يشاء منها". فجعل الماشي مخيرًا يكون أمامها، خلفها، عن اليمين، عن الشمال، أما الراكب فيكون في الخلف؛ لماذا؟ لئلا يعيق الناس عن المشي؛ لأن الدابة ربما تحزن، وربما تهون المشي فيعيق الناس، ثم لو قلنا له: ينبغي لك أن تتقدم وكان في مؤخر الناس لزم من هذا أن يؤذيهم بالعبور من عندهم، فلهذا صار المشروع أن يكون خلفها. والظاهر لي في هذه المسألة: أن الأمر فيها واسع، يكون الإنسان أمامها، يكون خلفها يكون عن يمينها، يكون عن شمالها، أما الذي يريد أن يحمل فأمره ظاهر لابد أن يكون قريبًا منها من أي اتجاه، لكن الكلام على من يمشي أمامها قد يقال: إن هذا فعل وقضية عين، رأوا أن الأنسب في تلك القضية بعينها وما دام حديث المغيرة لفظه يقول: الماشي حيث شاء منها فإن اللفظ له مدلول عام، فيكون أولى بالإتباع. فنقول: من أراد أن يمشي أمامها فعل، أو خلفها فعل، أو عن يمينها فعل، أو عن شمالها فعل، لكن أحيانًا يكون الإنسان لا يستطيع أن يمشي أمامها فهنا يمشي خلفها؛ لأنه يتعب، وأحيانًا يرى الإنسان أنهم يسرعون فيه إسراعًا كثيرًا فيجب أن يمشي أمامهم لأجل أن يخفف من هذا الإسراع لا سيما إذا كان له كلمة بحيث يقول: لا تشقوا على الناس أو ما أشبه ذلك، فما دام الأمر موسعًا فلينظر الإنسان إلى المصلحة ويتبعها. النهي عن اتباع النساء للجنازة: ٥٤٥ - وعن أمِّ عطيَّة ﵂ قالت: "نهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يعزم علينا". متَّفقٌ عليه. أم عطية من نساء الأنصار، وكانت ﵂ ممن يغسل الأموات من النساء، ولها أحاديث كثيرة، تقول: "نهينا عن كذا" فإنه يحمل على أن الناهي رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الذي له الأمر والنهي في عهد الصحابة- ﵃، ولا سيما إذا كانت المسألة من الأمور الشرعية التي لا تصدر إلا عن النبي ﷺ ، فأهل العلم يقولون: إن الصحابي إذا قال: "أمرنا" أو "نهينا" فإنه يحمل على الرفع، حتى لو جاء أحد من الناس، وقال: هذا ليس صريحًا في الرفع.

стр. 1163

نقول: هنا ليس بصريح لكنه ظاهر فيه، والاعتماد على الظاهر وغلبة الظن في الأحكام الشرعية أمر جاء به الشرع، وعلى هذا فنقول: إننا نحمله على الظاهر، فما هو الظاهر الذي حملناه عليه؟ قلنا: إن الأمر والنهي في عهد الصحابة لمن؟ للرسول ﷺ ، لا سيما في الأمور التعبدية الشرعية. قولها: "نهينا عن اتباع الجنائز" هذه المسألة غير زيارة القبور، اتباع الجنائز: يعني: أن تخرج المرأة مع الجنازة، واتباع المرأة للجنائز على نوعين: النوع الأول: أن تتبع الجنازة إلّى المصلى وتصلي عليها وتنصرف، فيكون القصد هو الصلاة على الميت. والثاني: أن تشيع الجنازة وتتبعها إلى المقبرة، وتدخل المقبرة فهذا أشد من الأول من حيث النهي؛ لأن هذا يستلزم زيارة المرأة المقبرة، وزيارة المرأة للمقبرة على الصحيح محرمة؛ لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور. ولكن قد يقول قائل: إذا خرجت مع الجنازة لا لقصد الزيارة فهل تدخل في اللعن؟ سبق لنا أنه إذا كانت المرأة لم تقصد الزيارة فإنها لا تدخل في اللعن، وعلى هذا يحمل الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ علمها ماذا تدعو به لأصحاب القبور. وقولها ﵂: "ولم يعزم علينا" استفدنا منه أمرين: الأمر الأول: أنها ﵂ فهمت أن هذا النهي ليس على سبيل العزيمة، وعلى هذا فيكون للكراهة فقط. والأمر الثاني الذي استفدناه من هذا التعبير: أن المنهيات نوعان: عزيمة وغير عزيمة، وعلى هذا فليس كل نهي للتحريم على الإطلاق، وإنما يكون النهي أحيانًا للتحريم وأحيانًا للكراهة، وهذا هو الذي مشي عليه أهل العلم، إلا أنهم قالوا: إن الأصل في النهي التحريم، لكنهم لم يقولوا: إن النهي لا يأتي للكراهة أبدًا، بل قد يكون للكراهة وقد يون للتحريم، وهذا التقسيم الذي أشارت إليه أم عطية يدل على ذلك عزيمة وغير عزيمة، فإن كان عزيمة وجب اجتناب المنهي عنه وإن لم يكن عزيمة لم يجب، لكنه يطلق عليه أنه مكروه أو أنه منهي عنه. وقولها: "ولم يعزم علينا" يدل على أن اتباع الجنائز للنساء ليس محرمًا، يؤخذ من قولها: "ولم يعزم"، والراوي أدرى بما روى، ولا يمكن أن تقول: "نهينا ولم يعزم" إلا وعندها من القرائن ما يفيدها بأن الرسول ﷺ لم يرد بالنهي العزيمة.

стр. 1164

ولهذا تنازع بعض أهل العلم في قولها: "ولم يعزم علينا"، وقال: إن هذا منها وفهم لها، وفهمها لا يكون حجة على ما يقتضيه النهي، فما دامت أثبتت النهي فإننا نحن نأخذ بما أثبتت، أما قولها: "ولم يعزم" فهذا مبني على فهمها، وفهمها قد يكون صوابًا وقد يكون خطأ كغيرها، على أنه في بعض الروايات: "نهينا عن إتباع الجنائز"، ولم تذكر: "ولم يعزم علينا"، قالوا: وهذا هو المحفوظ "نهينا عن إتباع الجنائز" وعلى كل حال: فهذا الحديث محل تردد ونظر: هل نأخذ بقولها: "ولم يعزم علينا" لأنها راوية الحديث وأعلم بمدلوله، ولابد أن عندها من القرائن ما أخرج النهي من العزيمة، وهي صحابية ثقة عارفة بمدلول اللسان العربي وعارفة بالأحكام الشرعية؟ هذا احتمال أن نقول: إن النهي وكونه عزيمة أو غير عزيمة الأصل فيه أنه عزيمة هذا الأصل، وعلى هذا فيكون النهي للتحريم، أما أن يقال: إن قولها: "لم يعزم علينا" بالنهي وأنه بعد أن نهينا، يعني: رخص لنا، فهذا يأباه اللفظ غاية الإباء، ولا يدل على أن المرأة يباح لها أن تتبع الجنازة، وما استدلوا به من أن النبي ﷺ كان في جنازة وكان معه امرأة فصاح بها عمر فقال له النبي ﷺ : "دعها"، فهذا الحديث إن صح فإنه يكون قبل النهي؛ لأن النهي ناقل عن الأصل، وإذا تعارض حديثان فإنه يرجح ما كان ناقلًا عن الأصل؛ لأن الأول مبتن عليه وهو الأصل، فإذا جاءنا ما ينقل عنه دل هذا على أنه حكم متجدد والأول على أصل البراءة. يستفاد من هذا الحديث: أولًا: نهي النساء عن إتباع الجنازة لقولها: "نهينا عن إتباع الجنائز". ومن فوائده: أن هذا أصل من الأصول التي يعرف بها أن الشارع يفرق في الأحكام بين الرجال والنساء، وأن التفريق بين الرجال والنساء في الأحكام له أصل في الشرع، هذه المرأة تنهى عن إتباع الجنائز، والرجل يؤمر بإتباع الجنائز، بل جعله الرسول ﷺ من حقوق المسلم على المسلم. وهذا يتفرع عليه فائدة: وهي حكمة الشارع في التشريع حيث ينزل كل أحد في التشريع بما يليق به، فلما كانت المرأة ليست أهلًا للتشييع- لما يخشى من تشييعها من الفتنة ومن عدم الصبر حتى تبكي وتنوح- نهاها الشارع، وأما الرجل فلقوته وجلده وصبره أمره الشارع بأن يتبع الجنازة. ومن فوائد الحديث: أن النهي ينقسم إلى: عزيمة وغير عزيمة؛ لقولها: "نهينا ولم يعزم علينا". ومن فوائده: أن النهي عند الإطلاق عزيمة، ولو كان عند الإطلاق ليس عزيمة لم يحتج إلى قولها: "ولم يعزم علينا" وهو كذلك.

стр. 1165

ومن فوائد الحديث: أن الصحابي قد يعدل عن اللفظ الصريح لنكتة، وهو قولها: "نهينا" دون أن تقول: نهانا. فإن قال ذلك تابعي، قال: نهينا، أو أمر الناس، أو ما أشبه ذلك، فقيل: إنه موقوف، وقيل: إنه مرفوع مرسل، وعلى كلا التقديرين لا حجة فيه لأنه إن كان موقوفًا فهو من قول الصحابي أو فعله، وإن كان مرفوعًا مرسلًا ففيه ضعف من أجل الانقطاع- سقوط الصحابي-. حكم القيام للجنازة: ٥٤٦ - وعن أبي سعيدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع". متفقٌ عليه. قوله: "إذا رأيتم فقوموا" الجملة شرطية، ولكن أداة الشرط فيها غير جازمة، وجواب الشرط. قوله: "فقوموا" "إذا رأيتم" يعني: رؤية عين، "فقوموا" وإن لم تحاذكم بمجرد ما ترونها فقوموا، إلى متى؟ ما بين في هذا الحديث، ولكنه بين في حديث آخر حتى تجاوز الإنسان، ثم إذا قام فإن شاء تبع وإن شاء لم يتبع، ولهذا قال بعدها: "فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع"، "من تبعها" يعني: من قام وتبعها لما مرت به فلا يجلس حتى توضع على الأرض مدة، فإن وضعت في اللحد مباشرة فحتى توضع في اللحد، والحكمة من ذلك: تنبيه النفس على هذا الأمر الذي هو مآل كل حي وهو الموت، ولهذا علله النبي ﷺ بأن الموت فزع، فلا ينبغي أن تمر بك الجنازة وأنت قاعد على حديثك كأن شيئًا لم يكن، كما يرمي إليه أهل الكفر الذين يريدون أن ننسى الاتعاظ بالموت، حتى قال بعض الناس: إن أصل هذا الحفل بالسيارات والأبهة وما أشبه ذلك إن أصله كان من الغرب يريدون بذلك أن يشتغل الناس عن ذكر الموت بهذه الحال، وكذلك أيضًا لها علة أخرى وهي أنها نفس، والنفس مخلوقة لله ، وقد كانت الآن منفصلة عن بدنها فكان لها نوع من الاحترام أو الإكرام، وورد أيضًا أن معها ملكًا. وكل هذه الأشياء لا ينافي بعضها بعضًا؛ إذ يجوز تعدد العلل لمعلول واحد كما يثبت الشيء بعدة طرق، الحد يثبت بشهادة الشاهدين وبإقرار المشهود عليه وبوجود الشيء عنده، لو ادعيت على شخص أنه سرق مني كذا، أو كذا أو أنه جحد لي كذا وكذا ووجدناه عنده وأقر به هو وأتيت بشاهدين بكم طريق كان إثباته؟ ثلاث طرق، فتعدد الأدلة جائز؛ لأنه يزيد الشيء

стр. 1166

تقوية، فهذه العلل التي جاءت بها الأحاديث في الأمر بالقيام للجنازة لا ينافي بعضها بعضًا، والمهم: أنك تقوم إذا رأيت الجنازة. وقوله: "فقوموا"، هل هذا الأمر للوجوب؟ الأصل في الأمر الوجوب، فيقتضي أنه يجب علينا أن نقوم إذا رأينا الجنازة، لكن ثبت عن النبي ﷺ أنه قام ثم قعد، وهذا يدل على أن الأمر ليس للوجوب، ولكن هذا الحديث "قام ثم قعد" لا يدل على أن الحكم نسخت مشروعيته؛ لأن من شرط النسخ عدم إمكان الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع وجب، ولا يجوز أن نلجأ إلى النسخ؛ لأن النسخ معناه: إبطال دلالة أحد الدليلين، وهذا لا يجوز إلا بأمر لابد لنا منه. وقوله: "ومن تبعها فلا يجلس حتى توضع"، لما في ذلك من الاحترام للميت؛ ولأن الميت إذا تبع كان إمامًا، والإمام لا يتخلف الإنسان عنه كالإمام في الصلاة نتابعه، كذلك هذه الجنازة التي نمشي بها، نحن تبعناها فلا نجلس؛ لأن هذا ينافي المتابعة، وينافي أن تكون الجنازة إمامًا لمتبعيها؛ ولهذا قال العلماء: إنه يكره الجلوس لمن تبعها حتى توضع في الأرض للدفن، وأما إذا وضعت لسبب آخر كما لو وضعوها في الأرض لإصلاحها، مثلًا مالت إلى جانب من النعش فإنهم لا يجلسون وإنما يصلحونها، ثم يحملونها ويمشون، لكن إذا وضعت في الأرض للدفن فحينئذ يجوز الجلوس؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ جلس حين انتهى إلى قبر رجل من الأنصار، ولما يلحد جلس ﷺ وجلس حوله أصحابه كأن على رءوسهم الطير، وفي يده مخصرة ينكت بها الأرض فحدثهم عن حال الإنسان عند الموت وبعده وعند دفنه حديثًا يعتبر موعظة، فهذا يدل على أنها لو وضعت على الأرض للدفن لانتهى النهي. وقوله: "لا يجلس حتى توضع" "حتى" هنا للغاية، الفرق بين حتى الغائية وحتى التعليلية: أنه إذا كان يحل محلها "اللام" فهي تعليلية، وإن كان يحل محلها "إلى" فهي غائية، وكلاهما ينصب الفعل المضارع، قوله تعالى: ﴿قالوا لن نَّبرح عليه عاكفين حتَّى يرجع إلينا موسى﴾ [طه: ٩١]. "حتى" هنا غائية، ﴿فقاتلوا الَّتي تبغي حتَّى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]. تصلح أن تكون غائية وتصلح أن تكون تعليلية يعني: قاتلوها إلى أن ترجع، أو قاتلوها لأجل الرجوع. يستفاد من هذا الحديث: مشروعية القيام للجنازة لأمر النبي ﷺ به، ولولا أنه ورد أن النبي ﷺ قام وقعد لقلنا: إن الأمر للوجوب، واعلموا أن كلمة "مشروعية" صالحة للوجوب وللاستحباب؛ ولهذا إذا قالوا: يشرع كذا؛ فلا نقول: إنه سنة أو واجب؛ لأنه صالح لهما جميعًا، إذ إن السنة مشروعة، وكذلك الواجب مشروع، إذن نقول: مشروعية القيام للجنازة إذا رؤيت.

стр. 1167

ثانيًا: أنه ينبغي للإنسان أن يولي الموت عناية واهتمامًا، ويشعر نفسه بالفزع لرؤية الميت، لقوله: "فقوموا"، فإن ذلك فزع يفزعه الإنسان حتى يقوم. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز لمن قام لرؤية الجنازة أن يتبعها أو لا يتبعها؛ لقوله: "فمن تبعها"، ولم يقل: فقوموا واتبعوها. ومن فوائد الحديث: أن حمل الميت وكذلك دفنه ليس فرض عين، وجهه: لو كان فرض عين لقال: اتبعوها، ولوجب على كل من رآها أن يتبعها، فليس فرض عين ولكنه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإن رأيت طفلًا صغيرًا بيد رجل حمله إلى المقبرة فهل اتباعه فرض عين؟ هل الذي وحده يتمكن من دفنه؟ لو ذهب إلى المقبرة ووضعه فجاء كلب فأكله فهذا ممكن وارد، فهو يحتاج إلى مساعدة على الأقل إلى حماية الطفل عندما يذهب ليأتي بالماء واللبن، فالظاهر أنه لا يكفي واحد في دفن الجنازة. فالحاصل: أن أفراد المسائل تنطبق على الضوابط والقواعد، فما دمنا نقول: إنه فرض كفاية إذا وجدنا مع الجنازة من لا يكفي وجب علينا أن نتبع، كما لو رأينا رجلًا كبير الجسم لا يحمله إلا أربعة وليس معهم غيرهم والمقبرة بعيدة فيتعين الإتباع؛ لأننا نعلم أن هؤلاء سيشق عليهم مشقة شديدة. ومن فوائد الحديث: أن النهي عن الجلوس مغيًّا بعناية وهي: "حتى توضع" فهل يستفاد منه تقييد الأحكام الشرعية بغايتها، بمعنى: أن يصدر حكم من الشارع مغيًّا بغاية إذا وجدت زال؟ ممكن: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب"، والأحكام الشرعية المغياة بغاية كثيرة. كيفية إدخال الميت القبر: ٥٤٧ - وعن أبي إسحاق، أن عبد الله بن يزيد ﵁ أدخل الميِّت من قبل رجلي القبر، وقال: "هذا من السُّنَّة". أخرجه أبو داود. "أبو إسحاق" هو: السبيعي الهمداني تابعي، وعبد الله بن يزيد صحابي، إذا قال الصحابي: "من السنة" يعني بذلك: سنة الرسول ﷺ ، والمراد بالسنة المضافة إلى الرسول ﷺ : الطريقة، وهي شاملة للواجب وللمستحب، بمعنى: أنه قد يقال: من السنة كذا وهو واجب، وقد يقال: من السنة كذا وهو مستحب، ففي حديث عليّ- وإن كان ضعيفًا-، ولكن نقرأ للتمثيل: "من السنة وضع اليد على اليد تحت السرة". أي سنة هذه؟ المستحب على القول بأنه حجة، قول

стр. 1168

ابن عباس حين قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة وقال: "لتعلموا أنها من السنة" أي سنة هذه؟ الواجبة، وقول أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا" الواجب هذا بالنسبة للسنة المضافة إلى الرسول ﷺ ، أما السنة التي اصطلح عليها الأصوليون فإنهم يعنون بالسنة خلاف الواجب، يعني: يقسمون الأوامر إلى قسمين: واجب محتم وسنة غير محتمة، وأكثرهم أيضًا لا يفرق بين المستحب وبين السنة، فيرى أنه يجوز أن تعبر: "يسن كذا"، أو "يستحب كذا"، وبعضهم يقول: لا، ما ثبت باجتهاد، فقل: مستحب، وما ثبت بدليل فقل: سنة. فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي في دفن الميت أن يدخل القبر من عند رجلي القبر، فيكون الميت يؤتى به في مقبرتنا هذه من ناحية الجنوب ثم يدخل هكذا ينزل تنزيلًا في القبر حتى يكون أول ما يدخل القبر رأسه، فتكون الحكمة من ذلك- والله أعلم-: لأن الرأس أشرف الأعضاء؛ ولهذا عند الصلاة يقف الإمام عند رأس الرجل؛ لأن الرأس فيه الوجه، والوجه أشرف الأعضاء، فيه الناصية التي هي محل التدبير والتنفيذ المكسب الخاص هو الناصية، وهي في مقدمة الرأس ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَّا من دابةٍ إلَّا هو آخذ بناصيتها﴾ [هود: ٥٦]. والعلماء يقولون: إن المخ فيه عدة مخازن، كل مخزن له خاصية، المخزن المقدم خاصيته التدبير، يعني: تلقي الأوامر من القلب، نحن لا نوافقهم على أن التدبير في المخ، نقول: كذبتم، التدبير في القلب؛ لأن الله تعالى نص على هذا: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها﴾. وقال تعالى: ﴿فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الَّتي في الصُّدور﴾ [الحج: ٤٦]. يعني: ما وراء هذا التدبير من بيان على أن القلب هو محل العقل وهو محل التدبير، لكن لا شك أن المخ- بإذن الله- سكرتير موصل ومنفذ، فالتصور في المخ، يتصور الشيء ويحرره ويزينه من كل وجه، ثم يرسل للقلب يقول: ماذا تقول أيها الملك؟ يوقع الملك على أنك تفعل كذا أو دبر كذا فيشتغل الدماغ يوزع الأعضاء، فيكون الدماغ مصدرًا للقبول والتنفيذ؛ يعني: ورود وصدور، صادر ووارد، هذا الدماغ، لكن القلب لا شك أنه هو الأصل ولو جاءوا بكل ما يأتون به قلنا: كذبتم؛ لأن قول الله واضح وصريح. الحاصل: أن الحكمة- والله أعلم- في إدخال القبر من قبل رأسه- وهو رجلي القبر- لأن الحقيقة أن جر الإنسان وقيادته تكون من الناصية، وهذا الحديث رواه أبو داود، ومن أهل العلم من قال: إنه حديث ضعيف؛ ولهذا مذهب الحنفية أن الميت يدخل من قبل القبلة- قبلة القبر- يدخل عرضًا من جهة قبلة القبر كما هو المتبع الآن عندنا، وهذا الأمر ليس على سبيل

стр. 1169

الوجوب حتى نتكلف بحيث لو كان بجانب رجليه قبر نتعب، هذا الأمر إذا صح فهو على سبيل الاستحباب. ٥٤٨ - وعن ابن عمر ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: باسم الله، وعلى ملَّة رسول الله". أخرجه أحمد، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان، وأعلَّه الدَّارقطنيُّ بالوقف. أولًا يقول: "إذا وضعتم موتاكم في القبور" يعني: عند الوضع "فقولوا" هذا جواب الشرط، "باسم الله" الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أضع، ذكرنا فيما سبق أن المتعلق يقدر بحسب الفعل الذي تريد أن تفعله. وقوله: "وعلى ملة رسول الله" يعني: ودفناه على ملة رسول الله "والملة" هي: الدين كما قال الله تعالى: ﴿ثمَّ أوحينا إليك أن اتَّبع ملَّة إبراهيم حنيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. وقال وتعالى: ﴿مِّلة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: ٧٨]. فالملة هي: الدين، وفي حديث آخر: "باسم الله وعلى سنة رسول الله"، والمعنى متقارب؛ لأن المراد بالسنة: الطريقة. وقوله: "وعلى ملة رسول الله" أو سنته بماذا؟ أي: في وضعه ولحده وتوجيهه إلى القبيلة، ولكن الحديث يقال: إنه معلول بالوقف، وقد سبق لنا أن من شروط صحة الحديث أن يكون سالمًا من الشذوذ ومن العلة القادحة، ولننظر في الوقف: هل هو علة قادحة أو لا؟ هذا يرجع إلى من رفعه إذا كان من رفعه ثقة، فإن الزيادة التي صار بها مرفوعًا تكون زيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة؛ لأن عندنا مثلًا إنسان حدَّث بهذا الحديث وساق السند إلى ابن عمر ثم وقف، وقال: "إذا وضعتم"، وآخر ساق سند الحديث، ووصل إلى ابن عمر، وقال: "قال رسول الله ﷺ " صار مع هذا الرافع زيادة علم، هذه الزيادة إذا كانت من ثقة فإنها مقبولة، ولهذا إذا تعارض الرفع والوقف وكان الرافع ثقة فإن الوقف لا يكون إعلالًا، لماذا؟ لأنه من الجائز، بل قد يكون كثيرًا أن يكون الرافع له أحيانًا يحدِّث به رافعًا له إلى الرسول ﷺ وأحيانًا يحدِّث به بنفسه، كما لو كنا الآن نتحدث حديثًا وقلنا: ينبغي للإنسان أن يحسن نيته وألا ينوي بعمله إلا الله فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، هذا الحديث لا شك أنه مرفوع، لكن قد يقوله المحدث استشهادًا على حال من الأحوال، ربما كان ابن عمر خارجًا في جنازة فقال لهم:

стр. 1170

"إذا وضعتم الميت فقولوا: باسم الله وعلى ملة رسول الله"، فسمعه أحد الرواة، فحينئذ هل يرفعه أو يقفه؟ يقفه؛ أن ابن عمر ما رفعه ثم يحدِّث به ابن عمر على سبيل التحديث فيروى عنه مرفوعًا، وهذه هي القاعدة في مسألة الرفع والوقف أنه إذا تعارض الرفع والوقف وكان الرافع ثقة فإنه يؤخذ به؛ لأن معه زيادة علم، والزيادة من الثقة مقبولة، ولأن ذلك لا ينافي الوقف، فإن راوي الحديث قد يقوله من عند نفسه لتطبيق ما دل عليه الحديث. فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي إذا وضع الميت في لحده أن يقول: "باسم الله، وعلى ملة رسول الله" والذي يقوله الواضع دون الذي حوله، فلو قاله الذين حوله فإن ذلك لا يكفي؛ لأن هذه السنة تتعلق بالفاعل، كما لو أن أحدًا رأى شخصًا يريد أن يذبح ذبيحة فقال الذين حوله: "باسم الله" ثم ذبحها الذابح، فهل تحل الذبيحة؟ لا، لا تحل؛ لأن ما علق على فعل الفاعل فلابد أن يكون صادرًا من الفاعل نفسه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يذكر نفسه ولو بقلبه عندما يفعل الفعل أنه متابع لذلك رسول الله ﷺ ؛ لقوله: "وعلى ملة رسول الله"، وقد ذكرنا سابقًا: أنه ينبغي للإنسان عند فعل العبادة أن يستحضر شيئين: الأول: امتثال أمر الله- كأن الله يأمره الآن فهو ينفذ، والثاني: يشعر كأن الرسول ﷺ الآن أمامه ليقتدي به؛ لأن هذا هو تحقيق الإخلاص والمتابعة. الميت يتأذى بما يتأذى به الحي: ٥٤٩ - وعن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كسر عظم الميت ككسره حيَّا". رواه أبو داود بإسنادٍ على شرط مسلمٍ. "كسر" مبتدأ، وخبره "ككسره"، و"حيًّا" حال من الضمير في قوله: "كسره" يقول الرسول ﷺ : إنه لا يجوز أن يكسر عظم الميت، أو بعبارة أصح: يقول- ﵊: إن كسر عظم الميت ككسر عظمه حيًّا، يعني: في الحرمة، والاحترام وعدم التعرض له؛ لأن المسلم- بل بعبارة أعم: لأن المعصوم- معصوم في حياته وبعد مماته، فالموت لا يهدر كرامة المعصوم أبدًا بل كرامته باقية، لا يقول قائل: إن هذا ميت لا يتألم كما قيل: [الخفيف]

стр. 1171

من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرحٍ بميتٍ إيلام فإنه وإن كان لا يتألم لكن له حرمة. هذا الحديث يدل على عدة فوائد: أولًا: تحريم كسر عظم الميت إذا كان معصومًا، يؤخذ من قوله: "ككسره حيًّا"، ومن المعلوم بالنص والإجماع أنه لا يجوز الاعتداء على الحي بكسر عظمه. ويستفاد من الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بعد موته لأحد بشيء من أعضائه، لماذا؟ لأنه يلزم منه فصل هذا العضو عن الجسد، وفصله لا يجوز، ولهذا قال فقهاء الحنابلة: لا يجوز أن يفصل منه عضو بعد موته ولو أوصى به، قال مثلًا: إذا مت فخذوا من جسدي كذا وكذا لفلان؛ فإنه لا يجوز. ويستفاد من الحديث: أنه لو ضاق القبر على الميت فإنه يجب أن يوسع حتى يمتد كاملًا، ولا يفعل كما يفعل بعض الجهال- والعياذ بالله- حيث ذكر لنا أن بعضهم إذا كان الميت قبره ضيقًا كسر عظامه وضم بعضه إلى بعض- والعياذ بالله- فإن هذا شناعة عظيمة، بل الواجب أن يبقى الميت على ما هو عليه بدون إهانة له. ومن فوائد الحديث: أنه لو وجد شخص متقطع بحادث فإنه يضم بعضه إلى بعض، كما أن الحي لو تقطع أوصاله ثم أمكن جبرها فإنها تجبر، كذلك الميت يضم بعضه إلى بعض وتربط ويصلى عليها. فإن قلت: لو وجد بعض حي مثلًا: رجل أصيب بحادث وانقطعت يده أو رجله وهو حي: فهل يصلى على رجله؟ لا؛ لأنه ما خرجت روحه هو حي، أما لو وجد بعض ميت بأن يكون هذا الإنسان أصابه حادث وتلف جسمه إلا رجله فإنه يصلى عليه- يصلى على رجله، وكذلك لو وجد جملته وفقد بعض أعضائه فإنه يصلى عليه، وقولنا في أثناء الشرح: "كسر عظم الميت ككسره حيًّا" قلنا: لابد أن يكون الميت معصومًا وهو المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن، أما الحربي فإنه يجوز أن يكسر عظمه؛ لأنه لا حرمة له، ولكن إذا كان ذلك على سبيل التمثيل فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن التمثيل كما مر علينا في حديث بريدة: "لا تمثلوا". أما إذا لم يكن على سبيل التمثيل فإنه لا بأس به، كيف ذلك؟ يعني مثلًا: انتهت الحرب وما أردنا أن نغيظ هؤلاء الكفار، ولكننا أردنا أن ننتفع بهذه الأعضاء من هذا الميت الكافر فالظاهر أن ذلك جائز؛ لأنه ليس من التمثيل به، وقد سبق لنا أنهم إذا مثلوا بنا فإننا نمثل بهم.

стр. 1172

قوله: "بإسناد على شرط مسلم" ما معنى ذلك؟ على أن رجاله رجال مسلم، وأيضًا أنه لا يشترط ثبوت اللقي، بل الذي يشترط هو المعاصرة فقط. وهذه المسألة اختلف فيها البخاري ومسلم، ولا شك أن الرأي رأي البخاري فيها، فالبخاري قال: لابد من ثبوت الملاقاة بين الراوي ومن روى حتى يتحقق الاتصال. فالأقوال ثلاثة: إما أن تثبت ملاقاته، أو تثبت عدم ملاقاته، أو تثبت المعاصرة ولم تثبت الملاقاة ولا عدمها، إذا ثبت عدم الملاقاة فقد اتفق البخاري ومسلم على أنه لا يعتبر متصلًا، وإذا ثبتت الملاقاة فهو متصل يحكم بالاتصال إلا أن يصرح بأنه لم يسمعه منه فإنه صرّح بأنه لم يسمعه منه فإننا نعدو ما صرح به، وأما إذا لم تثبت الملاقاة وعدمها ولكن المعاصرة ثابتة فمسلم ﵀ يرى أنه متصل والبخاري يرى أنه غير متصل، ولا شك أن ما ذكره البخاري أصح؛ لأن الأصل عدم الملاقاة حتى تثبت. ٥٥٠ - وزاد ابن ماجه من حديث أمِّ سلمة ﵂: "في الإثم". وفائدة هذه الزيادة ألا يكون كسر عظم الميت ككسره حيًّا في الضمان إنما هو في الإثم فقط، بمعنى: لو أن أحدًا كسر عظم الميت لا نقول: إذا كسر الساق ففيه بعيران، ولكن نقول: إنه آثم، أما الضمان فإنه لا يضمن. اللحد والشق في القبر: ٥٥١ - وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: "ألحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ ". رواه مسلم. قوله: "ألحدوا" هذا يوصي أهله كيف يدفنونه، فقال: "ألحدوا لي لحدًا" "ألحدوا" من الرباعي بكسر الحاء، وأما من الثلاثي من لحد، فهي بالفتح "ألحدوا"، إذن يجوز فيه وجهان، واللحد سبق أنه: الشق في جانب القبر مما يلي القبلة، وسمي لحدًا لميله إلى جانب القبر، وأصل الإلحاد في اللغة: الميل كما قال تعالى: ﴿وذروا الَّذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠]. أي: يميلون فيها، وقال: ﴿إنَّ الَّذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ [فصلت: ٤٠]. وقال: ﴿ومن ير فيه بإلحاد بظلمٍ نذقه من عذابٍ أليمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. إذن فاللحد سمي بذلك لميله إلى جانب القبر. وقوله: "وانصبوا عليَّ اللبن نصبًا" هذا يثبت بالضرورة من اللحد؛ لأن اللحد لا يمكن أن يستمسك اللبن فيه إلا إذا نصب نصبًا، يعني: يوقف توقيفًا؛ لأنه لو وضع تسطيحًا لخر على الميت ولم يثبت، إذن ينصب اللّبن نصبًا، وهذا أقوى للبن من أن يكسر؛ لأنه إذا كان قائمًا صار أثبت له.

стр. 1173

وقوله: "كما صنع برسول الله ﷺ " من الذي صنع به ذلك؟ الصحابة- ﵃ العباس، وعلي بن أبي طالب، ومن حضر من الصحابة فقد أقر ذلك. وعلى هذا فيكون في هذا الحديث فوائد: أولًا: جواز وصية المريض فيما يفعل به بعد موته، الدليل: فعل سعد بن أبي وقاص. فإن قلت: هذا فعل صحابي، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن الصحابي فعله حجة إلا أن يوجد ما يخالفه من نص كتاب أو سنة أو قول صحابي آخر، فإن عارضه كتاب أو سنة رفض، وإن عارضه قول صحابي آخر نظر في الراجح، ولكن هذه الوصية من سعد يؤيدها وصية أبي بكر ﵁، بماذا أوصى؟ أوصى بالاقتصاد في الكفن أن يكفن بالغسيل دون الجديد. يستفاد من هذا الحديث: أن الأفضل في الدفن اللحد، وضده الشق، والشق أن تحفر الحفرة في وسط الأرض هذا الشق، واللحد أن تكون في جانبه مما يلي القبلة، إلا أن العلماء قالوا: إذا لم يمكن اللحد رجعنا إلى الشق، كيف لا يمكن؟ قالوا: إذا كانت الأرض رخوة مثل الرمل لا يمكن فيه اللحد، وإنما يشق شقًّا في الوسط ويوضع لبنات من الجانبين ثم يوضع الميت بينهما ثم يوضع عليه اللَّبن، وهذا معلوم أنه لا يمكن إلا هكذا؛ لأنه لو لحد لانهال عليه التراب ثم ييبس الرمل وينهال. ويستفاد من هذا الحديث: أن الذي ينبغي في اللَّبن أن يكون منصوبًا لا مسطحًا؛ لأن ذلك أثبت له وأقوى لتحمل التراب. ويستفاد من الحديث: الاقتداء بما فعله الصحابة وأقروه؛ لأن سعدًا استدل بفعل الصحابة برسول الله ﷺ ، وهذا مما يدل على أن فعل الصحابي حجة ما لم يخالف الدليل. ٥٥٢ - وللبيهقيِّ عن جابرٍ ﵁ نحوه، وزاد: "ورفع قبره عن الأرض قدر شبرٍ". وصححَّه ابن حبَّان. يعني: أن البيهقي روى عن جابر نحو هذا اللفظ الذي ذكره سعد، ولكن فيه زيادة وهي: "رفع القبر عن الأرض بمقدار شبر"، وهذا أمر لابد أن يكون، حتى وإن لم ترد به السنة لابد أن يرتفع، وجه ذلك: أمران: الأول: أن المساحة التي شغلها الميت كانت بالأول مملوءة ترابًا والآن صارت فضاء، وقد نقل هذا التراب منها ومن غيرها من القبر.

стр. 1174

وثانيًا: أن التراب إذا كان بأصل الخلقة فإنه منكبس تمامًا، بخلاف ما إذا حفر فإنه يتفرق ويتفتت فلابد أن يرتفع هذا التراب الدفين عن التراب الأصلي، ولكن هل يضاف إليه شيء من تراب آخر؟ الجواب: لا، لأنه ورد النهي عن ذلك أن يضاف إلى القبر شيء من تراب آخر؛ ولأنه لو أضيف شيء لارتفع ارتفاعًا أكثر من المعتاد وصار في ذلك فتح ذريعة لأن تشيد القبور وترفع وتعلى، وقد قال علي ﵁ لأبي الهياج: "ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته". النهي عن البناء على القبور وتجصيصها: ٥٥٣ - ولمسلمٍ عنه ﵁: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصَّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبني عليه". قوله: "نهى رسول الله ﷺ " النهي هو: طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة معينة خاصة وهي "لا" المقرونة بالفعل لمضارع، قولنا: "طلب الكف"، خرج به الأمر فليس نهيًا؛ لأن الأمر طلب الفعل، وقولنا: "على وجه الاستعلاء" خرج به الدعاء، وخرج به الالتماس؛ لأن الداعي يدعو لا على أنه أعلى من المدعو، بل على أنه أقل وأدنى مع أن الصيغة صيغة نهي، كقوله تعالى: ﴿ربَّنا لا تؤاخذنا إن نَّسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وخرج به أيضًا الالتماس وهو: أن يطلب الكف من مساوٍ له، فهذا يسمى عند أهل البلاغة: التماسًا، مثل أن يقول الزميل لزميله: "لا تكتب كذا" هذا يلتمس التماسًا، وخرج بقولنا: "بصيغة معينة هي المضارع المقرون بلا" خرج بذلك ما دل على النهي بصيغته التركيبية أو من حيث المادة، ما دل على النهي بمادته مثل: اجتنب، اترك، كف، هذا طلب ترك، لكن ليس بالصيغة المعينة فلا يكون نهيًا، لكن معناه نهي، إذن نهي الرسول ﷺ يعني: قال: "لا تفعلوا كذا". فإن قلت: هل هذا من باب الصريح المرفوع صريحًا، أو من باب المرفوع حكمًا؟ قلت: هذا من باب المرفوع صريحًا؛ لأنه أضاف النهي إلى رسول الله ﷺ ، أما لو قال: "نهينا" أو "نهي الناس" لكان من المرفوع حكمًا. ولكن قد يقول قائل: لماذا عدل الصحابي عن قوله: قال النبي ﷺ : "لا تجصصوا القبور"؟ قلنا: لعل الصحابي اختلطت عليه الصيغة المعينة التي نطق بها الرسول ﷺ فنقلها بالمعنى. فإن قلت: إذا كان كذلك أفلا يمكن أن يكون الصحابي فهم النهي من قول الرسول ﷺ والنبي ﷺ لم ينه عنه؟ هذا احتمال، لكن بعيد؛ لأن الصحابي يعلم اللغة العربية ويعرف ما يراد به النهي وما يراد به الخبر، وما يراد به الأمر، ولا يمكن أن يكون صحابة النبي ﷺ الملازمون

стр. 1175

له لا يعرفون مدلول كلامه ولا يفرقون بين النهي والخبر أو بين النهي والأمر، هذا شيء مستحيل، فقرينة الحال تمنع ذلك. قوله: "أن يجصص القبر" أي: أن يوضع فيه الجص أو عليه، سواء كان فيه أو عليه فلا يجصص اللحد، ولا يوضع الجص أيضًا على ظاهر القبر لما في ذلك من الغلو في المسألة الأولى، ومن ذريعة الشرك والكفر في المسألة الثانية؛ لأنه إذا جصص القبر ظاهرًا تطاول الناس في هذا وتسابقوا أيهم أحسن شكلًا، فهذا يقول: أنا أريد أن يكون قبر أبي أحسن القبور التي حوله، والثاني يقول ذلك، حتى يتباهى الناس في القبور ثم يؤدي ذلك إلى الشرك، والشرك كما قلنا سابقًا؛ لذا وضع النبي ﷺ كل الحواجز التي تحجز الوصول إليه. كذلك "نهى أن يقعد عليه يعني: إذا كان فيه ميت، وكلمة "عليه" تدل على العلو، وهذا لا يكون إلا بعد الدفن، فالقعود على القبر يعني: بعد دفنه منهي عنه. الثالث: "أن يبنى عليه" يعني: أن يوضع عليه بناء سواء أكان هذا البناء شامخًا أم قصيرًا جميلًا أم غير جميل عام- "أن يبنى عليه"-، فجمع النبي ﷺ بين النهي عن الغلو في القبور وعن إهانة القبور، ليكون الإنسان سائرًا نحو هذه القبور بين الغلو والإهانة، يكون متوسطًا، ولهذا في القعود عليه إهانة له، وفي تجصيصه والبناء عليه غلو فيه، فنهى النبي ﷺ عن الطرفين، فالواجب علينا إذن: أن نعامل هذه القبور بما تقتضيه. قوله: "نهى" يستفاد منه: تحريم تجصيص القبر، يؤخذ ذلك من النهي، والأصل في النهي التحريم حتى يقوم دليل يصرفه عن التحريم، وأيضًا فإن تجصيصه ذريعة للغلو فيه المفضي إلى عبادة من فيه، وما أفضى إليه المحرم أو كان ذريعة له كان محرمًا. ومن فوائد الحديث: تحريم الجلوس على القبر؛ لقوله: "وأن يقعد عليه"، وهو حرام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر"، وهذا يدل على غلظ التحريم فيه. ومن فوائد الحديث: النهي عن البناء على القبر لقوله: "وأن يبنى عليه"، فماذا نصنع لو أن الأمر وقع بأن بني على قبر وجصص؟ تجب إزالته حالًا المحرم لا يجوز إقراره، وعلى هذا فيجب على المسلمين أن يهدموا جميع القباب المبنية على القبور، يجب وجوبًا؛ لأنه بناء محرم نهى عنه النبي ﷺ ، وما نهى عنه النبي ﷺ فلا يجوز إحداثه، ولا يجوز إقراره عند القدرة على إزالته. فإن قلت: لو أن أحدًا بنى على القبر حماية له ادّعى أن يبني عليه حماية له.

стр. 1176

نقول: إن حمايته تمكن بدون ذلك، بأن يوضع سور عام على المقبرة، أو إذا كان يخشى أن ينبش فإنه يسوّى بالأرض؛ ولهذا قال العلماء: إذا مات أحد من المسلمين في بلاد الكفر وخيف عليه من النبش فإنه يسوى بالأرض ولا يبرز القبر خوفًا عليه، فإذا كان الإنسان يخاف على صاحب القبر فهذا الخوف يزول بطريق آخر غير البناء عليه، وإلا فإن البناء محرم. ويستفاد من هذا الحديث: اعتبار الوسائل، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذه القاعدة قاعدة شرعية معتبرة عند أهل العلم ولها أدلة كثيرة منها هذا الحديث، ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تسبُّوا الَّذين يدعون من دون الله فيسبُّوا الله عدوا بغير علمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. لأنه لما كان سب آلهتهم ذريعة إلى سب الله نهى الله عنه، فيستفاد منه: أن الوسائل لها أحكام المقاصد. فيستفاد من الحديث: سد الشارع كل طريق يوصل إلى الشرك ولو من طريق بعيد، يؤخذ من النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه. ويستفاد من الحديث: تحريم امتهان القبور؛ لقوله: "وأن يقعد عليه"، ومن امتهانها: أن يبول أو يتغوط عليها أو بينها؛ ولهذا قال أهل العلم: يحرم البول بين القبور وعلى القبور، وكذلك التغوط؛ لأن في ذلك امتهانًا لها وهي قبور محترمة، وهل يؤخذ منه مبدأ حماية المقبرة؟ ربما يؤخذ، وإن كان من الممكن أن يقول قائل: لم تكن المقابر في عهد الرسول ﷺ محوّطة، فيقال: إن حمايتها ليست منهيًّا عنها وهي وسيلة إلى حفظ هذه القبور من الامتهان؛ لأن القبور إذا لم تكن محوطة ربما ينتهبها الناس، وربما يعتدون على أرضها أيضًا ويلحقونها بأملاكهم. ٥٥٤ - وعن عامر بن ربيعة ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى على عثمان بن مظعونٍ، وأتى القبر، فحثى عليه ثلاث حثياتٍ وهو قائمٌ". رواه الدَّارقطنيُّ. عثمان بن مظعون ﵁ من المهاجرين، ومات بعد أن شهد بدرًا في السنة الثانية، قال المؤرخون: وهو أول من مات من المهاجرين في المدينة، وأول من دفن في البقيع من المهاجرين ﵁، وهاجر إلى الحبشة ورجع منها لما قيل: إن قريشًا أسلموا، وتوفي بالمدينة وشهد النبي ﷺ جنازته وجعل عليه حجرًا قال: "أدفن إليه من مات من أهله"، وهذا يدل على أن عثمان له منزلة في نفس النبي ﷺ ؛ ولهذا حثا على قبره ثلاث حثيات وهو قائم، بيد واحدة أو بيديه جميعًا؟ ورد في بعض الأحاديث أن ذلك بيديه جميعًا. وهذا الحديث ضعيف لكن له

стр. 1177

شواهد تدل على أن له أصلًا، وأنه ينبغي لمن حضر الدفن أن يحثو عليه ثلاث مرات من أجل أن يشارك في الدفن؛ لأن دفن الميت فرض كفاية، فإذا شاركتهم ولو بهذا الجزء اليسير كنت مشاركًا في الدفن الذي هو فرض كفاية. وقوله: "وهو قائم" هـ هذه الصفة طردية، أو صفة مقصودة؟ الطردي: هو الذي حصل اتفاقًا، وإذا قلنا: إنها صفة مقصودة فإنه يكون الذي يحثو قائمًا لا قاعدًا ومن المعلوم أنه عندما يريد أن يحثو لابد أن ينزل يديه وينحني، ولكن هذا لا ينافي أن يكون قائمًا، المهم: أنه يحثو بدون أن يجلس. استغفار الحي للميت بعد الدفن: ٥٥٥ - وعن عثمان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميِّت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التَّثبيت، فإنَّه الآن يسأل". رواه أبو داود، وصحَّحه الحاكم. قوله: "كان .... إلخ" يحتمل أن يكون هذا في دفن باشره النبي ﷺ ، ويحتمل أن نقول: "إذا فرغ" يعني: فرغ الناس؛ لأنهم يدفنون بأمر الرسول ﷺ ، وإذا كان الشيء بأمره صار كأنه هو الفاعل. وقوله: "وقف عليه" كيف ذلك وقد مر علينا النهي عن القعود على القبر؟ وقف عليه يعني بجانبه لأن الرسول ﷺ نهى أن توطأ القبور ولكن بجانبه، ولم يحدد في الحديث أين كان الموقف، ولكن الذي يظهر أنه يكون عند رأسه؛ لأن الرسول ﷺ كان يقف في الصلاة عند رأس الرجل وعند وسط المرأة، لكن الوسط هنا بالنسبة للمرأة قد زال سببه، فيقف عند رأسه ولا يزاحم إذا تيسر وإلا فعند وسطه أو عند قدميه، المهم: أن يقف عنده. وقال: "استغفروا لأخيكم" أي: اسألوا له المغفرة، وما هي المغفرة؟ ستر الذنب والتجاوز عنه، وما صورة ذلك؟ أن نقول: "اللهم اغفر له" بدليل قوله تعالى: ﴿والَّذين جاءوا من بعدهم يقولون ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الَّذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]. وبدليل قوله تعالى: ﴿الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبِّحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للَّذين آمنوا ربَّنا وسعت كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا﴾، هذه صيغة دعائهم: ﴿فاغفروا للَّذين تابوا﴾ [غافر: ٧]. وعلى هذا فالاستغفار للشخص أن تقول: "اللهم اغفر له"، ولو قلت: "أستغفرك اللهم ربي لفلان" يجوز؛ لأنه طلب المغفرة، لكن الصيغة الأولى أولى.

стр. 1178

قال: "واسألوا له التثبيت" يعني: اسألوا أن يثبته الله ، وعلل هذا الحكم بقوله: "فإنه الآن يسأل"، بعد أن يفرغ من دفنه يسأل، ولم يبيّن النبي ﷺ من يسأله، لكنه بين في أحاديث أخرى، وهو أنه: "يأتيه ملكان فيسألانه"، وما هو المسئول عنه؟ يسألانه عن أمور ثلاثة: عن ربه، ودينه، ونبيه. من فوائد الأحاديث التي مرت علينا: إثبات السؤال في القبر، الدلالة ليست واضحة لكن من أجل شواهدها، ممكن أن نقدم عليها ونقول: إن السؤال لابد أن يكون له نتيجة وإلا لم يكن للسؤال فائدة. يستفاد من حديث عامر بن ربيعة: أنه ينبغي قصد القبر ليحثو عليه لقوله: "وأتى القبر فحثى". ومن فوائده: أنه إذا كان يحثو لا يكون قاعدًا، بل يكون قائمًا لئلا ينسب إلى كونه مصابًا بهذه المصيبة كالجاثي على ركبتيه؛ لأن الإنسان إذا أتاه ما يفزعه أو أصيب بمصيبة حثا على ركبتيه، فهذه العادة لكن هذا يحثو وهو قائم ولا يجثو. ومن فوائده أيضًا: إثبات الصلاة على الميت لقوله: "صلى على عثمان". ومن فوائده أيضًا: أن الشيء المعلوم المتواتر عند الناس لا يحتاج إلى بيانه في كل نص، فهنا "صلى" قد تقول: كيف الصلاة؟ فيقال: إنها معلومة فلا يحتاج إلى أن يبين في كل نص كيفية هذه الصلاة التي وقعت الآن مجملة، وإلا لكانت النصوص ملء الدنيا كلها. وأما حديث عثمان بن عفان ﵁ ففيه: جواز طلب الدعاء لأخيك المسلم لقوله: "استغفروا لأخيكم"، ولكن هل هو مقيد بمثل هذه الحال، أو نقول: يجوز في كل مكان مثل أن تقول: لشخص: فلان أخوك مريض ادع الله له بالشفاء؟ يحتمل أن يكون مقيدًا بمثل هذه الحال؛ لأننا لم نعلم أن الرسول ﷺ سأل مثل هذا السؤال في غير هذا المكان، ويحتمل أن يقال: إنه لما طلب من المسلمين أن يستغفروا له في هذا المكان دلّ هذا على أن الأصل عدم المنع، وأما طلب الإنسان الدعاء لنفسه، بمعنى: أن تطلب من شخص أن يدعو لك فالأولى ألا تفعل؛ لأنه قد يكون داخلًا في قول الرسول ﷺ فيما بايع عليه أصحابه: "ألا يسألوا الناس شيئًا". ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ينبغي إذا سأل الدعاء من شخص لنفسه أن يقصد بذلك مصلحة الداعي قصدًا أوّليًا لا مصلحة نفسه، هو كيف ذلك؟ لأن أخاك المسلم إذا دعا لك بظهر الغيب قال له الملك: آمين، ولك بمثل؛ ولأنك إذا قصدت هذا فقد قصدت الإحسان إليه لا سؤاله أن يحسن إليك، وبينهما فرق.

стр. 1179

وعلى كل حال: فهذه المسألة الأصل عدمها؛ ولهذا ما كان الصحابي كل واحد يقول للرسول ﷺ : ادع الله لي إلا لسبب من الأسباب، كما قال عكاشة بن محصن: "ادع الله لي"، فإذا كان لسبب فهم يسألون الرسول ﷺ الدعاء، وكذلك أيضًا إذا كان لعموم المسلمين، كسؤال النبي ﷺ الدعاء بالمطر بالغيث فهذا لا بأس به؛ لأنك لا تسأل الناس لك، ثم إننا لابد أن نلاحظ ألا يسأل الإنسان الدعاء لنفسه على وجه التذلل للمسئول، كما يفعله بعض من يعتقدون الولاية في أناس، فيأتي كأنه عبد ذليل ربما يخضع له كما يخضع لله ويقول: يا سيدي، ادع الله لي، فهذا يكون حرامًا من أجل ما يقترن به من الذل للمخلوق كذلك أيضًا نلاحظ عندما نسأل غيرنا ألا يكون في ذلك ضرر على المسئول، بحيث يؤدي ذلك إلى الإعجاب بنفسه، وأنه أهلٌ لأن يطلب منه الدعاء، فيظن أنه من أولياء الله الذين تجاب دعوتهم، كل هذه المسائل تجب ملاحظتها. والأفضل على كل حال: ألا تسأل مهما كان الذي يقابلك مما يكون في نظرك من صلاحه. ويستفاد من الحديث: الدعاء عند الفراغ من الدفن مباشرة؛ لقوله: "الآن" و"الآن" معروف أنه: ظرف للوقت الحاضر، ومثل ذلك لو أن أحدًا من الناس توفي وبقي في الثلاجة لمدة أيام فإنه لا يسأل حتى يدفن، فإنه لم يكن دفن كما لو مات في البحر فإنه سوف يدفن في البحر: قال العلماء: يضع في رجليه شيئًا ثم يلقيه في البحر حتى ينزل، كذلك لو فرض أن رجلًا مات في صحراء ولم يمكن نقله ولا الحفر له ووضع عليه أحجار فإن ذلك بمنزلة الدفن، والمهم: أن الأحياء إن أسلموا الميت ورأوا أنهم قد انتهى عملهم فيه فإن هذا بمنزلة الدفن، يكون السؤال حينئذ. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان في هذه الحال قد يثبت بدعوة إخوانه المسلمين له، يؤخذ من أمره ﷺ بالاستغفار والتثبيت، وإلا لكان الأمر بذلك لغوًا لا فائدة منه، وفي الحديث دليل على أن الاستغفار والتثبيت، وإلا لكان الأمر بذلك لغوًا لا فائدة منه، وفي الحديث دليل على أن الاستغفار سبب لفتح الله على العبد سواء كان ذلك في عبادة أو في علم؛ لقوله: "استغفروا لأخيكم"، ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿إنَّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقِّ لتحكم بين النَّاس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا (١٠٥) واستغفر الله ... ﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦]. فإن في هذه الآية إشارة إلى أن الاستغفار سبب لإصابة الصواب، ولهذا كان بعض العلماء إذا وردت عليه مسألة صار يستغفر الله، والمناسبة في هذا ظاهرة؛ لأن الذنوب رين على القلوب، والاستغفار سبب لإزالة ذلك وتطهير القلوب منها، فإذا زال الرين حصل البيان، والدليل على أن الذنوب تحول بين المرء وبين رؤية الحق قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأوَّلين (١٣) كلَّا بل ران على قلوبهم﴾

стр. 1180

[المطففين: ١٣، ١٤]. فلم يعفوا الحق- والعياذ بالله- ولم يعرفوا قدر هذا القرآن العظيم؛ لأن قلوبهم قد ران عليها ما كانوا يكسبون، فالذنوب كلها شر، كلها آثام، كلها بلاء، يحصل فيها من العقوبات العامة والخاصة ما هو ظاهر، ولو لم يكن من ذلك إلا قوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي النَّاس﴾ [الروم: ٤١]. ومن أراد أن يعرف آثار الذنوب وعقوباتها فليقرأ كتاب ابن القيم المعروف بـ"الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، فإنه ذكر في أول هذا الكتاب عقوبات عظيمة للذنوب وآثارها في المجتمع وفي الشخص نفسه. يستفاد من هذا الحديث: إثبات الأخوة بين المسلمين لقوله: "استغفروا لأخيكم"، وهو كذلك، وأقوى رابطة بين بني آدم هي الرابطة الإيمانية والأخوة الإسلامية هذه أقوى رابطة، أقوى حتى من النسب، أقوى من كل شيء، انظر إلى قوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ﴾ يوم القيامة ﴿بعضهم لبعضٍ عدوٌّ﴾ كل خليل عدو لخليله ﴿إلَّا المتَّقين﴾ [الزخرف: ٦٧]. فالتقوى هي الجامع التي تجمع بين الرجلين في الدنيا وفي الآخرة، خليلك في الدنيا هو خليلك في الآخرة إذا كانت الخلة لله وسببها التقوى. ويستفاد من هذا الحديث: أن الدعاء في هذه الحال يكون في حال القيام لقوله: "وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم". بقي أن يقول قائل: هل كان الرسول ﷺ يفعل؟ هل يستغفر ويدعو بالتثبيت؟ الظاهر: أنه كان يقول ويفعل، ولكنه يقول لينبه الناس إلى أن يقولوا، ويكون حينئذٍ قولنا: "الآن" امتثالًا لأمر الرسول ﷺ لا لمجرد التأسي، لو كان يقول هكذا ويسمع الناس ويقتدون به صار اقتداء به لمجرد التأسي، لكن إذا قال: افعلوا؛ صار فعلنا لها امتثالًا للأمر، وهذا أقوى من مجرد التأسي. ومن فوائد الحديث: أن فيه آية للرسول ﷺ ، كيف ذلك؟ لقوله: "فإنه الآن يسأل"؛ لأن هذا من أمر الغيب، ما تعلم ماذا يكون للميت بعد موته إلا عن طريق الوحي أو شيئًا يطلع الله تعالى عليه العباد للعبرة والعظة أو للكرامة وما أشبه ذلك، وإلا فالأصل أن هذا أمر مغيب لا يعلم إلا عن طريق الوحي، وكون الرسول ﷺ يؤكد لنا ذلك بقوله: "فإنه الآن يسأل" لا شك أنه دليل على أنه نبي الله حقًا ورسوله حقًا لعلمه بما لا نعلمه. ويستفاد منه أيضًا: أن الرسول ﷺ لا يملك لغيره نفعًا ولا ضرًّا، وإلا لما سأل ولما دعا كما هو ظاهر الحديث؛ لأنه سأل ودعا، وهذا أمر معلوم يجب علينا أن نؤمن به أي: بأن رسول الله ﷺ لا يملك لنا ولا لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؛ لأن الله أمره أن يبلغ هذا لأمته: ﴿قل لَّا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ [الأنعام: ٥٠]. ﴿قل لَّا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلَّا ما شاء الله﴾ [العراف: ١٨٨]. ﴿قل إنِّي لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا﴾ [الجن: ٢١]. فيجب علينا أن نؤمن بهذا؛ لأن الله أمر رسوله أن يبلغه.

стр. 1181

حكم تلقين الميت عند القبر: ٥٥٦ - وعن ضمرة بن حبيبٍ ﵁ أحد التَّابعين- قال: "كانوا يستحبُّون إذا سوِّي على الميِّت قبره، وانصرف النَّاس عنه، أن يقال عند قبره: يا فلان، قل: لا إله إلا الله- ثلاث مرَّاتٍ- يا فلان، قل: ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمَّدٌ ﷺ ". رواه سعيد بن منصورٍ موقوفًا. - وللطَّبرانيِّ نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعًا مطوَّلًا. قوله: "عن ضمرة" (بالفتح)؛ لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له العلمية والتأنيث اللفظي؛ قوله: "أحد التابعين"، التابعون هم: الذين أدركوا الصحابة- ﵃ مؤمنون بالرسول ﷺ وماتوا على ذلك، وهم أقسام. يقول: "كانوا يستحبون"، وهذه هي الفائدة من قول ابن حجر: "أحد التابعين" لأنه إذا قال: "أحد التابعين" ثم قال: "كانوا" فإن الظاهر أنهم الصحابة، ويحتمل أنهم التابعون، لكن الأصل في مثل هذا التعبير أنه يريد الصحابة، قال: "كانوا يستحبون ... إلخ". هذا الحديث أتى به المؤلف ﵀ بعد الحديث الأول، والحديث الأول صحيح، أتى به ليبين كيف كان الصحابة- ﵃ يفعلون في الميت بعد موته استنادًا إلى الحديث الأول، ولننظر هل يصح الاستناد كما قيل أو لا يصح؟ فهذا يقول: "إذا سوي على الميت قبره وانصرف الناس عنه"، من هنا تبدأ المخالفة، وفي الحديث الأول يقال متى؟ إذا فرغ من دفنه قبل الانصراف، إذن لا يكون تطبيقًا للحديث الأول، الثاني يقول: "أن يقال عند قبره يا فلان قل: لا إله إلا الله" فينادى ويلقن، والحديث الأول ليس فيه هذا، إنَّما فيه أن يسأل له التثبيت، فلا يكون هذا الحديث تطبيقًا. "قل: لا إله إلا الله ثلاث مرات" هذا لا يستقيم أن يؤمر بالتعبد لله بعد موته؛ لأنه انقطع عمله كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ... " الحديث. وأما أن نسأل الله له التثبيت فهذا ليس أمرًا بأن نقول: "قل: لا إله إلا الله". أيضًا يقول: "يا فلان، قل: ربي الله" هذا ربما يكون له أصل؛ لأن الإنسان يقال له: من ربك؟ ولكن من الذي يدرينا أن الملائكة تقول له الآن: من ربك؟ حتى يكون قولنا: "قل: ربي الله" مطابقًا لزمان الجواب؟ من يقول هذا؟ ثم من يقول: إنه يسمع؟ لأن مسألة سماع الأموات مسألة الخلاف مشهور فيها، وليس فيها نص قاطع يتبين به أنه يسمع كل ما يقال عنده.

стр. 1182

المهم: أن هذا الحديث- كما ترون- موقوف على الصحابة، فيكون هذا من فعل الصحابة لكن الذي ينسب من فعل التابعي يسمى مقطوعًا، أما الحديث المرفوع فيقول ابن القيم: إنه لا يصح رفعه، بل قال بعضهم: إنه لا يشك في وضعه، وقد روي عن الإمام أحمد ما يدل على أنه أنكره، وعلى هذا فمسألة تلقين الميت بعد موته لا أصل لها ولا ينتفع به؛ لأن عمله انتهى، قولنا له: "قل لا إله إلا الله" ماذا يفيده؟ ومن يقول: إنه يقول: لا إله إلا الله بعد موته؟ وإنما إذا سئل أجاب، فقال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، فالصواب في هذه المسألة أنه لا يستحب تلقين الميت بعد موته سواء كان بالغًا عاقلًا أو صغيرًا، وقال بعض العلماء: إنه يلقن الكبير العاقل دون الصغير والمجنون؛ لأنهما غير مكلفين ولكن الصحيح عدم التلقين مطلقًا، وإنما يستغفر له ويسأل له التثبيت، وهذا الظاهر من فعل الرسول ﷺ ، لأنه مادام يقف عليه، ويقول: "استغفروا لأخيكم"، ولا يلقنه ولم يأمر بتلقينه دل على أن هذا ليس من السنة. زيارة النساء للقبور: ٥٥٧ - وعن بريدة بن الحصيب الأسلميِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". رواه مسلمٌ. - زاد التَّرمذيُّ: "فإنها تذكِّر الآخرة". وفي رواية لمسلم أيضًا: "فإنها تذكر الموت"، قوله- ﵊: "زوروا" الزيارة هي: أن يفد الإنسان إلى المزور إما لقرابة أو صداقة أو غير ذلك فإن كانت لمرض سميت عيادة؛ لأنها تتكرر. وقوله: "كنت نهيتكم" أي: فيما سبق، وقوله: "فزوروها" أمر لكنه ورد بعد النهي، وسيأتي- إن شاء الله- الكلام عليه، وقوله: "فإنها تذكر الآخرة" الجملة تعليل للأمر بالزيارة، ومعنى قوله: "فإنها تذكر الآخرة" أي: تجعل الإنسان يذكر الآخرة؛ لأنه إذا مرّ بهؤلاء القوم وزارهم وكانوا بالأمس معه على ظهر الأرض وهم الآن في أعمالهم مرتهنين، فإنه لا شك يذكر هذا اليوم فهذا الحديث يخبر به النبي ﷺ أنه قد نهى أصحابه عن زيارة القبور، وذلك في أول الأمر خوفًا عليهم من الشرك؛ لأن زيارة القبر قد تكون ذريعة إليه- أي: إلى الشرك- فإن الذين يزورون القبور لا تخلو حالهم من أحوال أربعة: إما أن يدعوا لأهل القبور وإما أن يدعوا الله بأهل القبور، وإما أن يدعوا الله عند القبور، وإما أن يدعوا أهل القبور أنفسهم، فهذه أحوال من يزور القبور.

стр. 1183

أما الدعاء لهم فهذه هي الزيارة المشروعة الني كان الرسول ﷺ عليها، فإنه يسلم عليهم ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة، وأما دعاء الله بهم فأن يجعلهم وسيلة إلى الله مثل أن يقول: "اللهم إني أسألك بصاحب هذا القبر"، وهذه بدعة محرمة سواء كان صاحب هذا القبر شهد له بالخير أو لم يكن كذلك حتى ولو كان للنبي ﷺ ، فإنه لا يجوز لك أن تتوسل به في دعائك، وأما الدعاء عندها فأن يقصد الإنسان المقبرة يزورها معتقدًا أن الدعاء عند القبور أفضل من الدعاء في المساجد أو في البيوت، وهذا أيضًا بدعة مكروهة واعتقاد فاسد، فإنه لا مزية للدعاء عند قبر أبدًا، ولهذا كان القول الراجح: أن الإنسان لا يدعو ولا عند قبر النبي ﷺ ، وإن كان بعض العلماء قال: يستحب لمن زار قبر النبي ﷺ أن يتجه إلى القبلة بعد السّلام عليه ويدعو، والصواب خلاف ذلك، وأن هذا المكان ليس من الأمكنة التي تقصد للدعاء، والرابع: أن يدعو أصحاب القبور، يعني: يقول: يا سيدي، يا ولي الله، يا نبي الله، أغثني، أعطني كذا، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به، فإنَّما حسابه عند ربِّه، إنَّه لا يفلح الكافرون﴾ [المؤمنون: ١١٧]. فهذه أحوال من زار القبور. قال النبي ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور"، والحكمة من ذلك: أن ذلك في أول الأمر مخافة أن تكون تلك الزيارة ذريعة إلى الشرك، فلهذا نهى عنها. ثم قال: "فزوروها" يعني: أمر بعد النهي بالزيارة، والأمر بعد النهي اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من يقول: إن الأمر بعد النهي يفيد الإباحة، أي: أن هذا الشيء الذي كان منهيًّا عنه صار الآن مباحًا؛ وذلك لأن لما نهي عنه انتقل حكمه من الإباحة إلى النهي، فلما أذن فيه ارتفع النهي فبقيت الإباحة، ومثاله قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا لا تُّحلُّوا شعائر الله ولا الَّهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلًا مِّن رَّبهم ورضوانًا وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]. فأمر بعد النهي، ولكن هذا الأمر في الحقيقة ليس نسخًا؛ لأنه بيان لغاية النهي؛ لأنه قال: ﴿لا تُّحلُّوا شعائر الله ولا الشَّهر الحرام﴾، ثم قال: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾، فبين أن النهي قد انتهى وليس هذا نسخًا، لكن مثل هذا الذي معنا نسخ من النهي إلى الأمر، فهل زيارة القبور مباحة لورودها بعد النهي؟ قيل بذلك، والصواب: أن الأمر بعد النهي رفع للنهي، وإعادة لحكم المنهي عنه إلى حكمه الأول: إن كان مستحبًا فهو مستحب، وإن كان غير مستحب، فهو غير مستحب. وهذا الحديث الذي معنا فيه قرينة تدل على أن الأمر للاستحباب، وهي قوله: "فإنها تذكر الآخرة"، وعلى هذا فيكون الأمر بالزيارة مستحبًّا لهذا التعليل. وفي رواية أخرى لمسلم: "فإنها تذكر الموت": تذكر الإنسان حاله أنه سيكون إلى ما كان عليه هؤلاء، ومعلوم أن الإنسان إذا ذكر الموت فسوف يعمل له إذا كان عاقلًا.

стр. 1184

في هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: إثبات النسخ- نسخ الأحكام- لقوله: "كنت نهيتكم"، ثم قال: "فزوروها"، وثبوت النسخ واقع بالكتاب والسنة، يقول الله : ﴿ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها نأت بخيرٍ منها أو مثلها ألم تعلم أنَّ الله على كل شيء قديرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]. وكذلك كل أحكام الأمم السابقة التي يخالفها شرعنا كلها منسوخة، كتحريم كل ذي ظفر على اليهود وما أشبه ذلك، ومن أدلة القرآن مثال واقع في مثابرة العدو حيث أمر الله تعالى بألا نفر إلا إذا كان العدو عشرة أمثالنا، ثم ننسخ فقال الله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون ... ﴾ إلى قوله: ﴿لَّا يفقهون (٦٥) الآن خفَّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ [الأنفال: ٦٥ - ٦٦]. وكذلك الصيام: ﴿أحلَّ لكم ليلة الصيام .... ﴾ إلى قوله: ﴿فالآن باشروهنَّ .... ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأما في السنة فالأمثلة في ذلك كثيرة، منها هذا الحديث: "كنت نهيتكم فزوروها" ففيه إثبات النسخ. فإن قلت: كيف يثبت النسخ، والله- بكل شيء عليم، لماذا لم يشرع الله هذا الحكم من أول الأمر ولا يأتي بالنسخ؟ فالجواب: أن النسخ من مصالح العباد لا لخفاء الأمر على الله ، لكن العباد قد يقتضي صلاح أحوالهم الحكم المنسوخ إلى مدة ثم يكون صلاح أحوالهم بالحكم الناسخ، وهذا أمر معلوم، أي: أن أحوال الإنسان تتغير بالنسبة للأحكام، فقد تكون الأحكام في حال من الأحوال مناسبة، وفي حال أخرى غير مناسبة، وهذه هي الحكمة في ثبوت النسخ. ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أن أحكام الله تابعة لحكمها، وأن الحكم يدور مع علته، وجهه: أن الناس لما كانوا حديث عهد بكفر وكانت فتنة القبور قد تكون قريبة نحوهم نهوا عن زيارة القبور، ثم بعد ذلك نسخ هذا الحكم، ففيه دليل على أن الأحكام تتبع الحكم. ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه يجب على من علم الحكم الشرعي أن يرجع إليه ولو كان حكم في الأول بخلافه، بمعنى: أن الإنسان لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى أن هذا الشيء حرام، ثم تبين له أنه حلال أو بالعكس، فيجب عليه الرجوع، كما يجب الرجوع إلى الحكم الناسخ عند وجود النسخ، والعلة الجامعة بينهما: أنه قد تبين لهذا المجتهد أن حكم الله تعالى خلاف الحكم الأول كما تبين في النسخ أن حكم الله خلاف الحكم الأول. ومن فوائد الحديث: مشروعية زيارة القبور، وأنه ينبغي للإنسان أن يزور القبور، وكلمة "زوروها" فعل، والفعل يدل على الإطلاق، والإطلاق يحصل بفعل الشيء مرة، ولكن متى تكون هذه الزيارة؟ هل لها وقت معين؟ الصواب: أنه لا وقت معين لذلك، وأن الإنسان يزور المقبرة في أي وقت شاء؛ لأن النبي ﷺ أطلق، ما قال: زوروها في أول النهار ولا في آخره، ولا

стр. 1185

في الجمعة، ولا في الاثنين، ولا في الخميس، ولا في غيرها، فتشرع زيارة القبور كل وقت، بل قد ثبت أن الرسول ﷺ خرج إلى أهل البقيع فسلم عليهم في الليل كما عند مسلم من حديث عائشة مطولًا، فعلى هذا نقول: زيارة القبور مستحبة في كل وقت. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل ما يذكره بالآخرة، وجهه: أن الرسول أمر بالزيارة؛ لأنها تذكر بالآخرة، وهذا متى أوضح القياس وأجلاه إذا ألحق الفرع بالأصل في علة منصوصة عليها فهذا أبين القياس، وعلى هذا كل ما يذكّر الآخرة فإنه ينبغي للإنسان فعله سواء زيارة القبر، أو قراءة آيات موعظة أو أحاديث موعظة أو جلوس عند واعظ كلامه مؤثر أو ما أشبه ذلك. ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ بأنواع الأسباب المؤثرة لا يقتصر على سبب واحد، بل كل الأسباب المؤثرة؛ لأنه لا شك أن القرآن أعظم واعظ وأن السنة بعده، ولكن هذا سبب آخر لاتعاظ الإنسان، فكونه يأخذ من كل نوع من المؤثرات بنصيب أحسن؛ لأن القلب أحيانًا قد لا ينتفع بهذه الموعظة العظيمة إما لكثرة ورودها عليه وإما لغفلته عندها أو ما أشبه ذلك، لكنه يتأثر بنوع آخر من المواعظ وإن كانت دونها في الأصل، وهذا أمر مشاهد. ومن فوائد الحديث: أنك لو أمسكت أخاك، قلت: اجلس بنا نتذاكر الآخرة، نتذاكر الموت، نتذاكر آيات الله ، حتى نزداد إيمانًا ويقينًا، فإن ذلك من الأمور المشروعة، وقد كان السلف- ﵏ يقول بعضهم لبعض: "اجلس بنا نؤمن ساعة" يعني: نحقق الإيمان واليقين ساعة، فهذا من الأعمال الطيبة، وكذلك لو كان الإنسان أحيانًا إذا غفل جلس مع نفسه ونظر وتذكر في الأمر وأحدث بذلك إنابة إلى الله وخشية ورجوعًا إليه، فهذا أيضًا من الأعمال المطلوبة التي يدل عليها هذا الحديث. ومن فوائد هذا الحديث: أن الموت والقبر من أمور الآخرة، فهو داخل الإيمان باليوم الآخر لقوله: "فإنها تذكركم الآخرة"؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية-: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فالقبور لا شك أنها من الآخرة وهي أول درجاتها ومراحلها، حتى قل بعضهم: إذا أردت صورة مصغرة ليوم القيامة فاخرج إلى المقبرة، تجد فيها الشريف والوضيع، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، كلهم سواء، كلهم تحت هذا التراب، كلهم عليهم ما عليهم من التراب، ما فيه أحد عنده قصر ولا أحد عنده خدم، ولا شيء، ولهذا قيل: أول عدل الآخرة القبور، جاء إعرابي إلى بلد فيها حاكم فإذا الحاكم قد مات، فسأل عنه، فقالوا: إنه مات، قال: أين ذهب؟ قالوا: ذهب إلى المقبرة، فخرج إلى المقبرة فجاء إلى المقبرة يريد أبهة، يريد الخدم والحشم، دخل ما وجد إلا حفار القبور. قال له: أين الحاكم

стр. 1186

الفلاني؟ قال له: الحاكم الفلاني هذه. قال: يا ويله، وهذا الذي جنبه من هي؟ قال: هذه عجوز كانت مشهورة في السوق ماتت الآن وقبرها مرشوش رطب، وقبر الحاكم يابس، فقال: يا ويله هذه تسقى ماء، وهذا لا يسقى ماء، وقام متعجبًا، فقال حفار القبور: هذا ما رأيت فهذا عدل أو غير عدل؟ عدل، رجل حاكم لا يدخل عليه إلا باستئذان وامرأة في السوق ناقصة العقل هما سواء، فهذا فول الرسول ﷺ : "فإنها تذكر الآخرة". ومن فوائد الحديث: أن ظاهرة العموم، أي: يشمل الرجال والنساء؛ لأن الأصل في الخطاب العموم، حتى وإن كان الخطاب للرجال فإنما يخاطب الرجال تغليبًا؛ ولأن الرجال هم أهل الحل والعقد والتقويم والتهذيب، فكانت توجيهات الخطاب في القرآن والسنة إلى الرجال؛ لأنهم أشرف؛ ولأنهم هم أهل توجيه الخطاب؛ لأنهم قوّامون على النساء، وعموم الحديث يتناول النساء، وأنه يشرع لهن زيارة القبور، وقد قال بذلك بعض أهل العلم، ولكن شيخ الإسلام ﵀ رد هذا القول، وبيّن ضعفه من أوجه عديدة ذكرها في الفتاوى، ويدل لذلك على استثناء النساء من هذا، إن قلنا بدخولهن فإنه يدل على استثنائهن ما في الحديث الذي بعده، لكن هنا علة أخرى نذكرها أولًا، قال: ٥٥٨ - زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعودٍ ﵁: "وتزهِّد في الدُّنيا". "تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا" واللفظ الثاني في مسلم: "تذكر الموت"، فعلى هذا يكون فيها ثلاث فوائد: التذكير بالآخرة وهو يوم القيامة، التذكير بالموت، التزهيد في الدنيا، ما معنى الزهد في الدنيا. تزهد فيها أي: ترغب في الإعراض عنها وعدم المبالاة بها، ومنه قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخسٍ دراهم معدودةٍ وكانوا فيه من الزَّاهدين﴾ [يوسف: ٢٠]. يعني: راغبين أي: الذين لم يبالوا به، فالتزهيد في الدنيا معناه: أن الإنسان لا يبالي في الدنيا ولا يهتم بها، ولكن ما معنى التزهيد في الدنيا هل معناه: ألا نعمل للدنيا أبدًا ونتركها ويجلس الواحد في المسجد لا يخرج ولا يعمل ولا يتكلم؟ لا، المعنى ألا تكون أعمالنا للدنيا ليس ألا نعمل في الدنيا، ولكن ألا تكون أعمالنا لها، بمعنى: أن أعمالنا نصرفها إلى الآخرة، حتى لو بعنا أو اشترينا فإننا نريد بذلك الآخرة يستطيع الإنسان أن يبيع ويشتري من أجل أن يقوم بكفايته وكفاية أهله، وقد ابتاع واشترى الخلفاء الراشدون- ﵃ في خلافتهم لطلب الرزق، وقال الله تعالى: ﴿رجالٌ لَّا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧]. ولم يقل: لا يبيعون ولا يشترون.

стр. 1187

وقال الرسول ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا"، فالتزهد في الدنيا ألا تعمل لها، لا ألا تعمل فيها، فالعمل في الدنيا لا ينافي العمل للآخرة، لكن اجعل عملك في الدنيا مطية الوصول إلى الآخرة، فإذا قلنا: بع واشتر والبس الثياب وما أشبه ذلك، تقول: أزهد فألبس صوفًا، أو خيشة، ولا أنتفع بالناس، ولا ينتفع الناس مني، هذا غير صحيح قال الله تعالى: ﴿هو الَّذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رِّزقه﴾ [الملك: ١٥]. وقال تعالى: ﴿فإذا قضيت الصَّلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ... ﴾ [الجمعة: ١٠]. فالزهد في الدنيا تختلف أفهام الناس فيه فمنهم من يقول الزهد في الدنيا ألا تنظر إلى شيء منها أبدًا، وبعضهم يقول: لا، الزهد في الدنيا أن تعمل ما ينفعك في الآخرة ولو كان من أمور الدنيا وهذا هو الحق. فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى لرسوله- ﵊: ﴿ولا تمدَّن عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجًا مِّنهم زهرة الحياة الدُّنيا ... ﴾ [طه: ١٣١]؟ قلنا: هذا لا ينافي ما قلنا، الله سبحانه يقول: لا تمدن عينيك إليه لتتعلق به فإنه زهرة الحياة الدنيا، لم يقل: لا تنظر إليها إطلاقًا، لا تمدن إليها بحيث تتعلق بها حتى يكون أكبر همك فإنما هو زهرة الحياة الدنيا، نعم الإنسان الذي تشغله دنياه عن آخرته لا شك أنه خاسر للدنيا والآخرة، أما الإنسان الذي جعل الدنيا مطيّة للآخرة فهذا رابح في الدنيا والآخرة ولا شك أيضًا أن الدنيا فتنة عظيمة: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. والإنسان ربما يفتتن في الدنيا سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، قد يغنيه الله ومع ذلك هو مفتون بالدنيا، كأنه ليس في جعبته قرش واحد، وقد يكون فقيرًا ويفتن في الدنيا ويكتسبها على وجه محرم. والحاصل: أن الزهد في الدنيا معناه: الإعراض عنها وألا تعمل لها، وأما العمل للآخرة في الدنيا فلا بأس به. هناك زهد وهناك ورع هل بينهما فرق؟ قال شيخ الإسلام: إن الفرق بينهما أن الورع: ترك ما ير في الآخرة، والزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، فالزهد إذن أكمل يتبين ذلك في المباح، المباح يفعله الورع؛ لأنه لا يضره في الآخرة، والزاهد يتركه؛ لأنه لا ينفعه في الآخرة، ولكن إذا كان وسيلة لنفعه في الآخرة فعله.

стр. 1188

٥٥٩ - وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور". أخرجه التِّرمذيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان. "لعن" يعني قال: اللهم العن زائرات القبور، أو قال: هن ملعونات؛ فعلى الأول يكون معنى "لعن": أي دعا باللعنة، وعلى الثاني يكون معنى "لعن" أخبر بأنهن ملعونات، وكلا الأمرين سواء في المعنى، واللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله- ، ولا يكون اللعن إلا على فعل كبيرة من كبائر الذنوب. وقوله: "زائرات القبور" للمؤنث، وتحصل الزيارة بالمرة، فإذا زارت المرأة القبور ولو مرة واحدة فقد فعلت كبيرة من كبائر الذنوب، ودخلت في لعنة الله- والعياذ بالله-. وقوله: "لعن زائرات القبور" ليس هو النهي؛ لأن النهي غير اللعن، والرسول ﷺ ما قال: كنت لعنتكم فزوروها، حتى نقول: إن الحديث الأول ناسخ للثاني؛ ولهذا من حسن صنيع ابن حجر أنه أتى بالثاني بعد الأول إشارة إلى أن الثاني مخصص للأول وليس الأول ناسخًا له وهو كذلك، ومن تدبر الحديثين عرف أنه ليس بينهما نسبة نسخ إطلاقًا؛ لأن الحديث الأول: "كنت نهيتكم" عمومًا، والثاني خاص بالنساء، ثانيًا: أن الأول فيه النهي دون اللعن، والثاني فيه اللعن، فبينهما فرق واضح. إذن يستفاد من هذا الحديث: أن زيارة المرأة للقبور من كبائر الذنوب. فإن قلت: ألا تدخل في العموم السابق وتكون نسخًا؟ قلنا: لا يثبت لما عرفتم. فإن قلت: ما الجواب عن قوله ﷺ في الحديث: "لعن الله زوّارات القبور" بالتشديد و"فعال" صيغة مبالغة؟ قلنا: إن كلمة "زوّار" تأتي للمبالغة، وتأتي للنسبة كبنَّاء ونجَّار ونحو ذلك، وإذا كان الدليل محتملًا فمع الاحتمال يبطل الاستدلال، ثانيًا: على فرض أن "زوَّارات" للمبالغة فإن "زائرات" أعم؛ لأنه إذا لعنت الزائرة فالزوّارة كثيرة الزيارة من باب أولى، ومعلوم أننا نأخذ

стр. 1189

بالأعم؛ لأنه أكثر فائدة، وعلى هذا فيكون حديث: "زوّارات" لا يعارض هذا اللفظ، فالجواب عنه بأحد وجهين كما عرفتم. فإن قلت: ما الجواب عما رواه مسلم من حديث عائشة ﵂ في زيارة النبي ﷺ القبور وخروجها خلفه ثم رجوعها أمامه، ولما جاء وحدّثها بما فعل قالت: يا رسول الله، ماذا أقول لهم؟ قال: "قولي: السلام عليكم .... الخ". فإن قولها: "ماذا أقول لهم؟ " قد يشعر بجواز زيارة المرأة القبور. فالجواب على هذا: أن عائشة ما قالت: ماذا أقول لهم إذا زرت القبور؟ بل قالت: "ماذا أقول لهم؟ " فقط، هذا لفظ مسلم، فيحمل على أحد أمرين: إما أن يكون دعاءً عامًا ليس سببه الزيارة، وإما أن يكون المراد: إذا مررت بها غير قاصدة للزيارة، ويكون هذا جمعًا بين الحديثين، وإذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب المصير إليه قبل أن نتدرج إلى الترجيح أو النهي، فنقول: المرأة إذا خرجت من بيتها قاصدة الزيارة فهي داخلة في اللعن، أما إذا مرّت بغير قصد الزيارة ووقفت وسلمت، فالظاهر: أن هذا لا بأس به وهو لا يعد زيارة، ولو فرض عده زيارة لكان حديث عائشة قد يدل على جوازه. فإن قلت: ما الجواب عن زيارة عائشة ﵂ لقبر أخيها عبد الرحمن حيث زارته وبكت؟ فالجواب: أنها قد قالت: "لو حضرت موتك ما زرتك"، فكأنها ﵂ أرادت الدعاء له، ثم نقول: هو فعل صحابية عارض قول الرسول ﷺ ، ولا يمكن أن يعارض قول ﵁ بقول أحد من الناس، ثم لعلها فهمت من تعليم النبي ﷺ لها أن تقول لأهل المقابر: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" لعلها فهمت من ذلك: أنه يجوز زيارة المرأة ولم يبلغها حديث اللعن، فما دام فعلها فعل صحابي فيه احتمالات فإنه لا يكون حجة، ومهما كان في الحجة ما قاله الرسول ﷺ ، وإذا كان زيارة القبور محرمة بمقتضى الدليل فإنها محرمة أيضًا بمقتضى النظر والتعليل، كيف ذلك؟ لأن النساء رقيقات لينات العاطفة، لو فتح لهن الباب لكانت كل امرأة تذهب كل صباح ومساء إلى قبر أمها أو أبيها تصيح عنده وتنوح؛ ولهذا أعقب ابن حجر ﵀ حديث زائرات القبور بحديث النائحة والمستمعة، فالمرأة لا تصبر، ثم غالبًا تكون المقابر خارج البيوت، فإذا خرج النساء إلى هذه المقابر كان سببًا لتعرض الفسَّاق وأهل الفجور إليهن، وربما يحصل بذلك فتنة عظيمة، فكان مقتضى النظر والتعليل منعهن من الزيارة لخوف فتنتهن

стр. 1190

أو الفتنة بهن، خوف فتنتهن بماذا؟ بأن يخرجن ويلازمن القبور، وأن يحصل منهن عدم صبر ونياحة وندب وما أشبه ذلك، أما الفتنة بهن فربما يكون ذلك سببًا لتسرب الفساق وأهل الفجور إليهن؛ لأن المقابر في الغالب تكون خارج البيوت والمساكن، ولا شك أن زيارة المرأة للقبر محرمة ومن كبائر الذنوب. فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء: يكره للمرأة زيارة القبور، ويسن لهن زيارة قبر النبي ﷺ ؟ فالجواب: أن فقهاء الحنابلة- ﵏ كغيرهم من أهل العلم يخطئون ويصيبون فهم اعتمدوا في الحكم بالكراهة على حديث أم عطية السابق: "نهينا عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا"، وسبق الجواب عنه، ومقتضى قاعدتهم- ﵏ أن زيارة المرأة للمقبرة من كبائر الذنوب؛ لأنهم نصُّوا في باب الشهادات على أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو لعن، وهذا فيه لعن فيكون من الكبائر. وأما قولهم: يسن زيارة قبر النبي ﷺ فهم قالوا: إن هذا من خصائص النبي ﷺ ، فنحن نقول لهم: ائتوا لنا ببرهان ودليل يدل على ثبوت هذه الخصوصية لرسول الله ﷺ ، وأجاب بعضهم: بأن زيارة المرأة لقبر النبي ﷺ ليست زيارة حقيقية؛ لأن بينها وبين القبر ثلاثة جدران، ولهذا قال ابن القيم في النونية لما ذكر أن النبي ﷺ سأل الله تعالى ألا يكون قبره وثنًا قال: فأجاب ربُّ العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران ففي داخل القبة الصغيرة ثلاثة جدران كلها حامية لهذا القبر، قالوا: فإذا وقفت المرأة من وراء الشباك فبينها وبين الرسول ﷺ مساحة وجدر، فلا تعد زيارة، والزيارة التي لعنت فاعلتها هي: التي تقف على القبر، وهذه لم تقف على القبر فلا تكون داخلة في اللعن، وجوابنا على هذا أن نقول: في الحقيقة هذه شبهة قوية جدًّا كما سمعتم، فإن أحدًا من الناس لو أتى خمسة قبور عليها حيطان ثلاثة مثلًا ووقف وراء الحيطان هل يكون زائرًا؟ في الواقع قد نقول: ليس بزائر، لو جاء واحد وأنت مثلًا في وسط غرفة في وسط مجلس، والمجلس في وسط الحوش، والحوش في وسط الحديقة، ومن وراء الحديثة، جدار وسلّم عليك من وراء الجدار: السلام عليك يا فلان، كيف حالك؟ كيف أصبحت؟ يكون زائرًا لك أو غير زائر؟ غير زائر، فيكون هذه ليست بزيارة، في الحقيقة أنه تعليل قوي جدًّا، لكن قد نقول: إن الزيارة مطلقة، الرسول ﷺ أطلق لعن زائرات القبور ولم يحدد، والقاعدة الفقهية: أن ما لم يحدد بالشرع فحده العرف.

стр. 1191

وكلُّ ما أتى ولم يحدَّد ... بالشَّرع كالحرز فبالعرف احدد فيحدد بالعرف، ومعلوم عند الناس الآن أن الإنسان إذا تقدم من المسجد إلى اتجاه قبر الرسول ﷺ ووقف أمامه وسلّم عليه كلهم يقولون: هذه زيارة، ولهذا يقول المزورون: تعال نزرك؛ إذن فهي زيارة. وعليه؛ فإني أرى أن قبر النبي ﷺ كغيره، بمعنى: أنه لا يجوز للمرأة أن تزوره، وإن كان فقهاؤنا يرون أن المرأة تزور قبر النبي ﷺ وأنه سنة لها كحال الرجل. واستفدنا من الحديث الأول والثاني: أنه ينبغي لزائر القبور أن يكون على جانب من الخشية والتذكر والتأمل لا يزور المقبرة وكأنما زار حفلًا: يضحك، ويتكلم في أمور الدنيا، ولهذا كره أهل العلم لمتبع الجنازة أن يتكلم بشيء من أمور الدنيا، بل الذي ينبغي أن يكون الإنسان خاشعًا متذكرًا للآخرة، وفي الحديث الصحيح الطويل المشهور حديث البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس النبي ﷺ ، وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير، يعني: أنهم قد خفضوا رءوسهم ولا يتحركون في حالة خشوع، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان فعله. ٥٦٠ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ النَّائحة، والمستمعة". أخرجه أبو داود. "لعن النائحة"، من لعنه رسول الله ﷺ فقد لعنه الله، واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. وقوله: "النائحة"، هناك نوح وندب؛ فالندب: رفع الصوت بتعداد محاسن الميت، ويقترن بواو الندبة فتقول: "وا سيداه" وا كذا، وتذكر الأوصاف التي هي محاسن لهذا الميت، وأما النّوح: فإنه البكاء برنّة تشبه نوح الحمام، ونوح الحمام معروف لكم جميعًا، فهذه هي النياحة. النبي ﷺ لعن النائحة؛ لأن النائحة يدل فعلها على عدم الصبر على قضاء الله وقدره؛ ولأن النائحة تفجع من يسمعها فتزداد المصيبة بذلك؛ ولأن النوح أيضًا يكون أحيانًا سببًا للطم الخدود وشق الجيوب وذر التراب على الرءوس أو التمرغ على الأرض وما أشبه ذلك، فلأجل هذه الأمور الثلاثة لعنت النائحة، لعنها النبي ﷺ . أما "المستمعة": فهي التي تجلس عندها لتستمع إليها، وليست المستمعة هي السامعة، كأن

стр. 1192

تكون مارة وسمعت فليس عليها إثم، إنما المستمعة التي تجلس تستمع إلى هذه النائحة فإن شحذتها زيادة صارت أشد، وهذا يوجد كثيرًا في أحوال النساء الآن، يحدث كثيرًا أن يجتمع نسوة: واحدة تنوح والثانية ترقق لها طول النهار، هذا الفعل يجدد المصيبة ولا يمكن أن تزول عن قلب المرأة، كلما ذكرت هذا الاجتماع ولو بعد حين فإنها تحسّ بهذه المصيبة؛ فلذلك لعن النبي ﷺ المستمعة، السامعة مثل أن تمر امرأة إلى جوار بيت ينوح أهله فتسمع النوح أو الجيران يسمعون النوح، لكن ما يستمعون فلا يدخلون في اللعن؛ لأن السماع لا يؤخذ به الإنسان، أما الاستماع فهو: الذي يصغي إلى الشيء ويستمعه وينصت له، فهذا يكون مشاركًا للفاعل في الإثم. فيستفاد من هذا الحديث: جواز اللعن على ما دون الكفر؛ لأن النوح والاستماع له لا يخرج الإنسان إلى الكفر، وإذا كان لا يخرج إلى الكفر ومع ذلك جاز لعن النائحة، وهنا سؤال: هل يجوز إذا رأينا نائحة هل نلعنها بعينها؟ لا يجوز، وأن هناك فرقًا بين اللعن بالوصف وبين لعن الشخص: أما لعن الوصف فجائز، وأما لعن الشخص فقد نهى الله نبيه ﷺ لما قال: اللهم العن فلانًا، وفلانًا نهاه الله وقال له: ﴿ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ [آل عمران: ١٢٨]. ربما هذا الذي فعل ما يوجب اللعن الآن يمنّ الله عليه فيهتدي، لو رأينا رجلًا يبول في الطريق أو يتبرز فيه هل نلعنه بعينه؟ لا، لكن لنا أن نقول- وهو يسمع-: اللهم لعن من تغوط في طريق المسلمين، وفي هذه الحال حتى هو لا يغضب مثل لو قلت له: لعنك الله. ٥٦١ - وعن أمِّ عطيَّة ﵂ قالت: "أخذ علينا رسول الله ﷺ ألَّا ننوح". متَّفقٌ عليه. "أخذ" يعني: عهدًا، والمفعول به محذوف، يعني: أخذ علينا عهدًا ألا ننوح، وذلك عند البيعة حين بايعهن على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ... الخ، وهذا كان بعد صلح الحديبية، فكان الرسول ﷺ يبايعهن، ومن جملة ما يأخذ البيعة عليهن فيه ألا ينحن، لماذا خصّ هذا؟ لأنه كان من عادة النساء، فكان يأخذ عليهن- حتى في البيعة على الدين- ألا ينحن. ٥٦٢ - وعن ابن عمر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "السميِّت يعذَّب في قبره بما نيح عليه". متَّفقٌ عليه. ٥٦٣ - ولهما: نحوه عن المغيرة بن شعبة ﵁. قوله: "الميت يعذب في قبره" "الميت" مبتدأ وهو عام، وخبره "يعذب" والباء في قوله: "بما"

стр. 1193

للسببية، و"ما" يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، أي: بالذي نيح عليه به، ويحتمل أن تكون مصدرية أي: بالنوح عليه، هذا إعراب الحديث، أما معناه: فإن النبي ﷺ يخبر بأن الميت إذا ناح عليه أهله فإنه يعذّب في قبره، والنياحة سبق لنا تعريفها بأنها: صوت بالبكاء صوت خاص يشبه نوح الحمام، وهو يشبه التطريب بالبكاء بالنسبة للآدميين. وقوله: "يعذّب بما نيح عليه". يقول المؤلف: "ولهما" أي: للبخاري ومسلم، "عن المغيرة بن شعبة نحوه"، وكذلك صحّ عن عمر في صحيح مسلم عن النبي ﷺ نحو هذا، وفي لفظ لمسلم من حديث عمر: "يعذّب ببعض بكاء أهله عليه". والآن هذا الحديث يدلنا على أن النوح كما أنه سبب للعن والطرد بالنسبة للنائحة فهو أيضًا سبب لتعذيب الميت به، وهذا الحديث مما أشكل على الصحابة فمن بعدهم، حتى إن أم المؤمنين ﵂ عائشة أنكرت ذلك، وقالت: إنكم ما كذبتم ولا كذبتم ولكن السمع يخطئ، فنسبت عمر وابنه إلى الخطأ في السمع والوهم، واستدلت لإنكارها بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨]. وهذه القاعدة الكلية العامة ثابتة في الكتب السابقة، وفي كتابنا القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿أم لم ينبّأ بما في صحف موسى (٣٦) وإبراهيم الَّذي وفَّى (٣٧) ألَّا تزر وازرةٌ وزر أخرى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٨]. فهذا متفق عليه في الشرائع أن الوازرة يعني: النفس التي تتحمل الوزر لكونها مكلّفة لا تحمل وزر غيرها إلا إذا كانت هي السبب في هذا الوزر، فإنها تعاقب بمثل العامل لقول النبي ﷺ : "من دل على خير كفاعله". وكذلك: "من سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، ولهذا كان ابن آدم الذي قتل كان عليه كفلٌ من كل نفس قتلت بغير حق؛ لأنه أوّل من سنّ القتل- والعياذ بالله-. إذن نقول: هذا الحديث ظاهره مشكل بالنسبة للآية الكريمة، وعائشة ﵂ قالت: إن الرسول ﷺ مر بيهودية تبكي، فقال: "إنها لتبكي، وإن الميت- اليهودي- ليعذب في قبره"، فاستدلت بالآية وبالحديث، فهي رأت ﵂ أن هذا الحديث الذي معنا حديث ابن عمر، وحديث المغيرة، وحديث عمر مخالف للقرآن وروت أن الرسول ﷺ قال ذلك لامرأة يهودية كان أهلها يبكون عليها وهي تعذّب في قبرها. ونحن نقول: أما توهيمها الرواة فهو في غير محله؛ لأن الأصل في الثقة عدم الوهم،

стр. 1194

ولا سيما مثل عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة وغيرهم، قد يكون سمعه، لكن ما حدّث به أحدًا، وأما استدلالها بالحديث فنحن نقبله منها على العين والرأس، بأن الرسول ﷺ قال ذلك في هذه المرأة اليهودية، لكن لا يمنع أن يكون قال قولًا آخر في موضع آخر، فهي روت وعمر وابنه رويا ما رويا عن النبي ﷺ ، وما سمعاه منه فحينئذ يكون ردها لهذا الحديث بوجود المانع وهو: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾ غير صحيح، وردّها له لوجود حديث آخر أيضًا غير صحيح، السبب أن القصة متعددة، فهي روت قصة أخرى غير التي حدّث بها النبي ﷺ وسمعها عمر وابنه. وحينئذٍ يبقى علينا الآن الإشكال لا زال باقيًا بالنسبة لظاهر الحديث مع ظاهر الآية: ﴿ألَّا تزر وازرةً وزر أخرى﴾ [النجم: ٣٨]، ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾ آيتان فما هو الجمع؟ اختلف العلماء في الجمع، يعني: بعد أن نقول: إن الحديث ثابت فنحتاج إلى الجمع، أما على من أنكر الحديث كعائشة فإنه لا يحتاج إلى الجمع؛ لأنها رأت أن الآية مرجحة على هذا الحديث وأن هذا وهمٌ، لكن نحن نرى: أن الحديث صحيح، ولكن يبقى النظر في الجمع بينه وبين الآية، اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال: فمنهم من قال: إن الجمع هو: أن الحديث إنما كان فيمن أوصى بالنوح بأن كان الميت هو الذي قال لأهله: إذا مت فنوَّحوا عليَّ إذا لم تنوحوا عليّ، قال الناس: إنهم لم يهتموا به فأوصيكم بأن تنوحوا عليّ، ومعلوم أنه من أوصى بالإثم فهو آثم، فإذا نفِّذ فإنه يأثم، وهذا التعليل- كما تعلمون- عند التأمل عليل جدًّا؛ لأن الحكم أنيط بالنوح، والميت بمجرد وصيته بالإثم يكون آثمًا سواء ناحوا أو لم ينوحوا فلا يمكن أن نلغي الوصف الذي علِّق به الحكم في كلام الرسول ﷺ ونعتبر وصفًا جديدًا لم يدل عليه الحديث، وقال بعض أهل العلم: إن هذا في رجا اعتاد أهله وذووه أن ينوحوا على أمواتهم وهو يعلم بهم ولا ينهاهم فيكون كأنه مقرٌّ لهم؛ لأنه يعلم بمقتضى عادتهم أنه إذا مات سوف ينوحون عليه، قالوا: ويجب على من كان هذه عادة أهله وذويه أن ينهاهم عند موته، ويقول: لا تنوحوا عليّ كما تنوحون على أمواتكم، فإن لم يفعل فهو آثم ويعذب في قبره، وعلى هذا فيكون هذا الرجل عذِّب في قبره على ترك إنكار المنكر بعد موته؛ لأنه من الجائز ألا ينوحوا عليه؛ لأن هذا أمر عادي، والعادي قد يتخلف فهم يؤثمونه؛ لأنه لم يوص بتركه وهم من عادتهم أن ينوحوا على أمواتهم، هذان قولان مع قول عائشة فتكون ثلاثة أقوال. والقول الرابع: يقولون: إن الحديث يقول: "إن الميت ليعذّب" والعذاب نوعان: عذاب على عقوبة، وعذاب بشيء لا يلائم الإنسان فيتعذب به، وليس فيه عقوبة، لكن يتعذب بمعنى: أنه يهتم ويحزن وما أشبه ذلك، فأما على الأول أن يكون العذاب عقوبة على فعل معصية فهذا بالنسبة للميت غير وارد؛ لأنه ما فعل ذنبًا إنما فعل الذنب غيره، وأما الثاني: وهو الاهتمام

стр. 1195

بالشيء والتألم منه بدون أن يمسه عذاب فهذا يمكن، قالوا: ومن هذا النوع قول النبي ﷺ : "إن السفر قطعة من العذاب"، ومعلوم أن المسافر لا يجلد ولا تقطع يده ولا رجله، وإنما يكون مهتمًّا متشوش البال لا يستريح إلا إذا وصل مقره، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو أحسن الوجوه عندي؛ لأنه يحصل به الجمع بين الآية الكريمة وبين هذا الحديث الثابت عن النبي ﷺ : أنه يعذّب بما نيح عليه؛ أي: يعذّب بمعنى: أنه لا يعاقب عقوبة، ولكن يتألم ويهتم بهذا الأمر، وهذا ليس ببعيد، وحينئذٍ لا يكون مخالفًا للآية. نستفيد من قصة عائشة فائدة عظيمة بالنسبة للأحاديث: وهي أن الأحاديث التي تخالف ظاهر القرآن لا ينبغي لنا أن نقبلها حتى نتثبت تثبتًا كاملًا؛ لأنها ﵂ ردته مباشرة فحكمت بوهم الراوي، ومعلوم أنه لو كان شيء يخالف القرآن ولم يمكن الجمع بينه وبين القرآن فلا شك أننا نوّهم الراوي؛ لأن خطأ الإنسان لا شك أنه أقرب من خطأ القرآن، فالقرآن ليس فيه خطأ أبدًا، لكن قد يكون الخطأ في الأفهام، بحيث لا نستطيع الجمع بينه وبين النصوص الأخرى التي هي فيها السنة، أو يكون الوهم من الرّاوي، والوهم من الراوي أمر محتمل ولا أحد يستبعد الوهم، لكن إذا رأيتم شيئًا من الأحاديث يخالف القرآن في ظاهره أو يخالف الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول من أهل العلم فلا تتسرعوا في الحكم عليه بالتصحيح، ولو كان ظاهر سنده الصحة حتى يتأكد لكم صحته؛ لأنه لابد إذا كان يخالفها ولا يمكن الجمع فلابد فيه من علة. يستفاد من هذا الحديث: أنه يجب الكف عن النياحة من وجهين: الوجه الأول: ما سبق من كون النائح قد عرّض نفسه للعنة الله ، الثاني: أن النياحة سبب لتألم الميت وتعذّبه في قبره، فإذا كان كذلك فإن نوحك يكون جناية على هذا الميت، فعليك أن تتقي الله في نفسك وفي ميتك. ويستفاد منه: أن الميت يحس بما يصنعه أهله؛ لأنه لولا أنه يحس بهذا النوع ما تعذّب به في قبره، وقد روي أحاديث لكن فيها نظر؛ فيها أن الأعمال تعرض على أقارب الميت، ولا سيما أبواه فإن كانت خيرًا استبشروا بها، والله أعلم بصحة ذلك، لكننا في مثل هذه الأمور الغيبية لا نتجاوز ما ورد به النص، كل الأمور الغيبية ليس فيها قياس؛ ولهذا لا نتجاوز ما ورد به النص، فالميت تقدم لنا أنه يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه، وهذا الحديث يدل على أنه
следующие страницы →