Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وكلُّ ما أتى ولم يحدَّد ... بالشَّرع كالحرز فبالعرف احدد
فيحدد بالعرف، ومعلوم عند الناس الآن أن الإنسان إذا تقدم من المسجد إلى اتجاه قبر الرسول ﷺ ووقف أمامه وسلّم عليه كلهم يقولون: هذه زيارة، ولهذا يقول المزورون: تعال نزرك؛ إذن فهي زيارة.
وعليه؛ فإني أرى أن قبر النبي ﷺ كغيره، بمعنى: أنه لا يجوز للمرأة أن تزوره، وإن كان فقهاؤنا يرون أن المرأة تزور قبر النبي ﷺ وأنه سنة لها كحال الرجل.
واستفدنا من الحديث الأول والثاني: أنه ينبغي لزائر القبور أن يكون على جانب من الخشية والتذكر والتأمل لا يزور المقبرة وكأنما زار حفلًا: يضحك، ويتكلم في أمور الدنيا، ولهذا كره أهل العلم لمتبع الجنازة أن يتكلم بشيء من أمور الدنيا، بل الذي ينبغي أن يكون الإنسان خاشعًا متذكرًا للآخرة، وفي الحديث الصحيح الطويل المشهور حديث البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس النبي ﷺ ، وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير، يعني: أنهم قد خفضوا رءوسهم ولا يتحركون في حالة خشوع، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان فعله.
٥٦٠ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ النَّائحة، والمستمعة". أخرجه أبو داود.
"لعن النائحة"، من لعنه رسول الله ﷺ فقد لعنه الله، واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله.
وقوله: "النائحة"، هناك نوح وندب؛ فالندب: رفع الصوت بتعداد محاسن الميت، ويقترن بواو الندبة فتقول: "وا سيداه" وا كذا، وتذكر الأوصاف التي هي محاسن لهذا الميت، وأما النّوح: فإنه البكاء برنّة تشبه نوح الحمام، ونوح الحمام معروف لكم جميعًا، فهذه هي النياحة.
النبي ﷺ لعن النائحة؛ لأن النائحة يدل فعلها على عدم الصبر على قضاء الله وقدره؛ ولأن النائحة تفجع من يسمعها فتزداد المصيبة بذلك؛ ولأن النوح أيضًا يكون أحيانًا سببًا للطم الخدود وشق الجيوب وذر التراب على الرءوس أو التمرغ على الأرض وما أشبه ذلك، فلأجل هذه الأمور الثلاثة لعنت النائحة، لعنها النبي ﷺ .
أما "المستمعة": فهي التي تجلس عندها لتستمع إليها، وليست المستمعة هي السامعة، كأن
стр. 1192
تكون مارة وسمعت فليس عليها إثم، إنما المستمعة التي تجلس تستمع إلى هذه النائحة فإن شحذتها زيادة صارت أشد، وهذا يوجد كثيرًا في أحوال النساء الآن، يحدث كثيرًا أن يجتمع نسوة: واحدة تنوح والثانية ترقق لها طول النهار، هذا الفعل يجدد المصيبة ولا يمكن أن تزول عن قلب المرأة، كلما ذكرت هذا الاجتماع ولو بعد حين فإنها تحسّ بهذه المصيبة؛ فلذلك لعن النبي ﷺ المستمعة، السامعة مثل أن تمر امرأة إلى جوار بيت ينوح أهله فتسمع النوح أو الجيران يسمعون النوح، لكن ما يستمعون فلا يدخلون في اللعن؛ لأن السماع لا يؤخذ به الإنسان، أما الاستماع فهو: الذي يصغي إلى الشيء ويستمعه وينصت له، فهذا يكون مشاركًا للفاعل في الإثم.
فيستفاد من هذا الحديث: جواز اللعن على ما دون الكفر؛ لأن النوح والاستماع له لا يخرج الإنسان إلى الكفر، وإذا كان لا يخرج إلى الكفر ومع ذلك جاز لعن النائحة، وهنا سؤال: هل يجوز إذا رأينا نائحة هل نلعنها بعينها؟ لا يجوز، وأن هناك فرقًا بين اللعن بالوصف وبين لعن الشخص: أما لعن الوصف فجائز، وأما لعن الشخص فقد نهى الله نبيه ﷺ لما قال: اللهم العن فلانًا، وفلانًا نهاه الله وقال له: ﴿ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ [آل عمران: ١٢٨]. ربما هذا الذي فعل ما يوجب اللعن الآن يمنّ الله عليه فيهتدي، لو رأينا رجلًا يبول في الطريق أو يتبرز فيه هل نلعنه بعينه؟ لا، لكن لنا أن نقول- وهو يسمع-: اللهم لعن من تغوط في طريق المسلمين، وفي هذه الحال حتى هو لا يغضب مثل لو قلت له: لعنك الله.
٥٦١ - وعن أمِّ عطيَّة ﵂ قالت: "أخذ علينا رسول الله ﷺ ألَّا ننوح". متَّفقٌ عليه.
"أخذ" يعني: عهدًا، والمفعول به محذوف، يعني: أخذ علينا عهدًا ألا ننوح، وذلك عند البيعة حين بايعهن على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ... الخ، وهذا كان بعد صلح الحديبية، فكان الرسول ﷺ يبايعهن، ومن جملة ما يأخذ البيعة عليهن فيه ألا ينحن، لماذا خصّ هذا؟ لأنه كان من عادة النساء، فكان يأخذ عليهن- حتى في البيعة على الدين- ألا ينحن.
٥٦٢ - وعن ابن عمر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "السميِّت يعذَّب في قبره بما نيح عليه". متَّفقٌ عليه.
٥٦٣ - ولهما: نحوه عن المغيرة بن شعبة ﵁.
قوله: "الميت يعذب في قبره" "الميت" مبتدأ وهو عام، وخبره "يعذب" والباء في قوله: "بما"
стр. 1193
للسببية، و"ما" يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، أي: بالذي نيح عليه به، ويحتمل أن تكون مصدرية أي: بالنوح عليه، هذا إعراب الحديث، أما معناه: فإن النبي ﷺ يخبر بأن الميت إذا ناح عليه أهله فإنه يعذّب في قبره، والنياحة سبق لنا تعريفها بأنها: صوت بالبكاء صوت خاص يشبه نوح الحمام، وهو يشبه التطريب بالبكاء بالنسبة للآدميين.
وقوله: "يعذّب بما نيح عليه". يقول المؤلف: "ولهما" أي: للبخاري ومسلم، "عن المغيرة بن شعبة نحوه"، وكذلك صحّ عن عمر في صحيح مسلم عن النبي ﷺ نحو هذا، وفي لفظ لمسلم من حديث عمر: "يعذّب ببعض بكاء أهله عليه".
والآن هذا الحديث يدلنا على أن النوح كما أنه سبب للعن والطرد بالنسبة للنائحة فهو أيضًا سبب لتعذيب الميت به، وهذا الحديث مما أشكل على الصحابة فمن بعدهم، حتى إن أم المؤمنين ﵂ عائشة أنكرت ذلك، وقالت: إنكم ما كذبتم ولا كذبتم ولكن السمع يخطئ، فنسبت عمر وابنه إلى الخطأ في السمع والوهم، واستدلت لإنكارها بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨]. وهذه القاعدة الكلية العامة ثابتة في الكتب السابقة، وفي كتابنا القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿أم لم ينبّأ بما في صحف موسى (٣٦) وإبراهيم الَّذي وفَّى (٣٧) ألَّا تزر وازرةٌ وزر أخرى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٨]. فهذا متفق عليه في الشرائع أن الوازرة يعني: النفس التي تتحمل الوزر لكونها مكلّفة لا تحمل وزر غيرها إلا إذا كانت هي السبب في هذا الوزر، فإنها تعاقب بمثل العامل لقول النبي ﷺ : "من دل على خير كفاعله". وكذلك: "من سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، ولهذا كان ابن آدم الذي قتل كان عليه كفلٌ من كل نفس قتلت بغير حق؛ لأنه أوّل من سنّ القتل- والعياذ بالله-.
إذن نقول: هذا الحديث ظاهره مشكل بالنسبة للآية الكريمة، وعائشة ﵂ قالت: إن الرسول ﷺ مر بيهودية تبكي، فقال: "إنها لتبكي، وإن الميت- اليهودي- ليعذب في قبره"، فاستدلت بالآية وبالحديث، فهي رأت ﵂ أن هذا الحديث الذي معنا حديث ابن عمر، وحديث المغيرة، وحديث عمر مخالف للقرآن وروت أن الرسول ﷺ قال ذلك لامرأة يهودية كان أهلها يبكون عليها وهي تعذّب في قبرها.
ونحن نقول: أما توهيمها الرواة فهو في غير محله؛ لأن الأصل في الثقة عدم الوهم،
стр. 1194
ولا سيما مثل عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة وغيرهم، قد يكون سمعه، لكن ما حدّث به أحدًا، وأما استدلالها بالحديث فنحن نقبله منها على العين والرأس، بأن الرسول ﷺ قال ذلك في هذه المرأة اليهودية، لكن لا يمنع أن يكون قال قولًا آخر في موضع آخر، فهي روت وعمر وابنه رويا ما رويا عن النبي ﷺ ، وما سمعاه منه فحينئذ يكون ردها لهذا الحديث بوجود المانع وهو: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾ غير صحيح، وردّها له لوجود حديث آخر أيضًا غير صحيح، السبب أن القصة متعددة، فهي روت قصة أخرى غير التي حدّث بها النبي ﷺ وسمعها عمر وابنه.
وحينئذٍ يبقى علينا الآن الإشكال لا زال باقيًا بالنسبة لظاهر الحديث مع ظاهر الآية: ﴿ألَّا تزر وازرةً وزر أخرى﴾ [النجم: ٣٨]، ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾ آيتان فما هو الجمع؟ اختلف العلماء في الجمع، يعني: بعد أن نقول: إن الحديث ثابت فنحتاج إلى الجمع، أما على من أنكر الحديث كعائشة فإنه لا يحتاج إلى الجمع؛ لأنها رأت أن الآية مرجحة على هذا الحديث وأن هذا وهمٌ، لكن نحن نرى: أن الحديث صحيح، ولكن يبقى النظر في الجمع بينه وبين الآية، اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال: فمنهم من قال: إن الجمع هو: أن الحديث إنما كان فيمن أوصى بالنوح بأن كان الميت هو الذي قال لأهله: إذا مت فنوَّحوا عليَّ إذا لم تنوحوا عليّ، قال الناس: إنهم لم يهتموا به فأوصيكم بأن تنوحوا عليّ، ومعلوم أنه من أوصى بالإثم فهو آثم، فإذا نفِّذ فإنه يأثم، وهذا التعليل- كما تعلمون- عند التأمل عليل جدًّا؛ لأن الحكم أنيط بالنوح، والميت بمجرد وصيته بالإثم يكون آثمًا سواء ناحوا أو لم ينوحوا فلا يمكن أن نلغي الوصف الذي علِّق به الحكم في كلام الرسول ﷺ ونعتبر وصفًا جديدًا لم يدل عليه الحديث، وقال بعض أهل العلم: إن هذا في رجا اعتاد أهله وذووه أن ينوحوا على أمواتهم وهو يعلم بهم ولا ينهاهم فيكون كأنه مقرٌّ لهم؛ لأنه يعلم بمقتضى عادتهم أنه إذا مات سوف ينوحون عليه، قالوا: ويجب على من كان هذه عادة أهله وذويه أن ينهاهم عند موته، ويقول: لا تنوحوا عليّ كما تنوحون على أمواتكم، فإن لم يفعل فهو آثم ويعذب في قبره، وعلى هذا فيكون هذا الرجل عذِّب في قبره على ترك إنكار المنكر بعد موته؛ لأنه من الجائز ألا ينوحوا عليه؛ لأن هذا أمر عادي، والعادي قد يتخلف فهم يؤثمونه؛ لأنه لم يوص بتركه وهم من عادتهم أن ينوحوا على أمواتهم، هذان قولان مع قول عائشة فتكون ثلاثة أقوال.
والقول الرابع: يقولون: إن الحديث يقول: "إن الميت ليعذّب" والعذاب نوعان: عذاب على عقوبة، وعذاب بشيء لا يلائم الإنسان فيتعذب به، وليس فيه عقوبة، لكن يتعذب بمعنى: أنه يهتم ويحزن وما أشبه ذلك، فأما على الأول أن يكون العذاب عقوبة على فعل معصية فهذا بالنسبة للميت غير وارد؛ لأنه ما فعل ذنبًا إنما فعل الذنب غيره، وأما الثاني: وهو الاهتمام
стр. 1195
بالشيء والتألم منه بدون أن يمسه عذاب فهذا يمكن، قالوا: ومن هذا النوع قول النبي ﷺ : "إن السفر قطعة من العذاب"، ومعلوم أن المسافر لا يجلد ولا تقطع يده ولا رجله، وإنما يكون مهتمًّا متشوش البال لا يستريح إلا إذا وصل مقره، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو أحسن الوجوه عندي؛ لأنه يحصل به الجمع بين الآية الكريمة وبين هذا الحديث الثابت عن النبي ﷺ : أنه يعذّب بما نيح عليه؛ أي: يعذّب بمعنى: أنه لا يعاقب عقوبة، ولكن يتألم ويهتم بهذا الأمر، وهذا ليس ببعيد، وحينئذٍ لا يكون مخالفًا للآية.
نستفيد من قصة عائشة فائدة عظيمة بالنسبة للأحاديث: وهي أن الأحاديث التي تخالف ظاهر القرآن لا ينبغي لنا أن نقبلها حتى نتثبت تثبتًا كاملًا؛ لأنها ﵂ ردته مباشرة فحكمت بوهم الراوي، ومعلوم أنه لو كان شيء يخالف القرآن ولم يمكن الجمع بينه وبين القرآن فلا شك أننا نوّهم الراوي؛ لأن خطأ الإنسان لا شك أنه أقرب من خطأ القرآن، فالقرآن ليس فيه خطأ أبدًا، لكن قد يكون الخطأ في الأفهام، بحيث لا نستطيع الجمع بينه وبين النصوص الأخرى التي هي فيها السنة، أو يكون الوهم من الرّاوي، والوهم من الراوي أمر محتمل ولا أحد يستبعد الوهم، لكن إذا رأيتم شيئًا من الأحاديث يخالف القرآن في ظاهره أو يخالف الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول من أهل العلم فلا تتسرعوا في الحكم عليه بالتصحيح، ولو كان ظاهر سنده الصحة حتى يتأكد لكم صحته؛ لأنه لابد إذا كان يخالفها ولا يمكن الجمع فلابد فيه من علة.
يستفاد من هذا الحديث: أنه يجب الكف عن النياحة من وجهين: الوجه الأول: ما سبق من كون النائح قد عرّض نفسه للعنة الله ، الثاني: أن النياحة سبب لتألم الميت وتعذّبه في قبره، فإذا كان كذلك فإن نوحك يكون جناية على هذا الميت، فعليك أن تتقي الله في نفسك وفي ميتك.
ويستفاد منه: أن الميت يحس بما يصنعه أهله؛ لأنه لولا أنه يحس بهذا النوع ما تعذّب به في قبره، وقد روي أحاديث لكن فيها نظر؛ فيها أن الأعمال تعرض على أقارب الميت، ولا سيما أبواه فإن كانت خيرًا استبشروا بها، والله أعلم بصحة ذلك، لكننا في مثل هذه الأمور الغيبية لا نتجاوز ما ورد به النص، كل الأمور الغيبية ليس فيها قياس؛ ولهذا لا نتجاوز ما ورد به النص، فالميت تقدم لنا أنه يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه، وهذا الحديث يدل على أنه
стр. 1196
يسمع نوحهم، وورد أيضًا في حديث صححه ابن عبد البر وأقره ابن القيم: أن الإنسان إذا سلّم على صاحب القبر وهو يعرفه فإن الله يرد عليه روحه ويرد ﵇، ولكننا نتوقف: لا نحكم بحكم عام من أجل هذه النصوص الفردية؛ لأن هذه أمور غيبية، فالواجب علينا أن نقتصر فيها على ما جاءت به النصوص، وإن كان الفقهاء- ﵏ قالوا: إن الميت يتأذى بكل منكر عنده سواء كان قولًا أو فعلًا، لكن هذه القاعدة تحتاج إلى ما يسندها من الدليل عن الرسول ﷺ .
ويستفاد من هذا الحديث: إثبات الأسباب من قوله: "بما نيح عليه" الباء للسببية، وقد تقدم لنا ذلك، وأن الذي خالف في هذا الأشاعرة ينكرون الأسباب ويقولون: إن الأسباب لا تأثير لها وإنما هي علامات مجردة فقط والمؤثر هو الله، فإذا رميت زجاجة بحجر وانكسرت يقولون: الزجاجة لم تنكسر بالحجر، لكن وقوع الحجر عليها أمارة فقط، يحصل بها الانكسار فالكسر حصل عند الحجر، لا بالحجر ألقيت ورقة في النار وهي تلتهب واحترقت الورقة قالوا: النار لا تحرق، لأنك لو أثبت أن النار تحرق أثبت خالقًا مع الله، هذا وجه قولهم، إذن بماذا تغيرت الورقة بهذا الوصف؟ قالوا: حصل الاحتراق عند النار لا بالنار، ولو ركبت أنا لمبة في مكان وأضاءت هي لما أمسكت في مكانها هل أنا الذي جعلتها تمسك، لكن حصل الإمساك عند فعلي لا بفعلي، المهم أن هذا القول في الحقيقة إذا تأمله الإنسان وجد أنه أضحوكة، وأن الفطرة لا تقبله إطلاقًا.
فالصواب: أنه يحصل الشيء بسببه، لكن من الذي جعل هذا السبب فاعلًا؟ الله فحينئذٍ يعود الفعل كله إلى الله، فإن خالق السبب خالق للمسبب، لا شك في هذا.
وعليه فنقول: في هذا الحديث إثبات الأسباب والعلل وهذا هو الذي دلت عليه النصوص بكثرة، سواء كانت الأحكام كونية أو كانت الأحكام قدرية فإنه لابد فيها من علل وحكم، لكن أكثرها مجهول لنا، ثم قال المؤلف:
جواز البكاء على الميت:
٥٦٤ - وعن أنس ﵁ قال: "شهدت بنتًا للنَّبيِّ ﷺ تدفن، ورسول الله ﷺ جالسٌ عند القبر، فرأيت عينيه تدمعان". رواه البخاريُّ.
أي البنات؟ هي أم كلثوم، دفنت وحضر النبي ﷺ دفنها، وكانت زوجة لأمير المؤمنين عثمان
стр. 1197
بن عفان، وأختها الأخرى رقية زوجة له أيضًا ولهذا يسمى "ذا النورين"، فإذا احتجّت الرافضة بأن عليًّا زوج بنت الرسول، نقول لهم: وعثمان زوج ابنتيه، ولو كان هذا يقتضي الفضل لكان عثمان أفضل من عليّ ﵁، ولكان العاص بن أبي الربيع مساويًا لمن؟ لعلي بن أبي طالب، ولكن الفضائل لها أسباب أخر، وقد مرّ علينا أن الصحيح عند أهل السنة والجماعة: أن عثمان أفضل من عليّ، وأن ترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة.
قوله: "شهدت بنتًا للنبي ﷺ تدفن"، الجملة حالية، "ورسول الله ﷺ جالس عند القبر" أيضًا هذه الجملة حالية "وعيناه تدمعان" جملة حالية، "وتدمعان" خبر ومبتدأ".
ففي هذا الحديث دليل على جواز البكاء على الميت سواء كان ذلك عند موته أو بعد دفنه؛ لأن النبي ﷺ هنا كان يبكي على ابنته وهي تدفن، والبكاء غير النياحة؛ لأن البكاء شيء تمليه الطبيعة والجبلة، وليس فيه شيء يترنم به الإنسان وينوح به كما تنوح الحمام، فهو أمر لابد منه عند كثير من الناس، ودمعت عينا رسول الله ﷺ عند موت ابنه إبراهيم فقال: "العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون"، فمجرد البكاء ليس فيه عقوبة.
وأتى المؤلف بهذا الحديث لفائدة عظيمة وهي: أن الميت لا يعذّب ببكاء أهله، فإذا جاءتنا كما في بعض ألفاظ مسلم: "يعذّب ببكاء أهله" فلتحمل هذه الأحاديث على أن المراد: النياحة، أما مجرد البكاء الذي تمليه الطبيعة وتقتضيه فإن هذا ليس فيه إثم، وليس فيه أيضًا عذاب على الميت، ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث عمر: "إن الميت ليعذّب ببعض بكاء أهله"، انتبه لقوله: "بعض البكاء" ما هو؟ النياحة، أما البكاء بدون نياحة فليس فيه تعذيب.
فيستفاد من هذا الحديث: أنه يجوز البكاء على الميت بعد الدفن كما يجوز قبله.
ويستفاد منه: رقة النبي ﷺ من قوله: "وعيناه تدمعان".
ويستفاد منه: جواز الجلوس عند القبر لقوله: "جالس عند القبر".
ويستفاد منه: أنه لا تشرع الموعظة في هذه الحال عند الدفن؛ لأنه لو كانت مشروعة لوعظ النبي ﷺ عند كل دفن يشهده.
فإن قلت: أليس في حديث البراء بن عازب أن الرسول ﷺ جلس وجلس حوله أصحابه، فكأن على رءوسهم الطير فجعل .... الخ، وهو حديث طويل فهذه موعظة؟
فالجواب على ذلك: أن هذه الموعظة حصلت بسبب أنهم انتبهوا إلى القبر ولما يلحد، يعني: لم ينتهوا من الحفر، فجلس وجلس الناس حوله، فكان من المناسب أن يحدثهم، وهو حديث
стр. 1198
كحديث المساجد، وليس قيامًا يقوم فيه الإنسان ويعظ الناس ويذكّرهم، ولا يقال: إن هذه الساعة ساعة يناسب فيها الوعظ؛ لأن القلوب رقيقة والناس يشاهدون المقابر ويشاهدون دفن الميت، فقلوبهم متهيئة للنصيحة. لو قال قائل هكذا قلنا: لا شك أن هذا الأمر كما قلت، ولكن هل فعله الرسول ﷺ إلا في هذه الحال التي اقتضاها سبب؟ الجواب: لا، وهل الرسول ﷺ لا يعلم أن القلوب في هذه الحال رقيقة ومتهيئة للنصيحة؟ يعلم، ومع ذلك ما فعل، وعندي- والله أعلم- أن الحكمة من هذا لئلا يتخذ هذا الموقف مكانًا للوعظ والخطب، فإنه اتخذ لذلك ربما يأتينا أناس أهل فصاحة وبيان وانطلاق ويجلس يخطب نصف ساعة، ثلثي ساعة، ثم ينسى الناس الميت، أو ربما يدفن ويشتغلون بهذه المواضع، فخير الهدي هدي النبي ﷺ إذا كان الناس جلوسًا لانتظار الدفن فهذا لا بأس أن يحدِّث من حوله بما يرى أنه مناسب، وأما أن يقوم الرجل فيخطب فإن هذا يعتبر من البدع، والدليل على ذلك: أن الرسول ﷺ لم يفعله في كل جنازة خرج فيها.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجوز أن ينزل في القبر من ليس قريبًا من الميت؛ لأن أقرب الماس إلى البنت أبوها وهو الرسول ﷺ ومع ذلك لم ينزل في قبرها، بل أمر أبا طلحة؛ لأنه سألهم، قال: أيكم لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا. فقال: انزل في القبر، فنزل في قبرها مع أن أبا طلحة ليس من محارمها وهي امرأة.
فيستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان يجوز له أن يدع دفن المرأة ويتولاها غيره ممن ليس محرمًا لها، وهذا إذا خيف منه الفساد فإنه يمنع منه، بمعنى: أننا ننزل رجلًا ليس بثقة يتولى مس المرأة وحملها وإضجاعها في القبر إلا إذا كان إنسانًا ثقة.
النهي عن الدفن ليلًا:
٥٦٥ - وعن جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تدفنوا موتاكم باللَّيل إلا أن تضطرُّوا". أخرجه ابن ماجه.
- وأصله في مسلم، لكن قال: "زجر أن يقبر الرَّجل باللَّيل حتَّى يصلَّى عليه".
معلوم لدينا جميعًا أن "لا" هنا ناهية، وأن الفعل بعدها مجزوم بحذف النون، وأن قوله: "بالليل" الباء هنا: للظرفية كما هي في قوله تعالى: ﴿وإنَّكم لتمرُّون عليهم مُّصبحين (١٣٧) وباللَّيل ..... ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]. يعني: في الليل.
وقوله: "إلا أن تضطروا" هذه استثناء من أعم الأحوال؛ يعني: في أي حال من الأحوال لا تدفنوا إلا أن تضطروا، يسمون هذا استثناء من أعم الأحوال؛ لأن الاضطرار هنا حالة وليست إنسانًا أو شخصًا حتى نقول: إنها من الجنس.
стр. 1199
وقوله: "تضطروا" أي: يلجئكم شيء إلى الدفن في الليل ويجعلكم تلجئون إليهم.
وقوله: "موتاكم" هذه النسبة لأدنى ملابسة حتى ولو كان من غير أقاربك، ولكنه من المسلمين فإنه داخل في هذه الإضافة.
قال: "وأصله في مسلم"، الذي في مسلم أن رجلًا توفي في الليل فكفّنوه في غير طائل، ثم دفنوه فجاء النهي عنه في قوله: "لكن قال: زجر أن يقبّر الرجل بالليل حتى يصلى عليه".
واعلم أن قوله: "حتى يصلّى عليه" ليس معناه: أنه في النهار يدفن بلا صلاة، لكن المعنى: تحسن الصلاة عليه.
ففي هذا الحديث ينهى الرسول ﷺ عن الدفن بالليل، ولكن هذا النهي معلل بعلتين، وليت المؤلف ساق حديث مسلم، لو فعل ذلك لكان أولى، ولكنه- النهي- معلل بعلتين، العلة الأولى: لأن يحسن كفنه بحيث يكفنوه بما تيسر من غير أن يطلبوا الأفضل والأحسن، والثانية: عدم الصلاة عليه، وليس المراد العدم بالكلية؛ لأن هذا بعيد من الصحابة أن يدفنوه بلا صلاة، ولكن الكثرة أو الصلاة بتأن وتؤدة؛ لأنه قد يكون في الليل يصلون عليه صلاة سريعة لا يعتني فيها بالأكمل، وليس المراد: أنهم لم يصلوا عليه بالكلية أبدًا هذا بعيد.
فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي مراعاة تحسين كفن الميت، ومراعاة كثرة المصلّين عليه، ومراعاة إحسان الصلاة على الميت، يعني: يؤتى بها على الوجه الأكمل.
ويستفاد منه: النهي عن الدفن بالليل إلا عند الضرورة لقوله: "إلا أن تضطروا"، ولكن هذا النهي- كما قلت- منصبٌّ على ما إذا كان هناك تقصير في تكفينه أو الصلاة عليه، وكذلك لو كان هناك تقصير في تغسيله بحيث لم يجدوا إلا ماء قليلًا لا يحصل به الإنقاء، فإننا نقول: انتظروا إلى الصباح، أما إذا لم يكن هناك سبب يقتضي التأجيل فقد ثبت أن الأموات يدفنون بالليل في عهد النبي ﷺ ، مر علينا قصة المرأة التي كانت تقم المسجد فدفنوها في الليل، ولم ينههم الرسول ﷺ عن ذلك، والصحابة- ﵃ دفنوا رسول الله ﷺ ليلًا، فإنه توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء، وكذلك دفن أبو بكر ليلًا، وهذا دليل على أن الصحابة فهموا من النهي عن الدفن في الليل إذا كان هناك تقصير فيما يجب للميت فإن لم يكن تقصير فلا حرج، وكذلك أيضًا لو كان هناك خوف على الميت من أن يتشقق لو بقي إلى الصباح فإنه يدفن بسرعة، وكذلك لو كان عليه خوف لو دفن في النهار فإنه يدفن في الليل، كما ذكر عن عثمان ﵁ أنهم دفنوه ليلًا خفية، خوفًا ممن؟ من الخوارج الذين قتلوه أن ينبشوه ويمثلوا به.
فإن قلت: ظاهر هذا الحديث جواز الدفن في كل وقت إلا في الليل في حالة الإخلال.
стр. 1200
فنقول: نعم، هذا ظاهره، لكن هذا الظاهر مقيد بحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: "ثلاث ساعات نهى رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع- يعني: قيد رمح-، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب"، هذه ثلاث ساعات ينهى عن الصلاة فيها، وعن دفن الموتى؛ فمثلًا لو وصلنا بجنازة إلى المقبرة ووجدنا أن القبر لم يحفر وبقينا نحفر القبر حتى خرجت الشمس عند انتهاء حفر القبر؛ فإنه لا يجوز أن يدفن الميت حتى ترتفع قيد رمح، وذلك نحو ربع ساعة من طلوعها، وكذلك لو أتينا به في الضحى عند الزوال، فإنه إذا بقي على الزوال نحو خمس دقائق فإننا لا ندفنه، وكذلك إذا ذهبنا به في العصر وتضيفت الشمس للغروب لم يبق عليها إلا مقدار رمح، فإننا لا ندفنه حتى تغرب لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
استحباب إيناس أهل الميت:
٥٦٦ - وعن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: "لمَّا جاء نعي جعفر حين قتل قال رسول الله ﷺ : اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم". أخرجه الخمسة، إلا النَّسائيَّ.
قوله: "عبد الله بن جعفر" جعفر هو: ابن أبي طالب أخو عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا الرجل بعثه النبي ﷺ في سرية إلى مؤتة مع جماعة من الصحابة وقال لهم: "أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة"، فقادهم زيد فقتل ﵁، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، ثم قطعت يداه حتى سقطت منه الراية، فأبدل الله- بجناحين يطير بهما في الجنة، ثم نزل عبد الله بن رواحة وقتل أيضًا، فأخبر بهم النبي ﷺ في ذلك اليوم الذي قتلوا فيه، فكان يتحدث عنهم وعيناه تدمعان- ﵊، فيقول: أخذها زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة، ولما جاء نعيه وأخبر الناس بموته- فإن العادة أن أهل الميت يحزنون وتشل أيديهم عن الحركة- فقال الرسول ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم". فقال: "اصنعوا" أمر، وقوله: "لآل جعفر" أي: أهل بيته، وقوله: "فقد أتاهم"، هذا تعليل للأمر وهو: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا"، والخطاب في قوله: "اصنعوا" لأهل بيته يخاطب أهل بيته ﷺ .
فيستفاد من هذا الحديث: أولًا: حسن رعاية النبي ﷺ وتقديره للأمور وانتباهه لها وأنه ينزل كل شيء منزلته، وهذا من حكمته التي أعطاها الله إياها، ومن رحمته التي وهبه الله إياها.
стр. 1201
ومنها: أنه يسن بعث الطعام إلى أهل الميت في اليوم الذي يموت فيه؛ لأنه يقول: "لما جاء نعيه"، وقد سبق لنا أن عيهم كان في اليوم الذي ماتوا فيه.
ومنها أيضًا: أن هذا الطعام يسن صنعه أهل الميت إذا علمنا أنه أتاهم شيء يشغلهم، أما إذا علمنا أنهم لا يهتمون بذلك مثل: أن يكونوا في فندق أو في شيء يجهز لهم الطعام، يعني: ليس هم الذين يصنعونه فإن ظاهر التعليل: أنه لا يسن.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن فيه تطبيقًا للأصل الأصيل، وهو تعاون المؤمنين بعضهم ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، فهؤلاء الذين اشتغلوا بما حلّ بهم من المصيبة كان ينبغي أن يعينهم إخوانهم على مصالحهم بصنع الطعام، وهل نأمرهم بأن يجتمع الناس إليه؟ لا؛ ولهذا قال العلماء: إنه يكره الاجتماع للتعزية وانتظار المعزين، خلافًا لما يفعله كثير من الناس اليوم، تجدهم يجتمعون في البيوت استقبالًا لمن يأتون للتعزية، وهذا لا أصل له، وأقبح منه: أن بعض الناس يصنع ما يشبه وليمة العرس من قهوة وشاي ويجمع ناسًا كثيرين وأحيانًا يجلسون في الأسواق، وربما يأتون بشخص يقرأ القرآن لكن بأجرة ليس تطوعًا ولا تبرعًا، وكل هذا من البدع التي ينهى عنها؛ لأنها لم تكن في عصر الصحابة- ﵃ ولا زمن أتباعهم بإحسان، وهذا الذي يقرأ هل ينتفع الميت بقراءته؟ لا؛ لأن هذا يقرأ للدنيا، لو نقص ما جعل له لا يقرأ، فهو يقرأ للدنيا، وإذا كان لا يقرأ إلا للدنيا فإنه لا أجر له؛ لأن من شرط الأجر على قراءة القرآن أن تكون خالصة لله ، وحينئذٍ يكون فيها ضياع وقت وإتعاب بدن وضياع مال وإثم على هذا القارئ؛ ولهذا أنا أنصح الإخوان الذين في بلادهم مثل هذه الأمور أن يحرصوا على إزالتها، ولكن بالحكمة؛ لأن الشيء المعتاد عند العامة يصعب على الإنسان أن يقوم أمامهم مواجهًا ويقول: هذا خطأ، هذا منكر، هذا محرم، يمكن لو فعل هكذا لقاموا عليه أمثال الذر على العظم ثم أكلوه أكلًا، ولكن ممكن أن يتكلم مع واحد من المسئولين عن هذه القضية، يعني: إذا مات الميت لشخص فتذهب إليه وتبين له الحق، وتقول له: لا تفعل هذا، والحق إذا بيّن بلطف مع إخلاص النية لله ، في الغالب أنه يقبل.
هل يستفاد من هذا الحديث: أنه لا يصنع الطعام إلا من كان قريبًا من أهل الميت، أو نقول: إن هذه وقعت اتفاقًا وأن العبرة بعموم العلة؟ الظاهر: أنه حتى الأصحاب إذا كان هناك أصحاب لأهل الميت ورأوا أنهم أن يصنعوا لهم الطعام ويبعثوا به إليهم فإن هذا مشروع، ثم قال:
стр. 1202
آداب زيارة القبور:
٥٦٧ - وعن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السَّلام عليكم أهل الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية". رواه مسلمٌ
المعروف أن "كان" إذا كان خبرها مضارعًا فإنها تفيد الاستمرار غالبًا، وقوله: "يعلمهم إذا خرجوا"، كلمة "إذا خرجوا" ليست متعلقة بـ"يعلمهم"، ولكنها متعلقة بـ"يقولوا"، والتقدير: كان يعلمهم أن يقولوا إذا خرجوا، ويحتمل أنها متعلقة بـ"يعلمهم"، ويكون تعليم النبي ﷺ إيَّاهم حين يخرجون معه إلى المقبرة، لكن الاحتمال الأول أقرب.
قوله: "السلام عليكم أهل الديار"، جملة خيرية، و"السلام" بمعنى: السلامة من كل الآفات، ويدخل فيها السلامة من عذاب القبر.
وقوله: "أهل الديار" "أهل" منصوب على أنها منادى، وحرف النداء محذوف؛ أي: يا أهل الديار، و"الديار" هي: محل الإقامة، فديار الناس في الحياة الدنيا هي القصور، وديار أهل المقابر القبور؛ ولهذا قال: "أهل الديار".
وقوله: "من المؤمنين والمسلمين" هذه "من" بيانية أي: بيان لأهل لا للديار، وعطف المسلمين على المؤمنين يفيد التغاير؛ لأن هذا هو الأصل، والفرق بينهم أن المؤمن أكمل حالًا من المسلم؛ لأن المؤمن استسلم لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، والمسلم استسلم ظاهرًا، وقد يكون عنده تقصير في الباطن؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنَّا قل لَّم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: ١٤]. ما دخل إلى الآن لكنه حري بالدخول؛ لأن "لمَّا" تفيد النفي مع قرب الوقوع.
وقوله: "إنا إن شاء الله" "إن" للتوكيد، وخبرها "لاحقون"، وجملة "إن شاء الله" معترضة بين اسم إن وخبرها.
وقوله: "نسأل الله لنا ولكم العافية"، أول ما يتبادر إلى الأذهان عند أكثر الناس أنها عافية للبدن من الأسقام، ولكنها في الواقع: عافية البدن من الأسقام وعافية القلب كذلك من الأمراض؛ لأن مرض القلب يجب على الإنسان أن يسأل السلامة منه، فهو أشد من أمراض البدن، العافية لهم أي: للمؤمنين الأحياء بالنسبة لعافية القلوب للموتى غير واردة هنا، لماذا؟ لأنهم ماتوا فليس لهم عمل، لكن عافية الأبدان والأرواح واردة، من أي شيء يعافون؟ من العذاب.
стр. 1203
نرجع للحديث فنقول: كون الرسول ﷺ يعلِّم أصحابه إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا هكذا يدل على اهتمام الرسول ﷺ بهذا الدعاء، وثانيًا: ينبغي للمسلم أن يدعو به إذا خرج إلى المقبرة، ولكن هل إذا خرج بمجرد خروجه من بيته أو حتى يصل؟ لا شك أن المراد: حتى يصل إلى المقبرة، ومنها قوله: "السلام عليكم أهل الديار"، وعندي أي: في نسختي في الشرح يقول: "السلام على أهل الديار"، فإذا صحّ اللفظ بالخطاب فإنه يحمل على أحد وجهين: إما أن الأموات يسمعون ليصح الخطاب، وإما أنه نزّل استحضاره إيّاهم كأنما يشاهدهم نزّله منزلة من يخاطب، وإن كانوا لا يسمعون بدليل أن الصحابة كانوا في عهد الرسول ﷺ وبعد موته يقولون: "السلام عليك أيها النبي" فهل الرسول ﷺ حاضر عندهم، وكذلك إلى الآن عندما نقول ذلك هل الرسول حاضر؟ لا؛ لأنهم يسلمون عليه في أقصى المدينة وفي بلاد أخرى، فهم لا يخاطبونه مخاطبة الحاضر، ولكن يقول شيخ الإسلام: إن هذا من باب قوة استحضار القلب لهذا المدعو له كأنه أمامك تخاطبه، فإذا كان الاحتمال هذا واردًا على الاحتمال الأول فإنه لا يمكن أن تجزم بأن أهل المقابر يسمعون سلام الناس إذا سلّموا عليهم ما دام الاحتمال واردًا؛ لأن المعروف أنه إذا حصل الاحتمال سقط الاستدلال؛ لأنه ما يتعين أن يكون دالًا على ذلك.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المقابر ديار لقوله: "أهل الديار"، ولكنها ديار قوم لا يتزاورون؛ لأنهم أموات وهي دار كل حي، فإن مآل كل إنسان حي إلى هذه الدار، ومع هذا فهذه الدار ليست دار قرار، حتى القبور ليست دار قرار، وإنما هي زيارة؛ ولهذا سمع أعرابي رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر (١) حتَّى زرتم المقابر﴾ [التكاثر: ١، ٢]. فقال: والله ما الزائر بمقيم، انظر سبحان الله! أعرابي [يفهم] أن الزائر ليس بمقيم، ومعناه: أن هناك شيئًا آخر وراء هذه المقابر وهو كذلك.
ويستفاد من الحديث: الفرق بين الإيمان والإسلام وهذا موضع اختلف الناس فيه، فمنهم من قال: إن الإسلام هو الإيمان، ومنهم من فرّق بينهما، وسبب هذا الاختلاف ظواهر بعض النصوص، فإن بعض النصوص يفهم منها أن الإسلام والإيمان شيء واحد، مثل قوله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (٣٥) فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]. فدل هذا على أن الإيمان والإسلام واحد، وقال بعض أهل العلم- وهو الحق-: إن الإيمان غير الإسلام، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنَّا .... ﴾ [الحجرات: ١٤] الآية.
وقوله في حديث جبريل: أخبرني عن الإسلام؟ فقال: أن تشهد .... الخ. ثم قال: أخبرني عن الإيمان؟ فدل ذلك على أن الإيمان غير الإسلام وهذا هو الحق، لكن إذا انفرد أحدهما دخل فيه الآخر، فقوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام﴾ [المائدة: ٣]. وقوله: ﴿إنَّ الذين عند الله
стр. 1204
الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]. يدخل فيه الإيمان، وكذلك قوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]. يدخل فيها المسلمون، أما إذا قرنا فإن الإيمان شيء والإسلام شيء آخر، والجواب عن الآية الكريمة في قصة لوط: ﴿فأخرجنا من كان فيها .... ﴾ الآية. أن الله لم يقل: "فما وجدنا فيها غير المسلمين"، قال: "غير بيت من المسلمين"، وهذا صحيح، فإن بيت لوط بيت إسلام؛ لأن امرأة لوط لم تكن تعلن الكفر كما قال تعالى: ﴿فخانتاهما﴾ أي: تظهر أنها مسلمة، فالبيت بيت إسلام، لكن الذي نجا: المؤمن من هذا البيت.
ويستفاد من الآية فائدة عظيمة جدًّا: وهي أن ما غلب عليه حكم الإسلام فهي بلد إسلام وإن كان فيها كفار ولو كثروا.
وقوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" يستفاد منه: أن الحي سيموت، ولكن لهذه الجملة غرض وهي تذكير الإنسان نفسه بمآله وأنه سيلحق بهؤلاء الأموات، ففيه تعليق بالمشيئة سيأتي إن شاء الله.
ذكرنا من قبل قوله: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين" ذكرنا أنه قال: "من المؤمنين والمسلمين"؛ لأن الأموات في الواقع منهم مؤمن ومنهم مسلم، فكامل الإيمان مؤمن المحافظ على ما أمره الله والمبتعد عما نهى الله، ومن كان دون ذلك فهو مسلم، ولا شك أن في المقابر من هو مؤمن ومن هو مسلم؛ ولهذا قال: "من المؤمنين والمسلمين"، قال: "وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون"، و"إنا" الضمير يعود على نفس القائل، أو عليه وعلى الأحياء الذين معه إن كان معه أحياء، أو من على الأرض الآن، المهم: أن هذا الضمير الذي هو ضمير المعظم نفسه أو ضمير ممن معه غيره صالح لهذا ولهذا.
وقوله: "إن شاء الله بكم لاحقون" هذا التعليق على جملة خبرية؛ لأن "إنا لاحقون" جملة خبرية ليس فيها إشكال، وهي جملة أيضًا معلومة متيقنة كلٌّ سيموت، فلماذا جاء التعليق "إن شاء الله"؟ اختلف العلماء في الجواب عن هذا، فقيل: إنه لمجرد الامتثال لقوله تعالى: ﴿ولا تقولنَّ لشيءٍ إنِّي فاعلٌ ذلك غدًا (٢٣) إلَّا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣]. وهذا القول فيه نظر؛ لأن قوله: ﴿ولا تقولنَّ لشيءٍ إنِّي فاعلٌ﴾ إنما هو بالنسبة لما تفعله أنت، أما الموت فليس من فعلك وهو متحقق، لكن ما تفعله وهو مستقبل لا تقل: إني فاعله وتجزم أنك ستفعله؛ لأن الأمر بيد الله، فقل: إن شاء الله.
وقيل: إنها قيلت للتبرك، وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن مجرد التبرك بمثل هذا التعبير لا وجه له.
وقيل: إنها ذكرت تعليقًا بناء على الحال أو المكان، الحال يعني: أنتم متم على الإيمان والإسلام، فأقول: إن شاء الله باعتبار أنني أموت على ما متم عليه لا تعليقًا للموت؛ لأن الموت
стр. 1205
سيكون، "وإنا بكم لاحقون" على الإيمان والإسلام لا على مفارقة الدنيا؛ لأنها لا تحتاج إلى تعليق المشيئة أو في المكان، لكن هذا لا يكون إلا لأهل بقيع الغرقد، أما غيرهم فإنه ليس له خصيصة، أما في البقيع فله خاصية، وهي أن النبي ﷺ قال: "اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".
وهذا الدعاء قد يكون شاملًا لكل من يدفن فيه، وقد يكون خاصًّا لمن كان في ذلك الوقت الذي دعا فيه الرسول ﷺ ، فيكون هنا "إن شاء الله" عائدًا إلى المكان، أما عوده إلى الحال فهو صالح لكل بلد، وقيل: إن التعليق هنا للتعليل، المعنى أننا بمشيئة الله لاحقون بكم، أي: أن موتنا يكون بمشيئة الله؛ ففيه تفويض الأمر إلى الله ، قالوا: والتعليق هنا يراد به: التحقيق مقرونًا بماذا؟ بمشيئة الله، فيكون ذكر التعليق من باب التعليل، كأنه قال: وإنا بمشيئة الله بكم لاحقون، قالوا: ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿لتدخلنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧]. فإن هذا لا يتصور فيه إلا أن يكون من باب التعليل بالمشيئة وأن الأمور كلها بمشيئة الله .
ثم قال: "نسأل الله لنا ولكم العافية" السؤال هنا سؤال استجداء؛ لأن السؤال إذا كان سؤال استفهام واستخبار فإنه يعدّى بـ"عن"، فتقول: سألت زيدًا عن كذا، وإذا كان السؤال سؤال استجداء فإنه يتعدى بنفسه، فيقال: سألت زيدًا كذا، وهنا الذي في الحديث من هذا الباب، المفعول الأول "الله"، والمفعول الثاني "العافية"، العافية للإنسان في الدنيا تكون من أمراض القلوب وأمراض الأبدان، والعافية للأموات تكون من العذاب الذي سببه مرض القلب، أمراض الأبدان يعرفها الأطباء الذين تعلموا هذه المهنة الطب الجسمي البدني، وأمراض القلوب يعرفها أهل العلم، وهي تدور على شيئين: شبهة، وشهوة، ففي قوله تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الَّذي في قلبه مرضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. هذا مرض شهوة، وفي قوله تعالى عن المنافقين: ﴿في قلوبهم مَّرضٌ فزادهم الله مرضًا﴾ [البقرة: ١٠]. هذا شبهة، فالأمراض القلبية كلها لو تأملتها لوجدتها تدور على هذين المرضين: شبهة دواؤها العلم، وشهوة دواؤها العمل على صراط الله المستقيم، بألا يتبع الإنسان نفسه هواها بل ينظر إلى ما يرضي ربنا- فيقوم به ولو عصى نفسه ولو أهان نفسه ولو أذلها؛ لأن إهانة الإنسان نفسه لله عزٌّ ورق الإنسان لربه حرية.
إذن نقول: العافية بالنسبة للأموات هي العافية من آثار الذنوب التي هي أمراض القلوب، وأما بالنسبة لنا فمن أمراض الأبدان وأمراض القلوب.
فإن قلت: ولنا أيضًا يمكن أن يكون لنا عذاب على أعمالنا؟
قلنا: العذاب على أعمالنا في الدنيا لا يتجاوز هذين الأمرين؛ لأن الإنسان قد يعاقب على
стр. 1206
الذنب بفساد قلبه- والعياذ بالله- سواء بشهوة أو شبهة، وقد يعاقب على الذنب بالآفات المادية كالنقص في الأموال والأنفس والثمرات.
نستفيد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: نصح النبي ﷺ لأمته، وذلك يؤخذ من قوله: "يعلمهم"، وأن الرسول ﷺ بلّغ البلاغ المبين.
ويستفاد منه أيضًا: مشروعية الدعاء لأهل القبور بما أرشد إليه النبي ﷺ لأن الدعاء أحسنه وأجمعه وأنفعه ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولكن مع هذا إذا دعوت أنت بغيره مما أباح الله فلا حرج.
ومن فوائد الحديث: جواز مخاطبة أهل المقابر، لقوله: "السلام عليكم".
فإن قلت: هذا مشكل، إذ كيف تخاطب أقوامًا قد ماتوا ورمُّوا؟
فالجواب: أننا علينا أن نفعل وليس علينا أن نقول: لم أمرنا الرسول ﷺ بذلك، ومن الجائز يسمعهم أن الله هذا السلام، كما أن من الجائز أن يكون الخطاب ليس للإسماع، وإنما لقوة استحضار الإنسان لهؤلاء الأموات كأنهم بين يديه يسلّم عليهم، ونظير ذلك قولنا: "السلام عليك أيها النبي"، وخطاب من لا يعقل الخطاب ممكن، فقد جرى عليه الناس، فهذا عمر يقول للحجر: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع- يعني: الحجر الأسود-، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبلتك". على أني لا أريد أن أقيس مسألة القبور بالحجر؛ لأن الحجر عندنا واضح أنه جماد وأنه لن يرد إلا على سبيل أن يكون آية أو كرامة، لكن أهل القبور أمرهم غيبي فقد يكونون يسمعون هذا الدعاء.
ومن فوائد الحديث: أن الإيمان والإسلام متباينان؛ لقوله: "من المؤمنين والمسلمين"، ووجه ذلك: أن الأصل في العطف التغاير، قد يكون تغايرًا بالذوات أو تغايرًا بالصفات، إلا ما قام الدليل على أنه ليس متغايرًا فيعمل به، وقد مرّ علينا مرات كثيرة أن الإيمان والإسلام إذا انفرد أحدهما شمل الآخر، وضربنا لذلك أمثلة.
ومن فوائد الحديث: أن القبور ديار أهل القبور لقوله: "أهل الديار"؛ وهو كذلك لأنها ديارهم، لكنهم أقوام متجاورون ولا يتزاورون.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يعلّق كل شيء بمشيئة الله، فإن كان أمرًا محتمل الوقوع فهو من باب التفويض، وإن كان أمرًا حتمي الوقوع فهو من باب التعليل يؤخذ من قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
стр. 1207
ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان أن يذكر نفسه بما يحثه على اغتنام الفرص؛ لقوله: "وإنا بكم لاحقون"، فإن الإنسان إذا قال هذا مطمئنًّا به فإنه يحدوه إلى العمل، ثم إن قوله: "إن شاء الله" تزيد من ذلك؛ لأن الأمر ليس إليه بل هو إلى الله، والله لن يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، فهذا مما يزيدك حرصًا على اغتنام الوقت وعدم إضاعته.
ومن فوائد الحديث: أن المشروع أن يبدأ الإنسان بالدعاء بنفسه، يؤخذ هذا من قوله: "نسأل الله لنا ولكم العافية" لنا فبدأ بنفسه، وهذا يوافق عموم قول الرسول ﷺ : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"؛ لأن أقرب شيء إليك هو نفسك.
ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار في الدعاء، فهذا اقتصار وليس اختصارًا، فالاختصار هو: قلة الألفاظ مع شمول المعنى، فإذا قلت: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله سره وعلانيته وأوله وآخره"، فهذا بسط.
وإذا قلت: "اللهم اغفر لي ذنبي" هذا اختصار؛ لأنه شمل ما بسطت مع قلة اللفظ، أما الاقتصار فإنك تقتصر على بعض المعنى وتحذف الثاني، فهذا الفرق بين الاقتصار والاختصار، إذا قلت: "اللهم اغفر لي ولأخي" هذا اقتصار، وإذا قلت: "اللهم اغفر للمسلمين" هذا اختصار، وعلى هذا فقس.
ومن فوائد الحديث: أن رسول الله ﷺ كغيره من البشر محتاج إلى الله ، وإلى عافيته؛ لقوله: "نسأل الله لنا ولكم العافية"، هل يصلح هذا؟ لا؛ لأنه يعلم أما هو فسيأتي في الحديث القادم.
وهل يستفاد من الحديث مشروعية زيارة القبور؟ ظاهر اللفظ لا يدل على هذا، على كل حال إن أخذ من هذا الحديث فذلك المطلوب، وإن لم يؤخذ فمما سبق.
٥٦٨ - وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: "مرَّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السَّلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر". رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ.
هذا يستفاد منه عدة فوائد: أولًا: أنه يشرع هذا الذكر لمن مرّ بالمقبرة وإن لم يقصر الزيارة، حتى لو مررت عابرًا فإنك تقوله.
ويستفاد منه أيضًا: أنه إذا أراد أن يقوله عليه أن يستقبلهم بوجهه، ولكن هل يكون من اليمين أو من الشمال أو من الأمام أو من الخلف؟ حسب السير- أي: حسب الجهة التي تأتي منها-.
ويستفاد منه أيضًا: مشروعية هذا الذكر "السلام عليكم يا أهل القبور"، والذي علّمه الصحابة أن يقولوا: "أهل الديار من المؤمنين والمسلمين".
стр. 1208
فيستفاد من هذا ومما قبله: أنك مخير بين أن تأتي بهذا أو بهذا، ولا حرج عليك؛ لأن المخاطب مفهوم أنهم أهل هذه المقبرة.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الإنسان ينبغي له أن يوطّن نفسه على مستقبله الذي لابد منه؛ لقوله: "أنتم سلفنا ونحن بالأثر"، يعني: أنتم تقدمتمونا والحال بيننا وبينكم واحد، لكن أنتم تقدمتم ووصلتم إلى المنزل ونحن لكم بالأثر، وهل يمكن أن نتخلف عنهم؟ لا يمكن أبدًا.
النهي عن سب الأموات:
٥٦٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبُّوا الأموات، فإنَّهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا". رواه البخاريُّ.
٥٧٠ - وروى التِّرمذيُّ عن المغيرة ﵁ نحوه، لكن قال: "فتؤذوا الأحياء".
"لا تسبوا" ما هو السبّ؟ السبّ هو: ذكر العيب، فإن كان في مقابلة الشخص فهو سبّ، وإن كان في غيبته فهو غيبة، وإن كان كذبًا فهو بهتان وسبّ أو غيبة، فقوله: "لا تسبوا الأموات" هذا سبّ ولكنهم أموات، فهو سب متضمن للغيبة؛ لأنهم ليسوا عندك حتى نقول: إن هذا مجرد سب، وقوله: "الأموات": جمع محلى بـ"أل"، والجمع المحلى بـ"أل" إذا لم تكن للعهد فهو يفيد العموم، فيشمل الأموات المسلمين وغير المسلمين، حتى الكافر لا يسب إذا مات؛ لأنه- كما سيأتي- أفضى إلى ما قدّم، وهذا تعليل عدم جواز شبهم مطلقًا.
وقوله: "فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" أي: انتهوا إليه ووصلوا إليه، وقوله: "إلى ما قدموا" يعني: من العمل، وهم الآن لا فائدة من سبَّهم؛ لأنهم وصلوا إلى الجزاء، وحينئذٍ يكون السب عبثًا، ثم إن كان لهم أحياء يسمعون هذا السب صار هناك علة أخرى، وهي إيذاء الأحياء، كما في رواية الترمذي: "فتؤذوا الأحياء".
فكان في سب الأموات معنيان: المعنى الأول: أنه لغو؛ لأنهم أفضوا إلى ما قدمّوا.
والمعنى الثاني: أنهم إذا كان لهم أحياء فسوف يتأذون، وحينئذٍ فسب الأموات دائر بين أمرين: إما لغو لا فائدة منه، وإما إيذاء للأحياء؛ فلهذا نهى عنه النبي ﷺ ، هذا هو ظاهر الحديث، أي: أن ظاهره العموم، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا خاص بالمسلمين، وأما الكفار فإنه يجوز أن يسبهم الإنسان ولو بعد موتهم، واستدلوا بما ثبت في صحيح
стр. 1209
البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "قال أبو لهب- لعنه الله- للنبي ﷺ .... " ذكر الحديث. فلعن عمه، يعني: لعنه ابن عباس، وابن عباس قوله حجة في مثل هذا، فهذا يقتضي أنه إذا كان كافرًا فإنه يجوز سبه؛ لأنه ليس له عرض محترم، وهو إذا أفضى إلى ما قدم فإنه يجازى عليه، لكن بالنسبة لنا ليس له عرض محترم، ولكن هذا يأباه ظاهر الحديث، إلا أن نقول: إذا سبه الإنسان تحذيرًا من فعله وسلوكه فهذا لا حرج فيه، وإذا سبّه لبيان حاله فكذلك لا حرج فيه؛ لأن المقصود بذلك النصح، وإذا سبّه قبل الدفن فلا محذور فيه، هذه ثلاثة أشياء: أما الأول يعني: إذا سبّه تحذيرًا من فعله فهذا ظاهر؛ لأن فيه مصلحة، لأن التحذير من فعل هذا الكافر أو الفاسق فيه مصلحة عظيمة، فإذا سبّه وقال: هذا الذي ظلم الناس وهذا الذي فعل كذا ... يريد أن يحذّر منه لا أن ينتقم منه بالسبّ فهذا جائز، وإذا سبه أيضًا لبيان حاله فهو أيضًا جائز، بل قد يكون واجبًا، وهذا يقع كثيرًا في كتب أهل الحديث؛ أي: في كتب الرجال، فتجد فيها: يقول فلان، ثم يذكر بما فيه من العيب، لماذا؟ لأن هذا من باب التحذير يبين حاله، وما زال المسلمون على هذا، الثالثة: إذا كان قبل الدفن، ويستدل لذلك بالجنازة التي مرّت بالنبي ﷺ وعنده أصحابه فأثنوا عليه شرًّا؛ فقال: "وجبت". وقد يقال: إنه لا حاجة للاستثناء؛ لأن التعليل يخرجه؛ لأن قوله: "فإنهم أفضوا إلى ما قدموا" لا يكون إلا بعد الدفن، أما قبل فإنه لم يفض إلى ما قدم حتى الآن، أي: إنه لم يصل إلى المجازاة، وعلى كل حال هذا الحديث- عمومه- لا شك أن فيه تخصيصًا، والتخصيص في الحالات الثلاث التي ذكرنا.
ويستفاد من هذا الحديث: حكمة النبي ﷺ ، وأنه يريد أن يحمي أمته عما فيه شر، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
ومن هذا نعرف أن ما يفعله بعض الناس الآن من الرؤساء والزعماء مما لا فائدة فيه، حيث يبدءون فيما بينهم بالتشاتم، بأن يسب أحدهم نظيره بالطول، ويعيِّره الآخر بالعرض، ويقوم وسيط ثالث للدفاع عن هذا أو ذاك، فما الفائدة من هذا؟ لا فائدة فيه، هذا لغو وربما يحدث عداوة وبغضاء بين الناس، فهو قد أفضى لما قدّم وانتهى عن الدنيا، وبالنسبة إلى مبدئه إذا كان ذا مبدأ خبيث معارض للشريعة يجب أن نسبَّ هذا المبدأ نفسه؛ لأن المقصود ألا يغتر أحد بمبدئه ومنهاجه؛ أما أن نتجادل في هذا الشخص لعينه فلا شك أنه لغو وأنه يجرُّ إلى الآثام.
* * *
стр. 1210
[كتاب الزكاة]
انتهى الآن الكلام على كتاب الصلاة، والعلماء- ﵏ يقسمون العلم إلى أقسام، بدءوا بالصلاة، لأنها آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، والفقهاء لم يتكلموا على الشهادتين؛ لأن الكلام فيها عند أهل التوحيد والعقيدة، لكن يتكلمون على الأصول العملية، فتكلموا على الصلاة وما يتعلق بها من الشروط كالطهارة، ثم ثنُّوا بالزكاة؛ لماذا؟ لأنها آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ولأنها قدِّمت في حديث النبي ﷺ : "والإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". فلهذا قدموها.
مفهوم الزكاة:
والزكاة لها معنيان: لغوي وشرعي، والشرعي أيضًا له معنيان: زكاة النفس بالإيمان، وزكاة النفس ببذل المال.
فأما الزكاة في اللغة: فهي النماء والزيادة، ومنه قولهم: "زكى الزراع" أي: نما واشتد وطال، وكذلك تأتي الزكاة بمعنى: الزيادة، فإنهم يقولون: "زكى مال فلان" يعني: زاد وكثر.
وأما الزكاة في الشرع فقد قلت: إنها زكاة النفس، وزكاة المال، وكلاهما زكاة نفسٍ في الواقع، لكن الأول زكاة النفس بالإيمان، والثاني زكاة النفس ببذل المال.
زكاة النفس بالإيمان لها أمثلة، منها قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. أي: من زكى نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالأخرة هم كافرون﴾ [فصلت: ٦، ٧]. فإن كثيرًا من المفسرين يقولون المراد بالزكاة هنا: زكاة النفس بالإيمان، لأنه قال: ﴿للمشركين * الذين لا يؤتون الزكوة﴾، وليس إتيان الزكاة بأعظم من فعل الصلاة، فدلَّ على أن المراد بالزكاة هنا زكاة النفس بالإيمان.
وأمَّا الزكاة بالمال فهي كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وما ءاتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ومآءاتيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩]. المراد بالزكاة هنا:
стр. 1211
زكاة المال؛ لأنه جعلها في مقابلة الربا المشتمل على الظلم، والزكاة: بذل مشتمل على الإحسان فهذا مقابل لهذا؛ إذن لا بد أن نعرف الزكاة التي هي زكاة النفس بالمال، فما تعريفها؟
تعريف الزكاة: هي التعبد لله- بدفع جزء معين شرعًا من مال معين لجهة معينة، هذا التعريف فيه إبهام، حيث إنه هو مجمل يحتاج إلى شرح، فقولنا: بدفع جزء معين شرعًا هو المال الذي يجب إخراجه في الزكاة، ويختلف نوعه، فمثلًا في الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر، يعني: واحد من أربعين، وذلك بأن تقسم المال الذي عندك كله على أربعين فما خرج فهو الزكاة، فإذا كان عندك أربعون ألفًا أقسمها على أربعين فيكون الذي يخرج ألفًا، عندك أربعون مليون زكاتها مليون، عندك ثمانمائة ريال أقسمها على أربعين يساوي عشرين ريال، ألف ريال تخرج خمسة وعشرين ... وهكذا، أما زكاة الحبوب والثمار فهي إما نصف العشر وإما العشر، يعني: إما واحد من عشرة، وإما واحد من عشرين، فلو كان عندك مائة صاع- على فرض أنها يخرج فيها الزكاة- فتخرج عشرة أصواع إن كانت نصف العشر وإلا فعشرون صاعًا.
أما زكاة السائمة ففي الواقع لا مجال للاجتهاد فيها ولا للعقل؛ لأنها مطلوبة معينة لا باعتبار سهم معين كما سيأتي- إن شاء الله- فمثلًا خمس من الإبل فيها شاة، وخمس وعشرون فيها بنت مخاض من الإبل، في مائتين وواحد من الغنم ثلاث شياه، في ثلاثمائة وتسع وتسعين من الغنم ثلاث شياه، انظر الفرق مائتين وواحدة إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين كله واحد ثلاث شياه، ولهذا تقدير الزكاة في الماشية أمر تعبدي؛ لأن مسائل البهيمة زكاتها غير معقولة، يعني: ما ثبت بالعقل نسلم فيها للنص تسليمًا تامًّا، إذا عددت مائتين وواحد ففي كل مائة شاة، ففي ثلاثمائة ثلاث شياه، في ثلاثمائة وتسع وتسعين ثلاث شياه، في أربعمائة أربع شياه، إذن من (٢٠١) إلى (٣٩٩) كله واحد.
فائدة الزكاة:
الزكاة فائدتها ظاهرة، فهي فيها فائدة للمخرج منه وللمُخرج إليه، أما المخرج فقد قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]. فهي تطهير من الذنوب لقول الرسول ﷺ : "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"، وإذا كان الرجل تصدق بدرهم صدقة تطوع فإنها تطفئ الخطيئة فإن أثرها إذا كان ذاك زكاة أعظم، ودليل ذلك قول الله تعالى
стр. 1212
في الحديث القدسي: "ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضته عليه"، فلو سألك سائل: رجلان أحدهما تصدق بدرهم صدقة تطوع، والثاني تصدق به زكاة واجبة أيهما أفضل؟ الثاني أفضل؛ لأنه واجب، والواجب أحبُّ إلى الله تعالى من التطوع من جنسه، إذن هي تطهر من الذنوب، ﴿وتُزكيهم بها﴾ أي: تزكي إيمانهم وأعمالهم وأخلاقهم، أي: تزكي الإيمان؛ لأن بذل الإنسان ما يجب ابتغاء لرضا الله لا شك أن إيمانه يزداد به، وتزكي الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة يزيد بها الإيمان كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وتزكي الأخلاق، لأنه يلتحق ببذل المال بصفوف الكرماء، والكرم خلق محمود فحينئذٍ يزكو خلقه أيضًا.
أما المال فإن فائدتها- أعني: الزكاة- للمال فائدة عظيمة؛ لأنك إذا أخرجت زكاة المال بارك الله لك فيما أبقى، وإذا منعت فإنه قد تسحق الزكاة مالك وتسلَّط عليه الآفات حتى ينفد. ففيها إذن فائدة للمخرج وللمخرج منه، وللمخرج إليه، كيف المخرج إليه؟ هذا معلوم، حيث إن هذه الزكاة يستفيد منها الفقير ويجد نفقة بها، ويستفيد منها أيضًا المجاهدون في سبيل الله فيجدون معونة، والمؤلفة قلوبهم يجدون ما يؤلفهم على الإيمان، ففيها فوائد عظيمة.
ثم إن في إيجاب الزكاة على عباد الله بيان لحكمة الله تعالى في التشريع؛ لأنك إذا تأملت الشرائع وجدت أنها كف وبذل، كف عن محبوب وبذل لمحبوب، فبذل المحبوب مثل الزكاة والحج في غالب الأحيان، وكف عن محبوب مثل الصيام والصلاة، فإن الإنسان في حال صلاته لا يأكل ولا يشرب ولا يتمتع بأهله ولا يلتفت إلى شيء غير صلاته، وفي الصيام يمسك عن الأكل والشُّرب والنكاح ومتع الدنيا التي تتعلق بالصيام، فتجد أن العبادات كف وبذل، ثم مع ذلك العبادات كف وبذل، إما بالبدن، وإما بالمال لأجل أن يتبين صدق العبودية؛ لأن من الناس من يهون عليه بذل البدن ويتعب ولا يهمه، لكن لو قيل له: أخرج قرشًا واحدًا من دراهمك، احمرَّ وجهه، وبعض الناس يهون عليه المال، ولكن يشق عليه التعب البدني، ويذكر أن بعض العلماء- غفر الله لنا ولهم- وجب على أحد الملوك عتق رقبة في بعض الكفارات، وأفتاه بأن يصوم بدل من العتق مع أن مرتبة الصيام بالنسبة للكفارات أنه يلي العتق، وما حجة هذا العالم الذي أفتى؟ ! قال: لأن عتق الرقبة للملك بسيط سيعتق عشر رقاب، لكن صيام يوم واحد أشق عليه من مائة رقبة! فقال: نؤذيه بالصيام هل هذا الاستحسان صحيح؟ لا، غير صحيح؛ لأن الاستحسان المضاد للشرع لا شك أنه سوء وليس بخير.
فالحاصل: أن الله حكيم في تنويع العبادات لأجل أن يمتحن العبد هل هو عبد لله حقًّا أو هو عبد لهواه، فمن مشى مع الشرع فهو عبد الله.
стр. 1213
متى فرضت الزكاة ؟
ذكرنا تعريف الزكاة وفوائدها البحث الثالث متى فرضت الزكاة؟ هل في مكة أو المدينة؟ أكثر العلماء على أنها فرضت في المدينة في السَّنة الثانية من الهجرة بعد فرض الصيام، وقال بعض العلماء: إنها فرضت في مكة، وقال آخرون إنها فرضت في السنة التاسعة من الهجرة، ولكن التحقيق في هذا أن الزكاة فرضت في مكة، لكن لا على هذا التقدير المعين والأنصبة المعينة فقد قال الله تعالى في سورة الأنعام- وهي سورة مكية-: ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقال في سورة المعارج: ﴿والذين في أموالهم حقٌ معلومٌ * للسائل والمحروم﴾ [المعارج: ٢٤]. فهناك زكاة واجبة مكية لكنها ليست على هذا التفصيل الذي استقرت عليه الشريعة الآن.
وأما الذين قالوا: إنها فرضت في التاسعة. فيقول: هذا غير صحيح؛ لأن الذي كان في التاسعة بعث السُّعاة لأخذ الزكاة من أصحابها، يعنى: أهل المواشي، وأهل الثمار، وأما الوجوب الذي هو على ما هو عليه الآن فإن هذا كان في السنة الثانية من الهجرة، فصار للزكاة ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الوجوب لكن على سبيل الإطلاق، والإنسان ما وجب عليه شيء معين.
والثانية: الوجوب بهذا التقدير والتعيين الموجود الآن لكن بدون أن يبعث الناس لقبضها من أصحابها، وهذا كان في السَّنة الثانية من الهجرة.
والثالثة: أن الرسول ﷺ صار يرسل السُّعاة لقبضها من أهلها، وهذا كان في السَّنة التاسعة من الهجرة.
حكم الزكاة:
وأما حكمها فهي فريضة بالنصِّ والإجماع، أما النص فما ذكره المؤلف في حديث ابن عباس-وسيأتي إن شاء الله-، وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض، وقالوا من جحد فرضيتها ومثله لا يجهله فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، أما إذا كان مثله يجهله- كما لو كان حديث عهد بإسلام ولا يدري عن فرائض الإسلام شيئًا- فإن أصرَّ بعد التعليم صار بذلك كافرًا، هذا من جحد وجوبها، أما من أقرَّ بوجوبها ولكنه لم يؤدها كسلًا وتهاونًا ففيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يكفر؛ لأنها ركن من أركان الإسلام، بل لأن الله قال: ﴿وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكوة﴾، فجعلهم الله تعالى مشركين بذلك، وهذا القول إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵀ أن تارك الزكاة كسلًا
стр. 1214
وتهاونًا يكون كافرًا مرتدًّا وعلى هذا فيلحق بتارك الصلاة، ولكن جمهور أهل العلم على أنه لا يكفر بذلك، ولكنه قد ارتكب إثمًا عظيمًا أشد من الكبائر، ودليل هؤلاء حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ذكر عقوبة من لم يؤد الزكاة، ثم قال: "فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"، ومعلوم أن من يمكن أن يكون له سبيل إلى الجنة فإنه لا يكون كافرًا؛ لأن الكافر لا يمكن أن يكون له سبيل إلى الجنة
مسألة: هل تُؤخذ الزكاة قهرًا ؟
بحث ثانٍ: هل إذا تركها تهاونًا تؤخذ منه قهرًا أو لا؟ الجواب: تؤخذ قهرًا، وفي هذه الحال هل تبرأ بها ذمته أو لا تبرأ؟ إن أداها لله برئت ذمته، وإن كان مكرهًا- وإن أداها لدفع الإكراه فقط وقال: هذه جزية- فإنها عند الله لا تبرأ ذمته ولا يُعد مخرجًا لها عند الله؛ لأنه ما أخرجها لله ولا امتثالًا لأمره.
وهل مع إجباره وقهره على الزكاة هل يعاقب بذلك؟ اختلف فيه أهل العلم؛ فمنهم من قال: العقوبة أن يُلزم بدفعها فقط، وقال آخرون: بل يعاقب بأن يؤخذ من الزكاة شطر ماله، واستدلوا بحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال فيمن لم يؤدها: "فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا". فقال: "آخذوها وشطر ماله" هل هذا شطر ماله كله- والشطر بمعنى: النصف- أو شطر ماله الذي منع زكاته؟ فيه خلاف أيضًا، وهذا الخلاف يحتمله اللفظ، فنرد ذلك إلى اجتهاد الحاكم، إذا رأى أن يؤخذ شطر المال كله أخذه، وإن رأى ألا يؤخذ إلا شطر المال الذي منع زكاته فليفعل؛ لأن هذا من باب التعزير فيرجع فيه إلى الإمام.
٥٧١ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: "أن النَّبيَّ ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن ... " فذكر الحديث وفيه: "إنَّ الله قد افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فتردَّ في فقرائهم". متفقٌ عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
قوله: "بعث معاذ بن جبل إلى اليمن"، أي: أرسله، وكان ذلك في ربيع الأول سنة عشرٍ من الهجرة، أي: قبل موت الرسول ﷺ بسنة، بعثه إلى اليمن داعيًا ومعلِّمًا وحاكمًا، بعثه يدعوهم إلى الله ويعلمهم ويحكم بينهم، والحكم هنا القضاء.
"فذكر الحديث"، يعني: ذكر ابن عباس الحديث بطوله، وفيه أن أول ما يدعوهم إليه شهادة
стр. 1215
أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن أجابوا أعلمهم بأن الله أفترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أجابوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، فيه أنه قال له: "فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم"، فـ"افترض" بمعنى: أوجب، وأصل الفرض في اللغة: الحزم والقطع، ومنه سمِّي الحكم الحتمي فرضًا؛ لأنه مقطوع به لا يمكن أن يتخلف.
وقوله: "صدقة في أموالهم"، "صدقة" أي: زكاة لا صدقة تطوع؛ لأنه قال: "افترض"، والفرض يكون تطوعًا، وسمِّي بذلك المال صدقة؛ لأنه دليل على صدق إيمان بأذله كيف ذلك؟ لأننا نعلم أن المال محبوب إلى النفوس، والنفوس لا يمكن أن يهون عليها بذل المحبوب إلا برجاء محبوب أعظم، وكون الدافع يفعل ذلك برجاء محبوب أعظم يدل على تصديقه بثواب هذه الصدقة، فلهذا سمِّي بذل المال صدقة.
وقوله: "تُؤخذ من أغنيائهم" "تؤخذ" هنا مبني للمجهول، فمن الآخذ؟ الآخذ: الإمام أو نائبه وهو الساعي.
وقوله: "من أغنيائهم"، "أغنياء" جمع غني، والغني: هو الذي عنده ما يستغني به عن غيره، هذا في الأصل، ولكن يختلف الغني باختلاف الأبواب، فعندما نقول الغني في باب أهل الزكاة يكون المراد بالغني: مَن عنده قوت نفسه وأهله لمدة سنة، وعندما قول: الغني في زكاة الفطر نقول: الغني من عنده زائد عن قوت يومه وليلته يوم العيد، وعندما نقول: الغني في باب النفقات نقول: هو من عنده ما يستطيع إنفاقه على من له إنفاق النفقة عليه، وعندما نقول: في باب الزكاة هنا نقول: الغني هو الذي يملك نصابًا زكويًّا، فهنا قوله: "من أغنيائهم" يعني: من يملكون نصابًا زكويًّا.
فإن قلت: ما هو الدليل على ذلك، أفلا تكون هذه الكلمة من الكلمات التي مرجعها العُرف؟
فالجواب: أننا لا نرد الكلمات إلى العرف إلا حيث لا يكون لها حقيقة شرعية، فإن كان لها حقيقة شرعية فالواجب الرجوع إلى الشرع كما قيل:
وَكُلُّ مَا أَتى وَلَمْ يُحَدَّد ... بالشّرع كالحرز فبالعرف احدد
أمَّا هنا فقد حدِّد بالشرع، قال النبي ﷺ : "في الإبل في كل خمس شاة"، إذن عرفنا الآن أن صاحب الإبل متى يكون غنيًّا؟ إذا ملك خمسًا، وقال الرسول ﷺ في الفضة: "ليس فيما دون
стр. 1216
خمس أواقٍ صدقة"، إذن فالذي يملك خمس أواقٍ يكون غنيًّا، وفي الذهب: "عشرون دينارًا" فمن يملك عشرين دينارًا يكون غنيًّا، وهكذا الحبوب والثمار، "ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة"، فمن يملك خمسة أوسق فهو غني، فهذا الذي أوجب لنا أن نخرج كلمة "غني" عن مدلولها العُرفي إلى المدلول الشرعي، لماذا؟ لأنه وُجد لها مدلول شرعي محدد من قبل الشرع فلا يمكن أن نتعداه.
وقوله: "تُؤخذ من أغنيائهم"، الإضافة هنا هل هي إضافة للجنس أو إضافة للقوم، يعني: هل المراد: أن تؤخذ من أغنيائهم المسلمين عمومًا، أو من أغنياء أهل اليمن فقط؟ الظاهر أنها عمومًا، يعني: تُؤخذ من أغنياء الناس كلهم، وبناء على ذلك "فتردُّ في فقرائهم"، "فترد" أي: الصدقة، أي: ترجع في فقرائهم، وقوله: "في فقرائهم" دون "إلى فقرائهم"؛ لأن "رد" في الغالب تتعدي بـ "إلى"، لكن "في" أبلغ في الوصول؛ لأن مدخولها يكون ظرفًا لما قبله، فهي أبلغ من كلمة "إلى".
وقوله: "في فقرائهم" من الفقير؟ هل نقول: إن الفقير من كان فقيرًا عند الناس أو لا؟ يرى بعض أهل العلم أن الفقير ما سُمِّي فقيرًا عند الناس، وبناء على هذا فإن الفقر يكون أمرًا نسبيًّا. وقال بعضهم: إن الفقير هو الذي لا يجد ما يكفيه وعائلته لمدة سنة، وقدِّروها بالسَّنة، قالوا: لأن الزكاة تجب على رأس الحول، فإذا أعطينا الفقراء ما يكفيهم لهذه السَّنة لأنهم في انتظار زكاة العام الثاني فقيدوا الفقر بأن الفقير هو الذي لا يجد نفقته وعائلته لمدة سنة.
لو قال قائل: لماذا لا تجعلون الفقير هو الذي لا يملك نصابًا زكويًّا؛ لأن ظاهر الحديث التقابل، فما دمتم قلتم: إن الغني هو الذي يملك نصابًا زكويًّا، فإن الفقير هو الذي لا يملك نصابًا زكويًّا، وبذلك يكون من عنده خمسً من الإبل فإنه لا يُعطى من الزكاة؛ لأنه ليس بفقيرٍ، ومن عنده أربعون شاةً لا يُعطى من الزكاة؛ لأنه ليس بفقيرٍ، ومن عنده خمس أواقٍ لا يعطى من الزكاة؛ لأنه ليس بفقيرٍ، لو قال قائل هنا واستدلَّ علينا بالمقابلة، بأن قال مثلًا: إن مفهوم القول بأنها تؤخذ من غني وتُردُّ إلى فقير يقتضي التقابل، فيقال- بناء عليه-: إن الفقير هو ضد الغني، والغني قلتم: إنه من يملك نصابًا زكويًّا، فيكون الفقير من لا يملك، فبما نردُّ على هذا؟
نقول: هذا لا شك أنه إيراد قوي؛ لأن الأصل في الكلام إذا ذكر الشيء ومقابله أن يكون مقابله ضده في المعنى، ولكنا نقول: نحن إذا علمنا أن مقصود الشارع دفع حاجة المعطي صار تقيده بأن الفقير من لا يملك نصابًا زكويًّا غير وافٍ بالمقصود؛ لأن الرجل قد يكون عنده عائلة كبيرة وخمس من الإبل لا تكفيه ولا لمدة شهرين فيكون محتاجًا إلى الزكاة، فما دمنا قد علمنا العلة-وهي أن المقصود بذلك سد حاجة الفقير- فليكن ذلك محققًا.
стр. 1217
وقيدناه بالسَّنة لما أشرنا إليه من قبل أن الزكاة حولية وإلا فقد يقول قائل: أعطوا الفقير حتى يكون غنيًّا مكتفيًا، ولكن لو قال قائل هذا القول، قلنا: وما حد الاكتفاء؛ لأنه قال: أعطوه حتى يكون غنيًّا؟ يكون اللي عنده يكفيه حتى الموت، هذا لا يمكن؛ لأن مثل ذلك لا يُعلم إذا مات عن قرب صار كل شيء يكفيه، وإن عُمِّر فهذا يحتاج إلى آلاف الألوف فهذا لا يمكن تقديره؛ نعم لو قال قائل: أعطوا الفقير حتى تهيئوا له ما يمكن أن يعيش فيه. لكان لهذا القول وجه، ولكن متى يكون ذلك؟ إذا لم نجل هناك حاجة شديدة؛ يعني: لو فرض أن المستوى العام للشعب مستوى جيد، وأردنا أن نؤمِّن مثلًا عمارة لهذا الفقير تكفيه من الزكاة فهذا جائز، أما إذا أمّنا لهذا الفقير عمارة من الزكاة بمائة ألف حرمنا عشرات الفقراء فلا، لكن لو فرضنا أن الشعب متكامل؛ يعني: أنه طيب الاقتصاد فهذا وجه قوي؛ أي: أن يشترى للفقير شيء يكفي نفقته على الاستمرار مثل سيارات يؤجرها أو عقارات حتى يكون غير مُحتاج.
وقوله: "تُؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم"، الإضافة هنا إضافة جنس أو إضافة قوم؟ فيه خلاف هو كالأول جنس هذا صحيح، لكن مع ذلك اختلف العلماء في هذه المسألة، فقال بعضهم: "إلى فقرائهم" أي: فقراء قومهم بمعنى أن زكاة أهل اليمن لأهل اليمن لا تخرج إلا إذا لم يوجد مستحق فتخرج، لكن ما دام يوجد مُستحق فإنها لا تُصرف إلى غيرهم، يعني يُقال: "من أغنيائهم فترد في فقرائهم"، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإضافة هنا للجنس، أي: في فقراء المسلمين، وعلى هذا القول فيجوز أن ننقل الزكاة من البلد إلى بلد آخر، وسيأتي- إن شاء الله- في الفوائد.
هذا الحديث صدَّر به المؤلف كتاب الزكاة؛ لأن فيه التصريح بأن الزكاة فرض.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد؛ منها: مشروعية بعث الدُّعاة إلى الله لقوله: "بعث معاذًا إلى اليمن"، وهل بعث الدُّعاة واجب؟ الجواب: نعم واجب كفائي؛ لأن على المسلمين واجب تبليغ الإسلام، فيكون بذلك من باب فرض الكفاية، فيجب على ولاة المسلمين أن يبعثوا الدَّعاة إلى البلاد لبثِّ الإسلام.
ثانيًا: حرص النبي ﷺ على انتشار الإسلام، يُؤخذ من بعثة الدُّعاة. ويستفاد من الحديث من الألفاظ التي حذفها المؤلف: أنه ينبغي الترتيب في الدعوة فيبدأ بالأهم فالأهم، حتى إذا اطمأن الإنسان ورضي والتزم ينتقل إلى الثاني، وهذا يؤخذ من قوله: "فإن هم أطاعوك لذلك".
ويستفاد منه: أن الصلاة أوكد من الزكاة؛ لأن الرسول ﷺ لم يأمره بإعلامهم بفرضية الزكاة إلا إذا قبلوا فرض الصلاة.
стр. 1218
ومنها: أنه لا يجب على الإنسان في اليوم والليلة أكثر من خمس صلوات، ويتفرع على هذه الفائدة أن الوتر ليس بواجب؛ لأن الوتر يومي، ولو كان واجبًا لكان المفروض في اليوم والليلة ست صلوات، أما ما يجب لسبب فإنه لا يمكن أن يستدل بهذا الحديث وأمثاله على انتفاء وجوبه؛ لأن ما يجب بسبب ليس دائرًا بدوران الأيام مثل صلاة الجنازة والكسوف وركعتي الطواف وتحية المسجد وصلاة العيد؛ لأن هذه واجبة بأسباب تحدث، فإيجابها طارئ بخلاف الصلوات اليومية.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة فرض، نذكر أولًا: لماذا لم يذكر المؤلف الصوم والحج؟ إن قلت: إنهما لم يفرضا، فالجواب: خطأ؛ لأن الصوم فرض في السَّنة الثانية، والحج فرض في السنة التاسعة، وبعث معاذ في السنة العاشرة، إذن ما هو الجواب؟ الجواب أن يقال: إن المسألة مسألة دعوة يدعون إلى الأهم فالأهم، وهو قد بعث إليهم في ربيع الأول بقي على الصوم خمسة شهور، فإذا استقر الإيمان في نفوسهم فإنهم حينئذٍ يؤمرون بالصوم، أي: أن الصوم لم تدع الحاجة إلى الدعوة إليه في ذلك الوقت، وكذلك نقول في الحج؛ لأن الحج باقٍ عليه ثمانية شهور، وهكذا نقول: إن الحكمة في عدم ذكرهما هو أن الوقت لم يحن بعد، فالدعوة إليهما غير مُلحة.
وفي الحديث أيضًا من الفوائد: أن الزكاة فرض لقوله: "افترض"، وأن المرجع في فرض الأشياء إلى الله لقوله: "إن الله افترض".
وفيه أيضًا: إطلاق الصدقة على الزكاة خلافًا للعرف، وهذه الفائدة تؤخذ من قوله: "افترض عليهم صدقة"، وكذلك يدل على هذا قوله تعالى: ﴿* إنما الصدقات ... ﴾ الآية.
ومن فوائد الحديث: أن الزكاة واجبة في المال لقوله: "في أموالهم".
مسألة: هل يمنع الدَّين وجوب الزكاة ؟
ويتفرع على هذه الفائدة أن الدَّين لا يمنع وجوب الزكاة مطلقًا، مثال ذلك: رجل عنده ألف درهم وعليه دين مقداره ألف درهم، فهل نقول: إن المال الذي بيده- وهو ألف درهم- لا زكاة عليه لأنه مدين بمثله؟ هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، لكن هذا الحديث يدل على أن الزكاة تجب عليه، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الزكاة في المال، والدَّين الذي يجب على الإنسان واجب في ذمته وليس في ماله، ولهذا لو تلف ماله فهل يسقط دينه؟ لا يسقط؛ لأنه في ذمته، فالدَّين في الذمة والزكاة في المال، ويشهد لهذا الحديث ويؤيده قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]. والآية عامة، وقوله: ﴿والذين في أموالهم حقٌ معلومٌ﴾ [المعارج: ٢٤].
стр. 1219
• وللعلماء في هذه المسألة- وهي مهمة ينبغي للإنسان أن يعرفها- ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا زكاة لمن عليه دين يُنقص النصاب؛ سواء كانت الزكاة واجبة في أموال ظاهرة أم في أموال باطنة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة- ﵏.
والقول الثاني: أن الزكاة واجبة في المال؛ سواء كان ظاهرًا أم باطنًا، ولو كان على صاحبه دين، وهذا القول هو القول الراجح الذي تؤيده الأدلة.
والقول الثالث: التفصيل؛ فإن كانت الزكاة واجبة في أموال ظاهرة لم يمنعها الدَّين، وإن كانت واجبة في أموال باطنة فالدَّين مانع لها، لكن ما هي الأموال الظاهرة والباطنة؟ الأموال الظاهرة هي التي تظهر ولا تُحاز في الصناديق مثل بهيمة الأنعام والحبوب والثمار، هذه تُسمى عند أهل العلم الأموال الظاهرة؛ لأنها ظاهرة للناس، كلٌّ يراها، فما حجة هذه الأقوال؟
أما الذين قالوا: إن الدَّين يمنع وجوب الزكاة مطلقًا، فقالوا: لأن الزكاة إنما تجب للمواساة، والذي عليه الدَّين ليس أهلًا للمواساة؛ لأنه هو نفسه يحتاج إلى من يواسيه، وعلى هذا فلا تجب عليه الزكاة، هذا هو تعليلهم مع أنهم يستدلون بآثار.
أما الذين قالوا: إنها لا تمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة، فقالوا: إن النبي ﷺ كان يبعث السعاة لقبض الزكاة من الأموال الظاهرة ولم يكن يأمرهم أن يستفصلوا: هل عليكم دين أم لا؟ مع أن أصحاب الأموال الظاهرة- ولا سيما أصحاب الثمار- في الغالب أنهم مدينون، ولذلك كان السَّلم في عهد الرسول ﷺ موجودًا، كانوا يسلفون بالثمار السَّنة والسنتين، وهذا يدل على أنهم يحتاجون للدراهم، فلما لم يأمرهم النبي صل الله عليه وسلم أن يستفصلوا دل هذا على أن الدَّين لا يمنع وجوب الزكاة، ولأن هذه أموال ظاهرة تتعلق بها أطماع الفقراء ويعرفونها، وإذا لم يوجب عليه الزكاة فإن ذلك قد يؤدي إلى فتنة، فإن الفقراء ربما يثورون على الأغنياء ويبدءون بالسرقة من هذه الأموال الظاهرة. هذا هو تعليل من فرق بين هذا وهذا.
وأما الأموال الباطنة فقالوا: إن الرسول ﷺ لم يكن يبعث الناس لأخذها، وأيضًا ليست ظاهرة للفقراء بحيث لو لم تؤد زكاتها.
وأما الذين قالوا بوجوب الزكاة على من عليه دين فقالوا: إن لدينا نصوصًا عامة لم تفرق بين الأموال، وأما قولكم: إن الزكاة وجبت مواساة فنقول: نعم، نحن نوجب على هذا أن يزكي ونواسيهم في إعطائهم من الزكاة، فإذا كان عليه ألف درهم وبيده ألف درهم، قلنا: أخرج زكاة الدراهم خمسًا وعشرين، ونحن نعطيك من زكاتنا خمسًا وعشرين لتوفي ما عليك، وحينئذٍ هل
стр. 1220
آتاه نقص؟ لا، فإن قلت: ما الفائدة من كونه يُخرج خمسة وعشرين ونحن نعطيه خمسة وعشرين يكمِّل بها الذي عليه؟ قلنا: الفائدة ليشعر أنه متعبد لله بإخراج الزكاة؛ ولأن هذا أحوط له وأبرأ لذمته، فعلى هذا يكون القول الراجح أنها- الزكاة- تجب في المال ولو كان صاحبه مدينًا، نقول له: زكِّ مالك ونحن نعطيك ما توفي به دينك.
وأما التعليل بأن الزكاة وجبت مواساة والمدين لا يتحملها؛ فإن التعليل في مقابلة النص عليل أو ميت مطروح، ثم نقول لهم: من الذي قال لكم إن الزكاة وجبت مواساة؟ أليست تصرف في الجهاد في سبيل الله؟ نعم، وهذا ليس بمواساة، تُصرف في الغارم في إصلاح ذات البين ولو كان غنيًّا، تُصرف لابن سبيل لكن الغالب أنه محتاج، لكن من الذي يقول إنها مواساة؟ نحن نتلمس علة ثم مع ذلك نبطل بها عموم النص! ! هذا لا يستقيم.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: جواز أخذ الولي الزكاة من الأغنياء.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الزكاة في فقراء البلد لقوله: "فترد في فقرائهم"، وهذا مبني على أن الضمير "في فقرائهم" يعود إلى أهل اليمن، أما إذا قلنا: تعود إلى فقراء المسلمين وأن الإضافة جنسية فليس فيه دليل، ومن ثم اختلف العلماء في ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد؛ لقوله: "في فقرائهم"، والفقراء هم أحد الأصناف الثمانية الذين قال الله فيهم: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠]. فيكون في هذا الحديث رد لقول من يقول: إنه لا بد أن تُصرف الزكاة على الأصناف الثمانية كلها وألا يقل العدد في كل صنف عن ثلاثة، وعلى هذا اضرب ثلاثة في ثمانية يساوي أربعة وعشرين، فلو كان عندك ألف ريال فزكاته خمس وعشرون ريالًا، تعطي الفقراء الثلاثة على ريال، وتعطي المساكين على ريال، وتعطي العاملين عليها على ريال، وتعطي المجاهدين في سبيل الله على ريال، ثلاثة من المجاهدين، وعلى هذا فقس، والصحيح أنه يجوز أن تُصرف الزكاة إلى صنف واحد، وأن المراد بالآية بيان المستحقين لا وجوب التوزيع على الجميع.
فيه أيضًا من الفوائد: دليل على بعث الدُعاة إلى الله ، وذكرت من قبل، وهل هو على سبيل الوجوب؟ نعم ولكنه وجوب كفائي، إنما يجب على ولاة أمور المسلمين أن يبعثوا الدُّعاة إلى دين الإسلام، لا يقولوا: من جاءنا دعوناه، يجب أن يبثوا الدعوة الإسلامية، وإذا نظرنا إلى حالنا نحن المسلمين اليوم وجدنا أن عندنا تقصيرًا عظيمًا، وأن النصارى- على باطلهم- أقوى في الدعوة إلى الضلال وإلى دين منسوخ محرف، ومع ذلك يبذلون النفس والنفيس في تنصير الناس، يذهبون يقطعون الفيافي والمخاطر والمفاوز لأجل الدعوة إلى هذا
стр. 1221
الدين الذي هم عليه، ويبذلون أموالهم الكثيرة في بناء المستشفيات والمدارس وتحصيل الكسوة والنفقة، مع أن الواجب في هذا الأمر أن يقوم به المسلمون! ! ودين الإسلام دين الفطرة، أي إنسان تعرض عليه دين الإسلام عرضًا صحيحًا سليمًا فإنه سوف يقبل، قال الله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠]. ومعلوم أن ما يوافق الفطرة فهو مقبول، ولذلك الإنسان يقبل أن يهرب من عدوه وأن يُقبل على صديقه، وهذا أمر فطري لا يحتاج إلى درس ولا تعلُّم.
زكاة بهيمة الأنعام:
٥٧٢ - وعن أنسٍ ﵁ أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ كتب له: "هذه فريضة الصَّدقة الَّتي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والَّتي أمر الله بها رسوله: في كلِّ أربعٍ وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كلِّ خمسٍ شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاضٍ أنثى، فإن لم تكن فابن لبونٍ ذكر، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين ففيها بنت لبونٍ أنثى، فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستِّين ففيها حقَّةٌ طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدةً وستِّين إلى خمسٍ وسبعين ففيها جذعةٌ، فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبونٍ، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائةٍ ففيها حقَّتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائةٍ ففي كلِّ أربعين بنت لبونٍ، وفي كلِّ خمسين حقَّةٌ، ومن لم يكن معه إلا أربعٌ من الإبل فليس فيها صدقةٌ إلا أن يشاء ربُّها.
وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومائةٍ إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائةٍ ففيها ثلاث شياه فإذا زادت على ثلاثمائةٍ ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ، فإذا كانت سائمة الرَّجل ناقصةً عن أربعين شاةٍ شاةً واحدةً فليس فيها صدقةٌ، إلا أن يشاء ربُّها.
ولا يجمع بين متفرِّقٍ ولا يفرَّق بين مجتمعٍ خشية الصَّدقة، وما كان من خليطين فإنَّهما يتراجعان بينهما بالسَّوية، ولا يخرج في الصَّدقةً هرمةٌ ولا ذات عوارٍ ولا تيسٌ إلا أن يشاء المصَّدِّق، وفي الرِّقة في مائتي درهمٍ ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائةً فليس فيها صدقةٌ إلا أن يشاء ربُّها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعةٌ وعنده حقَّةٌ، فإنَّها تقبل منه الحقَّة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا، ومن
стр. 1222
بلغت عنده صدقة الحقَّة وليست عنده الحقَّة وعنده الجذعة، فإنَّها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصَّدِّق عشرين درهمًا أو شاتين". رَوَاهُ البخاريُّ.
"أبو بكر الصديق" هو الخليفة الأول لرسول الله ﷺ ، وكان ﵁ يبعث الناس إلى أخذ الزكاة، فبعث أنس بن مالك إلى البحرين وهي منطقة معروفة وليست هي الجزيرة المشهورة، بل إنَّ هذه الأحياء وما جاورها كلها تسمى البحرين، وقاعدتها هجر، وهي كثيرة التمر ولهذا يضرب بها المثل، فبعثه ﵁ وكتب له هذا الكتاب: "هذه فريضة الصدقة" هذه المشار إليه ما كتب.
وقوله: "فريضة الصدقة" أي: مفروضتها التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، وهذا يدل على أن الحديث مرفوع؛ لأنه قال: "فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين".
وقوله: "والتي أمر الله بها رسوله" فيه: أن هذه الفريضة بأمر الله ، ولهذا قال: "والتي أمر الله بها رسوله"، و"الواو" هنا عطف، وهو من باب عطف الصفات؛ لأن الشيء واحد هنا لكن هو مفروض بفرض الرسول ومأمور به بأمر الله، وعطف الصفات يقع كثيرًا، والأصل في العطف أن يكون عطف أعيان، ولكنه إذا عُلم أن الأعيان لن تتعدد حُمل على أنه عطف صفات، فإذا قلت ما تقول في قوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]: عطف صفات، ما الدليل على أنه ليس عطف أعيان؟ فالجواب أن نقول: لأن الله واحد، الموصوف واحد، فيكون هذا العطف عطف صفات لا عطف أعيان، يقول: "والتي أمر الله بها رسوله"، رسوله ﷺ محمدًا مأمور فهو ليس مستقلًّا بالأمر، بل الله هو الذي يأمره.
يقول: "في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم"، "في كل" جار ومجرور خبر مقدم، و"الغنم" مبتدأ مؤخر؛ يعني: الغنم في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها فيها الغنم، يعني: وليس فيها إبل، فأربع وعشرون من الإبل لا يمكن أن تجب فيها صدقة من الإبل، لماذا؟ لأنها لا تتحمل أن يدفع منها شيء من الإبل فجعل فيها الغنم.
"في أربع وعشرين فما دونها الغنم" لكن كيف توزع؟ قال: "في كل خمس شاة"، الخمس الأولى شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي أربع وعشرين أربع شياه، إذن ما بين الفرضين تابع لما قبله، فالست والسبع والثمان والتسع تابعة للخمس يكون فيها شاة، وإحدى عشرة، واثنتا عشرة، وثلاث عشرة، وأربع عشرة تابعة للعشر ففيها شاتان، وست عشرة، وسبع عشرة، وثماني عشرة، وتسع عشرة، تابعة للخمس
стр. 1223
عشرة ففيها ثلاث شياه، وإحدى وعشرون، واثنتان وعشرون، وثلاث وعشرون، وأربع وعشرون تابعة للعشرين ففيها أربع شياه، لكن ما نوع هذه الشاة؟ هذه الشاة تكون من جنس الإبل، إن كانت طيبة فطيبة، وإن كانت رديئة فرديئة، وإن كانت وسطًا فوسطًا؛ لأن الواجب من جنس ما وجب فيه، ولكن لو فرض أن في الإبل طيب ورديء لا يمكن أن نأخذ من الطيب؛ لأن الرسول ﷺ حذَّر من هذا فقال: "إياك وكرائم أموالهم"؛ إذن "في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى".
كيف قال: "أنثى" مع أنه قال: "بنت"؟ من باب التأكيد، وقوله: "بنت مخاض" معناه: التي أمها ماخض، والماخض هي الحامل أو ما كانت مُتهيئة للحمل. قال العلماء: وهي البكرة التي تم لها سنة، فإذا كان عند الإنسان (٢٥) من الإبل وجب عليه بكرة عمرها سنة، (٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥) كلها فيها بنت مخاض"؛ يعني: بكرة تم لها سنة.
يقول: "فإن لم تكن فابن لبون ذكره"، "تكن" هنا تامة وليست ناقصة؛ أي: فإن لم توجد، لو قلت لي: لماذا لا تجعلها ناقصة والخبر محذوف، والتقدير: فإن لم تكن موجودة؟ نقول: هذا ممكن من حيث الإعراب لكن لا حاجة أن نقدر أنها موجودة، مع أن "تكن" جاءت في اللغة العربية بمعنى "توجد"، يعني: جاءت تامِّة لا تحتاج إلى خبر، وإذا صار الأمرين الحذف وعدم الحذف في الكلام، فعدم الحذف أولى، فحينئذٍ نقول: "تكن" هنا تامة. بمعنى: توجد.
يقول: "فابن لبون ذكر"، وهو جمل تمّ له سنتان، وسُمي ابن لبون؛ لأن الغالب أن أمه قد وضعت وصارت ذات لبون. وقوله: "ذكر" توكيد.
يقول: "فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين ففيها بنت لبون أنثى" يعني: بكرة تم لها سنتان، لماذا نقول في (٣٦) ابن لبون ذكر له سنتان، وهنا نقول: بنت لبون لها سنتان؟ نقول: لأن الأول فيه نقص وهو الذكورة والذكورة، في الحيوان كمال أو نقص؟ نقص ابن لبون بمكان بنت مخاض بينهم سنة لكن لنقصه عنها جُبر بسنة.
يقول: فإذا بلغت سنًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل"، من (٤٦) إلى (٦٠) فيها حقة طروقة الجمل، حقة بالكسر، ويقال في الذكر: "حق" وهو اللي تمَّ له ثلاث سنوات، وسمِّي بذلك "حق، وحقة" لأنها استحقت أن ترحل ويحمل عليها، وبالنسبة للأنثى أنها استحقت أن تتحمل الجمل، ولهذا قال: "طروقة الجمل" فعولة، بمعنى: مفعولة، أي: يطرقها الجمل لو أرادها، وما دون ذلك فهي صغيرة لا تتحمل الجمل، فمن (٤٦) إلى (٦٠) فيها حقة وهي بكرة تم لها ثلاث سنوات.
стр. 1224
قال: "فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة" كم بينهما؟ (١٤)، والجذعة هي البكرة التي تمَّ لها أربع سنين.
قال: "إذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون" اثنتان تم لكل واحدة منها سنتان، والوقص أربع عشرة أيضًا.
"فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل"، كم الوقص؟ تسع وعشرون.
"طروقتا الجمل" أصلها طروقتان، لكن حذفت النون لأجل الإضافة، إذن بنت المخاض لم تتكرر، وبنت اللبون تكررت، والحقاق تكررت، والجذعات لم تتكرر؛ فصار الذي تكرر من هذه السن الوسط وهو "بنت اللبون والحقاق" يعني: لا توجد فريضة فيها بنتا مخاض، ولا توجد فريضة فيها جذعتان، قال: "فإذا زادت على عشرين ومائة" يعني: صارت (١٢١)، "ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة"، يعني: من (١٢١) تستقر الفريضة في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
إذن ففيها بنتا لبون وحقة، في أربعين ومائة فيها حقتان وبنت لبون، وفي خمسين ومائة ثلاث حقاق، في ستين ومائة أربع بنات لبون، في سبعين ومائة حقة وثلاث بنات لبون، في ثمانين ومائة حقتان وبنتا لبون، في تسعين ومائة ثلاث حقاق وبنت لبون، في مائتين أربع حقاق أو خمس بنات لبون يخير الإنسان في هذه الحال، إذن على هذا فقس إذا زادت عشرين ومائة واحدة استقرت الفريضة في كل أربعين بنت لبون في كل خمسين حقة، ومتى بقي معك عشر فأكثر فاعلم أنك أخطأت في التقدير؛ لأنه لا يمكن أن يبقى معك عشر فأكثر أبدًا، يمكن أن يبقى خمس مثل (١٢٥) كم فيها؟ ثلاث بنات لبون بقي خمس ما يضر، لكن متى وزعت فبقي معك عشر فاعلم أن التوزيع خطًا، لو قلنا: في ثلاثين ومائة ثلاث بنات لبون لا يصح، لأنه بقي عشر، لو قلنا: في ستين ومائة ثلاث حقاق ما صحَّ؛ لأن الباقي عشر فتعيد النظر.
قال: "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون"، كلمة "على عشرين ومائة".
فائدة لغوية:
لاحظوا أننا نقول: مائة وعشرين وهي خطًا، قراءتنا مائة وعشرين موافقة للغة الإنجليزية تمامًا، لماذا؟ لأنها تبدأ من اليسار، والمائة يسار العشرين، فالصواب أن نقول عشرون ومائة.
يقول: "ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة" لماذا؟ لأنها لم تبلغ النصاب؛ لأن أقل النصاب خمس من الإبل، وهذا ما لم يكن أعدها للتجارة، فإن كان قد أعدها للتجارة فالواحدة يمكن يصير فيها شيء، بل المعتبر فيما أعد للتجارة القيمة.
стр. 1225
أما هنا اتخذها للتنمية؛ إنسان ينمي الإبل يتخذها للدر والنسل، ولا يضره إذا باع منها ما يزيد على حاجته أو إذا باع الأولاد، لكن إذا كان المقصود التنمية فهذه أقل نصابها "خمس من الإيل"، ولهذا قال: "فإن لم يكن".
وقوله: "إلا أن يشاء ربها": الاستثناء هنا منقطع؛ وذلك لأن الواجب لا يحال على المشيئة أو لا يخير فيه الإنسان، ولو جعلناه استثناء متصلًا لكان المعنى: فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها ففيها صدقة، والأمر ليس كذلك؛ لأن الواجب لا يُخيَّر فيه الإنسان ولا يُرد في أمره إلى مشيئته، فالاستثناء إذن منقطع، يعني: لكن إن شاء ربُّها أن يتصدق بشيء فلا مانع، يعني: الذي عنده أربع من الإبل لو أراد أحد أن يتصدق عنها بشاة من الغنم فلا حرج؛ لأن الصدقة خير وبابها مفتوح، وأما أن نقول: هذا واجب عليك فليس كذلك.
"وفي صدقة الغنم في سائمتها ... إلخ"، "صدقة" أي: زكاة، و"الغنم" يشمل الضأن والمعز، والفرق بين الضأن والمعز واضح، التي لها ذيل مرتفع يسمى الماعز، يقول: "في سائمتها" يسميها النحويون بدل اشتمال بإعادة العامل فكأنه قال: وفي سائمة الغنم، في الإبل أظنه ما قال: "في سائمتها"، ولكنه سيأتينا- إن شاء الله- في حديث بهز بن حكيم ذكر ذلك في كل سائمة إبل، وعلى هذا فلا بد من السَّوم في الغنم والإبل أيضًا.
أما الغنم فكما تشاهدون، وأما الإبل فلحديث بهز بن حكيم وللقياس الجلي، فإنه إذا كانت الغنم يشترط فيها السائمة ففي الإبل من باب أولى؛ لأن الإبل أشد مؤونة وأكثر وأعظم، ما معنى السَّوم؟ قال الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل من السماء ماءً لكم منه شرابٌ ومنه شجرٌ فيه تسيمون﴾ [النحل: ١٠]. يعني: ترعون؛ فالسَّوم بمعنى: الرعي، وهي التي ترعى ولا تُعلف، كم ترعى السائمة، هل السنة كاملة؟ هذا يكون نادرًا في الغالب؛ لأن في أيام غير الربيع قد تحتاج المواشي إلى إعلاف؛ ولهذا قال العلماء: السائمة هنا هي التي ترعى الحول كله أو أكثره، فجعلوا الأكثر له حكم الكل، أما إذا كانت ترعى نصف الدهر وتُعلف تصف الدهر فليس فيها شيء، وإذا كانت ترعى أقل الدهر وتعلف أكثره فليس فيها شيء، وإذا كانت تعلف كل الدهر فليس فيها شيء، فكم الأقسام؟ نعدها تُعلف كل الدهر هذا واحد، تعلف بعض الدهر هذا الثاني، تُعلف نصف الدهر هذه ثلاثة، تسوم أكثر الدهر أربعة، تسوم كل الدهر خمسة، اثنان منها فيه الزكاة وثلاثة لا زكاة فيها، أما التي تُعلف الدهر أو أكثره واضح، يبقى التي تسوم نصف الدهر وتُعلف نصف الدهر هذه اشترك فيها موجب ومانع على السواء قالوا: فيغلب جانب المانع اعتبارًا بالبراءة
стр. 1226
الأصلية؛ لأن الأصل عدم الوجوب وبراءة الدمة ما دمنا ليس عندنا ما يُرجح جانب السَّوم فإن الأصل الوجوب.
أحكام مهمة في السوم:
أما إذا كان السَّوم أكثر الحول أو كل الحول فالوجوب واضح، وإذا كان الإعلاف أكثر الحول أو كل الحول الحكم واضح في عدم وجوب الزكاة، إذا كان الرعي كل الحول أو أكثر الحول فالوجوب واضح، إذا كان الرعي والإعلاف سواء فقد تنازع في الحكم موجب ومانع؛ الموجب السّوم، والمانع عدم السَّوم. قالوا: فيرجّح المانع، لماذا؟ لأن الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب، فلا نلزم المسلمين إلا بشيء ظاهر حتى يتحقق الشرط، ماذا قلنا في إعراب "سائمتها"؟ قلنا: إنها بدل اشتمال لإعادة العامل، وهي خبر مقدم.
قوله: "إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ"؛ "شاة" هذه مبتدأ مؤخر، في أربعين إلى عشرين ومائة شاة، ففي أربعين شاة، وفي خمسين شاة، وفي ستين شاة، وفي ثمانين شاة، وفي مائة شاة، وفي عشر ومائة شاة، وفي عشرين ومائة شاة.
كم الوقص؟ ثمانون، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان.
قوله: "فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاثة شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة". تستقر الفريضة إذن في (٢٠١) ثلاث شياه، ومن (١٢١) إلى (٢٠٠) شاتان الوقص (٨٠)، ومن (٤٠) إلى (١٢٠) شاة الوقص (٨٠)، (٢٠١) إلى (٣٩٩) فيها ثلاث شياه.
إذن من (٢٠١) إلى (٤٠٠) كله ثلاث شياه الوقص (١٩٩)، وذلك لان مثل هذه الامور مرجعها إلى الشرع، ومن أجل ذلك تقول: إننا لا نعلم الحكمة في هذا التفاوت العظيم في هذه الأوقاص.
الوقص الأول والثاني متساويان، والوقص الثالث هذا هو المتباعد، ثم من أربعمائة إلى خمسمائة يكتمل الوقص مائة في كل مائة شاة.
صدقة الغنم صارت أيسر من صدقة الإبل؛ لأن الإبل كبيرة وثمينة فلذلك كثرت أوقاصها وتجزئتها بخلاف الغنم.
قوله: "فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاةٍ شاةً واحدة"، "شاة واحدة" هذه مفعول ناقصة؛ لأن "نقص" تنصب مفعولين، قال الله تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾ [التوبة: ٤]. فنصبت مفعولين إذا كانت ناقصة شاة.
"فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها" "إلا" هنا استثناء منقطع، فإذا كان عند الإنسان (٣٩) من الغنم سائمة فليس عليه زكاة، ولكن إن يتصدق كان ذلك تطوعًا؛ لأن الصدقة إذا أضيفت إلى
стр. 1227
المشيئة صار تطوعًا، إذ إن الواجب لا مشيئة فيه، أظن اتضح الآن صدقة الغنم في أربعين شاة، وفي ثمانين شاة، وفي عشرين ومائة شاة، وفي واحد وعشرين ومائة شاتان، وفي مائتين شاتان، وفي واحد ومائتين ثلاث شياه، وفي واحد وثلاثمائة ثلاث شياه، وفي تسعين وثلاثمائة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه، إذا كانت (٣٩) فليس فيها شيء إلا إذا تصدق الإنسان فلا حرج عليه.
قوله: "ولا يُجمع بين متفرق ولا يُفرق بين مجتمع خشية الصدقة"، هذا الحديث أفادنا أن الاجتماع والافتراق يؤثر في الصدقة، وهذا خاصٌّ في السائمة، يعني: أنه لا يجوز للإنسان أن يجمع بين شيئين من أجل الصدقة، مثال ذلك: رجل عنده مال من الغنم أربعون شاة في الرياض وأربعون شاة في القصيم كم في كل واحد؟ شاة؛ يعني: عليه شاتان، فذهب وجمعهما في مكان واحد كم يصير عليه؟ شاة، إذن جمع بين متفرق خشية الصدقة هذا لا يجوز.
وكذلك لو كان رجلان عند كل واحد منهما أربعون فخلطاهما خشية الصدقة؛ فصار على الجميع شاة واحدة ومع التفريق شاتان. أقول: هذا لا يجوز؛ وذلك لأن التحيل على إسقاط الواجب لا أثر له، فإن التحيل على إسقاط الواجبات لا يُسقطها، إذ لو كان التَّحيل على إسقاط الواجبات مؤثرا لكان كل إنسان يتمكن من إسقاط الواجب عليه بنوع من الحيلة، وكذلك التحيل على المحرمات لا يبيحها، وإلا لكان جائزًا لكل إنسان يستطيع أن يفعل المحرم بنوع من الحيلة، إذن لا يُجمع بين متفرق خشية الصدقة، ولا يُفرق بين مجتمع خشية الصدقة، كيف يُفرق بين مجتمع؟ إنسان عنده أربعون شاة في مكان ماذا عليه؟ شاة واحدة، لكنه أخذ عشرين وأبعدها عن الأخرى، فأصبح كل منهما الآن ليس فيها شيء، ففرق بين المجتمع خشية الصدقة والعلة فيه ظاهرة؛ لأن كل حيلة على إسقاط واجب فلا أثر لها، وكل حيلة على فعل محرم فلا أثر لها، إذا لم يكن للحيلة أثر بقي الواجب على وجوبه والمحرم على تحريمه، بل إن عقوبة المتحايلين على محارم الله أشدُّ من عقوبة الفاعلين لها على سبيل الصراحة؛ ولهذا قلب الله أولئك اليهود الذين تحيلوا على السبت قردة وخنازير- والعياذ بالله-؛ لأن هذا من باب الاستهزاء بالله والاستخفاف به والاستهانة بأحكامه؛ أفليس الله عالمًا بما تريد؟ بلى، هو عالم بما تريد كيف تخادعه، المنافقون أشدُّ إثمّا وعقوبة من الكافرين لماذا؟ لأنهم تحيَّلوا على الله وخادعوه، أظهروا أنهم مسلمون وهم كافرون في الواقع، بخلاف الكافرين فإنهم صرحوا بذلك وهم على كفرهم.
مسألة: الاشتراك والخلطة في الماشية: هذه المسألة خاصة بالمواشي عند جمهور أهل العلم لأنها جاءت في سياقها، وعليه فإننا نستفيد منها أن خلطة الأوصاف تُؤثر في المواشي، بمعنى: أن يتميز ما لكل واحد من المالكين ويشتركا فيما يتعلق بشئون الماشية كما ستوضحه- إن شاء
стр. 1228
الله- الاشتراك في الماشية، بل أقول بعبارة أعم: الماشية إما أن يكون المالك واحدًا، أو اثنين مشتركين فيها على الشيوع، أو أثنين مشتركين فيها شركة أوصاف، فهذه ثلاثة أقسام إذا كان واحدًا فوجوب الزكاة عليه معلوم ظاهر كما لو كان يملك أربعين شاة فعليه زكاتها.
الثاني: إذا كان اشتراك على سبيل الشيوع، بمعنى: أن هذا المال مشترك بين الشخصين أنصافًا؛ يعني: له نصف والثاني له نصف فيه الزكاة؛ لأنه الآن مال مجتمع ففيه الزكاة، وإن كان كل واحد منهما لو انفرد لم تجب عليه الزكاة؛ لأنه لا يملك إلا نصف نصاب.
الثالث: شركة الأوصاف أن يتميز مال كل واحد منهما، ولكن يشتركان في المرعى والمحلب والفحل والمسرح، ففي هذه الحال تجب الزكاة على هذا المال المختلط خلطة أوصاف، وإن كان كل منهما لو نظر إلى نصيبه لم يكن من أهل الزكاة هذا خاصٌّ بالماشية، أما ما عداها فإن كل واحد من المشتركين له حكم نصيبه ولا عبرة فيها بالجمع ولا بالتفريق، ولهذا لو قُدر أن أحدًا من الناس له مثلًا من المال نصف نصاب في هذا البلد ونصف نصاب في البلد الآخر فتجب عليه الزكاة وإن كان متفرقًا، لكن لو كان له نصف نصاب من الماشية هنا ونصف من الماشية في بلد آخر لم يجب عليه؛ لأن الرسول ﷺ لا يجمع بين مُتفرق ولا يفرق بين مُجتمع خشية الصدقة، كذلك لو فرضنا أن رجلًا توفي وترك نصابًا من الذهب وورثه ابناه هل عليهما زكاة؟ لا؛ لأن كل واحد منهما لا يملك إلا تصف نصاب فلا زكاة عليهما، ولو ترك لهما أربعين من الغنم وبقيت طوال الحول لم تقسم فعليهما الزكاة، والسبب هو ما قلت من أن الجمع والتفريق في الماشية مؤثر وفي غيرها لا يؤثر، كل إنسان على حسب ملكه، فصارت الآن الماشية تختص عن غيرها بأمور منها هذه المسألة وهي: أن الجمع والتفريق يؤثران فيها بخلاف غيرها، وذكرنا أن للماشية بالنسبة للانفراد والاشتراك ثلاث حالات: إما أن ينفرد الإنسان بملكها، أو يشاركه غيره شركة مشاعة أو شائعة، أو يشاركه غير شركة أوصاف، والفرق بين شركة الأوصاف وشركة الشيوع: أن شركة الشيوع يشترك فيها الرجلان في هذا المال يكون بينهما، وشركة الأوصاف ينفرد كل واحد منهما بماله لكن يشتركان فيما يختص بالماشية من المرعى والمحلب والمسرح والفحل وما أشبه ذلك، جُمعت في قوله:
إن اشتراك فحل مسرح ومرعى ... ومحلب ومراح خلطة قطعًا
قال: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"، "ما كان" هذه شرطية، "ما" شرطية و"كان" فعل الشرط، و"فإنهما يتراجعان" جواب الشرط، و"من خليطين"، "من" بيان لـ"ما" الشرطية؛ يعني: ما وجد من خليطين، و"خليطين" بمعنى شريكين، "فإنهما يتراجعان
стр. 1229
بينهما بالسوية"، يعني: أن الزكاة تجب عليهما مع الاختلاط ويتراجعان بالسوية، والمراد بالسوية؛ أي: بالقسط وليست السوية سوية الواجب؛ لأن سوية الواجب تختلف، ولكن المراد بالسوية أي: بالقسط بحيث لا يزاد أحدهما عن نصيب حقه، فإذا كان رجلان لهما غنم مختلطة لأحدهما أربعون، وللثاني عشرون، كم الجميع؟ ستون تجب فيها شاة على صاحب الأربعين ثلثا القيمة أو ثلثا الشاة، وعلى الثاني ثلثها. هذا معنى قوله: "فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية".
وفي قوله: "وما كان من خليطين" دليل على ثبوت الخلطة في الماشية، وهي كما قلت: خلطة اشتراك على سبيل الشيوع، وخلطة أوصاف.
ثم قال: "ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المُصدق"، "ولا يخرج في الصدقة" أي: صدقة الإبل أو الغنم؟ الجميع، والإبل سبق لنا أنه يجب فيها شاة فيما دون الخمس وعشرين، ومن الإبل فيما بلغت الخمس والعشرين، وما زاد لا يخرج.
"هرمة": يعني كبيرة السن؛ لأن كبيرة السن قد فسد لحمها وربما وقفت عن الإنتاج ففيها ظلم لأهل الزكاة، فلا يجوز أن يخرج المالك هرمة، ولا يجوز للمصدق أن يقبلها أيضًا.
"ولا ذات عوار": أي: عيب؛ لأنها معيبة، والعور في اللغة: العيب.
"ولا تيس" أي: ذكر المعز فلا يخرج، إلا أن العلماء استثنوا "تيس الزِّراب"- أي: الذي ينزو على الغنم- أي: الذي يزرب شرط أن يرضى ربه؛ لأن في ذلك مصلحة، ولكننا نزيد شرطًا آخر وهو: أن يكون عند المصدّق معز تنتفع بهذا التيس، التيس لا يخرج.
يقول: "إلا أن يشاء المصدق". قوله: "إلا أن يشاء" هذه عائدة على الجملة الأخيرة وهي "ولا تيس"، أما الأول فلا يجوز، السبب: لأن الأول لو فرض أن المصدق أراد أن يُحابي صاحب المال ويأخذ منه معيبة أو هرمة هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأن ما عاد إلى المشيئة في باب الولايات يجب أن يُراعى فيه الأصلح، وهذه قاعدة سبق لنا تقريرها، ومعلوم أن المصدق- وهو الذي يبعثه الإمام لقبض الزكاة- لو أراد أن يقبل المعيبة لكان هذا خيانة ولا يحل له ذلك، لكن في التيس لو رأى المصلحة في أخذه فيجوز والمصلحة فيما ذكره الفقهاء- ﵏ وهو تيس الزراب يعني: الذي يُجرع الغنم، وعللوا ذلك بأن نقصه في الذكورة يجبر بكماله في الزراب، فإذا رأى المصدق أنه يأخذ التيس لأن عنده غنمًا تحتاج إلى تيس فرأى أن من المصلحة أخذه فله ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ : "إلا أن يشاء المصدِّق".
بقي أن نقول: إذا كان لا يخرج ذات عوار ولا هرمة ولا تيس إلا بمشيئة المصدِّق، فهل يخرج الطَّيب الأعلى؟ نقول: أما إذا رضي صاحب المال فلا حرج، وأما بدون رضاه فلا يجوز؛ لأن الرسول ﷺ قال لمعاذ بن جبل: "إياك وكرائم أموالهم". فقوله: "لا يخرج في الصدقة هرمة
стр. 1230
ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدِّق" فالاستثناء هنا كقوله سبحانه: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]. هذه ثلاثة أحكام: ﴿فاجلدوهم﴾، ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾، ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٥]. هذه عائدة على الأخير بالاتفاق، ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ ولا تعود على الأول، وهي كقوله: ﴿فاجلدوهم﴾؛ لأن الجلد لا يسقط بالتوبة بعد القدرة، وأما الثانية: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدًا﴾ ففيه خلاف، والقاعدة أن الاستثناء أو الشرط إذا تعقب جملًا فإنه يعود إلى الكل ما لم يوجد مانع، المانع هنا: أنه لا يجوز للمصدق أن يقبل ذات العوار أو الهرمة.
زكاة الفضة والمعتبر فيها:
قوله: "وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشرة"، "الرِّقة" بالكسر كعدة، وأصلها: ورق أو ورق وهي: الفضة، قال الله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه﴾ [الكهف: ١٩]. فخذفت منها فاء الكلمة، وعوضت عنها هاء التأنيث فصارت رقة مثل عدة، لكن "في الرقة في مائتي درهم"، وهذا البدل قلنا: إنه بدل اشتمال أو بدل بعض من كل؛ لأن الرِّقة تشمل مائتي درهم وما زاد وما نقص، فقال: "في مائتي درهم ربع العشر". هذا مبتدأ مؤخر، واحد من أربعين؛ لأن العشر واحد من عشرة، والربع واحد من أربعة، إذن ربع العشر واحد من أربعين، فعلى هذا اقسم ما عندك من الفضة على أربعين والخارج بالقسمة هو الزكاة قلَّت أو كثرت.
قال: "في مائتي درهم ربع العشر" هنا علَّق النصاب بالعدد في مائتي درهم، وفي حديث أبي هريرة: "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة" فعلَّقه بالوزن، ومن ثمَّ اختلف أهل العلم؛ فقال أكثر أهل العلم: إن المعتبر الوزن؛ لأنه هو الذي ينضبط، فإن المثاقيل لم تختلف في جاهلية ولا إسلام بخلاف الدراهم فإن الدراهم مختلفة، كانت-كما قيل- في عهد النبي ﷺ منها ما يكون ستة دوانق، ومنها ما يكون ثمانية دوانق؛ فلما تولى عبد الملك بن مروان وحُدّها وجعلها سنًا وثمانيا، يعني: جعلها وسطا سبع دوانق، وهذا متأخر عن حياة الرسول ﷺ ، ومن العلماء من قال: إن المعتبر العدد، وأن مائتي درهم في عهد الرسول ﷺ تساوي في الوزن خمس أواق. قالوا: بدليل أن عائشة ﵂ قالت: "كان صداق النبي ﷺ لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا". النِّش؛ بمعنى: النصف، نصف أوقية. الأوقية تبلغ أربعين درهمًا إذا كانت ثنتي عشرة أوقية ونصف، كم يكون المجموع؟ خمسمائة، قالوا: فهذا- أي: حديث عائشة- دليل على أن الدراهم في عهد الرسول ﷺ كل أربعين درهمًا يعتبر أوقية، لأنها بيَّنت قالت: "كان ثنتي عشرة أوقية ونشًّا"، والأوقية: أربعون درهمًا فتلك خمسمائة درهمًا، فهذا دليل واضح على أن
следующие страницы →