Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
الأصلية؛ لأن الأصل عدم الوجوب وبراءة الدمة ما دمنا ليس عندنا ما يُرجح جانب السَّوم فإن الأصل الوجوب.
أحكام مهمة في السوم:
أما إذا كان السَّوم أكثر الحول أو كل الحول فالوجوب واضح، وإذا كان الإعلاف أكثر الحول أو كل الحول الحكم واضح في عدم وجوب الزكاة، إذا كان الرعي كل الحول أو أكثر الحول فالوجوب واضح، إذا كان الرعي والإعلاف سواء فقد تنازع في الحكم موجب ومانع؛ الموجب السّوم، والمانع عدم السَّوم. قالوا: فيرجّح المانع، لماذا؟ لأن الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب، فلا نلزم المسلمين إلا بشيء ظاهر حتى يتحقق الشرط، ماذا قلنا في إعراب "سائمتها"؟ قلنا: إنها بدل اشتمال لإعادة العامل، وهي خبر مقدم.
قوله: "إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ"؛ "شاة" هذه مبتدأ مؤخر، في أربعين إلى عشرين ومائة شاة، ففي أربعين شاة، وفي خمسين شاة، وفي ستين شاة، وفي ثمانين شاة، وفي مائة شاة، وفي عشر ومائة شاة، وفي عشرين ومائة شاة.
كم الوقص؟ ثمانون، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان.
قوله: "فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاثة شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة". تستقر الفريضة إذن في (٢٠١) ثلاث شياه، ومن (١٢١) إلى (٢٠٠) شاتان الوقص (٨٠)، ومن (٤٠) إلى (١٢٠) شاة الوقص (٨٠)، (٢٠١) إلى (٣٩٩) فيها ثلاث شياه.
إذن من (٢٠١) إلى (٤٠٠) كله ثلاث شياه الوقص (١٩٩)، وذلك لان مثل هذه الامور مرجعها إلى الشرع، ومن أجل ذلك تقول: إننا لا نعلم الحكمة في هذا التفاوت العظيم في هذه الأوقاص.
الوقص الأول والثاني متساويان، والوقص الثالث هذا هو المتباعد، ثم من أربعمائة إلى خمسمائة يكتمل الوقص مائة في كل مائة شاة.
صدقة الغنم صارت أيسر من صدقة الإبل؛ لأن الإبل كبيرة وثمينة فلذلك كثرت أوقاصها وتجزئتها بخلاف الغنم.
قوله: "فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاةٍ شاةً واحدة"، "شاة واحدة" هذه مفعول ناقصة؛ لأن "نقص" تنصب مفعولين، قال الله تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾ [التوبة: ٤]. فنصبت مفعولين إذا كانت ناقصة شاة.
"فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها" "إلا" هنا استثناء منقطع، فإذا كان عند الإنسان (٣٩) من الغنم سائمة فليس عليه زكاة، ولكن إن يتصدق كان ذلك تطوعًا؛ لأن الصدقة إذا أضيفت إلى
стр. 1227
المشيئة صار تطوعًا، إذ إن الواجب لا مشيئة فيه، أظن اتضح الآن صدقة الغنم في أربعين شاة، وفي ثمانين شاة، وفي عشرين ومائة شاة، وفي واحد وعشرين ومائة شاتان، وفي مائتين شاتان، وفي واحد ومائتين ثلاث شياه، وفي واحد وثلاثمائة ثلاث شياه، وفي تسعين وثلاثمائة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه، إذا كانت (٣٩) فليس فيها شيء إلا إذا تصدق الإنسان فلا حرج عليه.
قوله: "ولا يُجمع بين متفرق ولا يُفرق بين مجتمع خشية الصدقة"، هذا الحديث أفادنا أن الاجتماع والافتراق يؤثر في الصدقة، وهذا خاصٌّ في السائمة، يعني: أنه لا يجوز للإنسان أن يجمع بين شيئين من أجل الصدقة، مثال ذلك: رجل عنده مال من الغنم أربعون شاة في الرياض وأربعون شاة في القصيم كم في كل واحد؟ شاة؛ يعني: عليه شاتان، فذهب وجمعهما في مكان واحد كم يصير عليه؟ شاة، إذن جمع بين متفرق خشية الصدقة هذا لا يجوز.
وكذلك لو كان رجلان عند كل واحد منهما أربعون فخلطاهما خشية الصدقة؛ فصار على الجميع شاة واحدة ومع التفريق شاتان. أقول: هذا لا يجوز؛ وذلك لأن التحيل على إسقاط الواجب لا أثر له، فإن التحيل على إسقاط الواجبات لا يُسقطها، إذ لو كان التَّحيل على إسقاط الواجبات مؤثرا لكان كل إنسان يتمكن من إسقاط الواجب عليه بنوع من الحيلة، وكذلك التحيل على المحرمات لا يبيحها، وإلا لكان جائزًا لكل إنسان يستطيع أن يفعل المحرم بنوع من الحيلة، إذن لا يُجمع بين متفرق خشية الصدقة، ولا يُفرق بين مجتمع خشية الصدقة، كيف يُفرق بين مجتمع؟ إنسان عنده أربعون شاة في مكان ماذا عليه؟ شاة واحدة، لكنه أخذ عشرين وأبعدها عن الأخرى، فأصبح كل منهما الآن ليس فيها شيء، ففرق بين المجتمع خشية الصدقة والعلة فيه ظاهرة؛ لأن كل حيلة على إسقاط واجب فلا أثر لها، وكل حيلة على فعل محرم فلا أثر لها، إذا لم يكن للحيلة أثر بقي الواجب على وجوبه والمحرم على تحريمه، بل إن عقوبة المتحايلين على محارم الله أشدُّ من عقوبة الفاعلين لها على سبيل الصراحة؛ ولهذا قلب الله أولئك اليهود الذين تحيلوا على السبت قردة وخنازير- والعياذ بالله-؛ لأن هذا من باب الاستهزاء بالله والاستخفاف به والاستهانة بأحكامه؛ أفليس الله عالمًا بما تريد؟ بلى، هو عالم بما تريد كيف تخادعه، المنافقون أشدُّ إثمّا وعقوبة من الكافرين لماذا؟ لأنهم تحيَّلوا على الله وخادعوه، أظهروا أنهم مسلمون وهم كافرون في الواقع، بخلاف الكافرين فإنهم صرحوا بذلك وهم على كفرهم.
مسألة: الاشتراك والخلطة في الماشية: هذه المسألة خاصة بالمواشي عند جمهور أهل العلم لأنها جاءت في سياقها، وعليه فإننا نستفيد منها أن خلطة الأوصاف تُؤثر في المواشي، بمعنى: أن يتميز ما لكل واحد من المالكين ويشتركا فيما يتعلق بشئون الماشية كما ستوضحه- إن شاء
стр. 1228
الله- الاشتراك في الماشية، بل أقول بعبارة أعم: الماشية إما أن يكون المالك واحدًا، أو اثنين مشتركين فيها على الشيوع، أو أثنين مشتركين فيها شركة أوصاف، فهذه ثلاثة أقسام إذا كان واحدًا فوجوب الزكاة عليه معلوم ظاهر كما لو كان يملك أربعين شاة فعليه زكاتها.
الثاني: إذا كان اشتراك على سبيل الشيوع، بمعنى: أن هذا المال مشترك بين الشخصين أنصافًا؛ يعني: له نصف والثاني له نصف فيه الزكاة؛ لأنه الآن مال مجتمع ففيه الزكاة، وإن كان كل واحد منهما لو انفرد لم تجب عليه الزكاة؛ لأنه لا يملك إلا نصف نصاب.
الثالث: شركة الأوصاف أن يتميز مال كل واحد منهما، ولكن يشتركان في المرعى والمحلب والفحل والمسرح، ففي هذه الحال تجب الزكاة على هذا المال المختلط خلطة أوصاف، وإن كان كل منهما لو نظر إلى نصيبه لم يكن من أهل الزكاة هذا خاصٌّ بالماشية، أما ما عداها فإن كل واحد من المشتركين له حكم نصيبه ولا عبرة فيها بالجمع ولا بالتفريق، ولهذا لو قُدر أن أحدًا من الناس له مثلًا من المال نصف نصاب في هذا البلد ونصف نصاب في البلد الآخر فتجب عليه الزكاة وإن كان متفرقًا، لكن لو كان له نصف نصاب من الماشية هنا ونصف من الماشية في بلد آخر لم يجب عليه؛ لأن الرسول ﷺ لا يجمع بين مُتفرق ولا يفرق بين مُجتمع خشية الصدقة، كذلك لو فرضنا أن رجلًا توفي وترك نصابًا من الذهب وورثه ابناه هل عليهما زكاة؟ لا؛ لأن كل واحد منهما لا يملك إلا تصف نصاب فلا زكاة عليهما، ولو ترك لهما أربعين من الغنم وبقيت طوال الحول لم تقسم فعليهما الزكاة، والسبب هو ما قلت من أن الجمع والتفريق في الماشية مؤثر وفي غيرها لا يؤثر، كل إنسان على حسب ملكه، فصارت الآن الماشية تختص عن غيرها بأمور منها هذه المسألة وهي: أن الجمع والتفريق يؤثران فيها بخلاف غيرها، وذكرنا أن للماشية بالنسبة للانفراد والاشتراك ثلاث حالات: إما أن ينفرد الإنسان بملكها، أو يشاركه غيره شركة مشاعة أو شائعة، أو يشاركه غير شركة أوصاف، والفرق بين شركة الأوصاف وشركة الشيوع: أن شركة الشيوع يشترك فيها الرجلان في هذا المال يكون بينهما، وشركة الأوصاف ينفرد كل واحد منهما بماله لكن يشتركان فيما يختص بالماشية من المرعى والمحلب والمسرح والفحل وما أشبه ذلك، جُمعت في قوله:
إن اشتراك فحل مسرح ومرعى ... ومحلب ومراح خلطة قطعًا
قال: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"، "ما كان" هذه شرطية، "ما" شرطية و"كان" فعل الشرط، و"فإنهما يتراجعان" جواب الشرط، و"من خليطين"، "من" بيان لـ"ما" الشرطية؛ يعني: ما وجد من خليطين، و"خليطين" بمعنى شريكين، "فإنهما يتراجعان
стр. 1229
بينهما بالسوية"، يعني: أن الزكاة تجب عليهما مع الاختلاط ويتراجعان بالسوية، والمراد بالسوية؛ أي: بالقسط وليست السوية سوية الواجب؛ لأن سوية الواجب تختلف، ولكن المراد بالسوية أي: بالقسط بحيث لا يزاد أحدهما عن نصيب حقه، فإذا كان رجلان لهما غنم مختلطة لأحدهما أربعون، وللثاني عشرون، كم الجميع؟ ستون تجب فيها شاة على صاحب الأربعين ثلثا القيمة أو ثلثا الشاة، وعلى الثاني ثلثها. هذا معنى قوله: "فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية".
وفي قوله: "وما كان من خليطين" دليل على ثبوت الخلطة في الماشية، وهي كما قلت: خلطة اشتراك على سبيل الشيوع، وخلطة أوصاف.
ثم قال: "ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المُصدق"، "ولا يخرج في الصدقة" أي: صدقة الإبل أو الغنم؟ الجميع، والإبل سبق لنا أنه يجب فيها شاة فيما دون الخمس وعشرين، ومن الإبل فيما بلغت الخمس والعشرين، وما زاد لا يخرج.
"هرمة": يعني كبيرة السن؛ لأن كبيرة السن قد فسد لحمها وربما وقفت عن الإنتاج ففيها ظلم لأهل الزكاة، فلا يجوز أن يخرج المالك هرمة، ولا يجوز للمصدق أن يقبلها أيضًا.
"ولا ذات عوار": أي: عيب؛ لأنها معيبة، والعور في اللغة: العيب.
"ولا تيس" أي: ذكر المعز فلا يخرج، إلا أن العلماء استثنوا "تيس الزِّراب"- أي: الذي ينزو على الغنم- أي: الذي يزرب شرط أن يرضى ربه؛ لأن في ذلك مصلحة، ولكننا نزيد شرطًا آخر وهو: أن يكون عند المصدّق معز تنتفع بهذا التيس، التيس لا يخرج.
يقول: "إلا أن يشاء المصدق". قوله: "إلا أن يشاء" هذه عائدة على الجملة الأخيرة وهي "ولا تيس"، أما الأول فلا يجوز، السبب: لأن الأول لو فرض أن المصدق أراد أن يُحابي صاحب المال ويأخذ منه معيبة أو هرمة هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأن ما عاد إلى المشيئة في باب الولايات يجب أن يُراعى فيه الأصلح، وهذه قاعدة سبق لنا تقريرها، ومعلوم أن المصدق- وهو الذي يبعثه الإمام لقبض الزكاة- لو أراد أن يقبل المعيبة لكان هذا خيانة ولا يحل له ذلك، لكن في التيس لو رأى المصلحة في أخذه فيجوز والمصلحة فيما ذكره الفقهاء- ﵏ وهو تيس الزراب يعني: الذي يُجرع الغنم، وعللوا ذلك بأن نقصه في الذكورة يجبر بكماله في الزراب، فإذا رأى المصدق أنه يأخذ التيس لأن عنده غنمًا تحتاج إلى تيس فرأى أن من المصلحة أخذه فله ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ : "إلا أن يشاء المصدِّق".
بقي أن نقول: إذا كان لا يخرج ذات عوار ولا هرمة ولا تيس إلا بمشيئة المصدِّق، فهل يخرج الطَّيب الأعلى؟ نقول: أما إذا رضي صاحب المال فلا حرج، وأما بدون رضاه فلا يجوز؛ لأن الرسول ﷺ قال لمعاذ بن جبل: "إياك وكرائم أموالهم". فقوله: "لا يخرج في الصدقة هرمة
стр. 1230
ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدِّق" فالاستثناء هنا كقوله سبحانه: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]. هذه ثلاثة أحكام: ﴿فاجلدوهم﴾، ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾، ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٥]. هذه عائدة على الأخير بالاتفاق، ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ ولا تعود على الأول، وهي كقوله: ﴿فاجلدوهم﴾؛ لأن الجلد لا يسقط بالتوبة بعد القدرة، وأما الثانية: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدًا﴾ ففيه خلاف، والقاعدة أن الاستثناء أو الشرط إذا تعقب جملًا فإنه يعود إلى الكل ما لم يوجد مانع، المانع هنا: أنه لا يجوز للمصدق أن يقبل ذات العوار أو الهرمة.
زكاة الفضة والمعتبر فيها:
قوله: "وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشرة"، "الرِّقة" بالكسر كعدة، وأصلها: ورق أو ورق وهي: الفضة، قال الله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه﴾ [الكهف: ١٩]. فخذفت منها فاء الكلمة، وعوضت عنها هاء التأنيث فصارت رقة مثل عدة، لكن "في الرقة في مائتي درهم"، وهذا البدل قلنا: إنه بدل اشتمال أو بدل بعض من كل؛ لأن الرِّقة تشمل مائتي درهم وما زاد وما نقص، فقال: "في مائتي درهم ربع العشر". هذا مبتدأ مؤخر، واحد من أربعين؛ لأن العشر واحد من عشرة، والربع واحد من أربعة، إذن ربع العشر واحد من أربعين، فعلى هذا اقسم ما عندك من الفضة على أربعين والخارج بالقسمة هو الزكاة قلَّت أو كثرت.
قال: "في مائتي درهم ربع العشر" هنا علَّق النصاب بالعدد في مائتي درهم، وفي حديث أبي هريرة: "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة" فعلَّقه بالوزن، ومن ثمَّ اختلف أهل العلم؛ فقال أكثر أهل العلم: إن المعتبر الوزن؛ لأنه هو الذي ينضبط، فإن المثاقيل لم تختلف في جاهلية ولا إسلام بخلاف الدراهم فإن الدراهم مختلفة، كانت-كما قيل- في عهد النبي ﷺ منها ما يكون ستة دوانق، ومنها ما يكون ثمانية دوانق؛ فلما تولى عبد الملك بن مروان وحُدّها وجعلها سنًا وثمانيا، يعني: جعلها وسطا سبع دوانق، وهذا متأخر عن حياة الرسول ﷺ ، ومن العلماء من قال: إن المعتبر العدد، وأن مائتي درهم في عهد الرسول ﷺ تساوي في الوزن خمس أواق. قالوا: بدليل أن عائشة ﵂ قالت: "كان صداق النبي ﷺ لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا". النِّش؛ بمعنى: النصف، نصف أوقية. الأوقية تبلغ أربعين درهمًا إذا كانت ثنتي عشرة أوقية ونصف، كم يكون المجموع؟ خمسمائة، قالوا: فهذا- أي: حديث عائشة- دليل على أن الدراهم في عهد الرسول ﷺ كل أربعين درهمًا يعتبر أوقية، لأنها بيَّنت قالت: "كان ثنتي عشرة أوقية ونشًّا"، والأوقية: أربعون درهمًا فتلك خمسمائة درهمًا، فهذا دليل واضح على أن
стр. 1231
الأواقي في عهد الرسول ﷺ كل واحدة تساوي أربعين درهمًا، فالمعتبر العدد، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكن جمهور أهل العلم على أن المعتبر الوزن، ولكن ما دمنا نقول: إن العدد في عهد الرسول ﷺ البالغ مائتي درهمًا يساوي خمس أواقٍ فإننا نعتبر الدراهم بالعدد، ونعتبر غير الدراهم بالوزن وحينئذٍ نأخذ بالدليلين جميعًا، فنقول: نصاب الفضة من الدراهم مائتا درهم قلَّ ما فيه من الفضة أو كثر، وما تعامل الناس به وسموه درهمًا فهو درهم، حتى لو كان ثقيل الوزن أو كان خفيف الوزن لا نعتبره، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأنكر على من خالف في ذلك.
والقول الثاني: وهو قول جمهور أهل العلم، حتى إن بعضهم قال إن الخلاف شاذٌّ هو أن المعتبر الوزن، وننظر آخر الحديث ربما يؤيد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
"وفي الرقة في مائتي درهم ربع العُشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها"، "إلا تسعين ومائة" يعني: تسعين درهمًا ومائة؛ فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها وإن كان مائة وخمس وتسعين؟ يقولون: إنهم يدعون الفصل فيما بين الأعشار عقد العدد يلغون الكسر، فكأنه قال: فإن لم يكن إلا تسعة وتسعون ومائة، وعليه فما دون المائتين من الدراهم ليس فيه زكاة؛ لأن حديثها هنا صريح بأن المعتبر العدد فجاء به منطوقًا وجاء مفهومًا. المنطوق: "في كل مائتي درهم ربع العُشرة"، مفهومه: أنَّ ما دون ذلك ليس فيه شيء، وجاء به لهذا المفهوم منطوقًا فقال: "فإن لم تكن إلا تسعين ومائة"، المهم إذا اعتبرنا الوزن في نصاب الفضة فهو أربعون ومائة مثقال، كل مثقال بالغرام أو بالغرام أربع غرامات وربع، وبناء على ذلك كم الريال العربي؟ يقول الصائغ: إنه إحدى عشر غرامًا وثلاثة أرباعه.
قال النبي ﷺ : "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة"، متى تكون الجذعة؟ من (٦١) إلى (٧٥) إذا كان (٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤) إلى (٧٥)، وليس عنده جذعة.
يقول الرسول ﷺ : "وعنده حقة"، الحقة من (٤٦) إلى (٦٩).
يقول: "وعنده حقة" فإنها تقبل منه الحقة، من يقبله؟ المصدق، "ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا"، ولكن الرسول يقول: "وليست عنده جذعة"، فيفيد الحديث بأنها إن كانت عنده جذعة فإن الحقة لا تقبل منه، ولو دفع الجبران.
ثم قال: "يُجعل معها شاتين إن استيسرتا له"، كم الفرق بين صدقة الحقة وصدقة الجذعة؛ يعني: الوقص؟ او العدد (٤٦) آخرها (٦٠) فيكون (١٥)، (١٥) في باب الجبران نقصت عن التقويم فيما كان عنده خمس من الإبل؛ يعني: خمس من الإبل العُشر فيها شاتان وهنا خمس عشرة كان جبرها شاتين؛ لأنه كلما زاد العدد نقصت النسبة كما تشاهدون فيما سبق.
стр. 1232
فالآن لو قال قائل: لماذا كان الجبران شاتين في مقابل خمسة عشر بعيرًا؟
نقول: لأنه كلما زاد العدد نقصت النسبة بخلاف الذي عنده خمسة عشر فعليه ثلاثة شياه، وقوله: "إن استيسرتا له" يعني: إذا كانت موجودة عنده متيسرة، فإن لم تكن عنده فإنه لا يلزم بالشراء ولكن يدفع عشرين درهمًا، وهذا يدل على أنه في عهد الرسول ﷺ كانت الشاتان تساوي عشرين درهمًا؛ يعني: الشاة بعشرة دراهم.
يقول: "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة"، "بلغت" أي: وجبت صدقة الجذعة وهي من (٦١) إلى (٧٥)، "وليست عنده جذعة وعنده حقة" الجذعة: هي التي لها أربع سنوات، "عنده حقة"، يعني لها ثلاث سنوات، "فإنها تقبل منه". "تُقبل" مبنية للمجهول، والقابل هو المصدق، وتقبل منه حقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا" جبرًا لما نقص من السِّن؛ لأنه معلوم الفرق بين الحقة والجذعة سنة كاملة وهذا تتغير به القيمة، لكن الشارع هنا لم يقل: عليه الفرق بين القيمتين، وكان الذي يتبادر إلى الذهن أن يقول: فإنها تقبل منه الحقة ويدفع الفرق بين القيمتين، وإذا كان كذلك فإن هذا يختلف باختلاف الأزمان والأماكن، قد تكون سنة من السنوات الفرق بينهما خمسون درهمًا، وقد تكون في سنة الفرق مائة، وقد يكون في سنة ثلاثين لكن لم يقل ذلك، وإنما حددها بنفسه حتى لا يحصل النزاع والخصام بين المصدِّق والمصدَّق، المصدَّق هو دافع الصدقة والمصدِّق هو آخذ الصدقة؛ لأننا لو رجعنا إلى الفرق بين القيمتين لكان المصدَّق يقول: الفرق مائة، والمصدِّق يقول: الفرق مائتان يزيد، فمن أجل دفع النزاع وقطع الخصام قدَّرَهَا الشارع، نظير هذا ما جاء في "المصراة" إذا تبين له التصرية، والمصراة هي التي حُبس لبنها عند البيع من إبل، أو بقر، أو غنم، يحبس عند البيع من أجل إذا رآها المشتري يظن أنها كثيرة اللبن، فالشارع جعل له الخيار ثلاثة أيام ويُردُّ معها صاعًا من تمر عوضًا عن اللبن، ليس المحلوب بعد العقد، بل عن اللبن الموجود حين العقد؛ لأنه هو الذي نما ونشأ في ملك البائع، أما ما بعد العقد فإنه في ملك المشتري ليس له قيمة، هذا اللبن الذي هو في ضرع البهيمة عند العقد لو قدر بالقيمة يحصل نزاع هذا يقول: مد، وهذا يقول: ربع مُد؛ فالشارع قطع النزاع وجعل الواجب صاعًا من تمر حتى ينتهي الموضوع، هذا مثلها: - والله أعلم- أنه جعل شاتين أو عشرين درهمًا، يبقى عندنا "العشرون درهم" معروفة، لكن الشاتان أفلا تختلف؟ بلى، لكنها تكون على نحو الإبل جودة ورداءة، ويتبع في ذلك العدل فلا تؤخذ شاتان طيبتان والإبل من الوسط ولا العكس، وإنما تؤخذ شاتان على قدر القيمة فتكون متوسطتين، فإن لم يتيسرا لصاحب الإبل فإنه يدفع عشرين درهمًا بالعدد.
стр. 1233
قال: "ومن بلغت عنده" أي: وجبت عنده "صدقة الحقة" ولها ثلاث سنوات، "وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين" لماذا؟ دفعًا للزائدة" لأن الآن المصدَّق الدافع دفع أكثر مما يجب عليه فيعطى عوضًا عن الزائد شاتين، أو عشرين درهمًا هنا يقول: "عشرين درهمًا أو شاتين"، و"أو" هنا للتخيير، ولم يقل الرسول ﷺ : "إن استيسرتا له"، وعلى هذا فيجب على المصدِّق أن ينظر الأصلح لأهل الزكاة بشرط ألاَّ يكون في ذلك ظلم على صاحب الحق، فإذا رأى أن الأفضل أن يدفع عشرين درهمًا فعل أو شاتين دفع شاتين.
قال المؤلف: "رواه البخاري"، لكن البخاري ﵀ رواه مفرَّقًا في صحيحه كعادته في أغلب الأحيان، حيث إنه يذكر الأحاديث مفرقة إما على حسب الأسانيد أو على حسب الأبواب كما يرى ﵀، لكن المؤلف ﵀ جمعه وهذا حسن.
هذا الحديث حديث عظيم وفيه فوائد كثيرة جدًّا فنبدأ بفوائده: أولًا يقول: "إن أبا بكر كتب له .... إلخ.
فيستفاد من هذا: العمل بالكتابة في الحديث، وأن أصل كتابة الحديث موجودة في عهد الخلفاء كما هو موجود في عهد النبي ﷺ ، فقد قال النبي ﷺ : "اكتبوا لأبي شاة"، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص من أكثر الصحابة حديثًا عن النبي ﷺ ، لأنه كان يكتب الحديث، والعمل بالكتابة في نقل الحديث وروايته أمر مجمع عليه مع دلالة النصِّ عليه وإشارة القرآن إلى ذلك، فإن الله تعالى جعل الكتابة من الطرق التي تتوثق بها الحقوق: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وفيه أيضًا: جواز الإشارة إلى ما ليس بموجود بل متصور في الذهن لقوله: "هذه فريضة الصدقة"، وهو قبل أن يكتبها.
ومنها: أن الصدقة بجميع أحوالها وأوصافها وأنواعها ومقاديرها فريضة حتى في صرفها فريضة ليست راجعة إلى اختياري أنا الذي وجبت علي، بل هي فريضة من الله حتى في صرفها لما ذكر الله أهل الزكاة قال: ﴿فريضةً من الله﴾ [التوبة: ٦٠]. فلا يجوز لنا أن نتعدى ما فرض الله فيها، كما لا يجوز لنا أن نتعدى ما فرض الله في الصلاة، فلا يجوز لنا أن نتعدى ما فرض الله في الزكاة.
ومنها أيضًا: أن النبي ﷺ يضاف إليه الفرض لقوله: "التي فرض"، إذن هو يفرض كما أنه يوجب ويأمر؛ فهو يوجب كما في قوله ﷺ : غسل الجمعة واجب على كل محتلم"، وهو
стр. 1234
يأمر كما في أحاديث كثيرة لا تحصى، وهو أيضًا يفرض كما في هذا الحديث وكما في قول عبد الله بن عمر: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعيره".
فإن قلت: هل يستقل الرسول ﷺ بالحكم وبحكم من عنده؟
فالجواب: أن هذا على قسمين: قسم يكون بالوحي، وقسم آخر يكون من عنده، لكن إقرار الله له يجعله في حكم الحكم، كما قلنا: إن الصحابي إذا فعل فعلًا وأقره النبي ﷺ يكون في حكم السُّنة، كأن الرسول هو الذي قاله أو فعله، كذلك أيضًا ما حكم به الرسول ﷺ وأقره الله عليه فإنه يضاف إلى الله تعالى وحيًا على سبيل الإقرار.
ومنها: أن هذا الفرض الذي فرضه الرسول ﷺ فرض على المسلمين، فهل يؤخذ منه أن الكافر لا يخاطب بفروع الشريعة؟ ظاهره كذلك، وهو كذلك أيضًا بالنسية للمخاطبة في الدنيا، فإننا لا نخاطب الكافر بالزكاة وهو لم يستلم أبدًا، وفي حديث معاذ الذي قبل هذا الحديث أمرهم أن يدعوهم أولًا إلى التوحيد، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الزكاة، ومن الجهل جدًّا أن تقول لكافر يقابلك- سيشرب الدُّخان- يا رجل هذا الدخان حرام، هل هذا يصلح؟ لا يصلح، فلأن تأمره الأول بالإسلام أهم من شرب الدخان.
إذن هم لا يخاطبون بفروع الإسلام في الدنيا، لكن في الآخرة يعاقبون عليها، وهنا ثلاثة أمور بالنسبة لشرائع الإسلام في حق الكافر:
أولاً: لا يخاطب بها في الدنيا فيلزم بها، بل نقول له: أسلم.
ثانيًا: إذا أسلم لا نأمره بإعادتها أو لا نأمره بقضائها؛ لأن الله يقول: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. ولهذا لا نضمنهم لو كانوا قاتلين لآبائنا وإخواننا وأبنائنا؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله.
ثالثًا: بالنسبة للخطاب في الآخرة يعاقبون عليها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤٦]. فذكروا ثلاثة أشياء.
لعل قائلًا يقول: إن كونهم يكذبون بيوم الدِّين هو الذي أوجب لهم الدخول في النار؛ لأنه كفر فلا نسلم أن يكونوا مخاطبين بالفروع، فما الجواب؟ .
الجواب أن نقول: لولا أن لتركهم ذلك أثرا في دخولهم النار ما ذكر؛ لأن ذكره عبث لا فائدة منه، فهم يخاطبون بها في الآخرة، بل إنهم يعذَّبون على الأمور المباحة للمسلم من الأكل والشُّرب واللباس، هم يعاقبون عليها وهو مباح للمسلم، ما الدليل؟ قوله تعالى: "ليس
стр. 1235
على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناحٌ فيما طعموا ... ﴾ [المائدة: ٩٣]. مفهومه: غير المؤمنين عليهم الجناح وهذا المفهوم هو منطوق، في آية أخرى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ءامنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ [الأعراف: ٣٢]. هي لهم في الدنيا مباحة حلال خالصة يوم القيامة ليس فيها شائبة ولا يلحقهم فيها تبعة، وهذا دليل على أن غيرهم بالعكس، فإذن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، بل وبما أحلَّ الله للمسلم في الآخرة، هنا قال: "والتي أمر الله بها رسوله" الواو قلنا إنها من باب عطف الصفات، التي أمر الله بها رسوله، في هذا دليل على أن هذه الفريضة التي بلَّغها الرسول ﷺ كانت بأمر الله .
ومن فوائد هذا الحديث: حكمة الشارع في الإيجاب في الصنف وفي الوصف وفي القدر؛ لأن الإبل ما دون ((٢٥)) الزكاة واجبة من غير صنفها واجبة من الغنم؛ لأنها لا تتحمل أن تجب الزكاة فيها من جنسها، فلهذا جواز الزكاة الواجبة من غير جنسها، في الوصف الذي هو السن كما ترون في (٢٥) بنت مخاضي، وفي (? ٦) بنت لبون، وفي (٤٦) حقة، وفي (٦? ) جذعة، اختلفت الأوصاف باختلاف المال؛ لأن كل مال يناسبه ما أوجبه الشارع فيه، أما في القدر ففي (٧٦) بنتا لبون زاد قدر الواجب ثم هناك حكمة أخرى، وهي: أن الأثمان المعيَّنة وهي أربعة الأول والأخير لا يتكرر والوسط هو الذي يتكرر أيضًا إذا استقرت الفريضة فإن الأول والأخير لا يدخلان أصلًا فهذان فائدتان، السن الأول أدنى السنين والسن الأخير أعلاها فلا يتكرر.
ثانيًا: السن الأول والأخير لا يكون فيما إذا استقرت الفريضة؛ لأنها إذا استقرت في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
ومن فوائد هذا الحديث: ثبوت الوقص في زكاة السائمة، والوقص ما بين الفرضين وهو معفو عنه، فهل هذا الوقص يثبت في غير السائمة؟ الصحيح أنه لا يثبت، فمثلًا رجل ملك ((٢٠٠)) درهم فيه الزكاة كم؟ ربع العشر، يعني: فيها خمسة، ملك (٢١٠) فيها خمسة وربع، في (? ? ? ) فيها (سبعة ونصف)، في (٤? ? ) فيها (? ? ) لا نقول إننا من (? ? ? ) إلي (٤? ? ) لا نزيد لأنه كان هناك وقص كنا نقول ما نزيل إلا إذا وجد نصاب جديد، ولكنه لا وقص لو زاد درهم واحد وجبت زكاته بخلاف السائمة وهذا مما تختص به السائمة.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات الخلطة والتفريق في الماشية، بمعنى: أنه إذا كان مال الرجل متفرقًا وفي كل ناحية ما هو أقلُّ من النصاب وليس ذلك حيلة فلا زكاة عليه، كما لو كان له عشرون شاة في بلد وعشرون شاة في بلد آخر فلا زكاة عليه، ولو كان عنده مائة درهم في بلد ومائة درهم في آخر وجبت عليه الزكاة.
стр. 1236
حكم الخلطة في السائمة وغيرها:
الخلطة مع الغير مؤثرة في السائمة، فلو كان لرجلين أربعون شاة فيها زكاة، ولو كان لرجلين مائتا درهم فلا زكاة فيها هذا هو المشهور من مذهب أحمد، أما الخلطة في غير السائمة فلا أثر لها، فإذا أختلط في نصاب من غير السائمة فلا زكاة عليه، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الزكاة تجب على الخليطين في المال الظاهر مثل الحبوب والثمار، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ كان يبعث السعاة لأخذ الزكاة من الأموال الظاهرة ولم يأمرهم بسؤال الناس هل لهم شريك في هذه الأموال أو لا؟ والأصل أن عدم التفصيل يدل على العموم، وأن المال الظاهرة تجب فيها الزكاة، وإن كان نصيب كل واحد منهم أقل من النصاب، لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد أن الخلطة لا تؤثر إلا في السائمة.
ومن فوائد هذا الحديث: حكمة الشارع في استقرار الفريضة بعد انتهاء الفرض المقدر، ووجه الحكمة من ذلك: أنه لو استمر التقدير معينا بالشرع لكان في ذلك شيء من المشقة لكن إذا جعل إلى أمل ينتهي إليه ثم ثبتت القاعدة صار ذلك أسهل على الدافع وعلى المدفوع إليه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يتصدق وإن لم تجب عليه الزكاة، يؤخذ ذلك من قوله: "إلا أن يشاء ربُّها".
ومن فوائده أيضًا: أنه لا بد من السَّوم في زكاة بهيمة الأنعام لقوله: "في الغنم في سائمتها"، ولم يذكر شرط السَّوم في الإبل، ولكننا نقول: إنه يشترط فيها لما سيأتي- إن شاء الله- من حديث بهز بن حكيم وللقياس الجلي إذ لا فرق، فيؤخذ من هذا: أن الماشية التي تعلف أكثر الحول أو الحول كله أو نصف الحول ليس فيها زكاة؛ لأنها من السائمة.
ويؤخذ منه أيضًا: أن البهيمة إذا كانت مما يركب أو يحرث عليه فإنه لا زكاة فيها، يعني: الإبل العوامل أو البقر العوامل التي يحرث عليها وإن بلغت ما بلغت فليس فيها زكا، لماذا؟ لأنها غير سائمة، ولكن الإبل العوامل أو البقر العوامل الحارثة إذا كانت تستغل بأجرة فإن الزكاة تجب في أجرتها إذا تم عليها الحول.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشريكين يتراجعان في الضمان بالسوية، يتفرع على هذه الفائدة- وهى المظالم المشتركة- لو فرض أنه جعل ضريبة من قبل السلطان على هذا المال وهو مشترك فسلمها أحد الشريكين بغير إذن الآخر هل يرجع على شريكه؟ إذا قال الشريك أنا ما أذنت لك تدفع، نقول: الضريبة ما جعلت علي أو عليك الضريبة جعلت على هذا المال نفسه وهو مشترك فيجب أن تضمن بمقدار نصيبك، إذا كان لك من هذا المال الثلثان تضمن
стр. 1237
ثلثي الضريبة، وإذا كان لك ثلث تضمن ثلثها، وأما أن نقول: هذا الرجل الذي حمى الملك ودفع الضريبة التي عليه نقول: ليس لك شيء لماذا لم تستأذن شريكك؟ هذا ظلم، وعلى هذا فنقول: إنه في هذه الحال إذا جعل ضريبة على مال مشترك فإن الشريكين يتراجعان بينهما بالسوية.
وفيه أيضًا: تحريم إخراج المعيب، وقد دلَّ القرآن على ذلك فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه ... ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ودلَّ عليه أيضًا النظر الصحيح؛ لأنه ليس من العدل أن تخرج عن الطيب رديئًا، كما أنه ليس من العدل أن نأخذ كرائم الأموال وندع لك الأوساط أو الرديئة بل الواجب القسط.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يخرج في الصدقة تيس لقوله: "ولا تيس" إلا اذا رأى المصدِّق في ذلك مصلحة.
ومن فوائد هذا الحديث: مراعاة تكافؤ الأوصاف والمعاني، يؤخذ ذلك من أن التيس ممنوع، لكن إذا كان فيه صفة مقصودة ترجح أخذه فإنه يؤخذ، فيكون ناقصًا من وجه، كاملًا من وجه آخر.
ومن فوائده أيضًا: أنه لا يخرج الذكر إلا إذا شاء المصدِّق، والمشيئة هنا ترجع إلى المصلحةً. ومن فوائده: وجوب الزكاة في الفضة وأن مقدارها ربع العشر؛ لقوله: "وفي الرِّقة ربع العشر".
ومن فوائده: أنه لا زكاة فيها حتى تبلغ النصاب؛ لقوله: "فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها".
ومن فوائده: أن نصاب الفضة مقدر بالعدد لقوله: "في مائتي درهم ربع العشرة"، وهل هذا مشروط بما إذا لم تكن هذه الدراهم أكثر من خمس أواقٍ أو ليس بمشروط؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يقول: في مائتي درهم إذا كانت لا تزيد على خمس أواقٍ، فإن كانت تزيل فالزكاة في مقدار خمس أواقٍ، يعني: لو فرض أن مائتي درهم تبلغ عشر أواقٍ من الفضة، فعلى هذا الرأي تجب الزكاة في مائتي درهم؛ لأنه يعتبر أن الزكاة في مائتين بشرط ألا تزيد على خمس أواقٍ ولو كان هناك مائتا درهم لكنها تبلغ أربع أواقٍ فقط، فعلى هذا الرأي لا تجب الزكاة فيها؛ لأنه يقول إن نصاب الفضة مائتا درهم إذا كانت مساوية في الوزن لخمس، أواق فإن زادت فالمعتبر الخمس وإن نقصت فالمعتبر الخمس، أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيرى أن المعتبر العدد سواء زاد على خمس أواق أو نقص، وعليه فنعكس الأحكام، ففي مائتي درهم زنتها خمس أواقٍ عند شيخ الإسلام فيها الزكاة وإن لم تبلغ خمس أواقٍ، وفي مائة وتسعين درهمًا تبلغ عشر أواقٍ ليس فيها زكاة على رأي شيخ الإسلام ﵀، ولكن لو أن أحداً
стр. 1238
احتاط وقال: آخذ بالقولين فما بلغ خمس أواقٍ أوجبت الزكاة فيه وإن لم يبلغ مائتي درهم وما بلغ مائتي درهم أوجبت الزكاة فيه وإن لم يكن خمس أواقٍ، لو ذهب ذاهب إلى هذا لكان له وجه.
ومن فوائد هذا الحديث: جريان الجبران في زكاة الإبل كيف ذلك الذي ليس عنده السِّن الواجب ينتفي، من عنده أعلى منه يدفع الأعلى ويأخذ الجيران والذي عنده سن واجب أو عليه سن واجب وليس عنده وعنده دونه فإنه يدفع الأدون والجبران، الدليل قوله: "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا لم تكن عنده السن الواجب ولا ما دونه ولا ما فوقه فإنه يرجع إلى الأصل ويخرج السّن الواجب، مثال ذلك: رجل عليه حقة وليس في إبله لا حقة ولا جذعة ولا بنت لبون ماذا يصنع؟ نقول ارجع للأصل وهو الحقة.
وهل يستفاد من الحديث جواز إخراج القيمة في الزكاة؟ مقيد بالمصلحة وإلا فلا، يعني: أن الأصل أن تخرج الزكاة من جنس المال، وإن كانت الزكاة تخرج من غير جنسه كالغنم فيما دون ((٢٥)) من الإبل فمن الغنم، فإذا كان هنالك حاجة فإنه تخرج القيمة أو كان هناك مصلحة واختار المصدق أن يأخذ القيمة فله ذلك، وقد نصَّ على هذا الإمام أحمد ﵀، وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقال الإمام أحمد: إذا باع بستانه بدراهم فإنه يخرج العشر من الدراهم، ولا يقال: لا بد أن تعطينا تمرًا أو حبًا، بل يأخذ من الدراهم ولا حرج.
ومن فوائد هذا الحديث: التيسير على العباد من قوله: "إن استيسرتا"، ومن أخذ ما دون الواجب أو ما فوقه إذا كان عنده ولا يكلَّف أن يحصل الواجب عليه هذا ما تيسر وربما عند التأمل يرى طالب العلم فوائد أخرى.
زكاة البقر ونصابها:
٥٧٣ - وعن معاذ بن جبلٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كلِّ ثلاثين بقرةً تبيعًا أو تبيعةً، ومن كلِّ أربعين مسنَّةً، ومن كلِّ حالمٍ دينارًا أو عدله معافريًّا". رواه الخمسة، واللَّفظ لأحمد، وحسَّنه التِّرمذيُّ وأشار إلى اختلافٍ في وصله، وصحَّحه ابن حبَّان، والحاكم.
قوله: "بعثه ... " إلخ كان ذلك في ربيع الأول في السَّنة العاشرة من الهجرة، بعثه داعيًا إلى الله ومعلما وحاكما وواليا.
стр. 1239
"فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة"، "بقرة" منصوبة؛ لأنها تمييز للعدد ثلاثين، و"تبيعًا" مفعول "يأخذ" التبيع أو التبيعة هو الصغير من البقر الذي بلغ سنة، والتبيع ذكر، والتبيعة أنثى، والمسنة ما تم لها سنتان وهي أنثى قال: "ومن كل حالم دينارًا"، "الحالم" البالغ دينارًا هذا في الجزية، والدينار الواحدة من النقود الذهبية ويسمَّى عندنا جنيه.
"أو عدله معافريًّا" "عدله" أي: ما يعادله، "معافريًّا" هذا وصف أو اسم لثوب، يسمى كذلك نسبة لمعافر حي من أحياء اليمن.
ففي هذا الحديث: وجوب الزكاة في البقر وهو محل إجماع، ولكنه يلاحظ أنه لا بد أن تكون سائمة، فإن كانت لغير السَّوم فإنها ليسرى فيها زكاة، كما لو كان عند إنسان ثلاثون بقرة أعدها في مزرعته يعلفها فإن هذه ليس فيها زكاة؛ لأنها ليست سائمة.
ومن فوائده أيضًا: أن في كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة؛ يعني: إما ذكر له سنة أو أنثى لها سنة، وهذا أيضًا محل إجماع.
ومن فوائده أيضًا: أن في كل أربعين مسنة؛ يعني: أنثى لها سنتان.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ما دون الثلاثين من البقر ليس فيه زكاة، وهذا محل إجماع إلا عند بعض التابعين فإنه يقول إن الخمس من البقر فيها الزكاة كالإبل، ولكن هذا قياس مع الفارق ومع وجوب النص فلا يعتبر، والصحيح أنه لا زكاة فيما دون الثلاثين، وهذا من الوجوه التي يفرق فيها بين الإبل والبقر، وإلا فالغالب أن ما ثبت للإبل من الأحكام ثبت للبقر، يعني: فيما يتعلق بالواجب والإجزاء وما أشبه ذلك، لا فيما يتعلق بنقض الوضوء من لحمها أو الصلاة في أعطانها وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: إجزاء الذكر عن الإناث، يؤخذ ذلك من قوله: "في كل ثلاثين تبيع"، وهذا يدل على أن الذكر يجزئ في هذا الموضوع، وهنالك موضع آخر يجزئ فيه الذكر بدل الأنثى وهو ابن اللبون مكان بنت المخاض، وأيضًا التيس إذا شاء المصدِّق، وأيضًا إذا كان النصاب كله ذكورًا على خلاف فيه؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إذا كان النصاب كله ذكورًا في الإبل فإن الواجب إخراج ما نصَّ عليه الشرع، يعني: بنت المخاضر، بنت اللبون، والحقة، والجذعة؛ لأن الأحاديث عامة، ولكن المشهور عند الفقهاء أنه إذا كان النصاب ذكورًا فإنه لا يكلَّف أنثى، والذي يظهر لي أن الأحوط إذا كانت الأنثى عنده أن يخرج الأنثى التي قدَّرها الشارع مثل أن يكون عنده خمسة وعشرون جملًا وعنده بنت مخاض، هل نقول: يجوز أن تخرج ابن مخاض بدلها؟ على المذهب يجوز، وعلى القول الثاني لا يجوز ما دامت بنت المخاض عندك فأخرجها.
стр. 1240
ومن فوائد الحديث: ثبوت الجزية لقوله: "ومن كل حالم دينارًا".
ومن فوائده: أن من هو دون البلوغ لا جزية عليه؛ لأنه ليس أهلًا للقتال فلا يكلَّف الجزية.
وهل نقول من فوائده: أن مقدار الجزية دينار، أو نقول: إن هذا يختلف باختلاف الأحوال؟ الثاني، وهذا هو المعروف، قد تكون في زمن من الأزمان دينارًا وقد تكون دون ذلك بحسب النمو الاقتصادي؛ لأنه إذا كان ضعيفًا فإن تكليفهم بإخراج الدينار فيه مشقة والعكس بالعكس، أما الفقير الذي يعجز عنها فلا شيء عليه.
وظاهر الحديث: أن الجزية ثابتة على كل كافر من كل حالم دينارًا، وأكثر أهل العلم يرون أن الجزية إنما تكون لأهل الكتاب فقط- اليهود والنصارى- وأما غيرهم فالإسلام أو القتال، والصحيح أن الجزية ثابتة لجميع الكفار؛ لحديث بريدة: "كان النبي ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سرية ... إلى قوله: أنهم إذا بذلوا الجزية قال النبي ﷺ : فاقبل منه وكف عنهم".
فالصحيح: أن الجزية إذا بذلها الكفار فإنه يكف عنهم ولا يلزمون بالإسلام، أما لو امتنعوا من الإسلام ومن الجزية فإنهم يقاتلون، لكن بشرط أن يكون لدينا القدرة على قتالهم، فإن لم يكن لدينا القدرة فإننا لا نلزم بما لا نستطيع، ولهذا لم يفرض القتال على النبي ﷺ إلا بعد أن هاجر وكانت له دولة قوية، وأما قبل ذلك فلا يجب.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: التيسير على أهل الجزية بأن نأخذ منهم إما ذهبًا، وإما ثيابًا لقوله: "أو عدله معافريًّا".
ومن فوائده أيضًا: جريان التقويم في الأشياء لقوله: "أو عدله معافريًّا"، ولم يقل: أو معافريًّا، بل قال: "عدله"، وقد مرَّ علينا فيما سبق أن من الأشياء ما يقوِّمها الشرع بغير نظر للاجتهاد، ومنها ما يقوِّمه فينظر إلى الاجتهاد.
هذا الحديث وإن اختلفوا في وصله لكن ما فيه من الأحكام متفق عليه.
مشروعية بعث السُّعاة لقبض الزكاة:
٥٧٤ - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم"، رواه أحمد.
- ولأبي داود: "لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم".
هذا بالنسبة للصدقات التي يبعث إليها السُّعاة- الجباة الذين يأخذون الصدقات- هؤلاء الجباة يجب عليهم أن يذهبوا إلى أمكنة أهل الزكاة لا يجلسون في مكان ويقولون: أحضروا لنا
стр. 1241
الزكاة، بل يجب أن يذهبوا هم إلى أهل الزكاة، ولهذا قال الرسول ﷺ : "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم" أي: الموارد؛ لأن أهل الأموال والمواشي لهم أماكن يردونها فيجلس الجابي أو الساعي على الماء، وكل من جاء أخذ منه الزكاة، ولا يجوز أن يجلس في مكان ويقول: ائتوا بزكاتكم، فان فعل كان مخالفاً لأمر النبي ﷺ .
وقوله: "تؤخذ" جملة خبرية، ولكنها بمعنى الأمر، الرواية الثانية: "لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم" وهذا الحديث أعم من الأول؛ لأنه قال: "لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم"، فيشمل الماشية وغير الماشية مثل زكاة الثمار؛ لأن زكاة الثمار يفرضها الإمام أو نائبه، فلا تؤخذ منهم إلا في دورهم، ولا نقول: ائت بها إلينا، بل نقول: اذهب أنت إلى أهل البساتين وخذ الزكاة.
من فوائد هذا الحديث: مشروعية بعث السعاة لقبض الزكاة.
ومنها أيضًا: أن الواجب على العامل أن يذهب بنفسه إلى بلاد من عليهم الزكاة ليجلبها، ومنها مراعاة التيسير على أهل الزكاة، وجهه: أنه يذهب إليهم وهذا من التيسير؛ لأن المزكِّي في الحقيقة قد أخذ منه الزكاة، فإذا أخذ منه وكلِّف أن يسافر بذلك صار في هذا نوع من المشقة عليه وثقلت، ثم لو طلب منه أن يأتي بها هو فربما يتأخر ويتكاسل، فإذا ذهب الساعي إليه أخذ منه الزكاة.
لا زكاة على المسلم في عبيده وخيله:
٥٧٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقةٌ" رواه البخاريُّ.
- ولمسلمٍ: "ليس في العبد صدقةٌ إلا صدقة الفطر".
قوله: "ليس على المسلم في عبده"، كلمة "على المسلم" لا مفهوم لها؛ وذلك لأن الكافر يحاسب على الزكاة على القول الصحيح، لكنه وصفه بالمسلم؛ لأنه هو الذي يخاطب في أداء الزكاة.
وقوله: "في عبده" الإضافة هنا للاختصاص والتملك في عبده الذي ملكه مختصًّا به، مثل العبد الذي اتخذه للخدمة في البيت، أو في الدُّكان، أو في العمل، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: "ولا فرسه" نقول فيها مثل ما قلنا "في عبده" أنه الفرس الذي اختصه لنفسه يركبه ويجاهد عليه ويسابق عليه وما أشبه ذلك.
وقوله: "صدقة" أي: زكاة، والدليل أنها زكاة أنه قال: "ليس على المسلم" و"على" تفيد الوجوب، فنفى الرسول ﷺ الوجوب ولا واجبة إلا الزكاة.
стр. 1242
أما لفظ مسلم ففيه أنه قال: "إلا صدقة الفطر"، فإن على المسلم أن يؤدي زكاة الفطر عن عبده، وقوله: "إلا صدقة الفطر" يجوز فيها وجهان في الإعراب: الأول: النصب. والثاني: الرفع؛ لأن المستثنى منه تام منفي فجاز في المستثنى وجهان.
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة، أولًا: أنه لا زكاة على المسلم فيما يقتنيه من العبيد والخيل لقوله: "ليس على المسلم في عبده وفرسه".
ثانيًا: عموم ذلك يتناول الخيل السائمة، فلو كان عند الإنسان مائة فرس اقتناها لنفسه وهي تسوم ترعى فليس فيها صدقة؛ لأن الرسول ﷺ نفى ولم يستثن، ولو كانت السائمة مستثناة لاستثناها كما أستثنى صدقة الفطر في العبد.
ومن فوائد هذا الحديث: التيسير على العباد في أنه لا يلزمهم الزكاة فيما يختصُّون به لأنفسهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ليس على المسلم صدقة في فراش البيت وأواني البيت وسيارات الركوب وما أشبه ذلك، من أين يؤخذ؟ من القياس؛ لأن الفرس والأواني والفرش وشبهها لا فرق بيتها وبين هذه الأشياء، فكل ما اقتناه الإنسان من أي شيء كان فليس فيه زكاة إلا الحلي من الذهب والفضة ففيه الزكاة للأدلة الخاصة به.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا زكاة في الإبل والبقر العوامل التي أعدت للسواقي وأعدت للإيجار والحرث، ليس فيها زكاة ولو كانت سائمة؛ لأنها عوامل مع أن العوامل مشتغلة بالعمل لا تسوم في الغالب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن العروض ليس فيها زكاة- عروض التجارة- كيف؟ لأنه لو فرض أن عند الإنسان عشر خيول أعدَّها للتجارة فهل هي له أو لغيره؟ له، فتكون داخلة في قوله: "ولا فرسه"، فلا تجب الزكاة في العروض. نعم هكذا استدل بها الظاهرية وقالوا: إن العروض ليس فيها زكاة؛ لأن الحديث: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه"، والعجيب أن الظاهرية- ﵏ يمنعون القياس وهنا يقيسون، وكان عليهم أن يقولوا الفرس لا تجب فيه الزكاة ولو للتجارة، وأموال التجارة ليس فيها زكاة، لكن لا يأخذونها من هذا الحديث وإلا تناقضوا، والصحيح: أن هذا الحديث لا يدل على انتفاء الزكاة في العروض كما لا يدل على ثبوتها، وذلك لأن قول الرسول ﷺ : "في عبده ولا فرسه" ظاهر في أن المراد به: الذي يختصُّ به والذي اختصه لنفسه فهو عبده لا يريد أن يبيعه وكذلك فرسه، أما عروض التجارة فإن المالك لا يريدها بذاتها، لأنه يمكن أن يشتريها في الصباح ويبيعها في المساء، لكن ما أعدَّه لنفسه لا
стр. 1243
يبيعه، فهو لا يريد السلعة بعينها إنما يريد قيمتها وربحها، وهذا هو الدليل على وجوب زكاة العروض؛ لأن مالك العروض لا يريد إلا القيمة فقط، وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"؛ ولهذا تجد الذي يشتري العروض، اذا اشترى بيتًا مشيدًا جميلًا من أحسن البيوت للتجارة وعرضه على الناس للبيع فقال له واحد من الناس: يا رجل، هذا لا تجد مثله لا تفرط فيه ماذا تكون نيته؟ يعتقد الآن أنه صار خاصًّا به، وليست نظرته الآن إليه كنظرته السابقة، ففرق بين عروض التجارة وبين الأشياء التي يختصها الإنسان لنفسه من الأعيان كالعبد والفرس، فالصواب: أنه ليس فيه دليل على سقوط الصدقة في عروض التجارة.
للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا ويعاقب المانع:
٥٧٦ - وعن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه- ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "في كلِّ سائمة إبلٍ: في أربعين بنت لبونٍ، لا تفرَّق إبلٌ عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً بها فله أجرها، ومن منعها فإنَّا آخذوها وشطر ماله، عزمةً من عزمات ربِّنا، لا يحلُّ لآل محمدٍ منها شيءٌ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيُّ، وصحَّحه الحاكم، وعلَّق الشَّافعيُّ القول به على ثبوته.
هذا الحديث- حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده- اختلف فيه المحدثون هل هي ترجمة مقبولة أو غير مقبولة؟ فمنهم من ضعفها، وسبب تضعيفهم إياها: حديثه هذا؛ لأنهم استنكروا العقوبة بالمال فمن أجل ذلك ضعفوه، وقالوا: لولا حديثه هذا لكان حديثه حسنا أو موثوقًا، لكن الإمام أحمد ﵀ وإسحاق بن راهويه قبلوا حديثه وصححوه، وقالوا: إن هذا الحديث لا يوجب الطعن في الرَّجل؛ لأن هذا الحديث ليس منكرًا متنًا، إذ إن له نظائر في الشريعة، فلا يمكن أن يعلَّل الرجل أو أن يقدح في الرجل بسببه، قال ابن القيم: والقدح في هذا الرجل بسبب هذا الحديث معناه الدوران وهذا صحيح، والدَّور عند أهل العلم باطل؛ لأننا إذا أبطلنا الحديث بالرجل وأبطلنا الرجل بالحديث صار الدور، والصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل أن الرجل لا مطعن فيه، وأن هذا الحديث جارٍ على قواعد الشريعة كما سيتبين- إن شاء الله-.
يقول الرسول ﷺ : "في كل سائمة إبل"، وقد سبق لنا معنى السائمة وهي التي ترعى المباح
стр. 1244
الحول أو أكثره والمراد بالمباح عند العلماء ليس ضد الحرام، ولكن المباح هو الذي لم يزرعه الآدمي، وإنما هو كلأ أنبته الله، وقد سبق لنا في السُّلوم أن له أربع حالات سائمة: كل الحول، أو أكثر الحول، أو نصف الحول، أو أقل من النصف، أي: ليست سائمة معلوفة، والتي فيها الزكاة هي السائمة أكثر الحول، أو كل الحول.
وقوله: "في كل سائمة إبل" هذا مقيد الحديث أنس السابق أو مخصص؛ لأن حديث أنس السابق ليس فيه اشتراط السموم بالنسبة للإبل، وإنما فيه اشتراط السوم بالنسبة للغنم.
وقوله: "في أربعين بنت لبون" لا يخالف حديث أنس؛ لأن حديث أنس: "في ست وثلاثين إلى خمس وأربعين فيها بنت لبون"؛ إذن فالأربعون داخلة فيما سبق، ففي ست وثلاثين بنت ليون، وفي أربعين بنت لبون، وفي خمس وأربعين بنت لبون فلا يخالف حديث أنس.
وقوله: "في كل سائمة إبل في أربعين" بالنسبة لما قبلها من حيث المعنى والإعراب أيضًا تعتبر بدلًا، أي: في السائمة في الأربعين منه، وهل هو بدل بعض من كل؟ نعم؛ لأن السائمة تشمل القليل والكثير، وأربعين تخص هذا العدد، وبتت اللبون هي التي تمَّ لها سنتان.
قال: "لا تفرق إبل عن حسابها" الذي تجب فيه الزكاة؛ أي: لا يفرق الإنسان الإبل المجتمعة عن حسابها لتسقط عنه الزكاة، وهذا كقوله في حديث أنس: "بين مجتمع خشية الصدقة"؛ لأن الإنسان مثلا إذا كان عنده أربعون من الغنم ففيها شاة، فإذا فرقها فليس فيها شيء، عنده خمس من الإبل فيها شاة، فإذا فرقها وجعل اثنتين هنا وثلاثًّا بعيدة سقطت الزكاة، فالرسول ﷺ يقول: "لا تفرق إبل عن حسابها"؛ يعنى: عند العدد الذي بلغته خوفًا من الصدقة، أما إذا كان ليس خوفًا من الصدقة كما لو كان لغرض مقصود فانه لا نهي في، وعلى هذا فكون قوله: "لا تفرق إبل عن حسابها" مقيدًا بحديث أنس السابق؛ أي: لا تفرق خشية الصدقة.
ثم قال ﷺ "من أعطاها" أي: من أعطى الزكاة الواجبة وهي بنت لبون في الأربعين، "مؤتجرًا بها فله أجرها"، "مؤتجرًا" أي: طالبًا الأجر، فهي مفتعل بمعنى: طالب للشيء، يعني: طالبًا لأجرها فله أجرها، ومن أعطاها غير مؤتجر بها ولكنه أعطاها رياء وسمعة أو أعطاها خوفًا من السلطان أن يكرهه على دفعها فهل له أجرها؟ لا، ليس له أجرها، لكنها تجزؤه ظاهرًا، بمعنى: أن السلطان لا يطالبه بها؛ لأنه أدَّاها، أما في الآخرة فلا ينتفع بها.
"ومن منعها" فلم يعطها "فإنا آخذوها وشطر ماله"، "فإن" الضمير يعود على الرسول ﷺ ، ويعود إليه باعتبار سعاته أو باعتبار نفسه هو؛ لأنه له السلطة، "فإنا آخذوها" كيف آخذوها ليس فيها نون؟ إعراب "آخذوها" خبر إن مرفوع والنون حذفت للإضافة كما يحذف التنوين؛ ولهذا
стр. 1245
نقول في إعراب جمع المذكر السالم والتثنية: النون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والعوض يقوم مقام المعوَّض، يقول الشاعر في رجل لا يحب الاجتماع إليه: [الطويل]
كأنِّي تنوينٌ وأنت إضافةٌ ... فأنا تراني لا تحلُّ مكاني
يعني: لا تحل معي.
المهم أن نقول: النون خذفت هنا للإضافة، "فإنا آخذوها وشطر ماله" الواو للمعية؛ يعني: فإنا آخذوها مع شطر ماله، وعلى هذا فتكون "شطر" منصوبة على أنها مفعول معه، ويجوز أن تكون الواو حرف عطف وتكون معطوفة على الهاء باعتبار محلها؛ لأن الهاء مفعول به في الواقع فمحلها في الأصل النصب، وقد أشار إلى ذلك ابن مالك في "الألفية" بأن المعطوف على هذا لمجرور الذي محله النصب لولا الإضافة يجوز في العطف على المحل والعطف على اللفظ؛ أي: أنه يجوز نصبه مراعاة للمحل، كما يجوز جره مراعاة للفظ.
قوله: "وشطر ماله" شطر هذه اسم، والشطر بمعنى: النصف، أي: آخذوا نصف ماله.
العجيب: أن بعض أهل العلم- سامحهم الله- قالوا: إن في الحديث تحريفًا وصوابه: "فإنا آخذوها وشطر ماله"، أي: جعل شطرين فيؤخذ الأعلى من الشطرين؛ يعنى: نأخذ زكاته ونأخذ أعلى ما يكون من الزكاة، لماذا ادَّعوا ذلك؟ فرارًا من أن يعاقب الإنسان بأخذ شيء من ماله، والعجب أنهم قالوا هكذا، وقالوا: نأخذ خيار ماله، الأخذ من خياره هل هو الواجب أو زائد عن الواجب؟ الثاني، إذن هذه عقوبة لكنها عقوبة بالوصف لا عقوبة بالعين والذات.
فقيل لهم: أنتم الآن حرفتم الحديث من أجل اعتقادكم بأن لا عقوبة في غرامة المال مثل ما قال ابن القيم ﵀ هذا تحريف بلا شك، والحديث المحفوظ رواية وكتابة هو: "شطر ماله"، ثم إنه على زعمكم أن هذا هو الصواب وأن شطر ماله محرّف، نقول: إذا قلتم شطرين: واحد جيد وواحد رديء، فإن أخذت الجيل فهذه عقوبة، ودعواكم أن هذه عقوبة بالوصف لا بالعين دعوى باطلة، المهم أنه ثبت أصل العقوبة في المال، أنا سقته وإن كان ليس ذا أهمية ليتبين لكم خطورة اعتقاد الإنسان للشيء قبل أن يستدل عليه، ولذلك ينبغي لك أن تكون بين النصوص كالميت بين يدي الغاسل لا تتحرك إلا حيث حركت؛ لأنك مسئول عن هذه النصوص.
فانظر إلى هذا التحريف في هذا الحديث بناء على اعتقاد أنه لا غرامة في المال، يا جماعة ما دليلكم على أنه لا غرامة في المال؟ قال لأن النبي ﷺ يقول: "إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". ومتى قالها؟ في
стр. 1246
حجة الوداع. إذن كل العقوبات بالمال منسوخة بهذا الحديث؛ لأن هذا من آخر ما حدَّث به الرسول ﷺ فلا عقوبة في المال. نقول لهم: سبحانك اللهم وبحمدك، ما تقولون في عقوبة الإنسان ببدنه أيهما أشدُّ: عقوبة البدن أو عقوبة المال؟ عقوبة البدن.
على كل حال نقول لهم: هذا الحديث في الحقيقة قد يكون حجة عليكم؛ لأنكم تقولون بجواز تعزير الإنسان بالضرب في بدنه والمخرج واحد والحديث واحد، والضرب على البدن قد يؤثر أكثر من أخذ المال، وكثير من الناس يحمون أبدانهم بأموالهم، وهذا شيء مشاهد، لو جاء لصوص ومعك مائة مليون ريال، بل مائة مليون دينار، وقالوا: نأخذ المال أو نقتلك ماذا تقول؟ ! تقول: خذوا المال ولا تقتلوني. إذن إذا كان الشارع بإقراركم يبيح التعزير بعقوبة البدن وليس ذلك منسوخًا عندكم كيف تقولون: التعزير بعقوبة المال منسوخ؟
لهذا أقول: إن هذا الحديث، يقول: "آخذوها وشطر ماله" عقوبة له، لكن ما المراد بـ"شطر المال"، هل هو المال كله، أو المال الذي منع زكاته فقط؟ فيه احتمال هذا، أو هذا، فتحن مثلًا نقول: هذا رجل عنده مليون درهم، وعنده أربعون شاة، فجاء الساعي فمنع الزكاة يجب عليه في أربعين شاة شاة واحدة، فلم يعطها للساعي، إذا قلنا: "آخذوها وشطر ماله، " المال الذي منع زكاته كم نأخذ منه؟ ((٢١)) شاة، وإذا قلنا: جميع المال كم نأخذ؟ خمسمائة ألف وواحد وعشرين درهمًا. بين الاحتمالين فرقًا عظيمًا فأيهما نأخذ به؟ نقول: الأصل في مال المسلم الحرمة، فلا تأخذ بالاحتمال الزائد مع إمكان حمل اللفظ على الاحتمال الأدون؛ لأننا نقول نصف المال الذي منع زكاته مستحق بكل تقدير، ونصف جميع المال مستحق باحتمال، والاحتمال شك، وحرمة مال المسلم يقين. إذن لا نقصر اليقين بالشلك، وحينئذٍ نقول: يخرج منه نصف المال الذي منع زكاته، لكن ما تقولون لو أن ولي الأمر رأى من المصلحة أن يؤخذ نصف ماله كله من أجل ردعه وأمثاله عن منع الزكاة هل يسوغ له ذلك ويقول: أنا أتشبث بهذا الاحتمال الواقع في هذا اللفظ أو نقول لا يحل لك؛ لأنها قد تكون القيمة كبيرة كما في المثال الذي ذكرنا؟ على كل حال الشيء المؤكد الآن أنه يؤخذ نصف المال الذي مع زكاته؛ لأنه هو المال الذي حصلت فيه المخالفة والمعارضة، فكانت الحكمة تقتضي ألا تتجاوز العقوبة على المال الذي منعت زكاته هذا من وجه، ومن وجه آخر: أن الأصل في المال الحرمة فلا نستبيح ما كان مشكوكًا فيه؛ لأن المشكوك فيه لا يقصر الشيء المتيقن.
ثم قال: "عزمة من عزمات ربنا"، "عزمة" فيها روايتان: "عزمةً"، و"عزمةٌ"، أمَّا على رواية "عزمةٌ" فهي خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي عزمةٌ، أو هذه عزمةٌ، وأما على رواية النصب فهو مصدر مؤكِّد للجملة قبلها "فإنا آخذوها"، والأخذ عزيمة، والعزمة مصدر، فتكون مصدرًا
стр. 1247
مؤكِّدًا للجملة قبله مثل قولك: "تبنى أنت حقًّا" فإن "حقًّا" مؤكد لمضمون الجملة السابقة هذا أيضًا مؤكِّدة لمضمون الجملة، ومعنى "عزمة" أي: أكيدة، يعني: نأخذها أخذا مؤكَّدًا مجزومًا به، "من عزمات ربنا" أي: من تأكيدات ربنا، وهنا إشكال وهو إنه قال: "عزمة من عزمات" ولم يقل عزمة من عزمات، يقول ابن مالك:
والسَّالم العين الثُّلاثي اسمًا أنل ... إتباع عينٍ فاءه بما شكل
إن ساكن العين مؤنَّثًا بدا ... مختتمًا بالتَّاء أو مجرَّدا
وسكِّن التَّالي غير الفتح أو ... خفِّفه بالفتح فكلَّا قد رووا
فالفاء المفتوحة تكون العين فيها مفتوحة دائمًا، ولا يجوز التسكين، فهذه القاعدة "عزمة من عزمات ربنا".
قال: "لا يحل لآل محمد منها شيء"، "لا يحل" أي: يحرم. من الذي يدرينا أن "لا يحل" يعني: يحرم؟ لأن الحل المطلق يقابله التحريم المطلق، فإذا قلت: "لا يحل" فهو كما لو قلت: يحرم، ولهذا قال الله : ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على الله الكذب﴾ [النحل: ١١٦]. وهذا هو المفهوم من كلمة "لا يحل" أي: يحرم، وإن كان نفي الحل قد يراد به نفي أن يكون مستوي الطرفين فيتناول المكروه والمحرم، بمعنى أن نقول: ليس حرامًا، بل هو حلال، والحرام ليس حلالًا، ولكنه لا يصار إلى هذا إلا بدليل واضح، وإلا فالأصل أن نفي الحل إثبات للتحريم هذا الأصل. يقول: "لا يحل لآل محمد" من آل محمد؟ هم أقاربه وليس أتباعه هنا بالتأكيد؛ لأننا لو قلنا: لا يحل لأتباع الرسول الزكاة لا يستقيم؛ لأن معنى ذلك أنها لا تحل إلا إلى الكفارة؛ إذن آل محمل هم قرابته وهم بنو هاشم فقط، وقيل: بنو المطلب، والصحيح خلافه، وأن آل المطلب تحل لهم الزكاة، وإنما شاركوهم في الأخذ من الغنيمة لمساعدتهم إياهم؛ ولهذا قال الرسول ﷺ في بني عبد المطلب: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام". لكن الآن هم بنو هاشم، وهل يدخل في ذلك زوجاته؟ فيه نقاش أو لا؟ ليس فيه نقاش؛ لأنه هل الآن تأتي إحدى زوجات الرسول وتقول: أعطوني من الزكاة؟ هذا غير واقع، وإذا كان غير واقع فالمناقشة فيه قد تكون من فضول العلم، ولكن لا شك أن زوجات الرسول ﷺ من أهل البيت بنص القرآن قال الله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلوة وءاتين الزكوة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
стр. 1248
أهل البيت ويطهركم تطهيرًا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ءايات الله والحكمة﴾ [الأحزاب: ٣٣، ٣٤]. وقد أضاف النبي ﷺ ذلك إلى نفسه حينما قال: "من يعذرني من رجل قال في أهلي؟ "، فأضاف الأهل إلى نفسه ﷺ ، لكن البحث في استحقاق نسائه من الزكاة في هذا الزمن ليس له داعٍ إنما يدخلن في أهله فيما إذا قلن: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد".
في هذا الحديث دليل على وجوب الزكاة في الإبل لقوله: "في كل سائمة إبل ... " إلخ، وفيه دليل على اشتراط السوم في الإبل كما دل حديث أنس السابق على اشتراط السوم في الغنم لقوله: "في كل سائمة"، وفيه دليل على أن في أربعين من الإبل بنت لبون وهو ظاهر، ولكن هل يعارض ما تقدم في حديث أنس؟ لا؛ لأن حديث أنس من ((٣٦)) إلى (٤٥) بنت لبون، وهذا أربعون فهو داخل فيما سبق.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز أن تفرق الإبل عن حسابها خشية الصدقة.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى إخلاص النية لقوله: "مؤتجرًا بها".
ومن فوائده: أنه لا ينافي الكمال أن ينوي الإنسان بعبادته الأجر لقوله: "مؤتجرا"، وأما من زعم أن من عبد الله لثواب الله فعبادته ناقصة ومن عبد الله لعبادة الله فعبادته كاملة، فقد أبعد النجعة وأخطأ؛ لأن الله- يقول في وصف الرسول ﷺ وأصحابه ﴿محمّدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله وروضوانًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وهذا لا ينافي كمال الإخلاص.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الله على لسان رسوله تكفل لمن أخلص النية له أن يعطيه ما احتسب، يؤخذ من قوله: "فله أجرها".
ومن فوائل هذا الحديث: تحريم منع الصدقة الواجبة، يؤخذ من العقوبة على المنع.
ومنها: جواز التعزير بأخذ المال لقوله: "آخذوها وشطر ماله"، فإن قلت: هذا ينافي قوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام". قلنا: هذا صحيح، لكن إذا وجدت أسباب الإباحة صارت مباحة.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: إثبات وصف شرع الله بالعدل لقوله: "عزمةٌ من عزمات ربنا"، وله شاهد في الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".- فلله تعالى- عزائم وهي ما أوجبها- على نفسه شرعًا أو كونًا، فما أوجبه على نفسه فهي عزيمة.
стр. 1249
ومن فوائد هذا الحديث: إسناد التشريع من الرسول ﷺ إلى الله لقوله: "عزمة من عزمات ربنا"، فتشريع النبي ﷺ أحيانًا يأتي بدون هذه النسبة وأحيانًا يأتي بهذه النسبة، والكل من عند الله.
فإن قلت: هل لهذا الحديث شاهد من جواز التعزير بالمال؟
فالجواب: نعم، تحريق رحل الغال ثابت بالسُّنة، وهو من التعزير بالمال؛ لأن الغال الذي يكتم شيئًا مما غنمه من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما استثنى الشرع.
ومنها أيضًا: إضافة قيمة الضالة على من كتمها يضاعف عليه ضعفين.
ومنها: إضعاف القيمة على من سرق الثمر، وكذلك هنا تضاعف القيمة على من منع الزكاة، وقد سبق لنا احتمال كلمة "ماله" هل يراد بها المال الزكوي الذي منع زكاته أو جميع المال.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة لا تحل لآل محمد لقوله: "لا يحل لآل محمد منها شيء".
ومنها: كرم أصل هذا النسب الشريف حيث حرِّمت عليهم الزكاة؛ لأنها أوساخ الناس كما قال الرسول ﷺ ، وفي أخذ الزكاة من الإنسان نوع من الذل، فإن الإنسان إذا أخذ من شيء يوصف أنه صدقة تجده يتذلل أمام هذا الرجل الذي أعطاه، فمن أجل كرم هذا النسب ورفعته منع النبي ﷺ من إعطاء هذا البيت الزكاة.
ومنها: أن نفي الحل يقتضي التحريم، يؤخذ من قوله: "لا يحل"، وقد منع النبي ﷺ العباس من الزكاة لما طلب أن يعطيه، وقال: "إنها لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس"، وهذا هو الأصل في نفي الحل أن يراد به التحريم، وقد يراد بنفي الحل نفي الجواز فقط فلا يقتضي التحريم ويدخل فيه المكروه، ولكن هذا يحتاج إلى دليل، وإلا فالأصل أنه إذا نفي الحل فمقتضاه التحريم.
هل يستفاد من الحديث جواز ذكر الإنسان نفسه بلفظ التعظيم؟ نعم، يؤخذ من قوله: "فإنا آخذوها وشطر ماله"، وقد يقال: إن مثل هلا إذا قاله السلطان أو الولي فإنه يصح باعتبار أنه يتوصل إلى الأمر بجنوده وقوته، وعلى كل حال: فهذا التعبير سائغ بين أهل العلم إلى زماننا هذا.
فائدة:
ومن فوائد هذا الحديث- ولكنه ليس من فوائد الحديث في الواقع ولكنها فائدة مستقلة-: أنه يجوز للعالم أن يعلق القول بالشيء على ثبوت دليله، وقد علق الشافعي القول به على ثبوته، وهذا مسلك صحيح، لا يقال: إن العالم إذا قال هذا فإنه لم يعطنا شيئًا: "إن صح هذا
стр. 1250
الحديث قلت به"، إذن ما قال بشيء، لكن فائدته أننا إذا بحثنا عن هذا الحديث وثبت فإنه يكون قولًا له، لكن لا بد من ثبوت أمرين: ثبوت الدلالة وثبوت النسبة، هذا القول الذي قاله الشافعي ﵀ واجب على كل مؤمن إذا ثبت الدليل أن يكون قائلًا به؛ لقول الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً مبينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين﴾ [النور: ٥١]. ولقوله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾ [الأنفال: ٢٤].
المهم: أن الآيات في هذا كثيرة، وأن كل مؤمن يقول بلسانه وقلبه: إذا ثبت هذا الدليل فإنني أقول به، والحديث ثابت عند الإمام أحمد وإسحاق كما سبق لنا في الشرح، وعلى هذا فيكون القول به واجبًا، ودعوى من ادعى أنه منسوخ بحديث: "إن دماءكم ... إلخ" الذي قاله النبي ﷺ في حجة الوداع أقول: إن هذه الدعوى لا تستقيم؛ لأن من شرط النسخ ألاَّ يمكن الجمع هذا واحدٌ، ومن شرط النسخ أن يُعلم التاريخ بحيث تعلم تأخر الناسخ، وهنا لا نعلم هل الرسول حدَّث بهذا الحديث قبل حجة الوداع أو بعدها، وعلى كل حال فإن الشرط الأول وهو أنه لا يمكن الجمع غير متحقق هنا قطعًا، والشرط الثاني فيه احتمال أن يكون قبل أو بعد.
شروط الزكاة:
٥٧٧ - وعن عَليٍّ ﵁ قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "إذا كانت لك مائتا درهمٍ وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيءٍ حتَّى يكون لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينارٍ، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مالٍ زكاةٌ حتَّى يحول عليه الحول". رواه أبو داود، وهو حسنٌ، وقد اختلف في رفعه.
الحديث كما رأيتم في تحسين المؤلف له يقول: إنه حديث حسن، وقد اختلف في رفعه، يعني: اختلف هل هذا من كلام الرسول ﷺ أو من كلام علي ﵁؟ والمعروف عند أهل العلم أنه عند اختلاف الرواة في رفعه ووقفه- وكان الرافع له ثقة- يحكم بالرفع، لماذا؟ لسببين:
أولًا: أن فيه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة.
الثاني: أن الوقف لا ينافي الرفع، فإن الإنسان إذا روى الحديث عن الرسول ﷺ قد يقوله من نفسه من غير أن ينسبه إلى الرسول ﷺ لثبوته عنده، أنا الآن ربما أقول إنما الأعمال بالنيات،
стр. 1251
أحدث بها ولا أرفعها إلى النبي ﷺ ، فحينئذٍ لا يكون بين الرفع والوقف مُنافاة، فمن ثمَّ إذا تعارض الرفع والوقف وكان الرافع ثقة فإنه يجب قبوله لعدم التنافي.
وللزيادة أيضًا يقول: "إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم" اشترط النبي ﷺ في هذا الحديث شرطين:
الأول: بلوغ النصاب وهو مائتا درهم، ومائتا درهم بالمثاقيل مائة وأربعون مثقالا؛ لأن الدرهم الإسلامي سبعة أعشار مثقال، سبق لنا أن المثقال أربعة جرامات وربع خمس وعشرين في المائة وضربناها فبلغت خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا هذا هو نصاب الفضة.
الشرط الثاني الذي اشترطه النبي ﷺ قال: "وحال عليه الحول" يعني: تمت لها سنة، والمراد بالحول: الحول العالمي وهو الحول الهلالي؛ لأن الهلال هو التوقيت العالمي، لكن بنو آدم تركوا هذا التوقيت العالمي ورجعوا إلى التوقيت القانوني الوهمي، قال الله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس﴾ [البقرة: ١٨٩]. عامة، وقال : ﴿إنَّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. وهذه الأشهر بتفسير النبي ﷺ لها هي الأشهر الهلالية، إذن حتى يحول عليك الحول بالأشهر العالمية الهلالية؛ لأنها هي الأشهر الحقيقية، لكن لو قلنا الحول باعتبار هذا الطريق الوهمي فمعناه: ينقص علينا عشرة أيام أو إحدى عشر على حساب الفقهاء؛ لأن كل ثلاثة وثلاثين سنة يطلع فيها سنة وحينئذ يكون فيه ضرر على أن الحول المعتبر شرعًا وكونًا هو الحول بالأشهر الهلالية. يقول: "ففيها خمسة دراهم" انسبها إلى مائتين يكون ربع العُشر؛ لأنك إذا قسمت مائتين على أربعين الناتج خمس إذن ربع العُشر.
قال: "وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارًا"، "شيء" يعني: من زكاة الذهب، ليس من كل شيء؛ لأن الإنسان قد يكون عنده نصاب فضة وليس عنده نصاب ذهب، فقوله: "شيء" أي: نصاب الذهب، يقول: "حتى يكون لك عشرون دينارًا"، كم عشرون دينارا في المثاقيل؟ عشرون مثقالا؛ لأن الدينار مثقال بخلاف الدراهم فالدراهم اختلفت ففي عهد الرسول ﷺ كانت مختلفة منها أربعة دوانق ومنها ثمانية دوانق، وفي عهد عبد الملك بن مروان رأى أن يضرب سكة للمسلمين تكون ستة دوانق زاد هذه الأربعة ونقص من الثمانية دانقين، وجعل الدوانق الإسلامية ست دوانق على أن كل عشرة منها سبعة مثاقيل. إذن الدرهم أقل من الدينار في الوزن بسبعة أعشار الدينار هذا بالوزن، لكن بالحجم يمكن أن يكون أكبر منه مرة ونصف بالحجم؛ لأن الذهب أثقل من الفضة، يقول لنا الصاغة: إن الريال العربي يساوي أثنا عشر غرامًا إلا ربع، والريال السعودي يعادل اثنا عشر مثقالا إلا ربعًا، وأما الدينار فهو ثمانية مثاقيل،
стр. 1252
هذا يدل على أن الذهب أثقل من الفضة، إذن نصاب الذهب كم يساوي؟ عشرين مثقالا، ولهذا قال: "حتى يكون لك عشرون دينارًا".
وقوله: "وحال عليها الحول" هذه الجملة في موضع نصب على الحال، أي: وقد حال عليه الحول، ليس عليك في المذهب زكاة حتى يكون لك عشرون دينارًا وقد حال عليه الحول، واشتراط الحول كما سبق.
فإن قلت: ما هي الحكمة من اشتراط الحول؟ لماذا لا نقول: يجب على الإنسان أن يؤدي الزكاة بمجرد ما يملكها؟
فالجواب: إنما يجب ذلك رفقًا بالمالك؛ لأن الأصل أن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، والنمو لا يقدر زمن معين، لكن لا بد أن يكون له زمن فلو اعتبرنا الحولين لكن أضررنا بأصحاب الزكاة، ولو قلنا بالشهر لكنا أضررنا بصاحب المال، فكان المعنى المناسب أن يكون مقدرًا بالحول.
قال: "ففيها نصف دينار" إذا قسمنا عشرين على أربعين يساوي ربع العشر فما زاد فبحساب ذلك ولو قليلًا، ففي مائتي درهم ودرهم خمسة دراهم وربع عشر الدرهم، وهذا بخلاف زكاة السائمة فإن زكاة السائمة ليست كذلك.
قال: "وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول"، كلمة "في مال" هذه نكرة يراد بها الخصوص في مال أي زكوي، والأموال الزكوية سبق لنا بيانها أيضًا، يُراد من الأموال الزكوية أشياء خاصة ليست كلها؛ لأن الخارج من الأرض الذي سميناه الحبوب والثمار لا يُشترط فيه الحول: ﴿وءاتوا حَقَّه، يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. فلو أن الإنسان بذر حنطة وبقيت ستة شهور ثم حصدها فيزكيها، الآن فحينئذ صار في المال تخصيصان:
أولًا: يخصص من عمومات المال بأن المراد به المال الزكوي.
ثانيًا: حتى المال الزكوي ليس كل مال زكوي ليس فيه زكاة حتى يحول الحول؛ لأننا نستثني الحبوب والثمار، فإن زكاتها حين جذاذها وحصادها.
٥٧٨ - وللتِّرمذيِّ؛ عن ابن عُمَرَ ﵁: "من استفاد مالًا، فلا زكاة عليه حتًّى يحول عليه الحول". والرَّاجح وقفه.
هذا الحديث يقول: "من استفاد مالًا"، "استفاد" أي: جاءه فائدة، "فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول". وقوله: "مالا" نكرة في سياق الشرط فهو للعموم لكنه عام أريد به الخاص، ما الذي أريد به؟ المال الزكوي غير الثمار والحبوب.
стр. 1253
وقوله: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول" ظاهره العموم أيضًا في المستفاد وليس كذلك، ليس هذا في عموم المستفاد، بل المستفاد نفسه منه ما يشترط له الحول ومنه ما لا يشترط على التفصيل الآتي:
أولًا: أن يكون المستفاد من غير جنس المال الذي عندك فهذا لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول مثل: رجل عنده فضة واستفاد ذهبًا ورث ذهبًا أو رجل وهبه ذهبًا، فهنا المستفاد لا يضم إلى من عنده لا في النصاب ولا في الحول، إذا كان مستفادًا من غير الجنس الذي عندك، فإنك لا تضمه إليه لا في الحول ولا في النصاب، مثال ذلك: رجل عنده مائة درهم وبعد ستة شهور استفاد عشرة دنانير مائة درهم نصف نصاب وعشرة دنانير نصف نصاب، نصف مع نصف واحد فهل يُضم؟ لا يضم لأنه من غير جنسه، تم الحول على عشرة دنانير فليس فيها زكاة والدراهم التي معه تم عليها سنة ونصف هل فيها زكاة؟ ليس فيها زكاة؛ لأن المال من غير جنسه فلا يضم لا في النصاب ولا في الحول.
ثانيًا: أن يكون المستفاد نماءً أو ربحًا للذي عنده فهل يُضم إليه؟ مثال ذلك: رجل عنده مائتا درهم وفي منتصف الحول ربح فيها مائتين إذا تم الحول الأولى عليه الزكاة يزكي الجميع؛ لأن هذا ربح المال الأول والربح تابع للأصل، عنده أربعون شاة وبعد ستة أشهر ولدت كل شاة شاتين وواحدة منهن ولدت ثلاثًا كم صار عنده؟ (١٢١)، كم من الزكاة عليه؟ شاتان؛ لأن هذا نتاج الأصل فيزكي عن مائة وإحدى وعشرين، رجل عنده ثلاثون شاة وفي منتصف الحول ولدت عشر منها عشر شياه عليه شاة لكن من الحول الأول أو من الولادة؟ من الولادة؛ لأن الأول لم يتم النصاب الأول فيكون من الولادة، والسبب أن النصاب ما تم.
القسم الثالث: أن يكون المستفاد الذي استفاده من جنس الذي عنده فهنا يُضم إلى ما عنده في تكميل النصاب لا في الحول.
مثال: رجل عنده عشرة دنانير ليس فيها زكاة بعد مضي ستة أشهر وهب له عشرة دنانير كم صار عنده الآن؟ أصبح عنده نصاب فيضم هذا إلى هذا في تكميل النصاب لا في الحول وعليه متى تجب عليه الزكاة؟ إذا مضى على الأول سنة وستة أشهر، هذه أقسام ثلاثة للمستفاد، فصار الحديث يحتاج إلى تخصيص.
مثال آخر للقسم الثاني: يعني: أنه إذا كان عنده نصاب ومن الأول فإن الثاني لا يشترط فيه بلوغ النصاب، بل تجب فيه الزكاة على كل حال؛ لأنه عنده من جنسه لا في الحول بمعنى: أننا لا نلزمه بإخراج زكاة المستفاد إذا تم حول الأول، وإنما نلزمه بإخراج زكاته إذا تم حوله هو، مثال ذلك عندي: مائتا درهم ملكتها في الأول من المحرم عام سبعة وأربعمائة وألف في أول
стр. 1254
يوم من رجب ملكت مائة درهم في أول يوم من محرم عام ثمانية وأربعمائة وألف تجب علي الزكاة في المائتين السابقة؛ لأنه تم لها سنة ولا تجب عليَّ زكاة المائة التي ملكتها في رجب؛ لأنه لم يتم حولها، وتجب عليَّ الزكاة فيها إذا تم حولها، ولكننا نقول: تضم إلى الأول في النصاب ولا تضم في الحول وعلى هذا فتجب الزكاة في المائة التي ملكها في الأول من رجب وإن لم تبلغ نصابًا؛ لماذا؟ لأنها مضمومة إلى ما عنده من النصاب، لكن ما يجب عليَّ إخراج زكاتها حتى أول يوم من رجب عام ثمانية وأربعمائة وألف.
الدليل على هذا التقسيم أن الأول الذي يكون المستفاد من الذي عنده إما نماء وإما ربحا الدليل على ذلك أن هذا الربح من نفس المال فهو فرعه والفرع له حكم الأصل هذا واحد.
ثانيًا: أن النصوص الواردة في زكاة التجارة وفي زكاة المواشي ما كانوا يستفصلون ويقولون هل هذا النماء أو الربح حصل بعد تمام الحول أو من أول الحول، فكانت العمومات تقتضي وجوب الزكاة فيه بكل حال.
ثالثًا: أننا لو قلنا: إن الربح يستقل بنفسه ولا يتبع في الحول لشقت الزكاة على المالك ولحقه بذلك مشقة إذ يلزم على هذا أن يحص اليوم ربح ريالًا والثاني ربح ثلاثة من يستطيع هذا؟ فهذه مشقة، والمشقة يجب أن تراعى وأن يسقط عن المرء ما كان فيه مشقة.
رابعًا: أن ذلك أحظ للفقراء وأهل الزكاة فمن أجل هذه الوجوه كان الناتج الذي هو النماء والربح تبعًا لأصله، وأما في القسم الثالث وهو أن يكون المستفاد من غير الجنس فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يضم إليه وهو ليس من جنسه.
حكم زكاة البقر العوامل:
٥٧٩ - وعن عليٍّ ﵁ قال: "ليس في البقر العوامل صدقةٌ". رواه أبو داود والدَّارقطنيُّ، والرَّاجح وقف أيضًا.
إعراب الحديث واضح، فإن "صدقة" اسم ليس مؤخر، والمراد بالصدقة هنا: الزكاة، وسميت صدقة لدلالتها على صدق إيمان باذلها، و"البقر العوامل" يعني: البقر التي تعمل كبقر الحرث، تحرث الأرض، وبقر الدياس التي تدوس الزرع، فالناس في الزمن الأول يعانون من مشاق كبيرة في الزروع، لكن الحمد لله الآن أصبح الأمر يسيرًا، وهل في البقر غير هذا؟ نعم السناية يعني: التي تخرج الماء بواسطة رفع الغروب، في بعض البلاد تركب البقر، ولكن بعد التمرين، ولهذا يقول العلماء: يجوز الانتفاع بالحيوان في غير ما خلق له كبقر للحمل وغنم لحرث أو دياسة إذا كانت تطيق هذا.
стр. 1255
يقول المؤلف: "إن الراجح وقفه" فمعناه: أنه من قول علي ﵁. ولننظر هل هذا الحديث له حكم الرفع لأنه قول صحابي؟ إن كان لا مساغ للاجتهاد فيه فله حكم الرفع، وإن كان للاجتهاد فليس له حكم الرفع، بمعنى: هل العقل يتدخل في هذا الحكم أو لا يتدخل؟ يتدخل؛ إذ إنه يجوز أن يقيس الإنسان هذا على قول الرسول ﷺ : "ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة"، فلا يكون له حكم الرفع، إذا لم يكن له حكم الرفع نرجع إلى قاعدة ثانية: هل قول الصحابي حجة؟ نقول: نعم مثل علي بن أبي طالب قوله حجة؛ لأنه من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، لا سيما أن قوله هذا له ما يؤيده من القياس وهو قول الرسول ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة"، وعلى هذا فيكون الحيوان المعد للعمل ليس فيه زكاة.
وهل نتبع بالحيوان المعدات كالسيارات والماكينات وشبهها؟ نعم، لأنه لا فرق كلها غير معدة للتجارة. وهل مثل ذلك العقار المعد للتأجير؟ الجواب: نعم مثلها؛ لأنه أعدَّ للبقاء مع الاستغلال، وكل ما أعد للبقاء مع الاستغلال فإنه ليس فيه زكاة إلا ما تقدم من الذهب والفضة لعموم الأدلة فيها، وبناء على هذا نقول: سيارات النقل لا زكاة فيها؛ لأنها كالبقر العوامل تمامًا، عقارات الإجارة لا زكاة فيها؛ لأنها كالبقر العوامل، الماكينات وشبهها لا زكاة فيها؛ لأنها تشبه هذا، فكل ما أعد للبقاء والانتفاع فلا زكاة فيه.
ومن فوائد هذا الحديث الأول حديث علي: أن خطاب النبي ﷺ لواحد من الأمة خطاب لجميع الأمة، وهذا باتفاق المسلمين إلا إذا دل الدليل على تخصيص ذلك الرجل بالحكم، تؤخذ هذه الفائدة من قوله: "إذا كانت لك" والخطاب لعلي، والحكم عند عامة العلماء لكل المسلمين، ونظير هذا قول النبي ﷺ لعلي: "اغسل ذكرك وتوضأ"- في المذي- والحكم هنا عام لجميع الناس إلا إذا دل الدليل على تخصيص الرجل المخاطب بالحكم فيؤخذ بما دل عليه الدليل ويكون خاصًّا به، ومن ذلك أن النبي ﷺ زوَّج رجلًا امرأة على أن يعلِّمها القرآن وقال: "لن يُجزئ عن أحد بعدك مهرًا". هذا خصه به، لكنه مر علينا أن هذا الحديث ضعيف؛ لأنه شاذ مُخالف لجميع الروايات الصحيحة، وهو قوله: "لن تجزئ عن أحد بعدك مهرًا"، ومنه حديث أبي بردة بن نيار قال له الرسول ﷺ في العناق: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك". هذا خاص، فهل تُجزئ العناق- العنزة التي لها أربعة أشهر- عن أحد بعد أبي بردة؟ لا، وسبق لنا أن شيخ الإسلام ﵀ يقول: إنه ليس في النصوص نص يخص شخصا بعينه لعينه، ولكن
стр. 1256
يخصه بعينه لحاله أو لوصفه أما بعينه لعينه فلا؛ لأن الناس عند الله سواء لا يمكن أن يُخص فلانًا بحكم لأنه فلان، فإن قلت: ينتقض عليك هذا بخصائص الرسول ﷺ فإنها خاصة به؟ فالجواب: لا ينتقض؛ لأن النبي ﷺ خص بها لنبوته ورسالته فلم يخص بها لعينه، وما قاله شيخ الإسلام هو الحق، وعلى هذا يكون قوله ﷺ لأبي بردة: "لن تُجزئ عن أحد بعدك" أي: بعد حالك باعتبار وصفه لا باعتبار شخصه، الحديث الذي معنا الآن يُخاطب علي بن أبي طالب فهل يختص به علي أو له ولغيره؟ له ولغيره بناء على القاعدة التي ذكرناها أنه ليس في الشريعة تخصيص شخص بحكم بعينه لعينه ولكن لوصفه وحاله.
ويستفاد من هذا الحديث: وجوب الزكاة في مائتي درهم.
ومنها: أن زكاة الفضة ربع العُشر، تؤخذ من قوله: "خمسة دراهم"، ونسبة الخمسة للمائتين ربع العشر.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بد من تمام الحول لوجوب الزكاة لقوله: "وحال عليها الحول"، والجملة هذه معطوفة على الشرط إذا كانت لك مائة درهم.
ومنها: أن المعتبر في الدراهم العدد دون الوزن.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الزكاة في الذهب.
ومن فوائده: أن نصاب الذهب عشرون مثقالا، يؤخذ ذلك من قوله: "عشرون دينارًا"؛ لأن الدينار يساوي في الوزن مثقالا.
ومنها: أن الدراهم والدنانير ليس فيها وقص، يؤخذ هذا من قوله: "فما زاد بحساب ذلك": يعني: مائتا درهم زكاتها خمسة دراهم. مائتا درهم ودرهم فما زكاته؟ خمسة درهم وربع عشر الدرهم بخلاف الماشية.
ومن فوائد هذا الحديث: أن زكاة الذهب ريع العشر، ويؤخذ ذلك من قوله: "إذا كانت عشرين دينارًا ففيها نصف دينار".
فائدة فيما لا يشترط فيه الحول:
ومنه قاعدة: ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، ولكننا استثنينا منها شيئا وهو الحبوب، والثمار، والركاز، وربح التجارة، ونتاج السائمة، والعسل، وعروض التجارة ستة أشياء:
الأول: الحبوب والثمار، وما دليلها؟ قوله تعالى: ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١].
الثاني: ربح التجارة، دليله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧]. لأن المسلمين يُزكون ما كسبوا عند تمام حول الأصل؛ ولأنه تابع، والتابع على اسمه تابع للأصل.
стр. 1257
والثالث: نتاج السائمة، دليله بعث الرسول السعاة فلا يسألون هل تم حول أو لا؟
الرابع: الركاز، دليله حديث: "في الركاز الخمس"، وجه الدلالة: أنه في القياس على الحبوب والثمار أقرب من قياسه على المستفاد؛ لأن هذا اكتسب في حال واحدة من غير تعب ثقيل، على أن بعض العلماء يقول: إن قوله: "الخمس" ليس زكاة، وأن الخمس "أل" للعهد الذهني المعروف وهو الفيء خمس الغنيمة، وليس "أل" هنا لبيان النسبة، أي: أن فيه واحدًا من خمسة، بل فيه الخمس المعهود الذي يُصرف مصرف الفيء لا مصرف الزكاة.
الخامس العسل أيضًا يشبه الركاز والحبوب والثمار في اجتنائه من أصله فيزكَّى في الحال.
أما الحديث الثاني: "من استفاد مالًا ... " فهو كالأول، إلا أننا ذكرنا أن المستفاد كان من جنس ما عنده فإنه يضم إليه في تكميل النصاب لا في الحول.
هل يؤخذ من هذا الحديث والذي قبله بيان حكمة الشارع في مراعاة الوقت في إيجاب الزكاة؟ نعم؛ لأنه لو وجبت الزكاة في كل ستة أشهر لكان في ذلك إضرار على المال، ولو تأخر إلى سنتين لكان في ذلك إضرار على أهل الزكاة.
أما حديث علي: "ليس في البقر" ففيه دليل على أن العوامل من البقر ليس فيها صدقة، فيقاس عليها العوامل من الإبل، ويقاس على ذلك أيضًا العوامل من السيارات والماكينات وكل ما يستغله الإنسان، ويقاس عليه أيضًا العقارات المعدة للتأجير؛ لأنها تشبهها في الانتفاع بها بالاستغلال، فكل هذه ليس فيها زكاة.
الزكاة في مال الصبي:
٥٨٠ - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من ولي يتيمًا له مالٌ، فليتَّجر له، ولا يتركه حتَّى تأكله الصَّدقة". رواه التِّرمذي والدَّارقطنيُّ، وإسناده ضعيفٌ.
- وله شاهدٌ مُرسلٌ عند الشَّافعيِّ.
قوله: "من ولي يتيمًا"، "وليه" أي: تولى أمره، واليتيم: هو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ سواء كان ذكرًا أم أنثى، وأما من ماتت أمه فليس بيتيم خلافًا للعامة، فهم يقولون: إن اليتيم من ماتت أمه، ولكن الشرع يقول: اليتيم من مات أبوه، حتى وإن كانت أمه موجودة فهو يتيم، ولو ماتت أمه وأبوه موجود فليس بيتيم.
وقوله: "فليتجر له" الفاء جواب الشرط، اللام للأمر، وإنما وقعت الفاء في جواب الشرط؛
стр. 1258
لأن الجملة طلبية، وإذا كانت الجملة طلبية كان اقترانها بالفاء لازمًا، وقد مر علينا أن الذي يقترن بالفاء وجوبًا سبعة أشياء مجموعة في قول الشاعر:
اسميَّة طلبيَّة وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتَّنفيس
التي معنا من الطلبية، وقوله: "فليتجر له" أي: لليتيم؛ أي: لأجله، والاتجار: هو التصرف في المال لطلب الربح، "ولا يتركه" معطوف على "فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة".
قوله: "وله شاهد مرسل" فهو ضعيف أيضًا يقول: "ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" "تأكله" أي: تفنيه وتخلصه، ولا يُعارض هذا قول النبي ﷺ : "ما نقص مال من صدقة". إذا كان ما نقص مال من صدقة، وهنا يقول: "فلا يتركه حتى تأكله الصدقة" فما الجمع بينهما؟ الجمع أن يُقال إن النقص نوعان: نقص عين، ونقص معنى؛ فالصدقة لا شك أنها تنقص المال نقص عين لكنها لا تنقصه نقص معنى؛ لأن الله تعالى يُنزل فيه البركة، وبقاء الزكاة فيه تزع البركة منه مثاله إذا كان عند رجل مائة درهم كم الواجب فيها؟ خمسة دراهم أخرج الواجب خمسة دراهم نقصت المائتان وأصبحت مائة وخمسة وتسعين درهمًا؛ ولهذا لو بقيت عنده إلى العام القادم لا يزكيها لأنها نقصت، فالنقص العيني لا شك أنه يحصل بالصدقة، والنقص المعنوي لا يحصل، فإن الصدقة إذا خرجت من المال أنزل الله فيه البركة حتين إن العشرة تساوي ما يزيد عليها، بمعنى: أن العشرة قد تكون عوضًا عن عشرين أو عن ثلاثين حسب البركة.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولًا أن اليتيم لا بد له من ولي، لقوله: "من ولي يتيمًا"، فلا يجوز للأيتام أن يتركوا بدون ولاية، والولاية على اليتيم مصدرها إما الشرع، وإما العرف فإن كان الأب هو الذي أوصى على ولده فهنا الوصية صادرة بالعرف، وإذا كان الأب مات ولم يُوص ولكن لهذا اليتيم جدًّا فولايته من قبل الشرع، وكذلك القاضي ولي على الأيتام الذين ليس لهم ولي من قبل الشرع.
ومن فوائد هذا الحديث: رحمة الله بعباده حيث جعل لليتامى أولياء.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: وجوب الزكاة على غير البالغ، يُؤخذ من قوله: "ولا يتركه حتى تأكله الصدقة"، إذن فمال الصبي فيه الزكاة، ومال المجنون فيه الزكاة.
فإن قلت: كيف تجب الزكاة في مال الصغير والمجنون وهما غير مكلفين، وقد قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة". وذكر منهم الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق.
стр. 1259
فالجواب: أن الزكاة واجبة في المال، والمال لا فرق فيه بين أن يكون لصغير، أو الكبير، أو لعاقل، أو لمجون، ما هو الدليل على أن الزكاة في المال؟ هذه المسألة فيها خلاف، فجمهور أهل العلم على أن الزكاة واجبة في مال اليتيم لعموم الأدلة ولهذا الدليل الخاص؛ ولأن الزكاة منوطة بسبب متى وجد هذا السبب وجبت الزكاة، فهو كضمان الجنايات التي تلزم الصغير إذا جنى، وكوجوب النفقة على الصغير في ماله لمن تجب عليه نفقتهم، فلو كان أخ صغير غني وأخ فقير كبير ولا يرثه إلا هذا الأخ الصغير وجبت على الأخ الصغير النفقة مع أنه ليس بمكلف؛ لأنها واجبة في المال، فهذه هي للزكاة أيضًا، وبهذا نعرف الفرق بين الزكاة والصلاة والصوم؛ لأن هذه الأشياء عبادات دينية تتعلق ببدن المكلف، وأما الزكاة فإنها عبادة مالية تتعلق بمال المكلف.
الدعاء لمخرج الزكاة:
٥٨١ - وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللَّهمَّ صلِّ عليهم". متفق عليه.
قوله: "قوم" أي: جماعة، والقوم تطلق على الرجال فقط، وتطلق على القبيلة فتشمل الذكر والأنثى، ففي مثل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه﴾ [نوح: ١]. يشمل الذكر والأنثى، وفي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهن﴾ [الحجرات: ١١]. خاص بالرجال، ومن قول الشاعر: [الوافر]
وما أدري ولست إخال أدري ... أقوم آل حصنٍ أم نساء
فجعل النساء مقابل القوم، فيكون المراد بالقوم: الرجال، وهنا "إذا أتاه قوم" الظاهر المراد بهم: الرجال بقرينة الحال، وهي أن الذي يأتي بالصدقات النساء أو الرجال؟ الرجال، "إذا أتاه قوم بصدقة" أي: بزكاتهم، كما مر علينا أن الصدقة تطلق على الزكاة وعلى صدقة التطوع.
قال: "اللهم صلِّ عليهم" "اللهم" أي: يا لله، فحذفت "ياء" النداء وعوض عنها الميم تيمُّنا بالبداءة باسم الله، وعوضت عنها الميم للدلالة على المحذوف وصارت ميمًا متأخرة للدلالة على الضم؛ لأن الميم فيها ضم الشفتين، فكأن الداعي جمع قلبه إلى الله وضمه، وقوله: "صل عليهم" الصلاة تطلق على عدة معانٍ، فإذا قلت: صل على فلان؛ أي: ادع له وإذا قلت: "اللهم صلِّ عليه" أي: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، وهو تفسير أبي العالية ﵀ وهو أصح من تفسير من فسر الصلاة بالرحمة؛ لأن تفسير الصلاة بالرحمة يبطله قوله تعالى: ﴿أولئك عليهم
стр. 1260
صلوات من ربهم ورحمةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فعلى هذا فالصواب: أن الصلاة هي ثناء الله على العبد في الملأ الأعلى. فإذا قلت: "اللهم صل على محمد" أي: أثن عليه في الملأ الأعلى، والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون.
"اللهم صل عليهم" أي: على هؤلاء الذين أتوا بالصدقة، أي: أثنا عليهم في الملأ الأعلى، وإنما كان الرسول ﷺ يدعو بهذا؛ لأن الله أمره به فقال: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. فأمر الله تعالى بالصلاة عليهم وبين الحكمة من ذلك، وهي: أن نفوسهم تسكن وتطمئن؛ لأن المال حبيب إلى النفوس وبذله شاق عليها فإذا دعي لمن بذله سكن واطمأن وانشرح صدره، ولهذا تجد الفرق بين رجلين أعطيت أحدهما هدية أو صدقة فقال: جزاك الله خيرًا وأخلف عليك، والثاني أعطيته الهدية فمد يده وأخذها وسكت فلم يتكلم أيهما الذي يشرح صدرك له؟ لا شك أنه الأول، وإن كان الذي يعطي لله لا يهمه: ﴿أنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ [الإنسان: ٩] لكن الآداب والأخلاق أحسن.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا أن رسول الله ﷺ عبد مأمور ممتثل يطلب الأجر، من أين يؤخذ؟ من كونه يقول: "اللهم صل عليه" امتثالًا لأمر الله: ﴿وصل عليهمّ﴾؛ إذن فهو عبد يوجه إليه أمر فيمتثله طلبًا لأجره، وهذا كله يدل على أنه ﷺ مفتقرًا إلى الله وإلى ثوابه وأنه ليس له حق في الربوبية إطلاق، وهذا أمر معلوم عند المسلمين كلهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يشرع لمن أعطى زكاة أن يقول لمن أعطاه: "اللهم صل عليه"، إلا إذا خشيت أن يستنكر هذا الأمر فقل هكذا أمر الله نبيه، وتذكر الآية والحديث.
فائدة في حكم الصلاة على غير الأنبياء:
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة على غير الأنبياء لقوله: "اللهم صل عليهم"، والصلاة على غير الأنبياء تقع على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون تابعة للصلاة على الأنبياء، وهذه جائزة بالنص والإجماع قال ﷺ : "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد". فصلى عليهم تبعًا.
الثاني: أن يخص بها شخص معين كلما ذكر صلي عليه فهذا لا يجوز لأنه يلحقه بالأنبياء عرفا؛ لأن الذي يصلى عليه كلما ذكر: الرسول ﷺ كما جاء في حديث أبي هريرة أن جبريل قال له: "رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك".
الثالث: أن يصلى على غير الأنبياء استقلالًا، ولا يجعل شعارا لهذا الشخص المعين، فهذا جائز لا سيما إذا كان بسبب كما في هذا الحديث.
стр. 1261
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية مكافأة فاعل المعروف لأنا كفأناه بالدعاء له.
ومن فوائده: أن من قام بواجب فإنه لا يكافأ بمثله، ولكن يكافأ بالدعاء له.
ومن فوائده: جواز دفع الزكاة إلى الإمام، يؤخذ من دفعها إلى الرسول ﷺ وهو الإمام، وهل تدفع إلى الإمام مطلقا أو إذا كان عدلًا يصرفها في مصارفها؟ الأخير إذا كان عدلًا يصرفها في مصارفها دفعت إليه وإلا فلا تدفعها إليه، لكن إن أخذها منك أجزأتك وإن لم يصرفها في مصارفها، لأنك مأمور بدفعها إليه عند طلبه وأنت تبرأ ذمتك والإثم عليه.
حكم لتعجيل الزكاة:
٥٨٢ - وعن علي ﵁: "أنّ العبّاس ﵁ سأل النبيّ ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ، فرخص له في ذلك". رواه الترمذي والحاكم.
كلا الرجلين من آل النبي ﷺ علي والعباس لكن أيهما أفضل؟ علي، والعباس هو عم لعلي وعم للنبي ﷺ .
يقول: "أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل" يعني: قبل أن تجب ويأتي وجوبها عند تمام الحول، "فرخص له" رخص، أي: سهل والترخيص في اللغة بمعنى التسهيل، فيكون معنى رخص: سهل له فعجّلها، وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أنه يجوز أن يقدم الإنسان زكاة ماله قبل حلولها، ووجه ذلك: أن الرسول ﷺ رخص للعباس، ولو كان هذا غير جائز لمنعه.
ويستفاد منه أيضًا: أنه يشرع للإنسان أن يسأل عن أمر دينه؛ لأن العباس بن عبد المطلب ﵁ لم يحكم رأيه هنا، وإلا فمن المعلوم عقلًا أن أداء الواجب قبل حلوله أولى من تأخيره لكن لما كانت المسألة مسألة شرعية استأذن العباس النبي ﷺ قبل أن يفعل، فيؤخذ منه: مشروعية سؤال الإنسان عن دينه قبل أن يقدم على فعل الشيء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن للزكاة وقتًا تحل فيه لقوله: "قبل أن تحل"، وقد سبق ما يدل على أن حلولها يكون بتمام الحول إلا في أشياء معينة.
ويستفاد من الحديث: أنه لا تعجيل لصدقة المال حتى يتم النصاب، وجهه: لأنه قال: "في تعجيل صدقته" وما لم يتم نصابه فليس فيه صدقة، فلو كان عند الإنسان تسعين ومائة درهمًا، وقد سبق أنه لا زكاة فيها إلا أن يشاء فلو أراد أن يعجل زكاة تسعين ومائة عن مائتين درهم، فهذا التعجيل غير صحيح، لأنه تقديم للشيء قبل وجود سبب الوجوب، وتقديم الشيء قبل
стр. 1262
وجود سبب الوجوب وجوبه لا يصح كما لو صلى الإنسان قبل دخول الوقت فإن صلاته لا تصح، فهكذا إذا عجّل الزكاة قبل تمام النصاب فإنها لا تصح، لأنه لم يخاطب بها الآن، فهذه الفائدة يدل عليها النص والتعليل، ما هو النصر؟ قوله: "صدقته"، وهو قبل أن يبلغ النصاب ليس فيه صدقة، والتعليل: أنه تقديم للعبادة قبل وجود سبب الوجوب، إذن ماذا نقول لو أن رجلًا قدم زكاة تسعين ومائة عن مائتي درهم، قلنا: لا تجزى فتكون صدقة تطوع، وهذا مبني على قاعدة ذكرها الفقهاء- ﵏ قالوا: ينقلب الشيء نفلا إذا بان عدم وجود سبب الوجوب كمن صلى الظهر قبل أن تزول الشمس ظانا أن الشمس قد زالت ثم تبين أنها لم تزل فإن هذا ينقلب نفلًا، لماذا؟ لأنه نوى عبادة معينة فتبين فساد التعيين فبقي أصل العبادة، ففي صلاة الظهر وهى أبين من مسألة الزكاة صلى الظهر قبل الزوال بنية أنها فريضة الظهر صلاته هذه مشتملة على بيتين كل نية داخل النية وهما نية الصلاة وأنها الظهر تبين أن الظهر لا تصح، لأنها قبل الوقت فبقيت نية الصلاة، نعم لو فرض أنه يعلم أن الوقت لم يدخل ونوى بهذه الصلاة الظهر، فإنه لا تصح صلاته، لا فرضنا ولا نفلًا، لأنه متلاعب بل نقول إنه للإثم أقرب منه إلى السلامة لأن هذا نوع من اتخاذ آيات الله هزوًا.
ويستفاد من الحديث: جواز تعجيل صدقة المال قبل أن تحل بشرط أن يكون قد بلغ النصاب وإلا فلا تصح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التعجيل رخصة وليس بسنة لقوله: "فرخص له".
فإن قلت: أليس تعجيل الذين قبل وجوبه من باب حسن الأداء يعني: لو كان عليك دين لزيد مائة ريال تحل بعد شهر فأديتها في عشرة أيام أليس هذا أطيب وأفضل؟ نعم، فلماذا لا يكون تقديم الزكاة أفضل وأطيب؟ لأن الدّين قد وجب ولزمك، أما الزكاة فإنها لم تجب، لأنه من الجائز أن هذا المال يتلف أو ينقص عن النصاب فلا تجب عليك الزكاة، ولهذا كان تأخير الزكاة إلى وقت الوجوب أفضل من التعجيل، وهذه قد يلغز بها ظاهرًا لكن عند التأمل ليس فيها لغز، وهي أن يقال: حق واجب كان تأخيره أفضل من تقديمه مع جواز التقديم، أما لو لم يجز فالأمر واضح نقول: هذا هو الزكاة فإن تعجيلها من باب الجواز لا من باب الأفضلية، ولهذا قال: "فرخص له".
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه يجوز أن يعجل الزكاة لسنة وسنتين وثلاث وأكثر؛ لأن الحديث مطلق ليس فيه قيد، ولكن المشهور عند أهل العلم أنه مقيد، واستدلوا لذلك بقول النبي ﷺ حين قيل له: إن العباس منع الزكاة فقال: "وأما العباس فهي علي ومثلها"،
стр. 1263
وفسروا ذلك بأن العباس قد قدم زكاة سنتين فقال الرسول ﷺ : وهي علي ومثلها"، كأنه قال: فهي عندي ومثلها، ولكنه سبق لنا أن القول الراجح في هذا أن الرسول ﷺ ضمن زكاته لكنه ضاعفها؛ لأن الرجل من قرابة النبي ﷺ فضاعف عليه الغرام، وهو نظير قول أمير المؤمنين عمر ﵁ حين ينهى الناس عن الشيء يجمع أهل بيته، ويقول: إني نهيت الناس عن كذا وكذا فلا أرى أحدًا منكم فعله إلا ضاعفت عليه العقوبة لماذا؟ لأن قريب السلطان قد يتجرأ على المعصية لقربه من السلطان يستخدم قربه من السلطان لإقدامه على المعصية فيضاعف عليه الغرام، المشهور من المذهب أنه لا يجوز أن تقدم أكثر من سنتين، وما دامت المسألة فيها اشتباه فالأولى ألا تقدم أكثر من سنتين؛ لأن الأصل أن الزكاة لا تجب إلا إذا حل وقتها، فتقديمها عليه رخصة، ولم يرد أن العباس عجل أكثر من سنتين فيقتصر فيه على ما ورد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الرسول ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين، لو قال قائل: هل يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث أن العباس لم يعجل إلا صدقة واحدة عن عام واحد؟ قد يقول قائل: إننا لا نسلم أن في الحديث دليلًا على أنه لا يجوز أن تقدم أكثر من سنة؛ لأن الكلام واضح صدقته قبل أن تحل وإن كان الاحتمال الأول قائمًا؛ لأن الصدقة مفرد، وإذا أضيف المفرد كان للعموم، على كل حال أهل العلم نصوا على أنه لا يجوز تعجيل الزكاة إلا لسنتين فأقل.
وقد يؤخذ من الحديث: فضل العباس؛ لأن الظاهر أن العباس ما طلب هذا إلا لمصلحة يراها كرجل طلب معونة للزواج في هذه السنة وهو محتاج وزكاتنا هذا العام فقط لا تكفيه فتقدم زكاة العام القادم، فهذا فيه مصلحة للمعطي فلا حرج وهذا قد يكون أفضل، وهل يدخل في ذلك جواز تقديم زكاة الدين قبل قبضه؟ رجل له دين على شخص وقال: أنا أريد أن أحصي مالي عينه ودينه وأخرج زكاته الآن فهذا يجوز؛ لأن تأخير إخراج زكاة الدين من باب الرفق بالمكلف، وإلا فالأصل أن زكاته واجبة بتمام الحول، نوضح أكثر بمثال: رجل بيده الآن (١٠٠٠٠) تم حولها، وله في ذمة زيد (١٠٠٠٠) تم حولها، أما العشرة التي بيده فزكاتها واجبة ولا إشكال فيها، والعشر التي في ذمة زيد هل يجب عليه إخراج زكاتها لا يجب، لأنه لم يقبضها فملكه عليها غير تام، لكن لو أخرجها مع زكاة العشرة التي في يده كان ذلك جائزا لا حرج فيه.
زكاة الحبوب والثمار:
٥٨٣ - وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقًة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقًة، وليس فيما دون خمسة أو سق من التمر صدقة". رواه مسلم.
стр. 1264
٥٨٤ - وله من حديث أبي سعيد ﵁ "ليس فيما دون خمسة أو سق من تمر ولا حب صدقة". وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه.
٥٨٥ - وعن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄، عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف العشرة". رواه البخاري.
- ولأبي داود "أو كان بغلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح: نصف العشر".
الحديث الأول يقول: "ليس فيما خمس أواق من الورق صدقة" الورق هو الفضة، والأواق جمع أوقية، وهنا التنوين في قوله: "خمس أواقٍ" هل هو تنوين إعراب، أو الإعراب على الياء المحذوفة؟ الثاني، وهذا التنوين والكسر ليس إعرابًا.
وقوله ﷺ "خمس أواق" الأوقية: أربعون درهمًا، فكم تكون الخمس؟ تكون مائتي درهم، وقد سبق في حديث أنس الطويل أن النبي ﷺ قال: "وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر"، وما كان دون ذلك ليس فيه صدقة.
وقوله: "وليس فيما دون خمس ذوي من الإبل صدقة"، "الذود" كالرهط لكنه يختص بالإبل، والرهط يختص بالبشر، إذن ذود يقال لما بين الاثنين والعشرة- يعني: ثلاثة إلى تسعة- كل هذا ذود، فإذا قال: "خمس ذود" فهو من باب إضافة العدد إلى المعدود لا باعتبار دلالة اللفظ كما لو قلت: عندي خمسة رهط، قد يكون العدد خمس رجال ليس خمسة رهط أي خمسة عشر رجلًا، ولهذا توجد روايتان للحديث: "ولا ما دون خمس ذوده" وعلى هذه الرواية لا إشكال لأن الذود يطلق على الخمس وعلى الثلاث والأربع والسبع والثمان والتسع، فيقول: "دون خمسة" مجرورة بإضافة "دون" إليها، و"ذود" بدل منها هذا بالتنوين، أما بالإضافة فالمراد بـ "خمس ذود": أي خمس من هذا النوع الذي هو الإبل، وقد سبق أن الخمس فيها شاة.
"وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"، "الأوسق" جمع وسق بالفتح، و"الوسق": الحمل؛ لأنه يوسق ويربط، وكان الوسق الحمل في عهد الرسول ﷺ ستون صاغًا بصاع النبي ﷺ الذي زنته ألفان وأربعون غرامًا، يعني: إذا قلنا: الوسق ستون صاعا يكون خمسة أوسق ثلاثمائة صاع، فنضرب ثلاثمائة صاع في ألفين وأربعين يكون ستمائة وأثنى عشر ألف غرام، كم يكون قدره بالكيلو؟ كيلوان وستمائة غرام
стр. 1265
استدراك:
ومن فوائل حديث علي: جواز تعجيل الصدقة، دليله: أن النبي ﷺ رخص لعمه العباس أن يؤجلها.
ومن فوائده أيضًا: أن النبي ﷺ هو المرجع في الأحكام؛ لأن الصحابة كانوا يرجعون إليه فيسألونه كما سأله العباس.
ومنها: أن الأصل أن الزكاة لا تدفع إلا وقت حلولها، ولولا ذلك ما احتاج العباس أن يسأل النبي ﷺ . قد يقول قائل: إذا جاز التعجيل جاز التأخير. نقول: لا؛ لأن التعجيل فيه فائدة للمستحقين للزكاة أمّا التأخير فهو ضرر على الدافع والمدفوع إليه، فإن المال قد يتلف ويتعلق الشيء بذمة من وجب عليه.
ومنها: جواز التعبير بالرخصة فيما لم يرد فيه المنع لقوله: "فرخص له" لكنه يتوهم المنع؛ لأن الأصل أن الزكاة لا تدفع إلى عند حلولها.
أما حديث جابر فمن فوائده: حكمة الشارع في إيجاب الزكاة، حيث لم يوجب الزكاة في كل قليل وكثير، لأنها لو وجبت في كل قليل وكثير لأرهقت الأغنياء، ولو لم تجب إلا في الأموال الكثيرة الطائلة لضاع حق المستحقين لها، فمن حكمة الشارع أنه قدر أنصبة مناسبة للمال كما ستشاهدون.
مسألة: اختلاف العلماء في نصاب الفضة
ومنها: أن نصاب الفضة مقدر بالوزن لقوله: "ليس فيما دون خمس أواق"، وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذا الحديث وحديث أنس السابق الذي قدر فيه النصاب بالعدد، فهل نعتبر العدد ولو زاد في الوزن أو نقص، أو نعتبر الوزن ولو زاد العدد أو نقص؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فمنهم من اعتبر الوزن احتجاجًا بهذا الحديث؛ لأن الحديث في النهي: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة"، فما دون الخمس ولو بلغ مئات الدراهم ليس فيه صدقة، وهذا هو المشهور من ملهب الإمام أحمد، بل هذا الذي عليه جماهير أهل العلم بل حكي فيه الإجماع، على أن المعتبر الوزن في هذا الحديث؛ لأن هذا فيه نفي: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، ولكن حديث أنس أيضًا نفي فإن فيه: "فإن لم يكن إلا تسعون ومائة. فليس فيها صدفة إلا أن يشاء ربها".
فعلى هذا نقول: إن هذا الحديث مقدم على الحديث الآخر الذي اعتبر فيه العدد، وقال آخرون- وهم قلة، ولكن منهم شيخ الإسلام ابن تيمية-: إن المعتبر العدد وأن مائتي درهم فيها
следующие страницы →