Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية مكافأة فاعل المعروف لأنا كفأناه بالدعاء له.
ومن فوائده: أن من قام بواجب فإنه لا يكافأ بمثله، ولكن يكافأ بالدعاء له.
ومن فوائده: جواز دفع الزكاة إلى الإمام، يؤخذ من دفعها إلى الرسول ﷺ وهو الإمام، وهل تدفع إلى الإمام مطلقا أو إذا كان عدلًا يصرفها في مصارفها؟ الأخير إذا كان عدلًا يصرفها في مصارفها دفعت إليه وإلا فلا تدفعها إليه، لكن إن أخذها منك أجزأتك وإن لم يصرفها في مصارفها، لأنك مأمور بدفعها إليه عند طلبه وأنت تبرأ ذمتك والإثم عليه.
حكم لتعجيل الزكاة:
٥٨٢ - وعن علي ﵁: "أنّ العبّاس ﵁ سأل النبيّ ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ، فرخص له في ذلك". رواه الترمذي والحاكم.
كلا الرجلين من آل النبي ﷺ علي والعباس لكن أيهما أفضل؟ علي، والعباس هو عم لعلي وعم للنبي ﷺ .
يقول: "أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل" يعني: قبل أن تجب ويأتي وجوبها عند تمام الحول، "فرخص له" رخص، أي: سهل والترخيص في اللغة بمعنى التسهيل، فيكون معنى رخص: سهل له فعجّلها، وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أنه يجوز أن يقدم الإنسان زكاة ماله قبل حلولها، ووجه ذلك: أن الرسول ﷺ رخص للعباس، ولو كان هذا غير جائز لمنعه.
ويستفاد منه أيضًا: أنه يشرع للإنسان أن يسأل عن أمر دينه؛ لأن العباس بن عبد المطلب ﵁ لم يحكم رأيه هنا، وإلا فمن المعلوم عقلًا أن أداء الواجب قبل حلوله أولى من تأخيره لكن لما كانت المسألة مسألة شرعية استأذن العباس النبي ﷺ قبل أن يفعل، فيؤخذ منه: مشروعية سؤال الإنسان عن دينه قبل أن يقدم على فعل الشيء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن للزكاة وقتًا تحل فيه لقوله: "قبل أن تحل"، وقد سبق ما يدل على أن حلولها يكون بتمام الحول إلا في أشياء معينة.
ويستفاد من الحديث: أنه لا تعجيل لصدقة المال حتى يتم النصاب، وجهه: لأنه قال: "في تعجيل صدقته" وما لم يتم نصابه فليس فيه صدقة، فلو كان عند الإنسان تسعين ومائة درهمًا، وقد سبق أنه لا زكاة فيها إلا أن يشاء فلو أراد أن يعجل زكاة تسعين ومائة عن مائتين درهم، فهذا التعجيل غير صحيح، لأنه تقديم للشيء قبل وجود سبب الوجوب، وتقديم الشيء قبل
стр. 1262
وجود سبب الوجوب وجوبه لا يصح كما لو صلى الإنسان قبل دخول الوقت فإن صلاته لا تصح، فهكذا إذا عجّل الزكاة قبل تمام النصاب فإنها لا تصح، لأنه لم يخاطب بها الآن، فهذه الفائدة يدل عليها النص والتعليل، ما هو النصر؟ قوله: "صدقته"، وهو قبل أن يبلغ النصاب ليس فيه صدقة، والتعليل: أنه تقديم للعبادة قبل وجود سبب الوجوب، إذن ماذا نقول لو أن رجلًا قدم زكاة تسعين ومائة عن مائتي درهم، قلنا: لا تجزى فتكون صدقة تطوع، وهذا مبني على قاعدة ذكرها الفقهاء- ﵏ قالوا: ينقلب الشيء نفلا إذا بان عدم وجود سبب الوجوب كمن صلى الظهر قبل أن تزول الشمس ظانا أن الشمس قد زالت ثم تبين أنها لم تزل فإن هذا ينقلب نفلًا، لماذا؟ لأنه نوى عبادة معينة فتبين فساد التعيين فبقي أصل العبادة، ففي صلاة الظهر وهى أبين من مسألة الزكاة صلى الظهر قبل الزوال بنية أنها فريضة الظهر صلاته هذه مشتملة على بيتين كل نية داخل النية وهما نية الصلاة وأنها الظهر تبين أن الظهر لا تصح، لأنها قبل الوقت فبقيت نية الصلاة، نعم لو فرض أنه يعلم أن الوقت لم يدخل ونوى بهذه الصلاة الظهر، فإنه لا تصح صلاته، لا فرضنا ولا نفلًا، لأنه متلاعب بل نقول إنه للإثم أقرب منه إلى السلامة لأن هذا نوع من اتخاذ آيات الله هزوًا.
ويستفاد من الحديث: جواز تعجيل صدقة المال قبل أن تحل بشرط أن يكون قد بلغ النصاب وإلا فلا تصح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التعجيل رخصة وليس بسنة لقوله: "فرخص له".
فإن قلت: أليس تعجيل الذين قبل وجوبه من باب حسن الأداء يعني: لو كان عليك دين لزيد مائة ريال تحل بعد شهر فأديتها في عشرة أيام أليس هذا أطيب وأفضل؟ نعم، فلماذا لا يكون تقديم الزكاة أفضل وأطيب؟ لأن الدّين قد وجب ولزمك، أما الزكاة فإنها لم تجب، لأنه من الجائز أن هذا المال يتلف أو ينقص عن النصاب فلا تجب عليك الزكاة، ولهذا كان تأخير الزكاة إلى وقت الوجوب أفضل من التعجيل، وهذه قد يلغز بها ظاهرًا لكن عند التأمل ليس فيها لغز، وهي أن يقال: حق واجب كان تأخيره أفضل من تقديمه مع جواز التقديم، أما لو لم يجز فالأمر واضح نقول: هذا هو الزكاة فإن تعجيلها من باب الجواز لا من باب الأفضلية، ولهذا قال: "فرخص له".
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه يجوز أن يعجل الزكاة لسنة وسنتين وثلاث وأكثر؛ لأن الحديث مطلق ليس فيه قيد، ولكن المشهور عند أهل العلم أنه مقيد، واستدلوا لذلك بقول النبي ﷺ حين قيل له: إن العباس منع الزكاة فقال: "وأما العباس فهي علي ومثلها"،
стр. 1263
وفسروا ذلك بأن العباس قد قدم زكاة سنتين فقال الرسول ﷺ : وهي علي ومثلها"، كأنه قال: فهي عندي ومثلها، ولكنه سبق لنا أن القول الراجح في هذا أن الرسول ﷺ ضمن زكاته لكنه ضاعفها؛ لأن الرجل من قرابة النبي ﷺ فضاعف عليه الغرام، وهو نظير قول أمير المؤمنين عمر ﵁ حين ينهى الناس عن الشيء يجمع أهل بيته، ويقول: إني نهيت الناس عن كذا وكذا فلا أرى أحدًا منكم فعله إلا ضاعفت عليه العقوبة لماذا؟ لأن قريب السلطان قد يتجرأ على المعصية لقربه من السلطان يستخدم قربه من السلطان لإقدامه على المعصية فيضاعف عليه الغرام، المشهور من المذهب أنه لا يجوز أن تقدم أكثر من سنتين، وما دامت المسألة فيها اشتباه فالأولى ألا تقدم أكثر من سنتين؛ لأن الأصل أن الزكاة لا تجب إلا إذا حل وقتها، فتقديمها عليه رخصة، ولم يرد أن العباس عجل أكثر من سنتين فيقتصر فيه على ما ورد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الرسول ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين، لو قال قائل: هل يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث أن العباس لم يعجل إلا صدقة واحدة عن عام واحد؟ قد يقول قائل: إننا لا نسلم أن في الحديث دليلًا على أنه لا يجوز أن تقدم أكثر من سنة؛ لأن الكلام واضح صدقته قبل أن تحل وإن كان الاحتمال الأول قائمًا؛ لأن الصدقة مفرد، وإذا أضيف المفرد كان للعموم، على كل حال أهل العلم نصوا على أنه لا يجوز تعجيل الزكاة إلا لسنتين فأقل.
وقد يؤخذ من الحديث: فضل العباس؛ لأن الظاهر أن العباس ما طلب هذا إلا لمصلحة يراها كرجل طلب معونة للزواج في هذه السنة وهو محتاج وزكاتنا هذا العام فقط لا تكفيه فتقدم زكاة العام القادم، فهذا فيه مصلحة للمعطي فلا حرج وهذا قد يكون أفضل، وهل يدخل في ذلك جواز تقديم زكاة الدين قبل قبضه؟ رجل له دين على شخص وقال: أنا أريد أن أحصي مالي عينه ودينه وأخرج زكاته الآن فهذا يجوز؛ لأن تأخير إخراج زكاة الدين من باب الرفق بالمكلف، وإلا فالأصل أن زكاته واجبة بتمام الحول، نوضح أكثر بمثال: رجل بيده الآن (١٠٠٠٠) تم حولها، وله في ذمة زيد (١٠٠٠٠) تم حولها، أما العشرة التي بيده فزكاتها واجبة ولا إشكال فيها، والعشر التي في ذمة زيد هل يجب عليه إخراج زكاتها لا يجب، لأنه لم يقبضها فملكه عليها غير تام، لكن لو أخرجها مع زكاة العشرة التي في يده كان ذلك جائزا لا حرج فيه.
زكاة الحبوب والثمار:
٥٨٣ - وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقًة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقًة، وليس فيما دون خمسة أو سق من التمر صدقة". رواه مسلم.
стр. 1264
٥٨٤ - وله من حديث أبي سعيد ﵁ "ليس فيما دون خمسة أو سق من تمر ولا حب صدقة". وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه.
٥٨٥ - وعن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄، عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف العشرة". رواه البخاري.
- ولأبي داود "أو كان بغلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح: نصف العشر".
الحديث الأول يقول: "ليس فيما خمس أواق من الورق صدقة" الورق هو الفضة، والأواق جمع أوقية، وهنا التنوين في قوله: "خمس أواقٍ" هل هو تنوين إعراب، أو الإعراب على الياء المحذوفة؟ الثاني، وهذا التنوين والكسر ليس إعرابًا.
وقوله ﷺ "خمس أواق" الأوقية: أربعون درهمًا، فكم تكون الخمس؟ تكون مائتي درهم، وقد سبق في حديث أنس الطويل أن النبي ﷺ قال: "وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر"، وما كان دون ذلك ليس فيه صدقة.
وقوله: "وليس فيما دون خمس ذوي من الإبل صدقة"، "الذود" كالرهط لكنه يختص بالإبل، والرهط يختص بالبشر، إذن ذود يقال لما بين الاثنين والعشرة- يعني: ثلاثة إلى تسعة- كل هذا ذود، فإذا قال: "خمس ذود" فهو من باب إضافة العدد إلى المعدود لا باعتبار دلالة اللفظ كما لو قلت: عندي خمسة رهط، قد يكون العدد خمس رجال ليس خمسة رهط أي خمسة عشر رجلًا، ولهذا توجد روايتان للحديث: "ولا ما دون خمس ذوده" وعلى هذه الرواية لا إشكال لأن الذود يطلق على الخمس وعلى الثلاث والأربع والسبع والثمان والتسع، فيقول: "دون خمسة" مجرورة بإضافة "دون" إليها، و"ذود" بدل منها هذا بالتنوين، أما بالإضافة فالمراد بـ "خمس ذود": أي خمس من هذا النوع الذي هو الإبل، وقد سبق أن الخمس فيها شاة.
"وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"، "الأوسق" جمع وسق بالفتح، و"الوسق": الحمل؛ لأنه يوسق ويربط، وكان الوسق الحمل في عهد الرسول ﷺ ستون صاغًا بصاع النبي ﷺ الذي زنته ألفان وأربعون غرامًا، يعني: إذا قلنا: الوسق ستون صاعا يكون خمسة أوسق ثلاثمائة صاع، فنضرب ثلاثمائة صاع في ألفين وأربعين يكون ستمائة وأثنى عشر ألف غرام، كم يكون قدره بالكيلو؟ كيلوان وستمائة غرام
стр. 1265
استدراك:
ومن فوائل حديث علي: جواز تعجيل الصدقة، دليله: أن النبي ﷺ رخص لعمه العباس أن يؤجلها.
ومن فوائده أيضًا: أن النبي ﷺ هو المرجع في الأحكام؛ لأن الصحابة كانوا يرجعون إليه فيسألونه كما سأله العباس.
ومنها: أن الأصل أن الزكاة لا تدفع إلا وقت حلولها، ولولا ذلك ما احتاج العباس أن يسأل النبي ﷺ . قد يقول قائل: إذا جاز التعجيل جاز التأخير. نقول: لا؛ لأن التعجيل فيه فائدة للمستحقين للزكاة أمّا التأخير فهو ضرر على الدافع والمدفوع إليه، فإن المال قد يتلف ويتعلق الشيء بذمة من وجب عليه.
ومنها: جواز التعبير بالرخصة فيما لم يرد فيه المنع لقوله: "فرخص له" لكنه يتوهم المنع؛ لأن الأصل أن الزكاة لا تدفع إلى عند حلولها.
أما حديث جابر فمن فوائده: حكمة الشارع في إيجاب الزكاة، حيث لم يوجب الزكاة في كل قليل وكثير، لأنها لو وجبت في كل قليل وكثير لأرهقت الأغنياء، ولو لم تجب إلا في الأموال الكثيرة الطائلة لضاع حق المستحقين لها، فمن حكمة الشارع أنه قدر أنصبة مناسبة للمال كما ستشاهدون.
مسألة: اختلاف العلماء في نصاب الفضة
ومنها: أن نصاب الفضة مقدر بالوزن لقوله: "ليس فيما دون خمس أواق"، وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذا الحديث وحديث أنس السابق الذي قدر فيه النصاب بالعدد، فهل نعتبر العدد ولو زاد في الوزن أو نقص، أو نعتبر الوزن ولو زاد العدد أو نقص؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فمنهم من اعتبر الوزن احتجاجًا بهذا الحديث؛ لأن الحديث في النهي: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة"، فما دون الخمس ولو بلغ مئات الدراهم ليس فيه صدقة، وهذا هو المشهور من ملهب الإمام أحمد، بل هذا الذي عليه جماهير أهل العلم بل حكي فيه الإجماع، على أن المعتبر الوزن في هذا الحديث؛ لأن هذا فيه نفي: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، ولكن حديث أنس أيضًا نفي فإن فيه: "فإن لم يكن إلا تسعون ومائة. فليس فيها صدفة إلا أن يشاء ربها".
فعلى هذا نقول: إن هذا الحديث مقدم على الحديث الآخر الذي اعتبر فيه العدد، وقال آخرون- وهم قلة، ولكن منهم شيخ الإسلام ابن تيمية-: إن المعتبر العدد وأن مائتي درهم فيها
стр. 1266
ربع العشر قال ما فيها من الفضة أم كثر حتى لو بلغت عشر أواق فإن هذه إذا نقصت عن المائتين فليس فيها زكاة، وهذا مبني على ما سبق من حديث أنس وهو متفق عليه، وهذا أيضًا متفق عليه.
ويمكن أن يجاب بأن يقال: في عهد الرسول ﷺ كانت الدراهم المائتان كانت خمس أواق، وعلى هذا فلا خلاف بين الحديثين، أما نحن فإذا اختلف الوزن والعدد فإننا نقدم القاعدة بأن نقدم الأحب للفقراء، فإن كان الأحب العدد أخذنا به، وإن كان الأحب الوزن أخذنا به.
والحديث الثاني حديث أبي سعيد: "ليس فيما دون خسة أوسق من تمر ولا حب صدقة"، "دون" بمعنى: أقل، و"خمسة أوسق"؛ أي: خمسة أحمال: لأن الوسق الحمل، سمي بذلك: لأنه يوسق على الناقة ويربط، وكل حمل عند العرب معروف ستون صاعا، فتكون الخمسة ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ ، وصاع النبي ﷺ يبلغ كيلوين وأربعين غرامًا، فاضرب ثلاثمائة في كيلوين وأربعين غرامًا حتى يتبين لك مقدار النصاب بالغرامات وهو حوالي ستمائة واثني عشر غرامًا، هذا هو نصاب التمر، والحبوب أيضًا.
وقوله: "ومن تمر ولا حب" الحب معروف، لكن هل هو الحب الذي يكون مطعومًا ومقتاتًا، أو كل حب؟ في هذا خلاف، والأقرب أن المراد به: الحب الذي يقتات ويدخر، فكل مكيل من تمر أو حب ففيه الزكاة ولا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، أي: ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ .
نستفيد من هذا الحديث: حكمة الشارع في عدم وجوب الزكاة في القليل، لأنه لو أوجب الزكاة في القليل لكان في ذلك إجحاف على الملاّك، ولو جعل الأمر لا حد له لكان في ذلك إهدار بحق أهل الزكاة، ولو جعل الأمر موكولًا على الناس لاختلف الناس في البذل والمنع؛ لأنا نعرف أن من الناس من هو كريم يبذل من القليل الكثير، ومن الناس من هو بخيل يمنع القليل من الكثير فلما كان الناس يختلفون في ذلك في تقدير المال حدده الشرع قطعًا للنزاع وضبطًا للواجب، إذن النصاب لا يرجع للعرف، وإنما يرجع إلى الشرع، فلو قدر أننا في زمن تكون ثلاثمائة صاع شيئًا قليلًا لا يؤبه له ولا يعد مقتنيها غنيًا فتجب الزكاة ولو كنا في وقت مائة الصاع تعتبر مالًا كثيرا، ويعد مالكها من الأغنياء، فإن الزكاة لا تجب فيها، فمن ثم حدد الشارع النصاب حتى لا يختلف الناس في وجوه الزكاة، وهناك أشياء أيضًا محددة من جنس هذا التحديد كصدقة الفطر وكصاع المصراة من الإبل أو الغنم إذا وجدها المشتري مصراة؛ أي: محبوسًا لبنها حتى يراها المشتري كثيرة اللبن فإن له الخيار بعد أن يحلبها ثلاثة أيام إن شاء أبقاها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من التمر، الصاع من التمر ليس عوضًا على ما أخذه من اللبن في هذه المدة لكنه عوض عن اللبن الموجود في الضرع حين العقد؛ لأنه هو الذي وقع
стр. 1267
عليه العقد، أما ما بعد العقد فإنه نماء للمشتري كما سيأتي في كتاب البيوع، وإنما قدره الشارع بصاع قطعًا للنزاع وصار من التمر؛ لأن التمر أقرب ما يكون شبهًا باللبن لحلاوته والتغذي به، المهم: أن النصاب من الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ ، ما دون ذلك فليس فيه صدقة، وهل نقول: "إلا أن يشاء ربه"؟ الجواب: نعم نقول: إلا أن يشاء ربه، يعني: على أن يتصدق منه لا على أنها زكاة فلا يمنع.
والحديث الثالث: عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا" العشر". هذه جملة خبرية سبق فيها الخبر على المبتدأ، الخبر هو قوله: "فيما سقت السماء"، والمبتدأ قوله: "العشر". "وفيما سقي بالنضح نصف العشر"، "بالنضح"؛ أي: بالسواني، وشبهها نصف العشر، يعني: واحد من عشرين، والأول العشر واحد من عشرة.
ولأبي داود: "إذا كان بعلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر". ففي هذا الحديث بيان مقدار الواجب لا مقدار ما فيه الواجب؛ لأن مقدار ما فيه الواجب سبق في حديث أبي سعيد وجابر، لكن هنا بيان مقدار الواجب، فما هو الواجب في الحبوب والثمار إذا بلغت النصاب؟ الواجب يختلف "إذا كان بعلًا" يشرب بعروقه أو كان يشرب بالمطر أو كان يشرب بالعيون الجارية وكذلك بالأنهار فهذا فيه العشر كاملًا؛ لأن المؤنة فيه قليلة ليس على مالكه إلا أن يصرف الماء إذا كان يسقى بالعيون أو يسقى بالأنهار، وأما ما كان يسقى بمؤنة بمعنى: أنه يحتاج في استخراج الماء إلى مؤنة عند السقي هذا فيه نصف العشر، يعني: واحدًا من عشرين لكثرة المؤنة والتعب عليها.
وقوله ﷺ : "فيما سقت السماء"، "ما" هذه عامة في النوع والقدر "فيما سقت"، فيقتضي وجوب الزكاة في كل ما سقته السماء، أو الذي سقي بالعيون، أو كان بعلًا يشرب بعروقه كل شيء التمر، والحبوب، والبطيخ، وكل شيء لأنه شامل، "فيما" عام في قدره، "فيما سقت السماء" يقتضي لو أن الإنسان ملك من البعل مائة صاع من البر لوجب عليه الزكاة، لأنه يصدق عليه أنه كان بعلًا فشرب بعروقه، فهل هذا الحديث على عمومه من الوجهين أي: النوع والقدر؟ الجواب لا، كيف؟ يخصصه حديثي جابر وأبي سعيد في النوع وفي القدر، إذ إن حديثي جابر وأبي سعيد يدلان على أنه ليس فيه زكاة إذا كان دون خمسة أوسق، ويدلان أيضًا على أن الزكاة إنما تجب فيما يوسق ويحمل وهو الحبوب والتمر، وأما ما لا يحمل ولا يوسق كالبطيخ والفاكهة وما أشبه ذلك فليس فيه زكاة، وعلى هذا فالحديث مخصوص بوجهين وهما النوع والقدر.
стр. 1268
فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد أولًا: وقوع التخصيص في النصوص وأن بعضها يخصص بعضا، فإن قلت: كيف يخصص بعضها بعضا مع الانفصال، ولو كان المخصص متصلًا مثل: "قام القوم إلا زيدا" لكان الأمر واضحًا، لكن هنا منفصل ذاك حديث، وهذا حديث فكيف يصح التخصيص مع الانفصال؟
الجواب: لأن المتكلم بهما واحد، والشرع لا يختلف ولا يتناقض، ولو أننا قلنا بعدم التخصيص لتناقض في الصورة التي لا يجتمعان فيها: فإذا قلنا بتخصيص العام اتفق في الصورة المعينة التي وقع فيها التخصيص، لكن لو أني تكلمت بكلام عام ثم جاء واحد آخر يتكلم بكلام خاص فهو لا يستطيع أن يخصص كلامي؛ لأن المتكلم مختلف، أما والمتكلم واحد والشرع لا يتناقض فإن القول التخصصي واجب وهو واقع.
ويستفاد من هذا الحديث: حكمة الشرع حيث فرق بين ما يسقى بمؤنة وما يسقى بلا مؤنة، فجعل الذي يسقى بمؤنة فيه على النصف مما يسقين بلا مؤنة.
ويستفاد: حكمة الشرع أيضًا من وجه آخر، فإنه لما كانت الزروع أقل كلفة من الاتجار بالدراهم والدنانير جعل الشرع فيها نصف العشر أو العشر بخلاف الدراهم والدنانير وأموال التجارة ففيها ربع العشر؛ لأن تنمية تلك أصعب وأشق، فالدراهم والدنانير إن لم تحركها لا تنمو ولا تستفيد منها فلو أوجبنا نصف العشر لكانت تتلف عليه بسرعة، وأما عروض التجارة فتنمو لكنها تنمو نموًا بطيئا خفيفا، ونمو الثمار والحبوب أسرع، إذ إنه ربما يكسب الإنسان في خلال ستة أشهر تكون المائة سبعمائة أو أكثر: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة﴾ [البقرة: ٢٦١].
كم تكون الواحدة؟ سبعمائة، فالنمو فيها ظاهر جدًا لذلك أوجب الشرع فيها العشر إذا كان لا يحتاج إلى مؤنة في سقيه، ونصف العشر إن كان يحتاج إلى مؤنة في سقيه، إن كان يسقى أحيانًا بمؤنة، وأحيانًا بلا مؤنة اعتبرنا الأكثر، فإذا كان مثلًا يسقى بمؤنة ثمانية أشهر، وبلا مؤنة أربعة أشهر اعتبرنا الأكثر، إلا إذا كانت هذه الأربعة في انتفاء الزرع أكثر من ثمانية فإننا حينئذ نرجع إلى الأنفع، فصار إذا كان يسقى بهذا وبهذا تعتبر الأكثر قدرًا؛ لأن الأكثر قدرًا منضبط ثمانية أشهر، أربعة، تسعة أشهر وثلاثة، وذلك إذا كان الزرع يبقى سنة، فإن كان ستة أشهر فعلى النصف أربعة أشهر وشهرين
стр. 1269
أنواع الحبوب التي تجب فيها الزكاة:
٥٨٦ - وعن أبي موسى الأشعري ومعاذ ﵄، أن النبي ﷺ قال لهما: "لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر". رواه الطبراني والحاكم.
"الشعير" معروف هو حب يكال ويقتات، و"الحنطة" حب يكال ويقتات لكنهما نوعان مختلفان، فيكون هذان النوعان المختلفان يتخذهما الناس قوتا، فعليه نقول: كل ما كان قوتا ففيه الزكاة، وظاهر الحديث أنه لا فرق- إذا جعلنا هذه العلة- بين ما يكال وما لا يكال، وإذا قلنا: إنه خاص بهذه الأشياء بنوعها، فإنه يبطله حديث جابر وأبي سعيد السابقين، فإن الرسول ﷺ يقول: "ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر صدقة"، وهذا صريح في أن الزكاة تجب في التمر مع أنها ليست من هذه الأصناف الأربعة، فيكون الحصر هنا حصر جنس أو نوع وليس حصر شخص، يعني: لا تأخذها إلا في هذه الأشياء وما كان نظير لها، أيضًا الزبيب لأنه مأخوذ من العنب فهو يكال ويدخر بعد أن يكون زبيبًا، والتمر يكال ويدخر بعد أن يكون تمرًا قبل أن يكون رطبًا، فإذا كان الرسول ﷺ عد هذه الأصناف الأربعة ثم ألقينا الضوء عليها وجدنا أنها قوات للناس تكال وتدخر فعليه تجب الزكاة في كل قوت يكال ويدخر.
فقولنا: "في كل قوت"، خرج به ما ليس بقوت مثل حب القت الذي يسمى البرسيم، الحب الذي يفصص هل تجب فيه الزكاة لو جمع الإنسان من هذا الذي يسمونه الفصفص فلا تجب فيه الزكاة، لأنه ليس قوتًا، فالصحيح أن الحد فيما تجب فيه الزكاة مما تخرجه الأرض أنه ما كان حبًا أو ثمرا يقتات ويدخر، لأنك إذا تأملت هذه التي يجب فيها الزكاة وجدتها كذلك، ولا بد من اعتبار التوسيق لقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق"، فلا بد أن يكون مما يوسق ويكال، وأما ما لا يوسق ولا يكال فهو وإن كان قونًا ويدخر فليس فيه زكاة، فإنه يوجد بعض الفواكه يكون قوتًا عند أهله وربما يدخرونه لا سيما بعد وجود الآلات المبردة ومع ذلك نقول: ليس فيه زكاة.
"الزبيب" هو العنب إذا جف، ولكن اعلم أن العنب ينقسم إلى قسمين: قسم لا يمكن أن يأتي منه زبيب أبدا مثل العنب البلدي هنا، وقسم آخر يمكن أن يكون زبيبًا، فأيهما أشبه بتمر النخل؟ الأخير أشبه بتمر النخل، وأما الأول فأشبه بالفواكه، لأنه لا يؤكل إلا طريًا ولو يبس لفسد
стр. 1270
ولم يؤكل، ولكن مع ذلك ذهب بعض العلماء إلى أنه تجب الزكاة فيه وإن لم يكن زبيبًا؛ لأن هذا يعتبر نادرا، فإن أكثر الأعناب- ولا سيما الأعناب الخارجية- تكون زبيبًا، وبناء على ذلك يوجد من الرطب ما لا يصلح لو جعل تمرًا.
فهل نقول: إن هذا يقاس على العنب الذي لا يتأتى منه زبيب فلا تجب فيه الزكاة؟
الجواب: لا؛ لأن هذا نادر جلا، والتمر حتى وإن كان لا يؤكل إلا رطبًا، فإنه لو بقي ويبس انتفع به بخلاف العنب الذي لا يزبب، ووجوب الزكاة في العنب الذي لا يزبب عندي فيه نظر، والأقرب عندي أن الزكاة لا تجب فيه، وأنه من جنس الخضروات والفواكه، فكما أن البرتقال والتفاح والمشمش وما إلى ذلك لا زكاة فيه فهذا أيضًا لا زكاة فيه.
- هل تجب الزكاة في التين؟
قال بعض العلماء: لا تجب في التين، لأنه إنما يؤكل طريا على أنه فاكهة، وقال آخرون- وهو اختيار شيخ الإسلام-: بل تجب الزكاة فيه؛ لأن التين يؤكل طريا ويدخر، وقد حدثنا من سابقنا في السن أنهم كانوا فيما سبق يدخرون التين ويكنزونه كما يكنز التمر تماما
٥٨٧ - وللدارقطني عن معاذ ﵁ قال: "فأما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ . وإسناده ضعيف.
ولكن هذا النفي قد يستفاد من قوله: "لا تأخذ الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة"؛ لأن هذه الأصناف الأخيرة القثاء- هو عبارة عن الخيار أو يشبهه-، وأما البطيخ فهو عام يشمل كل ما يؤكل خضرا، وأما الرمان فواضح معروف، والقصب هو قصب السكر، هذا ليس فيه شيء؛ لأنه لا يكال ولا يدخر.
خرص الثمر قبل نضوجه:
٥٨٨ - وعن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدّعوا الثلث، فدعوا الربع". رواه الخمسًة إلا ابن ماجه، وصححه ابن جبان والحاكم.
قوله: "إذا خرصتم" هو تقدير الشيء على سبيل التخمين والتحري؛ لأن تقدير الشيء إما أن يكون بالمكيال، أو الميزان، أو العد، أو الذرع، وهذا يكون تقديرا متيقنًا، مثل أن تذرع هذا
стр. 1271
الحبل فيبلغ عشرة أمتار، تزن هذا الشيء فيبلغ عشرة كيلوات، تكيل هذا الشيء فيبلغ عشرة آصع، هذا يكون تقديرا متيقنًا إذا لم تفعل هكذا، ولكن قدرته فيسمى هذا خرصًا، والخرص معتبر فيما يتعذر فيه اليقين، أو يتعسر، بناء على القاعدة المعروفة عند أهل العلم، والتي دل عليها الشرع: "أنه إذا تعذر اليقين عملنا بغلبة الظن".
"إذا خرصتم" معناه: قدرتم الشيء على سبيل التحري والتخمين، وما الذي يخرص؟ هو الثمار كالعنب والتمر؛ لأن الثمرة فيها ظاهرة بارزة فيخرص، وأما الزروع فقال العلماء: إنها لا تخرص لأن الحب المقصود مستتر بالسنابل، فلا تمكن الإحاطة به، فخرصه لا يكون على سبيل التحري؛ لأن التحري فيه متعذر، أو متعسر؛ ولهذا قالوا: لا تخرص الزروع، حتى إن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن الزرع لا يخرص، والعمل الآن على خلاف ذلك فإن الناس يخرصون الزروع، ويقولون: إن أهل الخبرة يقدرون ذلك بالتحري والتخمين كما يقدرون ذلك بالثمار، ولا شك أن التقدير في الثمار أقرب إلى اليقين؛ لأن الثمرة مشاهدة في العنب أو في التمر بخلاف هذا، إذن الذي يخرص الثمار فقط من التمور والأعناب.
وقوله: "فخذوا ودعوا الثلث"، "خذوا" أي: خذوا ما يجب فيها من الزكاة، ففي ألف كيلو فيما يسقى بمؤنة نصف العشر خمسمائة كيلو، وفيما يسقى بلا مؤنة العشر مائة كيلو، لكن يقول الرسول ﷺ : "دعوا الثلث" هل المراد: دعوا الثلث من أصل المال فلا تأخذوا عنه زكاة، أو دعوا الثلث أي: مما يؤخذ حتى يؤديه صاحبه؟ فيه احتمالان في الحديث، وهما قولان لأهل العلم؛ لأن كلمة: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث" ظاهر الحديث يقول: "دعوا الثلث" من الواجب، لماذا؟ يبقيها للمالك، لأنه ربما يكون لديه أناس من أقاربه من أهل الزكاة فيعطيهم، أو أناس من أصحابه من أهل الزكاة فيعطيهم، فجعل الشارع ثلث الواجب باقيا للمالك يتصرف فيه كما يشاء يعطيه لمستحقه؛ لأننا لو أخذنا منه الكل، وكان له أقارب أو جيران أو أصدقاء ينظرون إلى ملكه في ثماره، ثم يحرمهم من زكاته كان في نفوسهم شيء من ذلك، فجعل الشرع له الثلث، وهذا الذي فسرنا به الحديث هو الذي يوافق ما سبق في الأحاديث في قوله: "فيما سقت السماء العشر"، لأننا لو فسرنا الحديث على الاحتمال الثاني الذي هو أن ندع ثلث الزكاة فلا تجب عليه لكان فيما سقت السماء ثلثا العشر، وفيما سقي بالنضح ثلث العشر، فجمعًا بين الأحاديث نقول إن المراد بقوله: "دعوا الثلث" أي: دعوا الثلث من الواجب يؤديه المالك حتى تبقى عموم الأحاديث على ما هي عليه، ويكون هذا له وجه من النظر، وهو تفسير يحتمله الحديث: "دعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربعة".
قوله: "فإن لم تدعوا الثلث" هل هذا على سبيل الخيار المطلق للسعاة الذين يأخذون الزكاة
стр. 1272
ويخرصونها؟ يعني: إن لم تختاروا ترك الثلث فدعوا الربع، نقول: لدينا قاعدة وهي أن كل ما جعل فيه الخيار لشخص عن طريق الولاية أو التصرف لغيره فالواجب عليه اتباع الأصلح، بخلاف ما جعل فيه الخيار مما يتصرف لنفسه فهذا يتبع ما يراه أسهل على ما يرى، أما ما جعل له الخيار فيه عن طريق الولاية أو التصرف للغير فالواجب عليه أن يتبع الأصلح.
"إن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" يعني: إن رأيتم المصلحة في عدم ترك الثلث فاتركوا الربع، فما هي المصلحة؟ أما على الاحتمال الأول الذي يقول: "دعوا الثلث" يعني: لا يجب عليه بذله، فيقولون: إن السعاة ينظرون إلى هذا الرجل، إذا كان هذا الرجل مضيافا كريما يبذل كثيرًا من ماله للضيوف فهنا يترك له الثلث، وإن كان بالعكس فيترك له الربع، كذلك لو كان النخل قد أصيب بجوائح، أو كان هناك أتعاب أكثر في هذه السنة على سقيه ونحو ذلك فيترك له الثلث وإلا ترك له الربع.
والاحتمال الثاني، نقول: إذا كان هذا الرجل حوله أناس كثيرون فقراء من أهل الزكاة فإننا نترك له الثلث، وإلا تركنا له الربع، فأيا كان، فإن هذه مرجعة إلى ما تقتضيه المصلحة.
يستفاد من هذا الحديث: ثبوت الخرص في الثمار لقوله: "إذا خرصتم فدعوا"، ووجه ثبوته: أنه لما علق على الخرص أحكامًا كان ذلك دليلًا على نفوذها؛ لأن غير النافذ لا يترتب عليه أحكام لأنه يلغى من الأصل، فلما رتب عليه الأحكام علم أنه نافذ وصحيح.
ومن فوائد الحديث: تيسير الشرع على العباد؛ لأن الخرص أسهل من التقدير بالكيل، إذ أنا لو اعتبرنا التقدير بالكيل لزم من ذلك أن يجزه صاحب المال- يعني: صاحب الثمرة-، ثم ييبس، ثم يكيل، ثم يعرف الواجب، وهذا فيه صعوبة ومشقة، فالخرص لا شك أنه من التيسير.
ويستفاد منه: أنه إذا تعذر اليقين أو تعسر رجعنا إلى غلبة الظن، وهذا له نظائر في الشرع منها ما سبق في حديث ابن مسعود في الشك في الصلاة يقول: "فليتحر الصواب ثم يبني عليه" هذا أصل يشهد لهذا الحديث.
والأمر بالخرص كاستعمال القرعة عند الحاجة إليها، فإن القرعة بلا شك فيها تعيين المستحق على سبيل التحري، فإنه لو اجتمع شخصان فأكثر في حق من الحقوق واستويا ولم يمكن التمييز بينهما فإننا نجري القرعة، وقد ذكرت القرعة في القرآن مرتين في قصة يونس: ﴿فساهم فكان من المدحضين فألتقمه الحوت وهو مليم﴾ [الصافات: ١٤١، ١٤٢]. وفى قصة مريم: ﴿وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ [آل عمران: ٤٤].
стр. 1273
أما في السنة فقد وردت أيضًا في عدة مواضع تبلغ حوالي ستة مواضع، لماذا رجعنا إلى القرعة وفيها نوع من الميسر؛ لأن الإنسان قد يكون فيها غارمًا؟
نقول: لأنه لما تعذر التمييز على سبيل اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، هذا الحديث يمكن أن يكون من جملة الأصول التي تدل على أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يترك لرب المال الثلث أو الربع على حسب ما تقتضيه المصلحة ويقتضيه نظر الساعي؛ لقوله: "فخذوا ودعوا".
ومنها: وجوب أخذ الزكاة من أهل الثمار، وهذه الفائدة قد يكون فيها مناقشة، إذا قلنا: "وجوب"، من أين يؤخذ؟ من قوله: "فخذوا" هذا أمر، ولكن قد يقول قائل: إن المراد بذلك الإباحة، يعني: بيان ما يؤخذ، وليس على سبيل الإلزام، وأن الساعي لو رأى من المصلحة ألا يأخذ الزكاة من هؤلاء بل يبين المقدار ويدع الأمر إلى إيمانهم لكان ذلك جائزًا، ولكن على كل حال إبقاء الحديث على ظاهره وأنه يؤمر بأن يأخذ أولى، لأنه لو لم يأخذ لكان بعث السعاة وتعبهم وعملهم مشقة بدون فائدة.
ومن فوائد الحديث: أن ترك الثلث أو الربع موكول إلى الساعي فيجب عليه أن ينظر نحو الأصلح.
ومن فوائد الحديث: مراعاة الأحوال أنه من الحكمة أن تراعى الأحوال، وهذا شيء مستقر في النفوس، وأن الشرع يراعي الأحوال حتى إنه ليجب على الشخص ما لا يجب على غيره ويحرم عليه ما لا يحرم على غيره، ويلزم بما لا يلزم به غيره حسب ما تقتضيه العلل الشرعية.
ومن فوائد الحديث الأول: "لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف": أن الزكاة لا تجب إلا في هذا الأصناف الأربعة، لأنه قال: "لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف"، وهذا مذهب كثير من أهل العلم أنها لا تجب إلا في هذه الأصناف، ولكن هل هذا الحصر حصر عين أو حصر وصف؟ إن قلنا: إنه حصر عين، فمعناه: أنها لا تجب الزكاة في غير هذه الأربعة فقط فلا تجب في الرز، ولا في الدرة، ولا في الدخن، ولا في غيرها، وإن قلنا: إنها حصر وصف صار ما يماثلها ملحقا بها تجب فيه الزكاة مثل الرز والذرة والدخن وغيرها من الحبوب التي تقتات وتدخر، وذكرنا أن القول الراجح والأحوط هو أن هذا المذكور حصر- وصف لا حصر عين.
ويرى بعض العلماء أنه حصر عين ويقول: إنه لا يجب أن نلزم الناس ونغرمهم في أموالهم بشيء ليس فيه دليل بيان؛ لأن اخذ المال كإسقاط المال، يعني: أخذ المال من الأغنياء وهو لا
стр. 1274
يجب عليهم، كإسقاطه عنهم وحرمانه الفقراء، والأصل براءة الذمة؛ لأن هنا هل الاحتياط أن تلزم بالزكاة احتياطا لأهل الزكاة أو لا نلزم احتياطا لحماية أموال الناس؟
فقد تعارض الاحتياطان، قالوا: وإذا تعارض الاحتياطان تساقطا ورجعنا إلى الأصل، وهو أن الأصل براءة الذمة، هذا وجه من رجح القول بأن هذا الحصر حصر أعيان، لكن المشهور عند أكثر أهل العلم أنه حصر أوصاف.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإمام الموجه للسعاة أن يبين لهم ما تجب فيه الزكاة مما لا يجب حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم لقوله: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأصناف"، وهكذا شأن كل من ولى أحد على ولاية أن يبين له ما يجب عليه فيها حتى تقوم عليه الحجة وتبرأ ذمة المولى.
٥٨٩ - وعن عتاب بن أسيد ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ "أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا"". رواه الخمسة، وفيه انقطاع.
قوله: "كما يخرص النخل" يعني: ثمر النخل، والعنب ثمر العنب، وسبق لنا أن معنى الخرص هو الظن والتخمين، وأنه عمل به لدعوة الحاجة إليه كما أمر بالقرعة لدعوة الحاجة إليها.
وقوله: "كما يخرص النخل" هذه تشبيه للأصل بالأصل، وإلا فمعلوم أن خرص العنب في الغالب أشق من خرص النخل؛ لأن بروز ثمرة النخل واضح، لكن العنب خفي يختفي بالأوراق فهو يحتاج إلى عناية أكثر وإلى ضبط أكثر.
وقوله: "تؤخذ زكاته زبيبًا" يعني: لا عتبا؛ لأن الزبيب هو الذي يدخر، أما العنب فإنه يفسد.
وظاهر الحديث: أن العنب الذي تجب زكاته هو ما يكون زبيبًا، وأما العنب الذي لا يزبب فإن العلماء اختلفوا فيه؛ فمنهم من ألحقه بالفاكهة والخضروات، ومنهم من ألحقه بالذي يزبب، وقال: إنه يقدر زبيبًا، لم يذكر في الحديث نصاب الزبيب، ولكنه ملحق بثمر النخل، وقد يشعر قوله: "كما يخرص النخل" بذلك، وأن نصابه كنصاب النخل، وهو هكذا يقينا فيما عدا ثمار النخل، وثمار العنب هل يخرص أو لا مثل الزروع؟ تقدم لنا أن في المسألة خلافًا، وأن أكثر أهل العلم، بل حكي إجماعا أن الزرع لا يخرص، وعللوا ذلك بأن المقصود منه مستتر بقشوره فلا تمكن الإحاطة به، بخلاف النخل والزبيب فإن المقصود منه ظاهر بارز.
وقلنا: إن عمل الناس اليوم على خلاف ذلك، وأن أهل الخبرة يعرفونه ويقدرونه تقديرا قد يكون منضبطا، وهذا هو الذي عليه العمل.
стр. 1275
حكم زكاة الحلي:
٥٩٠ - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، "أن امرأةً أتت النَّبيَّ ﷺ ومعها ابنةٌ لها، وفى يد ابنتها مسكتان من ذهبٍ، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرُّك أن يسوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فألقتهما". رواه الثَّلاثة، وإسناده قويٌّ.
- وصحَّحه الحاكم من حديث عائشة.
يقول: "امرأة أنت .... " إلخ. "المسكتان" قال العلماء: هما السواران، وفي بعض ألفاظ الحديث: "مسكتان غليظتان".
وقوله: "من ذهب"، ومن هذه لبيان الجنس كما يقال: خاتم من ذهب، أو من حديد، أو ما أشبه.
وقوله: "أتعطين زكاة" هذا الخطاب للأم، ولم يسأل البنت، لأنها إما صغيرة طفلة، وإما صغيرة غير مميزة، وتكون وليتها أمها أو أبوها كما سيأتي في الفوائد.
فقال: "أيسرك أن يسورك الله بهما؟ " السرور معناه: الانبساط والفرح وما أشبه ذلك، وهو من المعاني النفسية التي لا يمكن تعريفها لأن المسائل النفسية لا يمكن للإنسان أن يعرفها أبدا مهما عرفتها فإنك تعرفها بآثارها، ولذلك لو قال لك قائل: ما هي العداوة؟ ما تعرفها بأوضح من لفظها. ما هي البغضاء؟ ما هي المحبة؟ ما تقدر؛ ولهذا نقول: إن المعاني النفسية لا يمكن أن تعرف بمثل ألفاظها، فالمعنى: هل تسرين بأن يسورك الله بهما سوارين من نار، يعني: تحبين ذلك وتسرين به. ما الجواب؟ لا، ولا أحد يسرّه أن يسوره الله يوم القيامة سوارا من نار، وأخذ النبي ﷺ هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥]. وفي الحديث الصحيح: "أن هذا المال يصفح صفائح من نار يكوى بها جنبه وجبينه وظهرها". هكذا أيضًا هذه الأسورة التي منعت ما يجب فيها تكون عليها يوم
стр. 1276
القيامة أسورة من نار ويكوي بها المحل، يعني: لا أحد يستطيع أن يضعه ولو شريطا على ذراعه، لكن هذه بقدر ما عليها من الأسورة التي تجب فيها الزكاة ولم تزكها فإنها تحرق بها، والعياذ بالله.
قال: "فألقتهما من يد ابنتها"، وفي رواية أخرى: وقالت: "هما لله ورسوله" وتركتهما لأنها خافت، فإن هذا أمر عظيم.
قال المؤلف: "إسناده قوي"، وهو كما قال، لكن صححه بعض المتأخرين وقال: إنه صحيح، ويشهد له عمومات الكتاب والسنة الدالة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة بدون تفصيل.
قال المؤلف
٥٩١ - وعن أمِّ سلمة ﵂: "أنَّها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فقالت: يا رسول الله، أكنزٌ هو؟ فقال: إذا أديت زكاته فليس بكنزٍ". رواه أبو داود، والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه الحاكم.
قولها: "أوضاحًا من ذهب" المعروف أن الأوضح تكون من الفضة، وسميت وضحًا لبياضها ولمعانها، ولكن ربما يراد بها من الذهب بشرط أن تقيد به، فيقال: أوضاح من ذهب، ويكون الجمع بينها وبين الفضة اللمعان في كل منهما، فسألت النبي ﷺ أكنز هو؟ وتريد بالكنز ما يعاقب عليه صاحبه، وليست تسأل هل هو كنز مدفون، لماذا؟ لأنها تعلم ذلك، لكن هل هو يعاقب عليه صاحبه أم لا؟ فقال لها النبي ﷺ : "إذا أديت زكاته فليس يكنز".
وفي رواية أبي داود: "إذا بلغ أن يزكى فأديه زكاته وليس بكنز" وهذه زيادة مهمة جدا كما سيذكر في الفوائد، إذن يجعل هذا الحديث شاهد الحديث عمرو بن شعيب.
من فوائل حديث عتاب: آن العنب يخرص كما يخرص النخل لظهور ثمرته وبروزها وبيان ثمرها، وفيه إشارة إلى أنه لا بد أن يبلغ النصاب؛ لأن هذا هو نتيجة الخرص، ولو كانت الزكاة واجبة في قليل وكثير ما احتجنا إلى الخرص، وفي قوله: "كما يخرص النخل" أيضًا إشارة إلى أن نصابه كنصاب ثمن النخل.
وفيه أيضًا من الفوائد: أن الزكاة واجبة فيه لقوله: "وتؤخذ زكاته"، وأنه يجب أن تؤخذ زبيبًا، ولكن إذا كان لا يزبب فهل يلزم مالكه أن يشتري زبيبًا ليدفعه عنه؟ إن قلت: هذا على الغالب، صار لا بد أن يكون هناك شيء مقدر.
стр. 1277
"وتؤخذ زكاته زبيبًا منه"، وعلى هذا يكون بناء على الغالب وإن لم تقدر، وتؤخذ زكاته زبيبًا صار لا بد أن يقدر هذا العنب زبيبًا ثم تخرج زكاته من الزبيب، وهذا هو ظاهر الحديث وهو الذي ذكره الفقهاء- ﵏.
ولكن الصحيح: أن تؤخذ زكاته منه؛ لأن الإنسان لا يكلف أكثر مما عنده فيؤدي زكاته منه والفقير يتصرف، نعم إذا خاف لو أعطى الفقير شيئا كثيرا فسد عليه فإنه يوزعه بحيث يعطى الفقير ما لا يفسد عليه، فإذا قدرنا مثلًا أن هذا الرجل عنده زكاة تبلغ ثلاثين كيلو هذا ربما إن أعطاه الفقير ربما يفسد عليه أو يبيعه بقليل من المال، فمثل هذا نقول: حرصًا على مصلحة الفقير توزع عليه توزيعًا مناسبًا هذا إن لم يبعه فإن باعه فلا شك أنه يخرج من قيمته، ويكون الواجب عليه نصف العشر إن كان يسقى بمؤنة، وإن كان يسقى بلا مؤنة فالعشر كاملًا.
فائدة في جواز لبس الذهب المحلق:
أما حديث عمرو بن شعيب فمن فوائده: جواز لبس الذهب المحلق لقوله: "وفي يد ابنتها مسكتان"؛ لأن السوار محلق بلا شك، وقد تضافرت الأدلة على جوازه، وهناك أحاديث تدل على المنع من الذهب المحلق والوعيد على من فعل ذلك، ولكن العلماء اختلفوا في تخريج هذه الأحاديث؛ فمنهم من قال: إنها شاذة ولا يعمل بها، ومنهم من قال: إنها منسوخة، فأما من قال: منسوخة، فإنه يحتاج إلى إقامة الدليل على أنها سابقة، وأن الأحاديث الدالة على الجواز متأخرة؛ لأن هذه هي القاعدة، ومن قال: إنها شاذة، قال: لأنها تخالف الأحاديث الصحيحة التي هي أقوى منها، وتخالف عمل المسلمين، فإن بعض العلماء نقل الإجماع على جواز لبس الذهب المحلق، والغالب ألا يكون الجمهور على قول يخالف الحق لا سيما وأن معهم من الأدلة القوية الصريحة في جواز اللبس ما يقوي قولهم، وعلى هذا فتكون شاذة، وكنت قد بحثت معكم مسألة الشذوذ، هل يصح أن نحكم على الحديث بالشذوذ إذا كانا حديثين، أو نقول: إن الشذوذ مخالفة الراوي بقية الرواة في هذا الحديث المعين؟ كنت أظن أن الشذوذ يكون في حديث واحد يختلف فيه الرواة، فيشذ بعضهم ويزيد شيئا لم يزده غيره، ولكن رأيت كلامًا للإمام أحمد رحمة الله يدل على أن الشذوذ يقع حتى وإن كانا الحديثان مختلفين، وذلك فيما ورد من الحديث عن النهي عن الصيام: "إذا أنتصف شعبان فلا تصوموا"، قال الإمام أحمد: هذا حديث شاذ لمخالفته قول النبي ﷺ : "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين". قال: لأن هذا الأخير ثابت في الصحيحين وغيرهما، فهو قوي ورواته حفاظ وذاك الحديث لا يساويه في القوة، فيكون مما خالف الثقة من هو أوثق منه فيحكم بشذوذه، وكذلك أيضًا هذا الحديث
стр. 1278
الذي أشرنا إليه في مسألة الذهب المحلق. قال كثير من أهل العلم: إنه شاذ لمخالفته الأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز لبس الذهب المحلق، ولهذا كان الراجح القول بالجواز، وأن القول بالمنع ضعيف.
ويستفاد من هذا الحديث: أن للأم ولاية على أولادها، لقوله: "أتعطين زكاة هذا؟ "، وهذه المسألة مختلف فيها عند أهل العلم، فمنهم من قال: إنه لا ولاية للأم على أولادها في المال، وأن ولاية المال للأب إما خاصة وإما للأب والجد وإن علا، أما الأم فليس لها ولاية المال على أولادها، ولكن الصحيح أن لها ولاية المال على أولادها كما لها ولاية على آداب أولادها، نعم لو كان هناك أب فهو الأولى لأنه هو الذي يحفظ المال ويحسن التصرف أكثر من الأم، إنما إذا لم يكن أب وكانت الأم هي التي تتولى مال أولادها كما لو مات زوجها وبقي أولادها عندها تتولى أموالهم أخذا ودفعًا وتصرفا فإن لها ولاية شرعية.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المخاطب بزكاة مال الصبي والمجنون وليهما لقوله: "أتعطين زكاة هذا؟ "؛ ولهذا قال العلماء: إن الزكاة تجب في زكاة الصبي والمجنون ويخرجها وليهما.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يستفصل في الأمور التي قد تخفى وإلا فالأصل أن الإنسان ما يسأل كيف ذلك؟ لأنه سألها هل تعطي زكاة هذا، وإلا فلا يلزم الإنسان أن يسأل الناس هل أنتم تزكون، هل أنتم تفعلون؟ لا، لكن إذا كان المقام يقتضي السؤال فليسأل، ولهذا سأل النبي ﷺ فقال: "أتؤدين زكاة هذا؟ ".
وفيه أيضًا: دليل على وجوب الزكاة في الحلي، لأنه قال: وزكاة هذا، وهو كذلك، ويؤيد هذا قوله: "أيسرك أن يسورك الله بما يوم القيامة سورين من نار؟ "، ومثل هذا الوعيد إنما ورد في ترك الزكاة، ولم يأت بطائل من قال: إنه لا زكاة في الحلي، لأنهم لم يقابلوا هذا الحديث وغيره من الأحاديث العامة بأدلة من السنة أبدا، وغاية ما هناك أنهم استدلوا بحديث رواه جابر أن النبي ﷺ قال: "ليس في الحلي زكاة". وهذا الحديث ضعيف.
ثم هم لا يقولون بموجبه أيضًا، بل يقولون: إن الحلي تجب فيه الزكاة أحيانًا، ولو أخذوا بظاهر الحديث لكان ظاهره عدم الوجوب مطلقا مع أنهم يقولون: لو أعد حليا للإجارة لوجبت فيه الزكاة مع أنه ليس عروض تجارة، هم يقرون أن مثل هذا ليس عروض تجارة، ومع هذا يوجبون فيه الزكاة، ولو أخذوا بدلالة الحديث الذي استدلوا به لكان الواجب عليهم أن يقولوا: ليس فيه زكاة، والمهم: أن من تأمل أدلة من قالوا بعدم الوجوب لم يجد لها طائلًا.
стр. 1279
وأما القياس على الثياب، وحوائج المنزل وما أشبه ذلك، فيجاب عنه من وجهين: الأول: أنه قياس فاسد لماذا؟ لمخالفته النص، وأول من عارض النص بالقياس إبليس، ورد الله عليه معارضته قلنا: أن نقول: أنتم عرضتم بالقياس ومع ذلك لم تأخذوا بالقياس لا طردًا ولا عكسًا.
فإنكم تقولون: لو كان عنده حلي للإيجار وجبت عليه الزكاة، ولو كان عنده ثياب للإيجار لم تجب الزكاة.
وتقولون أيضًا: إذا كان عنده ثياب محرمة يلبسها فليس فيها زكاة، وإذا كان عنده حلي محرم يلبسه ففيه الزكاة.
وتقولون أيضًا: إنه إذا كان عنده ثياب أعدها للبس ثم عدل عن ذلك وأعدها للتجارة لم تجب فيها الزكاة، وإذا كان عنده حلي للبس، ثم عدل عن ذلك وأعدها للتجارة ففيه الزكاة.
وتقولون أيضًا: لو كان عنده حلي أعده للنفقة، مثل امرأة فقيرة ليس عندها مال عندها حلي كثير وجعلته للنفقة، كلما احتاجت باعته وأنفقت على نفسها فعليها الزكاة، ولو كان عندها ثياب كثيرة جدا أعدتها للنفقة كلما احتاجت باعت وأنفقت فليس عليها زكاة، كيف يصح القياس مع هذه المخالفة العظيمة؟ لا يصبح لأن القياس معناه: إلحاق الفرع بالأصل، وهنا الفرع خالف الأصل في أكثر المسائل، فتبين بهذا أن من نفوا وجوب الزكاة في الحلي ليس عندهم دليل من أثر ولا نظر، أما الآثار فعرفتم، وأما النظر فعرفتم التناقض وعدم صحة القياس، وبناء عليه فإن أحاديث وجوب زكاة الحلي قائمة بلا معارض، وكلما جاء الدليل قائمًا سالما عن المعارض وجب الأخذ بمدلوله ومقتضاه، ولهذا صار القول الراجح وجوب زكاة الحلي وهو مذهب أبي حنيفة، ولكن بشرط أن يبلغ النصاب.
فإن قلت: ظاهر هذا الحديث أنه لا يشترط بلوغ النصاب؛ لأن النبي ﷺ قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ "، والسواران في الغالب لا يبلغان عشرين مثقالًا، فاختلف الجواب في ذلك، فقال الثوري رحمة الله: تضمه إلى ما عندها حتى يبلغ النصاب.
وبعضهم قال: إن في بعض ألفاظ الحديث: "سواران غليظان"، والسوار الغليظ قد يبلغ؛ لأن الغليظ معناه: المتين، وهذا يبلغ.
ومنهم من قال: إن هذا مطلق أو مجمل مبين بالأحاديث الدالة على أنه لا زكاة قي الذهب حتى يبلغ النصاب، ومنه حديث أم سلمة في رواية أبي داود حيث اشترط أن يبلغ ما يزكى.
القول الثالث في المسألة: أن الزكاة واجبة في الحلي قليلًا كان أو كثيرًا.
стр. 1280
ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة واجبة في الحلي كل سنة؛ لقوله: "أتؤدين زكاة هذا؟ "، وجه الدلالة: أن الزكاة في الأموال تتكرر كل سنة، فلو كان عند الإنسان مال دراهم أو دنانير وجب عليه أن يزكيها كل ستة وإن كانت لا تنمو، ومن قال: إن الزكاة لا تجب فيه إلا سنة واحدة فليس قوله بظاهر، بل الظاهر وجوب الزكاة في الحلي في كل سنة.
ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة لقوله: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة؟ ".
ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، كيف ذلك؟ لما كانت المخالفة هنا في الأسورة كان العقاب في الأسورة، فالجزاء من جنس العمل، ويؤيد هذه القاعدة أن الله- حكم عدل لا يظلم، وأنه جعل جزاء السيئة بالنسبة للخلق- بعضهم مع بعض- سيئة مثلها فكذلك العقوبة تكون مثل العمل، ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فكلًا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠] فعقوبته على حسب ذنبه، ولهذا لو رأيت حتى الحدود الدنيوية تجد أن الحدود مناسبة تماما للجرائم.
ومن فوائد الحديث: إثبات أفعال الله الاختيارية، لقوله: "أن يسورك الله بهما" وقد سبق لنا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو إثبات أفعال الله الاختيارية، يعني: المتعلقة بمشيئته، وأن ذلك لا يستلزم نقصا بل هو غاية الكمال؛ لأن الذي يفعل متى شاء خير ممن لا يفعل، وأهل التعطيل يقولون: إن الأفعال الاختيارية منتفية عن الله بحجة أن الفعل الحادث لا يكون إلا بحادث، والله- هو الأول الذي ليس قبله شيء، وسبق لنا تفنيد هذا القول، وأن من كمال الله أن يكون فعالًا لما يريد كما قال الله تعالى: ﴿فقال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]. وقال: ﴿إن الله يفعل ما يريد﴾ [الحج: ١٤] وقال: ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: ٢٧].
ومن فوائد الحديث: إثبات النار، وأن الله تعالى قد يغلب الأشياء عن معدنها الأصلي إلى أن تكون نارًا، لقوله: "سوارين من نار" هذا إن قلنا: إن السوارين من النار هما السواران الملبوسان، وإن قلنا: إنهما غيرهما فليس فيه دليل، لكن حديث أبي هريرة: "صفحت له صفائح من نار" يدل على أن السوارين من الذهب تكون يوم القيامة سوارين من نار، لكن هل المعنى: أنها تنقلب المادة، أو أنها إذا أحمى عليها حتى احمرت وصارت كالجمرة صارت نار؟ يحتمل، وهذا عندي أقرب؛ لأن الحديدة إذا أحميتها في النار صارت نارًا، أي: قطعة حمراء تلتهب أحيانًا.
وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد ورع الصحابة- ﵃ وشدة خوفهم من العقاب لقوله: "فألقتهما"، ولكن في هذا إشكال، وهو أن المعروف أن ولي الصغير يتصرف فيما هو أحظ للصغير، ومعلوم أن الأحظ للصغير هنا أن تخرج الزكاة وتبقي السوارين، فالجواب على ذلك أن يقال: هي ألقتهما، ولكن هل بقيا ملقيين، أو أن الرسول ﷺ أخبرها
стр. 1281
بعد ذلك بما يجب، والجواب أن يقال: إن هذا التردد بين هذا وهذا يجعل هذا النصر من باب المتشابه- كل نص يحتمل شيئين ولم يتبين رجحان أحدهما فهو متشابه-، والقاعدة الشرعية أن المتشابه يحمل على المحكم، والنصوص المحكمة تدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في المال الذي هو ولي عليه إلا بما هو أحظ، وحينئذ نجزم بأن هذه المرأة إما أنها أخذتهما بعد ذلك بأمر النبي ﷺ أو باختيارها بعد أن تأخذهما، أو أنها ضمنتهما للبنت، وهذه القاعدة هي قاعدة الراسخين في العلم الذين يحملون المتشابه على المحكم، وأما الذين في قلوبهم زيغ فيحملون المحكم على المتشابه ليجعلوا الجميع متشابهًا!
ومن فوائد حديث أم سلمة: جواز لبس المرأة الذهب من الأوضاح وغيرها لقوله: "كانت تلبس أوضاحا".
وفيه أيضًا: دليل على أن الكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته، وليس المال المدفون لقول النبي ﷺ : "إذا أديت زكاته فليس بكنز"
وفيه أيضًا: أن الكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته، نأخذه من مفهوم قوله: وإذا أديت زكاته فليس بكنز، فإن مفهومه: إذا لم تؤد زكاته فهو كنز، والمراد بالكنز قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة .... ﴾ [التوبة: ٣٤].
وفيه: دليل على أنه ينبغي السؤال عن العلم لسؤال أم سلمة قالت: "أكنز هو؟ "، ويقول العلماء: إن السؤال مفتاح العلم، وقيل لابن عباس ﵁: بم أدركت العلم؟ قال: "بلسان العلماء، وقلب عقول، وبدن غير ملول".
وفيه أيضًا: حرص الصحابة- ﵃ على براءة ذممهم وسلامتها من عقاب الآخرة لقولها: "أكنز هو؟ ".
وفيه: دليل علي وجوب الزكاة في الحلي، لقوله: "إذا أديت زكاته فليس بكنز".
زكاة عروض التجارة:
٥٩٢ - وعن سمرة بن جندبٍ ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصَّدقة من الَّذي نعدُّه للبيع". رواه أبو داود، وإسناده ليِّنٌ.
"اللين" معناه: ضد القوي؛ لأن هناك لينًا له ضد وهو القوة وكأن المحدثين- ﵏ إذا كان الضعف ليس بينًا واضحًا يقولون: إنه لين، فهو درجة بين الضعف المجزوم بضعفه وبين الحسن.
стр. 1282
يقول سمرة: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج" الأمر في اللغة: الطلب، وفي اصطلاح الأصوليين: طلب الفعل على سبيل الاستعلاء، أي: أن الطالب يظهر نفسه مظهر المستعلي على المطلوب وإن لم يكن عاملًا عليه في الواقع، قد يكون رجلًا قاطع طريق، أو هو من ضعة الناس وأراذلهم، فيمسك رجلًا من أشراف الناس ويأمره، والأمر في الأصل يكون من الأعلى إلى الأدنى، لكن هذا نزل نفسه منزلة الأعلى؛ ولهذا قال العلماء في التعريف: على وجه الاستعلاء، ولم يقولوا: العلو، لأنه قد يأمر وليس عليا على المأمور من حيث الواقع، لكن ينزل نفسه منزلة المستعلي، ثم إن استحق العلو فهو له وإن لم يستحقه فهو دعوى، أمر النبي ﷺ الأصل فيه الوجوب، لا سيما وأن المأمور به موصوف بأنه صدقة، والصدقة واجب إخراجها إذا أمر بها.
وقوله: "من الذي نعده للبيع"، "الذي" اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، وإن كان مفردًا، والدليل قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ [الزمر: ٣٣]. ولم يقل: هو المتقي، وهذا دليل على أن الاسم الموصول ولو مفردًا يفيد العموم، إذن الذي نعده للبيع عام لكل ما يعد للبيع، يعني: لا يتخذ لذاته وعينه، ولكنه متخذ للبيع، يعني: يراد به قيمته وربحه.
وهذا الحديث يدل على وجوب زكاة العروض، العروض: كل ما أعده الإنسان للبيع لا لذاته مثل سلع التجار التي في حوانيتهم هذا نسميه عروضًا؛ لأنه يعرض للناس يشترونه، أو لأنه يعرض ويزول ما يبقى عند صاحبه، إذا أعطيت السلعة ربحًا بعد شرائها بساعة أو ساعتين يبيعها والإنسان يجد فرقا بين ما يشتريه لعينه وما يشتريه لربحه، الذي يشتريه لعينه لا تبيعه، اللهم إلا أن يأتيك به [ربحًا] كبيرًا، والذي تشتريه للربح تبيعه إذا ربحت ولو بعد نصف ساعة أو أقل، لأنك لا تريده لذاته وإنما تريد ربحه، فكل ما قصد به الاتجار والربح فهو عروض تجارة تجب فيه الزكاة، هل هو خاص بمال معين؟ لا؛ لأنه قال: "من الذي نعده"، إذا كان العروض من الإبل فيه زكاة؟ نعم، رجل عنده بعير واحدة أعدها للتجارة تساوي خمسمائة درهم فيها زكاة؟ نعم، ولو جعلناها سائمة لم يكن فيها زكاة؛ لأن أقل نصاب للسائمة خمس، ولو بقر عروض فيها زكاة، حمير عروض فيها زكاة، لو كلاب عروض ليس فيها؛ لأن الكلاب لا يجوز بيعها ولا حتى المعلمة منها للصيد، أمّا غير ذلك كالدجاج والحمام، والثياب والسيارات، والعقارات كالأراضي، فإنها إذا أعدّت للبيع وجب فيها الزكاة.
وهذا الحديث- كما تشاهدون- أشار المؤلف إلى ضعفه؛ لقوله: "وفيه لين"؛ ولذلك اختلف أهل العلم- ﵏ في وجوب زكاة العروض، لكن جماهير أهل العلم على الوجوب حتى حكاه بعض العلماء إجماعًا، والذين حكوه إجماعًا من طريقتهم أنهم لا يعتدون
стр. 1283
بخلاف الظاهرية، يرون أن خلاف أهل الظاهر ليس له قيمة ولا يعتبر كما أن بعض أهل العلم على العكس من هؤلاء لا يعتدون بخلاف أهل الرأي، والصواب أن نعتد بخلاف كل واحد من المسلمين؛ لأن الله يقول يخاطب المؤمنين: ﴿وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]. لكن لا ريب أن جماهير أهل العلم يرون وجوب الزكاة في عروض التجارة وهو الصواب قطعا، وله أدلة عامة وخاصة. فمن أدلته العامة:
أولًا قوله تعالى: ﴿يأيها الذين امنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجناكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وهذا هو الزكاة تجب في الخارج من الأرض وتجب في طيبات ما كسبنا.
ومنها أيضًا: قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. وهذا عام، والأصل فيه أنه يشمل كل شيء حتى العروض، لأنها من أموالنا.
والدليل الثالث: قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم".
والدليل الرابع: قول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وصاحب العروض لو سألناه ما نيتك بهذه العروض؟ لقال: نيتي الدراهم، أي: ليس بنيتي السلعة، ولهذا أشتري في أول النهار برا، وأشتري في آخر النهار شعيرا، وأشتري في أول النهار بقرًا، وأشتري في آخره غنمًا؛ لأنه ليس عندي إرادة لعين المال، وإنما قصدي الربح الذي هو القيمة فيكون قوله- ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" دالًا على وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لأن نية المتجر هي الأثمان- النقود- فوجبت الزكاة عليه.
فيه أيضًا: دليل معنوي نظري، وهو أننا لو نفينا الزكاة في عروض التجارة لكانت أكثر أموال الأغنياء لا زكاة فيها؛ لأن أكثر أموال الأغنياء هي العروض، ولولا أنهم يتعاملون بالعروض ما نمت أموالهم، لو كان عندهم الدراهم فقط أو الدنانير ما نمت الأموال، ما تنمو أموال التجارة غالبًا إلا بعروض التجارة.
فإذا قلنا: إن هؤلاء الذين عندهم ملايين يبيعون بها ويشترون للتكسب لا زكاة عليهم، انتفت الزكاة في أكثر أموال الأغنياء، وهذا يخالف قول الرسول ﷺ : "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" أرأيت لو أن إنسانا عنده أراض، وعقارات ومواش، وأوان، وسيارات، ومعدات تبلغ ملايين للتجارة، وإنسان عنده مائتا درهم. قلنا للأول: لا زكاة عليك. وللثاني: عليك زكاة، هل هذا معقول؟ لا، ذاك الأول عنده ملايين الملايين من العقارات، ولا يمشي إلا بالسيارات الفخمة، وعنده من الخدم والحشم ما لا يحصيهم إلا الله، والمسكين هذا الذي ليس عنده إلا (٢٠٠) درهمًا قلنا: زكي، أخرج منها
стр. 1284
خمسة دراهم، والأول نقول: سلام عليك ليس عليك شيء، فهذا ليس بمعقول، والشريعة لا تأتي بأمر يخالف المعقول، ولذلك أنا عندي أن وجوب زكاة العروض من الأمور اليقينية ليست من الأمور الظنية، وإن كان من أهل العلم يقولون: إن من أنكر وجوب الزكاة فيها لا يكفر للاختلاف فيها، وهذا صحيح، لو أن أحدا قال: أنا لا أرى وجوب زكاة العروض، لا نقول: إنك كافر، لكن لو قال: أنا لا أرى وجوب زكاة الذهب والفضة، قلنا: إنك كافر، فالمسائل الخلافية من فروع الزكاة لا نكفر الإنسان المخالف كما لا تكفر من قال إنه لا زكاة في الحلي.
المهم: أن القول الراجح المقطوع به عندي هو وجوب الزكاة في العروض للأدلة الأثرية التي ذكرناها، وللدليل النظري الذي يعارضه شبه مكابر.
كيف نؤدي زكاة عروض التجارة ؟
لكن كيف تؤدي هذه الزكاة هل نعتبر ما اشتريناها به، أو نعتبر ما تساويه عند تمام الحول؛ أو نعتبر المتوسط بين هذا وهذا، أو نعتبر قيمتها في موسم من المواسم مر بها في أثناء العام؟
نقول: المعتبر قيمتها وقت وجوب الزكاة سواء كانت أكثر مما اشتراها به أو أقل أو مثل ما اشتراها به، فإن لم يعلم ما تساوي رجعنا إلى الأصل وهو ما اشتراها به؛ لأننا لو قلنا: إنها تقدر بأكثر، قلنا: الأصل عدم الزيادة، وبأنقص قلنا: الأصل عدم النقص، فيزكي ما اشتراها به.
مثال ذلك: اشترى أرضًا بعشرة آلاف ريال لما جاء عند تمام الحول يرى أن العقارات في فتور، فقال: لا أبيع، هل تساوي عشرة آلاف، أو اثني عشرة، أو ثمانية ماذا نقول؟ نقول: عشرة؛ لأن الأصل أن هذه السلعة حافظة لقيمتها إلا إذا علمنا الزيادة أو النقص، وإلا فالأصل أن قيمتها محفوظة فيها، إذا كان هذا العرض الذي اشتراه كان في آخر الحول وزادت قيمته إلى الضعف هل يزكي القيمة الزائدة؟
مثال ذلك: تجب زكاته في رمضان واشترى أرضًا في رجب بمائة ألف وصارت في رمضان تساوي مائتي ألف، المائة الربح هذه لم يمض عليها إلا شهران هل يزكي الربح، أو نقول: يصير إلى أن يتم عليه الحول؟ يزكي الربح.
- هل عند كساد العروض وعدم بيعها يخرج من نفس العروض؟ الجواب: نعم.
- هل يخرج زكاة العروض منها في غير هذه الصورة؟ قال بعض العلماء نعم له أن يخرج زكاة العروض منها لعموم قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [المعراج: ٢٤]. ولكن الصحيح أنه لا يجب؛ لأن المال في العروض ليس هو عين عن المال، بل القيمة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن صاحب العروض الدارجة الرائجة لا تبقى عنده العروض من أول الحول إلى
стр. 1285
آخره لأنه يبادلها يبيع هذا ويشتري هذا يمكن أن تتبدل عنده بالحول نحو (٢٠) صنفًا، فإذا أخرج من الصنف الذي كان عنده وقت وجوب الزكاة فهو في الحقيقة لم يخرج عن جميع الأصناف السابقة، لكن إذا أخرج من القيمة فهي الأصل، وهي الركيزة، فالراجح أنه لا يجوز أن يخرج قيمة العروض منها، اللهم إلا رجل كانت عروض تجارته من جنس واحد كل الحول كما لو كان عياشًا، أو إن شئت قلنا: كما لو كان قماحًا يبيع القمح؛ فهذا له أن يخرج من العروض؛ لأنه من أول الوقت إلى آخره هي من جنس واحد.
من فوائد الحديث: وجوب الزكاة في عروض التجارة.
الفائدة الثانية: أن الإنسان لو عدل عن نية العروض إلى القنية سقطت الزكاة لقوله: "فيما نعده".
الثالثة: أنه لو جدد نية العروض، فإنه يكون للعروض بالنية؛ يعنى: بأن يكون الإنسان اشترى هذا الشيء ليقتنيه ثم بدا له أن يجعله تجارة فإنه يكون تجارة.
مثال ذلك: رجل اشترى لبيته سكرًا، ورزًا، وشايًا، وقهوة، ودله، وإبريقًا يريد أن تكون لبيته ففتح جزءًا من بيته، دكان وبسط هذه الأشياء للبيع صار الآن تجارة أعدها للبيع فأصبحت عروضًا لعموم قوله: "فيما نعده للبيع"، وسبق أن أهل المذهب- ﵏ يقولون: إنه لا يكون للعروض بالنية حتى يملكها بفعله بنية التجارة، وقلنا: إن هذا خلاف ظاهر الحديث.
زكاة الركاز:
٥٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "وفي الرِّكاز: الخمس". متفقٌ عليه.
"ركاز" فعال بمعنى: مفعول، من ركز الشيء إذا أثبته، ومنه ركزت العنزة بين يدي النبي ٤ ﷺ ، فالركاز يدور على هذه المادة تدل على مادة الثبوت والاستقرار. هذا في اللغة.
والركاز في الشرع: هو ما وجد من دفن الجاهلية فهو فعال بمعنى: مفعول؛ أي: مركوز من دفن الجاهلية، أي: من مدفونها بحيث يكون عليه علامة الكفار، مثل تاجر وجد في الأرض مدفونا حليًا عليه علامة الكفار كله صلبان، هذا نعرف أنه من مال الكفار؛ لأن المسلمين ليس هذا شعارهم فيكون هذا ركاز كذلك إنسان وجد دراهم ما تستعمل إلا في بلاد الكفر فهذا أيضًا ركاز أوان ما تستعمل إلا في الخمر فهذا أيضًا ركاز لأن الذين يشربون الخمر هم الكفار.
المهم إذ وجد شينا مدفونا عليه علامة الكفر بأي علامة تكون، فهذا يسمى ركازا، فإن لم يكن كذلك فهو لقطة إن كان ليس عليه علامة الكفر فإنه لقطة.
стр. 1286
"في الركاز الخمسة" على من؟ على من وجده، وإذا أوجب الشارع فيه الخمس دل ذلك على أن أربعة الأخماس لواجده، وهو كذلك إلا من استأجر لإخراجه، فإنه يكون لمن آجره يعني: مثلًا رجل استأجر عملًا يحفرون له هذه الأرض؛ لأن فيها كنزًا، فحفروه فوجدوه، فهل له ولهم، أو لمن استأجرهم؟ الثاني، لأنهم حفروه بالوكالة عنه.
وظاهر الحديث أنه لا يكون للمالك الأول، تفرض هذه الأرض منتقلة من زيد إلى عمر إلى خالد ووجده خالد فهو لخالد.
العلماء متفقون على أن الواجب الخمس كما في الحديث، لكن أين يصرف؟ قالوا: إن كانت له لبيان الحقيقة التي يراد بها بيان مقدار الواجب فمصرفه لأهل الزكاة، ومن ثم أدخله المؤلف في باب الزكاة فصرف مصرف الزكاة وينبني على ذلك أنه لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة وهو المسلم الحر، ولا يجب الخمس إلا إذا بلغ النصاب، وإلا إذا كان مما تجب في عينه، أو ملكة الإنسان بنية التجارة، فتجب الزكاة في قيمته أما على قول من يقول: إن "أل" هنا للعهد، والمراد به: "الخمس" الذي يصرف مصرف الفيء، فقالوا: إن الخمس هذا لا يعطى أهل الزكاة، ولكن يعطى بيت المال.
وقالوا: ولا يشترط أن تكون مما تجب الزكاة فيه حتى لو وجد ركازا من خزف أو من زجاج أو من حديد أو من أي شيء وجب فيه الخمس، قالوا: ولا يشترط أن يبلغ النصاب؛ لأن هذا ما هو خمس زكاة ولكن خمس فيء فيجب في الكثير والقليل.
قالوا: ولا يجب أن يكون واجده من أهل الزكاة فيجب الخمس، ولو كان الواجد كافرًا أو كان عبدا لكن تجب على سيده لماذا؟ لأن هذا ليس من باب الزكاة.
قالوا: ولا يشترط أن يتم عليه الحول فيجب الخمس بمجرد ما يجده في ذلك الوقت، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ على أن هذا الخمس فيء يصرف لبيت المال ويجب في قليل المال وكثيره، وسواء كان المال مما تجب الزكاة في عينه أم لا، وسواء بلغ النصاب أم لا، وسواء كان واجده ممن تجب عليه الزكاة أم لا حتى إذا لم يجد إلا خمسة ريالات وجب عليه ريال، واستدل هؤلاء بعموم قوله: "في الركاز" عام، وبأن الأمور المطلقة في لسان الشارع تحمل على المعهود الشرعي، والخمس عند الإطلاق يراد به: ما يصرف في بيت المال وهو الفيء، وهذا أحوط، لأنك إذا تأملت هذا وجدته أحوط، إذ إنه يوجب الخمس في القليل والكثير وفي أي نوع من المال وأيا كان الواجد.
стр. 1287
من فوائد هذا الحديث: وجوب الخمس في الركاز لقوله: "وفي الركاز الخمس".
ثانيًا: أن الركاز لواجده وهو الباقي بعد الخمس وهو أربعة أخماس.
ثالثا: أنه لا يشترط فيه بلوغ النصاب لإطلاق الحديث، ولإتمام الحول لإطلاق الحديث، ولا نوعية المال لإطلاق الحديث.
ومن فوائده أيضًا على القول الراجح: أن مصرف هذا الواجب مصرف الفيء وهو بيت المال.
زكاة الكنز والمعادن:
٥٩٤ - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه- ﵃: "أنَّ رسول الله ﷺ قال في كنزٍ وجده رجل في خربةٍ: إن وجدته في قريةٍ مسكونةٍ، فعرِّفه، وإن وجدته في قريةٍ غير مسكونةٍ ففيه وفى الرِّكاة: الخمس". أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ حسنٍ.
"الخربة": الحلة الخربة المتهدمة وليست صالحة للسكنى يقول: "إن وجدته في قرية مسكونة فعرف" يعني: اطلب من يعرفه، وهذا يدل على أن رسول الله ﷺ اعتبره لقطة؛ لأن اللقطة هي التي يجب على صاحبها أن يعرفها، وكيف التعريف؟ يقول مثلًا: من ضاع له. الشيء الفلاني يعرفه في مجامع الناس، عند أبواب المساجد، لكن في المساجد لا للنهي عن ذلك، كيف يعرفه؟ نقول أولًا: متى تجده عرفه كل يوم، كلما اجتمع الناس عرفه: من ضاع له كذا وكذا، وهل أخصص وأقول: من ضاع له المال الفلاني الذي صفته كذا وكذا؟ لا، لماذا؟ لأنك لو عينته بوصفه كل واحد يطلبه يقول: هذا لي، ولكن أقول: من ضاع له الشيء الفلاني؟
إذا قال قائل: هل أقول الشيء الفلاني، أو أقول الدراهم أو قوارير أو الأواني إذا كان أواني؟ نعم، لا بد أن يبين الجنس.
قال العلماء: يعرفه أول أسبوع كل يوم، ثم كل أسبوع لمدة شهر، ثم شهر، ثم كل شهر مرة.
وبعض العلماء يقول: إن هذا التحديد يحتاج إلى دليل، والنبي ﷺ يقول: "عرّفها"، فما دام الرسول أطلق فيرجع إلى العرف فتعرف في أقرب وسيلة يحصل بها معرفة صاحبها، فلو عرفها في الراديو، أو الصحف فهو أبلغ، لا سيما إذا وجدتها في طريق بين قريتين فلا تدري أين تعرفها، فأحسن لهذه أن تعرف في الصحف، أو في الإذاعة.
стр. 1288
لعل قائلًا يقول: على من تكون أجرة التعريف؟ فيها ثلاثة أقوال: المذهب أنها على الواجد؛ لأن الرسول قال: "عرّفها" فوجّه الخطاب إليه، فأنت المسئول عن تعريفها.
وقال بعض العلماء: يكون على بيت المال؛ لأن هذا لمصلحة عامة.
وقال بعض العلماء: يكون على صاحبها إن وجد، فإن لم يوجد أخذه الواجد من قيمة اللقطة والباقي له؛ هذا القول أصح؛ لأن تعريفي إياه وإن كان امتثالًا لأمر الرسول ﷺ ولكن لمصلحة صاحبها فيكون عليه.
يقول النبي ﷺ : "وإن وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمسة" "فيه" أي: في هذا الكنز، "وفي الركاز الخمس" والباقي لواجده، وفي هذا دليل على أن الركاز غير الكنز، فإن الكنز قد يكون ظاهر، والركاز غالبا يكون مدفونا.
٥٩٥ - وعن بلال بن الحارث ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ أخذ من المعادن القبليَّة الصَّدقة". رواه أبو داود.
"المعادن" جمع معدن، وهو ما يستخرج من الأرض لا من جنسها، ولا من النبات، فقولنا هذا: "لا من جنسها" خرج به ما يستخرج من الأرض من جنسها مثل: الحجارة وما أشبه ذلك، مما هو من جنس الأرض فليس هذا من المعدن، "ولا من النبات" خرج به النبات فليس بمعدن، فالذهب معدن، والحديد، والفضة، والرصاص، والنحاس، والزئبق، الآن نقول: المعادن الرسول أخذ منها الصدقة ففيها إذن الصدقة؛ لأن الرسول ﷺ أخذ منها، ولكن هل تجب في كل المعادن، أو نقول: إن كان المعدن مما تجب الزكاة في عينه كالذهب والفضة ففيه الصدقة، وإن كان مما لا تجب في عينه كالنحاس والرصاص وما أشبهه فإن قصد به التجارة فهو عروض تجارة وإلا فلا شيء فيه؟
اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من قال: إن الزكاة واجبة فيه بكل حال، لأنه خارج من الأرض بدون مؤنة شاقة فيشبه الزرع.
ومنهم من قال: إن المعدن جوهر مستقل ليس من جنس الأرض، فيرجع فيه إلى الأصل، والأصل عدم وجوب الزكاة إلا بدليل، ولا يوجد دليل على وجوب الزكاة في غير الذهب والفضة إلا إذا كان عروضًا، وهذا ليس عروضًا، والاحتياط أن يخرج الإنسان زكاة المعدن مطلقًا لأن هذا هو ظاهر الحديث، ولأنه يشبه الحبوب والثمار تجب فيها الزكاة، وإن لم تكن ذهبا ولا فضة ولا تجارة.
стр. 1289
من فوائد حديث عمرو بن شعيب: أن ما وجد في القرى الخربة إن كانت مسكونة فهو لقطة وإن لم تكن مسكونة فهو كالركاز حكمه حكم الركاز فيه الخمس.
ومن فوائده: تفريق الشرع بين المختلفين حقيقة فيفرق بينهما في الحكم، فإن هناك فرقًا بين الأرض المسكونة والأرض غير المسكونة فاختلف الحكم.
ومن فوائده: حكمة الشرع في التفريق في الحكم بين المختلفين في الحقيقة.
ومن فوائده: أن هناك فرقا بين اللقطة وبين الركاز، فالركاز لواجده وعليه فيه الخمس، واللقطة تعرف فإن جاء صاحبها فهي له، وإن لم يأت صاحبها فهي لواجدها
مسألة
لو تلفت اللقطة في أثناء الحول فعلى من يكون الضمان؟ فيه تفصيل: إن كان مفرطا أو متعديّا فعليه الضمان وإلا فلا، وإن تلفت بعد الحول فعليه الضمان مطلقا؛ لأنه لما تم الحول دخلت في ملكه فكانت مضمونة عليه، يعني: إذا جاء صاحبها وقال: هذه اللقطة ووصفها كذا وكذا، وانطبق الوصف، فإنه يجب أن تردها بكل حال، وأظنها فيها قولًا آخر، لكن لا أتيقنه أنها بعد تمام الحول كما قبله، بمعنى: أنه إن تعدى أو فرط فعليه الضمان وإلا فلا، ولكن الفرق بين ما قبله وبعده أن تصرفه فيها بعد الحول جائز وقبله لا يجوز إلا إذا كان من مصلحة اللقطة، كما لو وجد مثلًا زنبيلًا من البطيخ إذا عرفه سنة هلك فيبيعه بعد حفظ صفاته، ويحفظ الثمن هذا تصرف، ولكن لمصلحة اللقطة، وكذلك لو وجد شاة تحتاج إلى الأكل إن جعل ينفق عليها، أكلت دراهم كثيرة، إذن يبيعها بعد حفظ صفاتها ويحتفظ بثمنها.
أما الحديث الثاني: ففيه دليل على أن المعدن يملك بالأخذ كيف ذلك؟ لأن النبي ﷺ أخذ منه الصدقة، ولازم ذلك أن يكون ما عدا الصدقة لواجد هذا المعدن ومستخرجه، و"القبلية" نقول: إنها جمع "قبل" وهي ناحية من نواحي الفرع بين مكة والمدينة، وقيل: إنها بلدة من ساحل البحر، ونحن لا يهمنا مكانها المهم أخذ الزكاة من المعدن.
стр. 1290
١ - باب صدقة الفطر
كلمة "صدقة" تقدم أنها تطلق على الواجب والمستحب، ومن إطلاقها على الواجب قوله تعالى: ﴿* إنما الصدقات للفقراء ..... ﴾ [التوبة: ٦٠]. ومن إطلاقها على العموم قوله ﷺ : "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار".
وقوله: "صدقة الفطر" هل هي من باب إضافة الشيء إلى سببه، أو من باب إضافة الشيء إلى زمنه؟ الظاهر إلى زمنه؛ لماذا؟ لأنها تجب على الإنسان وإن لم يصم؛ فإن كان الإنسان مريضًا مثلا وجبت عليه صدقة الفطر مع أنه لم يصم رمضان، إلا أن يقول قائل: إنها من باب إضافة الشيء إلى سببه باعتبار الأعم الأغلب فهذا له وجه، لكن إذا قلنا: من باب إضافة الشيء إلى وقته، فإنه يبقى الكلام على ظاهره والمراد بـ"الفطر" أي: الفطر من رمضان.
صدقة الفطر من تجب ؟
٥٩٦ - عن ابن عمر ﵁ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعيرٍ على العبد والحرِّ، والذَّكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج النَّاس إلى الصَّلاة". متَّفقٌ عليه.
"الفرض" في اللغة سبق أنه بمعنى القطع والتقدير، وله معانٍ متعددة بحسب السياق، لكنه يدل على الوجوب. "فرض" بمعنى: أوجب وألزم، ولا فرق بينه وبين الواجب على القول الراجح، فإن الواجب والمفروض بمعنى واحد.
وقيل: إن الفرض: ما ثبت بدليل قطعي. والواجب: ما ثبت بدليل ظني. والصواب: أنه لا فرق بينهما.
"فرض زكاة الفطر"، هناك سماها زكاة، والزكاة في اللغة: النماء والزيادة. وفي الشرع: ما تزكو به النفوس من مال أو عمل؛ ولهذا تسمى الأعمال الصالحة زكاة، قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. فكل ما تزكو به النفوس من مال أو عمل فهو زكاة شرعا لكن تطلق على المعنى الخاص، أي: أنه يراد بها بعض معانيها كما في قولنا: زكاة المال.
"زكاة الفطر صاعًا" ما إعراب "صاعا"؟ حال على سبيل التأويل كما قال ابن مالك:
*كبعه مدا بكذا يدًا بيد*
فهو على سبيل التأويل بالمشتق، ويجوز أن تكون "فرض" بمعنى: قدر، وتكون "صاعًا"
стр. 1291
مفعولًا ثانيًا لـ "فرض" والمراد بالصاع: الصاع النبوي الذي زنته- حسب تحريري له- كيلوان وأربعون غرامًا وهو الذي يقدّر به، جميع ما يقدر بالمكيال يقدر بالصاع النبوي وهو أربعة أمداد.
يقول: "صاعًا من تمر أو صاعا من شعير" التمر معروف، والشعير معروف، و"أو" هنا للتنويع يعني: صاعًا من هذا أو هذا، وإنما نص عليهما، لأنهما القوتان الغالبان لأهل المدينة في عهد الرسول ﷺ .
وقوله: "على العبد" متعلق بـ "فرض"، و"على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين".
قوله: "على العبد". إذا قال قائل: كيف تفرض على العبد، والعبد هو وما تحت يده مملوك لسيده، كما قال الله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم﴾ [النور: ٣٣]. فهم ملك لأسيادهم فليس لهم مال؟ قلنا: تجب عليه أصالة، ويتحملها عنه السيد، وقوله: "الحر" معروف، و"المبعض" كذلك واجبة عليه؛ لأنها لا تختلف الحرية والعبودية هنا، فالحر والعبد والمبعض كلهم تجب عليهم الزكاة، ولكن نريد مثالًا يكون فيه الإنسان مبعضًا؟ إذا كان المعتق الذي أعتق نصيبه إذا كان فقيرًا فإنه يعتق نصيبه والباقي يبقى على العبودية، هذا هو المشهور من المذهب، ولكن فيه قول آخر: وهو أنه يستسعى العبد- وهو الصحيح إذا أمكن- معنى يستسعى: يعني: يطلب منه السعي، ونفس العبد يعطي أسياده الذين لم يعتقوا، فإذا لم يمكن للعبد أن يستسعى فحينئذ يكون العبد مبعضًا. إذن نقول: يمكن التبعيض إذا اعتق إنسان فقير نصيبه من عبد مشترك ولم يمكن استسعاء العبد فهذا على كل الأقوال يصح.
قوله: "الذكر والأنثى" معروف، و"الخنثى" يدخل، والصغير والكبير، والعاقل والمجنون يدخل في عموم قوله: "الذكر والأنثى" فيشمل كل من كان من المسلمين.
وقوله: "من المسلمين" بيان لما سبق، وهو قوله: "على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين"، وإنما خص المسلمين؛ لأن غير المسلمين لا تجب عليهم فروع الإسلام إلا بعد أن يقروا بالإسلام، أما أن توجب عليه أن يؤدي زكاة الفطر وهو ليس بمسلم كيف ذلك؟
قال: "وأمر أن تؤدى قبل خروج" "أمَر" هل هذا تفنن في العبارة، أو هناك فرق بين أصل الزكاة ووصف الزكاة؟ هنا قال: "وأمر أن تؤدى" ولم يقال: "وفرض أن تؤدى" فهل نقول: إن هذا من باب التفنن في العبارة، وأنه تحاشيا لتكرار "فرض" جعل بدلها "أمر"، أو نقول: لما كان إخراجها قبل الصلاة وصفا فيها جعل الأصل مفروضًا، والوصف مأمورا به، ولعل هذا أقرب؛ لأنه على القول الأول تكون الكلمتان مترادفتين، وعلى هذا الاحتمال تكون الكلمتان
стр. 1292
مختلفتين، "أمر أن تؤدى"، أي: توصل إلى مستحقها، وقبل خروج الناس إلى الصلاة، أي: صلاة العيد فـ"أل" هنا للعهد الذهني: لماذا؟ لأنه لم يسبق لها ذكر هنا.
من فوائد الحديث، أولًا: أن زكاة الفطر فرض واجب لقوله: "فرض رسول الله".
ثانيًا: أن هذه الزكاة لا تصح إلاّ في آخر الشهرة لأنه هو وقت الفطر، فلا تصح في أول الشهر خلافا لمّا ذهب إليه بعض أهل العلم، وقال: إنها لا تصح معللًا ذلك بأن الصيام سبب، والفطر شرط، والقاعدة أنه: "يجوز تقديم الشيء بعد وجود سببه قبل وجود شرط"، مثل: يجوز تقديم الكفارة بعد اليمين، وقبل الحنث، لكن الصحيح أن الفطر سبب، وليس بشرط.
ومن فوائد الحديث: أن مقدارها صاع لقوله: "فرضها صاعًا"، فلو نقصت عن الصاع لم تجزى، وهذا للقادر، معلوم أن القادر على دفع الصاع لو لم يدفع إلا نصف صاع لم يجزئ، ولكن إذا كان عاجزًا عن دفع الصاع فهل يدفع ما قدّر عليه منه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم- ﵏:
فمنهم من قال: إذا لم يستطع الصاع دفع ما قدر عليه لقوله الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. ولأن بعض الصاع ينتفع به الفقير، فكان دفع بعضه له معنى.
ومنهم من قال: إن هذه عبادة مقدرة بقدر معين إذا عجز عن هذا القدر سقطت عنه، لأنها إذا لم تتم على الوصف المطلوب شرعًا فإنها لا تصح، ولكن الصحيح الأول، لعموم قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، ولأننا نقول: لو عجز عن الوضوء كاملًا في كل أعضائه لتوضأ بما يقدر عليه؛ ولأننا نقول أيضًا: لو عجز عن الركوع والسجود صلى الصلاة وأومأ بالركوع والسجود- هذه هي القاعدة الشرعية-؛ ولأننا نقول: إن دفع البعض فيه منفعة فإذا جاء الفقير بنصف صاع من هذا ونصف صاع من آخر لكان عنده صاع.
ومن فوائد الحديث: أنه يدفع- أي الصاع- من التمر والشعير لقوله: "صاعًا من تمر أو شعيره" وهل هذا التعيين من رسول الله ﷺ لأنه هو الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو أن النبي ﷺ قصد عينه؟ المشهور من المذهب الثاني، وأن الشارع قصد عين هذا الجنس من الطعام، وعلى هذا فيدفع هذا الجنس من الطعام، وإن لم يكن طعامًا للناس وقت الدفع، "التمر" عند الناس الآن طعام، "الشعير" ليس طعامًا للآدمي، فهل نقول: إن تعيين الرسول ﷺ يقتضي أنه مجزئ مطلقًا، أو نقول: إن الرسول ﷺ عينه كمثال للطعام؟ لأن هذا. هو الأغلب، والمعروف عند الأصوليين أن القيد الأغلب لا مفهوم له، كما في قوله تعالى: ﴿وربابكم التي في حجوركم﴾ [النساء: ٢٣]. فإن الربيبة وإن لم تكن في الحجر فإنها محرمة على زوج أمها، الظاهر المعنى الثاني؛ أي: أن هذا على سبيل المثال؛ لأنه الغالب،
стр. 1293
بدليل ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قال: "كنا نؤديها صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر، والشعير، والزبيب، والأقط"، وعليه فيكون الأمر مقيدًا بما يكون طعمة للمساكين ومصلحة لهم؛ فإذا جاء وقت من الأوقات بحيث لا يكون التمر طعامًا ولا قوتًا، ولا الشعير كذلك فإنا نقول: أخرج من قوت بلدك.
ومن فوائد الحديث: أن القيمة لا تجزئ في زكاة الفطر، وجه ذلك: أنه قال: "صاعًا من تمر أو شعير"، والتمر والشعير غالبًا تختلف أقيامهما، ولو كانت القيمة معتبرة لقال: صاعًا من تمر وما يعادله من الشعير، فلما فرضها من أجناس مختلفة النوع مختلفة القيمة مع الاتحاد بالمقدار علم أن القيمة هنا غير معتبرة، وهذا القول هو الراجح، وإن كان في زكاة المال قد تجزئ القيمة عن عين المال، لكن هنا لا يصح إلا صاعًا من تمر أو شعير أو من طعام.
ومن فوائد الحديث: أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، وما ذكر في الحديث فهو من باب تعداد الأنواع: الحر والعبد، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، فهي واجبة على كل مسلم.
فائدة: الواجبات تسقط بالعجز:
وهل تجب صدقة الفطر على العاجز الذي لا يقدر، مثل إنسان ليس عنده صاع؟ لا تجب، فهل تبقى في ذمته؟ لا؛ لأن القاعدة عندنا أن الواجبات تسقط بالعجز عنها حين وجوبها؛ ولهذا مر علينا في قصة المجّامع في رمضان حين كان فقيرًا وأذن له النبي ﷺ أن يأخذ التمر، هل قال: فإذا قدرت فأده؟ لا، فالواجبات المقيدة بزمن إذا جاء ذلك الزمن ولم يكن الإنسان قادرًا عليها فإنها تسقط عنه، وإلا لألزمنا المسلمين بأمور كثيرة يعجزون عنها، كأن نقول: الصلاة إذا كنت غير قادر عليها ثم قدرت فيما بعد تؤديها، وكذلك أيضًا نقول في الكفارات، ونقول أيضًا في الواجبات المالية، فكل واجب إذا كان معينا بزمن وجاء ذلك الزمن وأنت غير قادر عليه فإنه يسقط.
ومن فوائد الحديث: شرط الإسلام لوجوب الواجبات لقوله: "من المسلمين"، ولكن هل فقدان هذا الشرط يسقط المطالبة في الآخرة أو لا؟ الصحيح أنه لا يسقط المطالبة في الآخرة، بمعنى: أن الكفار لا نطالبهم بفعل شرائع الإسلام حال كفرهم، ولا نطالبهم بقضائها بعد إسلامهم، لكن لو ماتوا على الكفر فإنهم يعاقبون عليها هذا هو القول الصحيح.
ومن فوائد الحديث: تأديتها قبل الصلاة لقوله: "وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة"، لكن ماذا تفهمون من قوله: "قبل خروج الناس إلى الصلاة"؟ هل تفهمون أنها تؤدى في نفس اليوم قبل الخروج؟ هذا هو الظاهر، وإلا لقال: وأمر أن تؤدى قبل ليلة العيد؛ لما قال: "قبل خروج الناس إلى الصلاة" كان ظاهره أنها تؤدى في صباح العيد، ولكن قبل الصلاة.
стр. 1294
ومن فوائد الحديث: أن أداءها بعد الصلاة غير مجزئ، لأنه خلاف أمر النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". وبهذا نعرف ضعف قول من يقول من أهل العلم: إنه إذا أداها بعد صلاة العيد في يوم العيد أجزأت مع الكراهة، فنقول له: أين دليلك على الإجزاء، والنبي ﷺ أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وهو إذا أدّاها بعد الخروج للصلاة فقد فعل ما لم يأمر به الرسول ﷺ ، بل فعل ما يخالف أمر الرسول، وإذا فعل ما يخالف أمر الرسول ﷺ فهو مردود، وأيضًا سيأتيننا في حديث ابن عباس قال: "من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" وهذا نص صريح في موضع النزاع فيجب المصير إليه؛ لأن النص سواء كان من القرآن أو السنة إذا كان صريحا في موضع النزاع وجب المصير إليه، ولا يمكن أن يكون مقبولًا رفضه.
ومن فوائد الحديث: بيان حكمة الشرع في تسوية الناس في مقدار الزكاة وإن اختلفت أجناسها، أو في التسوية في الواجب للزكاة وإن اختلفت أجناسها؛ لأنه قال: "صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير"، حتى لا يختلف الناس في ذلك فيقول هذا: أنا أخرج من جنس جيد نصف صاع. ويقول الثاني: أنا أخرج من جنس رديء صاعين مثلًا، نقول: لا، الشارع قدرها صاعًا لا زيادة فيه ولا نقص، وبهذا نعرف ضعف قول من ذهب إلى أنه إذا كانت الزكاة- زكاة الفطر- من نوع جيد فإنه يجزئ نصف الصاع بدلًا عن الصاع، وممن ذهب إلى ذلك معاوية بن أبي سفيان ﵁، واختار هذا أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن صدقة الفطر من البر يجزئ فيها نصف الصاع، وقاس ذلك على الكفارات، فإن الكفارات تجدون في كتب الفقهاء يقولون: الواجب مد بر أو نصف صاع من غيره، والصواب في هذه المسألة- أعني: زكاة الفطر- أنه لا بد فيها من الصاع ولو كان النوع جيدًا؛ لقول أبى سعيد ﵁: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي ﷺ ، لو أدّاها من اللباس يصح؟ لا يصح؛ لأن الشارع فرضها من الطعام.
الحكمة من صدقة الفطر
٥٩٧ - ولابن عديٍّ والدَّارقطنيِّ بإسنادٍ ضعيفٍ: "أغنوهم عن الطَّواف في هذا اليوم".
"الطواف" معناه: التردد على الشيء، "أغنوهم" الضمير يعود على الفقراء، الهاء والواو تعود على الأغنياء الذين يدفعونها، وهذا فيه إشارة إلى الحكمة من وجوب الزكاة، وكونها في يوم
стр. 1295
العيد؛ لأن الفقراء إذا أتاهم ما يكفيهم يوم عيدهم استغنوا عن الطواف وشاركوا الأغنياء في الفرحة بالعيد، وهذا من حكمة الشارع.
مقدار صدقة الفطر ومما تكون ؟
٥٩٨ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: "كنَّا نعطيها في زمان النَّبيِِّ ﷺ صاعًا من طعامٍ أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ". متفقٌ عليه.
- وفى روايةٍ "أو صاعًا من أقطٍ"
- قال أبو سعيدٍ: "أمَّا أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله ﷺ ".
- ولأبي داود: "لا أخرج أبدًا إلا صاعًا".
هذا الحديث فيه إشكال من حيث ترتيب اللفظ: "كنا نعطيها في زمن النبي ﷺ "، من تعطيها؟ الفقراء، وعلى هذا فالمفعول الثاني محذوف الدلالة السياق عليه، فالمفعول الأول محذوف وهو الفقراء، والثاني "هاء"، نعطيها ويعود على زكاة الفطر.
وقوله: "في زمن النبي ﷺ "، أضافها إلى زمن الرسول ﷺ ؛ لأن زمنه وقت الحجة حيث فيه إقرار النبي ﷺ لهم، أما ما بعد زمن الرسول ﷺ مما فعله الصحابة فهل هو حجة أم لا؟ نقول: إن أجمعوا عليه فهو حجة لإجماعهم، وإن اختلفوا رجعنا إلى ما يرجحه الدليل.
وقوله: "صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر" في هذا إشكال؛ لأن قوله: "أو صاعًا من تمر" هذا بعض من قوله: "أو صاعًا من طعام" فكيف أتى بـ "أو"؟ قال بعض العلماء: إن المراد بقوله: "صاعًا من طعام" الذرة أو الحنطة، ولكن هذا القول ليس بصحيح، والصحيح أن "أو" هنا للتفسير يعني: صاعًا من طعام، وهذا الطعام هو التمر، والشعير، والزبيب، والأقط كما تفسره الرواية الأخرى، وقد جاء مثل هذا الترتيب في حديث مرّ علينا في دعاء الهم والعم وهو قوله: "أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، فإن "أو" هنا لا تدل على التقسيم؛ لأن ما بعدها داخل في قوله: "سميت به نفسك"؛ لأن ما سمّى به نفسه إما أنه أنزله في كتابه، أو علمه أحدا من خلقه، أو استأثر به في علم الغيب عنده، فيكون ما بعد "أو" كالتفسير لمّا أجمل فيما سبق هنا.
زاد على حديث ابن عمر: الزبيب، والأقط، الزبيب: هو العنب المجفف، والأقط: اللبن المجفف سواء رصع أو لم يرصع، هل ذكر البر؟ البر ما ذكر، ولم يثبت فيه حديث عن الرسول
стр. 1296
صلى الله عليه وسلم مع أن الفقهاء- ﵏ يكادون يجمعون على أن البرّ من الأصناف التي جاءت بها السنة، ولكن الظاهر أنها لم تأت بها السنة بدليل أن معاوية ﵁ لما قدم المدينة وقد كثر فيها البر قال: أري صاعًا من هذا يعدل صاعين- يعني: من الشعير، يعني: أن البر نصف الشعير، قال: فعدل للناس بذلك، وصار الناس في عهد معاوية يخرجون زكاة الفطر من البر نصف صاع، لكن أبو سعيد ﵁ قال: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله ﷺ ".
ولأبي داود: "لا أخرجه أبدًا إلا صاعًا" فخالف معاوية في اجتهاده، أيهما أصوب؟ أبو سعيد أصوب بلا شك، لأننا نرى أن الرسول ﷺ قد فرضها صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير مع أنها مختلفة في الغالب.
فيستفاد من هذا الحديث: أن إعطاء صدقة الفطر صاعًا من الطعام ثابت في عهد النبي ﷺ وهو من السنة حسب حديث أبي سعيد من السنة التقريرية، وحديث أبن عمر من السنة القولية.
وفيه أيضًا من فوائد حديث أبي سعيد: أن اختلاف الأنواع لا يستلزم اختلاف التقدير كيف ذلك؟ لأنه قال: "صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير"، ولم يختلف المقدار مع اختلاف الأنواع.
ومن فوائد الحديث: أن الأولى بالمؤمن أن يأخذ بظاهر النص لفعل أبي سعيد ﵁، لأنك إذا أخذت بظاهر النص صار ذلك حجة لك عند الله، لكن إذا خالفت ظاهر النصر لمعقول رأيته فإن ذلك قد يكون حجّة عليك، فيقال لك: ما الذي أعلمك أن الله أراد كذا أو الرسول أراد كذا، الآن نقول: يجوز أن يقدمها قبل العيد بيوم أو يومين متى؟ أي: يوم سبعة وعشرين، ثمانية وعشرين على خطر؛ لأنه إن وفى الشهر صارت قبله بثلاثة أيام وعلى هذا فهو خطر فيخرج في اليوم التاسع والعشرين.
ومن الفوائد التي لا بد أن نذكرها: هل زكاة الفطر واجبة على الأعيان أو هي كالنفقة تجب على من تجب عليه نفقة الإنسان؟ الصحيح أنها واجبة على الأعيان وأن الإنسان يجب أن يؤدي زكاة الفطر عن نفسه، فمثلًا إذا كان ولد في بيت ويستطيع أن يؤدي زكاة الفطر بنفسه، فإن أباه لا يتحمل عنه هذه الزكاة، بل يجب عليه أن يخرج، المرأة الزوجة تستطيع أن تدفع صاعًا عن نفسها لا يلزم زوجها أن يخرج عنها؛ لأن ابن عمر يقول: "فرضها على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير". فهي فرض على الإنسان نفسه، لكن لو تبرع صاحب البيت، أو رب البيت بإخراجها عمن في بيته فهذا جائز؛ لأن ابن عمر ﵁ كان يفعل ذلك كان يخرج زكاة الفطر عمن في بيته.
стр. 1297
ومن فوائد حديث أبي سعيد: أن الصحابة كانوا يخرجون زكاة الفطر من هذه الأجناس الأربعة من غير نظر للفرق بينها في القيمة، فقد يكون صاع التمر بالقيمة يساوي قيمة صاعين من الشعير فيخرج صاعًا، وكذلك نقول في الزبيب والأقط فلا عبرة بالقيمة، العبرة بهذا القدر.
ومن فوائده: البقاء على ظاهر اللفظ دون تدخل العقل لقول أبي سعيد: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن النبي ﷺ "، لأننا لو أن العقل تدخل في هذا الأمر، لقلنا: إذا كان الزبيب أغلى من الشعير لوجب إخراج نصف صاع مثلًا، يعني: إذا كان قيمة الشعير أنقص من قيمة الزبيب بالنصف، لقلنا: إنه يجزئ أن يخرج من الزبيب نصف صاع، وإذا كانت أدنى منها بثلاثة أرباع يخرج ربع صاع وهكذا، ولكن نقول: إنه لا مدخل للعقل وللتفكير في هذا الباب.
وقت صدقة الفطر وفائدتها:
٥٩٩ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر؛ طهرةً للصَّائم من اللَّغو والرَّفث، وطعمةً للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصَّلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعد الصَّلاة فهي صدقةٌ من الصدقات". رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم.
نقول في "فرض" كما قلنا في حديث ابن عمر، أي: أوجب على سبيل الإلزام، "طهرة" هذه مفعول من أجله؛ أي: لأجل تطهير الصائم من اللغو والرفث، "اللغو": الكلام الذي لا فائدة منه، والرفث الكلام والفعل الذي يأثم به الإنسان.
* والصائم لا يخلو من إحدى ثلاث حالات:
- إما أن يحفظ صومه فلا يتكلم إلا بما فيه خير ولا يفعل إلا ما فيه خير وهذا أعلى الأقسام.
- وإما أن يهمل صومه يشتغل بالرفث والفسوق والعصيان فهذا شر الأقسام.
- وإما أن يأتي بصومه بلغو لا فائدة فيه ولا مضرة فهذا لا إثم عليه لكنه حرم نفسه خيرًا كثيرًا لماذا؟ لأنه كان بإمكانه أن يشغل هذا الشيء الذي جعله لغوًا بما هو خير ومصلحة، فالإنسان الصائم لا يخلو من اللغو والرفث غالبًا هذه الصدقة- صدقة الفطر- طهرة له؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، فتكون هذه الصدقة كفارة لما حصل للصائم من اللغو والرفث وتطهيرًا له.
الفائدة الثانية. "وطعمة للمساكين" يعني: يطعمونها يوم العيد ويأكلون ويشربون مع الناس، ويكون العيد عيدًا للجميع، ولهذا قال العلماء: إن الأفضل من أصناف زكاة الفطر ما كان أسهل مؤنة مثل التمر، التمر إذا أعطيته الفقير أكله مباشرة، ولكن إذا كان التمر ليس بالشيء المفضل عند الفقير، ويفضل عليه الرز مثلًا فإن الرز يكون أولّى.
стр. 1298
وقوله: "للمساكين" المراد بهم: ما يشمل الفقراء، لأنه سبق لنا مرارا بأن الفقير إذا ذكر بدون ذكر المسكين فهوا يشمل المسكين، والمسكين لذا ذكر بدون الفقير يشمل الفقير، وإذا اجتمعا افترقا، فصار الفقير أشد حاجة من المسكين، في الحديث الذي معنا هل هما مجتمعان؟ لا إذن فالمسكين هنا بمعنى: الفقير والمسكين أيضًا، فتكون "طعمة للمساكين" يطعمون يوم العيد، ويكون العيد عيدًا لهم كما هو عيد للأغنياء.
فإن قلت: إذا كان الإنسان لا يصوم، إما لأنه صغير ليس من أهل الصيام، وإما لأنه مريض يصوم في أيام أخر، فكيف يصح هذا التعليل "طهرة للصائم" وهذا ما صام؟
فالجواب: أن هذا بناء على الأغلب، وإذا تخلفت هذه العلة في حقه، ثبتت العلة الأخرى وهي "طعمة للمساكين".
يقول: "فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".
قوله: "فرض زكاة الفطر" هذا لا شك أنه مرفوع، وقوله: "طهرة للصائم وطعمة للمساكين" هل هو مرفوع أو أنه استنباط من ابن عباس؟ يحتمل أن يكون استنباطًا، ويحتمل أنه من قول الرسول ﷺ حين فرض الزكاة بين أنها طهرة للصائم وطعمة للمساكين.
وقوله: "ومن أداها قبل الصلاة" هل هو من كلام الرسول ﷺ ، أو هو استنباط من ابن عباس؟ يحتمل أيضًا، لكن الظاهر أنه من قول الرسول ﷺ بدليل قوله في حديث ابن عمر: "وأمر بها أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة".
في هذا الحديث بيان الحكمة من فرض زكاة الفطر وأنها تتضح في شيئين هما: طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين.
ومن فوائده: أنه لا بد أن تصرف زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة لقوله: "فمن أداها .... " إلخ.
ومن فوائده: أن العبادات المؤقتة إذا أديت بعد خروج الوقت فإنها لا تقبل لقوله: "ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"، إلا إذا كان لعذر فإنها تقبل لقول النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". وهذه قاعدة ينبغي أن تعرفها أيها الطالب: كل عبادة مؤقتة لا تصح بعد خروج وقتها إلا لعذر، كما أنها لا تصح قبل دخول الوقت، فلو صلى الظهر قبل الزوال لا تصح صلاته، وعليه أن يعيدها بعد الزوال، وإذا صلى بعد أن يصير ظل كل شيء مثله بغير عذر لم تصح؛ لأنه أدّاها بعد خروج الوقت إلا لعذر فليصلها إذا ذكرها.
стр. 1299
ومن فوائد الحديث: أنه يشترط لقبول العبادات موافقة الشرع لقوله: "فمن أدَّاها قبل الصلاة ... " إلخ. وهذا له قاعدة مرت علينا فيما سبق، وهى: أن الأعمال تنقسم إلى مقبول وغير مقبول، وأن المقبول: ما وافق الشرع، مر علينا أنه يشترط لكل عبادة أن تكون موافقة للشرع في ستة أشياء وهي تقسيم الأعمال إلى مقبول ومردود لقوله: "فهي زكاة مقبولة".
ومنها أيضًا: أن الإنسان إذا نوى عبادة نية مرتبة من أمرين فبطل أحد الأمرين بقي الآخر. الآن هذا الرجل أدى زكاة الفطر بعد صلاة العيد يريد أن تكون صدقة فطر لغي كونها صدقة فطر فبقي وصف الصدقة، فصارت صدقة من الصدقات، وقد أخذ العلماء من ذلك قاعدة- من جملة الضوابط والقواعد- فقالوا: وينقلب نفلًا ما بان عدمه؛ يعني: ما بان عدم فريضته فينقلب نفلًا.
مثل: أن يؤدي زكاة ما لا يظن أنه قد بلغ النصاب فلم يبلغ النصاب، فتكون نفلًا صدقة من الصدقات.
ومثل: أن يصلي فيتبين أنه صلى قبل الوقت فتكون نفلًا ولا تنفعه.
ومثل هذا الحديث: "من أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"، إذن ينقلب الفرض نفلًا ما بان عدمه، أي: إذا تبين أنه لا يمكن أن يكون فرضًا فإنه يكون نفلًا.
ومن فوائد الحديث: تحريم تأخير زكاة الفطر إلى ما بعد الصلاة، وجهه: أنها لا تقبل بعد الصلاة، فإذا لم تقبل لم يكن قائمًا بالفرض، وإذا لم يكن قائمًا بالفرض صار آثمًا، وصار ذلك حرامًا عليه، ولكن الفقهاء الذين قالوا: إنها تقبل بعد صلاة العيد في يومه، وتكون مكروهة، وبعد يوم العيد تكون حرامًا، فعندهم: أن وقت الدفع يكون واجبًا، وجائزًا، وحرامًا، ومكروهًا تجب قبل صلاة العيد، ويستحب يوم العيد قيل الصلاة، ويجوز قبل العيد بيوم، ويكره في يوم العيد، ويحرم بعده، فعندهم أن إخراج زكاة الفطر تجزئ فيه الأحكام الخمسة، والصواب: أنه ليس فيه إلا جائزًا ومستحبًا فقط، وأن ما بعد الصلاة فحرام سواء في يوم العيد أو قبله.
ويستفاد من الحديث: سمو الشريعة، وأنها لا توجب الشيء إلا لحكمة لتبيينه العلة في وجوب زكاة الفطر.
هل يؤخذ من هذا الحديث: وجوب إطعام الجائع، لقوله: "فرضها طعمة للمساكين؟ " إذا كانت العلة موجبة للفريضة صارت عامة، فكل ما احتاج الفقراء إلى طعام وجب علينا إطعامهم، وهل هو فرض عين أو فرض كفاية؟ إذا وجد شخص يطعم هؤلاء المساكين الجياع فإنه لا يجب علينا إطعامهم، لأنه فرض كفاية.
стр. 1300
٢ - باب صدقة التَّطوُّع
هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه أو إلى نوعه؟
إن قلت: إلى سببه فالمعنى: الصدقة التي حمله عليها التطوع لله.
وإن قلت: إنها من باب إضافة الشيء إلى نوعه، فمعناه: أن الصدقة تكون تطوعا، وتكون واجبة وهو كذلك، فهي إذن من باب إضافة الشيء إلى نوعه.
الصدقة الواجبة. مثل زكاة المال وزكاة الفطر.
مفهوم صدقة التطوع وفائدتها:
وصدقة التطوع: هي ما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى ببذل المال من غير أن يجب عليه، صدقة التطوع من رحمة الله- بعباده؛ لأن الفريضة قد يؤديها ناقصة، والنوافل تكمل بها الفرائض، كما جاء ذلك في حديث مرفوع عن النبي ﷺ ، فمن فوائد صدقة التطوع: أن فيها زيادة إيمان، فإن الإنسان يزداد إيمانا بصدقته؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ومن حكمة الله بعباده أنه ما جعل عليهم فريضة إلا جعل لهم نافلة من نوعها، كل الفرائض لها نافلة من نوعها، نبدأ بالصلاة لها نافلة من نوعها مثل: الرواتب، والوتر، وصلاة الليل، وصلاة الضحى، الصدقة: لها الزكاة واجبة، وما عداها تطوع، الصوم: كذلك فيه واجب وفيه تطوع، الحج: فيه واجب وفيه تطوع، حتى يكمل الواجب بالتطوع.
استحباب إخفاء الصدقة:
٦٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلاَّ ظلُّه ... ". فذكر الحديث وفيه: "ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا نعلم شماله ما تنفق يمينه". متَّفقٌ عليه.
قوله: "سبعة" هل تعيينهم هنا بالشخص أو بالوصف؟ بالوصف، يعني: ليسوا سبعة أشخاص فقط. المراد: سبعة، هذا وصفهم يبلغون كثيرًا، كل من اتصف بواحد من هذه الأوصاف فهو داخل في الحديث.
وقوله: "يظلُّهم الله في ظله" ليس المراد: ظل ذاته؛ لأن الله نور وحجابه النور، والمراد: ظل يخلقه إمَّا ظل العرش أو غيره، المهم أن هذا ظل مخلوق، وليس هو ظل الله .
وقوله: "يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلُّه" أي: يوم القيامة، فإن الظلال تتضاءل وتضمحل، وتذهب في ذلك اليوم؛ لأن الله- يقول: ﴿ويسألونك عن الجبال فقال ينسفها ربي نسفًا * فيذرها
следующие страницы →