Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
صلى الله عليه وسلم مع أن الفقهاء- ﵏ يكادون يجمعون على أن البرّ من الأصناف التي جاءت بها السنة، ولكن الظاهر أنها لم تأت بها السنة بدليل أن معاوية ﵁ لما قدم المدينة وقد كثر فيها البر قال: أري صاعًا من هذا يعدل صاعين- يعني: من الشعير، يعني: أن البر نصف الشعير، قال: فعدل للناس بذلك، وصار الناس في عهد معاوية يخرجون زكاة الفطر من البر نصف صاع، لكن أبو سعيد ﵁ قال: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله ﷺ ".
ولأبي داود: "لا أخرجه أبدًا إلا صاعًا" فخالف معاوية في اجتهاده، أيهما أصوب؟ أبو سعيد أصوب بلا شك، لأننا نرى أن الرسول ﷺ قد فرضها صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير مع أنها مختلفة في الغالب.
فيستفاد من هذا الحديث: أن إعطاء صدقة الفطر صاعًا من الطعام ثابت في عهد النبي ﷺ وهو من السنة حسب حديث أبي سعيد من السنة التقريرية، وحديث أبن عمر من السنة القولية.
وفيه أيضًا من فوائد حديث أبي سعيد: أن اختلاف الأنواع لا يستلزم اختلاف التقدير كيف ذلك؟ لأنه قال: "صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير"، ولم يختلف المقدار مع اختلاف الأنواع.
ومن فوائد الحديث: أن الأولى بالمؤمن أن يأخذ بظاهر النص لفعل أبي سعيد ﵁، لأنك إذا أخذت بظاهر النص صار ذلك حجة لك عند الله، لكن إذا خالفت ظاهر النصر لمعقول رأيته فإن ذلك قد يكون حجّة عليك، فيقال لك: ما الذي أعلمك أن الله أراد كذا أو الرسول أراد كذا، الآن نقول: يجوز أن يقدمها قبل العيد بيوم أو يومين متى؟ أي: يوم سبعة وعشرين، ثمانية وعشرين على خطر؛ لأنه إن وفى الشهر صارت قبله بثلاثة أيام وعلى هذا فهو خطر فيخرج في اليوم التاسع والعشرين.
ومن الفوائد التي لا بد أن نذكرها: هل زكاة الفطر واجبة على الأعيان أو هي كالنفقة تجب على من تجب عليه نفقة الإنسان؟ الصحيح أنها واجبة على الأعيان وأن الإنسان يجب أن يؤدي زكاة الفطر عن نفسه، فمثلًا إذا كان ولد في بيت ويستطيع أن يؤدي زكاة الفطر بنفسه، فإن أباه لا يتحمل عنه هذه الزكاة، بل يجب عليه أن يخرج، المرأة الزوجة تستطيع أن تدفع صاعًا عن نفسها لا يلزم زوجها أن يخرج عنها؛ لأن ابن عمر يقول: "فرضها على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير". فهي فرض على الإنسان نفسه، لكن لو تبرع صاحب البيت، أو رب البيت بإخراجها عمن في بيته فهذا جائز؛ لأن ابن عمر ﵁ كان يفعل ذلك كان يخرج زكاة الفطر عمن في بيته.
стр. 1297
ومن فوائد حديث أبي سعيد: أن الصحابة كانوا يخرجون زكاة الفطر من هذه الأجناس الأربعة من غير نظر للفرق بينها في القيمة، فقد يكون صاع التمر بالقيمة يساوي قيمة صاعين من الشعير فيخرج صاعًا، وكذلك نقول في الزبيب والأقط فلا عبرة بالقيمة، العبرة بهذا القدر.
ومن فوائده: البقاء على ظاهر اللفظ دون تدخل العقل لقول أبي سعيد: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن النبي ﷺ "، لأننا لو أن العقل تدخل في هذا الأمر، لقلنا: إذا كان الزبيب أغلى من الشعير لوجب إخراج نصف صاع مثلًا، يعني: إذا كان قيمة الشعير أنقص من قيمة الزبيب بالنصف، لقلنا: إنه يجزئ أن يخرج من الزبيب نصف صاع، وإذا كانت أدنى منها بثلاثة أرباع يخرج ربع صاع وهكذا، ولكن نقول: إنه لا مدخل للعقل وللتفكير في هذا الباب.
وقت صدقة الفطر وفائدتها:
٥٩٩ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر؛ طهرةً للصَّائم من اللَّغو والرَّفث، وطعمةً للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصَّلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعد الصَّلاة فهي صدقةٌ من الصدقات". رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم.
نقول في "فرض" كما قلنا في حديث ابن عمر، أي: أوجب على سبيل الإلزام، "طهرة" هذه مفعول من أجله؛ أي: لأجل تطهير الصائم من اللغو والرفث، "اللغو": الكلام الذي لا فائدة منه، والرفث الكلام والفعل الذي يأثم به الإنسان.
* والصائم لا يخلو من إحدى ثلاث حالات:
- إما أن يحفظ صومه فلا يتكلم إلا بما فيه خير ولا يفعل إلا ما فيه خير وهذا أعلى الأقسام.
- وإما أن يهمل صومه يشتغل بالرفث والفسوق والعصيان فهذا شر الأقسام.
- وإما أن يأتي بصومه بلغو لا فائدة فيه ولا مضرة فهذا لا إثم عليه لكنه حرم نفسه خيرًا كثيرًا لماذا؟ لأنه كان بإمكانه أن يشغل هذا الشيء الذي جعله لغوًا بما هو خير ومصلحة، فالإنسان الصائم لا يخلو من اللغو والرفث غالبًا هذه الصدقة- صدقة الفطر- طهرة له؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، فتكون هذه الصدقة كفارة لما حصل للصائم من اللغو والرفث وتطهيرًا له.
الفائدة الثانية. "وطعمة للمساكين" يعني: يطعمونها يوم العيد ويأكلون ويشربون مع الناس، ويكون العيد عيدًا للجميع، ولهذا قال العلماء: إن الأفضل من أصناف زكاة الفطر ما كان أسهل مؤنة مثل التمر، التمر إذا أعطيته الفقير أكله مباشرة، ولكن إذا كان التمر ليس بالشيء المفضل عند الفقير، ويفضل عليه الرز مثلًا فإن الرز يكون أولّى.
стр. 1298
وقوله: "للمساكين" المراد بهم: ما يشمل الفقراء، لأنه سبق لنا مرارا بأن الفقير إذا ذكر بدون ذكر المسكين فهوا يشمل المسكين، والمسكين لذا ذكر بدون الفقير يشمل الفقير، وإذا اجتمعا افترقا، فصار الفقير أشد حاجة من المسكين، في الحديث الذي معنا هل هما مجتمعان؟ لا إذن فالمسكين هنا بمعنى: الفقير والمسكين أيضًا، فتكون "طعمة للمساكين" يطعمون يوم العيد، ويكون العيد عيدًا لهم كما هو عيد للأغنياء.
فإن قلت: إذا كان الإنسان لا يصوم، إما لأنه صغير ليس من أهل الصيام، وإما لأنه مريض يصوم في أيام أخر، فكيف يصح هذا التعليل "طهرة للصائم" وهذا ما صام؟
فالجواب: أن هذا بناء على الأغلب، وإذا تخلفت هذه العلة في حقه، ثبتت العلة الأخرى وهي "طعمة للمساكين".
يقول: "فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".
قوله: "فرض زكاة الفطر" هذا لا شك أنه مرفوع، وقوله: "طهرة للصائم وطعمة للمساكين" هل هو مرفوع أو أنه استنباط من ابن عباس؟ يحتمل أن يكون استنباطًا، ويحتمل أنه من قول الرسول ﷺ حين فرض الزكاة بين أنها طهرة للصائم وطعمة للمساكين.
وقوله: "ومن أداها قبل الصلاة" هل هو من كلام الرسول ﷺ ، أو هو استنباط من ابن عباس؟ يحتمل أيضًا، لكن الظاهر أنه من قول الرسول ﷺ بدليل قوله في حديث ابن عمر: "وأمر بها أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة".
في هذا الحديث بيان الحكمة من فرض زكاة الفطر وأنها تتضح في شيئين هما: طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين.
ومن فوائده: أنه لا بد أن تصرف زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة لقوله: "فمن أداها .... " إلخ.
ومن فوائده: أن العبادات المؤقتة إذا أديت بعد خروج الوقت فإنها لا تقبل لقوله: "ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"، إلا إذا كان لعذر فإنها تقبل لقول النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". وهذه قاعدة ينبغي أن تعرفها أيها الطالب: كل عبادة مؤقتة لا تصح بعد خروج وقتها إلا لعذر، كما أنها لا تصح قبل دخول الوقت، فلو صلى الظهر قبل الزوال لا تصح صلاته، وعليه أن يعيدها بعد الزوال، وإذا صلى بعد أن يصير ظل كل شيء مثله بغير عذر لم تصح؛ لأنه أدّاها بعد خروج الوقت إلا لعذر فليصلها إذا ذكرها.
стр. 1299
ومن فوائد الحديث: أنه يشترط لقبول العبادات موافقة الشرع لقوله: "فمن أدَّاها قبل الصلاة ... " إلخ. وهذا له قاعدة مرت علينا فيما سبق، وهى: أن الأعمال تنقسم إلى مقبول وغير مقبول، وأن المقبول: ما وافق الشرع، مر علينا أنه يشترط لكل عبادة أن تكون موافقة للشرع في ستة أشياء وهي تقسيم الأعمال إلى مقبول ومردود لقوله: "فهي زكاة مقبولة".
ومنها أيضًا: أن الإنسان إذا نوى عبادة نية مرتبة من أمرين فبطل أحد الأمرين بقي الآخر. الآن هذا الرجل أدى زكاة الفطر بعد صلاة العيد يريد أن تكون صدقة فطر لغي كونها صدقة فطر فبقي وصف الصدقة، فصارت صدقة من الصدقات، وقد أخذ العلماء من ذلك قاعدة- من جملة الضوابط والقواعد- فقالوا: وينقلب نفلًا ما بان عدمه؛ يعني: ما بان عدم فريضته فينقلب نفلًا.
مثل: أن يؤدي زكاة ما لا يظن أنه قد بلغ النصاب فلم يبلغ النصاب، فتكون نفلًا صدقة من الصدقات.
ومثل: أن يصلي فيتبين أنه صلى قبل الوقت فتكون نفلًا ولا تنفعه.
ومثل هذا الحديث: "من أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"، إذن ينقلب الفرض نفلًا ما بان عدمه، أي: إذا تبين أنه لا يمكن أن يكون فرضًا فإنه يكون نفلًا.
ومن فوائد الحديث: تحريم تأخير زكاة الفطر إلى ما بعد الصلاة، وجهه: أنها لا تقبل بعد الصلاة، فإذا لم تقبل لم يكن قائمًا بالفرض، وإذا لم يكن قائمًا بالفرض صار آثمًا، وصار ذلك حرامًا عليه، ولكن الفقهاء الذين قالوا: إنها تقبل بعد صلاة العيد في يومه، وتكون مكروهة، وبعد يوم العيد تكون حرامًا، فعندهم: أن وقت الدفع يكون واجبًا، وجائزًا، وحرامًا، ومكروهًا تجب قبل صلاة العيد، ويستحب يوم العيد قيل الصلاة، ويجوز قبل العيد بيوم، ويكره في يوم العيد، ويحرم بعده، فعندهم أن إخراج زكاة الفطر تجزئ فيه الأحكام الخمسة، والصواب: أنه ليس فيه إلا جائزًا ومستحبًا فقط، وأن ما بعد الصلاة فحرام سواء في يوم العيد أو قبله.
ويستفاد من الحديث: سمو الشريعة، وأنها لا توجب الشيء إلا لحكمة لتبيينه العلة في وجوب زكاة الفطر.
هل يؤخذ من هذا الحديث: وجوب إطعام الجائع، لقوله: "فرضها طعمة للمساكين؟ " إذا كانت العلة موجبة للفريضة صارت عامة، فكل ما احتاج الفقراء إلى طعام وجب علينا إطعامهم، وهل هو فرض عين أو فرض كفاية؟ إذا وجد شخص يطعم هؤلاء المساكين الجياع فإنه لا يجب علينا إطعامهم، لأنه فرض كفاية.
стр. 1300
٢ - باب صدقة التَّطوُّع
هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه أو إلى نوعه؟
إن قلت: إلى سببه فالمعنى: الصدقة التي حمله عليها التطوع لله.
وإن قلت: إنها من باب إضافة الشيء إلى نوعه، فمعناه: أن الصدقة تكون تطوعا، وتكون واجبة وهو كذلك، فهي إذن من باب إضافة الشيء إلى نوعه.
الصدقة الواجبة. مثل زكاة المال وزكاة الفطر.
مفهوم صدقة التطوع وفائدتها:
وصدقة التطوع: هي ما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى ببذل المال من غير أن يجب عليه، صدقة التطوع من رحمة الله- بعباده؛ لأن الفريضة قد يؤديها ناقصة، والنوافل تكمل بها الفرائض، كما جاء ذلك في حديث مرفوع عن النبي ﷺ ، فمن فوائد صدقة التطوع: أن فيها زيادة إيمان، فإن الإنسان يزداد إيمانا بصدقته؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ومن حكمة الله بعباده أنه ما جعل عليهم فريضة إلا جعل لهم نافلة من نوعها، كل الفرائض لها نافلة من نوعها، نبدأ بالصلاة لها نافلة من نوعها مثل: الرواتب، والوتر، وصلاة الليل، وصلاة الضحى، الصدقة: لها الزكاة واجبة، وما عداها تطوع، الصوم: كذلك فيه واجب وفيه تطوع، الحج: فيه واجب وفيه تطوع، حتى يكمل الواجب بالتطوع.
استحباب إخفاء الصدقة:
٦٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلاَّ ظلُّه ... ". فذكر الحديث وفيه: "ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا نعلم شماله ما تنفق يمينه". متَّفقٌ عليه.
قوله: "سبعة" هل تعيينهم هنا بالشخص أو بالوصف؟ بالوصف، يعني: ليسوا سبعة أشخاص فقط. المراد: سبعة، هذا وصفهم يبلغون كثيرًا، كل من اتصف بواحد من هذه الأوصاف فهو داخل في الحديث.
وقوله: "يظلُّهم الله في ظله" ليس المراد: ظل ذاته؛ لأن الله نور وحجابه النور، والمراد: ظل يخلقه إمَّا ظل العرش أو غيره، المهم أن هذا ظل مخلوق، وليس هو ظل الله .
وقوله: "يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلُّه" أي: يوم القيامة، فإن الظلال تتضاءل وتضمحل، وتذهب في ذلك اليوم؛ لأن الله- يقول: ﴿ويسألونك عن الجبال فقال ينسفها ربي نسفًا * فيذرها
стр. 1301
قاعًا صفصفًا * لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا﴾ [طه: ١٠٧]. وكل ما على الدنيا سيزول: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملًا * وإنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزًا﴾ [الكهف: ٧، ٨]. صعيدًا خاليًا فيه نبات، ولا أشجار، ولا بيوت، ولا شيء.
إذن هل على الأرض شيء يستظل به؟ لا، والشمس تدنو من الخلائق في ذلك اليوم قدر ميل قريبًا من رءوسهم، وستكون حارة، لكن من وقاه الله- وقاه، فهؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر الحديث ولم يسقه المؤلف رحمة الله لأنه إنما يريد الشاهد فقط، ولكن لا حرج أن نستعرضه:
الأول: "إمام عادل" فهذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وإنما نال هذا الأجر وغيره من أهل العدل لا ينالونه؛ لأن عدل الإمام دال على أن عدله أمر ذاتي وخلقة وليس تخلقًا؛ لماذا؟ لأن الإمام ليس أحد فوقه لو جار لا يعارض، فعدله دليل على حسن طويته وكمال نيته، وما نوع العدل في الإمام؟ نوع العدل في الإمام يكون في نوع الحكم، ويكون في المحكوم له، ويكون في المحكوم عليه، أمّا نوع الحكم فالعدل فيه أن يكون مبنيًا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. وأمًا في المحكوم له فألا يراعى في الإلزام بالحق قرابة، ولا شريفًا، ولا صديقًا، ولا قويًا، ولا عزيزًا، بل يكون حاكمًا بينه وبين الناس بالعدل لا يمنح القريب شيئا من أموال الدولة دون البعيد، لا يمنح الوزير، أو غيره من الأعيان شيئًا دون الآخرين، بل يجعل الناس على حد سواء، كذلك في المحكوم عليه لا يحمله بغض هذا الشخص على أن يحكم عليه؛ لأن بعض الناس إذا أبغض شخصًا- والعياذ بالله- ثم مثل بين يديه في حكومة يحكم عليه، ولهذا قال الله- : ﴿* يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال : ﴿يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنئان قوم على ألا تعدلوا﴾ "شنئان" بمعنى: بغض. ﴿على ألا تعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨].
وقال تعالى: ﴿ولا يجر منكم شنئان قوم على ألا تعدلوا﴾ [المائدة: ٨]. يعنى لا يحملنكم صدكم عن المسجد الحرام على العدوان بل الزموا العدل.
"وشاب نشأ في طاعة الله" يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وإنما كان له هذا الأجر العظيم؛ لأن الشباب عادة يكونون غير مستقيمين إلا من هداه الله، فإذا نشأ في طاعة الله وألفها وأحبها وأقامها، نال هذا الأجر العظيم، الشاب من البنوة إلى الثلاثين، وقيل: إلى الأربعين، ولكن يوجد بعض الناس يصل إلى الثلاثين وهو شاب، وإذا جاوز الثلاثين انحرف ويوجد من ليس كذلك، المهم أن الشاب وهو صغير السن هو الذي نشأ في طاعة الله.
стр. 1302
"ورجل قلبه معلق بالمساجد" هل المراد بالمساجد: أمكنة السجود، أو أزمنتها، أو نفس السجود، أو الجميع؟ الظاهر أن المراد: الجميع، بمعنى: أنه دائمًا يذكر سجوده لله ويذكر أوقات السجود، وكلما مضى وقت للصلاة تجده ينتظر الوقت الآخر بلهف وتشوق، وأمكنة السجود وهي المساجد، كذلك إذا خرج من المسجد فقلبه باق في المسجد يألفه ويرجع إليه فيحن إليه: ﴿إنما يعمر مساجد الله من امن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة واتى الزكاة ولم يخشى إلا الله﴾ [التوبة: ١٨]. فإذن نقول: هذا الرجل المعلق بالمساجد وبالسجود، وأوقات السجود، وأمكنة السجود، وإذا كان قلبه معلقا بالمساجد فإنه من باب أولى أن يكون معلقًا بالمسجود له وهو الله ، فيكون دائمًا يذكر الله- بقلبه، ولسانه وجوارحه: ﴿يذكرون الله فيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١]. ولا أشرح للصدر ولا أسر للقلب من تعلقه بالله- وكونه دائمًا يذكره بآياته الشرعية، وآياته الكونية؛ لأن ما من شيء أمامه إلا وهو دال على الله.
وفي كلّ شيء له آية ... تدل على أنه واحد
فكون الإنسان دائمًا مع الله- يذكره بقلبه ولسانه وجوارحه هذه هي الحياة الطيبة، وهو أسرُّ ما يكون للقلب ومع ذلك ففيه هذا الأجر العظيم.
"ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" "تحابا في الله" لا لقرابة، ولا لأمر دنيوي، ولا لأمر شخصي، ولكن لله ، "تحابا في الله" ما أحبه إلا لأنه مطيع لله ، مجتنب لمعاصيه، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، بل لا يمّكن أن يذوق الإنسان حلاوة الإيمان حتى يوالي في الله ويعادي في الله، فإن هذا هو العروة الوثقى.
هذان الرجلان تحابا في الله اجتمعا عليه في الدنيا ما داما حيين، وتفرقا عليه- يعني: بالموت- ماتا وهما على ذلك على أنهما متحابان في الله، هل يحب الإنسان غيره بعد موته؟ نعم ليس فيه إشكال، نحن نحب الرسول ﷺ ، ونحب أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، وسائر من سبقونا بالإيمان، ومع ذلك فإننا لم نعش معهم، ونحب أيضًا من عشنا معه، ومات قبلنا من المؤمنين، هذا معنى: "فتفرقا عليه"، فالتفرق لا يلزم منه التفرق في المحبة.
"ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله"، "دعته امرأة" لنفسها لينال شهوته منها، وهي ذات منصب، يعني: ليست امرأة دنيئة من أسافل الناس حتى تعافها نفسه من أجل ذلك، وهي ذات جمال أيضًا ليست قبيحة ينفر منها من رآها، بل هي جميلة وذات حسب، ولم يقل: ذات دين، لماذا؟ لأنه لو كان لها دين قوي ما دعته لكنها لها حسب.
والمرأة قد تغلبها شهوتها حتى تدنس حسب قومها- والعياذ بالله-، كما أن الرجل قد يكون
стр. 1303
كذلك، وهي "جميلة" فقال: "إني أخاف الله" إذن المكان خال ما عندهما أحد، والرجل قوي عنده شهوة، ما الدليل؟ الدليل: أنه لم يذكر مانعًا سوى خوفه من الله، لم يقل: والله ما عندي شهوة، ولم يقل: عندنا ناس، ولم يقل: أخشى أن يرانا أحد، أو أن يسمع بنا أحد أبدا. ما خاف إلا من الله ، هذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله لكمال عفته، فالأسباب للفتنة موجودة وهو الحسب والجمال، والموانع مفقودة لا توجد موانع من الخلق تمنعه، ولكن يمنعه خوف الله، فقال: "إني أخاف الله" وتركها، وهذا له أسوة بيوسف- ﵊، فإن يوسف دعته أمرأة العزيز: ﴿وغلق الأبواب وقالت هيت لك﴾ [يوسف: ٢٢]. ولكنه امتنع من ذلك خوفا من الله وإلا فإن الرجل ليس مفقود الشهوة بل عنده قدرة، ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ [يوسف: ٢٤]. ولكنه- ﵊ بعد أن هم رأى برهان الله وهو ما جعل الله في قلبه من نور الإيمان فتركها، فصرف الله عنه السوء والفحشاء لأنه كان من عباد الله المخلصين.
أما السادس: فهو "رجل تصدّق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، تصدق بصدقة، الصدقة هنا أعم من أن تكون نفلًا، فهي شاملة للواجب والمستحب، "تصدق بها. فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تفق يمينه"، قال: إن المراد بالشمال من على شماله يعني: من الناس بحيث يمدها هكذا من اليمين ولا يطلع عليها أحد. وقيل: لا تعلم شماله؛ أي: يده الشمال ما تنفق يميته، وهذا أقرب، ولكن من المعلوم أنه كناية عن شدة الإخفاء، حتى إنه لو أمكن أنه لو تعلم اليد اليسرى ما أنفقت اليمنى لحصل. لا يقال: إن هذا مجاز، نقول: لأن كل أحد يعرف بأن اليد اليسرى ليس عندها علم، لكن المعنى: أنه لشدة إخفائها لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وهذا لكمال إخلاصه لله وكمال رحمته بأخيه الذي تصدّق عليه حتى لا يخجله أمام الناس لأن كثيرًا من الناس يكره أن يطلع الناس أنه فقير يتصدق عليه، فهذا الرجل لشدة إخلاصه وأنه لا يريد أن يمدحه أحد لنفقاته أو صدقاته، ولشدة رحمته بأخيه حتى لا يرين أحد من الناس أنه من عليه بالصدقة أخفى هذه الصدقة.
أما السابع: "فرجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه" شوقًا إلى ربه ، ومحبة للقائه وأنه ذكره خاليا عن حضور الناس أو خالي القلب عما سوى الله، أو الأمران؟ الظاهر الأمران خاليا عن حضور الناس؛ فهو لم يبك رياء وملمعة خاليا قلبه عما سوى الله لأن القلب إذا صفا وخلا من غير الله صار عنده من الخشوع والشوق إلى الله والخوف من عقابه ما لا يكون إذا كان متعلقا بغير الله- ، فهذا الرجل ذكر الله خاليًا سواء كان يقرأ، أو يصلي، أو يتأمل، أو يقرأ في سيرة النبي ﷺ أو ما أشبه ذلك، المهم: أنه خال ففاضت عيناه شوقًا إلى ربّه، والإنسان أحيانًا يشتاق إلى الله- حتى يود أنه ملاقيه الآن كما قال النبي ﷺ : "أسألك الشوق
стр. 1304
إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة". والشوق إلى الله دليل على كمال الإيمان والمحبة، فهذا الرجل كان في قلبه من محبة الله ما أوجب له أن يشتاق إلى الله فذكر الله خاليا ففاضت عيناء من البكاء، هذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
واعلم أن هذه الأوصاف الحميدة قد يكون في الإنسان صفة واحدة أو صفتان أو أكثر، بل قد تجتمع كل الصفات فيه يكون إمامًا عادلًا، ويكون متصفا بالصفات الأخرى، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
نأخذ الآن من فوائد الحديث: ما أثبته المؤلف وهو قوله: "رجل تصدق بصدقة"، كلمة "رجل" ليس لها مفهوم، لماذا؟ إما لأن التعبير بالذكور أشرف من الإناث، وهذا أمر معروف، وأكثر ما عبر الله في القرآن بصيغة الذكور، لأنه أشرف، أو يقال: إن هذا مفهوم لقب، يعني: ليس أمرًا مشتقًا حتى يؤخذ منه أن ما لم يوجد فيه هذه الصفة فإنه مخالف للحكم، ومفهوم اللقب عند الأصوليين ليس له عبرة، المهم أن الرجل والمرأة في هذا سواء.
وقوله: "تصدق بصدقة" يشمل الواجب والمستحب. وقوله: "أخفاها" أي: كتمها فلم يبينها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ذكرناها.
فيستفاد من هذا الحديث: فضيلة إخفاء الصدقة، وأنه كلما أخفاها الإنسان كان ثوابه أكثر.
فإن قلت: أليس الله- يثني على العباد الذين أنفقوا مما رزقهم الله سرًا وعلانية فما هو الجمع بين الحديث وبين الآية، وكذلك ما الجمع بين قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١].
قلنا: الأصل في الصدقة من حيث هي أن إخفاءها أفضل؛ لأنه أبعد عن الرياء، وأبعد عن إظهار المنة على من تصدق عليه، وأبعد أيضًا عن كسر خاطره أمام الناس، هذا من حيث هي صدقة، فإن اقترن بها ما يجعل إعلانها خيرًا من إسرارها صار إعلانها خيرا، لأنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل، كيف يكون الإعلان خيرا من الإسرار؟ إذا كان المقصود الاقتداء، يعني: هذا الرجل تصدّق ليراه الناس فيقتدوا به هذا واحد.
ثانيًا: ربما يكون هذا الرجل الذي تصدق عليه محتاجا ولا تكفيه صدقته فيتصل ق إظهارًا لحاجة الرجل لأجل أن يعطيه الناس، فإذن قد يكون في إظهارها خير إما للمتصدقين، أو للمتصدق
стр. 1305
عليه، إما للمتصدقين إذا اقتدوا بهذا المتصدق وإما للمتصدق عليه إذا أعطاه الناس كما أعطاه هذا الرجل، وإلا فإن الأصل هو الإخفاء.
فضل صدقة التطوع:
٦٠١ - وعن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقته حتَّى يفصل بين النَّاس". رواه ابن حبان والحاكم.
"كل" هذه من ألفاظ العموم، و"امرئ" نقول فيها مثل ما قلنا في "رجل" السابقة؛ يعني: كل امرئ وامرأة.
"في ظل صدقته" يحتمل أن يكون المراد بالظل هنا: الحماية، يعني: أن الله تعالى يحميه من أجل الصدقة، ويحتمل أن يكون ظلًا حقيقيا، بمعنى: أن الصدقة تجعل كالظل على رأسه، أيهما أولى؟ الثاني أولى؛ لأن الحقيقة هي الأصل، والصدقة قد تكون ظلًا، فإن الله- قادر على أن يجعل المعاني أعيانًا والأعيان معاني، فهذه الصدقة وإن كانت عملًا مضى وانقضى وهو فعل من أفعاله، لكن المتصدق به شيء محسوس قد يؤتى به يوم القيامة بصفة شيء محسوس، بل قد ثبت عن النبي ﷺ أن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان أو غمامتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة، فهذا القرآن كلام الله وهو فعل القارئ ومع ذلك يجعل الثواب كأنهما فرقان من طير صواف، فهذه الصدقة يجعلها الله تعالى شيئا محسوسًا يظل صاحبها.
وحدثني وأنا صغير رجل يقول: إنه كان بخيلًا ولا يأذن لامرأته أن تتصدق بشيء من ماله فنام نومة، فرأى في المنام كأنه في يوم القيامة، وكأن الشمس قريبة من الناس، والناس يموج بعضهم في بعض، ومشقة شديدة، يقول: فجاء شيء مثل الكساء ظلل عليه، لكن فيه ثلاثة خروء تدخل منها الشمس، يقول: فرأى كأن شيئا يشبه التمرات ثلاث تمرات جاءت وسدت هذه الخروء، فانتبه ولما انتبه فإذا هو قد تأثر من الرؤيا فحكاها على زوجته، وكان هو بخيلًا، قال: رأيت كلا وكذا قالت: نعم، الذي رأيته حق: إنه جاءنا فقير، وإني أعطيته ثوبًا من عندنا، وجاء بعده فقير فأعطيته ثلاث تمرات، الثوب هو الكساء الأول والتمرات هذه الشقوق الثلاثة جاءت هذه التمرات فرقعتها، وهذا الحديث الذي معنا يشهد لصحته.
ففي هذا الحديث دليل على فضيلة الصدقة، وعلى أنها تكون يوم القيامة ظلًا لصاحبها، وأنها تكون ظلًا في جميع يوم القيامة حتى يفصل بين الناس.
стр. 1306
وفيه دليل على: إثبات يوم القيامة، وعلى الحساب والجزاء لقوله: "حتى يفصل بين الناس"، وما الذي يقضى فيه أولًا؟ أول ما يقضى بين الناس في الدماء، وأول ما يحاسب عليه الإنسان من حقوق الله الصلاة.
وقوله: "حتى يفصل" هل المراد: الحكم بين الناس بين المعتدي والمعتدي عليه، أو الفصل بين الناس حتى في تمييزهم فريق إلى الجنة وفريق إلى النار؟ الأخير؛ لكنه ملازم للأول.
٦٠٢ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أيّما مسلم كسّا مسلمًا ثوبًا على عري؛ كساه الله من خضر الجنَّة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنَّة، وأيُّما مسلمٍ سقى مسلمًا على ظمأٍ سقاه الله من الرَّحيق المختوم". روا أبو داود، وفي إسناده لينٌ.
"اللين" أعلى من الضعف؛ يعني: لا يصل إلى درجة الحسن، ولا ينزل إلى درجة الضعيف.
قوله: "أيما مسلم كسا"، "أيما" هذه أداة شرط، "أي" أداة شرط مبنية على الضم، و"ما" زائدة، وممكن أن نقول: "أي" مبتدأ مرفوع بضمة ظاهرة؛ لأنها معربة هنا هذا هو الظاهر.
وقوله: "مسلم" نقول: "أي" مضاف، و"مسلم": مضاف إليه، وفعل الشرط: "أيما مسلم كسا"، وجواب الشرط: "كساه الله".
قوله: "أيما مسلم" خصه بالمسلم؛ لأن غير المسلم وإن كسا غيره فلا يستفيد من هذا؛ لأن الله يقول: ﴿وما منعهمّ أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله﴾ [التوبة: ٥٤]. ولهذا أجمع العلماء على أنه من شرط صحة العبادة وقبولها أن تكون من مسلم فالإسلام شرط لجميع العبادات، والردة إذا بقيت إلى الممات تحبط جميع الأعمال، وأما خضر الجنة هي ما ذكره الله تعالى: ﴿عليهم ثياب سندسٍ خضرٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. يعني: من السندس الأخضر، واللون الأخضر لون يريح النظر ويسر النفس؛ ولهذا كانت عامة النباتات من اللون الأخضر، والله يقول: ﴿وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج﴾ [ق: ٧]. فلا شك إن الأخضر ترتاح له العين أكثر.
وقوله: "على عري"؛ لأن هذا هو موطن الحاجة إذ إنه إذا كساه على كسوة، فإن هذا فيه إحسان إليه، لكن ليس فيه دفع لضرورته بخلاف ما إذا كساه على عري.
وقوله: "أيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع" يعني: وجد إنسانًا جائعًا فأطعمه، "فإن الله يطعمه من ثمار الجنة"، وثمار جمع ثمرة، وهو ما يوجده الشجر، ومعلوم أن الجنة فيها أنواع متنوعة من الثمرات، قال الله- ﵎: ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ [الرحمن: ٥٢].
стр. 1307
وقال في الجنتين الأخريين: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨]. فإذا أطعمت مسلمًا على جوع، فإن الله يطعمك من ثمار الجنة.
"وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمأٍ سقاه الله من الرحيق المختوم"، "الرحيق" معناه: الخالص الصافي من كل شيء، ومعلوم أن أنهار الجنة أربعة أنهار: ﴿فيها أنهار من ماء غير أسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ [محمد: ١٥]. و"المختوم" بيَّن الله بماذا هو مختوم فقال: ﴿ختامة مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين: ٢٦].
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: فضيلة كسوة المسلمين، وإطعامهم، وإسقائهم، وجه ذلك: أن النبي ﷺ ذكر هذا الجزاء حقًا وترغيبًا.
وفيه أيضًا: إثبات الجزاء لقوله: من فعل كذا فعل الله به كذا.
وفيه أيضًا: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن الأول كسا فكسي، أطعم فأطعم، سقى فسقى.
وفيه أيضًا: إثبات الجنة، هذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وهي الآن موجودة لقوله تعالى: ﴿أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وستبقى دائمًا، فإنها منذ خلقت لا تفنى، وكذلك النار منذ خلقت لا تفنى.
وفيه أيضًا: إثبات الأفعال الاختيارية للعبد لقوله: "كسا، وأطعم، وسقى"، ولولا أنها اختيارية ما حثَّ النبي ﷺ عليها، ولا كان للجزاء عليها فائدة.
وفيه أيضًا: أن هذه الأعمال لا تنفع إلا إذا كان الإنسان مسلمًا لقوله: "أيما مسلم" فإن وقعت هذه الأعمال من الكافر لن تنفعه، ولكن هل يجازى عليها؟ نعم، قد يجازى عليها في الدنيا فيوسع له في الرزق ويكشف عنه السوء، ويشفى من المرض وما أشبه ذلك، أما في الآخرة فلا حظ له فيها.
وقوله: "وأيما مسلم سقى مسلمًا" هل يؤخذ منه أن هذا الثواب لا يكون إلا إذا كان المنعم عليه مسلمًا؟ الجواب: نعم؛ لأن الإنعام على المسلم خير من الإنعام على غير المسلم، ولكن هل في الإنعام على غير المسلم أجر؟ الجواب: نعم؛ إلا الكافر الحربي فالإنعام عليه يكون بدعوته للإسلام وإلا يقتل، فأما الذمي والمعاهد والمستأمن، والحمار، والكلب، والبعير وما أشبه ذلك ففيه أجر، حتى إن النبي ﷺ أخبرنا عن امرأة رأت كلبًا يلهث من العطش فنزلت وملأت خفها من الماء حتى شرب فغفر الله لها؛ لأنها سقت هذا الكلب على ظمأ، قيل: يا رسول الله، هل لنا في البهائم أجر؟ قال: "في كل ذات كبد حراء أجر".
стр. 1308
هل يؤجر الإنسان إذا أطعم ذرة أو نملة؟ نعم، إن كانت لا تؤذي، وقد حكيت عليكم قصة ذكرها ابن القيم عن رجل رأى ذرة تمشي فوضع لها طعامًا لكنها تعجز عن حمله فلما رأت الطعام وعجزت عن حمله ذهبت إلى صاحباتها ودعتهن فجئن فلما أقبلت الذر رفع الطعام، فجاءت الذر الطعام، وهذه التي ذهبت تستصرخهن جعلت تبحث ما وجدت شيئًا فرجعت الذر، ثم وضعه مرة ثانية فرأته هذه الذرة وتيقنت فرجعت إلى صاحباتها فلما أقبلن رفعه فجعلن يطلبنه ما وجدنه فانصرفن، ثم وضعه في المرة الثالثة فرأته الذرة فذهبت ودعت صاحباتها فجئن إليه فرفعه فلم يجدنه، يقول: اجتمعن عليها فقتلنها، الذرة هذه حكاية ابن القيم التبعة عليه رحمة الله، يقول: فحكيت ذلك لشيخي، فقال ﵀ شيخ الإسلام-: نعم يعني: كل ما له إرادة فإنه يكره الكذب ويجازى على الظلم، ما تقولون في هذا الرجل: هل عليه دية هذه الذرة؟ هو عليه إثم؛ لأنه تسبب في قتلها، إذن نقول: كل شيء يستفيد من الطعام فلك فيه أجر.
ويستفاد من هذا الحديث: أن هذا الجزاء مشروط بكون المنعم عليه به محتاجًا إليه لقوله: "على عري"، و"على جوع"، و"على ظمأ"؛ فإن لم يكن كذلك مثل أن يكسو إنسانا عنده كسوة لكن كساه نافلة فهل يصلح له هذا الأجر؟ الظاهر لا؛ لأن القياس هنا قياس مع الفارق؛ لأنه ليس دفعًا للحاجة كتحصيل الكمال النافلة.
اليد العليا خير من اليد السفلى:
٦٠٣ - وعن حكيم بن حزام ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغن يغنه الله". متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري.
قوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى" هذه مبتدأ وخبر يد عليا ويد سفلى، فاليد العليا خير من اليد السفلى؛ لأن العليا عالية والسفلى نازلة، فما هي اليد العليا؟ فسرها النبي ﷺ في حديث آخر بأن اليد العليا: يد المعطي، واليد السفلى: يد الآخذ المعطى؛ وهذا ظاهر؛ لأن المعطي أعلى رتبة من المعطى، على كل تقدير فتكون يده هي اليد العليا، وقيل: إن اليد العليا هي يد المعطى بلا سؤال واليد السفلى يد المعطى بسؤال، ولكن ما دام الأمر قد فسر من جهة المتكلم به فإن تفسير غيره إن كان لا ينافيه أخذ به، وإن كان ينافيه فإنه لا يؤخذ به؛ لأن المتكلم بالكلام أعلم به من غيره، إذن يد المعطي هي اليد العليا؛ لأن النبي ﷺ فسرها بذلك، واليد السفلى هي يد الآخذ وإنما كانت خيرًا؛ لأنها معطية باذلة، ولأن لها منه، وأما الأخرى فهي معطاة محتاجة ومتشوفة للغير.
стр. 1309
قال النبي ﷺ : "وابدأ بمن تعول"، يعني: إذا أعطيت فابدأ بمن تعول، أي: بمن تنفق عليهم وهم عائلتك الذين في بيتك، ومنهم نفسك؛ فإنك تعول نفسك إذ إنك مأمور بإحيائها وإبقائها، ومنهي عن إتلافها والإضرار بها.
قال: "وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، "خير الصدقة" هل يشمل الزكاة، أو المراد: صدقة التطوع؟ الظاهر: أنه يعم "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، والزكاة لا بد أن تكون عن ظهر غنى؛ لأنها لا تجب إلا في مال يبلغ النصاب، وتجب جزءًا قليلًا وهو ربع العشر في الذهب والفضة والعروض، ونصف العشر في الزروع التي تسقى بمؤنة، والعشر كاملًا في الزروع التي تسقى بلا مؤنة، وأما الماشية فليس لها حد محدود ولكنها معينة من قبل الشارع.
أما الصدقة- صدقة التطوع- فقد تكون عن ظهر غنى، وقد لا تكون عن ظهر غنى، إذا تصدق الإنسان بما زاد عن كفايته وكفاية عياله حتى وإن كان فقيرًا، لو كان هو يعد من الفقراء لكنه عنده فاضلًا عن قوته وقوت عياله فتصدق به فهذا صدقته عن ظهر غنى.
مثال ذلك: رجل يدخل عليه في كل يوم خمسة ريالات، ونفقته وعائلته أربعة ريالات، فتصدق بريال، صدقته هذه عن ظهر غنى، وهو يعد في هذا الدخل- في وقتنا هذا- من الفقراء. عرفا لماذا؟ لأن راتبه في الشهر (١٥٠) ريالًا، عندنا ليست شيئًا، لكن مع ذلك نقول إن هذا الرجال تصدق بصدقة عن ظهر غنى.
مفهومه: أن الصدقة لا عن ظهر غنى ليست خير الصدقة؛ يعني: أن الإنسان لو تصدَّق بما ينقص كفايته وكفاية عائلته فليست الصدقة هذه خيرًا، ويؤيد هذا قوله: "ابدأ بمن تعول"، فإذا صرفت المال لغير من تعول فقد خالفت أمر النبي ﷺ .
فلو قال قائل: أنا أتصدق بما يأتيني من راتب وأبقى أنا وأهلي في حاجة.
قلنا: هذا ليس بصواب، وليس هذا خير الصدقة، بل خير الصدقة أن تصدق عن ظهر غنى في الفاضل عن كفايتك وكفاية عائلتك.
فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩]. وهذا في مقام مدح الأنصار- ﵃؟
فالجواب: أن الإيثار ليس أمرًا دائمًا إنما هو يعرض لحاجة، فيبقى هذا الإنسان جائعًا ويعطي غيره لكنه يجوع ثم يجد الكفاية.
فإن قلت: ما تقول في قصة أبي بكر ﵁، وعمر ﵁ حين حث النبي ﷺ على الصدقة، فقال عمر: الآن أسبق أبا بكر، ثم جاء بنصف ماله، فسأله النبي ﷺ : "ما تركت لأهلك؟ " قال:
стр. 1310
الشطر، ثم جاء أبو بكر بكل ماله فقال: "ماذا تركت لأهلك؟ " قال: تركت لهم الله ورسوله. فقال عمر: لا أسابق أبا بكر بعد هذا أبدا. فأبو بكر ﵁ أتى بكل ماله ليتصدق به.
فالجواب- كما قال أهل العلم-: إن الإنسان له أن يتصدق بكل ماله بشرط أن يعلم من نفسه الصبر، ويعلم من أهله الصبر، أما إذا كان لا يعلم الصبر على التقشف لا هو ولا أهله، فإنه لا يتصدق بكل ماله، بل يجب عليه أن يبقي كفايته.
قال: "ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله"، "يستعفف" "يستغن" الفرق بينهما أن الاستعفاف: فيما يتعلق بالشهوة الجنسية، والاستغناء: فيما يتعلق بالمال؛ يعنى: من يستعفف عن المحرم سواء كان ذلك نظرًا أو لمسًا، أو قولًا، أو فعلًا، يريد به الزنا الأكبر فمن استعف أعفه الله ، قال الله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضلة﴾ [النور: ٣٣]. ﴿والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحًا فليس عليهم جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن﴾ [النور: ٦٠]. فمن يستعفف يعفه الله أي: يعينه حتى يكون عفيفًا بدون تكلف العفة؛ لأن تكلف العفة مأخوذ من قوله: "من يستعفف"، أما العفة التي تكون طبيعية فهي قوله: "يعفه الله"، ويحتمل أن يراد بقوله: "يعفه الله" أي: يهيئ له ما يعفه من زوجة أو مملوكة يمين، "ومن يستغن يغنه الله" يعني: من يستغني عما في أيدي الناس من المال فإن الله تعالى يغنيه، وهل المعنى يغنيه الله أي: يرزقه كالًا يستغني به عن غيره أو المعنى: أن الله يجعل الغنى في قلبه، فليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس أيهما؟ شامل للأمرين، كم من إنسان خزائنه مملوءة عامرة لكن قلبه معدم- والعياذ بالله- كالأرض الرملية لا تروى من الماء فهو لا يروى من المال أبدًا، وكم من إنسان ليس عنده إلا شيء يسير جدًا فهو كالزجاجة صافية، ولا تشرب ماء، المعني: أنه لا يهتم بشيء قد استغنى قلبه بما في يده من قليل أو كثير، وهذا أمر واضح.
إذن فقوله: "يغنيه الله" يشمل أمرين: الغنى الذي هو كثرة المال، والغنى الذي هو غنى القلب واستغناؤه بما في يده عن طلب غيره.
من فوائد هذا الحديث: أولًا: تفاضل الناس في الدرجات لقوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وهل يؤخذ منه التفاضل في الإيمان؟ ننظر من فوائد الحديث أن المعطى خير من الأخذ وهو واضح.
ومن فوائده: أن الإنفاق على الأهل أفضل من الإنفاق على غير الأهل.
стр. 1311
فلو قال قائل: أنا عندي درهم هل أتصدّق به على فقير أو أعطيه أهلي؟ قلنا: أعطه الأهل لقول النبي ﷺ : "وابدأ بمن تعول".
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن على الإنسان عائلة، ويتفرع على هذا: وجوب الإنفاق على العائلة لقوله: "ابدأ بمن تعول".
ومن فوائد الحديث: تفاضل الأعمال لقوله: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، يلزم من تفاضل الأعمال تفاضل الإيمان، لماذا يلزم؟ لأن الأعمال من الإيمان فتفاضلها تفاضل له، وهل عندنا دليل على أن الأعمال من الإيمان؟ لقوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وهذا عمل جعله الرسول ﷺ إيمانًا، يؤخذ منها: الرد على ثلاث طوائف مبتدعة: المرجئة والوعيدية من المعتزلة والخوارج الوعيدية طائفتان معتزلة وخوارج، إذن المرجئة والوعيدية؛ لأنهما كل منهما يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن المرجئة يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب ولا يتفاضل، وأولئك يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب، وجميع الأعمال، وهو إما أن يوجد كله، وإما أن يعدم كله.
ويستفاد من الحديث: "أن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وهو كالفرع لقوله: "أبدأ بمن تعول"؛ لأنك إذا بدأت بمن تعول فما زاد فهو عن ظهر غنى فيكون خير الصدقة.
ومن فوائد الحديث: أن من طلب العفة أعفه الله لقوله: "ومن يستعفف يعفه الله".
ومن فوائده: أن من لم يطلب العفة لم يوفق لها، من أرسل نظره وشهوته فيما حرم الله بقي قلبه- والعياذ بالله- منفتحًا لا ينسد متبعًا لكل رذيلة، تؤخذ من باب المفهوم لأن الكلام له منطوق وله مفهوم. منطوقه: "ومن يستعفف يعفه الله" ومفهومه: "ومن لا يستعفف لا يعفه الله".
ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل: "من يستعفف يعفه الله".
ومن فوائده: أن من استغنى عما في أيدي الناس أغناه الله عنهم لقوله: "من يستغن يغنه الله".
ومن فوائده: أن من لم يستغن عما في أيدي الناس لم يغنه الله عنهم يبقى دائمًا متلهفًا إلى ما في أيدي الناس، حتى إنه إذا ما وجد مع أحد شيئًا وأعجبه قال: زين، هذا الذي معك من أين اشتريته؟ دلني عليه، ما الذي يفعله مثل هذا؟ يمكن أن يخجل، ويقول: خذه. هل نقول: هذا الرجل مستغن عمّا في أيدي الناس؟ لا، ما هو الشاهد من هذا الحديث للباب؟ قوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله"، هذا هو الذي قد يكون خارجا عن الموضوع، "ومن يستغن يغنه الله" وهذا يخاطب به من يأخذ الصدقة، وأنه كلما استغنى عما في أيدي الناس أغناه الله.
стр. 1312
أفضل الصدقة جهد المقل:
٦٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قيل: يا رسول الله، أيُّ الصَّدقةٍ أفضل؟ قال: المقلِّ، وابدأ بمن تعول". أخرجه أحمد، وأبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة، واين جان، والحاكم.
المراد بالصدقة: صدقة التطوع، لماذا؟ لأن الصدقة الواجبة تكون من غير الجهد، لأنها لا تجب إلا على من يملك النصاب.
وقد يقول قائل: إن هذا ليس بلازم؛ لأن الصدقة الواجبة قد تكون أيضًا من جهد المقل، كيف ذلك؟ يكون رجل عنده عائلة كثيرة، فهذا يكون النصاب أو النصابين لا يجدان شيئًا لكفايته يعنى: هو مقل وإن كان عنده نصاب أو نصابان؛ لأن عائلته كثيرة والمؤنة شديدة، وعليه فينبغي أن نقول: الصدقة هنا شاملة للصدقة الواجبة، وهي الزكاة، وصدقة التطوع، ومن المعلوم أن جنس الواجب أفضل من جنسه من التطوع لقوله تعالى في الحديث القدسي: "ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه".
فلو قال قائل: أيهما أفضل صلا? الفجر ركعتان، آو صلاة الضحى ركعتان؟
قلنا: صلاة الفجر، لأنها واجبة، درهم من زكاة أفضل من درهم من صدقة تطوع.
وقوله: "جهد المقل" يعني: طاقة المقل كما في قوله تعالى: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ [التوبة: ٧٩]. فـ"الجهد" معناه: الطاقة، وأما "الجهد"- بالفتح-: فهو بمعنى المشقة، ومنه حديث الوحي: "غطني- يعني: جبريل- حتى بلغ مني الجهد" أي: المشقة، فالجهد بمعنى: الطاقة، و"المقل" الذي ليس عنده إلا مال قليل، ولكن الرسول ﷺ أرشد إلى أن صدقتك على أهلك صدقة: ولهذا قال: "ابدأ بمن تعول"، فإن إنفاقك على من تعول صدقة فإذا بدأت بمن تعول، وزاد على من تعول دخل في الحديث السابق: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، وبهذا يمكن الجمع بينه وبين الحديث السابق؛ لأن الحديث السابق يدل على أن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وهنا يدل على أن أفضل الصدقة ما كان جهد مقل.
فنقول: إذا بدأت بمن تعول صار الزائد- وإن كان من جهد المقل- عن ظهر غنى، وحينئذ لا يكون بينه وبين الأول منافاة، إذن الصدقة خيرها مما كان عن ظهر غنى مطلقا، ثم إن كان هذا المتصدق غنيًّا واسع الغنى، فإن الصدقة ممن دونه أفضل، لأنها جهده.
стр. 1313
مثال ذلك: رجل عنده مليون درهم، وآخر عنده عشرة ريالات تصدق، صاحب العشرة بخمسة ريالات، وصاحب المليون بخمسة ريالات أيهما أفضل؟ صاحب العشرة أفضل من حيث النسبة؛ لأنه تصدّق بخمس من عشرة، فهو من حيث النسبة تصدَّق بنصف ماله، والذي تصدق بخمس من مليون تصدّق بنسبة ضئيلة جدًا؛ فلهذا صار الأول أفضل؛ لأن الخمسة أشقّ عليه من مشقة الخمسة على صاحب المليون؛ لأنها نصف ماله بخلاف صاحب المليون.
قد يقول قائل: إن سماحة صاحب الخمسة من عشرة تكون أحيانًا أكبر من سماحة صاحب الخمسة من مليون، إذا كان صاحب المليون بخيلًا عثر بحجر فتقطعت النعلة فانجرح قدمه جرحًا عظيمًا، فقال [كلمة معناها أن] الجرح الذي في رجله أهون عليه من الجرح الذي في نعلته، إذا كان صاحب المليون من هذا الطراز فإن الخمسة من المليون بالنسبة إليه أشقّ من خمسة من عشرة بالنسبة للأول، لكن الأخلاق النفسية الغريزية هذه ما علينا منها الكلام على الواقع، فإننا نقول: خمسة من عشرة أفضل من خمسة من مليون، بل ومن مائة؛ إذن هذا معنى قوله: "جهد المقلة" ولكن الكل عن ظهر غنى؛ لأنه قال: "وابدأ بمن تعول".
في هذا الحديث من الفوائد حرص الصحابة على العلم؛ لأنهم- ﵃ يسألون الرسول ﷺ والسؤال عن العلم دليل على الرغبة فيه؛ ولهذا قيل لابن عباس ﵁: بم أدركت العلم؟ قال: "أدركت العلم بلسان سئول، وقلب عقول، وبدن غير ملول"، "لسان سئولا" حتى إنه ﵁ يأتي إلى الرجل من أصحاب النبي ﷺ يبلغه أن عنده حديثًا عن الرسول ﷺ فيأتيه في القائلة فيضع رداءه على عتبة الباب وينام حتى يقوم صاحب البيت فيسأله عن الحديث، هل منا أحد يفعل ذلك؟ حتى إن الرجل يقول: يا ابن عم رسول الله، كيف تفعل هذا؟ فيقول: أنا طالب العلم، وطالب العلم يدل نفسه لا للعالم لأنه عالم، ولكن لأجل العلم، الصحابة كانوا يسألون الرسول ﷺ ولكن هل سؤالهم لمجرد العلم أو للعلم الذي يراد به التطبيق؟ الثاني، وهذه هي ثمرة العلم، ثمرة العلم أن نطبق، فإن لم نطبق صار علمنا كلًا علم بل أشد من الذي لا علم عنده؛ لأن هذا حمّل شيئًا فلم يحمله، كمثل الحمار يحمل أسفارًا، إذن عندما نأتي للعلماء ونسألهم ينبغي لنا أن نسألهم لا لأجل أن نعلم فتكون علومنا نظرية، بل لأجل أن نعلم فتكون علومنا نظرية تطبيقية، وقد كان الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ونحن نحمد الله أننا اليوم نرى شبابًا يطبقون ما علموا في صلاتهم وفي جميع
стр. 1314
أحوالهم، بينما نجد بعض العلماء عندهم علم كثير، ولكن عندما تشاهدهم في عباداتهم ومعاملاتهم تجدهم لا يطبقون ذلك كما ينبغي، لكن الحمد لله الآن الشباب الملتزمون الذين يتقون الله ما استطاعوا نجدهم يطبقون ما تعلموه، وهذه هي ثمرة العلم.
ومن فوائد الحديث: أن الأعمال تتفاضل لقولهم: "أي الصدقة أفضل؟ "، فأقرهم النبي ﷺ والأعمال تتفاضل في جنسها وفي كيفيتها، وسئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها" قيل: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قيل: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".
فالأعمال تتفاضل من حيث الجنس، الواجب أفضل من التطوع، الصلاة على وقتها أفضل من بر الوالدين، بر الوالدين أفضل من الجهاد، هذا اختلاف جنس، أي الصدقات أفضل؟ اختلاف نوع، أو كيفية. إذن نقول: الأعمال تتفاضل، ويلزم من تفاضل الأعمال- ونحن نقول بقول أهل السُّنة والجماعة: "إن الأعمال من الإيمان"- تفاضل الإيمان؛ فيكون في ذلك ردِّ لقول طائفتين مبتدعتين وهما: المرجئة والوعيدية.
ومن فوائد حديث: أن الصدقة من قليل المال أفضل من الصدقة من كثير المال لقوله: "جّهد المقل"، واعلم أن الصدقة تتفاضل في كميتها بالنسبة إلى مال المتصدق، وتتفاضل أيضًا في محلها، أي: في موضعها الذي وضعت فيه، فالصدقة على الفقير ذي العيال الذي لا يسأل أفضل من الصدقة على فقير لا عيال عنده، أو على فقير يسأل الناس؛ لأن الأول أحوج وأورع وأزهد، والثاني الذي ليس عنده عيال يسأل، هذا في الغالب يكون عنده مال حتى إن بعضهم إذا مات وجدوا عنده أموالًا كثيرة؛ لأنه واحد ويسأل فتأتيه الأموال وهو لا ينفق.
وفي الحديث من الفوائد: أن الأولى والأفضل للإنسان أن يبدأ بمن يعول، وأنه لو جاء يسألنا يقول: أنا عندي مال فمن أتصدق عليه؟ قلنا: على من تعول، ومنهم نفسك؛ لقوله: "وابدأ بمن تعول".
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يبدأ بالأهم فالأهم؛ لقوله: "ابدأ بمن تعول" فالذي تعولهم نفقتهم واجبة عليك، أمَّا الأجانب فالصدقة عليهم تطوع، يؤخذ هذا من قوله ﷺ : "فابدأ بمن تعول".
стр. 1315
فضل الصدقة على الزوجة والأولاد:
٦٠٥ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تصدَّقوا فقال رجلٌ: يا رسول الله، عندي دينارٌ؟ قال: تصدَّق به على نفسك، قال عندي آخر، قال: تصدَّق به على زوجك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر به". رواه أبو داود والنسائيُّ، وصحَّحه ابن حبان والحاكم.
قوله: "تصدَّقوا" هذا فعل أمر، ولكن هل هو للوجوب؟ إن كان المراد به الزكاة فعلى سبيل الوجوب، وإن كان المراد به ما زاد على الزكاة فعلى سبيل الاستحباب، والصدقة بذل المال لمستحقه، وسميت بذلك، لأنها تدل على صدق إيمان الباذل؛ لأن المال محبوب إلى النفوس كما قال الله تعالى عن الإنسان: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ [الغاديات: ٨]. وقال تعالى: ﴿وتحبون المال حبا جما﴾ [الفجر: ٢٠]. فإذا بذل محبوبه لنيل أمر غائب دلَّ على صدق إيمانك؛ لأنك أنت عندما تبذل درهمًا تريد به كم من حسنة؟ عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هل أنت تشاهد هذا الشيء؟ لا، لكن تؤمن به، وبذلك للمحبوب يدل دلالة واضحة على أنك مؤمن بالجزاء عليه، وإلا لما بذلت هذا المال الذي تحبه وتعبت عليه.
"فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار قال: تصدق به على نفسك"، بدأ بالنفس؛ لأن حماية النفس واجبة، فإذا كان هذا في إمداد النفس بما فيه قوامها فكيف يدفع الضرر عن النفس، يعني: أنت يجب عليك أن تنفق على نفسك، وهذا الإنفاق إمداد للنفس بما فيه قوامها فما بالك بدفع ما يضرها فإن ذلك أوجب؛ ولهذا نقول: لا يجوز للإنسان أن يتناول شيئا يضره سواء كان مأكولًا أو مشروبًا، إذا خاف الإنسان إذا أكل أن يتخم وتمتلئ بطنه حتى لا يستطيع أن ينهض إذا جلس ولا أن يركع؛ لأن بطته مملوءة، ويخشى أيضًا أن تتغير برائحة كريهة ففي هذه الحال يحرم عليه الأكل حتى لو كان الأكل من أطيب الطيبات، ونحن الآن نأكل كثيرًا وإذا أكلنا قلنا: هات بيبسي لأجل أن يهضمه، فتملأ البطن كثيرًا ثم نحاول أخذ شيء يهضم هذا الأكل، هذا مشكل!
أقول: إن الإنسان مأمور بأن يتصدق على نفسه، وأن يمدها بما فيه بقاؤها، فمن باب أولى أن يكون مأمورًا بما يحمي نفسه عن الضرر.
فقال: "عندي آخر" قال: "تصدق به على ولدك". وفي حديث آخر: "تصدق به علي زوجك". في رواية للنسائي: "تصدق به على زوجك" قبل الولد، وهذه الرواية أصح، ولعل الراوي إما
стр. 1316
نسي أو اختصر هنا، المهم "تصدق به على زوجك" فيبدأ بعد نفسه بالزوجة؛ لماذا؟ لأن الإنفاق على الزوجة إنفاق على النفس في الواقع، كيف ذلك؟ إذا لم تنفق على الزوجة قالت: طلقني وتجبرك على الطلاق، فإذا طلقتها معناه: أنك حرمت نفسك من التمتع، إذن فالإنفاق على الزوجة عائد إلى مصلحة الزوج نفسه، فيكون الإنفاق عليها من باب الإنفاق على النفس: ولهذا يبدأ بها قبل الولد وقبل الوالدين، ثم إن نفقتها معاوضة عوضًا عن الاستمتاع بها، وإذا منع العوض فلصاحب الحق أن يمنع المعوض فيعود الضرر على الإنسان نفسه.
قال: "عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك" "الخادم" بعد الولد، لماذا؟ لأن الولد لا انفكاك منه لكن الخادم تستطيع أن تنفك منه، بماذا؟ إن كان مملوكًا بعته، وإن كان حرًا فسخت الأجرة بينك وبينه، وذهب إلى غيرك، لكن الولد مشكل. فكم دينارًا عندنا في هذا الحديث؟ أربعة دنانير، أولًا على النفس، ثم على الزوجة، ثم على الولد، ثم على الخادم، فقال: عندي آخر قال: "أنت أبصر به" معناه: ضعه حيث شئت في المساجد، في إصلاح الطرق، في أي شيء شئت؛ يعني: بعد الأمور المرتبة أنت أبصر به.
مسألة: هل يقدَّم الوالد على الولد في الصدقة؟
في هذا الحديث لم يذكر الوالد فاختلف العلماء هل الوالد مقدَّم على الولد أو العكس؟
فقال بعض العلماء: الولد مقدم على الوالد لماذا؟ قال: لأنه بضعة منك فيكون مقدمًا.
وقال بعضهم: إن الوالد مقدم على الولد؛ لأن الوالد يجب بره، وبره أوكد من صلة الابن، الابن الإحسان إليه من باب صلة الأرحام، والوالد من باب بر الوالدين وهو أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله، وهذا هو الأقرب أن يبدأ بوالديه، ولكن لاحظوا أن هذه المسألة مفروضة في أن الوالدين لا يمكن أن يقوما بنفقتهما لكبرهما أو مرضهما أو ما أشبه ذلك وإلا لكان الولد مقدمًا، فإذا فرضنا أن أحدا من الناس عنده دينار إما أن يعطيه ولده الصغير الذي لا يستطيع أن يكتسب لنفسه كأن يكون له سنتان مثلًا، أو يكون أبوه كبير بحيث يستطيع أن يتكسب لكن لا يريد العمل، أيهما نقدم هنا؟ نقدم الولد؛ لأن الأب بإمكانه لو يريد العمل، ولكن إذا فرضنا المسألة أنه لا يمكن أبدًا أن يكتسب لا الأب ولا الابن فحينئذ يحصل الخلاف الذي ذكره أهل العلم أو يقدم الوالد.
هذا الذي ذكره الرسول ﷺ في الترتيب يعد جوابًا على سؤال السائل، هل السائل حين سأل يريد أن يعرف الحكم ويجعل هذا العلم في جيبه، أو يريد أن يجعل هذا العلم ظاهرًا في سلوكه؟ الأخير؛ لأن هذه هي حال الصحابة- ﵃.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الصدقة لقوله ﷺ : "تصدَّقوا"، وكل ما أمر به النبي ﷺ فإنه
стр. 1317
مشروع، فإن كان من العبادات فهو إما مستحب وإما واجبا، وإن كان من غير العبادات فإنه جائز ويكون الأمر للإرشاد، وهنا الصدقة من العبادات، وعلى هذا فتكون مستحبة في المستحب وواجبة في الواجب.
ومن فوائده: أنه يشرع للإنسان أن يبدأ بنفسه أولًا لقوله ﷺ "تصدَّق به على نفسك".
ومن فوائده: أن الإنفاق على النفس صدقة، ولكن هي صدقة شرعًا أمَّا عرفًا فلا وعلى هذا فلو أن الإنسان حلف قال: "والله لأتصدقن"، ثم ذهب إلى المطعم فأفطر هل يكون بر بيمينه؟ عرفًا: لا لأن الصدقة عرفًا إنما تكون لغير نفس الإنسان، بل ولغير نفقته على زوجته وأهله، فيستفاد من هذا: أن الصدقة في الشرع أوسع منها في العرف.
ومن فوائده أيضًا: الترتيب بين المصالح، وأن الإنسان يبدأ بالأهم؛ لأن النبي ﷺ أمره أن يبدأ بنفسه ثم بولده أو بزوجه على اختلاف الروايتين، والمشهور تقديم الزوجة، وعلَّلوا ذلك بأن الزوجة إذا لم ينفق عليها قالت: طلقني، فإذا طلقها فقد فوت مصلحة تعود إلى نفسه بخلاف الولد.
ومن فوائده: جواز اتخاذ الخادم لقوله: "على خادمه"، وهذا إقرار من النبي ﷺ على اتخاذ الخدم، بل حتى في القرآن ما يدل عليه كما في قوله تعالى: ﴿أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال﴾ [النور: ٣١]. ولكن هل نقول: إنه يقتصر فيه على الحاجة، أو للإنسان أن يتخذ خدمًا ولو كثروا؟ الجواب: أنه ينبغي أن يقتصر في ذلك على الحاجة لأمور:
الأمر الأول: أن هؤلاء الخدم إذا كثروا لزمك من المؤنة والمراعاة والمسئولية ما لا يلزمك لو كانوا أقل، وهذا قد يتعبك في يوم من الأيام.
والثاني: أن كثرتهم قد تؤدي إلى النزاع فيما بينهم.
والثالث: أن كثرتهم قد تؤدي إلى الترف فينغمس الإنسان فيه وتغره الحياة الدنيا.
والرابع: أن هذا قد يتخذ مباهاة بين الناس أيهم أكثر خدمًا، وحينئذٍ نقول: فإذا جاز الخادم فينبغي أن يكون على قدر الحاجة فقط.
ومن فوائد الحديث: أن المفاضلات قد يكون لها غاية؛ بمعنى: أن الإنسان يبين له الأفضل حسب المراتب، ثم يقال له: الباقي أنت أبصر به، ولكنه يشكل على هذا أن الإنسان أحيانا قد يرى أن هذا المفضل دون المفضل عليه في الأولوية، وهذا ما يعبر عنه عند الفقهاء بقولهم: قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، فيقال في الجواب على هذا: إن
стр. 1318
الحديث الذي معنا وأمثاله إنما يعني به من حيث الإطلاق، أما إذا وجدت توجب أن تفضل المفضول على الفاضل فهذه الأمور لها حكمها الخاص.
ومن فوائد الحديث: جواز إخبار الإنسان عما عنده من المال، لكن بشرط ألا يقصد بذلك المباهاة والمفاخرة، والدليل على ذلك قول الرجل: "عندي دينار" "عتدي آخر"، "عندي آخر"، ولم يعنفه الرسول ﷺ بل أقره، لكن ينبغي أن يكون هذا إذا لم يقصده على سبيل المفاخرة والمباهاة وإلا فلا إثم، ينبغي أيضًا ألا يخشى بذلك ضررًا، فإن خشي بذلك ضررًا فإنه لا ينبغي أن يخبر بذلك، مثال ذلك: لو كان عندك مال كثير وأخبرت زوجتك بأن عندك ملًا كبيرًا هذا قد يكون فيه ضرر، ما هو الضرر؟ كلما شاهدت عند الناس شيئًا قالت: أعطا مثله، فتفتح عليك بابًا، وكذلك أيضًا ضررًا آخر: حكي لي أن بعض الناس في زمن سبق كان معه كيس فيه تين صرصار، وكان معه صاحب له في السفر، فصاحبه في السفر ظن أن الذي معه دراهم أو دنانير فطمع فيه- والعياذ بالله- فحدثته نفسه أن يقتله، ويأخذ هذا الكيس، يقول: فلما كان ذات يوم ذهب بعيدًا، ثم جاء يقول: أعطني البندق إني رأيت أرنبًا، فكان هذا الرجل ذكيًّا ثم إنه أحس منه برائحة نتنة؛ لأن الإنسان إذا كان عنده شيء من الفتنة ظهرت رائحته، وهذا قد جرب في الأسفار، يقول: فلما قال: هات البندق، يقول: شممت رائحة خيانة، يقول: أخذت الكيس، وقلت: هنا ليس بدراهم هذا تين صرصار، قال: لا، أبدًا ما قصدت هذا. القصد من هذا: أنك لو خشيت ضررًا على نفسك فلا ينبغي، أمَّا إذا كانت المسألة مأمونة فلا بأس بذلك.
حكم صدقة المرأة من مال زوجها:
٦٠٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال النَّبيُّ ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة؛ كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا". متَّفقٌ عليه.
الحمد لله هذه نعمة كبيرة، هذا شيء واحد صار الأجر فيه لثلاثة: أولًا: المرأة. والثاني: الزوج. والثالث: الخادم. فيقول الرسول ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها"، كلمة "المرأة" هنا هل المراد بها: الزوجة أو ما هو به أعم؟ الثاني، يعنى: المرأة القائمة على البيت، سواء كانت الزوجة أو الأم، قد يكون الرجل ليس له زوجة، ولكن له أم وهو الذي يأتي بالمال، أو له أخته المهم ممكن أن نقول: إن المرأة هنا: ربة البيت، سواء كانت الزوجة أو غيرها.
стр. 1319
وقوله: "من طعام بيتها" هذا الإمكان يمنعه ما في آخر الحديث، وهو قوله: "ولزوجها" وعلى هذا فيكون المراد بالمرأة بناء على القرينة في آخر الحديث: الزوج.
وقوله: "من طعام بيتها" الإضافة هنا إليها على سبيل التملك، أو الاختصاص؟ الثاني، وأن البيت ملك لزوجها، وليس لها.
وقوله ﷺ : "غير مفسدة" هذه حال من المرأة؛ يعني: أنفقت حال كونها غير مفسدة؛ يعني: لا تريد إلا الإصلاح، لا تريد إفساد المال وتبذيره على غير وجه مشروع، بل هي تنفق على فقير، على قريب وما أشبه ذلك. المهم: أنها غير مفسدة، وهذا شرط أساسي في كل ما يطلب به الأجر، فكل ما يطلب به الأجر إذا كان مقترن به الفساد فإن الله تعالى لا يرضاه لأن الله يقول: ﴿والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة: ٢٠٥]. ﴿والله لا يحب المفسدين﴾ [المائدة: ٦٤].
وقوله: "كان لها أجرها بما أنفقت"، الباء هنا للسببية، أي: أجر إنفاقها وإعطائها، والثاني قال: "ولزوجها أجره بما اكتسب" الباء أيضًا هنا للسببية؛ لأن الزوج هو الذي اكتسب المال وأحضره إلى البيت، وهى التي أنفقت وتبرعت فلها أجر الإنفاق ولزوجها أجر الاكتساب، وهنا الجهة واحدة أو مختلفة؟ الطعام واحد، لكن الجهة مختلفة؛ لأن هذا اكتساب وذالك إنفاق، قال: "وللخازن" وهو بمعني: الخادم؛ لأن الذي يخزن الطعام ويضعه في مكانه هو خادم.
يقول: "وللخازن مثل ذلك" أي: مثل أجورهم، لكن له أجر الخزانة، لأنه لا اكتسب المال ولا أنفقه، لكن قائم على حفظه فله أجر الحفظ، وهذه- كما ترون- الأجور مختلفة الأسباب.
يقول النبي ﷺ : "لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا"، وهذا من نعمة الله لا يقال للخادم: أجرك ينقص؛ لأن المال من غيرك، ولا يقال للمرأة: أيضًا أجرك ينقص؛ لأن المال من غيرك، فإذا كان الزوج قد أمر بذلك فله أجر، الأمر أيضًا مع أجر الاكتساب؛ لأن الأجور إنما تصدر من الله ، والله حكم عدل يعطي الإنسان أجره بقدر عمله مع الفضل في الحسنات لكن ما يعطي أحدًا حسنات غيره وإنما يعطي كل إنسان حسناته ويأجره بقدر أجره، هذا الحديث- كما ترون- فيه ثلاثة كلهم أجروا بقدر أعمالهم، وهذا هو حقيقة العمل.
فيستفاد منه عدة أمور أولًا جواز إنفاق المرأة من طعام البيت بشرط أن تكون غير مفسدة.
ثانيًا: أن لها أجرا في ذلك.
ثالثًا: ظاهر الحديث أن هذا ثابت وإن لم يأذن زوجها بذلك، ولكن يشترط أن يكون هذا داخلًا فيما يقتضيه العرّف أي: فيما جرت به العادة؛ لأن ما جرت به العادة مأذون فيه غرفًا، والقاعدة الشرعية أن ما أذن فيه عرفًا فهو كالذي أذن فيه نطقًا، فإن تصدَّقت بأكثر مما جرت به
стр. 1320
العادة مثلًا أخذت الدلال وأباريق الشاي وأشياء أخرى تصدَّقت بها، والسكر والشاي وجاء الزوج لم يجد في البيت شيئًا فهذا لا يصلح، أو نقول: داخل في قوله: "غير مفسدة"؛ لأن هذا في الحقيقة- وإن كان ليس إفسادًا- فهذه الأشياء وجهت توجيهًا سليمًا أعطيت للفقراء والأقارب وما أشبه ذلك، لكن في الواقع هي من حيث البيت مفسدة لا شك.
إذن نقول: لا بد أن يكون مما أذن فيه عرفًا وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الزوج بخيلًا لا يرضى بأن تبذل شيئا أو غير بخيل، ولكن هل هو مراد؟ الظاهر: أنه غير مراد، لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا برضاه كما قال تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكونوا تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]. فلابد من الرضا، فإذا علمت أن الزوج بخيل لا يرضى أن تتصدِّق ولو بتمرة فلا تتصدق.
وهنا مسالة تشكل على بعض الناس وهي: أن يأتي الزوج أحيانًا بحاجة للبيت كثيرة لكنها تفسد إذا تأخر أكلها فتقول: الآن أنا بين أمرين إما أن أتصدِّق بها- أي: بالزائدة-، وإما أن يبقى ويفسد، وزوجي يقول: لا تتصدقي بشيء، فما الجواب؟ لا يجوز أن تتصدق، ولكن ما تقولون: إنها إذا تصدقت بالذي سيفسد، ثم عوضته من مالها الخاص فيجوز ذلك، وهذا لا شك إصلاح ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]. أما عمل زوجها الأول فهذا ليس بصواب، وكان عليها أن تقنعه بقدر ما تستطيع أن ذلك لا يجوز، فيجوز من الحديث قاعدة "تصرف الفضولي"، وهو الذي يتصرف في مال موكله بغير إذنه، والعلماء اختلفوا في ذلك هل ينفذ التصرف أو لا ينفذ؟ والصحيح أنه ينفذ بالإجازة إلا ما يحتاج إلى نية مثل الزكاة، فهذا قد يقال: لا ينفذ، لاشتراط النية، وقد يقال أيضًا: إنه ينفذ؛ لأنه إذا أذن له فقد أقامه مقامه.
جواز تصدق المرأة على زوجها:
٦٠٧ - وعن أبي سعيد الخدريِّ ﵁ قال: "جاءت زينب امرأة ابن مسعودٍ، فقالت: يا رسول الله، إنَّك أمرت اليوم بالصَّدقة، وكان عندي حليٌّ لي، فأردت أن أتصدَّق بها، فزعم ابن مسعودٍ أنه وولده أحق من تصدَّقت به عليهم، فقال النَّبيُّ ﷺ : صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقُّ من تصدقت به عليهم. رواه البخاريُّ.
هذا الحديث فيه قصة وهي واضحة بينة، فقولها: "إنك أمرت اليوم بالصدقة"، تقدم لنا أن الأمر هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء.
وقولها: "بالصدقة" تحتمل أن تكون الصدقة الواجبة، وتحتمل أن تكون صدقة التطوع،
стр. 1321
والحديث مطلق، وإذا كان مطلقًا وليس هناك قرينة تدل على تعيين أحد الأمرين كان صالحًا لهما جميعًا.
وقولها: "وكان عندي حلي لي"، لا يدل على أنها أرادت أن تتصدق بجميع الحلي، لكن أرادت أن تتصدق بحلي عندها، إما عن زكاة، وإما عن تطوع.
وقولها: "فزعم ابن مسعود"، أصل الزعم: يقال للقول الكاذب، ولكن قد يراد به الصدق.
وقولها: "أحق" بمعنى: أولى وأجدر، "من أتصدَّق به عليهم" فقال النبي ﷺ "صدق ابن مسعود"، "صدق" بمعنى: أخبر بالصدق، ثم أكد هذا أيضًا لم يقتصر النبي ﷺ على ذلك، بل قال: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم" فأكد هذا الكلام بأمرين:
الأمر الأول: أنه قال: صدق. والثاني: أنه أعاد الكلام.
فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد، الأولى: أن صوت المرأة ليس بعورة، وجه ذلك: أنها تكلمت عند النبي ﷺ وعنده أحد، ولو كان صوت المرأة عورة وهذا الحديث فرد من أحاديث كثيرة لا تحصر في أن النساء كن يتكلمن بحضرة الرجال، ولا ينهاهن النبي ﷺ عن ذلك، وهذا يدل على أن صوت المرأة ليس بعورة لمجرد كونه صوت المرأة، لكن لو فرض أن الإنسان صار يسترسل معها في الكلام متلذذًا بذلك فهذا حرام لأن التمتع بصوت المرأة أو بالنظر إليها محرم.
كذلك أيضًا يستفاد منه: حرص نساء الصحابة على العلم، لأنها جاءت تستفتي، والاستفتاء طلب علم لأن طلب العلم لا يقتصر على أن يرتسم الإنسان على طلب العلم، وينذر نفسه لذلك ويتفرغ له فحسب، لا حتى الإنسان إذا جاء يسألك عن مسألة فإنه يعتبر طالب علم، قال النبي ﷺ "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة".
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أن الصدقة من العبادات، وجه ذلك: أن النبي ﷺ أمر بها، وكونها من العبادات أمر واضح، ولكن هذا نأخذه من هذا الحديث.
ومن فوائد الحديث: جواز بيان الإنسان أحقيته فيما يستحقه وأن هذا ليس من باب المسألة المذمومة، وجه ذلك: أن ابن مسعود قال: إنه أحق من تصدقت بحليها عليه هو والولد، فإذا قدِّر مثلًا أن إنسانًا كتب إلى جهة توزع الكتب بأنه مستحق وأهل لذلك؛ فإن هذا ليس من المسألة المذمومة؛ لأن الجهة لا تحيط بالناس ولا تعرفهم، فكتابتك إليها مثلًا ما هي إلا تعريف وإعلام وليست سؤالًا، فإذا بيَّن الإنسان أنه أحقَّ بهذا الشيء وإن كان ذلك البيان يستلزم السؤال لكنه ليس بسؤال مذموم؛ لأن ابن مسعود قال ذلك وعلم به النبي ﷺ وأقره.
стр. 1322
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يكون الزوج والولد مصرفًا للصدقة. وجهه: قول الرسول ﷺ : "زوجك وولدك أحق ما تصدقت عليه"، بل فيه زيادة على ذلك أنهم أحق من الناس الأباعد؛ لأن أحق اسم تفضيل تدل على مشاركة المفضل مع المفضل عليه وزيادة فهم أحق، فلو كان لها زوج فقير وفي البلد فقراء آخرون فزوجها أحق، ويتفرع على هذه القاعدة: أن الزوج محل للصدقة الواجبة على زوجته، يعني: أنه يجوز للمرأة أن تصرف زكاتها إلى زوجها، تؤخذ هذه الفائدة من عموم قوله: "أحق من تصدقت به عليهم" وهذا يشمل الصدقة الواجبة والمستحبة، فإن قلت: إنها إذا أعطت زوجها من زكاتها فإن زوجها سوف ينفق عليها من هذه الزكاة؟ الجواب: أن هذا لا يضر؛ لأن زكاتها عادت إليها بسبب آخر- وهو الإنفاق- فلا يضر، كما لو أن الإنسان تصدق على ابن عمه بشاة من زكاته، ثم مات أبن عمه وورث الشاة فتحل له؛ لأنه ملكها بسبب آخر، ومنها أيضًا: جواز دفع الصدقة إلى الولد الذكر والأنثى لقوله: "وولدك"، وظاهر الحديث العموم كما أثبتنا.
لكن هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، هل يجوز للزوجة أن تصرف زكاتها إلى زوجها؟
فالمشهور من المذهب أن ذلك لا يحل، وعللوه بأنه ربما ينفق عليها من زكاتها، ولكن هذا ليس بصحيح، كذلك الأولاد دفع الزكاة إليهم لا يحل على المذهب، والصحيح أن دفع الزكاة إليهم يحل لكن بشرط ألا تكون نفقتهم واجبة، أو بعبارة أصح ألا يكون ما دفعه وقاية لما يجب عليه، نقول: يجوز أن يدفع الزكاة إلى ولده بشرط ألا يكون ما دفعه وقاية لما يجب عليه، مثلًا الولد يجب عليك أن تنفق عليه إذا كان دفع الزكاة إليه يقي مالك بحيث يستغني بالزكاة عن النفقة لا يجوز؛ لأنك الآن أعطيته من أجل توفير المال أما إذا كان لا يقي ما يجب عليك فلا بأس به، كيف ذلك؟
له صور منها: إذا كان على ابنك دين ليس سببه النفقة فإنه لا يلزمك أن تقضي دينه، فإذا قضيت دينه من زكاتك فلا بأس؛ لأنك إذا أعطيته زكاتك لم تقِ مالك إذ إن دينه لا يجب عليك قضاؤه أو وفاؤه.
مثال آخر، أو صورة ثانية: مالي لا يتحمل الإنفاق على ولدي، عندي مال فيه الزكاة لكنه قليل لا يكفيني إلا أنا وزوجتي، ولا يكفيني أنا وأولادي، فدفعت زكاتي إليهم فيجوز، لماذا؟ لأن نفقتهم في هذه الحال غير واجبة عليَّ فأنا لا أسقط به واجبًا علي فيكون هذا جائزًا.
فإذا قلت: ما هو الدليل على الجواز وهم أبناؤه وبضعة منه؟ فالجواب على ذلك عموم
стр. 1323
قوله تعالى: ﴿* إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠]. فإننا نسأل هل الولد فقير أو لا؟ إذا قالوا: فقير. قلنا: ادفع الزكاة إليه؛ لأنه استحق، فالزكاة بالوصف الذي علق به الاستحقاق فهو فقير، وأنا الآن لا يجب عليَّ الإنفاق عليه إن كانت المسألة نفقة، ولا يجب عليَّ قضاء دينه إن كانت المسألة قضاء دينه، أيضًا الزوج؛ لأن الزوج أوضح من الأولاد؛ لأن الزوج لا يمكن أن تجب نفقته على الزوجة إلا على رأي الظاهرية. فابن حزم- وهو من الظاهرية- كان يقول: إذا كانت الزوجة غنية والزوج فقيرًا وجب على الزوجة أن تنفق على زوجها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال: هي ترثه فيجب عليها الإنفاق، وسيأتي لنا- في باب النفقات- أن هذا قول ضعيف، وأن الآية ليس فيها دلالة لما ذهب إليه.
إذن نقول: دفع زكاة المرأة إلى زوجها جائز بدليل هذا الحديث، دفع زكاة الإنسان إلى أولاده جائز بشرط ألا يقي بالدفع شيئًا واجبًا عليه، فإن وقى بها شيئًا واجبًا عليه لم يحل؛ لأن هذا حيلة.
ومن فوائد الحديث أيضًا: وجوب تصديق المفتي إذا كانت فتواه موافقة للحق، لقول الرسول ﷺ : "صدق ابن مسعود"، خلافًا لما يفعله بعض الناس ينقل إليه فتوى من شخص وهو يعرف أنها صحيحة لكن تجده أحيانًا يقول: هذا خلاف المذهب مع أنه يعتقد أن الفتوى صحيحة، فهذا حرام، بل الواجب عليك أن تصدق أيَّ إنسان يفتي بالحق وإن كان من غير أهل العلم، إذا كانت فتواه حقًّا فإنه يجب عليك أن تصدقه، وأن تقول: هذه صحيحة وليس فيها شيء.
ومن فوائد الحديث: بيان أن للناس مراتب في الاستحقاق، تؤخذ من اسم التفضيل؛ لأن "أحق" يدل على أن هناك شيئًا مفضَّلًا ومفضَّلًا عليه.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن عبد الله بن مسعود يعتبر من فقراء الصحابة، ومع ذلك فهو من أفضل الصحابة، ومن أصحاب الفتيا فعليه نقول إن الفقر ليس بعيب، بل قد يكون الفقر خيرًا للإنسان، كما يذكر في الحديث القدسي: "إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى". فالفقر قد يكون خيرًا للإنسان، وقد سبق ذكر خلاف العلماء في الفقير الصابر، والغني الشاكر، أيهما أفضل؟ على قولين لأهل العلم، والصحيح: أن كل واحد منهما أفضل من الآخر من وجه.
ساق المؤلف هذا الحديث في باب صدقة التطوع كأنه يميل إلى أن المراد به: صدقة التطوع، والصواب أنه عام، أستدل بهذا الحديث من لا يرى أن الزكاة واجبة في الحلي، واستدل به
стр. 1324
من يرى أن الزكاة واجبة في الحلي؟ فما وجه استدلال من قال: إنه يدل على عدم وجوب الزكاة في الحلي؟ من قولها: "وكان عندي حلي فأردت أن أتصدَّق به" يعني: صدقة التطوع، فهل في هذا دليل؟ أبدًا، ليس فيه دليل؛ لأنه لو كان عندك دراهم وأردت أن تتصدق بها هل يدل ذلك على عدم وجوب الزكاة في الدراهم؟ لا يدل على ذلك أبدًا، إذ ليس فيه دليل على أن الزكاة ليست واجبة؛ لأنها قد تتصدِّق تطوعًا بشيء تجب فيه الزكاة، والذين قالوا: إن فيه دليلًا على أن الزكاة واجبة في الحلي، قالوا: إن قولها: "إنك أمرت بالصدقة" أي: بإخراج الصدقة، وهي الزكاة، وأن قولها: "أردت أن أتصدَّق بها" هذا دليل على أن حليها تجب فيه الزكاة، ولكن مع ذلك ليس بصريح، فالذي يظهر لي أن هذا الحديث ليس فيه دليل لا لهؤلاء ولا لهؤلاء إنما فيه دليل على أن امرأة ابن مسعود أرادت أن تتصدَّق به.
ومن فوائد الحديث: خرص الصحابة على امتثال أمر النبي ﷺ حتى فيما تتعلق به حوائجهم، كيف ذلك؟ أرادت أن تتصدق بحليها مع أن الحلي عند النساء من أغلى ما يكون؛ لأنه مما يجلب ميل زوجها إليها وهي محتاجة إلى التجمل به أمام النساء، ومع ذلك- ﵂ أرادت أن تتصق به.
وهل يؤخذ منه جواز استعمال النساء للحلي؟ نعم؛ لأن قولها: "كان عندي حلي لي"، فهذا دليل على أنها تملك، ولكن هل هذا الحلي من ذهب أو من فضة؟ هذا الحديث لم يتبين فه شيء، ولكن المعروف أن الذهب حلال للنساء مطلقًا سواء كان مرصَّعًا أو محلَّقا من الأسورة والخواتم وغيرها، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذهب المحلق كالذهب والخواتم حرام النساء واستدلوا بأحاديث، من العلماء من قال: إنها منسوخة، ومنهم من قال: إنها مخصوصة بحالٍ دون حال، فإذا كان الناس في إعواز وفي حاجة فلا ينبغي للمرأة أن تهتم بالحلي، وإذا كان الناس في سعة فلا بأس، ومنهم من قال: إنها أحاديث ضعيفة لشذوذها وأنها شاذة؛ لأنها تخالف الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على جواز التَّختُّم بالذهب والأسورة من الذهب، وهذا القول هو أقربها عندي، وكنت أظن أن الشذوذ إنما يكون في الحديث الواحد يختلف فيه الرواة، ويكون بعضهم أرجح من بعض، فنقول: إن المرجوح شاذ، ولكن تبيَّن لي من صنيع أهل الحديث أن الشاذ ما خالف الأحاديث الصحيحة ولو كان غير وارد على ما ورد عليه المحفوظ يعني: لو كان هناك حديثان كل واحد منهما مستقل، ومن أمثلة ذلك أن الإمام أحمد رحمة الله قال في حديث أبي هريرة في النهي عن الصيام بعد نصف شعبان: إنه شاذ، ثم استدل لذلك بقول النبي ﷺ : "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين" فإن هذا الحديث الأخير متفق عليه، والأول رواه أهل السُّنن، فاستدلوا- رجمهم الله- على شذوذه بمخالفته
стр. 1325
لحديث الصحيحين مع أن الحديث ليس واحدًا، وكذلك أيضًا قال شيخنا عبد العزيز بن باز في أحاديث النهي عن التختم بالذهب المحلق: إنها شاذة؛ لمخالفتها للأحاديث الصحيحة، فتبيِّن لي بعد ذلك أن الشاذ ما خالف الأحاديث الصحيحة سواء كان المتن وأحدًا أم مختلفًا.
وهل في الحديث دليل على أن اليسار ليس شرطًا في الكفاءة؟ الجواب: لا، ليس فيه دليل.
أولًا: لأنه لا يمكن أن يقال: إن المرأة التي عندها حلي تعتبر من الأغنياء، كم من امرأة عندها حلي ولكنها في تعداد الفقراء!
ثانيًا: ربما هذا الإعسار حدث لابن مسعود فيما بعد.
ثالثًا: أننا إذا قلنا إنه شرط في الكفاءة فالصحيح أن الكفاءة ليست شرطًا للصحة إنما هي شرط للزوم على خلاف ذلك أيضًا.
ويؤخذ منه: أنه لا مانع أن تذكر المرأة زوجها باسمه.
ومن فوائده: جواز التثبت في فتوى العالم، يعني: معناه أنك إذا أفتيت وشككت في الفتوى فيجب عليك أن تتثبت ولا تأخذها على أنها مقولة حق بكل حال.
ويؤخذ منه: أنه لا حجر على المرأة في تصرفها في مالها ولو متزوجة، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إن المرأة إذا تزوجت لا تتصرف في مالها إلا بإذن زوجها، ففيه دليل على أن الزوجة حرَّة في مالها تتصرف بما شاءت.
ويتفرع على هذا فائدة: وهي أن بعض الأزواج الذين يأخذون الرواتب من زوجاتهم قهرًا عليهم يعتبرون ظلمة، وأن هذا لا يحل لهم، لكن لو اصطلحا على أن يمكنها من التدريس بنفس الراتب فهذا جائز ما لم يشترط عليه في العقد أنها تدرس، فإن اشترط عليه في العقد وجب تنفيذ هذا الشرط.
ومن فوائده أيضًا: أنه يجوز ذكر المفتي الأول عند المستفتي، ولا يعد ذلك غيبة وإن كان يحتمل أنه اخطأ؛ لأن المقصود الوصول إلى الحق، وممكن أن يكون هناك فوائد أخر تستخرج بالتأمل والاستنباط.
كراهية سؤال الناس لغير ضرورة:
٦٠٨ - وعن ابن عمر رضي اله عنه قال: قال النَّبيُّ ﷺ "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم". متفق عليه.
"لا يزال"، "يزال" مضارع زاًل، و"زال" لها مضارعات ثلاثة: يزول، يزال، يزيل، فهنا "يزال"، وليست "يزول"، وهي من أفعال الاستمرار إذا دخل عليه النفي، فمعنى "لا يزال يفعل كذا"، أي: أن
стр. 1326
فعله مستمر دائم، وهي من أخوات "كان" ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، فـ"الرجل" هنا اسمها، والخبر "يسأل".
وأما قوله: "حتى يأتي يوم القيامة"، فـ"يوم" هنا فيها إشكال فهي هنا منصوبة، وهل الفاعل يكون منصوبًا؟ لا يكون منصوبًا إذن كيف جاع منصوبًا هنا؟ الفاعل هنا مستتر تقديره هو، و"يوم" ظرف.
قوله: "مزعة" بمعنى: قطعة؛ لأن وجهه- والعياذ بالله- حيث أذله أمام الناس في سؤال الدنيا جاء يوم القيامة وقد أزيل لحمه حتى كان عظامًا- والعياذ بالله- عقوبة له على ما حصل منه في الدنيا من إذلال وجهه، هذا هو الصحيح في تفسير الحديث وهو ظاهره.
ففي هذا الحديث عدة فوائد؛ منها: أن سؤال الناس من كبائر الذنوب، وجهه: الوعيد عليه وأن الإنسان السئول الذي لا يزال يسأل الناس يعاقب بهذه العقوبة العظيمة.
ومنها: إثبات البعث لقوله: "حتى يأتي يوم القيامة".
ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هذا الرجل لمَّا أذل وجهه في الدنيا أمام عباد الله، أذله الله يوم القيامة أمام عباد الله، وذلك بنزع لحم وجهه.
ومنها: أنه يجب على الإنسان أنه إذا سأل أن يسأل الله؛ لأن الإنسان لا بد أن يكون في حاجة، فإذا كان ممنوعًا من سؤال الناس، فمن يسأل؟ يسأل الله، قال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". فأنت إذا ألجأتك الضرورة فلا تسأل إلا الله ﷺ فإنه هو الملاذ، وهو الذي يؤمل في كشف الضر وجلب الخير.
أورد المؤلف هذا الحديث والمناسبة فيه ظاهرة؛ لأن الباب صدقة التطوع، والناس يعطون السائلين، ففي هذا تحذير للسائلين من أن يسألوا ما لا يستحقون، ولكن بالنسبة للمسئول فإنه يعطي ما دام يغلب على ظنه أن هذا الرجل فقير في هيئته ولباسه، فإن غلب على ظنه أنه غني فهل يعطه أو لا؟ ينظر في ذلك للمصلحة إن كان في إعطائه مصلحة أعطاه، وإلا منعه ونصحه، بل حتى وإن أعطاه فلينصحه، وكان النبي ﷺ لا يسأل شيئًا عن الإسلام إلا أعطاه حتى كان يعطي المؤلفة قلوبهم يعطيهم الشيء الكثير من الإبل والغنم والمتاع والدراهم تأليفًا لقلوبهم، فإذا جاء هذا السائل ورأيت من المصلحة أن تؤلف قلبه بإعطائه، وإن كنت يغلب على ظنك أنه ليس أهلًا فإن إعطاءه لا بأس به؛ لأن بعض الناس قد يسأل وهو غني، فإذا لم تعطه ذهب يٌسيء إليك ينشر اسمك بالسوء بين الناس؛ فإذا أعطيه اتقاء شره وتأليفًا لقلبه فهذا لا بأس به.
стр. 1327
٦٠٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من يسأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا فليستقَّل أو ليستكثر". رواه مسلمٌ.
"من" شرطية بدليل جزم الفعل؛ لأن اقتران الفاء بالجواب قد يكون هذا واقعًا فيما إذا كانت "من" اسمًا موصولًا، إذن هي شرطية.
وقوله: "تكثرًا" هذا مفعول لأجله؛ يعني: لأجل التكثر بجمع المال.
وقوله: "فإنما يسأل" هذا هو جواب الشرط، وقوله: "جمرًا" الجمر معروف وهي القطعة من النار، وهي حامية كما هو ظاهر، ولكن ما معنى قوله: "فإنما يسأل جمرًا" هل معناه أنه كسائل الجمر، أو المعنى أن هذا الذي يعطاه يكون يوم القيامة جمرًا يعذَّب به؟ الثاني هو الأقرب، وهذا كقول النبي ﷺ : "إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن اقتطعت له شيئًا من مال أخيه فإنما اقتطع له جمرًا فليستقل أو ليستكثر". وفي رواية: "فليأخذ أو ليذر".
وقوله: "فليستقل أو ليستكثر" اللام هنا لام الأمر، لكن ما المراد بالأمر؟ المراد به: التهديد، فهو كقوله: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]. وليست اللام هنا للتخيير إن شاء أقل، وإن شاء أكثر، بل إنها للتهديد.
هذا الحديث كالحديث الذي قبله، إلا أنه يزيد على ما قبله أنه مقيد بما إذا كان يسأل تكثر فهل يحمل الأول على الثاني، أو يقال: إن العقوبة مختلفة، وإذا اختلفت العقوبة لا يحمل المطلق على المقيد، ويكون هذا الحديث إذا سألهم تكثرًا وإن لم يكن مستمرًّا في السؤال حتى ولو لم يسأل إلا مرة واحدة، وهذا هو الأقرب الاَّ يقيد الأول بالثاني نظرًا لاختلاف العقوبة.
والعلماء يقولون: إن من شرط حمل المطلق على المقيد: أن يتفقا في الحكم، لا في السبب؛ يعني: لو اختلف السبب فيحمل المطلق على المقيد، فإن اختلفا في الحكم لم يحمل المطلق على المقيد. مثال ما اختلف في الحكم: طهارة التيمم والوضوء، ففي الوضوء قال الله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾. وفى التيمم قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. السبب واحد وهو الحدث هو سبب الطهارة، والحكم مختلف؛ لأن طهارة الماء تتعلق بأعضاء أربعة وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان.
وطهارة التيمم تتعلق بعضوين وهما: الوجه، واليدان، فالحكم مختلف، ولما اختلف الحكم فإنه لا يحمل المطلق على المقيد؛ ولهذا نقول: إن المطلق في قوله في التيمم: ﴿فامسحوا
стр. 1328
بوجوهكم وأيديكم منه﴾ لا يحمل على المقيد في الوضوء في قوله: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. ويختصُّ التيمم بالكفين فقط.
هنا نقول: الحكم مختلف؛ لأن عقوبة الأول أنه ينزع لحم وجهه، والثاني أنه يعذب بجمر يلقى في يده نظير ما أخذه، فلا يقيد الثاني بالأول، لكن فيه زيادة على الثاني، وهو أن يكون دائمًا يسأل الناس.
من فوائد هذا الحديث: الأولى أن سؤال الناس للتكثر وجمع المال محرم، بل هو من كبائر الذنوب للوعيد عليه.
ثانيًا: أن من سأل الناس للحاجةّ فلا إثم عليه؛ لأن الحديث قيد بقوله: "تكثرًا"، فدل ذلك على أنه إذا سألهم لدفع الحاجة والضرورة فلا إثم عليه.
ثالثًا: أن الجزاء من جنس العمل.
رابعًا: أن سياق الكلام يعيِّن المراد به، فإن اللام للأمر والأصل في الأمر أن معناه: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، لكن هنا لا يراد به الأمر الحقيقي لقرينة السياق، فالسياق يعيُّن المراد سواء كان في كلام الله، أو في كلام رسوله، أو في كلام الآدميين. السياق يعيُّن المراد والنية أيضًا تعيِّن المراد.
ومن فوائد الحديث أيضًا: استعمال التهديد في المخاطبة لقوله: "فليستقل أو ليستكثر".
ومن فوائده: الإشارة إلى القناعة، وأن الإنسان ينبغي أن يكون قانعًا بما أعطاه الله ومن أعطي القناعة بقي غنيًّا كما قال النبي ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى القلب". فإذا كان الإنسان غني القلب فهو في الحقيقة هو الغني، وكثير من الناس عنده من الأموال ما عنده ولكن قلبه فقير- والعياذ بالله- دائمًا يطلب المال ويلهث وراءه، وكم من إنسان ماله قليل وهو يرى أنه من أغنى الناس، وقد استغنى عن الناس، وهذا من نعمة الله على الإنسان؛ لأن الإنسان إذا أعطي القناعة بقي غنيًا منشرح الصدر لا ينظر إلى غيره، ويدل لذلك أن من كمال نعيم أهل الجنة أنهم ﴿لا يبغون عنها حولا﴾ [الكهف: ١٠٨]. حتى أدناهم لا يريد تحولًا عما هو عليه، ويرى أنه ليس في الجنة أحد أنعم منه، وهذا من نعمة الله على العباد أن يوفق للقناعة سواء كان ذلك في ماله، أو في مسكنه، أو في ملبسه، أو في مركوبه، أو في أولاده، أو في زوجته، أو غير ذلك، إذا أعطى الإنسان القناعة فيما أعطاه الله بقي غنيًّا، أما إذا نزعت القناعة من قلبه فإنه فقير مهما كان عنده من الأموال وغيرها.
стр. 1329
٦١٠ - وعن الزُّبير بن العوَّام ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها، فيكفَّ بها وجهه؛ خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". رواه البخاريُّ.
هذا حديث عظيم ولننظر في إعرابه، قوله: "لأن يأخذ" اللام لام الابتداء، لأنها دخلت على المبتدأ، وقد تدخل على الخبر بالتزحلق ومنه قول الشاعر: [الرجز]
أمُّ الحليس لعجوزٌ شهربه ... ترضى من اللَّحم بعظم الرَّقبة
أصل هذا البيت لو مشى على الترتيب أن يقول: لأم الحليس .... الخ، لكن قال: أم الحليس فاللام في قوله: "لأن يأخذ" لام الابتداء؛ لأنها دخلت على المبتدأ، ولكن كأني بكم تقولون: أين المبتدأ؟ فنقول: المبتدأ المصدر المؤول من أن والفعل، وهذا موجود في القرآن: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]. أي: صومكم خير لكم. إذن "لأن يأخذ" تقديره: لأخذ أحدكم، "فيأتي" معطوفة على "يأخذ"، وقوله: "خير له" هذه خبر المبتدأ.
في هذا الحديث أخبر النبي ﷺ خبرًا مؤكدًا باللام، لو أن الإنسان لم يكن عنده مال فإنه لا يسأل الناس، بل يسعى أولًا بنفسه لطلب الرزق فإذا تعذر فليسأل، لكن طلب الرزق كيف؟ يقول: لو وصل به طلب الرزق إلى هذه الحال التي تعتبر في نظر الناس دنيئة يأخذ الحبل ويخرج إلى البر يحتطب، ويأتي بحزمة الحطب على ظهره ليس عنده سيارة، ولا حمار، ولا بغل هو بنفسه يحملها على ظهره.
يقول: "فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس"؛ لأن هذا الرجل اعتمد على ما منحه الله تعالى من القوة والكف فاكتسب بفضل الله ، ولم يلتفت إلى أحد من الناس فكان ذلك خيرًا له.
سواء "أعطاه الناس أو منعوه" أيهم أشد عليه أن يعطى أو يردُّ؟ أن برد أشد؛ لأن الذي يردك كأنه صفعك على وجهك وردَّك، لكن الذي يعطيك كأنه جبر خاطرك أهون، ولكن لننظر إذا قال الرجل: أنا رجل شريف ومن قبيلة شريفة ذات شرف وجاه كيف أذهب احتطب، لو احتطبت لكان الصبيان يدجلون ورائي، يقولون: خبل فلان، فماذا أصنع؟ هل نقول: لكل مقام مقال، وأن مثل هذا الرجل الذي لا يليق به أن يحتطب، نقول له: اسأل الناس؟ لا، نقول: إن الرسول ﷺ أطلق الكلام، فأنت وإن خرجت إلى البر واحتطبت وجئت بهذا لو لم تجد مهنة إلا هذا لكان ذلك خيرًا لك من سؤال الناس، إن وجد عمل غيره أشرف من هذا، ولكن
стр. 1330
عمل يده فليفعل، ولا ينبغي إذا وجد عملًا أشرف من هذا أن يتنزل إلى هذا العمل، يعني مثلًا إن وجد أنه يخرج إلى السوق ويكون دلالًا- الذي يحمل أمتعة الناس- هذا لا شك أنه أشرف من الاحتطاب، نقول: ما دمت تعد نفسك أعلى من الاحتطاب فافعل، لكن إذا لم تجد إلا الاحتطاب فهو خير لك من سؤال الناس سواء أعطوك أو منعوك، لو وجد مهنة أنه يجلد الكتب فهلا طيب، وجد مهنة أنه يكتب الكتب هذا أفضل، لأنه يحصل العلم، يكتب الكتب فيحصل العلم من كتابته إياها.
المهم: لو قال قائل: كيف يجوز أن يأخذ أجرًا على كتابة الكتب الشرعية؟
نقول: نعم هو أخذ على عمله حتى لو أنه جلس مدرسًا يدرس القرآن بأجرة فلا بأس له أن يفعل؛ لأن تعليم القرآن بالأجرة جائز، لو جلس يقرأ للموتى، إذا مات الميت جاءوا به ليقرأ للميت ويأخذ أجرة؟ فهذا لا يفعل الاحتطاب أحسن؛ لأن هذه المهنة حرام، حرام أن يأخذ الإنسان أجرًا لمجرد القراءة، أما على تعليم القرآن فلا بأس به؛ لأن النبي ﷺ جعل تعليم القرآن مهرًا في النكاح، وما صح أن يكون عوضًا في النكاح فيصحُّ أن يؤخذ عليه المال؛ لأن الله قال: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]. فجعل الله المهر مالًا.
يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد أولًا: التفاضل بين الأعمال والمهن لقوله: "لأن يأخذ أحدكم حبله ... الخ".
ثانيًا: أن العمل الذي يكف وجهك عن سؤال الناس مهما كان دنيئًا فهو خير، ولا تقل: هذا لا يصح لمثلي؛ لأن الرسول ﷺ أطلق.
الفائدة الثالثة: ضرب المثل بالأدنى ليكون تنبيهًا على ما فوقه، يؤخذ من ضرب الرسول ﷺ أدنى مثل لاكتساب المال ليكون في ذلك إشارة إلى ما فوقه.
ومن فوائد الحديث أيضًا: الإشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يهين وجهه بسؤال الناس لقوله: "ليكف بها وجهه".
ومن فوائده أيضًا: مباشرة العامل لبيع صنعته، ولا يقال: إن بيعه إيَّاها لنفسه قد يكون فيه غش؛ لأن من أراد الغش سواء باعه هو أو باعه وكيله؛ لأن الغالب أن الغاش يكتم العيب ولا يبينه وهذا يحصل في بيع الوكيل كما يحصل في بيع الإنسان لنفسه.
ومن فوائد الحديث: أن اكتفاء الإنسان بنفسه خير من سؤال الناس وإن أعطي لقوله: "أعطوه أو منعوه"، هل يؤخذ من الحديث أنه ينبغي للإنسان اقتناء آلة الكسب؟ نعم يؤخذ من قوله: "حبله".
стр. 1331
ومن فوائد الحديث: إضافة الأفعال إلى الفاعل، وهو رد على الجبرية.
وفيه أيضًا: حث النبي ﷺ على الاكتساب للضرورة، وهل يؤخذ منه أن الإنسان إذا كان غنيًا يكسبه لا يجب الإنفاق عليه؟ نعم، يؤخذ منه لقوله: "فيبيعه فيكفَّ بها وجهه"؛ ولهذا اشترط العلماء في باب النفقات أن يكون هذا الذي تجب له النفقة عاجزًا عن التكسب مع الفقر. ولهذا أيضًا قال النبي ﷺ : "إن الصدقة لا تحل لغني، ولا لقوي مكتسب".
٦١١ - وعن سمرةً بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانًا أو في أمر لا بد منه". رواه الترمذي وصححه.
هذا الحديث يشبه حديث ابن عمر أن الإنسان لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم، فالمسألة كدُّ يكدُّ الإنسان بها وجهه- والعياذ بالله-.
وقوله: "الرجل" هذا لا يعني تخصيص الحكم بالرجال؛ لأن كثيرًا من الأحكام علِّقت بالرجال؛ لأن جنس الرجال أشرف من جنس النساء، ولكن القاعدة العامة أن ما ثبت في حق النساء يثبت في حق الرجال، وما يثبت في حق الرجال يثبت في حق النساء إلا بدليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى﴾ [النحل: ٩٧]. وهذا يشمل جميع الأعمال، وأن النساء والرجال مشتركون فيها.
وقوله: "يكدُّ الرجل مها وجهه" يعني: لو أن الإنسان كدَّ وجهه بمشاقص حديد ما يبقى اللحم، فهكذا المسألة كدُّ يكدُّ الإنسان بها وجهه، فهل أحد يرضى أن يكدَّ وجهه بيده حتى تتمزق لحومه؟ الجواب: لا؛ إذن كيف ترضى أن تسأل الناس، وهذا ما يحصل، ويظهر أثر ذلك ليس في الدنيا، في الدنيا- نسأل الله العافية- الذي يعتاد على سؤال الناس لا يهتم، الإنسان الشريف إذا سال تجده إذا أضطر وأراد أن يسأل تجده يتعب ويتردد يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، لكن الإنسان الذي عوَّد نفسه ذلك لا يهمه أن يسأل، إنما هو في الواقع وإن كان لا يهتم ولا يتألم ولا يحمرَّ وجهه، ولا يغار دمه فإن الواقع أنه في كل مسألة يكدُّ وجهه بهذه المسألة.
استثنى النبي ﷺ : "إلا أن يسأل الرجل سلطانًا"، "السلطان" هو ولي الأمر، أكبر ولاة الأمور في البلد، ويحتمل أن يراد به كل ذي سلطة في مكان كالأمير مثلًا في بلد فيسأل، ومع ذلك فإن بعض أهل العلم قيَّد ذلك بما إذا سأل سلطانًا ما يستحقه من بيت المال، فإّن هذا لا بأس به، وعليه فيكون الحديث استثنى مسألتين:
стр. 1332
الأولى: ما يستحق من بيت المال، وإن لم يحتج إليه.
والثانية: قوله: "أو في أمر لا بد منه". مثل أن يضطر إلى ماء، أو إلى خبز، يضطر إلى ثياب يدفع بها البرد، يضطر إلى رداء يتغطى به عن البرد وما أشبه ذلك، فإن هذا لا بأس به ولا يعد كدًّ يكدُّ الإنسان به وجهه؛ لماذا؟ لأجل دفع الضرورة، ويكون الرسول ﷺ استثنى مسألتين:
المسألة الأولى: أن يسال الإنسان شيئًا مستحقًّا له ممن له السلطة فيه ويشمل السلطان الكبير والسلطان الصغير.
والثانية: أن يسأل الإنسان شيئًا اضطر إليه من أيِّ إنسان فإن ذلك لا بأس به ولا حرج، وأخذ الفقهاء من ذلك ضابطًا فقهيًّا فقالوا: من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله، وهذا داخل تحت عموم قوله: "إلا أن يسأل الرجل سلطانَا" يعني: فيما له أخذه فإنه لا حرج عليه في ذلك، وعلى هذا فطالب العلم إذا كان محتاجًا إلى كتب ووجه الطلب إلى المسئول عن صرف الكتب هل يعد هذا من المسألة المذمومة؟ الجواب: لا يعد؛ لأنه مستحق لها، كثير من الناس قد لا يعرف، ويكون الموزع للكتب لا يعرفه فلا يمكن أن تصل إليه الكتب إلا بالكتابة من فلان إلى فلان، وبعد فإني من طلبة العلم أستحق الكتب الفلانية مثلًا، هذا لا بأس به، وكذلك لو كان من أهل الزكاة فلا حرج عليه أن يبين للعامل أنه من أهل الزكاة؛ لأنه ممن يستحق ذلك، ومع هذا فالتنزه عن ذلك أولى إلا في مسألة الضرورة ما لم تصل الحال إلى حد الضرورة، وقد مّر علينا: "من يستغن بغنة الله" هذا في عظم المسألة فما بالكم بمن يسرق بدون سؤال فهو أشد كما يوجد من بعض الناس- والعياذ بالله- يسرقون الأموال التي يولون عليها حتى إن بعضهم يأتي إلى الدكان يشتري أغراضًا، ويقول: اكتب في الفاتورة أن هذا الغرض بعشرة وهو بخمسة، هذا لا شك إنه إثم عظيم، وأكل للمال بالباطل، وخيانة لمن ائتمنه، وهذا الذي كتب له الفاتورة يعتبر كاذبًا مشاركًا له في الإثم- والعياذ بالله-.
من فوائد الحديث، أولًا: التحذير من المسالة لقوله: "المسألة كدُّ يكدُّ بها الرجل وجهه.
ثانيًا: جواز السؤال إذا كان بحق كالسؤال مما ذوي السلطان.
ثالثًا: جواز السؤال للضرورة لقوله: "أو في أمر لا بد منعه".
لو قال قائل: كلمة "لا بد منه" ما معنى "لا بد"؟ أي: أنه مضطر له، يعني: لا مفر.
مسائل مهمة:
إذا قال قائل: هل يجوز السؤال لأداء فريضة الحج؛ لأن الفرض لا بد منه فهل يجوز أن يسأل لأداء الفريضة؟
تقول: أما الآن فليست بفرض.
стр. 1333
- هل يجوز سؤال الإنسان ماءً يغسل به ثوبه من النجاسة؟
نقول: أما ما جرت العادة بالتسامح فيه وسؤاله فيلزمه، وأما ما فيه منة ولم تجٍر العادة بسؤاله فإنه لا يلزمه؛ ولهذا قال العلماء في باب التيمم: لا يلزمه أن يطلب الماء هبة لما فيه من المنّة، وكذلك لا يلزمه أن يطلب ليزيل به النجاسة؛ لأن في ذلك منّة عليه إلا إذا كان ممَّا جرت العادة فهذا قد يقال باللزوم، وفيه أيضًا تردد؛ لأن حق الله أيسر من حق العباد، فالله تعالى يتسامح، لكن المنة قد تبقى عندك مكتوبة في جبينك لهذا الرجل صعبة.
ألا يستثنى شيئًا ثالثًا: شيء آخر أن يسأل الإنسان لغيره؟
نقول: نعم السؤال للغير جائز إذا كان ذلك الغير مستحقًّا للسؤال، وأما إذا لم يكن مستحقًّا فلا تعنه على ظلمه، لكن إذا كان مستحقًّا فلا بأس.
وهل الأولى أن يسأل للغير، أم الأولى الاَّ يسأل؟ بعض العلماء يقولون: أنا لا أسأل لغيري، وكرهوا أن يسأل الإنسان لغيره، لكنهم لم يكرهوا أن يسأل الإنسان سؤالًا عامًّا، فيقول: هؤلاء الفقراء تصدَّقوا عليهم، وجه الكراهة عند هؤلاء القوم يقول: لأنه قد يعطى خجلًا منك وحياء، فيكون سؤالك للغير كأنه إلزام للمسئول، فأنت لا تسأل لغيرك، والظاهر لي: أن في هذا تفصيلًا إذا كان الغير لا يمكن الوصول إلى المسئول فهنا يشرع أن تسال له مثل توجيه السؤال إلى وزير لا يقدر هذا الفقير أن يصل إليه فهنا يترجح الجواز أن تسأل له؛ لأن فيه معونة على البر والتقوى في أمر لا يستطيع المعان أن يصل إليه، أما إذا كان المسئول له يمكنه أن يصل فأنت تقول: اذهب أنت واسأل، لكن إن طلب منك تعريفًا بحاله بأنه رجل مستحق فما الجواب؟ يجوز أن يعطيه تعريفًا؛ لأن هذا ليس فيه مضرة بل معونة على البر.
٣ - باب قسم الصدقات
"القسم" بمعني: التوزيع وجعل الشيء أقسامًا قسَّمت الشيء أقسمه قسمًا، وقسمته تقسيمًا أي: جعلته أقسامًا، والمراد بهذا الباب: أين نقسم الصدقات؟ وكيف نقسمها؟
واعلم أن الله تولى قسم الصدقات بنفسه فقال: ﴿* إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغامرين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. فنتكلم على الآية؛ لأنها هي الأصل في هذا الباب، والأحاديث تفسير لها وبيان، ومعلوم أن الإنسان إذا أراد أن يستدلَّ يبدأ أولًا بكتاب الله؛ لأنه الأصل، ولأنه لا يحتاج إلى النظير في سنده لأنه متواتر مقطوع به، وإنما يحتاج إلى النظر في دلالته بخلاف السُّنة فتحتاج أولًا إلى النظر في ثبوتها عن النبي ﷺ ثم إلى النظر في دلالتها على الحكم.
стр. 1334
أقسام أهل الزكاة:
فالله يقول: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾. و"إنما" تفيد الحصر؛ يعني: الصدقات لا تكون إلا في هؤلاء الأصناف: ﴿للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغامرين وفى سبيل الله وابن السبيل﴾.
قال العلماء: والفقراء أحوج من المساكين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم.
ثم قالوا: إن الفقير هو الذي يجد دون نصف الكفاية، أو لا يجد شيئًا أبدًا، وأصله موافقة القفر وهي الأرض الخالية، فالقفر والفقر يتفقان في الاشتقاق الأكبر وهو الاتفاق في الحروف دون الترتيب، فالأرض القفر معناها: الأرض الخالية، والفقر هو: الخلو، فالفقير إذن من يجد دون نصف الكفاية، أو لا يجد شيئًا. والكفاية إلى متى؟ قال العلماء تحدد الكفاية بسنة لأن السِّنة هي الزمن الذي تجب فيه زكوات الأموال فتعطي هذا الرجل ما يكفيه سنة؛ لأنه بعد السنة تأتى زكاة جديدة فيعطى إلى سنة، ثم تأتي سنة جديدة فيعطى إلى سنة وهلمَّ جرًّا. إذن قدرنا الكفاية بالسنة ووجه ما ذكرنا.
الثاني: "المسكين" هو المحتاج، وسمي المحتاج مسكينًا؛ لأن الحاجة أسكنته؛ لأن العادة أن الإنسان الغني يكون عنده رفعة رأي وسلطة في القول والفعل، ويتصدر المجالس بخلاف الفقير المحتاج فإنه قد أسكنته الحاجة، لكنه أحسن حالًا من الفقير؛ لأنه يجد نصف الكفاية ودون الكفاية هذان يأخذان لحاجتهما.
الثالث: وقوله: ﴿والعاملين عليها﴾ هم الذين ينصبهم السلطان لقبض الزكاة وقسمها وتفريقها فهم جهة ولاية وليس جهة وكالة ولهذا قال: ﴿والعاملين عليها﴾، وأتى بـ"على" الدالة على أن لهم سلطة في الولاية؛ لأن "على" تفيد العلو، بخلاف الوكيل وكيل شخصي يؤدي زكاته ليس من العاملين عليها، فأنا إذا وكلتك تحصي زكاة مالي وتخرجها فلست من العاملين عليها بخلاف الذين ينصبهم السلطان الإمام فإنهم عاملين عليها؛ لأن لهم نوع ولاية وهؤلاء يعطون بقدر أجرتهم، أي: بقدر العمل الذي قاموا به؛ لأنهم استحقوها بوصف، ومن استحق بوصف كان له من الحق بمقدار ماله من ذلك الوصف فيعطون قدر أجورهم، وهؤلاء يعطون للحاجة إليهم لا لحاجتهم ولهذا يعطون ولو كانوا أغنياء، لأنهم يعطون على عمل للحاجة إليهم فنعطيهم بقدر عملهم.
أما الرابع: فـ"المؤلفة قلوبهم"، "المؤلفة" هذه اسم مفعول، و"قلوب" نائب فاعل، ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾: هم الذين نفرت قلوبهم واشمأزت من الإسلام وكرهت الإسلام وكرهت المسلمين، فهم يودون العدوان على المسلمين وعلى الإسلام، فيعطون ما يحصل به التأليف؛ لأنهم استحقوا
стр. 1335
بوصف، فاستحقوا بمقدار ما يحصل به ذلك الوصف؛ يعني: لهم شيء معين أم لا؟ لا ما يحصل به التأليف، والناس يختلفون فيما يحصل به التأليف منهم من نفسه كبيرة لا يؤلفها إلا مال كثير، ومنهم من دون ذلك يؤلفه المال القليل المهم أن تعطي من الزكاة ما يحصل به التأليف.
ذكرت أن التأليف إنما يكون لمن كان في نفرة عن الإسلام أو عن المسلمين، وعلى هذا فيعطى المؤلف ما يقوى به إيمانه ويحبب الإسلام إليه، ويعطى من ليس في قلبه إيمان، ولكن يخشى من شره، يعطى ما يدفع به شره حتى لو كان كافرًا يخشى من شره على المسلمين، فإننا نعطيه من الزكاة ليس من بيت المال فقط من الزكاة ما تدفع به شره. انتبهوا لأن بعض الناس يعترض يقول: لماذا نعطي الكفار من أموال المسلمين؟ نقول: نعم، إذا كان هؤلاء الكفار يخشى من شرهم، وهم فعلًا لهم شر، وإذا أعطيناهم ألفناهم ودفعنا شرهم، فإننا نعطيهم تأليفًا لقلوبهم لا على الإسلام، لأنهم مستكبرون، ولكن لدفع شرهم عن المسلمين.
ثم قال سبحانه: ﴿وفي الرقاب﴾، وأنت ترى الآن أن حرف الجر اختلف، وتبيين ذلك "الرقاب" جمع رقبة. وذكر العلماء أنها ثلاثة أنواع:
مسلم أسير عند الكفار يعطى الكفار من الزكاة لفك رقبته، هذا من الرقاب.
الثاني: عبد عند سيده اشتريناه منه لنعتقه هذا أيضًا في الرقاب.
الثالث: مكاتب اشترى نفسه من سيدة فنعطيه ما يسدد به كتابته هذا أيضًا في الرقاب.
وهؤلاء يعطون لحاجتهم، لكن لا يعطون هم؛ ولهذا قال: "في" الدالة على الظرفية؛ لأن هذه جهة وليست تمليك. العبد لا نعطيه هو نعطي سيده الأسير عند الكفار لا نعطيه هو نعطي الكفار الذين أسروه، المكاتب نعطي سيده، وهذه هي النكتة في قوله: ﴿وفي الرقاب والغارمين﴾ ﴿والغارمين﴾ أيضًا تجدونها معطوفة على قوله: ﴿وفي الرقاب﴾، ولم يقل: للغارمين.
السادس: قال: ﴿وفي الرقاب والغارمين﴾ أي: في الغارمين، فالصرف إليهم صرف إلى جهة، والغارم: هو الذي لحقه الغرم وهو الضمان، وقسمهم أهل العلم إلى قسمين: غارم لنفسه، وغارم لإصلاح ذات البين، فالغارم لنفسه هو الذي لزمه الغرام لمصلحته الخاصمة، مثل رجال تداين ليشتري بيتًا، هذا غارم لكن لنفسه هذا غارم يستحق من الزكاة ما يوفى دينه ولو كثر، هل يلزم أن تعطيه المال ليوفي أو أن توفي نحن عنه؟ الثاني، لأنه قال: "في" جعله معطوفًا على المجرور بـ"في" فهي جهة ولا نحتاج إلى أن نملكه، ولكن إذا كان هذا الرجل إذا ذهبنا نحن نسدد دينه خجل وانكسر قلبه؛ لأنه رجل من قبيلة شريفة، ولا يحب أن يتبين للناس أنه مدين. في هذه الحال هل الأولى أن نذهب نحن لنسدد عنه، أو أن نعطيه ويسدد هو؟ الأفضل: الثاني، ويسدد لئلا يلاحقه الخجل والحياء، كما أنه يتأكد أن نسدد عن المدين إذا كنا نخشى إذا
следующие страницы →