Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
ومن فوائد الحديث: إضافة الأفعال إلى الفاعل، وهو رد على الجبرية.
وفيه أيضًا: حث النبي ﷺ على الاكتساب للضرورة، وهل يؤخذ منه أن الإنسان إذا كان غنيًا يكسبه لا يجب الإنفاق عليه؟ نعم، يؤخذ منه لقوله: "فيبيعه فيكفَّ بها وجهه"؛ ولهذا اشترط العلماء في باب النفقات أن يكون هذا الذي تجب له النفقة عاجزًا عن التكسب مع الفقر. ولهذا أيضًا قال النبي ﷺ : "إن الصدقة لا تحل لغني، ولا لقوي مكتسب".
٦١١ - وعن سمرةً بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانًا أو في أمر لا بد منه". رواه الترمذي وصححه.
هذا الحديث يشبه حديث ابن عمر أن الإنسان لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم، فالمسألة كدُّ يكدُّ الإنسان بها وجهه- والعياذ بالله-.
وقوله: "الرجل" هذا لا يعني تخصيص الحكم بالرجال؛ لأن كثيرًا من الأحكام علِّقت بالرجال؛ لأن جنس الرجال أشرف من جنس النساء، ولكن القاعدة العامة أن ما ثبت في حق النساء يثبت في حق الرجال، وما يثبت في حق الرجال يثبت في حق النساء إلا بدليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى﴾ [النحل: ٩٧]. وهذا يشمل جميع الأعمال، وأن النساء والرجال مشتركون فيها.
وقوله: "يكدُّ الرجل مها وجهه" يعني: لو أن الإنسان كدَّ وجهه بمشاقص حديد ما يبقى اللحم، فهكذا المسألة كدُّ يكدُّ الإنسان بها وجهه، فهل أحد يرضى أن يكدَّ وجهه بيده حتى تتمزق لحومه؟ الجواب: لا؛ إذن كيف ترضى أن تسأل الناس، وهذا ما يحصل، ويظهر أثر ذلك ليس في الدنيا، في الدنيا- نسأل الله العافية- الذي يعتاد على سؤال الناس لا يهتم، الإنسان الشريف إذا سال تجده إذا أضطر وأراد أن يسأل تجده يتعب ويتردد يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، لكن الإنسان الذي عوَّد نفسه ذلك لا يهمه أن يسأل، إنما هو في الواقع وإن كان لا يهتم ولا يتألم ولا يحمرَّ وجهه، ولا يغار دمه فإن الواقع أنه في كل مسألة يكدُّ وجهه بهذه المسألة.
استثنى النبي ﷺ : "إلا أن يسأل الرجل سلطانًا"، "السلطان" هو ولي الأمر، أكبر ولاة الأمور في البلد، ويحتمل أن يراد به كل ذي سلطة في مكان كالأمير مثلًا في بلد فيسأل، ومع ذلك فإن بعض أهل العلم قيَّد ذلك بما إذا سأل سلطانًا ما يستحقه من بيت المال، فإّن هذا لا بأس به، وعليه فيكون الحديث استثنى مسألتين:
стр. 1332
الأولى: ما يستحق من بيت المال، وإن لم يحتج إليه.
والثانية: قوله: "أو في أمر لا بد منه". مثل أن يضطر إلى ماء، أو إلى خبز، يضطر إلى ثياب يدفع بها البرد، يضطر إلى رداء يتغطى به عن البرد وما أشبه ذلك، فإن هذا لا بأس به ولا يعد كدًّ يكدُّ الإنسان به وجهه؛ لماذا؟ لأجل دفع الضرورة، ويكون الرسول ﷺ استثنى مسألتين:
المسألة الأولى: أن يسال الإنسان شيئًا مستحقًّا له ممن له السلطة فيه ويشمل السلطان الكبير والسلطان الصغير.
والثانية: أن يسأل الإنسان شيئًا اضطر إليه من أيِّ إنسان فإن ذلك لا بأس به ولا حرج، وأخذ الفقهاء من ذلك ضابطًا فقهيًّا فقالوا: من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله، وهذا داخل تحت عموم قوله: "إلا أن يسأل الرجل سلطانَا" يعني: فيما له أخذه فإنه لا حرج عليه في ذلك، وعلى هذا فطالب العلم إذا كان محتاجًا إلى كتب ووجه الطلب إلى المسئول عن صرف الكتب هل يعد هذا من المسألة المذمومة؟ الجواب: لا يعد؛ لأنه مستحق لها، كثير من الناس قد لا يعرف، ويكون الموزع للكتب لا يعرفه فلا يمكن أن تصل إليه الكتب إلا بالكتابة من فلان إلى فلان، وبعد فإني من طلبة العلم أستحق الكتب الفلانية مثلًا، هذا لا بأس به، وكذلك لو كان من أهل الزكاة فلا حرج عليه أن يبين للعامل أنه من أهل الزكاة؛ لأنه ممن يستحق ذلك، ومع هذا فالتنزه عن ذلك أولى إلا في مسألة الضرورة ما لم تصل الحال إلى حد الضرورة، وقد مّر علينا: "من يستغن بغنة الله" هذا في عظم المسألة فما بالكم بمن يسرق بدون سؤال فهو أشد كما يوجد من بعض الناس- والعياذ بالله- يسرقون الأموال التي يولون عليها حتى إن بعضهم يأتي إلى الدكان يشتري أغراضًا، ويقول: اكتب في الفاتورة أن هذا الغرض بعشرة وهو بخمسة، هذا لا شك إنه إثم عظيم، وأكل للمال بالباطل، وخيانة لمن ائتمنه، وهذا الذي كتب له الفاتورة يعتبر كاذبًا مشاركًا له في الإثم- والعياذ بالله-.
من فوائد الحديث، أولًا: التحذير من المسالة لقوله: "المسألة كدُّ يكدُّ بها الرجل وجهه.
ثانيًا: جواز السؤال إذا كان بحق كالسؤال مما ذوي السلطان.
ثالثًا: جواز السؤال للضرورة لقوله: "أو في أمر لا بد منعه".
لو قال قائل: كلمة "لا بد منه" ما معنى "لا بد"؟ أي: أنه مضطر له، يعني: لا مفر.
مسائل مهمة:
إذا قال قائل: هل يجوز السؤال لأداء فريضة الحج؛ لأن الفرض لا بد منه فهل يجوز أن يسأل لأداء الفريضة؟
تقول: أما الآن فليست بفرض.
стр. 1333
- هل يجوز سؤال الإنسان ماءً يغسل به ثوبه من النجاسة؟
نقول: أما ما جرت العادة بالتسامح فيه وسؤاله فيلزمه، وأما ما فيه منة ولم تجٍر العادة بسؤاله فإنه لا يلزمه؛ ولهذا قال العلماء في باب التيمم: لا يلزمه أن يطلب الماء هبة لما فيه من المنّة، وكذلك لا يلزمه أن يطلب ليزيل به النجاسة؛ لأن في ذلك منّة عليه إلا إذا كان ممَّا جرت العادة فهذا قد يقال باللزوم، وفيه أيضًا تردد؛ لأن حق الله أيسر من حق العباد، فالله تعالى يتسامح، لكن المنة قد تبقى عندك مكتوبة في جبينك لهذا الرجل صعبة.
ألا يستثنى شيئًا ثالثًا: شيء آخر أن يسأل الإنسان لغيره؟
نقول: نعم السؤال للغير جائز إذا كان ذلك الغير مستحقًّا للسؤال، وأما إذا لم يكن مستحقًّا فلا تعنه على ظلمه، لكن إذا كان مستحقًّا فلا بأس.
وهل الأولى أن يسأل للغير، أم الأولى الاَّ يسأل؟ بعض العلماء يقولون: أنا لا أسأل لغيري، وكرهوا أن يسأل الإنسان لغيره، لكنهم لم يكرهوا أن يسأل الإنسان سؤالًا عامًّا، فيقول: هؤلاء الفقراء تصدَّقوا عليهم، وجه الكراهة عند هؤلاء القوم يقول: لأنه قد يعطى خجلًا منك وحياء، فيكون سؤالك للغير كأنه إلزام للمسئول، فأنت لا تسأل لغيرك، والظاهر لي: أن في هذا تفصيلًا إذا كان الغير لا يمكن الوصول إلى المسئول فهنا يشرع أن تسال له مثل توجيه السؤال إلى وزير لا يقدر هذا الفقير أن يصل إليه فهنا يترجح الجواز أن تسأل له؛ لأن فيه معونة على البر والتقوى في أمر لا يستطيع المعان أن يصل إليه، أما إذا كان المسئول له يمكنه أن يصل فأنت تقول: اذهب أنت واسأل، لكن إن طلب منك تعريفًا بحاله بأنه رجل مستحق فما الجواب؟ يجوز أن يعطيه تعريفًا؛ لأن هذا ليس فيه مضرة بل معونة على البر.
٣ - باب قسم الصدقات
"القسم" بمعني: التوزيع وجعل الشيء أقسامًا قسَّمت الشيء أقسمه قسمًا، وقسمته تقسيمًا أي: جعلته أقسامًا، والمراد بهذا الباب: أين نقسم الصدقات؟ وكيف نقسمها؟
واعلم أن الله تولى قسم الصدقات بنفسه فقال: ﴿* إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغامرين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. فنتكلم على الآية؛ لأنها هي الأصل في هذا الباب، والأحاديث تفسير لها وبيان، ومعلوم أن الإنسان إذا أراد أن يستدلَّ يبدأ أولًا بكتاب الله؛ لأنه الأصل، ولأنه لا يحتاج إلى النظير في سنده لأنه متواتر مقطوع به، وإنما يحتاج إلى النظر في دلالته بخلاف السُّنة فتحتاج أولًا إلى النظر في ثبوتها عن النبي ﷺ ثم إلى النظر في دلالتها على الحكم.
стр. 1334
أقسام أهل الزكاة:
فالله يقول: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾. و"إنما" تفيد الحصر؛ يعني: الصدقات لا تكون إلا في هؤلاء الأصناف: ﴿للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغامرين وفى سبيل الله وابن السبيل﴾.
قال العلماء: والفقراء أحوج من المساكين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم.
ثم قالوا: إن الفقير هو الذي يجد دون نصف الكفاية، أو لا يجد شيئًا أبدًا، وأصله موافقة القفر وهي الأرض الخالية، فالقفر والفقر يتفقان في الاشتقاق الأكبر وهو الاتفاق في الحروف دون الترتيب، فالأرض القفر معناها: الأرض الخالية، والفقر هو: الخلو، فالفقير إذن من يجد دون نصف الكفاية، أو لا يجد شيئًا. والكفاية إلى متى؟ قال العلماء تحدد الكفاية بسنة لأن السِّنة هي الزمن الذي تجب فيه زكوات الأموال فتعطي هذا الرجل ما يكفيه سنة؛ لأنه بعد السنة تأتى زكاة جديدة فيعطى إلى سنة، ثم تأتي سنة جديدة فيعطى إلى سنة وهلمَّ جرًّا. إذن قدرنا الكفاية بالسنة ووجه ما ذكرنا.
الثاني: "المسكين" هو المحتاج، وسمي المحتاج مسكينًا؛ لأن الحاجة أسكنته؛ لأن العادة أن الإنسان الغني يكون عنده رفعة رأي وسلطة في القول والفعل، ويتصدر المجالس بخلاف الفقير المحتاج فإنه قد أسكنته الحاجة، لكنه أحسن حالًا من الفقير؛ لأنه يجد نصف الكفاية ودون الكفاية هذان يأخذان لحاجتهما.
الثالث: وقوله: ﴿والعاملين عليها﴾ هم الذين ينصبهم السلطان لقبض الزكاة وقسمها وتفريقها فهم جهة ولاية وليس جهة وكالة ولهذا قال: ﴿والعاملين عليها﴾، وأتى بـ"على" الدالة على أن لهم سلطة في الولاية؛ لأن "على" تفيد العلو، بخلاف الوكيل وكيل شخصي يؤدي زكاته ليس من العاملين عليها، فأنا إذا وكلتك تحصي زكاة مالي وتخرجها فلست من العاملين عليها بخلاف الذين ينصبهم السلطان الإمام فإنهم عاملين عليها؛ لأن لهم نوع ولاية وهؤلاء يعطون بقدر أجرتهم، أي: بقدر العمل الذي قاموا به؛ لأنهم استحقوها بوصف، ومن استحق بوصف كان له من الحق بمقدار ماله من ذلك الوصف فيعطون قدر أجورهم، وهؤلاء يعطون للحاجة إليهم لا لحاجتهم ولهذا يعطون ولو كانوا أغنياء، لأنهم يعطون على عمل للحاجة إليهم فنعطيهم بقدر عملهم.
أما الرابع: فـ"المؤلفة قلوبهم"، "المؤلفة" هذه اسم مفعول، و"قلوب" نائب فاعل، ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾: هم الذين نفرت قلوبهم واشمأزت من الإسلام وكرهت الإسلام وكرهت المسلمين، فهم يودون العدوان على المسلمين وعلى الإسلام، فيعطون ما يحصل به التأليف؛ لأنهم استحقوا
стр. 1335
بوصف، فاستحقوا بمقدار ما يحصل به ذلك الوصف؛ يعني: لهم شيء معين أم لا؟ لا ما يحصل به التأليف، والناس يختلفون فيما يحصل به التأليف منهم من نفسه كبيرة لا يؤلفها إلا مال كثير، ومنهم من دون ذلك يؤلفه المال القليل المهم أن تعطي من الزكاة ما يحصل به التأليف.
ذكرت أن التأليف إنما يكون لمن كان في نفرة عن الإسلام أو عن المسلمين، وعلى هذا فيعطى المؤلف ما يقوى به إيمانه ويحبب الإسلام إليه، ويعطى من ليس في قلبه إيمان، ولكن يخشى من شره، يعطى ما يدفع به شره حتى لو كان كافرًا يخشى من شره على المسلمين، فإننا نعطيه من الزكاة ليس من بيت المال فقط من الزكاة ما تدفع به شره. انتبهوا لأن بعض الناس يعترض يقول: لماذا نعطي الكفار من أموال المسلمين؟ نقول: نعم، إذا كان هؤلاء الكفار يخشى من شرهم، وهم فعلًا لهم شر، وإذا أعطيناهم ألفناهم ودفعنا شرهم، فإننا نعطيهم تأليفًا لقلوبهم لا على الإسلام، لأنهم مستكبرون، ولكن لدفع شرهم عن المسلمين.
ثم قال سبحانه: ﴿وفي الرقاب﴾، وأنت ترى الآن أن حرف الجر اختلف، وتبيين ذلك "الرقاب" جمع رقبة. وذكر العلماء أنها ثلاثة أنواع:
مسلم أسير عند الكفار يعطى الكفار من الزكاة لفك رقبته، هذا من الرقاب.
الثاني: عبد عند سيده اشتريناه منه لنعتقه هذا أيضًا في الرقاب.
الثالث: مكاتب اشترى نفسه من سيدة فنعطيه ما يسدد به كتابته هذا أيضًا في الرقاب.
وهؤلاء يعطون لحاجتهم، لكن لا يعطون هم؛ ولهذا قال: "في" الدالة على الظرفية؛ لأن هذه جهة وليست تمليك. العبد لا نعطيه هو نعطي سيده الأسير عند الكفار لا نعطيه هو نعطي الكفار الذين أسروه، المكاتب نعطي سيده، وهذه هي النكتة في قوله: ﴿وفي الرقاب والغارمين﴾ ﴿والغارمين﴾ أيضًا تجدونها معطوفة على قوله: ﴿وفي الرقاب﴾، ولم يقل: للغارمين.
السادس: قال: ﴿وفي الرقاب والغارمين﴾ أي: في الغارمين، فالصرف إليهم صرف إلى جهة، والغارم: هو الذي لحقه الغرم وهو الضمان، وقسمهم أهل العلم إلى قسمين: غارم لنفسه، وغارم لإصلاح ذات البين، فالغارم لنفسه هو الذي لزمه الغرام لمصلحته الخاصمة، مثل رجال تداين ليشتري بيتًا، هذا غارم لكن لنفسه هذا غارم يستحق من الزكاة ما يوفى دينه ولو كثر، هل يلزم أن تعطيه المال ليوفي أو أن توفي نحن عنه؟ الثاني، لأنه قال: "في" جعله معطوفًا على المجرور بـ"في" فهي جهة ولا نحتاج إلى أن نملكه، ولكن إذا كان هذا الرجل إذا ذهبنا نحن نسدد دينه خجل وانكسر قلبه؛ لأنه رجل من قبيلة شريفة، ولا يحب أن يتبين للناس أنه مدين. في هذه الحال هل الأولى أن نذهب نحن لنسدد عنه، أو أن نعطيه ويسدد هو؟ الأفضل: الثاني، ويسدد لئلا يلاحقه الخجل والحياء، كما أنه يتأكد أن نسدد عن المدين إذا كنا نخشى إذا
стр. 1336
أعطيناه ذهب يشتري ما لا ينفعه، ففي هذه الحال نسدد نحن عنه، فهذا الغارم لنفسه يشترط في الغارم لنفسه الاَّ يكون عنده ما يوفي به، فإن كان عنده ما يوفي به لم نعطه ولم نسدد عنه؛ لأن الذي عنده ما يوفي به ليس بغارم حقيقة إذا شاء أخذ المال الذي عنده ووفى ما عليه، إذن الغارم لنفسه يشترط لإعطائه من الزكاة ألا يوجد عنده ما يوفي به.
رجل عليه الغرام خمسمائة درهم فسألناه ما هذا الغرام؟ فقال: اشتريت به دخانًا، فهل نوفي عنه وهو قد تاب توبة نصوحًا؟ نقول: هذا نعطيه إذا غرم في شيء محرم ثم تاب، بل قد يتأكد أن نعطيه؛ لأن في ذلك تأليفًا له، فإذا رأى أن إخوانه المسلمين يعينونه إذا تاب من المحرم نشطت التوبة؛ لأن الإنسان بشر، كل شيء ينشطه وكل شيء يثبطه.
القسم الثاني من الغارمين: الغارم لإصلاح ذات البين، وهل يشترط أن يكون ذلك بين القبائل والجماعات التي يحصل فتنة كبيرة إذا لم يصطلحوا أو يكون حتى بين شخصين لذاتهما؟ المعروف عند أهل العلم أنه يكون بين القبائل التي يحصل بالتنافر بينها فتن، فهذا رجل يحب الخير رأى بين قبيلتين خصامًا ونزاعًا وأن الخصام والنزاع يشتد ويزداد، وخاف إن زاد أو إن ترك يصل إلى حد القتال، فجاء وذهب إلى رؤساء القبيلتين وغرم لهما مالًا، وقال: تعالوا أنتم أعطيكم عشرة آلاف وسامحوا إخوانكم، وقال للآخرين مثل ذلك كم غرام؟ عشرين ألفًا. فقالوا: لا بأس هذا يعطى من الزكاة؛ لأن هذا الرجل الطيب الخير قال لنا: أصلحت بين هاتين القبيلتين على أن أدفع لكل واحدة منهما عشرة آلاف ريال، نحن نشجعه ونقول: جزاك الله خيرًا، ونحن نعطيك من الزكاة؛ لأنك أصلحت ذات البين، وهذا الرجل غرم لإصلاح ذات البين لا لنفسه؛ ولهذا تعطيه من الزكاة ما يدفع به الغرام ولو كان غنيًا، هو عنده مئات الآلاف فيأخذ من الزكاة فإن سدَّد من عنده فهل نعطيه من الزكاة؟ لا، لا نعطيه من الزكاة، لماذا؟ لأنه الآن غير غارم، نعم إن استقرض وأوفى وليس عنده ما يسدده أعطيناه للغرم من جهة ثانية وهي الغرام لنفسه، والحاصل: أن للغارم لإصلاح ذات البين إن سلم المال من نفسه فإنه لا يستحق لماذا؟ لأنه ليس بغارم، اللهم إلا إذا كان مدفوعًا من جهة ولي الأمر، قال له: اذهب وأصلح بين هاتين الطائفتين ولو بمال، ونحن نضمنه لك، فذهب ودفع من ماله؛ فحينئذٍ يعطى لأنه نائب عن الإمام.
السابع: ﴿وفي سبيل الله﴾ أعاد قوله: "في" "في سبيل الله" لزيادة تأكيد الظرفية، "سبيل الله" ما هو؟ في الأصل هو الطريق الموصل إلى الله، فيشمل كل عمل صالح لكن المراد به هنا: الجهاد في سبيل الله فقط، لأننا لو حملناه على كل العمل الصالح لفات مقصود الحصر في قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾، ولأننا لو عممناه لأغلقت أبواب كثيرة من أبواب الخير واعتمد
стр. 1337
الناس فيها على الزكاة، لو قلنا: نبني المدارس، والمساجد، ونصلح الطرق، ونطبع الكتب وما أشبه ذلك، انسدت أبواب الخير في هذه الجهات؛ لأن كل إنسان يقول: هذه للزكاة، ولكن المراد بـ"سبيل الله": أي الجهاد في سبيل الله خاصة.
وقوله: ﴿وفي سبيل الله﴾ هل يشمل المجاهد وعتاده، يعني: سلاحه ودرعه وما أشبه ذلك، أو يختصُّ بالمجاهد فقط؟ الصحيح: أنه يشمل المجاهد وأعتاده واستدل بعضهم لهذا بقول النبي ﷺ : "أما خالد فإنكم تظلمون خالدًا فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله". قالوا: وسبيل الله مصارف من مصارف الزكاة، وخصَّ بعض العلماء في سبيل الله بالمجاهدين فقط، فقالوا: يعطى الغازي إذا لم يكن له مال يكفيه من الديوان العام للمسلمين- يعني: بيت المال-، ولا يشتري منها أسلحة، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الله لم يقل: وفي المجاهدين، بل قال: ﴿وفي سبيل الله﴾، فيشمل العتاد والمجاهد، فيعطى المجاهد ما يكفيه من مؤنة، ويشتري له أسلحة أيضًا، وعلى هذا فصرف الزكاة في شراء الأسلحة للمجاهدين في سبيل الله صرف في وجهه ومحله.
ولكن ما هو الجهاد في سبيل الله؟ الجهاد في سيبل الله: هو أن يكون القتال لتكون كلمة الله هي العليا لا لشيء آخر، والذي جاء بهذا الميزان هو أعدل الناس وزنًا وهو رسول الله ﷺ حيث سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"؛ ولهذا تجد هذا الرجل المجاهد لتكون كلمة الله هي العليا لا يمل ولا يفتر، بل هو دائمًا في عمل وإصلاح وتخطيط وتكتيك- كما يقولون-؛ أما الآخر الذي يقاتل لغير أن تكون كلمة الله هي العليا فتجده يكسل أحيانًا وينشط أحيانًا، وإذا حصل له ما يريد يقول: لا يهمني الباقي فالرجل الذي يقاتل ليحرر بلده لأنها بلده فقط هل هو في سبيل الله؟ لا، هذه قومية، والذي يقاتل لأنه شجاع يقاتل شجاعة، والإنسان الشجاع يجب أن يقاتل دائمًا؛ لأن طبيعته تملي عليه ذلك، هل هو في سبيل الله؟ لا، والذي يقاتل حمية على قومه فهذا أيضًا ليس في سبيل الله.
لكن إذا قال: أنا أقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، سواء في بلدي أو في غير بلدي، فهذا هو الذي في سبيل الله، وهو الذي يستحق من الزكاة.
أما الثامن: فهو ابن السبيل، ما هي السبيل؟ الطريق كما قال الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطى مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣]. هل المعنى ابن الطريق؟
стр. 1338
لا، لكن يقال: ابن الشيء للملازم له كأنه ابن له؛ لأن الابن يلازم أباه غالبًا، فيقال: ابن السبيل، أي: الملازم للسفر الذي لا زال في سفره.
قالوا: كما يقال: ابن الماء للطير المعروف يسمَّى هكذا؛ لأنه دائمًا لا يقع إلا على الماء، ونحن نعرف- ونحن صغار- طائرًا يسمّى دجاجة الماء، عبارة عن طير صغير يأتي في الخريف، وقبل أن تكثر البنادق كان يوجد في البيت وتصيده.
على كل حال: ابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر فلم يجد ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيًّا في بلده يعطى من الزكاة؛ لأن نفقته سرقت وانقطع، نعطيه ما يوصله إلى البلد ولو كان غنيًا في بلده، هل نشتري له شيئًا يعينه على سفره؟ نعم؛ لأن الله يقول: ﴿وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠]. فجعلها معطوفة على "في" الدالة على الظرفية، وعلي هذا فلا يشترط تمليك ابن السبيل، بل يجوز أن نشتري له راحلة يسافر عليها أو نشتري له متاعًا أو نعطيه هو بنفسه يشتري ولا حرج.
تأملوا معى هذه الآية نجد أن أهل الزكاة ينقسمون من وجه إلى من يأخذها لحاجته، وإلى من يأخذها للحاجة إليه، دعونا نعد الذين يأخذونها لحاجتهم: الفقراء، المساكين، المؤلفة قلوبهم في بعض الأحيان، الغارمين في بعض الأحيان، وابن السبيل، والرقاب، وأما العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم ممن نخشى شره، والغارم لإصلاح ذات البين، وفي سبيل الله فهؤلاء يأخذون للحاجة إليهم.
ثم تأملوها مرة ثانية تجدون أن من هؤلاء الأصناف من يملكها ملكًا مستقرًا، ومنهم من يملكها ملكًا مقيدًا، فالذين في مدخول اللام يملكونها ملكًا مستقرًا من هم؟ أربعة: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، فهذا الفقير قدرنا أن نفقته لمدة سنة عشرة آلاف ريال فأعطيناه عشرة آلاف ريال، وفي أثناء السَّنة أغناه الله مات له قريب فورثه وبقي معه من الزكاة خمسة آلاف ريال هل يردها؟ لا يردها؛ لأنه ملكها ملكًا مستقرًّا، هذا غارم.
قال: إن عليه عشرة آلاف ريال فأعطيناه إياها فذهب إلى الذي يطلبه ورجع إلى الدفاتر وإذا المطلوب ثمانية آلاف ريال فقط، فبقي معه ألفان هل هي له أو يردها على أهل الزكاة؟ يردها على من أخذها منهم؛ لأن هذا لا يملكه إنما هي جهة تصرف إليه، وفي الرقاب، والغارمين فإذن يردها، لأنه لم يملكها ملكًا مستقرًّا، هذا الذي أعطيناه لغرمه هل يملك أن ينفق هذه الدراهم في حاجته الخاصة غير الغرم؟ لا، والذي أعطيناه لفقره هل يملك أن يصرفها في غرامه؟ نعم، الفرق أن الفقير ملكها ملكًا مستقرًّا يتصرف فيها كيف يشاء، وهذا إنما أخذها لجهة فلا يصرفها في غيرها، ولهذا لو وكَّلت إنسانًا وقلت: اقض عن فلان دينه من زكاتي
стр. 1339
فذهب وأعطاه لفقره فإن ذلك حرام عليه، لماذا؟ لأن ما أعطي للغرام لا يصرف في غيره، ثم لما ذكر الله عزى وجل هؤلاء الأصناف الثمانية قال: ﴿فريضة من الله﴾ يعني: أن الله تعالى فرضها علينا فرضًا نؤديها إلى هذه الأصناف الثمانية ﴿والله عليم حكيم﴾ أي: عليم بمن يستحق، حكيم في وضعه الشيء في موضعه، فحكمته- جل وعلا- صادرة عن علم تام بالحق والمستحق، وعلى هذا فلو أننا صرفنا الزكاة في غير هذه الأصناف لكانت الزكاة غير مقبولة لقول النبي ﷺ "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، إلا أن الإنسان إذا صرفها في غير أهلها ظانًّا أنه من أهلها ثم تبين أن الأمر بخلافه فصدقته مقبولة سواء كان غنيُّا ظنه فقيرًا، أم مقيمًا ظنه مسافرًا، أو غير ذلك، ما دام قد غلب على ظنه أنه مستحق، ثم تبين عدم الاستحقاق فإنها تجزئ صدقته؛ لماذا؟ لأن غالب الأحكام الشرعية مبنية على غلبة الظن؛ ولهذا لو شك في الطواف أسبعة هو أم ستة؟ وغلب على ظنه أنه سبعة بنى على غالب ظنه، لكن إذا تبين أنه خلاف ما بنى عليه وجب عليه أن يعيده، أما الصدقة فلا يجب عليه إعادتها؛ لأنها متعلقة بطرفٍ ثان وهو القادر الذي تصدق عليه، ولعلكم تذكرون قصة الرجل الذي قال: "لأتصدِّقن الليلة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبح الناس يتحدثون تصدق الليلة على غني، والغني ليس أهلاً للزكاة فقال: الحمد لله على غني- وهذا يدل على عدم ندمه-، ثم خرج الليلة الثانية بصدقته فوقعت في يد زانية بغي، فأصبح الناس يتحدثون تصدَّق الليلة على بغي، فقال: الحمد لله على بغي، ثم خرج في الليلة الثالثة فتصدق فوقعت صدقته في يد سارق يسرق الناس، فأصبح الناس يتحدثون تصدّق الليلة على سارق، فقال: الحمد لله على سارق، ثم أوتي هذا الرجل وقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، ثم قيل له: الغني لعله أن يتصدق، والزانية لعلها أن تستعف، والسارق لعله أن يتوب ويكف عن سرقته". إذن متى غلب على ظنك أن المعطى من أهل الزكاة وأعطيته فالزكاة مقبولة.
نعود مرة ثانية لننظر في هذه الأوصاف، هل هي أوصاف علِّق الاستحقاق بها بدون تفصيل ﴿للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠]. فمقتضى ذلك أن يحل دفع الزكاة لكل من اتصف بهذه الأوصاف كائنًا من كان، شخص له أب فقير فهل يجوز دفع الزكاة له؟ نعم زوج دفع. زكاته إلى زوجته وهي فقيرة هل تصبح؟ نعم، زوجة دفعت صادقتها إلى زوجها وهو فقير يصح؛ لأن عندنا عموم، المهم: أن الآية عامة، فكل من ادَّعى أن شيئًا خرج منها من قرابة أو زوجية أو غير ذلك فعليه بالدليل، رجل دفع زكاته إلى بني هاشم مقتضى الآية يجوز لكن فيه دليل. قال
стр. 1340
النبي ﷺ : "إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس". إذن العموم الآن خصص، والعموم إذا خصص يكون كالجدار إذا حصل فيه ثلمة انهدم بعضه، إذا خصص العام هل يبقى عامًا فيما عدا التخصيص، أو تبطل دلالته على العموم للاحتمال؟
بعض العلماء يقول: إذا خصص العام انهدم، ولا يمكن أن يدل على العموم.
وبعضهم يقول- وهو الصحيح-: أنه إذا خصص بقي عامًّا فيما عدا صورة التخصيص، وهذا هو الحق، إذن العموم في الآية خصص بمقتضى النص، ما الذي خرج منه؟ آل محمد.
هذا رجل له زوجة وأراد أن يعطيها من زكاته، قلنا لكم قبل قليل: مقتضى الآية أنه يجوز، ويجب عليكم أن تقولوا بهذا إلا بدليل، الدليل هنا نقول: الزوجة ليست محلًا لصرف زكاة زوجها؛ لأن الله أمر بالإنفاق عليها نفقة خارجة عن الصدقة قال: ﴿وعلى المولود له، رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فأنت إذا أعطيتها مثلًا مائة ريال من الزكاة وهي محتاجة إلى ثوب، الثوب يساوي مائة، لولا أنك أعطيتها مائة من الزكاة واشترت به الثوب لكنت تشتريه لها، إذن فإعطاؤك إياها من الزكاة معناه توفير ما يقابل ذلك من مالك الذي يجب عليك أن تنفقه عليها حينئٍذ لا يصح؛ لأن هذا الذي أخرج الزكاة كأنه لم يخرجها؛ إذ لولا استعطاؤها بالمائة ريال التي أعطاها لكان يشتري لها ثوبًا بمائة ريال فوفر بالزكاة ماله فلا يصح.
هذه المرأة كان عليها دّين سابق أو لاحق فقضى دينها من زكاته يجوز لأنها داخلة في الغارمين، وهو لا يلزمه قضاء دينها، فلذا قضي دينها لم يكن وفر شيئًا من ماله فيجزئ، وكذلك نقول: الزوجة إذا دفعت صدقتها لزوجها وهو فقير أجزأ بمقتضى دلالة الآية، ولا نقول: ما لم يكن في ذلك توفير لمالها؛ لماذا؟ لأن الزوج هو الذي يجب عليه الإنفاق، وهي لا يجب عليها أن تنفق على زوجها إلا على رأي ضعيف جدًا وهو رأي ابن حزم، إذن القاعدة عندنا: أن كل من كان قائمًا به هذا الوصف الذي هو سبب الاستحقاق، فإن دفع الزكاة إليه جائز مجزئ إلا ما قام الدليل على إخراجه، فإن ما قام الدليل على إخراجه يخرج كالذي قام الدليل على إدخاله.
أسئلة هامة:
أولاً: هل يجب أن تستوعب هذه الأصناف بأن نقسم الزكاة ثمانية أجزاء؟
ثانيًا: هل يجب أن نعطي من كل قسم ذكر بلفظ الجميع ثلاثة فأكثر؟
في هذا خلاف بين العلماء، أما الأول وهو استيعاب الأصناف الثمانية، فإن بعض العلماء
стр. 1341
يقول: لا بد من استيعاب الأصناف الثمانية، إلا أن بعضهم يقول إن سهم المؤلفة قلوبهم ساقط، لأنه في قوة الإسلام زال التأليف، فلا حاجة أن نؤلف من أسلم وآمن وقوي إيمانه فهو منا، ومن لم يسلم فالسيف، ولكن الصحيح أن سهمهم لم ينقطع، وأنه باق، وأن ما ذكر عن عمر وغيره من الصحابة فمعناه: أن الناس في ذلك الوقت لا يحتاجون إلى التأليف لقوة الإسلام، وإلا فإن سهمهم باقٍ.
أمَّا هل يجب أن نعمم هذه الأصناف أو لا؟ ففيه خلاف، حجة من قال: يجب التعميم، أن الله سبحانه جعل الاستحقاق في هؤلاء الأصناف الثمانية مقرونًا بالواو، والقرن بالواو يقتضي الاشتراك، كما لو قلت: هذا المال لك ولزيد، ولعمرو، ولبكر، ولخالد فإنه يكون مالًا للجميع مشتركًا، ولا يجوز أن يخصص به واحدًا دون الآخر، وهنا قال الله تعالى: ﴿للفقراء والمساكين﴾، وهذا يدل على أنه لا بد أن نعطي هؤلاء كلهم، كما أننا قلنا في قوله تعالى ﴿* وأعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]. كم هؤلاء؟ خمسة، ويجب أن نعمهم بالعطاء، فهذه الآية نظير تلك يجب أن نعمم فيها الأصناف.
وقال آخرون: بل لا يجب أن نعمم الأصناف، وأن الواو هنا أشركت الجميع في أصل الحكم، وأن مصرف الزكاة لهذه الجهات، ولا يلزم إذا اشتركت في الحكم أن تشترك في العطاء، وأيدوا قولهم هذا بحديث معاذ بن جبل: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم". وبأن الظاهر من فعل الرسول ﷺ أنه لا يذهب يبحث هل فيه مسافر انقطع به السفر؟ هل فيه غارم؟ هل فيه كذا من المستحقين؟ وإنما يعطى من وجده من هذه الأصناف. هذان دليلان.
الدليل الثالث: أن في مراعاة إعطاء الأصناف الثمانية مشقة شديدة؛ لأنه لا بد أن يبحث الإنسان عمن في البلد من هؤلاء الأصناف، وهذا قد يشق ويلحق الناس حرج، بخلاف خمس الفيء فإن الذي يتوله الإمام، والبحث عليه سهل، وأيضًا فهذه فيها دليل وتلك ليس فيها دليل، وهذا القول هو الراجح.
وإذا قلنا: إنه لا يجب استيعاب الثمانية، فهل يجب فيما ذكر مجموعا أن يعطى منه ثلاثة فأكثر، مثل: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب والغارمين؟
فيها أيضًا خلاف، فمنهم من يقول: لا بد أن تجمع ثلاثة فأكثر من كل ما ذكر مجموعًا دون ابن السبيل مثلًا لأنه ذكر مفردًا.
ومنهم من قال: إنه لا يجب؛ لأن هذه أوصاف لا أعيان. نعم، لو قلت: المال لهؤلاء الرجال لا بد أن يعطى كل واحد، أما إذا كانت المسألة بالأوصاف فمن استحق هذا الوصف أخذه. لو قلت: أكرم المسلمين، ثم لم تجد إلا مسلمًا أكرمته هكذا أيضًا تقول في هذا.
стр. 1342
ويدل على هذا أيضًا حديث قبيصة: "أقم عندنا حتى تأتي الصدقة فنأمر لك بها". وهذا واحد، والصواب أنه يجزئ من كل صنف صنفَ ومن كل صنف واحد، ولكن الأفضل أن يراعي الإنسان الحال، فإذا كان عنده عدة فقراء وكلهم في حاجة سواء فينبغي ألا يخص أحدًا، بل ينفع هذا وهذا لأنه أحسن. هذا هو ما يتعلق في قول المؤلف: "باب قسم الصدقات"، أي: توزيعها مقسومة، ثم ذكر المؤلف الأحاديث الواردة في ذلك.
متى تحل الزكاة للغني ؟
٦١٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها، فأهدى منها لغني". رواه أحمدٌ، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، وأعل بالإرسال.
"لا تحل" يعني: تحرم وقوله: "الصدقة" ظاهره العموم، والصدقة: كل ما بذله الإنسان يريد به وجه الله فهو صدقة، فإن بذله يريد به التودد والإكرام سمى هدية، وإن بذله يريد بذلك مجرد نفع المعطى صار هبة وعطية، فهو على حسب النية، إذا قصد به التودد والإكرام فهو هدية، إذا قصد به وجه الله فهو صدقة، إذا قصد به نفع المعطى فهو هبة وعطية، إذا قصد به دفع الشر عنه فهو فدية يفدي بها الإنسان نفسه أو عرضه أو ما أشبه ذلك، والأخير حرام على المعطى، والذي يعطي للتوصل به إلى باطل يسمى رشوة، فهذه خمسة أقسام: صدقة، هدية، هبة، فدية، رشوة.
قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل"، ما معنى: "أعل"، أي: ضعِّف؛ لأن العلة ولا سيما إذا قال: "أعل بالإرسال"، الإرسال علة قادحة، فمعناه: أنه ضعِّف حيث ذكر أنه مرسل
قوله ﷺ : "لا تحل لغني"، من هو الغني؟ قال بعضهم: الغني: هو الذي تجب عليه الزكاة.
وقال بعضهم: من ملك قوت يومه وليلته فهو غني.
وقال بعضهم: من ملك خمسين درهما فهو غني.
وقال بعضهم: من وجد كفايته، وعائلته سنة فهو غني، وهذا الأخير أقربها.
أما الأول وهو يقول: من وجبت عليه الزكاة فهو غني، فإننا نقول: نعم هو غني من حيث
стр. 1343
وجوب الزكاة عليه، لكن قد يكون غنيًا من حيث جواز دفع الزكاة إليه، قد يكون عند الإنسان مائتا درهم لكن مائتي درهم لا تكفيه وعائلته ولو لمدة يومين، فهل تقول: هذا غني؟ لا، كيف تجب عليه الزكاة، وتجوز له الزكاة؟ نقول: لا منافاة، فالزكاة تجب عليه لوجود سبب الوجوب، ويستحق من الزكاة لوجود شرط الاستحقاق، ولا مانع. وأصبح الأقوال في هذا: أن الغني هو الذي يجد كفايته وكفاية عائلته لمدة سنة.
قال النبي ﷺ : "إلا لخمسة، ثم عدَّهم، وذكر العدد والتثنية بالمعدود هذا من حسن التعليم بأن يحصر الإنسان الأشياء ثم يفصلها؛ لأنك إذا حصرتها، وقلت: خمسة مثلًا، ثم نسيت تقول: الباقي واحد، لكن لو تعد لك بدون عدد يمكن أن تنسى ولا تشعر أنك نسيت، فإذا بقى في ذهنك أن هذا الشيء عدده خمسة أو عشرة أو عشرين أو مائة ثم نقص عرفت أنك ناس قد نقص شيئًا، لكن إذا ذكر مرسلًا فإنه قد يسقط ولا تشعر انك أسقطته، فهذا من حسن التعليم أن نحصر الأشياء بالعدد.
قال: "لعامل عليها"، وسبق معنى العامل عليها، وإنما جاز له الأخذ مع الغني، لأنه يأخذ للحاجة إليه، فنحن محتاجون إليه لقيامه على الصدقة فأعطيناه لحاجتنا نحن إليه، ولهذا يعطى كما مرا مقدار آجرته.
الثاني: "أو لرجل اشتراها بماله" وهذا في الحقيقة ما أخذها من جهة الزكاة، لكن هي عين الصدقة، مثال ذلك: أعطى هذا الفقير حقة من الإبل، وهي التي عندها ثلاث سنوات، فجاء فباعها على غني حلت له هذه الحقة للغني، لماذا؟ لأنه أخذها بجهة غير استحقاق الزكاة، وهى الشراء؛ ولهذا قال: اشتراها بماله، لكن هي حقيقة عين الصدقة، إنما الفقير أخذها بجهة الصدقة، وهذا أخذها بجهة الشراء، فلمَّا اختلفت الجهة جاز. ونظير ذلك: أن الرسول ﷺ دخل ذات يوم بيته وطلب طعامًا فقالوا: ليس عندنا شيءً. قال: "ألم أر البرمة على النار؟ "- البرمة: إناء من خزف أو نحوه- قالوا: يا رسول الله، ذاك لحم تصدق به على بريرة- يعني: وهو لا يأكل الصدقة- فقال: "هو عليها صدقة ولنا منها هدية". فهو طعام واحد، لكن أخذه التي ﷺ من بريرة ليس على سبيل الصدقة، بل على سبيل الهدية فهو نظير هذا الحديث.
الثالث: "أو غارم" أي القسمين من الغارمين؟ الغارم لإصلاح ذات البين: لأن الغارم لنفسه يشترط لاستحقاقه ألا يجد ما يسدد دينه، أما الغارم لإصلاح ذات البين فيعطى ولو كان غنيًا، اللهم إلا أن يقال: إن الغارم هنا تشمل الصنفين من الغارمين، ويقال: إن الغارم لنفسه قد يكون عنده ما يكفيه من حيث الأكل والشرب واللباس والسكن، لكن ليس عنده ما يسدد دينه وهذا يعطى، فلو أن رجلًا له راتب وهذا الراتب يكفيه لأكله وشربه ولباسه وسكناه، لكن
стр. 1344
يحتاج إلى قضاء الدَّين الذي كان عليه بسبب شراء بيت، بسبب شراء سيارة، بسبب زواج أو ما أشبه ذلك فهلا يعفى عنه. حينئذٍ نقول: هو غني من وجه، وفقير من وجه؛ يعني: لقائل أن يقول: إن قول النبي ﷺ : "غارم" يشمل الصنفين من الغارمين.
الرابع: "أو غازٍ في سبيل الله"، هذا يعطى حتى ولو كان غنيًّا، لأنه يعطى للحاجة إليه، فهو يحتاج إليه ولو كان غنيًّا فهو يعطى سلاحًا، أو يعطى دراهم يشتري بها سلاحًا، أو يشتري بها نفقة له.
الخامس: "أو مسكينًا تصدق عليه منها، فأهدى منها لغني"، هذا أيضًا ملك الزكاة لغير طريق الزكاة، بأي طريق؟ بالهدية، هذا إنسان فقير أخذ من شخص مائة كيلو بر زكاة وهو فقير فأهدى منها لإنسان غنى من هذا البر لو أن الغنى أخذ هذا البر ممن عليه الزكاة على أنه زكاة لا يجوز، لكن أخذه من الفقير على أنه هدية فجاز مع أنه زكاة. هذه خمسة أصناف بين الرسول ﷺ أنها تحل لهم الزكاة وهم أغنياء.
من فوائد الحديث: تحريم الصدقة على الغني، وظاهر الحديث يشمل الواجبة والمستحبة، ولكن ذكر بعض العلماء أن الصدقة غير الواجبة تحل للغني، لكن الأولى أن يتنزه عنها وأن يقول للمصدق: أعطها من هو أحوج مني.
ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز الزكاة للعامل ولو كان غنيًا، لو أراد العامل أن يتبرع بعمله ولا يأخذ فهو محسن، لكن لو أراد أن يأخذ فلا حرج عليه، وقد أعطى النبي ﷺ عمر حين عمل على الصدقة، فقال: يا رسول الله، أعطه أحوج مني، فقال له النبي ﷺ : "خذ، ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك"، العامل عليها ولو كان واحدًا ولو كانوا جماعة، ولو كانوا جماعة من الآية: ﴿والعاملين عليها﴾ [التوبة: ٦٠]. ولو كان واحدًا من هذا الحديث: "لعامل عليها".
ومن فوائده أيضًا: أن الرجل إذا اكتسب لجهة مباحة ثم صرفه إلى شخص يحرم عليه لو اكتسبه بهذه الجهة لكان أخذه جائزًا.
لو أن أحدًا اكتسب المال بطريق محرم وأعطاه لشخص بطريق مباح هل يحل لهذا الشخص؟ فيه تفصيل: إذا كان حرامًا لعينه فهو لا يحل لغيره مثل: خمر، خنزير، كلب وما أشبه ذلك، وكذلك لو علمت أن هذا مال فلان مغصوب، أمّا إذا كان حرامًا لكسبه فإن العلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: كله لك غنمه وعلى كاسبه غرمه، لأنك إن أخذته بطريق مباح والمال نفسه حلال لم يحرم لعينه، لا لحق الله ولا لحق الآدميين، فقد أخذ بطيب نفس من الباذل، وليس حرامًا لعينه، ولكن الأولى التنزه عن ذلك إلا لمن احتاج، فإن احتاج الإنسان إليه فلا بأس.
стр. 1345
مثال الحاجة: أن يكون ولد عند أبيه، وليس له كسب يكتسب به، وأبوه يتعامل بالربا أو كل تعامله بالربا، فهنا الابن في حاجة من أين يأكل؟ فيأكل ولا حرج عليه؛ لأن الحاجة تبيح المكروه، كما قال العلماء: كل مكروه يباح للحاجة، وكل محرم يباح للضرورة، أما إذا كنت محتاج فإنه لا ينبغي لك أن تأكل منها بل تنزه وتورع عن ذلك وإن كان قد دخل عليك بطريق مباح.
ومن فوائد الحديث: فضيلة الغزو، وأنه يعطى الغزاة من مال الزكاة، يتفرع على هذا: أن إعطاء الغزاة من الصدقة من باب أولى، وحينئذ] نقول: هل الأفضل أن تتصدق بالمال على فقير أو تعين به غازيًا في سبيل الله؟ إذا كان هذا الفقير يمكن أن يتضرر بالجوع أو بالعري في أيام الشتاء فلا شك أن دفع ضرره أولى، وكذلك أيضًا الجهاد يختلف قد يكون المجاهدون مضطرين إلى المال، وقد يكون المال من الكماليات السلاح كثير والأطعمة متوفرة وكل شيء متوفر، المهم أن ينظر الإنسان إلى المصلحة في هذا.
ومنه: الإشارة إلى الإخلاص في العمل لقوله: "غاز في سبيل الله"، وهذه أحوج من يكون إليها من الناس أولئك الجنود الذين يعملون في الجيش هؤلاء أحوج- من كل أحد- إلى أن تنفخ فيهم روح الإخلاص؛ لأن المقاتل يعرض رقبته لأعداء الله فإما أن يخسر الدنيا والآخرة، وإما أن يربح إحدى الحسنيين، متى يخسر الدنيا والآخرة؟ إذا لم يخلص لله، إذا كان ينوي بذلك الحمية والقومية وما أشبهها، فإن نية القومية هذه لم يفتحها على المسلمين إلا الكفار أرادوا بالقومية شيئين كما يقولون: "ارم عصفورين بحجر" أرادوا أن يفرقوا المسلمين؛ لأن المسلم غير العربي ما يكون لديه حماسة في معونة العرب المسلمين الذين فصلوا أنفسهم عنه.
وثانيًا: أن يذهب عن المسلمين الغيرة الإسلامية حتى يقاتل لا لدين الله، ولكن للقومية، وبذلك يدخل في هذه الكلمة المسلمون وغير المسلمين، فأخرجوا بها أكثر المسلمين وأدخلوا فيها من ليس بمسلم ممن يكون منغمرًا في القومية؛ ولذلك لم تقم لهم قائمة إلى الآن؛ لأن القتال الذي يمكن أن تقوم له قائمة هو الذي يكون في سبيل الله ؛ فلهذا يجب أن تبث في هؤلاء الجنود روح الإخلاص ليخلصوا لله في قتالهم، فإذا أخلصوا لله في قتالهم أوشك أن ينصروا على أعدائهم.
ومن فوائد الحديث: جواز هدية الفقير، يؤخذ ذلك من قوله: "فأهدي منها لغني".
فإذا قال قائل: كيف يجوز للفقير أن يهدي إذا كان عنده فضل فلا يجوز أن يأخذ من الزكاة؟
نقول: يمكن أن يهدي الفقير، مثال ذلك: اشترى لحومًا زادت عليه، وخاف أن تفسد فأهدى منها، اشترى بطيخًا فخاف أن يفسد فأهدى منه، كان أخذ المال على أنه كفاية سنة، ولكن الأشياء رخصت فسوف يتوفر عنده شيء فيهدي منه، فالحاصل: أن الفقير له أن يهدي.
стр. 1346
ومن فوائد الحديث: جواز قبول الغني هدية الفقيرة لأن الحديث صريح: "لا تحل إلا لكذا" فلا يقول الإنسان: لا أقبل هدية المسكين؛ لأن هذا يضره وهو أولى بها مني وما أشبه ذلك، تقول: لا؛ لأنه ربما يكون جبر خاطره أحب إليه من المال الذي يرد إليه، وما أكثر الفقراء الذين يفرحون إذا قبل الأغنياء هديتهم، وهذا الحديث وإن كان فيه علة لكن معناه صحيح منطبق على القواعد الشرعية.
٦١٣ - وعن عبيد الله بن عديِّ بن الخيار ﵁: "أن رجلين حدثاه أنَّهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه من الصَّدقة، فقلَّب فيهما النَّظر، قرآهما جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولاحظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مكتسب". رواه احمد وقوَّاه، وأبو داود والنسائيُّ.
قوله: "أن رجلين حدثاه أنهما أتنا رسول الله"، في هذا إشكال وهو جهالة هذين الرجلين، وهذا يجعل الحديث مردودًا؛ لأن جهالة الراوي قدح في الرواية، فما تقولون؟ جهالة الصحابة لا تضر.
قال: "يسألانه من الصدقة"، "السؤال" يطلق على طلب المال، ويطلق على الاستخبار والاستفهام عن الشيء، فإن كان للمعنى الأول تعدى إلى المفعول الثاني بنفسه، وإن كان للمعنى الثاني تعدى إلى المفعول الثاني بلفظ "عن"، فتقول: "سألت فلانًا مالًا" هذا سؤال العطاء، و"سألت فلانًا عن كذا" سؤال الاستفهام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ [المائدة: ٤]. ﴿ويسألونك عن الجبال﴾ [طه: ١٠٥]. ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وأمال سأل بمعنى طلب الإعطاء فإنه يتعدى بنفسه إلى المفعول الثاني، مثل: "سألت زيدًا مالًا"، وقد يتعدى بـ"من" مثل قوله تعالى: ﴿وسئلوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]. إذا قلت: يراد بها بيان الجنس هنا "يسألانه من الصدقة" فمن أي النوعين؟ من سؤال العطاء المعدَّى بـ"من" مثل: ﴿وسئلوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢].
"يسألانه من الصدقة" أي: من الزكاة؛ لأن غالب ما يكون عند الرسول ﷺ من الزكوات، "فقلب فيهما النظر" يعني: أنه جعل ينظر إليهما بإمعان ودقة، "فرآهما جلدين" أي: قويين، والجلد معناه: القوة والصبر ومنه تجلد على كذا، أي: تصبر عليه، فمعنى جلدين، أي: قويين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب"، قال الإمام أحمد: ما أجوده من حديث يقول: "إن شئتما أعطيتكما"، يعني: أنه- ﵊ لا يردُّ سائلًا، لكن أراد هنا أن يبين لهما الحكم، فإن كانا من أهل الصدقة أعطاهما، وإن لم يكونا من أهل الصدقة لم يعطهما، ولكنه بين فقال: "لاحظ فيها" "الحظ" بمعنى: النصيب، ومنها قوله تعالى:
стр. 1347
﴿وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت: ٣٥]. أي: نصيب عظيم. وقوله: "فيها" أي: في الصدقة، "لغني ولا لقوي مكتسب"، الغني هنا فسر بما فسرناه في الغني في الحديث الأول وهو الذي يجد كفايته وكفاية عائلته لمدة سنة، قال: "ولا لقوي مكتسب"، اشترط النبي ﷺ شرطين: القوة، والاكتساب؛ فإن كان قويًّا ولا كسب له حلت له، وإن كان مكتسبًا لكن لا قوة له فإنها تحل له، كرجل ذي صنعة يعمل، ولكنه مريض لا يستطيع أن يعمل، فهذا تحل له الزكاة.
إذن هذان اثنان: الغني، والقوي المكتسب، فالغني: هو الغني بماله، والقوي المكتسب: هو القوي بصنعته واكتسابه.
هذا الحديث معناه الإجمالي ظاهر.
أما ما يؤخذ منه من الفوائد: فأولًا: أنه يجب على من أراد أن يعطي الصدقة أن ينظر السائل هل هو مستحقُّ أو لا؟ بدليل قوله: "نقلب فيهما النظر" لا سيما إذا وجدت قرائن تدل على أنه غير مستحق كما في هذا الحديث.
ثانيًا: أن الإنسان مقبول قوله في الفقر وعدم التكسب؛ لقوله: "إن شئتما أعطيتكما".
ثالثا: أنه ينبغي- إن لم نقل بالوجوب- لمن عنده زكاة وجاء سائل يسأله، وظن أنه ليس بأهل أن يقول له كما قال النبي ﷺ لهذين الرجلين: "إن شئت أعطيتك ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب"، أما إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أن السائل صادق فإنه لا يلزمه أن يقول ذلك، بل قد يكره له هذا، لأنه يخجله ويكسر قلبه، إذا قال مثل هذا القول.
ومن فوائد الحديث أيضًا: تحريم الصدقة على الغني لقوله: "ولا حظ فيها لغني".
ومنها: تحريمها على القوي المكتسب لقوله: "ولا لقوي مكتسب".
ومنها: أن الغني ينقسم إلى قسمين: غني بالمال، وغني بالكسب والصنعة، لقوله: "لغني ولا لقوي"، ويتفرع على هذه القاعدة: أنه إذا كان لك قريب يستطيع أن يكتسب لقوته ووجود المكاسب فإنه لا يجب عليك الإنفاق عليه؛ كيف ذلك؟ لأن الرسول قارنه بالغني، وهذا يدل على أن الكسب غنى، والحقيقة أن الكسب قد يكون أضمن من المال؛ لأن المال ربما يسرق، ربما يتلف، لكن الكسب هو دائمًا مع صاحبه يتنقل معه لأنه يكسبه ببدنه.
ومن فوائد الحديث: أن الصدقة تحلُّ للفقير إذا لم يكن قويًّا مكتسبًا، يؤخذ هذا من مفهوم قوله: "لغني ولا لقوي مكتسب".
ومن فوائد الحديث: الرد على الجبرية لإثبات المشيئة للعبد في عدة جمل في الحديث كلها فيها الرد على الجبرية، ففي هذا الحديث: إثبات المشيئة للعبد وإثبات الفعل له؛ لأنه قال: "مكتسب"، و"قلَّب" وما أشبه ذلك.
стр. 1348
٦١٤ - وعن قبيصة بن مخارقٍ الهلاليِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثةٍ: رجل تحَّمل حمالةً، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثمَّ يمسك، ورجل أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيشٍ، ورجل أصابته فاقةٌ حتَّى يقوم ثلاثةٌ من ذوي الحجا من قومة: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ؛ فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيشٍ، فما سواهنَّ من المسألة يا قبيصة سحتٌ يأكله صاحبه سحتًا". رواه مسلمٌ، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبَّان.
من اللذين تتجل لهم الصدقة:
قوله: "إن المسألة لا تحل إلاً لأحد"؛ لأن قبيصة سأل النبي- ﵊ من الصدقة فقال له هذا الكلام: "لا تحل إلا لأحد ثلاثة" أولًا: "رجل" بالكسر لماذا؟ بدل من "أحد"، ويجوز أن تقول: "رجل" بالضم على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أحدهم رجل.
"تحمل حمالة فحلت له المسألة" يعني: تحمل حمالة للإصلاح بين قوم، وهذا هو الغارم لإصلاح ذات البين، فهذا وجد قبيلتين متنافرتين يكاد يكون بينهما دماء فتحمَّل حمالة، فهذا تحل له المسألة حتى يصيب تلك الحمالة، ولو كان غنيًّا؛ لأن هذا من باب المساعدة والمعاونة على فعل المعروف؛ لأن فعله هذا لا شك أنه معروف يحمل عليه ويشكر عليه، فكان من المناسب أن يعطى ما تحمله تشجيعًا له ولأمثاله، إذ إن غالب هذه الحمائل تكون كثيرة.
ولو قلنا: إنه لا يعطى لكانت أمواله تتلف بسبب هذه الحمالة، فمن أجل هذا كان من الحكمة أن يعطى إياها، ولكن السؤال سؤالان سؤال خفي، وسؤال علني، السؤال العلني: ما يسأله بعض الناس الآن يقوم أمام الناس في المساجد أو في المجتمعات ويتكلم، والثاني: سؤال خفي بأن يكتب ما وقع له ثم يرسله إلى من يتوسم فيه الخير، أو يذهب هو بنفسه إلى من يتوسم فيه الخير ويقص عليه القصة أيهما أعظم؟ الأول أعظم، والأول ينبغي ألاَّ يجوز إلا للضرورة، لأنه في الواقع بذل نفسه أمام الناس جميعًا، لكن الذي يسأل سؤالًا خفيًّا فيمن يتوسم فيه الخير يكون أهون، لأنه إنما أذل نفسه عند أشخاص معينين، وإن كان هذا أشد من جهة أخرى وهو إحراج المسئول؛ لأن الأول يسأل من شاء أعطاه ومن شاء لم يعطه ولا يهمه، لكن الثاني يحرج المسئول فقد يكون أشدُّ من هذه الناحية.
قال: "ورجل أصابته جائحة" اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة، "حتى يصيب قوامًا من عيش، "الجائح": هو المهلك للشيء، ومعنى "اجتاحت ماله" أي: أهلكته، مثل أن يأتي زرعه
стр. 1349
فيضان يتلفه، أو يأتي دكانه حريق يحرقه، أو يأتي ماشيته جنود يأخذونها أو ما أشبه ذلك، لكن الجائحة لا بد أن تكون بينة؛ ولهذا لم يحتج إقامة البينة على هذه الجائحة؛ لماذا؟ لأنها ظاهرة، ولهذا هنا لم يشترط النبي ﷺ أن يشهد عليه أحد.
قال: "اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش"، "القوام": ما تقوم به حياته، و"من عيش": ما يعيش به الإنسان، وليس المراد بالعيش: ما هو معروف عندنا في اللغة العامية وهو القمح، ولكن المراد بالعيش هنا: ما يعيش به الإنسان من لباس، وطعام، وشراب وما أشبه ذلك، إذن ما تقوم به حياته. "ومن عيش" أي: ما يعيش به.
ثم قال: "ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ... الخ"، "الفاقة"، يعني: الحاجة، لكنها ليست حاجة بينة للناس، إنما رجل كان غنيًّا ومعروفًا بالغني وانكسر انكسارًا بغير شيء معلوم، مثل ما يحصل في بعض الأحيان تكسد الأشياء، ويكون الرجل قد اشترى سلعًا كثيرة فخسرها، ويكون أيضًا قد اشترى هذه السلع بأكثر من ماله الذي بيده كما يوجد من أهل الطمع إذا رأوا الأشياء ترتفع ذهب الواحد منهم يشتري أكثر من ماله، فإذا نزلت الأشياء خسر وصارت ديونه عظيمة، لكن لو أن الإنسان لا يشتري إلا مقدار ما عنده ما حصل الخلل، وهذا هو العقل وهو الشرع ألاَّ تشتري أكثر مما عندك، هذا الرجل اشترى سلعًا كثيرة وهبطت الأشياء وخسر والناس يظنون أنه ما زال على غناه. إذن فالفرق بين هذا والذي قبله: أن الذي قبله تلف ماله بسبب ظاهر "جائحة"، أما هذا فإن الفاقة صارت بسبب خفي لا يعلم عنه.
ويقول الرسول ﷺ : "حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابه"، قوله: "لقد أصابه" مفعول لفعل محذوف، والتقدير: حتى يقوموا فيشهدوا لقد أصابه، أما على النسخة التي عندكم: "حتى يقول" فإن مقول القول يكون قوله: "لقد أصابه"، ولا حاجة إلى التقدير.
قال النبي ﷺ : "ثلاثة من ذوي الحجا"؛ لأن هذا الذي ادَّعى الفقر يدعي استحقاقًا يستلزم حرمانًا كيف ذلك؟ هذا الذي أخذ هذا المال من الزكاة أخذه إياه يستلزم استحقاقًا ويستلزم حرمانًا لغيره من الفقراء الآخرين فكان من الحكمة أن يكون الشهود ثلاثة واشترط النبي ﷺ شرطين مع هذا العدد من ذوي- الحجا وهو العقل-يعني: أنهم أصحاب فطنة وانتباه ليسوا أصحاب غفلة وغرة تفوتهم الأشياء ويغرر بهم، أو ليسوا أيضًا من ذوي العاطفة الذين تغلبهم العاطفة حتى يشهدوا لإنسان بمقتضى هذه العاطفة لا بمقتضى العقل.
الشرط الثاني: "من قومه"، وهذا يعود إلى اشتراط الخبرة؛ لأن قومه هم أهل الخبرة بحاله، فاشترط الرسول ﷺ ثلاثة شروط: العدد بأن يكونوا ثلاثة، العقل، الخبرة. العقل؛ لقوله: "من ذوي الحجا"، والخبرة من قوله: "من قومه"؛ لأن قومه أعلم.
стр. 1350
فإن قال قائل: إن قومه قد يحابونه فيشهدون بما ليس بصواب؟ فالجواب: أننا إذا حصلت هذه التهمة وتحققناها فإننا لا نقبل كغيرهم من الشهداء الذين تقوى فيهم التهمة، لكن الرسول ﷺ راعى كونهم من قومه أنهم أقرب إلى العلم بحاله.
يقول: "لقد أصابت فلانًا فاقة"، اللام هنا موطِّئه للقسم، و"قد" للتحقيق، وعلى هذا فتكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، وقد، ولكن قد تجاب الشهادة بما يجاب به القسم فيقول: أشهد لقد كان كذا وكذا، والجامع بينهما هو التوكيد في كلٍّ منهما القسم مؤكد والشهادة أيضًا مؤكدة.
وقوله: "أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش"، قال: "فما سواهن" أي: فالذي سواهن، وهنا حذف من الصلة، فأصلها: "فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت" حذف فضل الصلة، أو نقول: الصلة موجودة "سواهن سنحت" الجملة هذه تامة أو لا؟ إذن كلامنا الأول صواب فالذي هو سواهن سحت، والسحت: هو المال المأخوذ بغير حق، وسميِّ سحتاّ؛ لأنه يسحت بركة المال، وربما سحت المال نفسه، ولهذا تجد كثيرًا من الناس الذين يكتسبون الأموال بالباطل لا يموتون إلا وهم فقراء وهذا شيء مشاهد، فإن سحت نفس المال فالأمر ظاهر، وإن لم يسحته فقد سحتت بركته.
وقوله: "وما سواهن من المسألة يا قبيصة"، دخلت الجملة الندائية هنا بين المبتدأ والخبر للتنبيه، قال: "يأكلها- وفي رواية: يأكله- صاحبها سحتّا"، أما على القول بأنه "يأكله"، فواضح أنه مطابق لقوله: "سحت"؛ لأن سحتًا مفرد مذكر، وأما على الرواية الأخرى "يأكلها"، فالمراد: الصدقة: يعني: ما سوى هذه المسألة، فإن من سأل من الصدقة فأكلها فهو سحت يأكلها. وقوله: "سحتًا"، هذه حالٌ من الهاء في قوله: "يأكلها"، وهي مؤكدة لقوله: "سحتًا".
هذا الحديث كما تشاهدون أخبر النبي ﷺ أن المسألة- والمراد بها: مسألة المال- لا تحلُّ إلا لواحدة من هذه المسائل.
نستفيد من هذا الحديث؛ أولًا: تحريم مسألة المال إلا في هذه الأحوال الثلاثة، لقوله ﷺ : "إن المسألة لا تحل".
ومن فوائد الحديث أيضًا: حسن تعليم الرسول ﷺ كيف هذا؟ الحصر والعد؛ لأن هذا مما يزيد الإنسان حفظًا وفهمًا.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا تحمّل حمالة لغيره فإن له أن يسأل حتى يصيب هذه الحمالة كقوله: "إلا لأحد ثلاثة .... " الخ.
стр. 1351
ومنها: جواز سؤال الإنسان لغيره؛ لأنه إذا سأل لأمر يعود نفعه إليه من أجل غيره فسؤاله لأمر يعود نفعه إلى الغير من باب أولى، فيجوز للإنسان أن يسأل الغير إذا علم أن هذا الغير مستحق، ولكن مع هذا لا ينبغي إلا إذا كان سؤاله هو أقرب إلى قضاء حاجة الغير مما لو سأل الغير حينئذٍ يكون سؤاله كالشفاعة، أما إذا كان هذا الذي قال: اسأل لي فلانًا يستطيع أن يسأل هو بنفسه، ويمكن أن تقضى حاجته فلا ينبغي حينئذٍ أن تسأل له لسببين:
الأول: أن هذا قد يحرج صاحبه- أعني: المسئول-؛ لأن بعض الناس قد يهون عليه أن يعتذر من فلان، ولا يهون عليه أن يعتذر من فلان.
الثاني: أن فيه شيئًا من الغضاضة عليه حتى وإن كنت تسأل لغيرك، لكن فيه شيء من الغضاضة لا سيما إذا كثرت أسئلتك الناس للناس فإن هذا يوجب الغضاضة عليك، لكن هذه المسألة إذا تحملتها فلا يهم، لكن الكلام على أن نقول: إذا كان سؤالك للغير أقرب إلى إجابته بحيث لو سأل هو لم يجب فمعونته هنا لا شك أنها مصلحة وفيها خير.
ومن فوائد الحديث: أن الإسلام حريص على كرامة بنيه وعدم ذلهم ولهذا حزم عليهم المسألة لما فيها من الذل.
ومنها أيضًا: أن من أصيب بجائحة اجتاحت ماله جاز له أن يسأل بقدر الحاجة فقط لقوله: "حتى يصيب قوامًا من عيش"، ثم بعد ذلك لا يسأل.
ومن فوائد الحديث: أن من كان غنيًا ثم افتقر فإنها لا تحل له المسألة ولا الزكاة أيضًا حتى يشهد له ثلاثة من قومه من ذوي العقل، لأنه أصابته فاقة، وذلك لأن الأصل بقاء الغنى وعدم الاستحقاق فلا يقبل إلا ببينة، بخلاف الرجل الذي لم يكن معروفًا بالغنى إذا جاء يسأل يقول إنه من أهل الزكاة فإننا نعطيه إذا غلب على الظن صدقه.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن ما عدا هؤلاء الثلاث إذا أخذ الإنسان المال بالسؤال فإنه سحت، لقوله: "وما سواهن من المسألة".
ومنها أيضًا: استعمال التنبيه للمخاطب عند الجملة المهمة، لقوله: "فما سواهن من المسألة يا قبيصة"، فإذا كان حديثه مستفيضًا وطويلًا وأنت في فقرة من الحديث ينبغي له أن ينبهِّ عليها فإنه يحسن التنبيه.
ومن فوائد الحديث: أن المال الحرام ليس فيه بركة، وأنه شؤم على بقية المال: لقوله: "سحت يأكله صاحبه سحتًا".
ومن فوائده أيضًا: أنه حتى لو أن الإنسان استمتع بالمال الحرام فإنه سحت حتى لو أكله وانتفع به فإنه سحت؛ لأنه يسحت البركة من وجه آخر وهو أن المتغذي بالحرام لا يستجاب
стр. 1352
دعاؤه؛ ذكر النبي ﷺ : الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، قال: "فأنى يستجاب لذلك".
وهذا من السحت أن يسحت بركة الدعاء مع توفر أسباب الإجابة، وهي رفع اليدين إلى السماء. ومن قوله: يا رب، يا رب، يا رب، وكونه أشعث أغبر، والرابع: كونه في السفر مع توفر هذه الأسباب الأربعة يبعد أن يستجاب له، لأنه كان يتغذى بالحرام، وهذا من أعظم السحت- والعياذ بالله-.
ومن فوائد الحديث: التنبيه على أنه لابد أن يكون الشاهد ذا خبرة؛ لقوله: "من قومه، فإذا لم يكن ذا خبرة فإننا لا نقبله؛ لأننا نعلم أنه شهد تخرُّصّا أو محاباة أو ما أشبه ذلك.
ومنها: اشتراط العقل في الشهادة؛ لقوله: "من ذوي الحجا" أي: العقل.
ومنها اشتراط التعدد في هذه المسألة في ثلاثة، لقوله: "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، وهذا فيما إذا كان معروفًا بالغنى من قبل.
فائدة في أقسام البيئات:
تتميمًا لهذه الفائدة نقول: إن الشهود قد يكونون أربعة، وقد يكونون ثلاثة، وقد يكونون رجلين، وقد يكونون رجلًا وامرأتين، وقد يكونون رجلًا ويمين المدعي، وقد تكون اليمين فقط، فهذه أقسام أربعة.
في الزنا واللواط لا بد فيه من أربعة رجال لقوله تعالى: ﴿لولا جاءو عليه بأربعة شهداء﴾ [النور: ١٣]. ثلاثة رجال هذا الحديث: إذا ادعى الفقر وهو معروف بالغنى فلا بد من ثلاثة رجال، رجلان في الحدود مثل حد الزنا، والقصاص، والنكاح وما أشبه ذلك مما ليس بمال ولا يقصد به المال فلا بد فيه من رجلين، رجل وامرأتان في المال وما يقصد به لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. رجل ويمين المدعي كذلك في المال وما يقصد به؛ لأن النبي ﷺ قضى بالشاهد مع اليمين، امرأة واحدة أو رجل واحد، أمرأة واحدة فيما لا يطلع عليه إلا النساء كالرضاع والاستهلال وما أشبه ذلك.
الاستهلال؛ يعنى: استهلال الحمل إذا سقط، وشهدت امرأة بأنه استهل صارخًا قبلنا شهادتها وورثناه اليمين فقط وذلك فيما إذا كان هناك قرينة ظاهرة تدل على صدق المدعي مثل: القسامة في الدماء، ومثل لو أن رجلًا يسعى شديدًا خلف رجل هارب وهذا الرجل الذي يسعى شديداً خلفه أصلع ليس عليه شيء وذاك عليه شماغ وبيده شماغ، والذي يسعى وراءه يقول: أعطني شماغي، هنا إذا قال المدعين عليه: هات شهودًا أن هذا لك، فإننا نقبل قول المدعي بيمينه؛ لماذا؟ لوجود قرينة ظاهرة تشهد له. هذه أقسام البينات التي تثبت بها الحقوق، كم صارت؟ سبعة.
стр. 1353
الصدقة لا تحل للنبي ﷺ ولا لآله:
٦١٥ - وعن عبد المطَّلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لآل محمَّدٍ، إنَّما هي أوساخ النَّاس".
- وفي رواية "أنَّها لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآل محمَّدٍ". رواه مسلمٌ.
"الصدقة" هنا كلمة عامة تشمل الزكاة وصدقة التطوع، أما كونها تشمل صدقة التطوع فظاهر؛ لأن الصدقة في الأصل لا يفهم منها عرفًا إلاّ صدقة التطوع، وأما شمولها للصدقة الواجبة فلقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات ..... ﴾، وهذه للزكاة لقوله في آخرها: ﴿فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. هنا هل المراد بالصدقة الواجبة والمستحبة، أم الواجبة؟ ننظر، إن أخذنا بالعموم قلنا: إنها شاملة لصدقة التطوع والواجبة وهي الزكاة، وإن نظرنا إلى التعليل: "إنما هي أوساخ الناس" رجحنا أن المراد بها: الزكاة؛ لأن الزكاة هي التي تنظف المال وتطهره من الآفات، فهي إذن كالماء الذي تغسل به النجاسات فيكون وسخًا، وهذا التعليل لا ينطبق على صدقة التطوع؛ لأن صدقة التطوع مكفرة للذنوب وليست مطهرة للأموال؛ لأنها ليست واجبة، وهذا هو ما ذهب إليه الجمهور؛ بمعنى: أن المراد بالصدقة هنا: الزكاة، ولكن بعض أهل العلم يقول: إنها عامة تشمل الصدقة الواجبة وصدقة التطوع.
يقول: "إن الصدقة لا تنبغي" سبق لنا أن كلمة "لا تنبغي" في القرآن والسُّنة معناها الامتناع، يعني: ممتنعة، "لا تحل لآل محمد"، "آل محمد" هم بنو هاشم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم فمن كان من ذرية هاشم فهو من آل محمد، ومن فوقه من بني عبد مناف، ومن فوقه فإنهم ليسوا من آل محمد فآل الشخص إلى الجد الرابع فقط؛ إذن لا تحل لبني هاشم ذكورهم وإناثهم، لأنه قال: "لا تنبغي لآل محمد".
ثم قال: "إنما هي أوساخ الناس" هذه جملة حصرية، أداة الحصر فيها "إنما" يعني: ما هي إلا أوساخ الناس، وأوساخ الناس لا ينبغي أن تكون لأطيب الناس عرقًا، وهم بنو هاشم، فإن بني هاشم أطيب الناس عرقًا ونسبًا، فلا تحل لهم الزكاة، لأنهم أشرف من أن يأخذوا أوساخ الناس.
وقوله: "أوساخ الناس" المراد بالناس هنا: الذين تجب عليهم زكاة لا كل أحد؛ لأنه ليس كل أحد عليه أن يزكي، فهو إذن عام أريد به الخاص.
مسألة مهمة:
أحيانًا نسمع عام مخصوص، ونسمع عام أريد به الخاص، فهل بينهما فرق؟ نعم، الفرق بينهما أن العام المخصوص لفظ عام أريد عمومه، ثم أخرج من هذا العموم شيء من الأفراد:
стр. 1354
﴿إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين أمنوا﴾ [العصر: ٢، ٣]. الإنسان عام مخصوص، فقال: ﴿إلا الذين أمنوا﴾. والاستثناء هذا يخرج بعض أفراد العموم، "فيما سقت السماء العشر" هذا عام. "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" هذا مخصص، فالعام المخصوص: هو الذي أريد عمومه أولًا ثم أخرج منه بعض الأفراد، وعلى هذا فيكون حجة فيما عدا التخصيص، فإذا استدل أحد بعمومه على أي فرد من أفراده فاحتجاجه صحيح إلا في الفرد الذي خصص.
ثانيًا: أن العام المخصوص يصح الاستثناء منه بخلاف العام الذي أريد به الخاص فإنه لا يصح الاستثناء منه، العام الخاص في الوجه الأول لا يراد به العموم أصلًا بل يراد به شيء معين، وعلى هذا فأي أحد يدخل فيه شيء من العموم فإنه ممنوع، لماذا؟ لأنه أريد به الخاص فلا يمكن أن تدخل فيه شيئًا من العموم.
ثالثًا: أن الذي أريد به الخاص إذا دل على فرد لا يمكن الاستثناء منه، مثاله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ [آل عمران: ١٧٣]. قالوا: إن المراد بالناس: أبو سفيان ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾، والمراد بالناس الذين قال لهم الناس: الرجل الذي أخبر النبي ﷺ وأصحابه بأن قريشًا جمعوا لهم، فهو إذن عام أريد به الخاص، فالأول: نعيم بن مسعود، والثاني: أبو سفيان، هكذا قيل، وعلى كل حال: هذا الفرق بين العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص.
في هذا الحديث من الفوائد: تحريم الصدقة على آل النبي ﷺ وهل يدخل فيهم الرسول؟ نعم، يدخل فيهم، فإذا قيل: آل فلان، دخل هو- المنسوب إليه- فيهم بالأولوية، على أنه قد صرح في الرواية الثانية: "إنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد"، فيكون المؤلف أتى بالرواية الثانية؛ لأن فيها التصريح بدخول النبي ﷺ .
وهل هذا يشمل الزكاة وصدقة التطوع؟ أقول: في هذا خلاف بين أهل العلم، فجمهور العلماء على أن المراد به: الزكاة الواجبة، واستندوا في ذلك إلى التعليل في قوله: "إنما هي أوساخ الناس"، ولكن هذا في غير النبي ﷺ أما النبي ﷺ فإنه لا يأكل الصدقة لا تطوعها ولا: فرضها، وهذا من خصائصه ﵇.
واختلف العلماء هل هذا الحكم عام أو مقيد بما إذا أعطوا الخمس؛ لأن المعروف أن الخمس لذوي القربى- البني هاشم وبني المطلب أيضًا- كما سيأتي في الحديث الذي بعده ولكن هل نقول كما قال هؤلاء، وأنهم إذا لم يعطوا الخمس أعطوا من الزكاة؟ في هذا أيضًا قولان لأهل العلم، منهم من قال: إنهم إذا لم يعطوا من الخمس، إما لكونه لا خمس، وإما لظلم من ولي الأمر لا يعطيهم، فإنهم يأخذون من الزكاة لئلا يموتوا جوعًا، أو يتكففوا الناس يعني: يسألونهم-، فإن تكففهم الناس أعظم ذلاٍّ مما إذا أعطوا من الزكاة بلا سؤال، وهذا اختيار
стр. 1355
شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو يرى أنهم إذا منعوا الخمس أو لم يكن هناك خمس، بما إذا لم يكن هناك جهاد ولا غنيمة، فإنهم يعطون من الزكاة؛ لأنهم فقراء، ولكن جمهور أهل العلم على أن المنع على الإطلاق، وأنهم لا يأخذون من الزكاة، ولو لم يكن هناك خمس، ولا يمكن أن يكون حرمانهم ما يجب لهم مبيحًا لأخذهم ما ليس لهم أخذه، فإذا حرموا الخمس فهم مظلومون، ولكن لا يقتضي ذلك حل ما منعوا منه وهو الأخذ من الزكاة إذا لم يكن هناك خمس أو منعوا من الخمس وهم فقراء، ماذا نعمل بالنسبة لهم؟ ندفع لهم صدقة تطوع على قول الجمهور، وصدقة التطوع أهون من الصدقة الواجبة.
ومن فوائد الحديث: فضيلة آل النبي ﷺ لكونهم أرفع شأنًا من أن يأخذوا زكاة الناس.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ حيث يقرن الأحكام بالعلل لقوله: "لا تنبغي، "إنما هي أوساخ الناس"، وقرن الحكم بالعلة له ثلاث فوائد ذكرناها كثيرًا.
الفائدة الأولى: اطمئنان النفس إلى الحكم؛ لأن النفس إذا علمت علة الحكم اطمأنت بلا شك.
والثانية: بيان سمو الشريعة، حيث إنها لا تحكم إلا بما له علة مناسبة للحكم بها يثبت الحكم.
والثالثة: إمكان القياس فيما يمكن فيه القياس عليه؛ لأن الشيئين إذا اتفقا في العلة تساويا في الحكم هنا قال: "إنما هي أوساخ الناس".
وهنا في هذا الحديث: تسلية آل النبي ﷺ ، فإن النفوس مجبولة على الشح، وعلى حب المال، فإذا قيل لهم: إن هذا لا يحل لكم.
يقولون: كيف الناس يتمتعون بها، ونحن نحرم منها. فإذا قيل: "أوساخ الناس" صار بذلك تسلية لهم، وهذا من حسن مداراة النبي ﷺ فإن النبي ﷺ لما طلب العباس منه من الصدقة لأنه عامل قال له هذا الكلام قال: "إنما هي أوساخ الناس"، ولا شك أن الإنسان إذا علم أنها أوساخ الناس سوف يتقزز منها وبطبيعته يكرهها.
ومن فوائد الحديث: جواز وصف الزكاة بالأوساخ، لكن هذا مشكل كيف نصفها بأنها أوساخ الناس وهي ركن من أركان الإسلام، وهل في الإسلام شيء وسخ مشكل هذا؟ المسألة ثقيلة ليست هينة هي بالنسبة لإخراجها وإيتائها لأصنافها تعد ركنًا من أركان الإسلام، تزكي النفس وتطهرها، وتلحقها بالكرماء والمحسنين، وبالنسبة للمعطي نقول: إنه وسخ؛ لأنه هو الشيء الذي طهر به المال، فهو كالماء الذي طهرت به النجاسة، ولا ينبغي للإنسان أن يأخذها إلا وقت الحاجة، كما لو اضطر الإنسان إلى الماء النجس يشربه!
стр. 1356
آل النبي الذين لا تحل لهم الصدقة:
٦١٦ - وعن جبير بن مطعمٍ ﵁ قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفَّانّ ﵁ إلى النَّبيِّ ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلَّب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلةٍ واحدةٍ فقال رسول الله ﷺ : إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحدٌ". رواه البخاريُّ.
"مشيت" أي: سرت أنا وإياه إلى الرسول ﷺ لهذا الغرض ولهذه الحاجة. الغرض أن الرسول ﷺ أعطى بني المطلب من خمس خيبر، والله يقول: ﴿* واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول﴾ [الأنفال: ٤١]. والذي لله وللرسول يصرف في مصارف المسلمين العامة الذي يسمى الفيء، ﴿ولذي القربى﴾ يعني: قرابة النبي ﷺ من يدخل في ذي القرى بنو هاشم قلنا: إنهم آل الرسول ولا شك أن من قرابته بنو المطلب، ننظر الرسول ﷺ جعلهم في الخمس قسمين: بنو المطلب، يعني: عبد شمس ونوفل، والمطلب وهاشم بطنان أعطاهما النبي ﷺ من الخمس وبطنان لم يعطهما مع أن الأربعة كلهم أبناء رجل واحد، وعثمان بن عفان، وجبير بن مطعم من البطنين الممنوعين، فذهبا إلى النبي ﷺ يسألانه فقال النبي ﷺ : "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحدة لماذا؟ لأن بني المطلب- لما صارت محاصرة قريش لبني هاشم إثر دعوة النبي ﷺ في مكة- انضموا إلى بني هاشم وصاروا معهم وحصروا في الشعب، وأما بنو عبد شمس ونوفل فإنهم صاروا مع قريش، ولهذا كان أبو طالب يقول في لاميته المشهورة: [الطويل]
جزا الله عنا عبد شمس ونوفلًا ... عقوبةً شر عاجلٍ غير آجلٍ
لماذا؟ لأنهم خذلوهم، فهم بنو عمهم، وكان الواجب عليهم- ولو من حيث القرابة- أن يكونوا معهم، لكن كانوا مع هؤلاء مع قريش لذلك لما ساعدوا بني هاشم وكانوا معهم في النصرة والولاء على قريش جعل لهم النبي ﷺ سهمًا من الغنيمة، وجعلهم شيئًا واحدًا، فهذه هي قصة الحديث، وجاء به المؤلف عقب قوله: فإن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إشارة إلى أن بني المطلب لا تحل لهم الزكاة، لقول الرسول ﷺ : "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد" أيضًا، وربما يقال: وإشارة إلى بيان الحكمة في أنهم لا يعطون من الزكاة وأن يجعل لهم بدلًا من ذلك وهو الخمس، بإشارة إلى بني المطلب وبنو هاشم يأخذون من الخمس وكان منعهم من الزكاة جعل لهم عوضًا عنه وهو الخمس، ثم هل بنو المطلب تحل لهم الزكاة أو لا؟ في
стр. 1357
هذا قولان لأهل العلم. منهم من قال: إنها لا تحل لهم الزكاة؛ لقول النبي ﷺ : "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد".
ثانيًا: ولأنهم يشاركون بني هاشم في الخمس، فإذا شاركوهم في المغنم شاركوهم في الحرمان من الزكاة.
ومن العلماء من يقول: إنها تحل لهم؛ لأن العلة في منع الزكاة على بني هاشم هي القرابة، ومعلوم أن بني المطلب بنو عم لبني هاشم وليسوا من بني هاشم، ولو كانت العلة القرابة لكان بنو عبد شمس ونوفل يمنعون من الزكاة.
وفي هذه المسألة عن الإمام أحمد رحمة الله روايتان: رواية أنها تحل لبني المطلب وهي المذهب. والرواية الثانية: أنها لا تحل، وهي التي مشى عليها صاحب زاد المستقنع، والصحيح أنها تدفع إلى بني المطلب، وأن الرسول ﷺ إنما أعطاهم من الخمس لا من أجل قرابتهم، ولكن من أجل النصرة والحماية حيث كانوا مع بني هاشم على قريش، ولو كانت العلة القرابة لم يكن فرق بينهم وبين بني عبد شمس ونوفل.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يستعين بمن يشاركه في مهمته، وأن هذا من أسباب نجاح المهمة، دليله: أن جبير بن مطعم مشى هو وعثمان إلى الرسول ﷺ وكذلك أيضًا له شواهد من الواقع، فإن إجابة الاثنين أقرب من إجابة الواحد، وإجابة الثلاثة أقرب من إجابة الاثنين ..... وهكذا، فإذا كنت تريد أمرًا مهمًّا فالذي ينبغي أن تأخذ معك من يشاركك في الأمر؛ لأنه يعينك على قضاء الحاجة، وربما يورد عليك المسئول إيرادًا لا تستطيع أن تجيب عنه، فإذا كان معك غيرك فإنه ينشطك، ولهذا قال موسى- ﵊ لما أمره الله تعالى أن يبلغ رسالة إلى فرعون: ﴿واجعل لي وزيرًا من أهلي﴾ [طه: ٢٩، ٣٠].
ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه يجوز للإنسان أن يستفسر عما يظن أنه حق له؛ لأن النبي ﷺ أقر عثمان وجبيرًا على السؤال، ولم يقل: إن هذا السؤال حرام عليكم.
ومن فوائد الحديث: أن رسول الله ﷺ يكافئ على المعروف، وأن المكافأة على المعروف مما جاءت به الشريعة، حيث كافأ بني المطلب فأعطاهم من الخمس.
ومن فوائد الحديث: أن المراد بذوي القربى في قوله تعالى: ﴿وللرسول ولذي القربى﴾ قرابة النبي ﷺ وإن كان بعض العلماء قال: المراد بهم: قرابة ولي الأمر، ولكن الصواب أنهم قرابة النبي ﷺ .
стр. 1358
ومنها: تواضع النبي ﷺ حيث أجاب عثمان وجبيرًا بجواب يقتنعان به، وهو قوله: "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد"؛ وإلا ففي إمكانه أن يقول: لا حق لكما فيه وينصرفان، لكن الرسول ﷺ بين العلة في إعطاء بني المطلب وأنهم مع بني هاشم شيء واحد.
ومنها- على ظاهر صنيع المصنف رحمة الله-: أن بني المطلب لا يعطون من الزكاة كما أنهم يعطون من الخمس، وهذا أحد القولين في المسألة، ولكن الراجح خلاف ذلك.
هل يفهم منه أيضًا جواز التوسل بفعل شيء إلى أن يفعل الفاعل مثله؛ بمعنى: يجوز أن أقول لشخص: أنت أعطيت فلانًا فأعطني مثله؟ نعم؛ لأنه قال: أعطيت بنى المطلب، وهذا معناه كالإلزام بأن يعطي عثمان وجبيرة أو كالتوسل: يعني: مثلما أعطيت فلانًا وأنا وإياه حاجتنا واحدة فأعطني مثله، وهذا أيضًا أمر جبلت عليه النفوس أن الإنسان يتوسل بفعل الإنسان على أن يفعل به مثل ما فعل.
حكم أخذ موالي آل الرسول ﷺ من الصدقة
٦١٧ - وعن أبي رافع ﵁: "أنّ النبيّ ﷺ بعث رجلًا على الصدقةٍ من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها، قال: لا، حتى آتي النبيّ ﷺ فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مول القوم من أنفسهم، وإنها لا تحل لنا الصدقة". رواه احمد، والثلاثة، وابن خزيمة، وابن حبان.
وأبو رافع، كان مولى لرسول الله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ ملكه من قبل العباس بن عبد المطلب، فجاء إلى النبي ﷺ ذات يوم فبشره بإسلام العباس، فأعتقه النبي ﷺ فصار مولى للرسول ﷺ مولى من أسفل وليس مولَّى من أسفل باعتبار المعنى، فالرسول ﷺ أعلى منه بلا شك، لكن أقول لكم: إن المعتق يسمى مولى من فوق أو من أعلى، والعتيق يسمَّى مولَّى من أسفل فكل منهما مولَّى للآخر، لكن ذاك هو المعتق فهو الأعلى كما قال النبي ﷺ : "يد المعطي هي العليا"، والثاني مولى من أسفل.
يقول الرسول ﷺ : "مولى القوم من أنفسهم يعني: وأنت مولى لي فيكون حكمك حكمي ولهذا قال: "وإنها لا تحل لنا الصدقة"، يعني: فإذا كانت لا تحل لنا وأنت مولى فإنها لا تحل لك، إذن أضيفوا إلى المسألة السابقة- وهي أن الصدقة لا تحل إلى آل محمد-: ولا لموالي آل محمد، وإذا قلنا بأن المطلبيين لا تحل لهم الصدقة فكذلك مواليهم.
стр. 1359
ففي هذا الحديث من الفوائد أولًا: جواز استعمال الرجل على الصدقة؛ لأن الرسول ﷺ بعث هذا الرجل، ولكن يشترط في الرجل الذي يستعمل على الصدقة شرطان: القوة، والأمانة. القوة بماذا؟ بأحكام الزكاة أخذًا وإعطاء، فيعرف الأموال الزكوية، ويعرف مقدار الأنصبة، ويعرف مقدار الواجب، ويعرف المستحق إذا كان قد وكل إليه الصرف، ويشترط أيضًا أن يكون أمينًا، وهذان الشرطان- القوة والأمانة- يشترطان في كل عمل، وقد ذكر هذا في موضعين من كتاب الله فقالت إحدى البنتين لأبيها صاحب مدين: ﴿استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦]. ﴿قال عفريت من الجن أنا أتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين﴾ [النمل: ٤٠]. فكل عمل لا بد فيه من القوة عليه ومن الأمانة، قويًّا يعني: أنه يعلم الزكاة أنصبتها مقدار الواجب ومستحقها حتى يصرفها إذا وكل إليه الصرف، وأمينًا بحيث لا يخون، فإن كان خائنًا أو يخاف من الخيانة فإنه لا يجوز أن يولَّى.
ومن فوائد الحديث: جواز إخبار الإنسان بما ينتفع به انتفاعًا دنيويًّا، أو بعبارة أخرى جواز طلب المشاركة من شخص لينتفع بما يشارك فيه انتفاعًا دنيويًا، الدليل: "اصحبني فإنك تصيب منها".
ومن فوائد الحديث: ورع الصحابة- ﵃، فإن أبا رافع ﵁ مع كون هذا الرجل شجعه على الذهاب معه امتنع قال: "حتى آتي النبي ﷺ "، وهذا يدل على كمال الورع في الصحابة- ﵃، وهناك شيء يسمَّى ورعًا وشيء يسمى زهدًا وبينهما فرق: قال ابن تيمية: الورع ترك ما يضره في الآخرة، والزهد ترك ما لا ينفعه في الآخرة. يتبين الفرق في مباشرة شيء لا نفع فيه ولا ضرر، فمباشرته لا تنافي الورع ولكنها تنافي الزهد؛ لأن الزاهد هو الذي يفعل ما فيه المنفعة والمصلحة، وأما ما لا منفعة فيه في الآخرة فيتركه.
ومن فوائد الحديث: أن مولى بني هاشم لا تحل له الصدقة لقول النبي ﷺ : "مولى القوم من أنفسهم، ، وهل يستدل بعمومه على أن مولى القوم وارث؟ أما جمهور العلماء فيقولون: إن المولى من أسفل لا يرث، وإنما الوارث المولى من أعلى، لقول النبي ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق"، وأما المعتق فإن مولى سيده إذا لم يوجد له عاصب يذهب إلى بيت المال ولا يعطي العتيق، ولكن بعض العلماء قال: إن المولى من أسفل يرث إذا لم يوجد عاصب سواه ولا صاحب فرض وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وفيه حديث عن النبي ﷺ في المرأة أنها ترث لقيطها وعتيقها وولدها الذي لاعنت عليه.
стр. 1360
وفيه أيضًا: جواز إطلاق المولى على بني آدم، وأن تقول: هذا فلان مولاي، وما أشبه ذلك، وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وإن تظهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين﴾ [التحريم: ٤]. فالمولى تطلق على الله ، وتطلق على المخلوق لكن إطلاقها على المخلوق ليس كإطلاقها على الله؛ لأن الله- له الولاية المطلقة، وأما الإنسان فولايته مقيدة.
ومن فوائد الحديث أيضًا: حسن تعليم الرسول ﷺ وإقناعه؛ لأنه قال للرجل: "مولى القوم من أنفسهم"، وبيَّن له أنه لا تحل لهم الصدقة.
ومنها أيضًا: أنه يجوز الاقتصار على المقدمات إن لم تذكر النتيجة إذا فهمت من السياق؛ لأن ذكر النتيجة- وقد فهمت من السياق- لا يفيد إلا التطويل، كيف ذلك؟ قال: "إن مولى القوم من أنفسهم" هذه مقدمة أولى، و"إنها لا تحل لنا الصدقة" هذه مقدمة ثانية، والنتيجة: "فلا تحل لك الصدقة"، لا حاجة لذكرها إذا كانت معلومة من المقدمات؛ لأن ذكر النتيجة بعد العلم يعتبر تطويلًا لا فائدة منه؛ فلهذا نقول: إن ما يزعزع به المنطقيون من تلك المقدمات والنتائج الطويلة العريضة أكثرها لا حاجة إليه.
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: كنت أعلم دائمًا أن المنطق اليوناني لا ينتفع به البليد، ولا يحتاج إليه الذكي، إذن فهو تطويل بلا فائدة.
ومن فوائد الحديث: وجوب التصريح بالحق ولو على النفس؛ لقوله: "إنها لا تحل لنا الصدقة"، وهكذا يجب أن يذكر الإنسان ما له وما عليه قائمًا لله تعالى بذلك بالقسط: ﴿* يأيها الَّذين ءامنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]. وبعض الناس تجده مع الطمع ومع الجشع يحاول أن يأخذ ما لا يستحق بالطرق الملتوية، ولكن العاقل على خلاف ذلك، ما تقولون هل يوجد أحد من آل الرسول اليوم؟ الذي يقول ذلك سنلزمه بأن يذكر سندًا من الآن إلى المنتهى، أنا قرأت في "فتح الباري"، وكتب أخرى أنه لا يوجد أحد يعلم من آل البيت إلَّا ملوك اليمن فقط، والباقي كله فيه شك.
ومن فوائد الحديث: الجواب بـ"لا" كافٍ عن إعادة السؤال كالجواب بـ"نعم"، فإذا قيل: أعندك لزيد كذا؟ قال: لا، هذا إنكار كأنه قال: ليس عندي له شيء، وإذا قيل: ألك عنده شيء؟ فقال: نعم فهو كافٍ. الجواب: كأنه قال: نعم، ولهذا لو قيل للرجل: أزوجت ابنتك فلانًا؟ فقال: نعم، صح، ولو قبلت؟ قال: نعم، صح أيضًا، وهل الإشارة تقوم مقام اللفظ؟ نعم، إذا كان اللفظ ممتنعًا حسًّا أو شرعًا فإن الإشارة تقوم مقامه، والممتنع حسًّا كالأخرس، وهناك الممتنع شرعًا كالمصلي فإنه لا يتكلم شرعًا، فإن كان قادرًا على النطق فالصحيح أيضًا أن الإشارة تقوم مقام العبارة، وأنه يكتفي بذلك، وهكذا الكتابة.
стр. 1361
وفيه أيضًا مما سبق من الأحاديث: أن الصدقة لا تحل لآل النبي ﷺ ، فسبق أن العلماء اختلفوا في صدقة التطوع هل تحل لهم أو لا؟ واختلفوا فيما إذا منعوا الخمس هل تحلُّ لهم الزكاة أم لا؟
جواز الأخذ لمن أعطي بغير مسألة:
٦١٨ - وعن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يعطي عمر بن الخطَّاب العطاء، فيقول: أعطه أفقر منِّي، فيقول: خذه فتموَّله أو تصدَّق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرفٍ ولا سائلٍ فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك". رواه مسلم.
قوله: "كان يعطي عمر بن الخطاب" ما هذا العطاء؟ هذا العطاء هو العمالة على الصدقة؛ لأن الرسول ﷺ بعث عمر على الصدقة فلما رجع أعطاه منها سهم العاملين عليها، فكان عمر يقول: "أعطه أفقر مني"، وهذا من زهده ﵁ حيث طلب من الرسول ﷺ أن يعطيها أفقر منه.
وقوله: "أعطه أفقر مني" ليس أمرًا فيما يظهر؛ لأن مثل عمر لا يأمر النبي ﷺ ، وليس التماسًا؛ لأن الرسول ﷺ أعلى من عمر، إذن فما هو؟ سؤال لكنه أشد أدبًا من الالتماس، الالتماس نحو: أن يسألك قرينك وهو يشعر بأنك مثله في المرتبة لكن السؤال يسألك السائل وهو يرى أنك أعلى منه، فإن رأى أنك دونه فهو أمر، وقوله: "أفقر مني" إشارة إلى أن الناس يختلفون في الغنى والفقر، وأن الأفقر أحق بالعطاء من الأغنى.
وقوله: "فتموله أو تصدق به"، "تموله" أي: اجعله مالًا لك تنتفع به في حياتك، "أو تصدق"؛ به يعني: اصرفه إلى الفقير الذي قلت: إنه أفقر منك تقربًا إلى الله، فالفرق بين الصدقة والهدية: الصدقة ما أعطي تقربًا إلى الله.
ثم قال: "ما جاءك من هذا المال"، قوله: "هذا" لا شك أنه إشارة، و"المال" هل المراد بها: الجنس، أو المراد بها: العهد؛ يعني هل المراد بالمال هنا: مال الزكاة، أو المراد: جنس المال؟ يحتمل، وقد يرجح أن المراد به: الزكاة، اسم الإشارة هذا المال؛ لأن عمر كان عاملًا على الصدقة، فهذا يرجح أن يكون المراد به: مال للزكاة، ولكن حتى وإن كان اللفظ لا يشمل سواه من الأموال من حيث اللفظ فهو يشمله من حيث المعنى بالقياس؛ لأن الشمول المعنوي هو ما شمل الأشياء بالقياس، والشمول اللفظي: هو ما شمل بمقتضى دلالة اللفظ.
وقوله: "وأنت غير مشرف" الواو حالية، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل في "جاءك"، أو من المفعول؟ من المفعول فهي حال من الكاف. وقوله: "غير مشرف"، المشرف
стр. 1362
للشيء: هو المتطلع إليه، ومنه تطلع إلى الشيء يعني: أشرف عليه من بعد، فمعنى "غير مشرف" أي: غير متطلع لهذا المال يعني: أن نفسك لا تتشوف له.
وقوله: "ولا سائل" أي: طالب. "فخذه" الفاء رابطة للجزاء، أين الشرط الذي هي رابطة له؟ في قوله: "ما جاءك" ففعل الشرط؛ أي: فعل جاءك، "ومن هذا المال" بيان لـ"ما"، والفاعل مستتر عائد على "ما" الشرطية، "ما" شرطية وجاء فعل الشرط وفاعلها يعود على "ما" الشرطية، "ومن هذا المال" بيان لـ"ما" الشرطية، و"خذه" جواب الشرط، وقوله "فخذه" يعني: لا ترده؛ لأنه رزق ساقه الله إليك.
"وما لا فلا" "ما" شرطية، و"لا" نافية، وفعل الشرط محذوف، يعني: وما لا يأتك إلا وأنت مشرف أو سائل فلا أو ما لا يأتك مطلقًا فلا تتبعه نفسك وهذا أولى، يعني: هذا إذا جعلنا "ما" شرطية، أما إذا جعلناها موصولة فمعناه: "والذي لا يأتك" صار المقدر: والذي لا يأتيك مقدر الفعل مرفوعًا.
على كل حال: "ما" يصلح أن تكون موصولة أو شرطية؛ فإن كانت موصولة فالمحذوف صلة الموصول، أو فالمحذوف جزء من الصلة؛ لأن "لا" داخلة في الصلة، وإن كانت شرطية فالمحذوف فعل الشرط.
وقوله: "فلا تتبعه نفسك" أي: فلا تجعل نفسك تابعة له، أي: متعلقة به؛ فالمال إذا أتاك لا ترده، إذا لم يأتك لا تتبعه نفسك، لا تجعل نفسك تتبعه وتتعلق به، ومعلوم أن الرسول إذا نهى عن اتباع النفس للمال فنهيه عن الاستشراف والسؤال من باب أولى؛ لأن المستشرف والسائل قد أتبع نفسه المال.
في هذا الحديث عدة فوائد؛ أولًا: زهد عمر بن الخطاب ﵁؛ حيث طلب من رسول الله ﷺ أن يعطي المال من هو أفقر منه.
ثانيًا: أن الناس يتفاضلون في الغنى والفقر، وتفاضلهم في الغنى والفقر له حكم عظيمة بالغة، ولولا هذا التفاضل ما قام للدنيا عمل ولا للآخرة أيضًا، قال الله تعالى: ﴿أهم يقسمون رحمت ربِّك نحن قسمنا بينهم مَّعيشتهم في الحيوة الدُّنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجتٍ﴾. لماذا ﴿ليتَّخذ بعضهم بعضًا سخريًا ورحمت ربك خيرٌ ممَّا يجمعون﴾ [الزخرف: ٣٢]. لولا فقر العامل ما صار يعمل له، لو كان العامل مثلك وألزمته أو طلبت منه أن يبني لك جدارًا لقال لك: أنا مثلك، ابنه أنت، إذن نحن يسخر بعضنا بعضًا ويذلل بعضنا بعضًا؛ لأن الله تعالى: ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجتٍ﴾، أيضًا من الحكم أننا نتدرج لهذا التفاضل إلى التفاضل في الآخرة: ﴿انظر كيف فضَّلنا بعضهم على بعض وللأخرة أكبر درجتٍ وأكبر تفضيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. الأن نقول: هذا الرجل غني عنده سيارات
стр. 1363
وقصور وبنون ونساء، ونحن ما عندنا شيء! نقول: هذا لا شك أنه تفضيل، ولكن الفضل في الآخرة أعظم وأعظم؛ ولهذا أخبر النبي ﷺ أن أهل الجنة يتراءون أصحاب الغرف- يعني: المنازل العالية- كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، وهذا تفضيل عظيم أهذا هو الأفضل أم الأفضل أن يكون للإنسان قصور وخدم وحشم؟ لا، سواء، ولهذا قال: ﴿وللأخرة أكبر درجتٍ وأكبر تفضيلًا﴾. كما من إنسان مهين في هذه الدنيا لا يساوي نعلة لكنه في الآخرة من أصحاب الغرف، هذا هو الفخر في الحقيقة، أما أن يكون تفاضلًا في هذه الدنيا الزائلة التي أشرنا من قبل أن صفوها منغص بكدر ثم هو ليس بدائم حتى لو صفت للإنسان غاية الصفاء، فإنه كما قال الشاعر: [البسيط]
لا طيب للعيش ما دامت منغَّصةً ... لذَّاته بادِّكار الموت والهرم
على كل حال: الناس في هذه الدنيا يختلفون كما قال عمر بن الخطاب: "أعطه أفقر مني".
وفي الحديث: دليل على مشروعية أخذ المعطي من الزكاة إذا كان أهلًا؛ لقوله: "خذه" وهل هو على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ قال بعض أهل العلم: إنه على سبيل الوجوب، وأن الإنسان إذا أهدي إليه، أو تصدق عليه بشيء وهو أهل له، ولم تستشرف نفسه، ولم يسأل فإنه يجب عليه أن يقبل، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والأصل في الأمر الوجوب، لاسيما والرسول ﷺ يعلم أن في الناس من هو أحرج من عمر ﵁؛ فكونه يصرفها لهذا الرجل ويأمره بأخذها يدل على الوجوب.
وقال بعضهم: بل هو على الاستحباب؛ لأن الأمر هنا في مقابل الامتناع لما امتنع كأنه يقول خذه فهو مباح لك، وهذا هو الأقرب، وعلى كلا القولين إذا خفت مضرة عليك في قبول هذه الهدية فلا يلزك القبول؛ لأن بعض الناس إذا أهدى هدية صار يمنُّ بها، كلما حصلت مناسبة قال: أعطيتك كذا وكذا، ثم صار يوبخ هذا الرجل ويمن عليه، فإذا كنت تخشى من هذا فلا شك أنه لا يجب عليك القبول في هذه الحال حتى على القول بوجوب القبول؛ لأن في ذلك ضررًا عليك.
وفي هذا الحديث: دليل على كراهة التطلع لما في أيدي الناس أو سؤالهم؛ لقوله: "وأنت غير مشرف ولا سائل"، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون زاهدًا فيما في أيدي الناس لا يتطلع له، قال النبي ﷺ لرجل قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، هذا الرجل كيَّس يطلب عملًا يحبه الله ويحبه الناس، قال له النبي ﷺ : "ازهد في الدنيا يحبك الله،
стр. 1364
وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"، لا تتشرف لما في أيدي الناس ولا تسألهم، الناس يحبونك؛ لأنك لم تضايقهم في دنياهم، "ازهد في الدنيا"؛ لأن من زهد في الدنيا رغب في ضرتها وهي الآخرة فيحبه الله .
وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يتبع نفسه المال، إن فاته فلا يهمه وإن حصل له بطريق مشروع فهذا رزق الله لا يحرمه نفسه لكن لا يتبع نفسه المال؛ لأنه إذا أتبعته نفسه المال فإنه لا يمكن أن يشبع أبدًا، لكن إذا زهد فيه جعله- كما قال ابن تيمية- بمنزلة الحمار يركبه أو بيت الخلاء يقضي حاجته فيه، الناس الآن يجعلون الأموال تيجانًا يلبسونها؛ هذا في الحقيقة خطأ، ونحن لا نقول: إن المال لا ينفع المال الصالح عند الرجل الصالح من أفضل الأعمال حتى جعله الرسول ﷺ قرينًا للعلم قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يعلمها الناس ويعمل بها، والثاني: آتاه الله المال فسلطه على هلكته في الحق". لا ننكر أن المال نافع، ولكنا نقول: لا تتبعه نفسك؛ لأنك إن أتبعته نفسك ما شبعت منه أبدًا، اجعله مركوبًا تركبه تقض به حاجتك، وهو في الحقيقة وسيلة؛ لأن أعلى ما تنتفع به في مالك ما تأكله هذا أعلى ما يكون، وأين تضع ما تأكله وتشربه؟ في الأماكن القذرة، أعتقد أن الإنسان إذا أتاه البول والغائط يقول: اذهب إلى غرفة النوم أو إلى أين يذهب؟ دلوني على المرحاض ... رائحة منتنة وكريهة، ومكان غير مرغوب ليضع المال الذي أكله، هذا أعلى ما يصل إليه في الانتفاع به، لذلك لا ينبغي أن يكون شغل الإنسان الشاغل، لا تأخذوا عني أني أقول: اتركوا الدنيا، لكن اتركوا أن تتعلق بها قلوبكم، اجعلوا الدنيا في أيديكم لا في قلوبكم، بعض الناس يضع الدنيا في قلبه ويده خالية منها، وبعض الناس يجعلها في قلبه ويده ملأى منها، وبعض الناس يجعلها في يده وقلبه خالٍ منها، أسال الله أن يجعلني وإيَّاكم منهم، هؤلاء هم الذين وفِّقوا عرفوا قدر المال، إذن يقول الرسول ﷺ : "وما لا فلا تتبعه نفسك"، وهذه كلمة في الحقيقة لو أننا اعتبرنا بها لزهدنا في المال زهدًا تامًا، ولم نأخذ منه إلا ما ينفعنا في الآخرة.
- هل في هذا الحديث دليل على أن ما يأخذه عامل الزكاة يرجع إلى نظر الإمام، يعني: أن ما يأخذه العامل ليس مقدرًا شرعًا، بمعنى: أننا لا نقول لك من الزكاة العشر نصف العشر كذا وكذا؟ هذا هو الظاهر؛ لأن الحديث ليس فيه أنه أعطاه شيئًا يعتبر نسبة إلى الزكاة، ولكن سبق لنا أن عامل الزكاة يعطى بمقدار عمله؛ يعني: بمقدار أجرته.
- هل في الحديث ما يدل على أن عمر ﵁ من الفقراء؟ نعم، الدليل قوله: "أفقر مني"،
стр. 1365
فهذا اسم تفضيل يدل على اشتراك المفضل والمفضل عليه في الوصف مع زيادة المفضل، هذا هو الأصل، وقد يختل الأصل: ﴿ءالله خير أمَّا يشركون﴾ [النمل: ٥٩]. وآلهتهم ليس فيها خير: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤].
وفي الحديث: من مناقب عمر ﵁: إيثار غيره على نفسه؛ لأنه لم يقل: أعطه غيري فأنا لا أستحق، إنما قال: "أعطه أفقر مني"، فهذا من إيثاره ﵁.
* * *
стр. 1366
كتاب الصيام
ويشتمل على:
١ - باب صوم التطوع وما نهي عن صومه.
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان.
стр. 1367
كتاب الصيام
ذكرنا أن العلماء- ﵏ يجعلون كل جنس كتابًا وكل نوع بابًا وكل بحث فصلًا هذا الغالب، ولهذا كتاب الطهارة فيها أنواع: فيها الوضوء، والمياه، والاستنجاء، والتيمم، والحيض ... إلخ.
كتاب الصيام: فيه ثبوت الشهر، فيه المفطرات، فيه آداب الصيام وما أشبه ذلك.
مفهوم الصيام وحكمه:
الصيام في اللغة: الإمساك، قال الشاعر: [البسيط]
خيلٌ صيام وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللَّجما
قوله: "خيل صيام" أي: ممسكة، ومنه قوله تعالى- وكان الأجدر بنا أن نقدمه على البيت- عن مريم: ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صومًا﴾ [مريم: ٢٦]. أي: إمساكًا عن الكلام. وقول العامة: صامت عليه الأرض: إذا التأمت عليه وأمسكت.
وأمَّا في الشرع: فهو التَّعبد لله- بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
هل بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي علاقة؟ نعم؛ لأن كلَّا منهما إمساك، لكن الصيام الشرعي إمساك عن شيء معين، فقولنا: "التعبد لله" هذا أمر لا بد منه، ولذلك يذكر هذا في كل تعريف للعبادة، فالصلاة مثلًا نقول: هي: "التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة"، والزكاة "التعبد لله ببذل المال المخصوص إلى جهة مخصوصة" وهكذا.
الصيام مرتبته من الإسلام: أنه أحد أركانه، وحكمه: أنه فرض بإجماع المسلمين بدلالة الكتاب والسُّنة عليه، قال الله تعالى: ﴿يأيُّها الَّذين ءامنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]. أي فرض، وقال النبي ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا"، والأمر للوجوب، فصيامه واجب بالكتاب والسُّنة وإجماع المسلمين إجماعًا قطعيًا لم يختلف فيه اثنان لا سنيهم ولا بدعيهم، ولهذا نقول: من أنكر وجوبه كفر إذا كان عائشًا بين المسلمين؛ لأنه أنكر معلومًا بالضرورة من دين
стр. 1368
الإسلام، أما من تركه تهاونًا فقد اختلف العلماء في كفره، والصحيح أنه لا يكفر، وعن الإمام أحمد رواية أنه يكفر قال: لأنه ركن من أركان الإسلام، والركن هو جانب الشيء الأقوى، وإذا سقط الركن سقط البيت، لكن الصحيح- كما سبق تقريره- أنه لا يكفر بشيء من الأعمال إلا الصلاة كما قال عبد الله بن شقيق عن الصحابة- ﵃.
فوائد الصيام:
وتكليف المسلمين بالصيام تظهر فيه حكمة الله ؛ لأن الله- جعل العبادات متنوعة: بذل محبوب وكف عن محبوب وعمل فيه شيء من التعب لكن بدون مشقة، فالزكاة مثلًا بذل محبوب قال تعالى: ﴿وتحبُّون المال حبًّا جمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]. ولهذا تجد بعض الناس يحاول- بقدر ما يستطيع- أن يقلل من زكاته أو أن يسقطها، أو أن يصرفها في شيء واجب عليه عرفا، الصيام: "كف عن محبوب"، وانظر ما يحصل فيه من المشقة- مشقة المألوف- فيما إذا كان اليوم شديد الحر طويلًا تجد الإنسان يشتاق اشتياقًا كبيرًا إلى الماء، لكن يعتاد الإنسان على كف النفس بتذكره أنه فرضه الله، أما العمل فمثل الصلاة والوضوء والحج، مع أن الحج فيه أحيانًا بذل محبوب.
الحكمة من هذا التنويع: لأن من الناس من يسهل عليه العمل دون بذل المال، ومن الناس من يسهل عليه بذل المال دون العمل، ومن الناس من يصعب عليه الكف عن المحبوب عن الأكل والشرب والأهل، فلهذا نوَّع الله العبادات ليعلم من يكون عابدًا لله ممن يكون عابدًا لهواه، هذه هي الحكمة في فرضيه الصيام، وإلا فقد يقول قائل: هذا إمساك ما الفائدة هذا ما عمل عملًا؟ فنقول له: أنه ترك محبوبًا قد يكون العمل عليه أهون من ترك هذا المحبوب، فهذه هي الحكمة في إيجاب الصيام على العباد، ثم إن للصيام حكمًا كثيرة أهمها التقوى وهي التي أشار الله إليها بقوله: ﴿يأيها الَّذين ءامنوا كتب عليكم الصِّيام كما كتب على الَّذين من قبلكم لعلَّكم تتَّقون﴾ [البقرة: ١٨٣].
ثانيًا: معرفة قدر نعمة الله على العباد بتناول ما يشتهيه من الأكل والشرب والنكاح؛ لأن قدر النعم لا يعرف إلا بضدها كما قيل: "وبضدها تتبين الأشياء"؛ لأن الإنسان إذا كان دائمًا شبعان وريان، ويتمتع بأهله، لا يعرف قدر هذه النعمة، لكن إذا حجب عنها شرعًا أو قدرًا عرف قدر هذه النعمة، إذن ليعرف الإنسان بذلك قدر نعمة الله عليه بتناول الأكل والشرب والنكاح؛ لأنه يفقدها في هذا اليوم فيشكر الله- على التيسير.
стр. 1369
ثالثًا من فوائده وحكمه: تعويد النفس على الصبر والتحمل حتى لا يكون الإنسان مسرفًا، فإن الإنسان قد يأتيه يوم يجوع فيه ويعطش فيكون هذا الصوم تمرينًا له على الصبر والتحمل على فقد المحبوب، وهذه تربية نفسية.
رابعًا: من الحكم أن يعرف الغني حاجة الفقير فيرق له ويرحمه، ولهذا كان الرسول ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، والإنسان لا يعرف حاجة المضطر إذا كان هو شبعان، لكن إذا جاع عرف قدر الجوع وألمه فيرحم بذلك إخوانه الفقراء.
خامسًا: أن فيه تضييقًا لمجاري الشيطان؛ لأنه بكثرة الغذاء تمتلئ العروق دمًا وترتفع وبقلته تضيق المجاري، ومجاري الدم هي: مسالك الشيطان لقول النبي ﷺ : "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، ولهذا أمر الإنسان الذي لا يستطيع الباءة أن يصوم لتضيق مجاري الدم وليقل الشَّبق.
سادسًا: أن فيه حمية عن كثرة الفضولات والرطوبات في البدن، ولهذا بعض الناس يزداد صحة بالصوم؛ لأن الرطوبات التي تلبدت على البدن تتسرب وتزول، حيث إن البدن يضمر وييبس فتتسرب تلك الرطوبات فيكون في ذلك فائدة عظيمة للبدن، وهذا أمر مشاهد.
سابعًا: ما يحصل بين يديه وخلفه من عبادة الله ، فبين يديه السَّحور، فإن السُّحور عبادة لقول النبي ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة"، وما يحصل من الإفطار؛ لأن أحب عباد الله إليه أعجلهم فطرًا، فالإنسان يتناول ما يشتهي عبادة عند الإفطار.
ومنها أيضًا: الفائدة الثامنة: أن الغالب على الصائمين التفرغ للعبادة، ولهذا تجد الإنسان في حال الصيام تزداد عبادته وليس يوم فطره ويوم صومه سواء إلا الغافل فله شأن، آخر، لكن الإنسان اليقظ الحازم الفطن الكيِّس يجعل يوم صومه غير يوم فطره.
فلهذه الفوائد ولغيرها مما لم نذكره أوجب الله الصيام على العباد، وليس إيجابه خاصًّا بهذه الأمة، بل هو عام للأمم كلها: ﴿كما كتب على الَّذين من قبلكم﴾. وقت الصيام.
ثم اعلم أن الصيام خص بشهر معين من السِّنة أشار الله- ﵎ إلى الحكمة في تخصيصه بقوله: ﴿شهر رمضان الَّذي أنزل فيه القرءان﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد احتج بهذه المناسبة أصحاب أعياد الميلاد وقالوا: هذا دليل على أن المناسبات الدينية يجعل لها خصائص؛ لأن الله
стр. 1370
جعل مناسبة إنزال القرآن أن نصوم هذه المناسبة كل عام، فهذا دليل على أنه لا بأس باتخاذ الأعياد في المناسبات، ولكن هذا في الحقيقة دليل عليهم وليس لهم، لأن كون الشارع يخص هذه المناسبة بهذا الحكم دليل على أن ما لم يخصه لا يشرع فيه شيء؛ إذ لو كان الله يحب أن يخص بشيء لبيَّنه كما بيَّن هذا، وهذا مما يذكرنا بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كل مبطل يحتج على باطله بدليل صحيح فإن دليله يكون عليه لا له، الصيام خص بشهر هلالي وهو شهر رمضان، وسمي رمضان قيل: لأن وقت التسمية كان في شدة الحر والرمضاء، فالعرب سموه في ذلك الوقت رمضان واستمر، وقيل: لأنه يحرق الذنوب كالرمضاء تحرق الأقدام، وقيل: إنه مجرد علم ليس له اشتقاق كما نقول: "ذئب" للحيوان المعروف بهذا الاسم، لماذا سمي ذئبًا؟ لأنه ذئب، وكذلك نقول في الحيوان المعروف بالأسد: إنه سمي بهذا الاسم؛ لأنه أسد، وعليه فرمضان سمي رمضان؛ لأنه رمضان، والذي يهمنا أن شهر رمضان من أفضل الشهور، ولكن هل هو من الأشهر الحرم؟ لا؛ لأن الأشهر الحرم أربعة ثلاثة متوالية وواحد منفرد.
المتوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب منفرد.
النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين:
٦١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدَّموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين، إلا رجلٌ كان يصوم صومًا فليصمه". متَّفقٌ عليه.
"لا" ناهية، والدليل على أنها ناهية جزم الفعل بها حيث حذفت منه النون.
وقوله: "تقدموا" هي فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين، وأصلها: تتقدَّموا، وحذف إحدى التاءين كثير في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: ﴿فأنذرتكم نارًا تلظَّى﴾ [الليل: ١٤]. أي: تتلظى، ولولا أننا قلنا أنه محذوف فيه إحدى التاءين لكان ﴿تلظَّى﴾ فعلًا ماضيًا، وكذلك هنا "تقدَّموا" لولا أننا قلنا بحذف إحدى التاءين لكان فعلًا ماضيًا، نقول: جاء القوم فتقدموا.
"لا تقدموا رمضان": اسم للشهر، يعني: لا تقدموا هذا الشهر المسمَّى بهذا الاسم بصوم يوم ولا يومين، لكنه استثنى وقال: "إلا رجل كان يصوم صومًا" بعض الشُّراح يقول: إن رواية مسلم "إلا رجلًا" لو صحت النسخة فلا إشكال فيها؛ لأنها منصوبة على الاستثناء، لكن "إلا رجل" بالرفع قالوا: إنه مستثنى من الواو في "لا تقدموا"، والنهي كالنفي، فيكون الاستثناء من تام غير موجب فجاز أن يبدل من المستثنى منه، والمستثنى منه مرفوع.
قال: "إلا رجلٌ كان يصوم صومًا" يعني: اعتاد أن يصوم صومًا، "فليصمه"، الفاء رابطة،
следующие страницы →