← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

كتاب الصيام ويشتمل على: ١ - باب صوم التطوع وما نهي عن صومه. ٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان.

стр. 1367

كتاب الصيام ذكرنا أن العلماء- ﵏ يجعلون كل جنس كتابًا وكل نوع بابًا وكل بحث فصلًا هذا الغالب، ولهذا كتاب الطهارة فيها أنواع: فيها الوضوء، والمياه، والاستنجاء، والتيمم، والحيض ... إلخ. كتاب الصيام: فيه ثبوت الشهر، فيه المفطرات، فيه آداب الصيام وما أشبه ذلك. مفهوم الصيام وحكمه: الصيام في اللغة: الإمساك، قال الشاعر: [البسيط] خيلٌ صيام وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللَّجما قوله: "خيل صيام" أي: ممسكة، ومنه قوله تعالى- وكان الأجدر بنا أن نقدمه على البيت- عن مريم: ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صومًا﴾ [مريم: ٢٦]. أي: إمساكًا عن الكلام. وقول العامة: صامت عليه الأرض: إذا التأمت عليه وأمسكت. وأمَّا في الشرع: فهو التَّعبد لله- بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. هل بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي علاقة؟ نعم؛ لأن كلَّا منهما إمساك، لكن الصيام الشرعي إمساك عن شيء معين، فقولنا: "التعبد لله" هذا أمر لا بد منه، ولذلك يذكر هذا في كل تعريف للعبادة، فالصلاة مثلًا نقول: هي: "التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة"، والزكاة "التعبد لله ببذل المال المخصوص إلى جهة مخصوصة" وهكذا. الصيام مرتبته من الإسلام: أنه أحد أركانه، وحكمه: أنه فرض بإجماع المسلمين بدلالة الكتاب والسُّنة عليه، قال الله تعالى: ﴿يأيُّها الَّذين ءامنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]. أي فرض، وقال النبي ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا"، والأمر للوجوب، فصيامه واجب بالكتاب والسُّنة وإجماع المسلمين إجماعًا قطعيًا لم يختلف فيه اثنان لا سنيهم ولا بدعيهم، ولهذا نقول: من أنكر وجوبه كفر إذا كان عائشًا بين المسلمين؛ لأنه أنكر معلومًا بالضرورة من دين

стр. 1368

الإسلام، أما من تركه تهاونًا فقد اختلف العلماء في كفره، والصحيح أنه لا يكفر، وعن الإمام أحمد رواية أنه يكفر قال: لأنه ركن من أركان الإسلام، والركن هو جانب الشيء الأقوى، وإذا سقط الركن سقط البيت، لكن الصحيح- كما سبق تقريره- أنه لا يكفر بشيء من الأعمال إلا الصلاة كما قال عبد الله بن شقيق عن الصحابة- ﵃. فوائد الصيام: وتكليف المسلمين بالصيام تظهر فيه حكمة الله ؛ لأن الله- جعل العبادات متنوعة: بذل محبوب وكف عن محبوب وعمل فيه شيء من التعب لكن بدون مشقة، فالزكاة مثلًا بذل محبوب قال تعالى: ﴿وتحبُّون المال حبًّا جمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]. ولهذا تجد بعض الناس يحاول- بقدر ما يستطيع- أن يقلل من زكاته أو أن يسقطها، أو أن يصرفها في شيء واجب عليه عرفا، الصيام: "كف عن محبوب"، وانظر ما يحصل فيه من المشقة- مشقة المألوف- فيما إذا كان اليوم شديد الحر طويلًا تجد الإنسان يشتاق اشتياقًا كبيرًا إلى الماء، لكن يعتاد الإنسان على كف النفس بتذكره أنه فرضه الله، أما العمل فمثل الصلاة والوضوء والحج، مع أن الحج فيه أحيانًا بذل محبوب. الحكمة من هذا التنويع: لأن من الناس من يسهل عليه العمل دون بذل المال، ومن الناس من يسهل عليه بذل المال دون العمل، ومن الناس من يصعب عليه الكف عن المحبوب عن الأكل والشرب والأهل، فلهذا نوَّع الله العبادات ليعلم من يكون عابدًا لله ممن يكون عابدًا لهواه، هذه هي الحكمة في فرضيه الصيام، وإلا فقد يقول قائل: هذا إمساك ما الفائدة هذا ما عمل عملًا؟ فنقول له: أنه ترك محبوبًا قد يكون العمل عليه أهون من ترك هذا المحبوب، فهذه هي الحكمة في إيجاب الصيام على العباد، ثم إن للصيام حكمًا كثيرة أهمها التقوى وهي التي أشار الله إليها بقوله: ﴿يأيها الَّذين ءامنوا كتب عليكم الصِّيام كما كتب على الَّذين من قبلكم لعلَّكم تتَّقون﴾ [البقرة: ١٨٣]. ثانيًا: معرفة قدر نعمة الله على العباد بتناول ما يشتهيه من الأكل والشرب والنكاح؛ لأن قدر النعم لا يعرف إلا بضدها كما قيل: "وبضدها تتبين الأشياء"؛ لأن الإنسان إذا كان دائمًا شبعان وريان، ويتمتع بأهله، لا يعرف قدر هذه النعمة، لكن إذا حجب عنها شرعًا أو قدرًا عرف قدر هذه النعمة، إذن ليعرف الإنسان بذلك قدر نعمة الله عليه بتناول الأكل والشرب والنكاح؛ لأنه يفقدها في هذا اليوم فيشكر الله- على التيسير.

стр. 1369

ثالثًا من فوائده وحكمه: تعويد النفس على الصبر والتحمل حتى لا يكون الإنسان مسرفًا، فإن الإنسان قد يأتيه يوم يجوع فيه ويعطش فيكون هذا الصوم تمرينًا له على الصبر والتحمل على فقد المحبوب، وهذه تربية نفسية. رابعًا: من الحكم أن يعرف الغني حاجة الفقير فيرق له ويرحمه، ولهذا كان الرسول ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، والإنسان لا يعرف حاجة المضطر إذا كان هو شبعان، لكن إذا جاع عرف قدر الجوع وألمه فيرحم بذلك إخوانه الفقراء. خامسًا: أن فيه تضييقًا لمجاري الشيطان؛ لأنه بكثرة الغذاء تمتلئ العروق دمًا وترتفع وبقلته تضيق المجاري، ومجاري الدم هي: مسالك الشيطان لقول النبي ﷺ : "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، ولهذا أمر الإنسان الذي لا يستطيع الباءة أن يصوم لتضيق مجاري الدم وليقل الشَّبق. سادسًا: أن فيه حمية عن كثرة الفضولات والرطوبات في البدن، ولهذا بعض الناس يزداد صحة بالصوم؛ لأن الرطوبات التي تلبدت على البدن تتسرب وتزول، حيث إن البدن يضمر وييبس فتتسرب تلك الرطوبات فيكون في ذلك فائدة عظيمة للبدن، وهذا أمر مشاهد. سابعًا: ما يحصل بين يديه وخلفه من عبادة الله ، فبين يديه السَّحور، فإن السُّحور عبادة لقول النبي ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة"، وما يحصل من الإفطار؛ لأن أحب عباد الله إليه أعجلهم فطرًا، فالإنسان يتناول ما يشتهي عبادة عند الإفطار. ومنها أيضًا: الفائدة الثامنة: أن الغالب على الصائمين التفرغ للعبادة، ولهذا تجد الإنسان في حال الصيام تزداد عبادته وليس يوم فطره ويوم صومه سواء إلا الغافل فله شأن، آخر، لكن الإنسان اليقظ الحازم الفطن الكيِّس يجعل يوم صومه غير يوم فطره. فلهذه الفوائد ولغيرها مما لم نذكره أوجب الله الصيام على العباد، وليس إيجابه خاصًّا بهذه الأمة، بل هو عام للأمم كلها: ﴿كما كتب على الَّذين من قبلكم﴾. وقت الصيام. ثم اعلم أن الصيام خص بشهر معين من السِّنة أشار الله- ﵎ إلى الحكمة في تخصيصه بقوله: ﴿شهر رمضان الَّذي أنزل فيه القرءان﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد احتج بهذه المناسبة أصحاب أعياد الميلاد وقالوا: هذا دليل على أن المناسبات الدينية يجعل لها خصائص؛ لأن الله

стр. 1370

جعل مناسبة إنزال القرآن أن نصوم هذه المناسبة كل عام، فهذا دليل على أنه لا بأس باتخاذ الأعياد في المناسبات، ولكن هذا في الحقيقة دليل عليهم وليس لهم، لأن كون الشارع يخص هذه المناسبة بهذا الحكم دليل على أن ما لم يخصه لا يشرع فيه شيء؛ إذ لو كان الله يحب أن يخص بشيء لبيَّنه كما بيَّن هذا، وهذا مما يذكرنا بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كل مبطل يحتج على باطله بدليل صحيح فإن دليله يكون عليه لا له، الصيام خص بشهر هلالي وهو شهر رمضان، وسمي رمضان قيل: لأن وقت التسمية كان في شدة الحر والرمضاء، فالعرب سموه في ذلك الوقت رمضان واستمر، وقيل: لأنه يحرق الذنوب كالرمضاء تحرق الأقدام، وقيل: إنه مجرد علم ليس له اشتقاق كما نقول: "ذئب" للحيوان المعروف بهذا الاسم، لماذا سمي ذئبًا؟ لأنه ذئب، وكذلك نقول في الحيوان المعروف بالأسد: إنه سمي بهذا الاسم؛ لأنه أسد، وعليه فرمضان سمي رمضان؛ لأنه رمضان، والذي يهمنا أن شهر رمضان من أفضل الشهور، ولكن هل هو من الأشهر الحرم؟ لا؛ لأن الأشهر الحرم أربعة ثلاثة متوالية وواحد منفرد. المتوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب منفرد. النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين: ٦١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدَّموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين، إلا رجلٌ كان يصوم صومًا فليصمه". متَّفقٌ عليه. "لا" ناهية، والدليل على أنها ناهية جزم الفعل بها حيث حذفت منه النون. وقوله: "تقدموا" هي فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين، وأصلها: تتقدَّموا، وحذف إحدى التاءين كثير في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: ﴿فأنذرتكم نارًا تلظَّى﴾ [الليل: ١٤]. أي: تتلظى، ولولا أننا قلنا أنه محذوف فيه إحدى التاءين لكان ﴿تلظَّى﴾ فعلًا ماضيًا، وكذلك هنا "تقدَّموا" لولا أننا قلنا بحذف إحدى التاءين لكان فعلًا ماضيًا، نقول: جاء القوم فتقدموا. "لا تقدموا رمضان": اسم للشهر، يعني: لا تقدموا هذا الشهر المسمَّى بهذا الاسم بصوم يوم ولا يومين، لكنه استثنى وقال: "إلا رجل كان يصوم صومًا" بعض الشُّراح يقول: إن رواية مسلم "إلا رجلًا" لو صحت النسخة فلا إشكال فيها؛ لأنها منصوبة على الاستثناء، لكن "إلا رجل" بالرفع قالوا: إنه مستثنى من الواو في "لا تقدموا"، والنهي كالنفي، فيكون الاستثناء من تام غير موجب فجاز أن يبدل من المستثنى منه، والمستثنى منه مرفوع. قال: "إلا رجلٌ كان يصوم صومًا" يعني: اعتاد أن يصوم صومًا، "فليصمه"، الفاء رابطة،

стр. 1371

واللام للأمر، المراد به: الإباحة، وليس المراد به: الاستحباب ولا الوجوب؛ لأنه في مقابلة النهي فكان للإباحة كما لو قلت: "زيد لا تكرمه وعمرًا أكرمه" أي: يباح لك أن تكرمه. في هذا الحديث ينهى الرسول ﷺ الأمة أن يقدِّموا رمضان، والخطاب للصحابة خطاب للأمة جميعًا، والخطاب للواحد من الصحابة خطاب للصحابة جميعًا، وعليه فإذا وجِّه الخطاب إلى واحد من الصحابة فهو لجميع الأمة، فينهى النبي ﷺ أن يقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين؛ لماذا؟ قيل: لأجل أن ينشطوا لاستقبال رمضان؛ لأن الإنسان إذا صام قبل رمضان بيوم أو يومين يأتي رمضان وهو كسلان وتعبان من الصوم السابق، وهذه العلة- كما ترون- عليلة؛ لأنه لو كان كذلك لكان الذي يصوم قبل رمضان بأربعة أيام أشد نهيًا مع أن الحديث يدل على الجواز، وقيل: إن العلة لأجل الفرق بين الفرض والنفل، وهذا قد يكون فيه نظر؛ لأنه لو كانت العلة هكذا لم يكن فرق بين من كان يصوم صومًا ومن لم يكن، ولكان النهي عامًا، وقيل: إن العلة لئلا يفعله الإنسان من باب الاحتياط، فيكون ذلك تنطعًا من باب الاحتياط، كيف؟ لرمضان فيكون هذا من باب التنطع. وقيل: لئلا يظن الظان أن هذا الصوم من رمضان فيكون قدحًا في الحكم الشرعي الذي علق صوم رمضان برؤية الهلال، وهذا الأخير والذي قبله هو أقرب العلل، أما ما سبق فهي علة عليلة، وهنا علة لكل مؤمن وهي امتثال أمر الله ورسوله، العلة: أن النبي ﷺ نهى عنه، ولهذا لما سئلت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: "كان يصيبنا فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة". ففي هذا الحديث من الفوائد أولًا: النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ لقوله: "لا تقدموا" وهل هذا النهي للتحريم أو للكراهة؟ فيه قولان لأهل العلم، منهم من قال: إنه للتحريم، ومنهم من قال: بل للكراهة. الذين قالوا: إنه للتحريم احتجوا بأن الأصل في النهي التحريم إلا بدليل، والذين قالوا إنه للكراهة قالوا: لأن الرسول ﷺ استثنى حيث قال: "إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه"، ولو كان للتحريم ما جاز أن يصام حتى في العادة بدليل أن أيام التشريق لما كانت حرامًا هل صار صيامها جائزًا إذا كان لعادة أو أنه يبقى حرامًا؟ لا شك في أنه يبقى حرامًا، أيام العيدين لما كان صومها حرامًا كان صوم العيد حرامًا ولو وافق العادة.

стр. 1372

ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز تقدم الصوم قبل رمضان بأكثر من يومين، لقوله: "يوم أو يومين"، ولكن هل إذا صام قبل رمضان بثلاثة أيام يستمر، أو نقول: إذا بقي يوم أو يومان فأمسك؟ الحديث يقول: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين" هل يصدق على هذه الصورة- صورة رجل صام في اليوم السابع والعشرين والثامن والعشرين والتاسع والعشرين- الظاهر أنه يصدق عليه، ونقول: إذا بقي يومان فأمسك إلا إذا كنت تصوم صومًا فصمه، مثل: لو كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وصام (٢٧، ٢٨، ٢٩) فهذا لا بأس به، أو كان يصوم يوم الإثنين عادة فصادف يوم الإثنين التاسع والعشرين لا بأس، أو كان يصوم الخميس عادة فصام يوم الخميس التاسع والعشرين فلا بأس، أو كان بقي عليه من رمضان الماضي أيام فأكملها قبل رمضان بيوم أو يومين فلا بأس؛ لأن صومه حينئذ يكون واجبًا. وقوله: "إلا رجل"، هل المرأة كالرجل؟ نعم؛ لأن الأصل في الأحكام تساوي الرجل والمرأة إلا بدليل يدل على التخصيص. رجل يصوم يومًا ويفطر يومًا فصادف يوم صومه التاسع والعشرين فإنه يصومه لقوله: "إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه". ومن فوائد الحديث أيضًا: الإشارة إلى النهي عن التنطع وتجاوز الحدود بناء على أن العلة هي خوف أن يلحق هذا برمضان. ومنها: أن للعادات تأثيرًا في الأحكام الشرعية لقوله: "إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه"، ولكن ليس معنى ذلك أن العادات تؤثر على كل حال لكن لها تأثير، وقد رد الله أشياء كثيرة إلى العرف، والعلماء أيضًا ذكروا أن بعض الأشياء تفعل أحيانًا لا اعتيادًا كما قالوا: يجوز أن يصلي الإنسان النفل جماعة، لكن أحيانًا لو أردت مثلًا أن تقوم صلاة الليل أنت وصاحبك جماعة فلا بأس به؛ لأن الرسول ﷺ فعل ذلك مع ابن عباس وحذيفة، أمَّا أن تتخذ ذلك سنة راتبة فلا. فهذا دليل على أن للعادة تأثيرًا في الأحكام الشرعية سلبًا أو إيجابًا. ومن فوائد الحديث: أن الأمر قد يأتي للإباحة لقوله: "فليصمه"، حيث قلنا: إنها للإباحة، وهل يأتي الأمر للإباحة في غير هذا الموضع؟ نعم، كثيرًا، وقد قالوا في الضابط لإتيان الأمر للإباحة أن يكون في مقابلة المنع شرعًا أو عرفًا: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]. هذا في مقابلة المنع شرعًا، فإذا كنت محرمًا حرم عليك الصيد، إذا حللت حل لك الصيد، أو نقول: إذا حللت فخذ البندقية واذهب صد الطيور؟ ليس كذلك، لكنه مباح؛ لأنه في مقابلة المنع: ﴿لا تحلُّوا شعائر الله ولا الشَّهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلًا من رَّبهم

стр. 1373

ورضوانًا وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]. ﴿فإذا قضيت الصَّلوة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠]. للإباحة لأنها في مقابلة المنع. هذا الشرعي، العرف: استأذن عليك رجل فقلت: ادخل. هذا أمر للإباحة، ولهذا لو شئت ما دخلت ما أنَّبتك ولا يؤنِّب أحد شخصًا لم يدخله إلا رجلًا يعتبر أحمق، على كل حال: الأمر في مقابلة المنع يكون للإباحة سواء كان أمرًا شرعيًا أو عرفيًا؛ لأنه يقول: "فليصمه"، الضمير في قوله: "فليصمه" أي: فليصم الصوم الذي كان يصمه من قبل. ومن فوائد الحديث أيضًا: الإشارة إلى ضعف ما يروى عن أبي هريرة ﵁ رواه أهل السنن-: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، فإن هذا الحديث ضعيف أنكره الإمام أحمد، وإن كان بعض العلماء صححه أو حسنه وأخذ به، وقال: إنه يكره الصوم من السادس عشر من شعبان إلى أن يبقى يومان، فإذا بقي يومان صار الصوم حرامًا لهذا الحديث، والصواب: أن ما قبل اليومين ليس بمكروه، وأما اليومان فهو مكوره. فائدة في التدرج في فرض الصيام: فرض الصيام على ثلاثة أوجه وهي: أول ما فرض صوم عاشوراء، ثم فرض صوم رمضان على التخيير، ثم فرض صوم رمضان على التعيين، يعني: لا بد من الصوم، فهذه ثلاث مراحل. أما المرحلة الأولى: فقد دلّ عليها أمر النبي ﷺ أصحابه أن يصوموا عاشوراء. وأما المرحلة الثانية: فقوله- ﵎: ﴿وعلى الَّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوَّع خيرًا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لَّكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٤]. وأما الثالثة: فهي قوله بعدها: ﴿شهر رمضان الَّذي أنزل فيه القرءان هدًى للناس وبينتٍ من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشَّهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. والحكمة من ذلك: أن الصوم فيه نوع من المشقة على النفوس فدرج التشريع شيئًا فشيئًا، لأن كل شيء يشق على النفوس، فالله بحكمته ورحمته يلزم العباد به شيئًا فشيئًا، ونظير ذلك تحريم الخمر فإنه جاء على أربع مراحل: المرحلة الأولى: الإباحة وإن كانت هذه لا تعد مرحلة؛ لأنها على الأصل، لكن الله نص على ذلك: ﴿ومن ثمرات النَّخيل والأعناب تتَّخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا﴾ [النحل: ٦٧]. ثم الثانية: ﴿* يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نَّفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩]. ثم الثالثة: ﴿يأيُّها الَّذين ءامنوا لا تقربوا الصَّلوة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣].

стр. 1374

ثم الرابعة: ﴿يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]. ما منزلة الصيام من الدِّين؟ صام النبي ﷺ تسع رمضانات إجماعًا هذان إجماعان فرض في السَّنة الثانية وصام النبي تسع رمضانات بالإجماع. ٦٢٠ - وعن عمَّار بن ياسر ﵁ قال: "من صام اليوم الَّذي يشكُّ فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". ذكره البخاريُّ تعليقًا، ووصله الخمسة، وصحَّحه ابن خزيمةً وابن حبَّان. أولًا: هذا الحديث ذكر المؤلف ﵀ أن البخاري رواه معلقًا وأن الخمسة- وهم: أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه- رووه موصولا، والبخاري إذا علَّق الخبر بصيغة الجزم كان عنده صحيحًا. ثانيًا: هذا الحديث هل هو من المرفوع أو من الموقوف؟ هو من المرفوع حكمًا وليس من المرفوع صريحًا؛ لأن المرفوع صريحًا هو الذي ينسب إلى رسول الله ﷺ ، فيقال فيه: قال رسول الله، أو فعل رسول الله، أو فعل كذا بحضرته، وأما إذا قال الصحابي: رخص لنا، أو أمرنا، أو نهينا، أو ما أشبه ذلك فهو مرفوع حكمًا، يعني: له حكم الرفع، ولكن ليس بصريح، يعني: أنه لا يجوز أن نقول: نهى رسول الله ﷺ وننسب النهي إليه على سبيل أنه هو الذي نهى صراحة، ولكن نقول: إن هذا في حكم النهي؛ ذلك لأن الصحابي إذا قال: "عصى" فمعناه: أنه فهم أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك سواء بصيغة النهي أو بصيغة ذكر العقوبة أو ما أشبه ذلك، ولهذا نحن نتحرز لا نقول: "نهي"؛ إذ يجوز أن الرسول- مثلًا- ذم من صام اليوم الذي يشك فيه ذمًّا، والذم لا يصلح أن نقول أنه نهي ويجوز أنه ﷺ رغَّب في تركه مثلًا ترغيبًا بالغًا بحيث يفهم من هذا الترغيب النهي عن فعله. قوله: ومن صام اليوم الذي يشك فيه"، ما هو اليوم الذي يشك فيه؟ اليوم الذي يشك فيه هو الذي لا يدرى أمن رمضان هو أم من شعبان؟ ما ندري، فما هو اليوم الذي يمكن أن يقع فيه الشك؟ هو يوم الثلاثين، لكن متى يكون شكًّا اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: يكون شكًّا إذا كانت السماء صحوا ولم ير الهلال، فهو شك لاحتمال أنه قد هلَّ ولم نره. ومنهم من قال: إن يوم الشك هو يوم الثلاثين- وهذا بالاتفاق- إذا حال دون رؤية الهلال

стр. 1375

حائل بأن كان بيننا وبين مطلعه سحب أو قتر أو جبال شاهقة لا نستطيع تسلقها أو ما أشبه ذلك، وهذا الأخير هو المتعين؛ لأن الأول ليس فيه شك إذا تراءينا الهلال ولم نره فاحتمال أن يكون قد هلَّ ولم نره هذا خلاف الأصل، الأصل أننا ما دمنا ننظر ولم نره فالأحكام الشرعية تجري على الظواهر، فهو ليس يوم شك شرعًا، وإن كان من حيث العقل قد يفرض العقل أن الهلال هلَّ ولكن لم نره لكن من الناحية الشرعية ليس هو يوم الشك؛ لأن أحكام الشرع تجري على الظواهر، اطلعنا في مطلع الهلال ولم نره وفينا أناس أقوياء في النظر ولم نره نقول: إذن لم يهل، فليس عندنا شك في هذا، وهذا القول هو الصحيح. أما قول الذين قالوا: إن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحوا فقالوا: إذا كانت السماء غيما فإن الصوم واجب، كيف ذلك؟ قالوا: نعم، واجب احتياطًا حكمًا ظنيًّا لا حكمًا يقينيًّا. إذن ننظر هذا التعليل "حكم ظني"، هل يجوز أن نلزم الناس بالأحكام الشرعية بمقتضى الظن؟ لا، الظن لا يجوز أن تثبت به الأحكام؛ لأنه ظن في وجود السبب، هل نقول: إن هذا احتياط، أو أن الاحتياط عدم الصوم؟ الواقع أن الاحتياط عدم الصوم؛ لأن الاحتياط كما يكون في الفعل يكون في الترك، فنحن نحتاط لأنفسنا، فلا نلزم عباد الله بما لا يلزمهم هذا هو الاحتياط، ولهذا لا تظن أن الاحتياط اتباع الأشد، بل الاحتياط اتباع ما يكون أقرب إلى الشرع، إذن فقد انتقض تعليلهم وسيأتي- إن شاء الله تعالى- من السُّنة ما ينقضه. فالحاصل: أن اليوم الذي يُشك فيه هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال حائل، غيم أو قتر أو جبال شاهقة. وقوله: "فقد عصى أبا القاسم"، المعصية: مخالفة الأمر، فتارك الواجب عاصٍ، وفاعل المحرم عاصٍ، أما إذا قيل: طاعة ومعصية، فالطاعة: فعل الأمر، والمعصية: فعل النهي، ولكن إذا أطلقت المعصية شملت ترك الواجب وفعل المحرم، وقوله: "أبا القاسم" هذه كنية الرسول ﷺ ، يسمى أبا القاسم؛ لأنه ﷺ قاسم كما قال ﷺ : "إنما أنا قاسم والله معطٍ"، والموصوف بالشيء قد يكنى به كما كنَّى الرسول ﷺ علي بن أبي طالب بـ"أبي تراب" وكنَّى أبا هريرة بـ"أبي هريرة"؛ لأنه كان يحمل هرة في كمه ﵁. كنِّي بذلك لكونه ﷺ قاسمًا يقسم بين الناس على ما أمر الله به، ولهذا قال: "أنا قاسم والله

стр. 1376

معطٍ"، ويحتمل أنه كني بذلك؛ لأن له ولدًا اسمه القاسم؛ لأن أبناء الرسول ﷺ ثلاثة وبناته أربع وكلهم ماتوا في حياته إلا واحدة من بناته وهي فاطمة ﵁. يستفاد من هذا الحديث أولًا: تحريم صوم يوم الشك؛ لأن عمارًا جزم بأنه معصية، والأصل أن ما أطلق عليه المعصية فهو حرام، وهذا هو القول الراجح، لا سيما وأنه مؤيَّد بحديث أبي هريرة السابق وهو: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين"، فعليه نقول: تقدم رمضان بصوم يومين مكروه، وبصوم يوم حرام، لكن بشرط أن يكون هذا اليوم يوم شك، أما إذا كانت السماء صحوا فصوم ذلك اليوم مكروه بحديث أبي هريرة. ومن فوائد الحديث: جواز ذكر النبي ﷺ : بغير وصف الرسالة لقوله: "فقد عصى أبا القاسم"؛ لأن باب الخبر أوسع من باب الطلب، فالرسول ﷺ ما ينادى باسمه سواء كان اسمًا أو كنية، لكن عندما يخبر عنه يجوز أن يخبر عنه باسمه، فيقال: "قال محمد"، و"قال أبو القاسم" وما أشبه ذلك، لكن أيما أولى: أن نقول هكذا، أو أن نصفه بالرسالة؟ الثاني أولى، لا سيما وأننا إذا ذكرناه فإنما نذكره على سبيل أنه مشرِّع، ومعلوم أن وصف الرسالة ألصق بالتشريع من ذكر الاسم العلم سواء كان اسما أو كنية، لكن هذا على سبيل الجواز. ومن فوائد الحديث: جواز التعبير عن اللفظ بمعناه، أو بعبارة أخرى: جواز رواية الحديث بالمعنى، كيف ذلك لأن عمار عبر عن قول الرسول بالمعنى لم يسقه بلفظه. فإن قلت: لماذا لم يسقه بلفظه أليس سوقه بلفظه أولى. فالجواب: بلى، لكن قد يكون الصحابي نسي اللفظ الذي قاله الرسول ﷺ ، لكن قد تيقن أنه قد نهى عن ذلك، فعبر بقوله: "عصى أبا القاسم ﷺ ". كيف يثبت دخول رمضان ؟ ٦٢ (١) - وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له". متَّفقٌ عليه. - ولمسلم: "فإن أغمى عليكم فاقدروا له ثلاثين". - وللبخاريِّ: "فأكملوا العدَّة ثلاثين". ٦٢٢ - وله في حديث أبي هريرة ﵁: "فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين". قوله: "إذا رأيتموه" الهاء تعود على الهلال، ولم يسبق له ذكر، لكن السياق يدل عليه،

стр. 1377

فعلى هذا نقول: "إذا رأيتموه"، أي: الهلال بالتحديد بدليل قوله: "فصوموا"، وإذا رأيتموه فأفطرواه، أي: هلال شوال "فافطروا". وقوله: "غمَّ عليكم"، الغم بمعنى: التطبيق على الشيء وإخفاء الشيء، ومنه الغم الذي يصيب الإنسان؛ لأنه يحول بينه وبين صفاء الذهن والتفكير، فمعنى "غم عليكم" أي: ستر عليكم بغيم أو قترا أو جبال شاهقة لا تستطيعون صعودها أو ما أشبه ذلك. وقوله: "فاقدروا له" اختلف العلماء في قوله: "اقدروا له" فقال بعضهم: إنه من التقدير، يعنى: قدروا وانظروا منازله فيما سبق من الليالي الماضية حتى تقيسوا هذه الليلة على ما سبق، وبناء على هذا القول يدخل علينا علم حساب الفلك، وأنه إذا غمَّ علينا الشهر رجعنا إلى الحساب الفلكي وعملنا به، هذا على القول بأنه من التقدير، وقيل: إنه من القدر بمعنى: التضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله﴾ [الطلاق: ٧]. وحينئذٍ أي شيء نجعله ضيقًا أهو رمضان أو شعبان؟ فيه خلاف: فقال بعضهم: نجعل الضيق شعبان فيكون تسعة وعشرين ونصوم هذا اليوم الذي هو يوم الشك، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقد نصره الأصحاب نصرًا عظيمًا. القول الثاني: التضييق لا يكون على شعبان بل يكون على الشهر القادم وهو رمضان، وإذا ضيقنا على رمضان معناه ما دخلناه ننتظر حتى نكمل شعبان ونجعل النقص على رمضان، وهذا القول هو الصحيح من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ فسره هو بنفسه، ففي رواية مسلم: "اقدروا له ثلاثين"، وفي رواية البخاري: "فأكملوا العدة ثلاثين"، وفي حديث أبي هريرة: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، ولا يشك أحد أن أعلم الناس بما يقول هو القائل، فإذا كان الرسول ﷺ هو الذي فسره لنا بأن قال: "أكملوا العدة ثلاثين" فهل يبقى بعد ذلك قول لأحد؟ أبدًا، ولهذا كان القول الصحيح أن المراد بالقدر: التضييق، لكن على الشهر الداخل بحيث نكمل الشهر الأول السابق ثلاثين، وأما ابن عمر ﵁ راوي الحديث فكان يبعث من يرى الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان إذا كان هناك غيم أو قتر، فإن لم ير أصبح صائما ﵁، ولكن هذا من فعله، وروايته مقدمة على رأيه، فيقال: هذا اجتهاد منه، وهو ﵁ معروف بأنه يميل إلى التشديد أكثر مما يميل إلى التخفيف، ولهذا يقال: إن هارون الرشيد لما طلب من مالك أن يؤلف الموطأ قال له: تجنب رخص ابن عباس وتشديد ابن عمر، وابن عمر معروف بالتشدد حتى إنه كان يغسل في الوضوء داخل عينيه، ويقال: إنه إنما كفِّ بصره في آخر عمره من أجل هذا، فالله أعلم.

стр. 1378

على كل حال: ابن عمر ﵁ من أشد الناس حرصا على العبادة، وكان يلزم نفسه بأشد الأمرين عنده، فلهذا كان يصوم إذا كان هناك غيم أو قتر". الوجه الثاني: من الترجيح أن حديث عمار بن ياسر صريح في أنه إذا كان غيم أو قتر فإن صومه حرام، وهذه المسألة فيها في مذهب الإمام أحمد سبعة أقوال وهي: الأحكام الخمسة، هذه خمسة أقوال، والقول السادس: أن الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، والقول السابع: أن يعمل بعادة غالبة بأن الغالب أنه إذا مضى شهران كاملان فالثالث ناقص فينظر هل رجب وجمادى الثانية كاملان فيكون شعبان ناقصًا، ولكن السُّنة- والحمد لله- واضحة في ذلك. في هذا الحديث يأمر النبي ﷺ أمته إذا رأوا الهلال أن يصوموا إذا كان هلال رمضان، وأن يفطروا إذا كان هلال شوال، ويأمرهم أيضًا إذا لم يتمكنوا من رؤيته أن يكملوا العدة ثلاثين- عدة الشهر السابق- سواء كان رمضان أو شعبان؛ لأجل أن يكونوا على بينة من الأمر حتى لا يقعوا في شك وحيرة، فالأمر-والحمد لله- واضح. وعليه نقول: إذا رأيت فصم، وإذا غم عليك فلا تصم بل أكمل عدة الشهر ثلاثين، في شوال إذا رأيت فأفطر، إذا غم عليك فأكمل العدة ثلاثين فالأمر- والحمد لله- واضح حتى لا يقع الناس في قلق وشك وحيرة. ثم نرجع إلى معنى قوله: "اقدروا له"، نقول: إذا غم هلال شوال يجب التكميل، وسيأتي- إن شاء الله تعالى- بيان تناقض هذا القول والصحيح المتعين. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة أولًا: قوله: "إذا رأيتموه"، يستفاد منه: أنه لا يجب الصوم قبل رؤيته لقوله: "إذا رأيتموه"، ثم ما المراد بالرؤية؟ هل الرؤية قبل الغروب أو بعد الغروب؟ من المعلوم أن القمر آية ليلية، فيكون المعنى: إذا رأيناه في الليل الذي هو سلطانه كما قال تعالى: ﴿وجعلنا اليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية اليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة﴾ [الإسراء: ١٢]. فإذا رؤي بعد الغروب ثبت الحكم، أما إذا رؤي قبل الغروب فقال بعض العلماء: إنه يكون لليلة الماضية، وبعضهم يقول: يكون لليلة المقبلة، ولا شك أن هذا فيه نظر؛ لأنه إذا رؤي قبل الغروب متقدمًا على الشمس فإنه لا يمكن أن يكون لليلة الماضية، وإذا رؤي متأخرًا عن الشمس فإن كان التأخر بعيدًا فإنه يكون لليلة المقبلة، ومع ذلك لا نحكم به، قد يكون عند الغروب هناك غيم أو قتر فلا نراه فنكمل العدة ثلاثين، لكنه في الغالب لا يخفى، المهم: أن الرؤية إذن تكون بعد الغروب؛ لأنه- أي: الليل- هو سلطان القمر.

стр. 1379

وقوله: "إذا رأيتموه" يستفاد منه: أنه لا بد من تحقق الرؤية، أما لو شككنا في ذلك فإنه لا يجب الصوم، بل من صام فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، ويدل على أن المراد بالرؤية اليقين هنا الرؤية العينية المتيقنة قوله تعالى في البقرة: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا رآه ولم يره غيره ثبت الحكم في حقه، فإن كان في رمضان، يعني: رأى هلال رمضان وغيره لم يره والحاكم رد شهادته لجهله بحاله مثلًا فانه يصوم، وإن كان في شوال فقيل: إنه لا يفطر؛ لأن الشهر شرعا- أي: شهر شوال شرعًا- لا يدخل إلا بشهادة رجلين، وقيل: بل يفطر؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتموه فأفطروا"، وهذا قد رآه، لكن يفطر سرًّا لئلا يجاهر بمخالفة الجماعة، فصار لدينا قولان إذا رأى وحده هلال شوال: القول الأول: أنه لا يفطر؛ لأن شوال لا يثبت دخوله إلا بشهادة رجلين، واستذلوا أيضًا بحديث: "الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس". والقول الثاني: أنه يفطر؛ لأنه رآه، وقد قال النبي ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، ولكنه يفطر سرًّا لثلا يجاهر بمخالفة الجماعة، وهذا القول أقرب من حيث اللفظ: "إذا رأيتموه"، فإن هذا رآه، أما إذا كان الإنسان منفردًا في مكان وليس حوله أحد يخالفه فإنه يفطر؛ لأنه حينئذٍ لا يتيقن مخالفة الجماعة مثل لو كان بدويًّا في محل في البرّ ليس حوله مدن ولا قرى ورأى هلال شوال فإنه لا يمكن أن نقول له: صم: لأنه ثبت دخول الشهر في حقه، وهو إذا أفطر لا يكون مخالفًا، هكذا قال أهل العلم، ومعلوم أن هذا في وقتهم أمر واقع وكثير، لكن في وقتنا الآن- حيث انتشرت وسائل الإعلام- قد يقال: إنه لا يفطر حتى ينظر من إفطار الناس على القول بأنه لا يفطر إذا أنفرد برؤيته، أما إذا قلنا: إنه يفطر فالأمر واضح. ظاهر الحديث: "إذا رأيتموه"، يشمل ما إذا رأيناه بالعين المجردة أو بواسطة الآلات، فهو عام، فمثلًا رأيناه سواء بالعين المجردة أو بالمنظار المكبر فإنه تثبت رؤيته، وقد كان الناس قديمًا نعهدهم أنهم يصعدون على المنابر ومعهم الدرابيل، أو على الأصح مكبر النظر أو مقرب النظر، المهم: أنهم كانوا يستعملونه، وإذا رأوه بواسطة هذه المكبرات فإنه يحكم برؤيته، والحديث عام ليس فيه وإذا "رأيتموه بالعين"، ومعلوم أنه حتى ولو كان فيه ذلك لا يمنع أن يكون رآه بواسطة أو مباشرة. الحديث: "إذا رأيتموه"، فهل المراد: إذا رآه كل واحد؟ لو كان كذلك لكان الذي نظره قاصر لا يجب عليه الصوم ولو رآه الناس؛ لأنه يقول: ما رأيته أنا، ولكن النبي ﷺ لا يريد هذا، ولكن إذا رأيتموه الرؤيا التي يثبت بها دخوله شرعًا وهي أن يكون الرائي رجلين فأكثر؛ لقول النبي ﷺ : "وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطرواه، ويأتي- إن شاء الله- الخلاف فيما إذا رآه واحد.

стр. 1380

ويستفاد من قوله: "إذا رأيتموه": أنه إذا رؤي في بلد واحد لزم الناس كلهم الصوم؛ لأننا ما دمنا نقول: إنه لا يشترط أن يراه كل واحد فإنه يستفاد منه، وهذه متفرعة على ما ذكرنا قبل من أنه إذا رآه وأحد أو إذا ثبتت رؤيته في مكان لزم الصوم جميع الناس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو قول كثير من أهل العلم، ولكن عارضهم شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة، وقال: إن الرسول ﷺ قال: "إذا رأيتموه"، والجماعة البعيدون عن مطلع الهلال في هذا المكان لم يروه لا حقيقة ولا حكمًا، وقول الرسول: "إذا رأيتموه" كقوله: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، فهل أنتم تقولون: إذا غربت- الشمس عند قوم جاز للآخرين أن يفطروا ولو كانت الشمس لم تغب؟ الجواب: لا، ولم يقل بذلك أحد، إذن إذا رأيناه في مكان ولم ير في مكان آخر- بعد التحري والبحث- فإنه لا يلزم من لم يره؛ لأن هذا- "إذا أقبل الليل من هاهنا"- توقيت يومي، و"إذا رأيتموه" توقيت شهري، ولا فرق بينهما، فالشهر عند من لم يروه لم يدخل، والله يقول: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. [البقرة: ١٨٥]. وهؤلاء الذين يخالفون من رأوه في المطالع ما شهدوه، وعلى هذا فلا يلزمهم الصوم، ودلالة هذا الحديث على قولهم، ودلالة الآية أيضًا واضحة، واستدلوا أيضًا بحديث رواه مسلم عن كريب أن أم الفضل أرسلته في حاجة إلى معاوية، ومعاوية في الشام، فرأوا الهلال في الشام فصاموا، وكان ممن رآه كريب رآه ليلة الجمعة، ثم إن كريبًا قضى حاجته من الشام ورجع إلى المدينة والتقى بابن عباس ﵁، فسأله ابن عباس متى صام معاوية؟ قال: صام يوم الجمعة، قال: هل رأى الهلال؟ قال: نعم، وأنا رأيته أيضًا، فقال: إنا لم نصم إلا يوم السبت، فقال له: أتكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . وهذا نص صريح من ابن عباس ﵄ تفقها واستنباطًا من قوله: "إذا رأيتموه"، وهذا دليل واضح في الموضوع، والقياس على التوقيت اليومي أيضًا دليل واضح، والخطاب في ﴿فمن شهد منكم الشَّهر﴾، و"إذا رأيتموه"، واضح، ولهذا كان الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أنه إن اتفقت المطالع لزم الصوم أو الفطر وإلا فلا. * وهذا أحد الأقوال في المسألة، وفيها خمسة أقوال على النحو التالي: القول الأول: إذا ثبتت رؤيته في مكان ثبت ذلك في حق جميع الناس في أي مكان كانوا.

стр. 1381

القول الثاني: إذا ثبتت رؤيته في مكان لزمهم حكم تلك الرؤية من فطر أو صوم، ولزم من يشاركهم في مطالع الهلال دون من لم يشاركهم، وهذا أقرب إلى الصواب إن لم يكن هو المتعين. القول الثالث: أنه إذا كانت المسافة بين البلدين مسافة قصر فإنه لا يلزم للبلد الآخر، قالوا: لأن ما دون المسافة في حكم الحاضر وما وراءها في حكم المسافر، فإذا كان بين البلدين أقل من المسافة لزم البلد الثاني الصوم إذا رآه البلد الآخر، وإن كان بينهما مسافة قصر فلا. والقول الرابع: أن الصوم والفطر تبع للعمل، أي: عمل ولي الأمر، فإذا كانت هذه المنطقة تبعًا لأمير معين فلها حكم واحد، وعللوا ذلك بألا يحصل الاختلاف بين من كانوا تحت إمرة واحدة؛ لأنه إذا حصل اختلاف بين من كانوا تحت إمرة واحدة حصل النزاع والتفرق. والقول الخامس: أنه إذا كان بينهما قطر أو أقطار- يعني: إذا كانت منطقة كبيرة وليست بلد أي: تبع الأقطار والمناطق الكبيرة- فإنهم إذا كانوا في قطر واحد لزمهم الصوم، وإن لم يكونوا في قطر واحد فلكل قطر حكمه. على كل حال: كل ما سوى القولين الأولين فهي أقوال ليست بتلك القوة، إلا أن يقال: إنه إذا كانوا تحت إمرة واحدة فإنه يلزم الصوم أو الفطر الحديث: "الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والفطر يوم يفطر الناس". * فتكون الأقوال الرئيسية التي يمكن أن نعتبرها ثلاثة أقوال: الأول: لزوم الصوم على جميع الناس. والثاني: لزوم الصوم على من وافقهم في المطالع. والثالث: لزوم الصوم إذا كانوا تحت إمرة واحدة الحديث: "الصوم يوم يصوم الناس". ما هو عمل الناس اليوم؟ الغالب عمل الناس اليوم على الأخير، ولهذا تجد قريتين على الحدود بينهما أمتار قليلة قرية صامت وقرية لم تصم، وقرية أفطرت في العيد وقرية لم تفطر؛ لأن هذه تحت ولاية وهذه تحت ولاية بل نجد أنه أحيانا إذا حسنت العلاقات بين الدولتين اتفقتا، وإذا ساءت لم تتفقا، فيجعلون الحكم تبعًا للسياسة، وهذا شيء مشاهد علمنا به مباشرة بدون نقل. على كل حال: القول الصحيح عندي هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه مؤيد بظاهر القرآن والسُّنة وبما روي عن الصحابة-﵃. من فوائد الحديث: أن هذه الشريعة- والحمد لله- لم تدع مجالًا للقلق والاضطراب، لقوله: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، فإن هذا مما يريح الإنسان، يعني: لا تكن قلقًا، تقول: ربما هلَّ ولكنه تحت السحاب، وربما هلَّ ولكنه وراء الجبل، وربما هلَّ ولكنه حجبه

стр. 1382

القتر، أبدًا لا تقلق، إذا لم تر الهلال لكونه غٌم عليك أكمل العدة ثلاثين بدون قلق، وهكذا لا ينبغي للإنسان أن يجعل في نفسه قلقًا من الأحكام الشرعية حتى في مسائل الفتاوى فلا ينبغي لك أن تضع المستفتي في قلق وحيرة، فتقول: يمكن كذا، يمكن كذا، يحتمل كذا، يحتمل كذا، إما أن يكون عندك علم يقيني أو ظني؛ لأنه على القول الصحيح يجوز الحكم بغلية الظن عند تعارض الأدلة: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ? ? ? ]. وتجزم بالفتوى وإلا فدعها، أما أن تبقى في حيرة وتوقع غيرك في حيرة فهذا لا ينبغي. ومن فوائد الحديث: اعتبار البناء على الأصل؛ لقوله: "فاقدروا له"، أو "فأكملوا العدة ثلاثين"؛ لأن الأصل بقاء الشهر، فإن اليوم الثلاثين يعدُّ من الشهر في الأصل، فتعمل على هذا الأصل حتى نتيقن أنه دخل الشهر الثاني، وهذا فرد من أفراد عظيمة دلت عليها أحاديث كثيرة وهي أن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يتبين زواله. يقبل خبر الواحد في إثبات الهلال: (٦٢٣) - وعن ابن عمر أيضًا ﵁ قال: "تراءى النَّاس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أنِّي رأيته، فصام وأمر النَّاس بصيامه". رواه أبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم. (٦٢) ٤ - وعن ابن عباس ﵁: "أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنِّي رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذِّن في النَّاس يا بلال أن يصوموا غدًا". رواه الخمسة، وصحَّحه ابن خزيمةً، وابن حبَّان، ورجَّح النَّسائي إرساله. ففي هذين الحديثين دليل على أنه يعمل بشهادة واحد في دخول رمضان، وعلى هذا فيكون الجمع في قوله: "إذا رأيتموه فصوموا" باعتبار الجنس؛ لأنه قال: "إذا رآه أحد منكم". الحديث الأول يقول: "تراءى الناس الهلال"، أي: طلبوا رؤيته، هذا هو معنى تراءى، كأن

стр. 1383

كل واحد يقول للثاني: انظر الهلال وما أشبه ذلك، فيدل هذا على أن ترائي الهلال في الليلة التي يتحرى فيها من عمل الصحابة الذي أقرهم النبي ﷺ عليه، فيكون من السُّنة التقريرية. ويستفاد من هذا الحديث: أنه لا يعمل إلا برؤية من يوثق بنظره، بل من يوثق بقوله لكونه أمينا بصيرًا، فلو جاء الأعمى إلى القاضي وقال: إني رأيت الهلال وهو ثقة مأمون عند الناس ماذا نقول؟ نقول: هذا لا يمكن وهذا مما يخل بأمانته، وما القول فيما إذا جاءنا رجل ليس بأعمى لكن ضعيف البصر وقال: إنى رأيت الهلال يقينًا وقال: اتجاهه إلى الجنوب الشرقي- اتجاه القوس- المنزلة صحيحة لكنه ضعيف البصر هل نأخذ بقوله؟ لا، وإن كان ثقة؛ لأنه ضعيف البصر، ولهذا ذكر العلماء أن رجلًا كبير السن كان مع الناس الذين يتراءون الهلال وأبصارهم قوية هم قالوا: لم نره، وهو أصر على أنه رآه وجاءوا عند القاضي والقاضي ردده قال: لا، أنا أشهد أني رأيته فقال: أذهب معك تريني إياه، قال: نعم، ذهب وقال: أنظر إليه. القاضي نظر وما رأى شيئًا وكان القاضي ذكيًّا فمسح على حاجبه- حاجب عينه- ثم قال: انظر، قال: الآن ما أرى شيئا، لماذا؟ شعرة بيضاء يحسب أنها الهلال وهى متقوسة كالهلال فشهد أنه رأى الهلال! لكن متى يأتينا قاضٍ مثل هذا القاضي الذكي، لكن على كل حال أقول: لا بد أن يكون الرائي ممن يوثق بقوله لأمانته في النقل ولكون بصره حديدًا يمكن أن يرى الهلال. ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أنه لا تشترط الشهادة في الإعلام بدخول الشهر؛ لقوله: وأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام"، وأمر الناس بالصيام، فلو قال للقاضي: لقد رأيت الهلال ولم يقل: أشهد، وجب الحكم بخبره، وهل هذا خاص برؤية هلال رمضان أو عام في كل الشهادات؟ يعني: هل يشترط في الشهادة سواء في المال أو في غير المال أن يقول الشاهد: أشهد أو لا يشترط، بل يكفي أن يقول: إني أقول كذا أو أخبر بكذا؟ الصحيح: أنه لا تشترط الشهادة إلا ما دل الدليل على اشتراطها لقوله: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات﴾ [النور: ٦]. وإلا فإن الخبر يكفي عن الشهادة ولهذا قيل للإمام أحمد ﵀: إن فلانا يقول: "العشرة في الجنة ولا أشهد"، فقال الإمام أحمد: إذا قال: إنهم في الجنة فقد شهد، وهذا هو الحق، أي: أن الشهادة لا يعتبر فيها لفظ (أشهد)، بل إذا أخبر خبرًا جازمًا به فإنه يعتبر شاهدًا ويدل عليه هذا الحديث. أما الحديث الثاني: ففيه دليل على أنه يشترط في الشاهد أن يكون مسلمًا، لقوله: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا"، وهذا واضح على أن الحكم بني على ما سبق من كون الرجل يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. هل يدل الحديث على أنه يكفي أن يكون مسلمًا وإن لم يكن عدلًا؟ قد يقال: لا يدل، وقد يقال: يدل، أمّا قد يقال: إنه يدل؛ فلأن هذا الرجل لم يبد لنا منه إلا أن شهد أن لا إله إلا

стр. 1384

الله، وأن محمدًا رسول الله فقط، وهذا لا يحصل به إلا الإسلام فقط، وأما كونه لا يمنع اشتراط العدالة؛ فلأن الصحابة كلهم عدول، فإذا ثبت إسلام الصحابي ثبتت عدالته. ومن فوائد حديث ابن عمر: أن من السُّنة ترائي الناس الهلال. والدليل: قول ابن عمر "تراءى الناس ... إلخ" ومن أي أنواع السُّنة هذه؟ الإقرارية. هل من السُّنة أن يؤمر الناس بترائي الهلال ويقال لهم: تراءوا الهلال الليلة الفلانية فمن رآه منكم فليشهد عند القاضي؟ الجواب: أننا نأمرهم لنذكرهم بالسُّنة، ولهذا الأفضل ألا يقال: تراءوا الهلال، وإنما يقال: كان الصحابة يتراءون الهلال فمن أراد منكم أن يتراءه فليتراءه في الليلة الفلانية، هذا أقرب إلى إصابة السُّنة. ومن فوائد الحديث أيضًا: وجوب العمل برؤية الشاهد الواحد مع الجماعة، يؤخذ من أمر النبي ﷺ الناس بالصيام؛ لأنه صام وأمر الناس بالصيام، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم، والمسألة فيها ثلاثة أقوال: هذا القول. والقول الثاني: أنه لا بد من شاهدين اثنين أو شاهد مبرِّزٌ في العدالة بحيث تقوم شهادته مقام شهادة اثنين عند القاضي. والقول الثالث: أنه إن كانت السماء غيمًا قبلت شهادة الواحد، وإن كانت صحوًا لم تقبل، هذا مذهب أبى حنيفة، لماذا؟ يقولون: لأنه إذا كانت السماء صحوًا ولم يره الناس دل على كذبه، فتكون شهادة هذا الواحد مخالفة لشهادة الآخرين فلا تقبل، أما إذا كانت السماء غيمًا فيمكن أن يراه بدون الناس لقوة بصره مثلًا أو لكونه دقيق الملاحظة بحيث انفتح الغيم لمدة وجيزة ورآه أو ما أشبه ذلك، فلهذا يفرق هؤلاء بين أن تكون السماء صحوا أو أن تكون غيمًا، ولا شك أن مقتضى العقل أن يكون الأمر بالعكس، فيقال: إذا كانت السماء صحوا فإنه يمكن أن يراه ولا يراه الآخرون، حتى وإن كانت السماء صحًوا فالناس يختلفون في قوة النظر بخلاف ما إذا كانت غيمًا فإنه يبعد أن يراه. على كل حال: هذا قول ذكرناه لأجل إتمام سياق الأقوال، والصحيح: أنه يعمل بشهادة الواحد ولو كان معه جماعة لهذا الحديث. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يتقدم بالحق ولو كان من أصغر الناس؛ لأن ابن عمر كان صغير السن ومع ذلك تقدم، وقال: "إني رأيت الهلال"، فصام النبي ﷺ وأمر بصيامه، ولهذا لما وقع في قلبه حل اللغز الذي ألغز به النبي ﷺ هاب أن يتكلم به؛ لأنه كان أصغر القوم، ولكن أباه عمر تمنى أن يكون تكلَّم به، واللغز الذي أورده الرسول ﷺ على الصحابة أن

стр. 1385

من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن فذهب الناس يتكلمون في شجر البوادي هي كذا هي كذا ولم يعرفوها، فوقع في نفس ابن عمر أنها النخلة، لكنه لم يتكلم لصغر سنَّه، ثم قال الرسول ﷺ : "هي النخلة". وفية من الفوائد أيضًا: أن الرسول ﷺ أو أن الحاكم هو الذي يوجه الأمر إلى الناس بالصيام؛ لقوله: "صام وأمر الناس بصيامه"، وهو كذلك، فإن هذه الأمور ترجع إلى الحكام وليست راجعة إلى عامة الناس من شاء صام ومن شاء أفطر بشهادة غيره، ولكتها راجعة إلى الحاكم الشرعي. وفيه أيضًا: أن من كان معلوم العدالة فإنه لا يناقش ولا يحقق معه؛ لأن النبي ﷺ لما أخبره ابن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام بخلاف الحديث الثاني. ويستفاد منه أيضًا: أنه لا تشترط الشهادة في رؤية الهلال، يعني: لا يشترط أن يقول: أشهد؛ لأنه قال: "فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته"، وقد يقال: بل فيه دليل على أن الخبر شهادة؛ لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وجعل النبي ﷺ ابن عمر بإخباره شاهدًا، وقد مر علينا أن الإمام أحمد لما قيل له: أن يحيى بن معين أو علي بن المديني- نسيت أيهما هو- يقول: العشرة في الجنة، ولكن لا أشهد، قال: إذا قال فقد شهد. أما حديث ابن عباس ففيه: أولًا: قبول شهادة الأعرابي، والأعرابي- كما مر علينا- هو ساكن البادية، وهو كذللك إذا ثبتت عدالته. وفيه أيضًا: وجوب التحري في مجهول الحال؛ لأن النبي ﷺ سأل هذا الأعرابي: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ " قال: نعم، فأما من ظاهره العدالة فلا يبحث عنه، لكن لما كان الأعراب غالبهم لا يعرف الأحكام الشرعية سال النبي ﷺ هذا الأعرابي: هل هو مسلم أم لا. وفيه: أن الناس مؤتمنون على ديانتهم؛ لأنه لما قال: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، لم يقل: من يشهد له، وبناء عليه فإذا قيل للرجل: "صلِّ"، فقال: قد صليت ندعه ودينه، الا أن يقول: صليت في المسجد الفلاني، وشهد أهل المسجد أنه لم يصلِّ فيه، فحينئذ لا نقبل قوله، كذلك إذا قلنا: "زكِّ مالك"، فقال: قد زكيت، فإنه يقبل وهو فيما بينه وبين الله، اللهم إلا إذا كان شاهد الحال يكذبه، كما لو كان غنيًا عنده أموال كثيرة وقال: "إني زكيت" ونحن ما رأينا أحدًا انتفع بزكاته، وزكاته لو أخرجت لكان لها أثر في المجتمع لقلته مثلًا، فهذا قد نقول بعدم قبول قوله، لماذا؟ لأن شاهد الحال يكذبه، وشاهد

стр. 1386

الحال معتبر في الأحكام الشرعية، ألم يبلغكم قصة سليمان مع المرأتين حيث عمل بالقرينة، وكذلك أيضًا الحاكم الذي حكم في قصة يوسف ﵇ حكم بالقرآن قال: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصَّادقين﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]. فالمهم: أن صاحب المال الذي ادعى أنه أدى زكاته نقول: إذا دلت القرينة على كذبه لم نقبل قوله، وإلاَّ فإن الناس مؤتمنون على دينهم. وفيه: دليل على أن "نعم"حرف جواب تغني عن إعادة السؤال؛ لأن الرجل لم يقل: نعم أشهد أن لا إله إلا الله، ولهذا لو قيل للرجل أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، تطلق، ولو قيل له: أراجعت امرأتك؟ فقال: نعم، رجعت إليه، ولو قيل للرجل: أزوجت فلانًا؟ فقال: نعم، فقال الثاني: قبلت قبل، أو قيل للزوج أقبلت؟ فقال: نعم، فإنه يقوم مقامه لحكم النبي ﷺ بإسلامه حين قال: نعم. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي إعلان دخول الشهر بين الناس، لقوله: "فأذَّن في الناس أن يصوموا غدًا". ومن فوائده: أنه ينبغي أن تتخذ الوسيلة التي تكون أقرب إلى تعميم الخبرة لقوله: "أذِّن في الناس"، يعني: أعلمهم، وعلى هذا يكون إعلام الناس خبر دخول الشهر بالأصوات أو بظهور الأنوار أو ما أشبه ذلك من الأمور المشروعة. ومن فوائده أيضًا: أنه ينبغي في الإعلانات اختيار الوسيلة التي تكون أبلغ في إيصال الخبر؛ لأن بلالًا ﵁ معروف أنه قوي الصوت؛ ولهذا أمره النبي ﷺ أن يقوم يؤذن في الناس فيصوموا غدًا. حكم تبييت النية في الصيام: ٦٢٥ - وعن حفصة أمِّ المؤمنين ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من لم يبيِّت الصِّيام قبل الفجر فلا صيام له". رواه الخمسة، ومال التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ إلى ترجيح وقفه، وصحَّحه مرفوعًا ابن خزيمة وابن حبَّان. - وللدَّارقطنيِّ: "لا صيام لمن لم يفرضه من اللَّيل". قوله: "من لم يبيت الصيام" يعني: نية الصيام، وقوله: "قبل الفجر" يعني: ولو في آخر الليل؛

стр. 1387

لأن البيتوتة في الأصل هي النوم في الليل، وقوله: "فلا صيام له"، "لا" نافية للجنس، و"صيام" اسمها، و"له" خبرها هذا النفي، هل هو نفي للكمال أو للوجود أو للصحة؟ الأصل في النفي نفي الوجود، هذا الأصل، فإذا وجد انتقلنا من نفي الوجود الحسي إلى نفي الوجود الشرعي، ونفي الوجود الشرعي معناه: عدم الصحة، فيكون نفيًا للصحة، فإن لم يمكن ذلك بأن ثبت وجوده شرعًا وصحته شرعًا انتقلنا إلى نفي الكمال، فأي إنسان يدَّعي في مثل هذه الصيغة أنه نفي للكمال فإننا لا نقبل قوله إلا بدليل، فإذا قلنا: "لا رب إلا الله" فهو نفي للوجود، أي: نفي لوجود أي رب إلا الله، ونفي الصحة لا يكون إلا في الأحكام والأخبار، ويكون فيها الصدق أو الكذب، "الرب" عند الإطلاق إنما يكون لله إذا قلنا: "لا إيمان لمن لا يأمن جاره بوائقه" هذا نفي كمال، "لا صلاة بغير وضوء" نفي للصحة، وانتبهوا إذا كان الكلام في الخبر يرفع صدقه أو كذبه، إذا كانت الأحكام فالصحة والبطلان، سبق لنا أن البيات هو النوم، وهنا بيَّن أنه من الغروب إلى الفجر؛ لأنه قال: ومن لم يبيِّت الصيام قبل الفجر"، والمراد بالفجر هنا: الفجر الصادق؛ لأن الفجر فجران: فجر كاذب وفجر صادق، والذي تترتب عليه أحكام الصيام وأحكام الصلاة هو الفجر الصادق، وبينه وبين الفجر الكاذب حوالي ساعة أو ساعة وربع أو أقل من ساعة حسب اختلاف الفصول، أما الفروق بينه وبين الفجر الصادق فذكر العلماء أن بينهما ثلاثة فروق: الفرق الأول: أن الفجر الصادق يكون ممتدًّا من الجنوب إلى الشمال عرضًا، والفجر الكاذب يكون طولًا من الشرق إلى الغرب. والفرق الثاني: أن الفجر الصادق يكون فيه الضياء متصلًا بالأفق، وأما الفجر الكاذب فالضياء منقطع، أي: بينه وبين الأفق ظلمة. والفرق الثالث: أن الفجر الكاذب يظلم بعد ذلك وينمحي، والفجر الصادق لا يظلم بل يزداد نورًا، والفجر الصادق هو الذي تترتب عليه الأحكام. وقوله: "من لم يبيت الصيام" ظاهره العموم صيام الفرض، أي: وصيام النفل، وقوله: "فلا صيام له"، أي: لا صيام صحيح له، ووجه ذلك: أن الصوم لا بد أن يشتمل على جميع النهار، ومن لم ينو إلا بعد طلوع الفجر ولو بجزء يسير فقد مضى جزءٌ من يومه لم ينوه ولم يصمه وحينئذ لا يصح، وعليه فيكون هذا الحديث وإن كان فيه خلاف في رفعه ووقفه فإن النظر. يقتضيه؛ لأن الله يقول: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام﴾ من أين؟ من الفجر ﴿إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. وعلى هذا من لم ينو قبل الفجر ولو بلحظة. فإنه لم يتم صومه؛ لأنه مضى عليه جزء من النهار لم يصمه.

стр. 1388

مسألة: ما الحكم إذا تعارض الرفع والوقف ؟ وقول المؤلف: "مال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه، وصححه مرفوعًا ابن خزيمة وابن حبان" معناه: أنه تعارض هنا الحكم عليه بالوقف وبالرفع، وقد مضى عدة مرات أنه إذا تعارض الرفع والوقف وكان الرافع ثقة حكم بالرفع لوجهين: الوجه الأول: أن الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة. الوجه الثاني: أنه لا منافاة بين الرفع والوقف، فإن الراوي أحيانا يسوق الحديث إلى منتهاه وأحيانا يحدث به هو كأنه من عنده، فالصحابي قد يقول مثلًا: قال رسول الله ﷺ كذا ويتكلم بالحديث، وقد قول الحديث من نفسه مبينًا للحكم فقط لا راويًا، وعلى الاحتمال الأخير يكون حاكيًا لا راويًا، هذا إذا كان الراوي ثقة، أما إذا كان الراوي غير ثقة- الرافع- فإننا لا نقبل الرفع حينئذٍ لا لأنه عورض بالوقف ولكن لضعف الراوي. والخلاصة: أنه لا منافاة بين كون الراوي يحدث بالحديث مرة مرفوعًا، أو يقوله ناسبًا إياه إلى نفسه على سبيل الوقف؛ لأنه على الوجه الأول يكون راويًا، وعلى الوجه الثاني يكون حاكيًا. وقوله: "وللدارقطني: لا صيام لمن لم يفرضه من الليل" إشارة إلى أن المراد بذلك: الصيام الواجب هو الذي يفرض، أما التطوع فإنه وإن ابتدأه الإنسان فله أن يفطر كما سيأتي. من فوائد الحديث: أولًا: وجوب النية في الصيام لقوله: "من لم يبيت النية فلا صيام له"، ويشهد لهذا ذلك الحديث العظيم الذي يعتبر ركنًا عظيمًا من أركان الشريعة وهو حديث عمر قول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... " الحديث. ثانيًا: أنه لا بد أن تكون النية قبل طلوع الفجر لقوله: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر"، ووجه ذلك: لأجل أن تستوعب النية جميع النهار. ومن فوائده أيضًا: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لأنه لا يمكن استيعاب جميع النهار إلا بنية قبل الفجر، وإلا فالأصل ابتداء الإمساك من طلوع الفجر لا قبله؛ لأن الله يقول: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١ (٨٧)]. لكن لما كان لا يتم استيعاب جميع النهار إلا بنية قبل الفجر صارت النية قبل الفجر واجبة، وهذا من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ونظير ذلك قولهم في الوضوء: إنه لا يمكن استيعاب غسل الوجه إلا بجزء من الرأس، فلا بد أن يتناول الماء شيئًا ولو كالشعرة من الرأس، وكذلك قالوا في مسح الراس، المهم: أنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإن قلت: هل يجوز أن أبتدئ النفل من أثناء النهار؟ فالجواب: إن كان النفل معينًا فإنه لا يصح إلا من قبل طلوع الفجر، مثلًا: أيام البيض لا بد

стр. 1389

أن يصومها الإنسان من أولها وإلا صار صائمًا نصف يوم أو ربع يوم حسب ما ينوي، وكذلك الأيام المعينة، كل معين لا بد أن ينويه قبل الفجر، أما النفل المطلق فلا بأس كما سيأتي على خلاف في ذلك أيضًا. حكم قطع الصوم ٦٢٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل عليَّ النَّبيِّ ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيءٌ؟ قلنا: لا. قال: فإنِّي إذن صائمٌ، ثمَّ أتانا يومًا آخر، فقلنا: أهدي لنا حيسٌ، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا فأكل". رواه مسلمٌ. كلمة "هل" أداة استفهام، والجملة بعدها مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والمبتدأ هنا كلمة "شيء"، و"شيء" نكرة من أنكر النكرات، فكيف صح أن يبتدأ بالنكرة؟ أولًا: لتقدم الخبر، والثاني: لتقدم الاستفهام. وقوله: "شيء" هذا عام أريد به الخاص، والمراد به: شيء يؤكل، بدليل قوله: "قلنا: لا. قال: فإني إذن صائم"، وقوله: "فإني إذن" "إذن" ظرف للزمن الحاضر، وهناك "إذن"، و"إذا"، و"إذ" هذه الأدوات الثلاثة تقاسمت الزمان. فـ"إذ" لما مضى، و"إذا" للمستقبل، و"إذن" للحاضر، إذن فقوله: "إني إذن" أي: من الآن صائم، والصيام في اللغة- كما سبق-: الإمساك، وفي الشرع: التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإذا جاء اللفظ في لسان الشارع وله معنى لغوي ومعنى شرعي وجب حمله على الحقيقة الشرعية على المعنى الشرعي، وإذا جاء اللفظ في كلام أهل اللغة وله معنيان شرعي ولغوي حمل على المعنى اللغوي، وإذا جاء الكلام وله معنيان لغوي فصيح وعرفي وشرعي وتكلم به إنسان باللسان العرفي فإنه يحمل على العرفي. إذن كل كلام يحمل على ما تعارفه المتكلم به، إذن لا يصح أن نحمل قوله: "صائم" على الصيام اللغوي، قال: فإني إذن ممسك عن الأكل، بل نقول: إنه صيام شرعي؛ لأن هذا معناه في اللسان الشرعي، "ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائمًا فأكل"، قوله: "أتانا يومًا آخر" يعني: غير اليوم الأول، فقلنا: "أهدي لنا حيسٌ"، الحيس: هو تمر يخلط بشيع من الأقط والسمن ويؤكل، موجود إلى الآن في عرفنا، لكنه في عرفنا يخلط بشيء من الدقيق بدلًا عن الأقط، ولعل البادية يخلطونه بالأقط، إنما الحاضرة عندنا يخلطونه بالدقيق، ويسمى عندنا (قشد)، والظاهرة أن أصلها (قشدة).

стр. 1390

فقال: "أرينيه"، هنا إشكال من الناحية النحوية "أرينيه"؛ لماذا جاءت الياء وهذا فعل أمر، وفعل الأمر يحذف منه حرف العلة؟ هنا يوجد مفعولان وفاعل، فالياء الأولى فاعل، والياء الثانية مفعول أول، والهاء مفعول ثان، فعندنا "أرينيه"، الياء الأولى تعود إلى المخاطبة فهي فاعل، والنون للوقاية، والهاء الثانية مفعول أول، والهاء مفعول ثانٍ، وهنا الرؤية بصرية وهي تنصب مفعولًا واحدًا، وإذا كانت الرؤية البصرية متعدية بالهمزة فإنها تنصب مفعولين. "أرينيه" فعل أمر مبني على حذف النون، والياء فاعل والنون للوقاية، والياء مفعول أول والهاء مفعول ثان، نقول: أرينيه يعني: رؤية عين. "فلقد أصبحت صائمًا" هل المعني: صائمًا لغة أو صائمًا شرعًا؟ شرعا؛ لأنها جاءت في لسان الشارع فوجب أن تحمل على المفهوم الشرعي، "فأكل" أي: من هذا الحيس. في هذا الحديث تذكر عائشة: أن رسول الله ﷺ دخل على أهله وسألهم هل عندهم شيء يريد أن يأكل، فلما لم يجد عندهم شيئًا قال: إذن أصوم حتى يكون صيامي قرية إلى الله ﷺ ، ففعل ﷺ وأنشأ صيامًا من حيث قالت له: إنه ليس عندهم شيء من ذلك الوقت، أما المرة الثانية فإنه جاء إلى البيت ﷺ وأخبروه بأنه أهدي إليهم حيس فطلبه النبي ﷺ واكل منه، مع أنه أخبر بأنه كان صائمًا، هذا معنى الحديث. فيستفاد من هذا الحديث فوائد عديدة أولًا: بساطة النبي ﷺ في معاملة أهله، وأنه ليس ممن يتفقدون البيت، ماذا أخذوا من السكر؟ ماذا أخذوا من الشاهي؟ ماذا أخذوا من الرز؟ وما أشبه ذلك يقول: "هل عندكم من شيء؟ " لا يعرف عن بيته شيئًا؛ لأن البيت لربة البيت. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يخاطب الرجل الشريف الكريم بكلمة "لا" لقولها: "لا"، وهي زوجته وهو زوجها وأشرف الخلق عند الله ومع ذلك تخاطبه بكلمة "لا"، وهذا له أمثال كثيرة ومنها: حديث جابر لما قال له النبي ﷺ : "بعنيه" قال: لا، فلا بأس أن تقول لمن خاطبك وإن كان عظيمًا: "لا"، أما قول بعض الناس: سلامتك وما أشبه ذلك من الكلمات فهذه من باب المجاملة، ولو ان الإنسان عجز عن كلمة "لا" لم يكن في ذلك بأس. إذن في هذا الحديث الذي معنا دليل على أنه يجوز أن يقول الإنسان: "لا" للرجل العظيم، وأن ذلك ليس من سوء الأدب. وفيه أيضًا: دليل على جواز إنشاء نية صيام النفل من النهار، يؤخذ من قوله: "فإني إذن"، لولا كلمة "إذن" لاحتمل أن يكون قد صام من قبل لكن لما قال: "إذن" معناه أنه أنشأ الصوم من الآن فيجوز أن ينوي النفل في أثناء النهار، وهذا في النفل المطلق، أما المعين فإنه يصام كما يصام الفرض من أول النهار، ولكن إذا نوى في أثناء النهار فهل يكتب له أجر الصوم يومًا

стр. 1391

كاملًا أو يكتب له من نيته؟ في هلا قولان لأهل العلم؛ فمنهم من قال: يكتب له أجر كامل؛ لأن الصوم شرعًا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإذا صححنا أن ذلك صوم فإن من لازمه أن يثبت له أجره من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس له أجر إلا من نيته، واستدل لذلك بقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا أول النهار لم ينو الصوم، فكيف يكتب له أجره مع أنه لم ينوه؟ وهذا أقرب إلى الصواب، لكن يكون الفرق بينه وبين الفرض حينئذٍ: أن الفرض لا يصح صوم بعض يوم، وأما النفل فيصح، هل يشترط ألا يفعل مفطرًا في أول النهار؟ أما على قول من يقول: إنه يكتب له الصوم من طلوع الفجر فاشتراط ألا يفعل مفطرًا قبل النية واضح، لكن على قول من يقول: إن النية في أثناء النهار والأجر يكون من النية، هذا محل إشكال، لكن مع ذلك حسب ما علمت من كلام أهل العلم أنه يشترط ألا يكون فعل مفطر قبل النية، فلو فرضنا أن هذا الرجل، أفطر بعد طلوع الشمس فطورا كاملًا قبل الظهر قال: نويت أن أصوم إلى الليل لا يجزئ؛ لأن هذا ليس بصوم، لكن إن نواه صومًا لغويًا لا بأس به، ولكن إن نوى به التقرب إلى الله فهذا غير مشروع، إذن يشترط ألا يفعل منافيًا للصوم من طلوع الفجر إلى نيته، فإن فعل منافيًا للصوم لم يصح الصوم ولو في أثناء النهار، وكان الشارح ﵀ يميل إلى أن التطوع لا تصح نيته في أثناء اليوم وتوهم ﵀ حيث قال: إن في بعض سياق الحديث: "فلقد كنت صائمًا" بدل قوله: "إني إذن صائمٌ"، وقال: إن الرسول ﷺ كان قد صام، لكن يسأل وينظر إن كان فيه شيء أكل وأفطر، وإن لم يكن استمر على صيامه، هكذا أول الحديث، لكن هذا وهم: لأن في صحيح مسلم: "فلقد كنت صائمًا" بدل قوله: "فلقد أصبحت صائمًا"، فهي في المسألة الثانية لا في المسألة الأولى، وعلى هذا فيكون تأويل الحديث تأويلًا غير صحيح، فالذي عنده الشرح يخشي عليه هذا. ويستفاد من هذا الحديث: مشروعية قبول الهدية ولو كانت طعامًا لقولها: "أهدي لنا حيس"، خلافًا لبعض الناس الذين يترفعون عن قبول الهدية إذا كانت طعامًا، ولا سيما في وقتنا الحاضر، لما أنعم الله على الناس صار الإنسان يستنكف إذا أهدي له هدية طعام، ولكن- والله- ليس بيت هذا المستنكف خيرًا من بيوت النبي ﷺ فقد كان ﵇ وأهله يقبلون الهدية حتى ولو كانت طعامًا، والنبي ﷺ يقول: "لو أهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلته".

стр. 1392

ومن فوائده أيضًا: جواز أكل النبي ﷺ الهدية؛ لأنه أكل منها، أما الصدقة فلا تحل له، ويدل على أن الصدقة لا تحل له أنه لما دخل ذات يوم وجد البرمة على النار وفيها لحم، فطلب ﷺ أن يأكل، فقالوا: ليس عندنا شيء، فقال: "ألم أر البرمة على النار؟ " والبرمة: قدر من فخار، قالوا: ذاك لحم تصدِّق به على بريرة، قال: "هو عليها صدقة ولنا هدية"، فأكل منه ﷺ . إذن ففي هذا الحديث الأخير دليل على أن الصدقة حرام على النبي ﷺ ، وأن ذلك أمر معلوم عندهم، وأما الهدية فهي له حلال. ومن فوائد الحديث: جواز إصدار الأوامر على من لا يستنكف من الأمر؛ لقوله: "أرينيه"، وعليه فيكون النهي عن سؤال الناس لا يشمل مثل هذه الصورة، يعني: النهي عن سؤال الناس لا يشمل من إذا سألته فرح بسؤالك إياه، بل قد يكون هذا من باب الأمر المطلوب والإحسان إليه، أما من إذا سألته استثقل ولم يعطك الشيء إلا حياء وخجلًا، فهلا لا ينبغي لك أن تسأله واقض أنت حاجتك بنفسك. ومن فوائد الحديث: جواز قطع صوم النفل؛ لقولها: "فأكل"، لكن أهل العلم يقولون: لا ينبغي قطعه إلا لحاجة أو مصلحة، فالحاجة مثل: أن يشق عليه تكميل الصوم لعطش أو جوع أو نحو ذلك، والمصلحة مثل: قطع الصوم تطييبًا لقلب صاحبه، هذا الحديث على أي شيء يحمل: على المصلحة أو على الحاجة؟ يمكن أن يكون الرسول ﷺ محتاجًا للأكل فأكل، ويمكن أن يكون غرضه بذلك تطييب قلب أهله؛ لأن قولهم: "أهدي لنا حيس" كأنهم فرحوا به ويحبون أن يأكل منه النبي ﷺ فطلبه فأكل منه. وفيه أيضًا: جواز إخبار الإنسان عن عمله الصالح، وإن كان يمكنه أن يخفيه لقول الرسول ﷺ : "فلقد أصبحت صائمًاه، ومن الممكن أن يقول: هاتوا الحيس ويأكل بدون أن يعلموا، لكنه أخبرهم، فهل نقول: إن مثل هذا مشروع؟ فلو دعاك رجل وأنت صائم فقلت: إني اليوم صائم فهل نقول: هذا مشروع، أو نقول: هذا من باب الجائز، أو ينظر في ذلك إلى المصلحة؟ هذا الأخير هو الصواب، قد يكون من المصلحة أن تخبره لأجل أن يقتدي بك؛ لأن كثيرا من الناس يأخذ بفعل غيره ويقتدي به، قد يكون من المصلحة إخباره؛ لأنك لو تعذرت بدون ذكر السبب لكان في قلبه شيء، فإذا ذكرت السبب طابت نفسه، قد يكون من المصلحة أن تخبره أنك صائم لأجل ألا يعيد عليك السؤال أو العرض مرة ثانية. على كل حال: الأفضل أن يبقى الإنسان على صومه إلا لمصلحة أو حاجة، وهل يقاس على ذلك جميع النوافل، يعني: أنه يجوز للإنسان أن يقطع النفل؟ الجواب: نعم كل النوافل يجوز أن تقطعها لكن لا ينبغي إلا لسبب حاجة أو مصلحة إلا الحج والعمرة، قال بعض العلماء:

стр. 1393

وإلا الجهاد فإنك إذا شرعت فيه لا يجوز لك قطعه، لكن الصحيح أنه كغيره من النوافل ما لم يلق العدو زحفًا، فحينئذٍ لا يجوز الفرار والحج والعمرة لا يجوز قطعهما إلا لضرورة إمَّا حصر أو شرط يشترطه الإنسان عتد إحرامه. فضل تعجيل الفطر: ٦٢٧ - وعن سهل بن سعدٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يزال النَّاس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر". متَّفقٌ عليه. قوله: "لا يزال" هذه من أخوات كان، فهي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، واسمها "الناس"، و"بخير" خبرها، والباء هنا للمصاحبة؛ أي: مصحوبين بالخير أو مصاحبين للخير، و"ما" في قوله: "ما عجلوا الفطر" ما مصدرية ظرفية؛ مصدرية لأن ما بعدها يؤوَّل مصدّرا، وظرفية لأنه يقدر فيها مدة تحوِّل ما بعدها إلى مصدر: "عجلوا تعجيلًا"، هنا الظرف: مدة، فيكون التقدير: لا يزال الناس بخير مدة تعجيلهم الفطر. قوله ﷺ : "لا يزال الناس" المراد بالناس هنا: الصائمون، فهو عام أريد به الخاص، خاص من وجهين الصائمون المسلمون؛ لأن الكفار وإن صاموا ليس لهم صيام ولا يقبل منهم؛ لاشتراط الإسلام في كل عبادة؛ لأن الكافرين ليسوا في خير حتى وإن صاموا وجاعوا وعطشوا. في هذا الحديث: يخبر الرسول ﷺ أن الناس إذا عجلوا الفطر فإنهم في خير مصاحبين له، والخير ملازم لهم، والفطر المراد به: القطر من الصيام، وأطلق النبي ﷺ "الفطر"، أي: ما يفطر به، فإذا عجلوا الفطر بأي شيء يفطر الصائم فهم لا يزالون بخير. يستفاد من الحديث أولًا: مشروعية الفطر؛ لأن ما رتب الفضل على صفة من صفاته فهو كذلك مشروع، لتعذر الوصف دون الأصل أو دون الموصوف، فهنا رتب الخير على تعجيل الفطر، إذن الفطر مشروع. ثانيًا: مشروعية تعجيل الفطر، ولكن متى يكون؟ يكون إذا تحقق غروب الشمس بالاتفاق؛ لقول النبي ﷺ "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس"، فلا بد من تحققها، أو غلب على ظنه غروب الشمس، إذا غلب على ظنه عدم الغروب فلا يعجل، إذا شك وتردد لا يجوز، إذا علم عدم الغروب يحرم، فيحرم في ثلاث مسائل ويشرع في مسألتين: يحرم إذا علم عدم الغروب، إذا شك في الغروب، إذا ترجح عنده عدم الغروب، إذا علم عدم الغروب فالأمر واضح، إذا ظن عدم الغروب فكذلك أيضًا.

стр. 1394

إذا شك فلماذا لا يجوز الفطر كما يجوز الأكل فيما إذا شك في طلوع الفجر؟ لأن هناك الأصل بقاء الليل، وهنا الأصل بقاء النهار، فلا يجوز مع الشك، يجوز إذا تيقن غروب الشمس، يعني: شاهدها غابت، وهذا واضح بدليل الكتاب والسُّنة: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. والرسول ﷺ يقول: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم"، إذا غلب على ظنه جاز أن يفطر بل يشرع أن يفطر، ودليل ذلك حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس"، ووجه الدلالة من الحديث: أنهم لو تيقنوا غروبها ما طلعت، فدل هذا على أنهم عملوا بغلبة الظن، إذا كان الإنسان في حجرة ليس لها نوافذ وغلب على ظنه أن الشمس غابت، نقول: إن كان هناك قرينة فإنه يعمل بها، فإذا غلب على ظنه أفطر، وإن لم يكن قرينة ولكن إن تباطأ النهار فقط فإنه لا يفطر، والسبب في ذلك أنه قد يشتد جوعه فيتباطأ النهار، لكن إذا كان عنده عادة مثلًا أن من عادته أنه إذا صلى العصر وقرأ إلى غروب الشمس خمسة أجزاء وقرأها اليوم فله أن يفطر بغلبة الظن، العمل بالساعات يدخل في غلبة الظن أو في اليقين؟ غلبة الظن، لكن لا شك أنها مرجحة، وهل يحتاط الإنسان بالنسبة للساعة، يعني: قال: أخشى أن تكون مقدمة مثلًا؟ نعم، إذا كان يخشى فيحتاط. ومن فوائد الحديث: جواز تعجيل الفطر، وهو أن يكون الإنسان مصاحبًا للخير مقترنًا به، لقوله: "لا يزال الناس بخير". ومن فوائد الحديث: تفاضل الأعمال، ووجه ذلك: أنه رتب هذا الجزاء على تعجيل الفطر، ولولا أنه أفضل من تأخيره ما رتب الأفضل عليه، فيؤخذ منه: تفاضل الأعمال، وقد سبق لنا وجه التفاضل، وأنه من سبعة أوجه. من فوائد الحديث: أن تأخير الفطور سبب لحصول الشر، يؤخذ من المفهوم المنطوق أن المعجل في خير، فالمفهوم أن غير المعجل بشر. ونأخذ منه: أن من يؤخر الفطور من أهل البدع فهم في شر؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطرة"، والمراد بالخير هنا: الخير الديني، ليس الخير الدنيوي، والخير الديني هو: ما يعود على القلب بالانشراح والنور. ومن فوائد الحديث: محبة الله لمبادرة عباده بإتيان رخصه، كيف ذلك؟ لأن الله جعلهم في خير ما عجلوا الفطر، فأثابهم على ذلك، وهذا يدل على محبته لهم- لأن الدلالة على الصفة تكون بالمطابقة أو بالتضمن وبالالتزام، فإذا كان الله يثيب على هذا فهو يحبه، وهذا في الحقيقة فرد من آلاف الأفراد المأخوذة من قوله سبحانه في الحديث

стр. 1395

القدسي: "إن رحمتي سبقت غضبي"، فكل ما فيه خير للعباد ورحمة لهم فهو داخل في هذا الحديث القدسي، بل هو أيضًا دخل فيما جاء به القرآن: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. هل يؤخذ منه فائدة وهو: كراهة التنطع في الدين؟ نعم؛ لأن تعجيل الفطر ينافي التنطع، والمتنطع يقول: لا أفطر حتى يؤذن مؤذن الحي الذي أنا فيه، هذا متنطع، بعض الجهلاء يرى الشمس غابت بعينه ولكنه لا يفطر، لماذا؟ يقول: ما أذن، والعبرة بغروب الشمس وليست بالأذان. ٦٢٨ - وللتِّرمذيِّ: من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "قال الله : أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا". هذا يسمى حديثًا قدسيًا، وهو ما رواه النبي ﷺ عن ربه، يرويه ﷺ فيما يظهر- وهو أرجح القولين- بالمعنى، فاللفظ "ليس لفظ الله بل هو لفظ النبي ﷺ ، وصح أن ينسب إلى الله كما صح أن ينسب القول- أي: اللفظ - إلى فرعون وإلى صالح وإلى شعيب وإلى موسى وإلى غيرهم، فالله تعالى يقول: ﴿قال موسى لقومه﴾، ﴿وقال فرعون﴾، فهل هذا اللفظ الذي قال الله إن فرعون قاله هو لفظ فرعون؟ ليس إياه، وعلى هذا فنقول: إن القول بأن الحديث القدسي منقول بالمعنى أقرب إلى الصحة من القول بأنه منقول باللفظ، لو قلنا: إنه مقول باللفظ لكان هذا اللفظ الذي ذكره الرسول ﷺ معجزًا؛ لأنه كلام الله، ولو قيل كذلك لقلنا: إذا اجتمعت أحاديث قدسية جمعت جميعًا وجب ألا تمسَّ إلا بطهارة، ولو قلنا بذلك أيضًا لكان الحديث القدسي أعلى سندًا من القرآن؛ لأن الحديث القدسي ينسبه الرسول ﷺ إلى الله مباشرة، والقرآن إنما جاء بواسطة جبريل، ولهذا صارت رتبة الحديث القدسي بين الحديث النبوي والقرآن. قال الله : "أحبُّ عبادي إلي أعجلهم فطرًا"، "أحب" هذه اسم تفضيل، وهي مبتدأ، و"أعجلهم أيضًا اسم تفضيل، وهي خبر المبتدأ. قوله: "أحب عبادي" المراد هنا بالعباد: الذين تعبدوا لله العبودية الخاصة، وهي أيضًا عبودية أخص؛ لأن المراد بهم: الصائمون بدليل قوله: "أعجلهم فطرًا". فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد منها: إثبات المحبة لله لقوله: "أحب عبادي إليّ"، وأن محبة الله تتفاوت لقوله: "أحب"، فالله تعالى يحب هذا العمل أكثر من محبة العمل الآخر، وهذا العامل أكثر من محبة العامل الآخر.

стр. 1396

وفي هذا الحديث: رد على أهل التعطيل الذين نفوا إثبات المحبة لله، والناس فيها طرفان ووسط؛ طرف يقول: إن الله تعالى لا يجب ولا يحب، وطرف يقول: إن الله يحب ولا يحب، وطرف يقول: إن الله يجب ويحب، وهذا الأخير هو قول السلف وهو الصحيح. وهنا لم يكن خير الأقوال الوسط؛ لأن الوسط مذهب الأشاعرة ومن ذهب مذهبهم يقولون: إن الله يحب ولا يجب، لماذا؟ يقولون: لأن المحبة ميل الإنسان إلى ما ينفعه أو يدفع الضرر عنه، وهذا لا يليق بالله ، ولكن قولهم هذا قياس فاسد في مقابلة النص، فهو فاسد في ذاته، وفاسد لمصادمته النص، أما قولهم: إن الإنسان لا يحب إلا ما يلائمه مما يدفع عنه الضرر أو يجلب له الفع فهذا ليس بصحيح، فإن الإنسان قد يحب بعض المواشي، وبعض السيارات، يحب قلمه أكثر من الثاني ... إلخ، بدون أن يكون هناك ملاءمة، لا ملاءمة بين الإنسان والجماد. ثانيًا: نقول: هذه المحبة التي قلتم هي محبة المخلوق، أما الله ﷺ فإن محبته ثابتة بدون أن يكون محتاجًا إلى من ينفعه أو يدفع الضرر عنه أو يلائمه؛ لأنه من شكله أولا يلائمه. ومن فوائد هذا الحديث القدسي أيضًا: أن الناس يتفاضلون في محبة الله لهم لقوله: "أحب عبادي إليَّ"، وما هي القاعدة العامة في فضل الناس عن غيرهم في محبة الله؟ أتبعهم لرسوله ﷺ الدليل: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]. والحكم إذا علِّق بوصف ازداد قوة بقوة ذلك الوصف. ومن فوائد الحديث استحباب المبادرة بالفطر لقوله: "أعجلهم فطرًا"، إذا قدِّر أنها غابت الشمس وأنت ليس عندك ما تفطر به، فماذا تصنع تنوي بقلبك، وقال بعض العامة: تمصُّ أصبعيك، وقال بعضهم: أدخل طرف الغترة في فمك ثم بله بالريق ثم أخرجه ثم رده ومصه- عملية-؛ لأنه إذا انفصل الريق ثم عاد صار مفطرًا، قالوا: ودليل ذلك أن الفقهاء يقولون: لو أنك تسوكت بمسواك ثم أخرجته وفيه ريق ثم أعدته إلى فمك ومصصته وبلعته فإنك تفطرة؛ لأن الريق لما انفصل صار له حكم الأجنبي، بناء على ذلك يقول: أدخل غترك في فمك ثم أخرجها ثم أعدها وامصصها، هؤلاء أفقه من الأولين، أما الأولون فلا حظَّ لهم في ذلك؛ لأن الأصبع ليس فيه شيء. القول الثاني: يكفي النية إذا لم تجد شيئًا. لو أنه أذَّن وأنت تتوضأ ماذا تفعل: هل تشرب أو تطلب التمر؟ الظاهر أنه إذا كان قريبًا فالتمر أفضل؛ لأن عين التمر-كما سيأتينا- أفضل من الماء. * * *

стр. 1397

فضل السُّحور: ٦٢٩ - وعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسحَّروا فإنَّ في السَّحور بركةً". متَّفقٌ عليه. قوله: "في السحور" هل هي السَّحور أو السُّحور؟ يحتمل أنه السَّحور، أي: ما يتسحر به، أو السحور الذي هو الأكل في آخر الليل، قوله ﷺ : "تسحروا"، أي: كلوا السحور وهو الأكل في السَّحر، أي: في آخر الليل، والخطاب هنا موجَّه للصائمين، لأنهم هم الذين يتسحرون، أما غيرهم فإنهم لا يتسحرون بل يتغدون ويتعشون. وقوله: "فإن في السحور بركة"، هذا تعليل للأمر، وهو بيان أن في السُّحور بركة، والبركة كثرة الخير ودوامه، ومنه البركة: مجتمع الماء؛ لأن الماء فيها ثابت قار، ولأنه يكون كثيرًا، وقوله: "فإن في السحور بركة"، "بركة" بالنصب على أنها اسم "إن" مؤخرًا. من بركات السحور أولًا: امتثال أمر النبي ﷺ لقوله: "تسحروا"، وكل شيء تمتثل به أمر النبي بل أمر الله ورسوله فإنه بركة وخير، ولهذا جرب نفسك عندما تفعل العبادة وأنت تستحضر أنك تفعلها امتثالًا لأمر الله تجد فيها من اللذة والانشراح والطمأنينة والعاقبة الحسنة ما لا يوجد فيما إذا فعلتها على أنها مجرد شيء واجب. ومن بركته: أن فيه حفظًا لقوة النفس وقوة البدن؛ لأن النفس كلما نالت حظها من الأكل والشرب استراحت، وكذلك البدن كلما نال حظه من الأكل والشرب نما وبقيت قوته، ولهذا يكره أو يحرم للإنسان أن يصلي بحضرة طعام يشتهيه؛ لأن ذلك يوجب تشويش قلبه واشتغال ذهنه. ومن بركته: أن فيه عونًا على طاعة الله؛ لأنك تأكله لتستعين به على الصيام، وهذا لا شك أنه بركة. ومنها: أن البركة حسية ظاهرة، فإن الإنسان إذا كان مفطرًا يأكل في اليوم مرتين أو ثلاثة ويشرب مرارًا، وإذا تسحر وصام لا يأكل ولا مرة واحدة ولا يشرب ولا مرة واحدة، ولهذا يتعجب كيف أمس أشرب سبع مرات في اليوم والآن أصبر على الأكل، وهذا من بركته. ومن بركته: أن فيه اقتداء برسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ كان يتسحر، ولا شك أن الفعل الذي تقتدي فيه برسول الله ﷺ خير وبركة. ومن بركته أيضًا: أن فيه الفصل بيننا وبين صيام أهل الكتاب، فإن فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب-كما في صحيح مسلم-: أكلة السحور"، وهذا لا شك أنه من بركاته، فكل شيء يميز

стр. 1398

المسلم من الكافر سواء في اللباس أو في الحلي أو في أي شيء فإنه خير وبركة؛ لأنه لا خير في موافقة المشركين أبدًا أو اليهود والنصارى في أي شيء، أما في العبادات فهذا قد يؤدي إلى الشرك والكفر، وأما في العادات؛ فلأن التشبه بهم في الأمور الظاهرة قد يوصل إلى التشبه في الأمور الباطنة، والغالب أنه ما من شخص يتشبه بإنسان إلا وهو يجد في نفسه إعجابًا به، وأنه أهل لأن يشتبه به ويقتدي به، أو ربما يكون في قلبه محبة له، وهذا شر مما قبله بالنسبة للكافرين، إذن هذه ستة أوجه كلها يشملها قول الرسول ﷺ : "فإن في السحور بركة"، وربما يكون هناك بركات أخرى معنوية غير ظاهرة لنا؛ لأن الرسول ﷺ ما أمر به وعلَّله بهذه العلة إلا لما فيه من منافع كثيرة للعباد. هذا الحديث كما نراه فيه أمر النبي ﷺ بالسحور، هذا الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ يرى بعض العلماء أنه للوجوب، وهذا على رأي من يرى أن الوصال حرام؛ لأنه إذا كان الوصال بين اليومين حرامًا فالأكل بينهما واجب، فإذا لم يأكل في الليل وجب أن يتسحر لئلا يواصل، ولكن جمهور أهل العلم على أن الأمر هنا للاستحباب. لو قلت: هل هذا الرأي يؤيده قوله: "فإن في السحور بركة"؟ فالجواب: أن كونه فيه بركة لا ينافي الوجوب، بل هذا ربما نقول: إنه يؤيد القول بالوجوب. ومن فوائد الحديث أيضًا: إثبات البركة في بعض الأطعمة؛ لقوله: "فإن في السحور بركة"، وإذا كان السحور بركة وهو طعام فقد يكون في الإنسان أيضًا بركة وذلك بأن يكون الإنسان مباركًا على من له اتصال به، كما في حديث أسيد بن حضير ﵁ في قصة ضياع عقد عائشة ﵁ حتى انحبس الناس على غير ماء، فانزل الله آية التيمم، قال أسيد: "ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكره"، وأمَّا من أنكر أن يكون في الإنسان بركة فهذا إن أراد بإنكاره إنكار أن يكون به بركة جسدية بمعنى: أن جسده مبارك فهذا حق؛ لأنه لا أحد يتبرَّك بجسده أو عرقه أو فضلاته إلا رسول الله ﷺ ، فإنه يتبرك بفضل وضوئه وكذلك بريقه وعرقه وما أشبه ذلك، أما بوله وغائط، فالصحيح: أن نجس كغيره من البشر، وإن أراد في البركة نفي ما يحصل منه من خير وعلم ونفع مالي أو بدني فهذا غير صحيح، فإن من الناس من يكون فيه بركة على جليسه إما بعلمه أو بخلقه أو بماله أو بنفعه. بعلمه: كأن ينشر علمًا في الحاضرين فيستفيد الناس منه. هذه بركة، ولهذا وصف الله القرآن بأنه مبارك لما فيه من العلم والخير. وإما أن يكون فيه بركة بماله مثل: صادقات، هدايا، هابات، وما أشبه ذلك.

стр. 1399

وإما أن يكون فيه بركة بنفعه مثل: أن يخدمك ويساعدك وما أشبه هذا. وإما أن يكون فيه بركة بخلقه: يكون الرجل على خلق حسن ويتعلم مصاحبه منه الأخلاق، وكم من أناس تعلَّموا حسن الأخلاق بمصاحبة من هم على خلق وهذا كثير، حتى إن الإنسان الذي عنده علم قد يصحب عاميًّا فيرى من حسن أخلاقه وبشاشته وطلاقة وجهه وكلامه اللين للناس ما يأخذ منه أسوة، كل هذه من البركات بلا شك. والحاصل: أن البركة تكون في المخلوقات، ولكن من الذي جعلها فيها؟ الله . ومن فوائد الحديث أيضًا: حسن تعليم الرسول ﷺ ، لكونه يقرن الحكم بالعلة في قوله: "فإن في السحور بركة"، والعلة تختلف قد تكون العلة مما يحث الإنسان على الفعل أو ينفره من الفعل، ففي هذا الحديث الغرض من العلة: الحث على الفعل، وفي قوله تعالى: ﴿إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مفسوخا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. للتنفير منه، ومثل إلقاء النبي ﷺ الروثة حين جاء بها ابن مسعود ليستنجي بها فألقاها الرسول وقال: "إنها ركس أو رجسه" للتنفير من ذلك. * وقد ذكرنا- فيما سبق- أن لتعليل الحكم ثلاث فوائد: الأولى: سمو الشريعة، ووجهه: أن الشريعة لا تأمر ولا تنهي إلا لحكمة. الثانية: القياس إذا وجدت العلة في الفرع المقيس؛ يعني: إمكان إلحاق غيره به. والثالثة: زيادة اطمئنان المكلف. استحباب الفطر على تهر أو ماء: ٦٣٠ - وعن سلمان بن عامرٍ الضَّبِّيِّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرٍ، فإن لم يجد فليفطر على ماءٍ فإنَّه طهورٌ". رواه الخمسة، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم. "سلمان" من أقل ما يكون ورودًا في أسماء الصحابة، ولكن يمكن حصرهم إذا رجعنا إلى مثل: كتاب "الإصابة"، قوله ﷺ : "إذا أفطر" أي: أراد أن يفطر، "فليفطر على تمر"، والخطاب هنا "أحدكم" يعود إلى الصائمين، "فليفطر على تمر" ويحتمل أن يعود على الجميع ويكون "إذا أفطر أحدكم" إن صمتم، وقوله: "فليفطر على تمر"، الفاء هنا رابطة للجواب، واللام لام الأمر، قد يشكل كونها هنا ساكنة والمعروف أنها مكسورة، أما في قوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعةٍ من سعته﴾ [الطلاق: ٧]. فلماذا كانت ساكنة؟ تسكن لام الأمر إذا دخلت عليها الفاء أو الواو أو ثم، بخلاف

стр. 1400

لام التعليل فإنها تكسر مطلقًا، ولهذا نقول: إن من قال: ﴿ليكفروا بما ءاتيناهم وليتمتعوا ... ﴾ [العنكبوت: ٦٦]. من سكن فهو خاطئ؛ لأن اللام للتعليل، فيجب أن تُكسر، أما في قوله تعالى: ﴿فليمدد بسببٍ إلى السماء﴾ [الحج: ١٥]. صح أن تسكن. وهنا يقول: "فليفطر" لأنها بعد الفاء. وقوله: "على تمر" التمر الظاهر لي أنه إن فرن مع الرطب صار المراد بالتمر الجاف الذي قد كمل استواؤه وبالرُّطب الرَّطب، أما إذا أطلق فالظاهر أنه يشمل الرطب والتمر الجاف، لكن قد دل فعل الرسول ﷺ على أن الرطب مقدم على التمر إذا وجد، فقد كان النبي ﷺ يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء. وقوله: "فإن لم يجد" هل التمر أو ثمن التمر؟ قد يجد التمر لكن ليس عنده الثمن، وقد يكون عنده الثمن لكن ليس في السوق شيء. "فإن لم يجد فليفطر على ماء"، ثم علل قال: "فإنه" أي: الماء "طهور"، وطهور بالفتح مطهر طاهر في ذاته، مطهر لغيرها كيف يصح أن يقال: طهور، فهل الإنسان نجس حتى يحتاج إلى أن يطهر معدته؟ لا، ولكنه طهور مطهر للمعدة والأمعاء مما قد يكون فيها من الأذى؛ لأن الماء-كما نعلم- جوهر سيال نافذ فإذا أتى على المعدة وهي خالية بعد الصيام فإنه بلا شك ينظفها، وهو وإن لم يكن فيه غذاء التمر لكن فيه التطهير للمعدة مما يكون من آثار الصوم، ولهذا المعدة في آخر النهار يفوح منها رائحة كريهة، وهذا الماء يطهرها ويزيل عنها هذه الرائحة وما لا نعلمه مما يكون داخلًا في قوله: "فإنه طهور". ففي هذا الحديث: الإشارة، بل الأمر بالإفطار على التمر، وهل هو واجب؟ لا، ليس بواجب، ولكن الأكمل والأفضل أن يكون على التمر، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد من فوائد الإفطار على التمر: أنه يقوي البصر وهو كذلك مجرَّب، ولهذا كان كثير من الناس يفطرون قبل كل شيء إذا قاموا من النوم بسبع تمرات، وكان شيخنا ﵀ يقول: إن قول الرسول ﷺ : "من تصبَّح بسبع تمرات من العجوة لم يصبه ذلك اليوم سم ولا سحر". كان يقول شيخنا: الظاهر أن هذا على سبيل التمثيل وأن التمر كله يحصل به الفائدة، وسواء كان هذا القول صوابًا أم غير صواب فإنه يرجى في الإفطار على سبع تمرات أن يكون فيه الخير، ويكون داخلًا في قوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [الأنعام]. فإذا لم تجد العجوة فهذا بدل منها، وعلى كل حال: فإن

стр. 1401

الإفطار به يزيد البصر، ونحن تعلم جميعًا أن للحلوى تأثيرا على الدم وقوته ولا سيما إذا كان من التمر، وأظنكم قد علمتم أن الله تعالى هيأ لمريم عند نفاسها الرُّطب الجني؛ لأن النفساء قد يخرج منها دم كثير فتحتاج إلى تعويض، وهذا يدل على أن التمر من أحسن ما يعوض عن هذا الدم الذي سال منها عند الولادة، وأيضًا التمر أسهل من غيره مؤنة؛ لأنه لا يحتاج إلى تعب مثل الرز وغيره لكن التمر لا، ولهذا: "بيت فيه تمر لا يجوع أهله وبيت لا تمر فيه أهله جياع"، وأيضًا فيقول ابن القيم ﵀: إن التمر فيه حلوى وفيه غذاء، وهو فاكهة إذا كان رطبًا فقد جمع بين الفاكهة والحلوى والغذاء، والنبي ﷺ كان يحب الحلوى. ومن فوائد الحديث: أنه إذا لم يجل التمر أفطر على ماء، إذا كان عنده ماء وخبز فعلى أيهما يفطر؟ على الماء أتباعا للسُّنة، إذا كان عنده ماء وحلوى يفطر على أي منهما؟ اختلف العلماء؛ منهم من قال: يقدم الحلوى؛ لأن الرسول ﷺ ذكر التمر والحلوى تشاركه في الحلاوة، ويكون ذكر التمر هنا؛ لأنه أيسر ما يكون عند القوم، ومنهم من قال: نحن في هذه الأمور ينبغي أن نكون ظاهرية لا سيما وأن الرسول ﷺ علل قال: "فإنه طهور"، ولم يعلل في التمر؛ لأن فائدته ظاهرة، لكن علل في الماء ترغيبًا فيه لئلا يقول قائل: ما فائدة الماء؟ فقال: إنه طهور، والذي يترجح عندي أن نقدم الماء، لكن يشرب من الماء بمقدار ما يحصل به الفطر ثم يأكل مما عنده. ومن فوائد الحديث: بيان فائدة الماء وتطهيره لبدن الصائم إذا أفطر عليه؛ لقوله: "فإنه طهور". ومن فوائده أيضًا: تعليل الأحكام الشرعية لقوله: "فإنه طهور"، وحسن تعليم الرسول ﷺ حيث قرن الحكم بالعلة. ومنها أيضًا: اتخاذ ما يعين على امتثال الأمر، يعني: التشجيع على فعل الأمر والإغراء به، من أين يؤخذ؟ من قوله: "فإنه طهور"؛ لأن هذه العلة تبعث النفس على أن تفطر على ماء وإلا فقد يقول قائل-كما أسلفت قريبًا-: ما فائدة الماء؟ فتأخذ منه التشجيع على فعل الأمر، وأن هذا لا يدخل في باب الرياء، وبناء على ذلك يكون تشجيع حفظة القرآن بالمال أو بالكتب أو بغيرها مما يفرحون به ويشجعهم أمر له أصل في الشرع كما أن له أصلًا في الشرع من جهة سلب القاتل، فإن الرسول ﷺ جعل لمن قتل قتيلًا من الكفار له سلبه، يعني: ثيابه وما عليه خاصة به، وهذا بلا شك تشجيع، وكذلك جعل لكل من دل على حصن من حصون الكفار أو

стр. 1402

على ثغر من ثغورهم أو من الأشياء المهمة في قواسم قتالهم جعل النبي ﷺ مكافأة، وهذا يدل على أن المكافأة على الأعمال الصالحة لا يعد من الرياء، ولا يعد من باب إفساد نيات الناس؛ لأن بعض الناس قال: لا تعطي حافظ القرآن جائزة، ولا تعطه مكافأة؛ لأن هذا يؤدي إلى إفساد النيات فيقال: لا، أنا ما قلت: اعملوا لهذا السبب، وربما يكون هذا الرجل ما طرأ على باله أن يحصل على الجائزة، إنما همه أن يفعل الخير فقط. النهي عن الوصال: ٦٣١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجلٌ من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله قال: وأيكم مثلي؟ إنِّي أبيت يطعمني ربِّي ويسقيني، فلمَّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثمَّ يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا". متفقٌ عليه. "النهي" هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، والمراد بقولنا: "على وجه الاستعلاء" ليس معناه: أن الرسول ﷺ يتصور نفسه عاليًا على غيره، لا، فهو من أشد الناس تواضعًا، لكن يتصور الآمر أن المأمور مطيع له هذا معنى الاستعلاء، وأنه يوجه الأمر إليه. "الوصال" مصدر واصل يواصل كقاتل يقاتل قتالًا، واصل يواصل وصالا ويصلح مواصلة كمقاتلة، فما هو الوصال؟ الوصال لغة: وصل الشيء بالشيء، وفي الشرع: وصل يوم بآخر في الصيام، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله؟ يعني: تصل يومًا بيوم وكيف تنهى عن ذلك؟ وهل يليق أن يفعل الرجل ما ينهى عنه؟ لا، ويحتمل أن يكون السائل أراد معرفة الحكمة في كون الرسول ﷺ ينهى عن الوصال وهو يواصل، وأيا كأن فإن الرسول ﷺ أجابه بجواب يتبين به الفرق، فقال: "وأيكم مثلي؟ " الاستفهام هنا للنفي، يعني: لستم مثلي في الصبر والتحمل وما يحصل لي من الاستغناء عن الأكل والشرب. قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، أبيت البيات هو النوم ليلًا، وقوله: "يطعمني ربي ويسقيني" هذه ليست كقول إبراهيم- ﵊: ﴿والذى هو يطعمني ويسقين﴾ [الشعراء: ٧٩]؛ لأن المراد بذلك في قول إبراهيم: الطعام الحسي والسقي الحسي، هنا يطعمني ويسقيني ليس المراد بهما: الطعام الحسي والسقي الحسي، إذ لو كان كذلك لم يكن مواصلا، ولم يكن بينه وبين الناس فرق، لكن المراد: طعام وسقي غير الطعام والسقي المعهود، فما هو؟ قيل: إنه طعام من الجنة، وإن الطعام والسقي من الجنة ليس كطعام الدنيا، فهو لا يفطر

стр. 1403

الصائم ولو كان طعامًا وسقيًا، وحينئذٍ يلغز بها فيقال: لنا طعام وشراب لا يفطر، ولكن هذا فيه نظرا لأن الطعام والشراب في الآخرة لا يكون إلا بعد دخول الجنة، والنبي ﷺ أراد أن يأخذ عنقودًا من الجنة في صلاة الكسوف ولكنه بدا له ألا يفعل فتركه. والقول الثاني في المسألة: أن المراد بالطعام والسقي هنا: ما يحصل للقلب من الغذاء بذكر الله والاشتغال بذكره عما سواه، واشتغال الروح وتعلقها بالشيء لا شك أنه يشغلها عن حاجات البدن المادية الحسية، نحن الآن لو فرض أن نشتغل بشغل شاغل حقيقي لكنا نذهل عن الأكل والشرب، فهو في غفلة عن الطعام والشراب الحسي، فيكون المراد بالطعام والسقي هنا: ما يفرغه الله على قلب النبي ﷺ من الأنس بذكره والاشتغال به عما عداه، وهذه خاصية لا توجد لأحد سوى النبي ﷺ ، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين أمته، فإن أمته لا تطيق أن تشتغل بذكر الله عن الأكل والشرب، قالوا: منه قول الشاعر: [البسيط] لها أحاديث من ذكراك تشعلها ... عن الشَّراب وتلهيها عن الزَّاد هذا اشتغال ذهنها بذكر محبوبها مع أنه ليس تعلق هذه المرأة بمحبوبها كتعلق محبة الرسول ﷺ بالله ، بل محبة الرسول لله ﷺ واشتغال قلبه به لا يدانيها أي محبة، وهذا هو الذي يميل إليه ابن القيم ﵀ وهو الحق. قال: "فلما أبوا أن ينتهوا"، "أبوا" يعني: امتنعوا، لا عصيانًا لأمر الرسول ﷺ ، فهم أشد الناس امتثالا لأمره، لكنهم-﵃ ظنوا أن الرسول ﷺ نهاهم إشفاقا عليهم وخوفا عليهم من التعب، وأنه ليس هذا من باب الأمور التعبدية، ولكن من باب الخوف عليهم، فقالوا: نحن نطيق ذلك وسنفعل، ونظير هذا لو أنني طلبت منك مثلًا أن تدخل الباب قبلي وأبيت، هل تكون عاصيًا لي؟ لا، لأنك ما قصدت المعصية، لكن قصدت الأدب معي، هكذا الصحابة أيضًا ما قصدوا المعصية بلا شك، لكن ظنوا أن الرسول ﷺ قال ذلك إشفاقا عليهم ورحمة بهم لا لأجل أن هذا من باب العبادة فقالوا: نواصل فواصل بهم يومًا ثم يوما ثم رأوا الهلال، وإذا رأوا الهلال لا يمكن الوصال، أي هلال رأوه؟ شوال، فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم يومًا ثالثًا ورابعًا"، لماذا؟ قال الراوي: "كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا". "كالمنكل" يعني: كالذي يدعوهم إلى الترك، فالتنكيل هنا بمعنى: الترك، يعني: أنه أراد أن يواصل لو تأخر الهلال لأجل أن ينفروا عن هذا الفعل فيعرفوا أن الرسول ﷺ ما نهاهم إلا من

стр. 1404

أجل الرحمة والإشفاق، ولا شك أن التيسير في هذا الباب هو الذي يحبه الله، ولهذا قال الله تعالى في آيات الصيام: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. فإذا كان اليسر يحبه الله لنا في هذه العبادة فلا ريب أن اليسر فيه في الإفطار وإعطاء النفس حظها من الطعام والشراب والنكاح. في هذا الحديث: نهى النبي ﷺ أمته عن الوصال، فالصحابة أوردوا على النبي ﷺ إشكالا في أنه يواصل وهو ينهى عن الوصال، فبيَّن ﷺ الفرق وأنه يواصل؛ لأن قلبه مشغول بذكر الله تعالى ومحبته عن الحاجة إلى الأكل والشرب، وأن هذا أمر لا يتسنى لغيره فظهر الفرق، ثم إنهم-﵃ لم يتركوا الوصال ظنا منهم أن النبي ﷺ أراد بذلك الإشفاق عليهم لا أن ذلك من التعبد، فواصل بهم النبي ﷺ يومًا ويومًا ليتبين لهم الحكمة من النهي عن الوصال، وقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم". فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: النهي عن الوصال، وهل النهي للتحريم أو للكراهة أو للإرشاد؟ على خلاف بين العلماء: منهم من قال: إن النهي للتحريم، واستدل بأمرين: الأمر الأول: أنه الأصل في النهي لقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليمٌ﴾ [النور: ٦٣]. والنهي أمر بالاجتناب، ولهذا قال الرسول ﷺ : "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه"، فيكون النهي للتحريم. والأمر الثاني الذي استدلوا به: أنه واصل بهم يومًا فيومًا للتنكيل، والتنكيل نوع من العقوبة، ولا عقوبة إلا على فعل محرَّم وإلا لما عوقب. وقال آخرون: إن النهي للكراهة؛ لأنه لو كان للتحريم لم يواصل بهم النبي ﷺ ولم يأذن لهم في الاستمرار، بمعنى: أنه لو كان للتحريم لنهاهم عنه نهيا باتًّا، إذ إن تمكين المنهي من فعل المحرم لا يجوز، فقالوا: إذن هذا النهي للكراهة، أما القائلون بأنه للإرشاد، وأن الإنسان حسب قوته فاستدلوا لذلك بفعل كثير من الصحابة-﵃ للوصال حتى كان ابن الزبير ﵁ يواصل خمسة عشر يومًا لا يفطر فيها، فقالوا: إن فعل الصحابة- ﵃ وهم عدد من الصحابة يدل على أنهم فهموا منه أن النهى للإرشاد، وأن الإنسان إذا كان يرى من نفسه التعب والمشقة فإن لا يواصل، أما إذا كان يرى الراحة والانشراح فإنه يواصل. فإن قلت: ما هو أقرب الأقوال إلى الصواب؟ فالأقرب أنه للكراهة على الأقل، والقول بالتحريم قوي للسببين المذكورين في صدر الكلام.

стр. 1405

أما الرد على من قالوا: إنه أذن لهم في الاستمرار، فنقول: إن هذا الإذن لا يدل على جوازه؛ لأنه أراد التنكيل بهم لا إقرارهم عليه لأجل أن يعرفوا هم بأنفسهم الحكمة من النهي. وأما الرد على من قال: إنه للإرشاد، فنقول: إن هذا فهمهم، وفهمهم ليس حجة على غيرهم؛ لأن لدينا كلامًا للرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الصحابة-﵃ لا يدعون شيئًا يحتاج إلى سؤال إلا سألوا عنه، وهذا أحد الطرق الذي كمل به الدين والحمد لله. الدين كمّل بالقرآن وبالسُّنة القولية والفعلية والإقرارية حتى إذا جاء شيء لم يأت به الكتاب والسُّنة مثلًا قيض الله له من يسأل عنه إما من الصحابة الذين في المدينة، وإما من الأعراب، ولهذا كان الصحابة يفرحون إذا جاء الأعرابي يسأل؛ لأن الأعرابي على فطرته يسأل عن كل شيء، فالحاصل: أن هذا فيه دليل على أن الصحابة-﵃. لم يدّعوا شيئا يحتاج الناس إليه إلا سألوا عنه، ولهذا لما نهى عن الوصال أوردوا عليه كونه يواصل. غرضي بهذه الفائدة ما يترتب عليها من الأمر العظيم وهو إبطال ما كان عليه أهل الكلام من الإيرادات الباطلة التي يريدون أن يتوصلوا بها إلى تعطيل أسماء الله وصفاته في قولهم: لو كان كذا لزم كذا وما أشبه ذلك من الأشياء التي يقولونها يتوصلون بها إلى إبطال ما وصف الله به نفسه أو سمى به نفسه، فيقال لهم: أين الصحابة عن هذه الإيرادات التي أوردتموها هل لم يفهموها أم ماذا؟ ! ومن فوائد الحديث: إثبات الخصوصية للرسول ﷺ ، وأن الله تعالى قد يخصه بأحكام دون الأمة وهو كذلك، وقد ذكر أهل العلم خصائص النبي ﷺ في كتاب النكاح- أعني: الفقهاء-؛ لأن له في النكاح خصائص كثيرة فذكروها هناك، وقالوا: إن الرسول خص بأحكام واجبة وهي ليست واجبة على غيره، محظورة عليه وهي ليست محظورة على غيره، مباحة له وهي ليست مباحة لغيره، منها الوصال فهو في حقه ليس بمكروم، وفي حق غيره مكروه. ومن فوائد الحديث: إن ما ثبت في حق النبي ﷺ فهو ثابت في حق الأمة إلا بدليل، وجهه: أنه لما نهى عن الوصال قالوا: إنك تواصل، وإذا كنت تواصل فلتكن نحن نواصل لأنك أسوتنا، وهذه قاعدة دل عليها آيات كثيرة من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]. فهو أسوتنا وقدوتنا وإمامنا، وقال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر﴾. [الأحزاب: ٢١]. فإذن الأصل فيما فعل أنه له وللأمة إلا بدليل، والأصل فيما قال: إنه له وللأمة إلا بدليل، وبهذا نرد على قاعدة ذكرها الشوكاني ﵀ وهي غريبة منه مع إمامته وجلالته- وهي: أن الرسول إذا ذكر قولا عامًا وفعل فعلًا يخالف عمومه حمل الفعل على الخصوصية! وهذا لا شك أنه خطأ؛ لأن قول الرسول
следующие страницы →