← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الإفطار به يزيد البصر، ونحن تعلم جميعًا أن للحلوى تأثيرا على الدم وقوته ولا سيما إذا كان من التمر، وأظنكم قد علمتم أن الله تعالى هيأ لمريم عند نفاسها الرُّطب الجني؛ لأن النفساء قد يخرج منها دم كثير فتحتاج إلى تعويض، وهذا يدل على أن التمر من أحسن ما يعوض عن هذا الدم الذي سال منها عند الولادة، وأيضًا التمر أسهل من غيره مؤنة؛ لأنه لا يحتاج إلى تعب مثل الرز وغيره لكن التمر لا، ولهذا: "بيت فيه تمر لا يجوع أهله وبيت لا تمر فيه أهله جياع"، وأيضًا فيقول ابن القيم ﵀: إن التمر فيه حلوى وفيه غذاء، وهو فاكهة إذا كان رطبًا فقد جمع بين الفاكهة والحلوى والغذاء، والنبي ﷺ كان يحب الحلوى. ومن فوائد الحديث: أنه إذا لم يجل التمر أفطر على ماء، إذا كان عنده ماء وخبز فعلى أيهما يفطر؟ على الماء أتباعا للسُّنة، إذا كان عنده ماء وحلوى يفطر على أي منهما؟ اختلف العلماء؛ منهم من قال: يقدم الحلوى؛ لأن الرسول ﷺ ذكر التمر والحلوى تشاركه في الحلاوة، ويكون ذكر التمر هنا؛ لأنه أيسر ما يكون عند القوم، ومنهم من قال: نحن في هذه الأمور ينبغي أن نكون ظاهرية لا سيما وأن الرسول ﷺ علل قال: "فإنه طهور"، ولم يعلل في التمر؛ لأن فائدته ظاهرة، لكن علل في الماء ترغيبًا فيه لئلا يقول قائل: ما فائدة الماء؟ فقال: إنه طهور، والذي يترجح عندي أن نقدم الماء، لكن يشرب من الماء بمقدار ما يحصل به الفطر ثم يأكل مما عنده. ومن فوائد الحديث: بيان فائدة الماء وتطهيره لبدن الصائم إذا أفطر عليه؛ لقوله: "فإنه طهور". ومن فوائده أيضًا: تعليل الأحكام الشرعية لقوله: "فإنه طهور"، وحسن تعليم الرسول ﷺ حيث قرن الحكم بالعلة. ومنها أيضًا: اتخاذ ما يعين على امتثال الأمر، يعني: التشجيع على فعل الأمر والإغراء به، من أين يؤخذ؟ من قوله: "فإنه طهور"؛ لأن هذه العلة تبعث النفس على أن تفطر على ماء وإلا فقد يقول قائل-كما أسلفت قريبًا-: ما فائدة الماء؟ فتأخذ منه التشجيع على فعل الأمر، وأن هذا لا يدخل في باب الرياء، وبناء على ذلك يكون تشجيع حفظة القرآن بالمال أو بالكتب أو بغيرها مما يفرحون به ويشجعهم أمر له أصل في الشرع كما أن له أصلًا في الشرع من جهة سلب القاتل، فإن الرسول ﷺ جعل لمن قتل قتيلًا من الكفار له سلبه، يعني: ثيابه وما عليه خاصة به، وهذا بلا شك تشجيع، وكذلك جعل لكل من دل على حصن من حصون الكفار أو

стр. 1402

على ثغر من ثغورهم أو من الأشياء المهمة في قواسم قتالهم جعل النبي ﷺ مكافأة، وهذا يدل على أن المكافأة على الأعمال الصالحة لا يعد من الرياء، ولا يعد من باب إفساد نيات الناس؛ لأن بعض الناس قال: لا تعطي حافظ القرآن جائزة، ولا تعطه مكافأة؛ لأن هذا يؤدي إلى إفساد النيات فيقال: لا، أنا ما قلت: اعملوا لهذا السبب، وربما يكون هذا الرجل ما طرأ على باله أن يحصل على الجائزة، إنما همه أن يفعل الخير فقط. النهي عن الوصال: ٦٣١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجلٌ من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله قال: وأيكم مثلي؟ إنِّي أبيت يطعمني ربِّي ويسقيني، فلمَّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثمَّ يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا". متفقٌ عليه. "النهي" هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، والمراد بقولنا: "على وجه الاستعلاء" ليس معناه: أن الرسول ﷺ يتصور نفسه عاليًا على غيره، لا، فهو من أشد الناس تواضعًا، لكن يتصور الآمر أن المأمور مطيع له هذا معنى الاستعلاء، وأنه يوجه الأمر إليه. "الوصال" مصدر واصل يواصل كقاتل يقاتل قتالًا، واصل يواصل وصالا ويصلح مواصلة كمقاتلة، فما هو الوصال؟ الوصال لغة: وصل الشيء بالشيء، وفي الشرع: وصل يوم بآخر في الصيام، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله؟ يعني: تصل يومًا بيوم وكيف تنهى عن ذلك؟ وهل يليق أن يفعل الرجل ما ينهى عنه؟ لا، ويحتمل أن يكون السائل أراد معرفة الحكمة في كون الرسول ﷺ ينهى عن الوصال وهو يواصل، وأيا كأن فإن الرسول ﷺ أجابه بجواب يتبين به الفرق، فقال: "وأيكم مثلي؟ " الاستفهام هنا للنفي، يعني: لستم مثلي في الصبر والتحمل وما يحصل لي من الاستغناء عن الأكل والشرب. قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، أبيت البيات هو النوم ليلًا، وقوله: "يطعمني ربي ويسقيني" هذه ليست كقول إبراهيم- ﵊: ﴿والذى هو يطعمني ويسقين﴾ [الشعراء: ٧٩]؛ لأن المراد بذلك في قول إبراهيم: الطعام الحسي والسقي الحسي، هنا يطعمني ويسقيني ليس المراد بهما: الطعام الحسي والسقي الحسي، إذ لو كان كذلك لم يكن مواصلا، ولم يكن بينه وبين الناس فرق، لكن المراد: طعام وسقي غير الطعام والسقي المعهود، فما هو؟ قيل: إنه طعام من الجنة، وإن الطعام والسقي من الجنة ليس كطعام الدنيا، فهو لا يفطر

стр. 1403

الصائم ولو كان طعامًا وسقيًا، وحينئذٍ يلغز بها فيقال: لنا طعام وشراب لا يفطر، ولكن هذا فيه نظرا لأن الطعام والشراب في الآخرة لا يكون إلا بعد دخول الجنة، والنبي ﷺ أراد أن يأخذ عنقودًا من الجنة في صلاة الكسوف ولكنه بدا له ألا يفعل فتركه. والقول الثاني في المسألة: أن المراد بالطعام والسقي هنا: ما يحصل للقلب من الغذاء بذكر الله والاشتغال بذكره عما سواه، واشتغال الروح وتعلقها بالشيء لا شك أنه يشغلها عن حاجات البدن المادية الحسية، نحن الآن لو فرض أن نشتغل بشغل شاغل حقيقي لكنا نذهل عن الأكل والشرب، فهو في غفلة عن الطعام والشراب الحسي، فيكون المراد بالطعام والسقي هنا: ما يفرغه الله على قلب النبي ﷺ من الأنس بذكره والاشتغال به عما عداه، وهذه خاصية لا توجد لأحد سوى النبي ﷺ ، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين أمته، فإن أمته لا تطيق أن تشتغل بذكر الله عن الأكل والشرب، قالوا: منه قول الشاعر: [البسيط] لها أحاديث من ذكراك تشعلها ... عن الشَّراب وتلهيها عن الزَّاد هذا اشتغال ذهنها بذكر محبوبها مع أنه ليس تعلق هذه المرأة بمحبوبها كتعلق محبة الرسول ﷺ بالله ، بل محبة الرسول لله ﷺ واشتغال قلبه به لا يدانيها أي محبة، وهذا هو الذي يميل إليه ابن القيم ﵀ وهو الحق. قال: "فلما أبوا أن ينتهوا"، "أبوا" يعني: امتنعوا، لا عصيانًا لأمر الرسول ﷺ ، فهم أشد الناس امتثالا لأمره، لكنهم-﵃ ظنوا أن الرسول ﷺ نهاهم إشفاقا عليهم وخوفا عليهم من التعب، وأنه ليس هذا من باب الأمور التعبدية، ولكن من باب الخوف عليهم، فقالوا: نحن نطيق ذلك وسنفعل، ونظير هذا لو أنني طلبت منك مثلًا أن تدخل الباب قبلي وأبيت، هل تكون عاصيًا لي؟ لا، لأنك ما قصدت المعصية، لكن قصدت الأدب معي، هكذا الصحابة أيضًا ما قصدوا المعصية بلا شك، لكن ظنوا أن الرسول ﷺ قال ذلك إشفاقا عليهم ورحمة بهم لا لأجل أن هذا من باب العبادة فقالوا: نواصل فواصل بهم يومًا ثم يوما ثم رأوا الهلال، وإذا رأوا الهلال لا يمكن الوصال، أي هلال رأوه؟ شوال، فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم يومًا ثالثًا ورابعًا"، لماذا؟ قال الراوي: "كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا". "كالمنكل" يعني: كالذي يدعوهم إلى الترك، فالتنكيل هنا بمعنى: الترك، يعني: أنه أراد أن يواصل لو تأخر الهلال لأجل أن ينفروا عن هذا الفعل فيعرفوا أن الرسول ﷺ ما نهاهم إلا من

стр. 1404

أجل الرحمة والإشفاق، ولا شك أن التيسير في هذا الباب هو الذي يحبه الله، ولهذا قال الله تعالى في آيات الصيام: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. فإذا كان اليسر يحبه الله لنا في هذه العبادة فلا ريب أن اليسر فيه في الإفطار وإعطاء النفس حظها من الطعام والشراب والنكاح. في هذا الحديث: نهى النبي ﷺ أمته عن الوصال، فالصحابة أوردوا على النبي ﷺ إشكالا في أنه يواصل وهو ينهى عن الوصال، فبيَّن ﷺ الفرق وأنه يواصل؛ لأن قلبه مشغول بذكر الله تعالى ومحبته عن الحاجة إلى الأكل والشرب، وأن هذا أمر لا يتسنى لغيره فظهر الفرق، ثم إنهم-﵃ لم يتركوا الوصال ظنا منهم أن النبي ﷺ أراد بذلك الإشفاق عليهم لا أن ذلك من التعبد، فواصل بهم النبي ﷺ يومًا ويومًا ليتبين لهم الحكمة من النهي عن الوصال، وقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم". فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: النهي عن الوصال، وهل النهي للتحريم أو للكراهة أو للإرشاد؟ على خلاف بين العلماء: منهم من قال: إن النهي للتحريم، واستدل بأمرين: الأمر الأول: أنه الأصل في النهي لقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليمٌ﴾ [النور: ٦٣]. والنهي أمر بالاجتناب، ولهذا قال الرسول ﷺ : "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه"، فيكون النهي للتحريم. والأمر الثاني الذي استدلوا به: أنه واصل بهم يومًا فيومًا للتنكيل، والتنكيل نوع من العقوبة، ولا عقوبة إلا على فعل محرَّم وإلا لما عوقب. وقال آخرون: إن النهي للكراهة؛ لأنه لو كان للتحريم لم يواصل بهم النبي ﷺ ولم يأذن لهم في الاستمرار، بمعنى: أنه لو كان للتحريم لنهاهم عنه نهيا باتًّا، إذ إن تمكين المنهي من فعل المحرم لا يجوز، فقالوا: إذن هذا النهي للكراهة، أما القائلون بأنه للإرشاد، وأن الإنسان حسب قوته فاستدلوا لذلك بفعل كثير من الصحابة-﵃ للوصال حتى كان ابن الزبير ﵁ يواصل خمسة عشر يومًا لا يفطر فيها، فقالوا: إن فعل الصحابة- ﵃ وهم عدد من الصحابة يدل على أنهم فهموا منه أن النهى للإرشاد، وأن الإنسان إذا كان يرى من نفسه التعب والمشقة فإن لا يواصل، أما إذا كان يرى الراحة والانشراح فإنه يواصل. فإن قلت: ما هو أقرب الأقوال إلى الصواب؟ فالأقرب أنه للكراهة على الأقل، والقول بالتحريم قوي للسببين المذكورين في صدر الكلام.

стр. 1405

أما الرد على من قالوا: إنه أذن لهم في الاستمرار، فنقول: إن هذا الإذن لا يدل على جوازه؛ لأنه أراد التنكيل بهم لا إقرارهم عليه لأجل أن يعرفوا هم بأنفسهم الحكمة من النهي. وأما الرد على من قال: إنه للإرشاد، فنقول: إن هذا فهمهم، وفهمهم ليس حجة على غيرهم؛ لأن لدينا كلامًا للرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الصحابة-﵃ لا يدعون شيئًا يحتاج إلى سؤال إلا سألوا عنه، وهذا أحد الطرق الذي كمل به الدين والحمد لله. الدين كمّل بالقرآن وبالسُّنة القولية والفعلية والإقرارية حتى إذا جاء شيء لم يأت به الكتاب والسُّنة مثلًا قيض الله له من يسأل عنه إما من الصحابة الذين في المدينة، وإما من الأعراب، ولهذا كان الصحابة يفرحون إذا جاء الأعرابي يسأل؛ لأن الأعرابي على فطرته يسأل عن كل شيء، فالحاصل: أن هذا فيه دليل على أن الصحابة-﵃. لم يدّعوا شيئا يحتاج الناس إليه إلا سألوا عنه، ولهذا لما نهى عن الوصال أوردوا عليه كونه يواصل. غرضي بهذه الفائدة ما يترتب عليها من الأمر العظيم وهو إبطال ما كان عليه أهل الكلام من الإيرادات الباطلة التي يريدون أن يتوصلوا بها إلى تعطيل أسماء الله وصفاته في قولهم: لو كان كذا لزم كذا وما أشبه ذلك من الأشياء التي يقولونها يتوصلون بها إلى إبطال ما وصف الله به نفسه أو سمى به نفسه، فيقال لهم: أين الصحابة عن هذه الإيرادات التي أوردتموها هل لم يفهموها أم ماذا؟ ! ومن فوائد الحديث: إثبات الخصوصية للرسول ﷺ ، وأن الله تعالى قد يخصه بأحكام دون الأمة وهو كذلك، وقد ذكر أهل العلم خصائص النبي ﷺ في كتاب النكاح- أعني: الفقهاء-؛ لأن له في النكاح خصائص كثيرة فذكروها هناك، وقالوا: إن الرسول خص بأحكام واجبة وهي ليست واجبة على غيره، محظورة عليه وهي ليست محظورة على غيره، مباحة له وهي ليست مباحة لغيره، منها الوصال فهو في حقه ليس بمكروم، وفي حق غيره مكروه. ومن فوائد الحديث: إن ما ثبت في حق النبي ﷺ فهو ثابت في حق الأمة إلا بدليل، وجهه: أنه لما نهى عن الوصال قالوا: إنك تواصل، وإذا كنت تواصل فلتكن نحن نواصل لأنك أسوتنا، وهذه قاعدة دل عليها آيات كثيرة من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]. فهو أسوتنا وقدوتنا وإمامنا، وقال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر﴾. [الأحزاب: ٢١]. فإذن الأصل فيما فعل أنه له وللأمة إلا بدليل، والأصل فيما قال: إنه له وللأمة إلا بدليل، وبهذا نرد على قاعدة ذكرها الشوكاني ﵀ وهي غريبة منه مع إمامته وجلالته- وهي: أن الرسول إذا ذكر قولا عامًا وفعل فعلًا يخالف عمومه حمل الفعل على الخصوصية! وهذا لا شك أنه خطأ؛ لأن قول الرسول

стр. 1406

سنة وفعله سنة، وإذا كان كذلك وأمكن الجمع بينهما كان ذلك هو الواجب حتى لا نجعل فعله مخالفًا لقوله، فلا يمكن أن نرجع أو أن يصار إلى الخصوصية إلا بدليل، وإذا أمكن الجمع فهو الواجب. ومن فوائد الحديث أيضًا: حسن خلق النبي ﷺ . حكمة مشروعية الصيام: ٦٣٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع قول الزُّور والعمل به والجهل، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه". رواه البخاريُّ، وأبو داود واللَّفظ له. هذا الحديث-كما تشاهدون- بدأ بجملة شرطية: "من لم يدع قول الزور"، وهنا توارد على الفعل جازمان "من"، و"لم" كما في قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٤]. فورد عليه جازمان، فأيهما يعمل؟ العامل في اللفظ هو الثاني المباشر، والأول عامل في المحل، وعليه ف"يدع" هنا مجزوم بـ"لم". وقوله: "فليس لله حاجة" الجملة جواب الشرط، واقترنت بالفاء لأنها فعل جامد، ما هو الفعل الجامد؟ ما ليس مشتق، وقوله: "فليس لله حاجة" بالرفع؛ لأنها اسم ليس مؤخر. وقوله: "في أن يدع" هذه فعل مضارع ماضيها ودعه ومصدرها ودع، ومنه قول النبي ﷺ : "لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات". و"يدع" بمعنى: يترك طعامه وشرابه ... إلخ، قوله: "من لم يدع قول الزور" أي: من لم يترك قول الزور، وقول الزُّور: كل قول مائل عن الحق؛ لأن الزور مأخوذة من الازورار وهو: الانحراف، فالشتم قول زور، والغيبة قول زور، والقذف قول زور، والكذب قول زور، كل شيء مائل عن الحق من الأقوال فهو داخل في قول الزور، وهل يدخل في ذلك شهادة الزور؟ نعم من باب أولى. ثانيًا: "العمل به" يعني: ومن لم يلع العمل بالزور، والعمل بالزور هو: العمل بكل قول محرّم كما قلنا في قول الزور، مثل: الغش في البيع والشراء، وكالنظر المحرم، كالاستماع إلى الأغاني المحرمة، وما أشبه ذلك، وكمشاهدة المشاهدات المحرمة، كل هذه من العمل بالزور. وقوله: "الجهل" المراد به: السفه، وليس المراد به: عدم العلم؛ لأن عدم العلم لا يقال: تركه، أو لم يتركه، لكن المراد: السفه، والسفه: هو القول الذي ينسب قائله إلى خلاف الرشد، وإن لم يكن محرمًا كالكلمات النابية عرفا تعتبر من السفه أو من الجهل

стр. 1407

الذي لا يدع هذه الأمور الثلاثة- وهنا يقول: والجهل، بالنصب معطوفة على "قول الزور" "فليس لله حاجة"، الحاجة هنا بمعنى: الإرادة، أي: فليس لله إرادة في كذا وكذا، يعني: أن الله ما أراد من الصائم أن يمتنع عن الأكل والشرب فقط والنكاح، وإنما أراد أن يدع، هذه الأمور هذه هي الحكمة الشرعية من وجوب الصوم، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣]. هذه هي الحكمة من الصوم، ولهذا لو أننا أخذنا بهذه الحكمة في نهار رمضان ما خرج رمضان إلا وقد تغير الإنسان في عبادته لله وفي سلوكه مع عباد الله، فهو يدع قول الزور والعمل بالزور والسفه. إذن لا يخرج رمضان-ثلاثون يومًا- إلا وقد تكيف بهذه العادات الفاضلة، وهي: ترك الزور قولًا وفعلًا، وترك السفه، لكن نحن نشاهد كثيرًا من المسلمين أو أكثرهم يدخل رمضان ويخرج لا يتأثرون به؛ لماذا؟ لأنهم لم يحافظوا على ما أرشد الله إليه ورسوله في ملازمة التقوى وترك الزور قولًا وفعلًا وترك السفه. وقوله: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" نص عليه: لأن الطعام والشراب لازم لكل صائم، أما النكاح الذي أشار الله إليه في قوله: ﴿بشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧]. فهو يختص به من كان ذا زوج، وأما من ليس بذي زوج فإنه يدع الطعام والشراب. من فوائد الحديث: بيان الحكمة من الصوم وهي اجتناب هذه الأشياء الثلاثة قول الزور والعمل به والسفه. فيستفاد منه فوائد منها: الحكمة من الصوم وأن من أعظم حكمه مع كونه عبادة أن يتجنب الإنسان حال صومه هذه الأمور الثلاثة. هل يدخل فيها ترك الواجب؟ يدخل فيها ترك الواجب؛ لأن ترك الواجب من الزور، فيدخل في أنه يجب أن نتجنب هذا. هل تبطل الغيبة الصيام ؟ ويستفاد من الحديث: أن لهذه الأشياء الثلاثة أثرا بالغًا في الصوم لقوله: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، لكن هل تبطل الصوم؟ جمهور أهل العلم على أنها لا تبطل على أنها تحرم، ويزداد تحريمها حال الصوم، لكنها لا تبطل الصوم، إنما ربما تكون آثامها مكافئة لأجور الصوم، وحينئذٍ يبطل الصوم من حيث الأجر لا من حيث الإجزاء. قال الإمام أحمد وقد ذكر له عن بعض السلف أن الغيبة تفطر-: لو كانت الغيبة تفطر لم يبق لنا صوم، وهذا صحيح، لو قلنا: إن الإنسان إذا اغتاب رجلًا فهو كما لو أكل تمرة لكان لا يبقى أحد صحيح الصوم إلا نادرًا؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم- نسأل الله لنا ولهم الهداية- لا

стр. 1408

يبالون بغيبة الناس، ولأن القاعدة عند عامة الفقهاء: أن التحريم إذا كان عامًّا فإنه لا يبطل العبادة بخلاف الخاص المحرم لخصوص العبادة يبطلها، وهذه قاعدة مرت علينا في قواعد ابن رجب، على أن التحريم إذا كان عامًا-لا يختص بالعبادة- فإنه لا يبطلها، فمثلًا الغيبة والنميمة والكذب والغش وما أشبه ذلك تحريمه عام ما حرم من أجل الصوم، فلما كان تحريمه عامًا صار لا يبطل الصوم، أما ما حرم من أجل الصوم فإنه يفسد الصوم، ولذلك لو أكل أو شرب فسد صومه؛ لأنه محرم لخصوص الصوم وهذه قاعدة نافعة، لو أن أحدًا لبس عمامة من حرير هل تبطل صلاته؟ لا؛ لماذا؟ لأن النهي عام وهو آثم. على كل حال: ولو لبس ثوبًا من حرير تجزئ صلاته على خلاف فيها، الذين قالوا: تجزئ قالوا: لأن التحريم هنا عام في الصلاة وغيرها فلا يبطلها، والذين قالوا: إنها لا تجزئة ولا تصح، قالوا: لأن التحريم متعلق بما هو شرط للعبادة وهو الستر، والثوب هو الساتر، فصار وجوده كالعدم فأبطل الصلاة. المهم: أن هذه الأشياء التي ذكرها الرسول ﷺ تنافي الحكمة الشرعية، لكن لا تبطل الصوم؛ لأن تحريمها ليس خاصًّا به. ومن فوائد الحديث: إثبات الحاجة لله، ولكن الحاجة إن أريد بها الاحتياج فهذا منفي عن الله لأن الله- يقول: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ آل عمران: ٩٧]. فهو سبحانه غني عن كل أحد، وكل أحد لا يستغني عن الله، أما إذا أريد بالحاجة الإرادة فهذه جائزة؛ فإن الله تعالى بريد من عباده في شرع الصوم أن يتجنبوا هذه الأشياء المحرمة، وأما القسم الأول فممنوع، نظير ذلك الأسف هل هو ثابت لله أو منفي عنه؟ إن أريد بالأسف الغضب فهو ثابت لله، وإن أريد بالأسف الحزن على ما مضى فليس بثابت لله، قال الله تعالى: ﴿فلما ءاسفونا انتقمنا منه﴾. قال المفسرون: معناها أغضبونا، وليس المعنى: ﴿ءاسفونا﴾ ألحقوا بنا الأسف الذي هو الندم والحزن على ما مضى؛ لأن هذا أمر ممتنع في حق الله . ومن فوائد الحديث: إثبات الحكمة من الشرائع، لقوله: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، ولكن يريد الله منا أن ندع قول الزور والعمل به والجهل. لو قال قائل: هل في الصيام فوائد غير تلك؟ قلنا: نعم، فيه فوائد ولنذكر منها ما تيسر: منها: معرفة الإنسان قدر نعمة الله عليه في تيسير الأكل والشرب والنكاح إذا كان متزوجا، وجه ذلك: أن الإنسان لا يعرف قدر النعمة إلا بضدها كما قيل: "وبضدها تتبين الأشياء". ومنها: أن الإنسان يذكر أخاه الفقير الذي لا يقدر على الأكل والشرب فيرحمه ويتصدق عليه.

стр. 1409

ومنها أيضًا: كسر النفس عن الأشر والبطر؛ لأن الإنسان إذا فقد الأكل والشرب وذاق ألم الجوع والعطش فإن نفسه التي تعلو في غلوائها تحبط وتعرف أنها في ضرورة إلى ربها فتنكسر حدة النفس. ومنها أيضًا: أنه يضيق مجاري الشيطان، وهي مجاري الدم، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا ضاقت المجاري عليه قل سلوكه لها. ومنها أيضًا: أنه يذيب الفضلات التي في الجسم، فإن الجسم مع كثرة الأكل والشرب قد يكون فيه فضلات كثيرة متحجرة ورواسب، فإذا صام فإن الجسم يضمر حتى تخرج هذه الفضلات والرواسب. ومنها أيضًا: أنه يحمل المرء على التقوى والعبادة، ولهذا نرى الناس في رمضان يكثرون من العبادة أكثر منها في غير رمضان. ومنها: أنه يساعد الشاب على تحمل الصبر عن النكاح؛ لقول الرسول ﷺ : "ومن لم يستطع فعليه بالصوم". ومنها: إتمام أنواع العبادة؛ لأن التكليف الذي كلف الله به عباده إما بذل محبوب أو كف عن محبوب أو تعب البدن، بذل المحبوب كالمال في الزكاة، والكف عن المحبوب كالصيام، وإجهاد النفس بالعمل كالصلاة والحج والجهاد وما أشبه ذلك. حكم القبلة للصائم: ٦٣٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبِّل وهو صائمٌ، ويباشر وهو صائمٌ، ولكنه أملككم لإربه". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلمٍ. - وزاد في روايةٍ: "في رمضان". قولها: "يقبِّل" يعني: يقبل أهله وزوجته وهو صائم، والتقبيل معروف، وجملة "وهو صائم" في موضع نصب على الحال، وهو عام لصيام الفرض والنفل. "ويباشر وهو صائم" المباشرة أخص من التقبيل، وعرفها بعضهم: بأنها الجماع بما دون الفرج، وقولها: "وهو صائم" أيضًا الجملة في موضع نصب على الحال. قالت: "ولكنه أملككم لإربه" يقال: إربه وأربه، الأرب: الحاجة، والإرب: العضو، يعني عضو النكاح، والمعنى واحد، يعني: أربه وإربه كلاهما يؤدي إلى شيء واحد، وهو أنه يملك حاجته وهي الجماع في هذا الموضع، فهو- ﵊ يملك حاجته.

стр. 1410

قال: وزاد في رواية: "في رمضان"، وعلى هذا يكون قولها: "وهو صائم" الذي ذكرنا قبل قليل أنه يعم الفرض والنفل، يكون هذا الحديث في الفرض لكن إذا جاز في الفرض ففي غيره من باب أولى. ففي هذا الحديث تخبر عائشة ﵂ عن أمر خفي لا يطلع عليه إلا أزواج الرسول ﷺ ، وهذا من جملة الفوائد التي أشرنا إليها فيما سبق في تعدد أزواج الرسول ﷺ أن ينقلن للناس ما لا يطلع عليه إلا هن، فهي هنا أخبرت أنه يقبِّل وهو صائم، والتقبيل كما نعرف لا بد أنه يحرك الشهوة، اللهم إلا من رجل ميت الشهوة ضعيف فيها جدًّا فهذا لا تتحرك شهوته، أما رجل فيه شيء للنساء فإنه لا بد أن تحرك القبلة شهوته إذا قبَّل زوجته، وكذلك أيضًا إذا أخذ يباشر وهو أعظم من التقبيل، لأن المباشرة هنا الجماع فيما دون الفرج وهو أشد من التقبيل إثارة للشهوة. قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض". فهذا الحديث يفسر الحديث الذي نحن بصدده، ولكن هل كان الرسول ﷺ ينزل؟ قولها: "ولكنه كان أملككم لإربه" يدل على أنه لا ينزل، وأنه يملك نفسه بحيث لا يخرج منه شيء بهذا التقبيل وهذه المباشرة، وهذه الجملة أرادت ﵂ ألا يتصرف الناس كتصرف النبي ﷺ إذا كانوا لا يملكون أنفسهم؛ لأن الجملة التعليلية لا بد أن يكون لها أثرها، فإذا كان الإنسان لا يملك إربه ويخشى على نفسه أن يجامع أو أن ينزل فإنه يجب عليه أن يتوقف ولا يجوز له أن يفعل ذلك؛ لأنه يعرض صيامه للخطر إلا إذا كان الصيام نفلًا، فإن صيام النفل يجوز للإنسان أن يقطعه تعمدًا، أو إذا كان الصيام فرضًا في حال لا يلزمه الصيام فيها، فإذا كان فرضًا في حال لا يلزمه الصيام فيها فله أن يفعل، كما لو كان في سفر، فإن المسافر له أن يفطر في نهار رمضان، فله أن يباشر وأن يقبِّل وأن يجامع وأن يأكل ويشرب ولا حرج عليه؛ لأنه أبيح له أن يفعل. استفدنا من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: جواز الحديث عما يستحيا منه في إظهار الحق لفعل عائشة ﵂ حيث تكلمت بأمر يستحيا منه، فإن المرأة تستحيي من هذا، لا سيما إذا كانت تريد نفسها كما تدل عليه الرواية الأخرى أنه يقبِّلها هي ﵂، لكن في بيان الحق لا ينبغي أن يستحيي الإنسان من أي شيء، ولهذا قالت أم سليم لما سألت الرسول ﷺ عن المرأة تحتلم قالت مقدمة لسؤالها: إن الله لا يستحيي من الحق .. إلخ، والاستحياء من الحق لا

стр. 1411

يمدح بل يذم؛ لأنه خور وجبن من الإنسان المستحيي، وأنت أيضًا إذا استحييت من الحق فمعناه: أنك فوَّت القول بالحق أو فوَّت فعل الحق. ومن فوائد الحديث: جواز التقبيل للصائم، كيف ذلك؟ لأن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم. فإن قلت: الرسول ﷺ عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فالجواب: أن هذا أورد على النبي ﷺ أورده عليه عمر بن أبي سلمة حين سأل النبي ﷺ عن القبلة للصائم، فقال: "سل هذه"، فأخبرته أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأخبر الرسول ﷺ أنه أعلم الناس بالله وأتقاهم لله وأخشاهم له. إذن هذا الإيراد أجاب عنه الرسول ﷺ نقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر﴾ [الأحزاب: ٢١]. وهل يستحب أن يقبل وهو صائم أو يباشر وهو صائم؟ لا، لكن بعض العلماء كابن حزم ﵀ قال: إنه يستحب للإنسان أن يقبل وهو صائم؛ لأنه يؤجر على ذلك، وأن يباشر وهو صائم ويؤجر على ذلك، ولكن هذا قول ضعيف جدًا؛ لأن فعل النبي ﷺ لهذا على سبيل التقرب والتعبد، لكنه بمقتضى الجبلة والطبيعة، وما كان كذلك فإنه لا يقال: إنه مستحب، لكن فعله في الصيام يدل على الجواز، نعم لو فرض أن الإنسان فعله ليبين جوازه فهذا قد يقال: إنه يؤجر لا من أجل التقبيل أو المباشرة، ولكن من أجل بيان السنة وتثبيتها؛ لأن الناس قد يقبلون السُّنة بالفعل أكثر مما يقبلونها بالقول، فإذا كان مثلًا رجل عنده ابنه وهو شاب، والأب شيخ كبير قبل زوجته وأبوه يشهده فأخذ الخشبة ليضر به بها، وقال: هذا حرام كيف تقبل امرأتك؟ فعاد مرة أخرى ليبين له الجواز يؤجر بهذا؛ لأنه يريد إظهار السُّنة، ولاشك أن إظهار السُّنة لا سيما في مثل الأمر الذي يستعظمه العامة- وهو ليس بعظيم- لا شك، ولا نقول: يطلب للصائم أن يقبل زوجته كما يطلب له أن يدعو الله ويذكر الله ويقرأ القرآن وما أشبه ذلك. وفيه دليل أيضًا على أنه لا فرق بين الشاب والشيخ، والدليل: أننا نعلم أن الرسول ﷺ كان مما حبَّب إليه النساء، وكان أعطي قوة ثلاثين رجلًا، ولاشك أنه يشتهي النساء، ومع

стр. 1412

ذلك يقبل وهو صائم، فلا فرق بين الشاب والشيخ، وأما ما رواه أبو داود في التفريق بينهما فضعيف لا تقوم به حجة. ويستفاد من الحديث: أن من لا يملك نفسه فلا يفعل هذا الفعل لقولها: "وكان أملككم لإربه"، فمن لا يملك نفسه بمعنى: أنه يخشى إن باشر ألاَّ يملك نفسه فيجامع، فإنا نقول: لا تفعل من باب سد الذرائع، والناس يختلفون في قوة الإيمان، وفي قوة ملك النفس، فإن بعض الناس قد يمنعه إيمانه من تجاوز الحلال إلى الحرام، وبعض الناس يمنعه أيضًا ملكه نفسه- وإن كان ليس قوي الإيمان- لكن الممنوع أن يأتي ذلك رجل لا يستطيع أن يملك نفسه عن فعل الشيء المحرم، على كل حال الناس يختلفون. ويستفاد من هذا الحديث كما أستفاده بعضهم: أنه لو أنزل لم يفسد صومه، وجه الدلالة: قال: لأن المباشر عند أكثر الناس سبب للإنزال، واحتج وقال: إنكم تقولون: إذا قبَّل فقط أو باشر فقط بدون إنزال لم يفسد صومه، وإذا أنزل بدون التقبيل ولا مباشرة لم يفسد صومه، يعني: كما لو فكر وأنزل فإنه لا يفسد صومه، فما الذي جعلهما مجتمعين يفسدان الصوم؟ يعني: إذا حصل تقبيل وإنزال أو مباشرة وإنزال فسد هذا تقرير مذهبه، فماذا تقولون؟ نقول: يرتفع الحكم بالإنزال بلا مباشرة بأنه حديث نفس، وقد عفا الله عن حديث النفس، ويرتفع الحكم بالنسبة للمباشرة المجردة بهذا الحديث، ونحن نقول: إذا أنزل بفعله فإن صومه يفسد؛ لأن قول عائشة ﵂: "كان أملككم لإربه" يشير إلى هذا. ثانيًا: لاشك أن الإنزال شهوة، وفي الحديث الصحيح في ثواب الصيام: "يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي"، والمني شهوة بدليل قول الرسول ﷺ : "وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر"، والذي يوضع هو المني، فهذا أيضًا يدل على أن الإنزال بالمباشرة أو التقبيل مفطر، ونحن قد نلتزم بأنه بالتفكير يفطر الإنزال، لكن عندنا حديث: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم"؛ لأنه لولا هذا الحديث لقلنا: إذا أنزل بالتفكير أفطر.

стр. 1413

ثالثًا: أن بعض العلماء حكى الإجماع على أن الإنزال بالمباشرة والتقبيل يفطر، ففي الحاوي للشافعية نقل الإجماع على أنه يفطر، والموفق في المغني قال: لا نعلم فيه خلافًا، والمذاهب الأربعة كلها متَّفقٌة على أن الإنزال بالمباشرة والتقبيل مفطر، فالصواب عندي: أن الإنزال بالمباشرة والتقبيل مفطر للصائم، والجواب عما أورد سمعتموه. مسألة: هل الإمذاء يفطر؟ لا يفطر، لا شك في هذا خلافًا للمشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، والصواب: أنه لا يفطر للفرق العظيم بينه وبين الإنزال فإن بينهما فروقًا كثيرة، ولا يمكن إلحاق المذي بالمني لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الأثر على الجسم ولا من ناحية الأحكام المترتبة على ذلك. فالحاصل: أن لدينا الآن: مباشرة وتقبيل بدون إنزال ولا مذي لا يفسدان الصوم قولًا واحدًا في المذهب، المباشرة والتقبيل مع الإمذاء الصحيح لا يفسدان الصوم، مع الإنزال يفسدان الصوم على القول الصحيح، وهو إما إجماع أو على الأقل المخالف في ذلك نادر. حكم الحجامة للصائم ؟ ٦٣٤ - وعن ابن عبَّاسِ ﵄: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو محرمٌ، واحتجم وهو صائم". رواه البخاريُّ. "احتجم" افتعل، يحتمل أن المعنى: أنه ﷺ طلب من يحجمه وهو كذلك، والحجامة: إخراج الدم من البدن بطريق معروف، وهو أن يجرح مكان الحجامة ويؤتى بوعاء صغير فيه أنبوبة متصلة به فيأتي الحجام بعد أن يجرح المكان ثم يضع هذا الوعاء الصغير. المهم: هذه الحجامة معروفة عن عهد الرسول ﷺ إلى أن أدركناها نحن في هذا العصر، ومن كانت عادته الحجامة مرض وصار فيه دوخة وتعب حتى يحتجم، فالنبي ﷺ احتجم وهو محرم، وبالضرورة سيحلق مواضع المحاجم من أجل الحاجة. وقوله: "واحتجم وهو صائم" أيضًا جملة حالية، وهنا أطبق الصيام، فيحتمل أنه في رمضان ويحتمل أنه في غيره، وهل الرسول ﷺ كان محرمًا في غير رمضان؟ نعم أحرم في غزوة الحديبية في ذي القعدة، وفي عمرة القضاء كذلك في ذي القعدة، وفي عمرة الجعرانة في ذي القعدة وفي حجته في ذي القعدة أيضًا. لكن الصيام الذي ورد "احتجم وهو صائم" هل هو مقيد في إحرامه، أو هما جملتان منفصلتان؟

стр. 1414

الواقع أن اللفظ الذي في أيدينا أنهما جملتان منفصلتان، وأما ما جاء في بعض الروايات أنه احتجم وهو صائم محرم فهذا لا يصح؛ لأنه لم يكن الرسول ﷺ صائمًا محرمًا أبدًا؛ إذ إن ذهابه إلى مكة في وقت الصيام كان في غزوة الفتح ولم يكن النبي ﷺ محرمًا، فالجمع بينهما وهم من بعض الرواة أنه احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم، يعني: فصل هذه عن هذه، فهذا- كما يقول المؤلف-: رواه البخاري. فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: الأولى: جواز الحجامة للمحرم لقوله: "احتجم وهو محرم". الثانية: أنه يجوز أن يحلق من الشعر ما يحتاج إليه في الحجامة، لماذا؟ لأنه من اللازم لذلك وجواز الملزوم يدل على جواز اللازم. الثالثة: أنه إذا حلق من رأسه مثل هذا القدر فليس فيه فدية، وبه نعرف ضعف قول من يقول: إن الإنسان إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فعليه طعام مسكين، فإن أخذ اثنتين فطعام مسكينين، فإن أخذ ثلاث شعرات ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فهذا القول ضعيف، ولا يعد من أخذ ثلاث شعرات من رأسه حالقًا، والله يقول: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى تبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ [البقرة: ١٩٦]. والكلام على حلق الرأس، إمَّا شعرة أو شعرتين فليس فيه شيء. فإن قلت: إن الذي أسقط الفدية هنا الحاجة إلى أخذ الشعر. فالجواب أن نقول: إن الحاجة لا تسقط الفدية؛ لأن الله قال: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذه الصورة تعدُّ حاجة؛ ولهذا حلق كعب بن عجرة ﵁ رأسه؛ لأنه جئ به إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهه من رأسه؛ لأنه كان مريضًا، والمريض تكثر معه الأوساخ، ويضعف بدنه ويكثر فيه القمل، فقال له النبي ﷺ : "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى. ثم رخَّص له أن يحلق وأن يفدي بصيام أو صدقة أو نسك. إذن نقول: إن الحاجة إلى حلق هذا الجزء اليسير من الرأس من أجل الحجامة لا تسقط الفدية؛ لأنها لو وجبت ما أسقطتها الحاجة، بدليل حديث كعب بن عجرة. وعلى هذا فنقول: إن أقرب الأقوال في حلق الشعر مذهب مالك ﵀ أنه إذا حلق ما يزول

стр. 1415

به الأذى وجبت الفدية، وإن حلق دون ذلك فلا فدية عليه، لكن يحرم عليه أن يحلق إلا لحاجة. وفي هذا الحديث أيضًا: دليل على جواز الحجامة للصائم لقوله: "احتجم وهو صائم"، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء أن الحجامة للصائم لا تفطر؛ لأنها ليست أكلًا ولا شربًا ولا جماعًا، ولا بمعنى: الأكل والشرب، وعلى هذا فلا تفطر، والله يقول: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإن قلت: ألا يحتمل أن الرسول ﷺ احتجم وهو صائم ثم قضى؛ يعني: أفطر ثم قضى؟ الجواب: نعم يحتمل لا شك هذا وارد، لكن لو كان الأمر كذلك لنقل، ثم إن مثل هذا السياق يقتضى أنه سيق للاستدلال به على أن الصائم لا تؤثر فيه الحجامة فيكون هذا الإيراد غير وارد، كما نقول في قوله: "احتجم وهو محرم" أفلا يجوز أن يكون الرسول ﷺ قد فدى؟ يجوز، لكن الظاهر خلاف ذلك؛ إذ لو فدى لنقل. إذن يؤخذ من هذا الحديث: جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تفطره. فإن قلت: أفلا يمكن أن يكون الرسول ﷺ احتاج إلى الحجامة، ومعلوم أن الصائم إذا احتاج إلى الأكل والشرب بحيث يتضرر بفقدهما في أثناء النهار يجوز له أن يأكل ويشرب، فيمكن أن الرسول ﷺ لكونه يحتجم كثيرًا يمكن أن يحتاج إلى الحجامة في ذلك اليوم فاحتجم. فالجواب أن نقول: ليس الكلام في جواز الحجامة من عدمها، نحن نقول: ما احتجم إلا والحجامة جائزة له إما لكونها جائزة للصائم مطلقًا، وإما لكونها جائزة عند الحاجة، وليس كلامنا في هذا الكلام هل تفطر أو لا؛ فظاهر الحديث أنها لا تفطر؛ لأنها لو كانت تفطر لنقل عنه قضاء هذا الصوم وأنه أفطر ذلك اليوم. ٦٣٥ - وعن شدَّاد بن أوس ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم". رواه الخمسة إلا التِّرمذيَّ، وصحَّحه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبَّان. هذا الحديث يقول: مرَّ على رجل بالبقيع، والمراد بالبقيع: ما حوله؛ لأن البقيع هي: مدفن موتى أهل المدينة، والظاهر أن الناس لا يكونون في نفس المقبرة، "يحتجمون" لما في ذلك من تلويث المقبرة بالدم وغير ذلك، إلا أن يراد بالبقيع كل ذلك المكان، يعني: ما فيه القبور وما كان خارجًا عنه فيصح، على كل حال: ليس للمكان أهمية في المسألة، المهم: أن

стр. 1416

الرسول ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، "الحاجم": هو فاعل الحجامة، و"المحجوم" المفعول به، فـ"الحاجم" مثل الحلاق، و"المحجوم" مثل المحلوق، قوله ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" هو كقوله: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم"، "أفطر" يعني: حل له الفطر، هنا "أفطر الحاجم والمحجوم" هل معناه حل لهما الفطر؟ لا، لكن هذا يختلف عن ذاك؛ لأن القول الراجح في ذلك- "فقد أفطر الصائم"- أي: حلَّ له الفطر، وليس المعنى: فقد أفطر حكمًا كما قيل به، أما هنا "فقد أفطر" يعني: أفسد صومه فأفطر. وقوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" فيه إفطار الرجلين، أما المحجوم فالفطر في حقه معقول ما هو المعنى؟ هو ما يحصل له من الضعف بخروج الدم، الضعف الذي يوجب ضرر البدن، وطلب البدن الأكل والشرب حتى يعوض ما نقص بخروج ذلك الدم، والإنسان في صومه جعله الله- وسطًا بين الإفراط والتفريط بين أن يأكل ويشرب ليقوي البدن بالغذاء، وبين أن يحتجم ويستقيء فيضرَّ البدن بفقد الغذاء في القيء أو بفقد الدم في الحجامة، فراعى الشرع جانب العدل بالنسبة للبدن لا إفراط ولا تفريط، فجعل ما أدخل البدن مما يقويه مفطرًا وما أخرجه مما يضعفه جعله أيضًل مفطرًا حتى يقوم البدن بالعدل لا إفراط ولا تفريط، وهذا من الحكمة العظيمة. فعلى هذا نقول: الحكمة في كون المحجوم يفطر هو: لأجل ما يحصل للبدن من الضعف الذي يحتاج معه إلى مادة غذائية يستعيد بها قوته، وعليه فإن كان الإنسان في ضرورة إلى الحجامة احتجم، وقلنا له: كل واشرب ولو في رمضان إذا كان في ضرورة؛ لأن بعض الناس ولا سيما الذين يعتادون الحجامة إذا فقدوها أحيانًا يغمى عليهم ويموتون، فإذا بلغ الإنسان إلى هذا الحد فنقول: احتجم وكل واشرب وأعد للبدن قوته، وإذا لم يصل إلى هذا الحد وكان بإمكانه أن يصبر إلى غروب الشمس، قلنا له: في الفرض يحرم عليك أن تحتجم ولا يجوز بل تبقى إلى أن تغرب الشمس وتفطر إن كان في نفلٍ، فالأمر واسع فيه؛ لأن النافلة يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب ولو بلا عذر. إذن عرفنا الحكمة بالنسبة للمحجوم، بالنسبة للحاجم قد تكون الحكمة خفية وهي كذلك في الحقيقة خفية جدًا؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الحاجم لا يفطر والمحجوم يفطر، لكن هذا القول- كما تنظرون- ضعيف جدًّا، لماذا؟ مصادم؛ لأنه يأخذ ببعض النص ويترك البعض، وقال بعضهم: الحكمة في المحجوم ظاهرة، وفي الحاجم تعبدية نحكم بما حكم به الرسول ﷺ ولا ندري، وبناء على قولهم فالحاجم يفطر بأي وسيلة حجم؛ لأن المسألة

стр. 1417

تعبدية، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل الحكمة معقولة فيهما أما في المحجوم فقد سبقت، وهي الضعف الذي ينهك البدن، وأما بالنسبة للحاجم فلأن الحاجم يمصُّ القارورة والدم قد يكون غزيرًا ويخرج بسرعة وشدة فينفذ إليه من القارورة دم وهو لا يشعر لشدة المصَّ، فجعلت هذه المظنة بمنزلة المئنة، قال: ونظيره النائم ينام والنوم نفسه ليس بحدث لكنه مظنة الحدث، فصار النوم ناقضًا للوضوء وإن كان قد لا يحدث منه ناقض، فشيخ الإسلام ﵀ يرى أن الحكمة معقولة في الطرفين في الحاجم والمحجوم قال: وبناء على ذلك لو حجم بغير هذه الطريقة المعروفة فإن الحاجم لا يفطر، وأنتم أخبرتموني الآن أنهم يحجمون بغير هذه الطريقة فلو فرض أنه حجم بآلة تمصُّ بدل مص الآدمي فإنه لا يفطر بناء على أن العلة معقولة، وإذا كانت العلة معقولة فالحكم يدور معها وجودًا وعدمًا، لكن المشهور من مذهب الحنابلة أن الحكمة غير معقولة، والغريب أنها عندهم غير معقولة في الطرفين، ولهذا قالوا: لو فصد أو شرط الإنسان فصدًا وخرج به من الدم أكثر مما خرج بالحجامة فإنه لا يفطر؛ لأن الحكمة غير معقولة، إنما هي تعبدية. والشرط هو: شق العرق طولًا حتى يخرج الدم، أما الفصد فهو: أن يشقه عرضًا حتى يخرج الدم. قال شيخ الإسلام: والأصلح في البلاد الحارة الحجامة وفي البلاد الباردة الفصد أو الشرط؛ لأن البلاد الباردة يغور فيها الدم ينزل إلى باطن البدن من أجل البرودة الخارجية، فكان الفصد أو الشرط أبلغ من الحجامة في استخراج الدم الفاسد، وأما في البلاد الحارة فإن الدم يخرج ويبرز على ظاهر الجلد فتكون الحجامة أنفع وأفيد، على كل حال هذه مسائل طبية. في هذا الحديث قال الرسول ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم"، ونحن إذا أخذنا بظاهره قلنا: فسد صومهما، وقد عرفتم أن للعلماء في بيان العلة في ذلك ثلاثة أقول: قول: إنها معقولة فيهما، وقول: إنها غير معقولة فيهما، وهذان القولان متقابلان، والقول الثالث: إنها معقولة في المحجوم غير معقولة في الحاجم. إذن هذا الحديث يستفاد منه: أن الحجامة تفطر على السبب الظاهر المعلوم، فقال بعض العلماء: لا ولكن كادا يفطران، فخرجوا عن ظاهر الحديث وقالوا: كادا يفطران أما الحاجم فقالوا: نعم يكاد يفطر؛ لأنه لو شفط بقوة دخل الدم إلى جوفه فأفطر، لكن لو شفط شيئًا فشيئًا لم يفطر، فالمعنى: كاد يفطر الحاجم؛ لأنه ربما شفط بقوة فأفطر، إذن على قول هؤلاء يكون:

стр. 1418

"أفطر الحاجم والمحجوم" كادا يفطران ولم يفطرا؛ لأن المحجوم لو تصبَّر مع الضعف حتى غربت الشمس وأكل وشرب صحَّ صومه، والحاجم لو تأنى رويدًا رويدًا صح صومه. وقلت: وإحالة الحكم على السبب الظاهر، ما هو السبب الظاهر في الحديث الذي أفطر به الحاجم والمحجوم؟ الحجامة هو يقولون: لا إن الرجلين كانا يغتابان الناس، فقال الرسول ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم"، وهذا التأويل هو في الحقيقة تحريف. أولًا: لأنهم يقولون: إن الغيبة لا تفطر، وهذا من الغرائب، يقولون: إن الغيبة لا تفطر، ولما قال الرسول ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" قالوا: كانا يغتابان الناس، وأنتم تقولون: الغيبة لا تفطر، يعني: لو اغتابا الناس بدون حجامة ما أفطرا، وإن اغتابوا الناس وحجموا أفطروا، هذا لا يستقيم. الشيء الثاني: أنه من الجناية على النصَّ أن يلغى الوصف الذي علّق عليه الحكم ثم نذهب نلتمس وصفًا آخر نعلَّق به الحكم، فإن هذا جناية على النصوص، وما مثل هؤلاء إلا مثل من قالوا في المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتجحده- فأمر النبي ﷺ بقطع يدها- إن هذه المرأة ما أمر الرسول بقطع يدها لأنها استعارت فجحدت، ولكن لأنها كانت تسرق، وما مثل هؤلاء أيضًا إلا كمثل قول من قال: إن قول النبي ﷺ : "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، أو "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر" قالوا: إن المراد منه: جحدها إذا كان المراد من جحدها، فالذي يجحد فلو صلَّى كل وقت في وقته ومع الجماعة فهو كافر، فكيف نلغي الوصف الذي علَّق عليه الحكم، ثم نجلب له وصفًا آخر لم يذكره الشرع؟ فالمهم أن مثل هذه الأمور من أهل العلم- عفا الله عنا وعنهم- يحمل عليها أنهم يعتقدون قبل أن يستدلوا فيكون عند الإنسان حكم معين تقليدًا لمذهب من المذاهب أو اختيارًا من عند نفسه ثم تأتي النصوص بخلاف ذلك المذهب أو ذلك الفهم، فيحاول أن يصرف النصوص إليها ولو بضرب من التعسف، والحقيقة أن هذه ليست طريقًا سليمًا إذ إن الإذعان والتسليم المطلق هو الذي يجعل النصوص متبوعة له لا تابعة، بمعنى أنه إذا دلَّت النصوص على شيء يأخذ به وهو سيحاسب على ما دلَّت عليه النصوص والحكم بين الناس إلى الله ورسوله، فإذا دلَّ كلام الله ورسوله على شيء من الأشياء فالواجب علينا أن نأخذ به مهما كان، والخطر علينا إذا خالفنا هذا الظاهر ليس إذا أخذنا به. إذن فهذا الحديث يدل على أن الحاجم والمحجوم يفطران، ويبقى النظر في الجواب عن حديث ابن عباس السابق؟ الجواب عليه: أن الإمام أحمد ﵀ ضعَّف رواية: "احتجم وهو صائم"، وقال: إن ذلك لا يصح وأنه انفرد به أحد الرواة عن ابن عباس، وأن غيره خالفه فيها، وإذا كان الأمر كذلك فإن المخالفة- مخالفة الثقات في نقل الحديث- تجعله شاذًا وإن كان

стр. 1419

المخالف ثقة، والحديث الذي معنا- حديث شداد بن أوس- قال البخاري: إنه أصح شيء في الباب، والغريب أن هذا الحديث جعله بعض العلماء من المتواتر؛ لأنه رواه عدد كبير عن الرسول ﷺ في إفطار الحاجم والمحجوم، حتى قالوا: إنه من المتواتر، فالإمام أحمد ﵀ ذهب إلى أن الحديث: "احتجم وهو صائم" وهم، وبعضهم قال: إن الحديث منسوخ بحديث شداد؛ لأن حديث شداد بن أوس كان في السَّنة الثامنة، وحديث ابن عباس كان في عمرة الحديبية، أو عمرة القضاء، فهو سابق، وعلى قاعدة بعض العلماء يقولون: حديث ابن عباس من فعل الرسول، وحديث شداد من قوله وفعله، ولا يعارض قوله، والحكم للقول لا للفعل، وهذه طريقة الشوكاني ﵀ وجماعة من أهل العلم، ولكن هي ليست بطريقة مرضية عندنا كما سبق لإمكان الجمع، يبقى عندنا حديث آخر هو الذي قد يعارض الحديث الذي نحن الآن بصدده وهو: ٦٣٦ - وعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: "أوَّل ما كرهت الحجامة للصائم؛ أنَّ جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائمٌ، فمرَّ به النَّبي ﷺ فقال: أفطر هذان، ثمَّ رخَّص النَّبيُّ ﷺ بعد في الحجامة للصَّائم، وكان أنسٌ يحتجم وهو صائمٌ". رواه الدَّارقطنيُّ وقوَّاه. ذكرنا فيما سبق أن حديث ابن عباس كان متقدمًا، هذا على القول بأن الحجامة تفطر، وذكرنا لكم أن هذا هو قول فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل، وابن المنذر، وابن خزيمة، وكذلك هو قول الظاهرية، وأنه أرجح من القول بأنه لا يفطر، وذكرنا أيضًا أن هذا هو مقتضى النظر والقياس، قلنا: القياس يقاس على حديث القيء حديث أبي هريرة: "من استقاء عمدًا فليقض"، والعلة الجامعة بينهما: أن كل واحد منهما سبب للضعف، أما مقتضى النظر فلأن الشارع جعل الصائم يكون معتدلًا بالنسبة لشهواته، فلا ينال منها ما يشتهيه، ولا يحرم منها ما يضره فقده، فيكون متوازن الأكل والشرب يغذي البدن، والحجامة بالعكس، والاستقاء كذلك بالعكس، فجعل الشارع الأمر معتدلًا، ثم نقول: بناء على ذلك إن كنت محتاجًا إلى الحجامة- ولا بد- فاحتجم وكل واشرب ولو في رمضان واقض يومًا مكانه، وإن كنت غير محتاج إلى الحجامة فأبق على نفسك قوتها وانتظر حتى تغرب الشمس.

стр. 1420

أما حديث أنس فقال: "أول ما كرهت الحجامة" ما إعراب "أول"؟ مبتدأ، والخبر "ما"، وما دخلت عليه في تأويل مصدر من الجملة، "أول ما كرهت"، الكراهة في لسان الشارع غير الكراهة في عرف الفقهاء، الكراهة في لسان الشارع للشيء المحرم الذي قد يكون شركًا أكبر، اقرأ قول الله تعالى: ﴿* وقضى ربك ألا تعبدوا إلآ إياه وبالوالدين إحسانًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. واقرأ ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "إن الله كره لكم وأد البنات"، وهو من كبائر الذنوب، فالكراهة في لسان الشارع غير الكراهة في عرف الفقهاء، عرف الفقهاء الكراهة منزلة بين التحريم والإباحة، فيعرفون المكروه بأنه: "ما نهي عنه لا على سبيل الإلزام بالترك"، ويقولون في حكمه: يثاب تاركه امتثالًا ولا يعاقب فاعله، فهنا الكراهة بلسان الشارع. وقوله: "كرهت الحجامة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ احتجم وهو صائم"، جعفر بن أبي طالب كان أخًا لعلي بن أبي طالب، ولكن عليًا ﵁ يكبره في المرتبة وسبق الإسلام وأنه أحد الخلفاء الراشدين، "احتجم وهو صائم" فمرَّ به النبي ﷺ فقال: "أفطر هذان" المشار إليهما الحاجم والمحجوم، "ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم". نقول: هذا الحديث المشار إليه الحاجم والمحجوم فهل غيرهما مثلهما؟ الجواب: نعم، يعني: غير هذه الشخصين مثلهما في الحكم؛ لأنه سبق لنا قاعدة مهمة وهي أن ما ثبت في حكم الواحد من هذه الأمة فهو له ولغيره ممن ساواه في المعنى الذي علق عليه الحكم، مثال ذلك: قال النبي ﷺ حين رأى رجلًا في السفر قد ظلَّل عليه، والناس زحام حوله قال: "ليس من البر الصيام في سفره"، هل نأخذ هذا على عمومه؟ لا، بل نقول: الرجل الذي يبلغ به الصيام كما بلع بهذا الرجل ليس الصوم في السفر بالنسبة إليه من البر. إذن الحجامة لا نعقل لها معنى يختص بجعفر بن أبي طالب وحاجمه، بل نجد أن معناه شامل عام، فكل من حجم أو احتجم فإنه داخل في هذا الحكم، ولكن هل يدخل عليه بالنص، أو يدخل عليه بالقياس؟ كلمة "هذان" كما مرَّ علينا اسم الإشارة يعيَّن المشار إليه، ولهذا كان اسم الإشارة أحد المعارف فهو يعيَّن المشار إليه كما لو قلت: أفطر جعفر وفلان، أعني: الحاجم له، فهي تعيَّن المشار إليه، فهل نقول: إن الحكم في غيرهما ثابت للقياس عليهما؟ الجواب: هذا هو الظاهر أنه بالقياس. وقد يقول قائل: لا، بل إن الرسول صلى الله عليه والسلام إذا نص على شخص بعينه فهذا النص المعين لهذا الشخص كالتمثيل لقاعدة عامة، فعليه نأخذ بعموم

стр. 1421

المعنى ويكون غيرهما داخلًا في العموم المعنوي، ويكون ذكر هذا الشيء المعين كالتمثيل فقط، ومن ثم قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أيًا كان، فإن الحكم لهما ولغيرهما، لكن يقول: "ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم"، وفي بعض ألفاظ الحديث: "إنما كرهت من أجل الضعف"، ثم رخص، فإذا كان كراهة الحجامة من أجل الضعف، فإن المعروف أن الضعف لا يزول، وما علق الحكم به على أمر لا يزول فإن نسخه لا يمكن إلا أن تزول تلك العلة التي من أجلها شرع الحكم، قال: "وكان أنس يحتجم وهو صائم"، لو صح هذا لكان فيصلًا في المسألة. في هذا الحديث فوائد: منها: الرسول ﷺ قال: "أفطر هذان" بعد أن رآهما يحتجمان، ومن المعلوم أن هذين المحتجمين لا يعلمان الحكم؛ لأنهما لو علما الحكم ما فعلاه، ما احتجما، فكيف قال: "أفطر- هذان" والقاعدة عندنا: أن المحظور إذا فعل على سبيل الجهل فإنه لا يؤثر، فكيف نخرَّج هذا الحديث؟ لأنك إن قلت: إنهما كانا عالمين فهو بعيد، وإن قلت: غير عالمين فقد حكم النبي ﷺ بأنهما أفطرا؟ الجواب على هذا: أن المراد بقوله: "أفطر هذان": بمنزلة قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم"، فيكون المراد: أفطر هذا النوع من الناس الذي حجم واحتجم، هذا قول. والقول الثاني: أن المراد بيان أن الحجامة تفطر، وأن الحجامة سبب بقطع النظر عن كون هذين الرجلين ينطبق عليهما شروط الفطر أو لا ينطبق، فيكون هنا كأن في الحديث إيماء إلى بيان سبب الفطر لا إلى الحكم بكون هذين الرجلين قد أفطرا، وهذا هو ما نقله ابن القيم في إعلام الموقعين، عن شيخه ابن تيمية ﵀ يقول: إن المراد بيان أن هذا الفعل مفطر، أما كون هذين الرجلين يفطران فهذا يعلم من أدلة الكتاب الأخرى، وهذا الحمل واجب؛ لأن لدينا نصوصًا عامة صريحة واضحة في أن الجاهل معذور بجهله، فيجب أن تحمل هذه النصوص المتشابهة على النصوص المحكمة إذا كان الحمل ممكنًا، أما إذا لم يكن ممكنًا فإن هذا يبقى مخصصًا للعموم، ويثبت الحكم فيه بخصوصه لا يتعداه إلى غيره، فلو فرض أننا لم نجد محملًا لهذا الحديث قلنا: نخصه بالحالة الواقعة فقط، ونقول: من أفطر بالحجامة ولو جاهلًا؛ لأنها تفطر فعليه القضاء يكون مفطرًا وفي غيرها لا قضاء عليه. إذن زال الإشكال مادام حملناه على الجنس أو النوع أو على بيان السبب.

стр. 1422

فما الحكم إذن بالنسبة لجعفر وحاجمه حسب القواعد العامة؟ الجواب على هذا: أنه لا فطر عليهما؛ لأنهما لا يعلمان؛ إذ يبعد من حالهما أن يعلما أن ذلك محرَّم ثم يقدما عليه. فائدة في ثبوت النسخ في الأحكام: ويستفاد من هذا الحديث- إذا صحَّ-: جواز النسخ في الأحكام، يعني: أن الله يغير الأحكام من حكم إلى آخر، وهذا ثابت بالقرآن والسُّنة والإجماع، إلا أن أبا مسلم الأصبهاني ﵀ وليس الخراساني- يقول: إن النسخ ليس بجائز، ويحمل ما ورد على ذلك على أنه تخصيص، قلنا: كيف قال: لأن الأصل في الحكم أن يثبت في جميع الزمان من أول ما شرع إلى يوم القيامة، إذا نسخ فمعناه رفع الحكم فيما بقي من زمنه، فيكون ذلك تخصيصًا باعتبار الزمن، فمثلًا إذا كان هذا الحكم ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]. إلى متى؟ إلى يوم القيامة، جاء حكم برفع هذا التحريم مثلًا، نقول: الآن بقية الزمن الذي بعد النسخ حصل فيه التخصيص، والحقيقة أن هذا مع مذهب الجمهور خلاف لفظي، وكان الواجب أن نقول: إنه نسخ كما قال الله ، أما اليهود فيذكر عنهم أنهم يمنعون النسخ؛ ولهذا يكذبون بعيسى ومحمد، ولكن الله ردَّ عليهم بقوله: ﴿* كل الطعام كان حلًا لبنى إسرآئيل إلا ما حرم إسرآئيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة﴾ [آل عمران: ٩٣]. إذن يوجد نسخ، وعلى كل حال النسخ ثابت، لكن إذا قال قائل: ما هي الحكمة من النسخ إن كان الخير في الناسخ فلماذا لم يثبت من الأول وإن [كان] الخير في المنسوخ فلماذا نسخ؟ فالجواب: أن الخير أمر نسبي قد يكون الشيء خيرًا في هذا الزمن ويكون غيره خيرًا منه في زمن آخر، وحينئذٍ يكون الخير في النسخ والمنسوخ، المنسوخ إبان أي وفت بقاء حكمه هو الخير وبعد أن نسخ فالخير في بدله، وحينئذٍ لا يقال: إن قولكم بالنسخ قدحٌ في علم الله أو في حكمته؛ لأن اليهود يدعون هذا، يقولون: إذا جوزتم النسخ جوزتم البداء على الله، وهو العلم بعد الجهل. نقول: قاتلكم الله! تنكرون ما ثبت وما دل العقل على إمكانه، وأنتم تقولون: يد الله مغلولة، والله فقير؟ ! فنقول: إن الله تعالى عليم بلا شك وعلمه سابق على وجود الأشياء، وحكيم وحكمته من صفاته الأزلية الأبدية، لكن يعلم أن هذا الحكم خير في زمنه، وأن بدله خير في زمنه، وهذا شيء معلوم، ولا حاجة إلى الأمثلة. إذن نقول: في هذا الحديث الذي معنا دليل على النسخ وهو ثابت بالقرآن في قوله تعالى: ﴿* ما ننسخ ... ﴾ [البقرة: ١٠٦]. وفي قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقيل: الآن ممنوع، وفي قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم ... ﴾ [الأنفال: ٦٦]. الآن، وقيل: ﴿وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٦٥]. وقوله: ﴿سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شآء الله﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. هذه أيضًا استدل بها بعض العلماء على النسخ، قال: "ما شاء الله" أن ينساه حتى يرتفع حكمه فعل.

стр. 1423

وأما السنُّة فكثير: "كنت نهيتكم عن زيارة القبول فزوروها"، "كنت نهيتكم عن الانتباذ في الدباء فانتبذوا فيما شئتم غير ألًا تشربوا مسكرًا"، "كنت نهيتكم عن الادَّخار في لحوم الأضاحي فادخروا ما شئتم"، وأمثال هذا كثير مما يدل على جواز النسخ، والحكمة تقتضيه؛ لأن الناس في ابتداء الشريعة ليسوا كالناس عند كمال الشريعة، تقبلهم للشيء بعد كمال الشريعة ورسوخ الإيمان في قلوبهم أكثر من تقبلهم في أول الشريعة، ولهذا جاءت الشريعة متطورة حسب أحوال المشرع لهم. حكم الفصد والشرط للصائم: وهل يلحق بالحجامة غيرها كالفصد والتشريط أو لا؟ في هذه المسألة خلاف، بناء على أنه هل الحكمة معقولة أو هو حكم تعبدي؟ إن قلنا: إنه تعبدي فلا قياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، "إلحاق فرع" وهو المقيس، "بأصل" وهو المقيس عليه، "في حكم لعلة جامعة"، فإذا كان الحكم تعبديًا- أي: غير معقول العلة- فإنه يمتنع القياس لفوات ركن من أركانه، وهو العلة، فمن قال: إنه تعبدي- وهو المشهور من المذهب- قال: إنه لا يلحق الفصد والتشريط بالحجامة، وإن الصائم لو شرط أو فصد فإنه لا يفطر بذلك، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ عند أصحابه، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الشرط والفصد بمعني: الحجامة فيلحق بها، فلا يجوز للصائم أن يفصد أو أن يشرط، وكذلك أخذ الدم من الإنسان ليحقن في غيره ينبني على هذا، فإذا أخذ من الإنسان دم يحقن في غيره وكان كثيرًا بحيث يؤثر على البدن كما تؤثر الحجامة، فإنه ينبني على ما سمعتم. مسألة: هل يلحق بالحجامة غيرها أم لا؟ فإن قلنا: يلحق، قلنا: إن هذا يفطر، وإلاَّ فلا، وعلى القول [الراجح] أنه يلحق بها ما يساويها، إذا طلب من شخص أن يتبرع بدم لآخر فإن كان صومه نفلًا فلا حرج عليه؛ لأنه يجوز للصائم نفلًا أن يفطر بدون عذر، وإن كان صومه فريضة نظرنا إن كان المريض مضطرًّا إلى ذلك بحيث يخشى عليه الموت إن لم يحقن به قبل المغرب، ففي هذه الحال يجب على الصائم أن يتبرع بدمه ويفطر؛ لأنه يجب إنقاذ الغريق والحريق ولو أدى إلى الفطر، ففي هذه الحال إذا أفطر- يعني: تبرع بدمه وأفطر- يجوز أن يأكل ويشرب؛ لأن القاعدة عندنا أن كل من أفطر في رمضان بسبب يبيح الفطر فله الأكل والشرب

стр. 1424

بقية النهار؛ لأن الإمساك لا فائدة منه مادام أن الشارع قد أذن له بالأكل والشرب فلا حرج، ولولا ذلك لقلنا: إن المريض لا يجوز له أن يأكل أو يشرب، ولو كان قد أفطر من أجل المرض إلا إذا جاع حتى خيف عليه أو إذا عطش حتى خيف عليه مع أنه يجوز له أن يأكل ويشرب كما شاء، أما الدم اليسير كالدم الذي يؤخذ للفحص أو الدم الذي يكون بقلع السن والضَّرس، أو بضغط الجرح أو ما أشبه ذلك فإنه لا يؤثر قولًا واحدًا، وما علمنا أن أحدًا قال بتأثيره، لكن الدم الخارج من السن أو الضرَّس لا يبتلع؛ لأنه إذا بلعه أفطر من أجل أنه شرب دمًا لا من أجل أنه خرج منه دم. حكم الاكتحال للصائم: ٦٣٧ - وعن عائشة ﵂: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ اكتحل في رمضان وهو صائمٌ". رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ. - قال التِّرمذيُّ: "لا يصح في هذا الباب شيءٌ". قولها: "اكتحل" أي: وضع الكحل في عينه وهو معروف، وقولها: "في رمضان وهو صائم" هذه الجملة في موضع نصب على الحال من فاعل "اكتحل"، وقولها: "في رمضان"، لم تقل: "في رمضان"؛ لأنه ممنوع من الصرف، والمانع: العملية وزيادة الألف والنون، ولهذا لو جاء "رمضان" غير علم انصرف. في هذا الحديث من الفوائد: جواز الاكتحال للصائم. ثانيًا: أن الكحل لا يفطر الصائم؛ لأنه لو كان مفطرًا لوجب اجتنابه، فلما جاز فعله دلَّ هذا على أنه لا أنه لا يفطر. ثالثًا: عمومه يقتضي أنه لا يفطر الصائم ولو وصل إلى حلقه؛ لأنه أحيانًا إذا كان الحكم نافذًا أحسَّ الإنسان بطعمه في حلقه، فظاهر الحديث أنه لا يفطر ولو وصل إلى حلقه. فإن قال قائل: أنتم ذهبتم تستنبطون الأحكام من حديث ضعيف لقول الترمذي، وإذا انهدم الأساس انهدم الفرع. فالجواب: نعم، هذا حق، وأن البناء على الضعيف ضعيف، لكننا نقول: لنفرض أنه ليس بثابت، فما الأصل؟ الأصل: الجواز، حتى يقوم دليل على المنع، ونحن إذا نظرنا إلى الممنوعات في الصيام وجدنا أنها محفوظة معروفة بالكتاب والسُّنة، الأكل، والشرب، والجماع، والحجامة

стр. 1425

على خلاف فيها، والاستقاء على خلاف فيه، والإنزال على خلاف فيه، والإمذاء على خلاف فيه. إذن المجمع عليه الأكل والشرب والجماع، هذا متَّفقٌ عليه، فنقول لكل من ادَّعى أن هذا مفطر: عليك الدليل؛ لأن هذه عبادة ركن من أركان الإسلام، وإذا كان الشارع قد بيَّن موجباتها وشرائطها وأركانها؛ فإنه سيبين مفسداتها؛ لأن الأشياء لا تثبت إلا بوجود الشروط والأسباب وانتفاء الموانع، والمفسدات موانع، فالمسألة ليست بالهيئة، وليس من الهين أن تقول لعباد الله: إن عبادتكم فاسدة وهو يتقربون إلى الله بها؛ لأنك سوف تقابله يوم القيامة لماذا أفسدت عبادة عبادي عليهم بدون دليل؟ فهذا عدوان في حق الخالق واعتداء على المخلوق أن تفسد عبادته بدون دليل واضح، فإذا كان الشيء ثابتًا بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن نقضه إلا بدليل شرعي، فلننظر وجدنا إن الكحل ليس أكلًا ولا شربًا، ما رأينا أحدًا إذا أراد أن يأكل التمر وضعه في عينه لا أحد يقول هكذا، هل هو بمعنى الأكل والشرب؟ أبدًا، ما سمعنا أن أحدًا إذا عطش ذهب ووضع عينه تحت البزبوز ليروى، ولا يضع فيها طحينًا ليصل إلى المعدة! إذن ليس أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه ليس هناك دليل على أن مناط الحكم هو وصول الشيء إلى الجوف أو الحلق، إنما مناط الحكم أن يصل إلى المعدة شيء يستحيل دمًا يتغذى به الإنسان فيكون أكلًا وشربًا، وعلى هذا فنقول: الكحل وإن لم يثبت به دليل فالأصل الحلُّ، فإن قلت: قد روى أبو داود أن النبي ﷺ قال في الإثمد: "ليتقه الصائم"، "يتقيه" يعني: يجتنبه، قلنا: هذا لو كان صحيحًا لكان على العين والرأس، لكنه منكر كما قاله أبو داود، عن ابن معين، وإذا كان منكرًا فلا حجة فيه، ويبقى الأمر على الأصل على الإباحة، فإن قلت: حديث لقيط بن صبرة، قال له النبي ﷺ : "أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا"؛ لماذا؟ لأن الصائم لو بالغ في الاستنشاق لدخل الماء إلى جوفه. فالجواب: أن الأنف منفذ طبيعي يصل إلى الجوف، ولهذا كثير من المرضى يوصلون لطعام والشراب إليهم عن طريق الأنف وهو ما يسمى بالسُّعوط، أما العين فليس بمنفذ معتاد، فلا يكون ما وصل عن طريقها كالواصل عن طريق الأنف، وليس كل شيء يجده الإنسان في حلقه من خارج يكون مفطرًا، فهاهم الذي يرون أن من اكتحل حتى وصل الكحل إلى حلقه

стр. 1426

يفطر، يقولون: لو أن الإنسان وطئ على حنظلة- شيء كالتفاح لكنه شديد المرارة- إذا وطئت عليه برجلك تحسُّ طعمه في حلقك، وقال العلماء: إن هذا لا يفطر ولو وجد طعمه في حلقه؛ لماذا؟ قالوا: لأن الرَّجل ليست منفذًا معتادًا، إنما دخل مع المسام حتى وصل إلى الحلق، فالمهم: حتى ولو لم يصح هذا الحديث فإن الأصل الإباحة، إلا ما قام عليه الدليل. حكم من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم: ٦٣٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي وهو صائمٌ، فأكل أو شرب، فليتمَّ صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه". متَّفقٌ عليه. - وللحاكم: "من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفَّارة". وهو صحيحٌ. أولًا: قال: "من نسي وهو صائم" "من" شرطية بمنزلة إذا نسي، وقوله: "فليتم" هذا جواب الشرط، واقترن بالفاء؛ لأنه طلب، وقد قيل فيما يجب اقترانه بالفاء من جواب الشرط: اسميةٌ طلبيةٌ وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتَّنفيس وقوله: "فليتم" مجزوم بالفتحة نيابة عن السكون، ولالتقاء الساكنين حركت الميم، وقوله: "فليتم" اللام لام الأمر، والأمر هنا للوجوب، أو الاستحباب، أو الإباحة؟ إذا كان المقصود بالأمر رفع توهم الفطر فهو للإباحة- إباحة الإتمام-؛ يعني: ولا تفطر. ثانيًا: إذا كان الصوم تطوعًا وليس المقصود رفع التوهم فهي للاستحباب، إذا كان واجبًا وليست لدفع التوهم فهي للوجوب، والقرائن معروفة. قوله ﷺ : "من نسي وهو صائم" الجملة حالية كما هو معلوم، "نسي"، ما معنى النسيان؟ قال العلماء: إن النسيان ذهول القلب عن شيء معلوم عنده، أما عدم العلم فهو جهل. إذن النسيان وارد على العلم، لا نسيان إلا بعد علم، ولهذا قيل: آفة العلم النسيان، "نسي" يعني: ذهل قلبه عن الصوم- هذا واحد-، "نسي" ذهل قلبه عن كون هذا الشيء مفطرًا؛ لأنه قد ينسى أنه صائم، وقد ينسى أن هذا الشيء مفطر، هذا كله واقع، فهو إما أن ينسى حاله أو ينسى حكم ما تناوله من أكل أو شرب، وهذا نسيان للحكم، وكلا الأمرين داخل في قوله ﷺ : "من نسي وهو صائم"، وقوله: "فأكل أو شرب" هذا ليس على سبيل الحصر، ولكن على سبيل المثال، ومثَّل بالأكل والشرب؛ لأنهما أكثر تناولًا من غيرهما؛ إذ إن الجماع في غير المتزوج غير وارد، وفي المتزوج وارد، لكنه قليل بالنسبة للأكل والشرب اللهم إلا في أحوال نادرة، هذا شيء يمكن.

стр. 1427

على كل حال: الأكل والشرب كمثال، وخوفًا من أن يقول قائل: إن الجماع له حكم آخر أتى المؤلف برواية الحاكم، وهي قوله: "من أفطر من رمضان"، فإن "من أفطر" يعمُّ الأكل والشرب والجماع وغيرها من المفطرات، والحديث بهذا صحيح كما قال المؤلف، فلو قدَّر عدم صحته فهل يمكن أن نأخذ الحكم في الجماع وغيره من المفطرات من قوله ﷺ : "من نسي فأكل أو شرب"؟ نعم، بالقياس يكون هذا على سبيل التمثيل. قوله: "فأكل أو شرب" الفرق بينهما أن الأكل في الطعام والشرب في الشراب، يعني: في المائعات وشبهها هذا يسمى شرابًا، وما كان جامدًا فهو أكل، وعلى هذا فالشكر إذا وضعه الإنسان في فمه هل هو أكل أو شرب؟ يوجد سكر شراب واضح يمص مثل: قصب السكر، فهذا الشراب، لكن السكر الدقيق يلحق بالأكل عبارة المنتهى وهو من الحنابلة يقول: "وبلع ذوب سكر بفم كأكل". الفائدة من هذا: أن العلماء قالوا: إنه يجوز للذي يصلي نفلًا إذا عطش وهو يصلي أن يشرب ماء قليلًا وهو يصلي، فسامحوا في الشرب القليل في النفل دون الفرض، فقيل لهم في الذي يضع حلاوة ويمصها أو سكر ويمصه، قالوا: إنه كالأكل، قالوا: لأنه [جسم] جامد فصار طعامًا لا شرابًا، وشرب الماء فعله ابن الزبير وهو أحد الصحابة، قال: "فأكل أو شرب فليتم صومه"، كلمة "فليتم" تفيد بأن الصوم لم ينقص، أي: فليستمر في صومه حتى الغروب. ثم قال في تعليل ذلك: "فإنما أطعمه الله وسقاه"، هذا تعليل للحكم، يعني: أن هذا الحكم الصادر منه نسيانًا لا ينسب إليه، وإنما ينسب إلى الله ، فإن الله أطعمه وسقاه، يعني: هو ما تعمد أن يفسد صومه بالأكل والشرب، فإذن يكون الله قد أطعمه وسقاه وكما في حديث عائشة ﵂: "إنما هو رزق ساقه الله إليك"، وللحاكم: "من أفطر في رمضان ناسيًا". قلنا: فائدة هذه الرواية أن فيها العموم دون التخصيص بالأكل والشرب، "من أفطر" بأي شيء يفطر به ناسيًا، "فلا قضاء عليه ولا كفارة"، كلمة "ولا كفارة" تدل دلالة ظاهرة على أن الجماع داخل؛ لأنه لا كفارة إلا في الجماع، وعليه فإذا كان جامع ناسيًا فلا يفسد صومه ولا كفارة عليه. يؤخذ من هذا الحديث فوائد كثيرة، أولًا: جريان النسيان على بني آدم؛ لقوله: "من نسي". وثانيًا: أن النسيان لا يقدح في الإنسان، لماذا؟ لأنه من طبيعة الإنسان، ولو كان سببًا للقدح لما عذر به الإنسان.

стр. 1428

ثالثًا: أن ما ترتب على النسيان فلا إثم فيه؛ لقوله: "فليتم صومه"، ويتفرع على هذه القاعدة: أن من نسي آية من القرآن فلا إثم عليه، وما ورد في التشديد فعلى من نسي آية من القرآن إن صحَّ فهو محمول على من نسيه بسبب إعراضه وعدم مبالاته، وأما من نسيه أو شيئًا منه لأمر لا بد له منه في معاشه ومعاده فإنه لا إثم عليه، وثبت عن النبي ﷺ أنه نسي بعض آيات القرآن وذكر فصلى ذات ليلة وأسقط آية من القرآن فلما انصرف ذكَّره بها أبي بن كعب فقال: "هلا كنت ذكرتنيها"، ومر ذات يوم ورجل في بيته يصلي يتهجد فسمعه يقرأ النبي ﷺ فقال: "رحم الله فلانًا لقد ذكرني آية كنت أنسيتها"، وعلى هذا فلا لوم على الإنسان فيما نسي من كتاب الله بشرط ألا يكون ذلك على سبيل الإعراض وعدم المبالاة، إذن من أفطر ناسيًا لوقت أو بالحكم فلا قضاء عليه ولا كفارة. ما تقولون في رجل اشترى عنبًا لأهله في رمضان، وخرج بالعنب في المنديل ونسي أنه صائم، فجعل يأكل هذا العنب حبة حبة، فلما وصل إلى البيت وإذا لم يبق إلا حبة واحدة في العنقود، فقال له أهله: كيف تأكل واليوم صيام؟ قال: ما دريت، لكن يأكل هذه الحبة وتعمد، وقال: إن كنت مفطرًا فهذه من باب أولى وإن كنت لم أفطر فهذه لا تفطر، فما الحكم؟ هو عالم وعليه فلا صوم له. ومن فوائد الحديث: بيان رحمة الله بترك المؤاخذة على النسيان فإن هذا من رحمة الله. ومن الفوائد أيضًا: أن فعل المحظور مع النسيان لا يترتب عليه شيء؛ وذلك لأن مفسدة المحظور بفعله، فإذا انتفت المفسدة بالنسيان لم يبق هناك أثر لهذا المحظور، بخلاف المأمور فإن ترك المأمور ناسيًا لا يسقطه، ولهذا قال النبي ﷺ فيمن نسي في الصلاة: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك"؛ لأن فعل المأمور لا تزول مفسدة تركه بالنسيان؛ إذ يمكن تداركه وإزالة هذه المفسدة بقضائه، ولهذا القاعدة المقررة عند عامة الفقهاء: أن ترك المأمور لا يعذر فيه بالنسيان والجهل، بل لا بد من قضائه، وإن كان الإثم يسقط، وأما فعل المحظور فيعذر فيه بالجهل والنسيان إلا أنه يرد علينا أن هناك أشياء من المأمورات أسقطها الشارع بالجهل مثاله المرأة التي قالت للنبي ﷺ : إني أستحاض فلا أطهر، ومعنى ذلك: أنها لا تصلي، والمستحاضة لا تجب عليها الصلاة، ولم يأمرها النبي ﷺ بقضائها مع أنها تركت المأمور، لكنها تركته جهلًا.

стр. 1429

مثال آخر: عمار بن ياسر بعثه النبي ﷺ في حاجة فأجنب وليس عنده ماء، فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم جاء إلى النبي ﷺ وأخبره، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا"، وذكر التيمم، ولم يأمر بإعادة ما سبق. ثالثًا: الرجل الذي رآه النبي ﷺ في أحد أسفاره يصلي معتزلًا القوم، فسأله النبي ﷺ : "لم؟ " فقال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك"، فهذا أيضًا يدل على أن الجاهل بالمأمور لا يؤمر بالإعادة، من أن نسيان المأمور أمر الشارع فيه بالإعادة. "من نام عن صلاة ... " الحديث، فظاهر السُّنة التفريق في باب المأمور بين الجهل والنسيان، فما هو الجواب عن هذا الظاهر؟ الجواب أن يقال: أما في مسألة المستحاضة التي كانت تترك الصلاة وهي مستحاضة فلأنها معذورة، لأنها تأوَّلت، كيف التأول؟ بنت على أصل، وهو أن كل دم فهو حيض، فتكون كما لو أخطأ المجتهد في تأويله فلا نقول: إن اجتهادك الثاني ينقض الاجتهاد، أو علمك بالدليل بعد اجتهادك بنقض اجتهادك، وكذلك نقول في قضية عمار بن ياسر؛ لأنه استعمل القياس لأن الذي يغتسل من الجنابة يغسل جميع بدنه فهو اجتهد وتمرغ، وقال: الآن وصل التراب إلى جميع البدن، وهذا قياس، إذن هو متأول. قصة الرجل الذي قال: "أصابتني جنابة، ولا ماء". نقول: من الذي قال: إن هذا الرجل كان عليه صلوات سابقة؟ قد يكون لم يفته إلا هذه الصلاة، ولما قال له الرسول ﷺ : "عليك بالصعيد" فإنه سوف يتيمم ويصلي. ثم نقول: أيضًا هذا الرجل بعد أن جاء الماء إلى الرسول ﷺ واستقى الناس وشربوا وسقوا الإبل وبقي بقية، قال للرجل: خذ هذا فأفرغه على نفسك، يعني: اغتسل به؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث إلا رفعًا مؤقتًا ما دام الإنسان لم يجد الماء، فإذا وجده عاد عليه الحدث، فهذا هو الجواب على ما ذكره، وإلا فإن الأصل أن فعل المأمور لا بد منه، لكن بعض أهل العلم قال: إنه إذا كان ذلك المأمور أشياء كثيرة شاقة على الإنسان، وأنه بان على أصل، يعني: حديث عهد بالإسلام، ولم يعلم أن الصلاة واجبة، وترك الصلاة مدة طويلة، فإن هذا لا يؤمر بقضاء الصلاة وكذلك المسيء في صلاته؛ لأنه كان ليس في المدينة ولا يعلم والصلوات كثيرة. * * *

стр. 1430

حكم من استقاء وهو صائم: ٦٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء". رواه الخمسة، وأعلَّه أحمد، وقوَّاه الدَّارقطنيُّ. قوله: "ذرعه" يعني: غلبه، و"القيء" معناه: لفظ ما في المعدة من الطعام والشراب، يقول الرسول ﷺ : "فلا قضاء عليه"؛ لأنه ليس باختياره، ولكن لو أن هذا الرجل الذي غلبه القيء وفرغت معدته من الطعام والشراب لو أنه أنهكه الجوع والعطش وخاف على نفسه من الضرر والهلاك يجوز أن يأكل ويشرب لدفع الضرر، ويكون إفطاره هنا بالأكل والشرب لا بالقيء الذي غلبه. قال: "ومن استقاء" هذه على وزن استفعل، وأصله استقييء من القيء، لكن نقلت حركة الياء إلى الساكن قبلها، ثم صارت ساكنة بعد فتح فقلبت ألفًا فصارت "استقاء". يقول: "فعليه القضاء"، "على" من أحرف الوجوب؛ لأن كلمات الوجوب كثيرة: يلزم؛ ويجب، وحتم، وفرض، ومكتوب، وما أشبه ذلك، "على" أيضًا قال العلماء: إنها من أدوات الوجوب، وهي ظاهرة فيه، وليست بصريحة، إذن "فعليه القضاء" فظاهره وجوب القضاء؛ أي: قضاء ذلك اليوم الذي استقاء فيه، وبماذا يستقيء؟ يستقيء بالقول والفعل، والشم والنظر، بالقول؛ يعني: وهو يتحدث عن أشياء مكروهة حتى تروج معدته ثم تخرج، الشم يذوب أشياء ممكنة، ويشمها حتى يقيء، النظر ينظر إلى أشياء كريهة فيقيء، الفعل يدخل أصبعه في حلقه أو يعصر بطنه عصرًا شديدًا حتى يخرج، السمع أيضًا، ممكن يسمع أشياء توجب هيجان المعدة وخروج ما فيها. المهم: أن الرسول ﷺ لم يعين أداة الاستقاء بل قال: "من استقاء" بأي سبب يكون فعليه القضاء، يعني: يجب عليه أن يقضي، ومعلوم أن الرسول ﷺ إنما أوجب القضاء فيما يظهر على من كان صومه ذلك اليوم واجبًا؛ لأن من كان صومه غير واجب فله أن يفطر، ولا قضاء عليه، وقد سبق لنا من حديث عائشة، أن الرسول ﷺ قال: "أرينيه فلقد أصبحت صائمًا" فأرته إياه فأكل، وعلى هذا فيكون عليه القضاء إذا كان واجبًا. فيستفاد من هذا الحديث: أولًا: أن الاستقاء مفسد للصوم لقوله: "فعليه القضاء".

стр. 1431

ثانيًا: حكمة الشارع في أنه ينبغي للإنسان أن يكون مع نفسه عدلًا في معاملتها؛ لأنه إذا صام ثم استقاء بقي بطنه خاليًا من الطعام والشراب، والشارع أمرنا أن نتسحر ليكون في بطوننا ما يعيننا على الصوم، فإذا أخرجنا ما في البطن هذا يكون غير عدل، فمن ثمَّ صار هذا سببًا مفطرًا فيفطر به الإنسان، وهو نظير الحجامة من بعض الوجوه، ونظير الجماع أيضًا من بعض الوجوه؛ لأن الجماع يخرج من الإنسان الماء وهو موجب للفطور وضعف البدن، فكان من الحكمة أنه يفطر، انظر إلى حكمة الشرع، إن تناول الإنسان ما يغذي به بدنه وهو صائم أفطر؛ لأن ذلك يفقده حكمة الصوم، وإن أخرج ما به ما عليه اعتماد بدنه أفطر، وهذا من الحكمة، فلا تدخل على بدنك شيئًا ولا تخرج منه شيئًا، كن معتدلًا اجعل كل شيء على طبيعته. ومن فوائد الحديث: أن ما غلب على الإنسان من المحظورات فلا أثر له، مثاله في الصلاة: رجل غلبه الكلام حتى تكلَّم، مثل سقط عليه شيء، وقال: "أح"، هذا غصب عليه، مثل: إغماض العين إذا أقبل عليها شيء، كذلك أيضًا: الظاهر أن الموسوس من هذا النوع، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. لو قال قائل: هل من الغلبة الضحك؟ فطن لشيء فقهقه، الغريب أن الضحك يقول العلماء: أنه مبطل للصلاة مطلقًا، قالوا: لأنه منافٍ للصلاة فهو كالحدث؛ لأن الإنسان لو كان بين يدي شخص مهيب من بني آدم لا يمكن أن يضحك أمامه إلا بسبب، فيرون أن هذا لا يجوز، لو فطن لشيء وتبسم بدون صوت هذا لا يبطل الصلاة؛ لأنه ليس من القول، غاية ما هنالك أنه فعل قد يغلب عليه وقد لا يغلب، إنما نصَّ العلماء على أنه إن كان للتبسم فلا يبطل الصلاة، وأن الضحك يبطلها مطلقًا، وعللوا ذلك بأنه نوع استخفاف بالله الذي وقف بين يديه، ولكن قد يقول قائل: إن الضحك إذا كان غصب على الإنسان- يعني: رجل حاضر بين يدي الله- لكن سمع شيئًا لا بد أن يضحكه وضحك، فظاهر كلام الفقهاء- رحمة الله عليهم- أنه يبطل الصلاة، وهذا عندي أنه وإن كان من حيث النظر فيه شيء، لكن من حيث التربية يكون أحسن للناس، فيقال له: أعد صلاتك، حتى لا يعوَّد في المستقبل ألَّا يقهقه أبدًا. حكم الصيام في السفر: ٦٤٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكَّة في رمضان، فصام حتَّى بلغ كراع الغميم، فصام النَّاس، ثمَّ دعا بقدح من ماءٍ فرفعه، حتَّى نظر النَّاس إليه، فشرب، ثمَّ قيل له بعد ذلك: إنَّ بعض النَّاس قد صام. فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة".

стр. 1432

- وفي لفظ: "فقيل له: إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر، فشرب". رواه مسلمٌ. قوله: "عام الفتح" منصوب على الظرفية لأنه مفعول فيه؛ أي: أن الفعل واقع فيه، فكل اسم زمان أو مكان بدل على أن الفعل واقع فيه فإنه يسمَّى مفعولا فيه وينصب على الظرفية. وقوله: "في رمضان" ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، و"كراع الغميم": واد أمام عسفان، سمِّي بذلك لأنه يشبه الكراع. وقوله: "قدح" أي: إناء يشرب به، و"أولاء" اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، و"العصاة" خبره، وكرر ذلك تأكيدًا لفظيًا، وقوله: "إنما" هذه أداة حصر، يعني: لا ينظرون إلا في فعلك فيما فعلت، "ما" هذه يجوز أن تكون موصولة وعائدها محذوف تقديره: فيما فعلته، ويجوز أن تكون مصدرية، فيؤول ما بعدها بمصدر، فتكون: "في فعلك". وقوله: "فدعا بقدح من ماء بعد العصر" أي: في آخر النهار، وقول جابر: "خرج عام الفتح"؛ أي: عام فتح مكة، وذلك في رمضان بعد مضي أيام منه خرج لقتال قريش؛ لأنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه في صلح الحديبية، حيث أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ ، ولا شك أن إعانة حلفائهم على حلفاء النبي ﷺ نقض للعهد. يقول: "خرج إلى مكة" ذلك في السَّنة الثامنة من الهجرة، "فصام" أي: في سفره؛ وذلك لأن الأفضل الصوم في السفر إلا أن يشق على الإنسان، فإن الأفضل الفطر، وقوله: "حتى بلغ" "حتى": هذه غائبة، أي: إلى أن بلغ هذا المحل، فلما بلغه وكان الناس قد صاموا مع النبي ﷺ ، ولعل المراد أكثرهم؛ لأنهم كانوا يسافرون مع الرسول ﷺ منهم المفطر ومنهم الصائم، ولكن شق الصوم على الناس، ولم يفطروا اقتداء بالرسول ﷺ ، فجيء إليه فقيل: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينظرون ماذا يفعل الرسول ﷺ لأنه ﷺ أسوتهم، يقول: "ثم دعا بقدح من ماء فرفعه"، يعني: طلب ماء فرفعه على بعيره، حتى رآه الناس فشرب والناس ينظرون تحقيقًا لفطره، وليحملهم على التأسي به ﷺ ، من الناس من أفطر كما أفطر النبي ﷺ ، ومن الناس من بقي متعللًا بأن ذلك كان بعد صلاة العصر، والزمن قريب، ولكن بلغ النبي ﷺ أن بعض الناس قد صام، بمعنى: استمر على صيامه، فماذا قال الرسول ﷺ في هؤلاء؟ قال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة"، "العصاة" هنا هل جمع مؤنث سالم، أو هي جمع تكسير؟ جمع تكسير، ما الذي يمنع أن تكون جمعًا مؤنثًا سالمًا؛ لأن الألف أصلية، وابن مالك

стр. 1433

يقول: وما بتا وألفٍ قد جمعا وهذه ما جمعت بالألف والتاء وإنما جمعت بالصيغة؛ لأن "عصاة" على وزن "فعلة"، ومفردها عاصٍ. إذن نقول: العصاة ليست جمعًا مؤنثًا سالمًا، ومن ذلك كتبت التاء بالهاء، ولو كانت جمعًا مؤنثًا سالمًا لكانت مفتوحة، فما هي المعصية؟ المعصية مخالفة الأمر، وتارة تكون بترك الواجب، وتارة تكون بفعل المحرم، هذا إذا ذكرت وحدها، أما إذا قيل: طاعة ومعصية فالطاعة في الأمر والمعصية في فعل المنهي عنه، فإن أفردتَّ إحداهما شملت الأخرى، وفي اللفظ الثاني فيه بيان سبب فطر النبي ﷺ وهو أنه إنما أفطر من أجل مشقة الصوم على الناس. ففي هذا الحديث فوائد كثيرة، منها: عدم جواز قتال أهل مكة؛ لأن النبي ﷺ وإن كان قد خرج لقتالهم؛ إلَّا أن هذا الحكم- قتالهم- قد نسخه النبي ﷺ في اليوم الثاني من الفتح، فإنه قام خطيبًا في الناس، وأخبر بأن مكة حرام بحرمة الله منذ خلق السموات والأرض، وأنها لم تحل لأحد قبل الرسول ﷺ ، وأنها لم تحل للرسول ﷺ دائمًا، وإنما أحلت له ساعة من نهار للضرورة، وأخبر ﷺ أنها عادت حرمتها منذ ذاك اليوم الذي خطب فيه كحرمتها بالأمس، يعني: كانت حرامًا ثم أحلت، ثم حرمت، فيكون النسخ وقع عليها مرتين. ثم قال: إن أحدًا ترخَّص بقتال رسول الله ﷺ فقوله: "إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم"، جواب لأمر مفروض، إذن قولنا: إنه يستفاد منها عدم جواز القتال في مكة صحيح؛ لأن هذا خاصٌّ بالرسول ﷺ للضرورة، وكان في هذا الإذن من المصالح العظيمة ما لا يربو على مفسدته وإلا فقتال أهل مكة في البلد الآمن ليس بالأمر الهين، لكن فيه من المصالح العظيمة ما يربو على هذه المفسدة، فإن الرسول ﷺ حرر مكة من الشرك ومن حكم أهل الشرك وصارت البلد بلدًا إسلاميًّا بعد أن كانت بلد كفر. وفي هذا دليل على جواز الخروج للقتال في رمضان. لا يقول قائل: سنبقى حتى نفطر، بل نقول: متى دعت الحاجة إلى الخروج فاخرج ولو في رمضان؛ لأن الرسول ﷺ خرج في رمضان. وفيه دليل على جواز الصوم في السفر؛ لأن النبي ﷺ صام والناس معه، وهذه المسألة

стр. 1434

اختلف فيها أهل العلم- ﵏ فقال بعض العلماء: إن الصوم الواجب في السفر لا يجزئ عن الصوم المفروض، وإن الإنسان يحرم عليه أن يصوم في رمضان في السفر، ولو فعل كان آثمًا ولا يجزئه، وهذا مذهب الظاهرية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيَّامٍ أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. أي: فعليه عدة، وعليه فيكون صومه قبل أن يرجع من سفره، كالصوم في شعبان؛ لأنه صام في غير الوقت الذي يلزمه الصوم فيه، ولكن جمهور أهل العلم على خلاف قولهم، بل قالوا: إن الصوم جائز والفطر جائز، ولا ريب أن هذا القول هو المتعين؛ لأن السُّنة دلَّت عليه، والآية الكريمة فيها تقدير: من كان مريضًا، أو على سفر فأفطر، فعدة من أيام أخر هذا يتعين؛ لأن فعل الرسول ﷺ في أسفاره وصومه يفسر الآية الكريمة، ثم القائلون بالجواز اختلفوا، فمنهم من قال: الأفضل الصوم، ومنهم من قال: الأفضل الفطر، ومنهم من قال: هما سواء؛ فالذين قالوا: إن الأفضل الصوم عللوا قولهم هذا بوجوه: الوجه الأول: أن هذا فعل الرسول ﷺ فإنه صام، ولكنه لما شق على الناس الصيام أفطر مراعاة لهم، بدليل أنه- صلوات الله وسلامه عليه- دعا بالقدح من الماء ورفعه والناس ينظرون؛ لأنه لولا أنه يريد أن يفطر الناس لكان بإمكانه أن يفطر بدون أن يرفع الإناء؛ ولأن أبا الدرداء ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ في يوم شديد الحر في رمضان، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة"، الحر شديد، الإنسان من شدة الحر يضع يده على رأسه، لكن كان الناس مفطرين، ولم يفطر النبي ﷺ بل كان صائمًا؛ لأنه لا داعي للفطر في هذه الحال؛ لأنه أفطر هنا كما في حديث جابر من أجل الناس، لكن لما كان الناس مفطرين في حديث أبي الدرداء لم يفطر بقي على صومه- صلوات الله وسلامه عليه- مع شدة الحر، إذن هذه علة. العلة الثانية: أنه أسرع في إبراء الذمة؛ لأنك إذا صمت في الشهر برئت ذمتك من الصوم، فإذا لم تصم بقي الصوم عليك دينًا، ثم قد تتكاسل وتتهاون حتى يأتي رمضان الثاني، كما هو الواقع الآن، أتصدقون أن بعض الناس يسألون في آخر يوم من شعبان، يقول: عليَّ صوم يوم من رمضان أصوم [غدًا]. وهو يوم الثلاثين من شعبان؟ ! مضى عليه إحدى عشر شهرًا، وشتاء قصر نهار وبرودة، وأخَّره إلى يوم الشك ربما يكون من رمضان، انظر كيف يسول الشيطان للإنسان، فإذا صام الإنسان الشهر في وقته صار ذلك أسرع في إبراء ذمته. ثالثًا: أنه أيسر له، لأن هذا مشاهد، وهو أن الإنسان إذا صام مع الناس صار أيسر له. إذن تيسير العبادة على الإنسان لا شك أنه مراد للشارع، ولاسيما وأن قوله تعالى ﴿يريد

стр. 1435

الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. جاءت في آيات الصيام من أجل هذه الأمور الثلاثة، قالوا: إن صوم الإنسان في رمضان أفضل من الفطر في السفر، وهذا مذهب الشافعي ﵀، والذين قالوا: إن الفطر أفضل ويكره الصوم وهذا مذهب الحنابلة- ﵏، وعللوا ذلك بأن هذا رخصة من الله وكرم، والإنسان لا ينبغي له أن يرد الرُّخصة والكرم؛ لأن ردَّ كرم الكريم غير محبوب إلى النفوس، وغير لائق من حيث الأدب، ولهذا لما سأل عمر النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلوة إن خفتم أن يفتنكم الَّذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. قال: يا رسول الله، كيف نقصر ونحن آمنون؟ قال: "صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". معناه: أننا مأمورون بأخذ الرُّخص وألا نشدد على أنفسنا، فقالوا: ما دامت رخصة فإن الأولى الأخذ بها وألا نرد فضل الله وكرمه وإحسانه بل نقبله، والله إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى نعمته عليه، وأيضًا فإننا نتحاشى بذلك قول بعض علماء المسلمين، وهو: أن الإنسان إذا صام لا يقبل منه صومه ولا تبرأ به ذمته، فنحن نؤخره لنصومه قضاء، وإذا صمناه قضاء أجزأ عنا ذلك بإجماع المسلمين ظاهريَّهم وقياسيَّهم، وإذا صمنا في رمضان قال لنا بعض علماء المسلمين: إن صومكم غير صحيح، فإذن نراعي هذا الخلاف ونؤخر الصوم ونجعله قضاء. وأما الذين قالوا بالتخيير على السواء، فاستدلوا بحديث أنس ﵁: "كنا نسافر مع النبي"؛ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". إذن المسألة ما فيها لوم على من صام ولا على من أفطر، وهذا يدل على التخيير، ولكننا إذا رجعنا إلى النظر بين هذه الأقوال الثلاثة وجدنا أن القول الأخير ضعيف، وهو أن الصوم والفطر على حد سواء، يبقى النظر بين مذهب الشافعي في المشهور منه، ومذهب الحنابلة في المشهور عنهم، مذهب الشافعي مؤيد بنص، ومذهب الحنابلة مؤيد بالقياس، والمؤيد بالنص أقوى؛ لأننا نقول: كل هذه النظريات والأقيسة تبطل بكون أتقى الناس وأعلمهم محمد رسول الله ﷺ يصوم في السفر، وما دام يصوم فلا ريب أن الأفضل الصوم، نعم، نحن نوافقكم على أن الإنسان إذا وجد في الصوم أدنى مشقة فإننا نقول له: لا تصم، بل الصوم لك مكروه؛ فإن تضررت فهو حرام عليك، وهذا القول هو الراجح عندي، بمعنى: أن الأفضل الصوم إلا لمن يجد مشقة ولو يسيرة فالأفضل الفطر، ومن خاف ضررًا أو مشقة غير محتملة فإن الصوم فيه حقه حرام؛ لأن عدوله فن الفطر مع وجود المشقة الشديدة يدل على تنطع في الدين، وقد قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون"، وبهذا نعرف خطأ بعض العامة وأشباه العامة الذين يذهبون إلى

стр. 1436

العمرة في رمضان ثم يعلمون أنهم سيقدمون في النهار، وأنه سيلحقهم مشقة في الطواف والسعي وطلب المنزل وما أشبه ذلك، وتراهم يصومون! تجد الواحد منهم يتعب في الطواف والسعي وغيره وهو مصرٌّ على الصوم، لماذا؟ خطأ هذا إذا قال: هل ترون أن أبقى صائمًا وأؤجل أداء مناسك العمرة، أو أن أفطر وأؤدي مناسك العمرة فور وصولي؟ الأخير لا شك أنه أفضل، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة شرعية أن الشيء المقصود ينبغي المبادرة به، دليل هذه القاعدة فعل أحزم الخلق محمد ﷺ ، المبادرة بالشيء؛ لأن انتهاز الفرص أمر مطلوب للشرع، ومن هدي النبي ﷺ ومن الحزم؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، هذه القاعدة أخذناها من عدة وقائع: منها: أن الرسول ﷺ لما بال الأعرابي في المسجد أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، ولم يتأخر مع أنه من الممكن أن يتأخر، وتطهر الأرض بالشمس والهواء. ثانيًا: لما بال الصبي في حجره ما قال: إذا قمت إلى الصلاة أنضح الثوب، بل دعا بماء وأتبعه إياه، ولمَّا دعاه عتبان بن مالك إلى بيته لمكان يصلي فيه النبي ﷺ يتخذه عتبان مصلَّى قدم النبي ﷺ إلى عتبان في بيته، وكان قد جهز لهم طعامًا، فمن حين دخل النبي ﷺ قال: أين تريد أن أصلي؟ ما جلس يأكل الطعام ثم بعد ذلك يقول: أين المكان، فور وصوله قال: أين تريد أن أصلي؟ فدل هذا على المبادرة: إذن فأنا ما قدمت إلى مكة إلَّا للعمرة كيف أؤخرها إلى الليل مراعاة للصوم الذي يحل لي أن أفطر منه، هذا واحد. ثانيًا: دليل خاص بهذه المسألة، وهي أن النبي ﷺ إذا قدم مكة للنسك لا يبدأ بشيء قبله، حتى إنه لا ينيخ راحلته إلا عند المسجد للمبادرة بقضاء النسك، فنقول لإخواننا الذين يقدمون مكة للعمرة في رمضان: الأولى بكم والأوفق للسُّنة أن تفطروا، ما دمتم ستجدون مشقة فأفطروا وأدوا المناسك بسهولة، جماعة لم يفطروا ودخلوا مكة صائمين وطافوا، ولما طافوا عطشوا شق عليهم العطش، نقول: أفطروا ولا بأس، وهل يشربون والناس ينظرون؟ في مكة الآفاقيون فيها كثيرون، يمكن في بلدك التي ما يرد عليها آفاقيون يمكن أن نقول: لا تفطر علنًا، لكن في مكة في ظني أن هذا لا بأس به ولو أمام الناس، وقد فعلت ذلك أنا في العام الماضي وتعمدته، جلست إلى إحدى الترامس وجعلت أشرب فوقف واحد عليَّ، وقال: كيف تشرب في رمضان؟ فقلت: هذا يا أخي جائز نحن مسافرون، لكن على كل حال القصد إن مثل هذه المسائل إظهارها للناس من أجل ألا يشدد عليهم.

стр. 1437

إذن نأخذ من هذا: أن الأفضل لمن يشق عليه الصوم أن يفطر، هل هناك دليل لهذه المسألة؟ نقول: الدليل هذا الحديث الذي معنا، ودليل آخر نص في الموضوع في قصة الرجل الذي كان مع الرسول ﷺ في سفر فرأى النبي ﷺ زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه قال: "وما هذا؟ " قالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصيام في السفر". فنفى أن يكون برًّا، وهذا مما استدل به أيضًا من يقول: إن الأفضل الفطر، أخذوا بالعموم، ولكن نقول: الرسول ﷺ قال: "ليس من البر الصيام في السفر" في حالة خاصة، وهي المشقة التي بلغ بصاحبها أن يظلل عليه، وأن يزدحم الناس عليه كأنه في مرض الموت. ويستفاد من هذا الحديث: جواز الفطر في أثناء النهار للمسافر؛ لأن النبي ﷺ أفطر بعد العصر. زد على ذلك أنه يستفاد منه: جواز الفطر لمن رخص له فيه، ولو في آخر النهار. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإمام المتبوع والمسئول أن يراعي أحوال الناس، ويعدل عن الأفضل إلى المفضول مراعاة لأحوال الناس؛ لفعل النبي ﷺ مراعاة لأحوال الناس، ويدل على أنه أكثر مراعاة لأحوالهم ما سبق بحديث أبي الدرداء، ويدل ذلك أيضًا أن الرسول ﷺ في صلاة العشاء كان يستحب أن يؤخر من العشاء، ولكن إذا اجتمع الناس عجَّل لئلا يشق عليهم في الانتظار، فيدع الفاضل إلى المفضول مراعاة لأحوال الناس، بل يدل على ذلك أيضًا أن الرسول ﷺ ترك بنيان الكعبة على قواعد إبراهيم خوفًا من تغير الناس ونفورهم، قال لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين: باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه". ولكنه تركها خوفًا من نفور الناس، والحكمة فيما قدر الله لما تولى عبد الله بن الزبير ﵁ الخلافة في الحجاز هدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين، باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، ولما قضي عليه ﵁ أعيدت الكعبة على ما هي عليه في عهد النبي ﷺ ، ولكن الحكمة فيما أراد الله الآن، يعني: ما أراده النبي ﷺ من انتفاع الناس بدخول الكعبة، وجعل بابين لها حصل، أين البابان؟ الحجر الآن من الكعبة له باب يدخل منه الناس وباب يخرجون، مع أن في هذا راحة الناس أكثر مما لو كانت قد سقفت، لو كان الناس على جهلهم اليوم لقتل بعضهم بعضًا، يمكن أن يكون الذي يدخل لا يخرج، لكن من نعمة الله أنه تعالى أعادها على ما كانت عليه، والذي قدره النبي ﷺ وأراده حصل- ولله الحمد- الآن باب يدخل منه

стр. 1438

الناس، وباب منه يخرجون مع الانشراح والهواء وعدم المشقة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يؤكد قوله بفعله ليطمئن الناس إليه؛ لماذا؟ لأن الرسول ﷺ دعا بقدح فشرب والناس ينظرون. ومنها: أن نقل بعض مخالفات الناس للمصلحة لا يعد من النميمة أو الغيبة، والدليل قولهم: "إن بعض الناس قد صام"، ووجهه: أن الرسول ﷺ لم ينكر على الذين بلغوا وإنما أنكر على الذين خالفوا. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز وصف الإنسان بما يكره على سبيل العموم إذا كان واقعًا فيه؛ لقوله: "أولئك العصاة"، هذا على سبيل العموم، ولا شك أن المعصية وصف ذميم مكروه للنفوس، ولكن إذا كان الإنسان مستحقًّا له فلا بأس أن يوصف به، أما أن نقول لشخص معين: أنت عاصٍ فهذا محل تفصيل، إن اقتضت المصلحة ذلك بأن يكون فيه ردع له ولغيره فلنقل له هذا، وإلا فإن الأولى ألا نقول ذلك له مواجهة ومباشرة؛ لأن هذا ربما يثيره فتأخذه العزة بالإثم فيزداد تعنتًا في معصيته وربما ازداد معصية أخرى. ومنها: أن النفوس مجبولة على تقليد الكبير؛ لقوله: "وإنما ينظرون فيما فعل"، ولا شك في هذا. ومن فوائد الحديث: جواز الإخبار عما يحصل في العبادات من المشقة لقولهم: "إن الناس قد شق عليهم الصيام"، لا يقال: إن هذه شكوى من مشقة العبادة، بل يقال: إن هذا خبر، وفرق بين الخبر المجرد وبين الخبر الذي يراد به الشكوى؛ ولهذا يجوز للمريض أن يخبر بما يجد، لكن من غير شكوى، مثلًا يقول: كيف أنت؟ يقول: والله البارحة سهلت وتعبت وآلمني كذا، وآلمني كذا، لكن إخبار لا شكوى، ولهذا بعض المرضى يقول: إخبار لا شكوى، وهناك فرق بينهما؛ فإذا أخبرت بأن العبادة شقت عليك لا تشكيًا منها فهذا لا بأس به. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ وحسن خلقه مع أصحابه؛ لأنه شرب هذا بعد العصر والناس ينظرون، كل هذا من أجل التسهيل والتيسير عليهم. ومنها أيضًا: جواز سؤال الغير حيث لا يكون في ذلك منة على السائل؛ لقوله: "فدعا بقدح"، فإن الإنسان لا حرج عليه إذا كان لا يرى منّة عليه في السؤال أن يسأل، ومثل الرسول ﷺ إذا سأل أحدًا قال: هات قدحًا هل يعتذر المسئول؟ لا، هذه منّة من الرسول عليه، لكن لو تدعو إنسانًا مساويًا لك تقول: أعطني قدحًا، تجده يغيب ساعتين ويتمهل، هذا الأحسن ألَّا تسأله؛ لأن فيه منّة وفيه إحراجًا، لكن بعض الناس تسأله قبل أن ينتهي الكلام تجده يأتي لك بما تريد، هذا ما يقال: إن سؤاله يعتبر من الذُّل أمام الناس، بل هذا من الأمر المباح الذي سنه

стр. 1439

الرسول ﷺ لأمته. ومنها: جواز الإخبار بالكل عن البعض من قولهم: "إن الناس قد شق عليهم الصيام"؛ لأن الظاهر- والله أعلم- أنه ليس كل الناس يشقُّ عليهم ذلك، فإن الناس يختلفون في التحمل، ويختلفون أيضًا في الجوع وفي العطش، بعض الناس يجوع سريعًا ويعطش سريعًا، وهذا فرد من أفراد كبيرة وهي جواز إخبار الإنسان بما يغلب على ظنه بل جواز إقسامه على ذلك، كما سيأتينا في حديث أبي هريرة. والحديث يدل على أنه ليس كل مجتهد مصيبًا من جهة، ومن جهة أخرى أن من أخطأ في اجتهاده فيجب الإنكار عليه وبيان خطئه، وحينئذٍ نقول: إن العبارة المشهورة عند العلماء: أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد مقيدة بما إذا لم يكن ذلك اجتهادًا مخالفًا للنص، فإن كان مخالفًا للنص فإنه ينكر عليه، لكن ما دامت المسألة محتملة الاجتهاد فإنه لا ينكر؛ إذ ليس اجتهادك أولى بالصواب من اجتهاد الآخر. ٦٤١ - وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ ﵁ أنَّه قال: "يا رسول الله، إنِّي أجد فيَّ قوةً على الصِّيام في السَّفر، فهل عليَّ جناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه". رواه مسلمٌ. وأصله في المتَّفقٌ عليه من حديث عائشة أنَّ حمزة بن عمرو سأل. "حمزة بن عمرو" كان كثير الأسفار كما في رواية أخرى: "وكان له ظهر يكريه"؛ معنى "ظهر": إبل يكريها ويذهب بها فهو كثير الأسفار، فيصادفه هذا الشهر رمضان- وهو في السفر-، يقول: "فهل علي جناح" أي: في الصوم؛ لقوله: "قوة على الصيام"، وكأنه ﵁ استفهم هذا الاستفهام لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدَّةٌ من أيَّامٍ أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. فجعل الله تعالى فريضة هذا المسافر عدة من أيام أخر، فقال: "هل علي جناح" يعني: إذا صمت هذا هو الأقرب، ويحتمل إذا أفطرت لكنه بعيد؛ لأن هذا معلوم من الآية، والجناح معناه: الإثم، وهو مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبره مقدم، فقال النبي ﷺ : "هي رخصة من الله"، الرخصة في اللغة: السهولة والنعومة، ومنه قولهم: "بنان الرُّخص" يعني: ناعم، والبنان طرف الأصبع فهي في اللغة: السهولة، وفي الشرع قالوا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، هذا التعريف فيه شيء من الصعوبة، ولو قلنا: إن الشرع واللغة هنا متَّفقٌان لم يكن بعيدًا، وإن الرخصة في الشرع هي: التسهيل بإسقاط الواجب أو إباحة المحرم، إسقاط الواجب مثل:

стр. 1440

الصوم يفطر الإنسان في السفر، المسح على الخفين رخصة، فيه إسقاط واجب، وهو غسل الرجل، الأكل- أكل الحرام- للمفطر كالميتة هذا أيضًا رخصة وإن كان بعضهم يسميها عزيمة، وبعضهم يقول: هي رخصة واجبة، والخلف قريب من اللفظي، هذه رخصة لأنها استباحة محظور بسبب، فلو قيل: إن الرخصة في الشريعة هي الرخصة في اللغة فهي كلها تسهيل لكان هذا أولى، أولًا: لأن هذا أقرب من الفهم من التعريف الذي عرفه به الأصوليون، الثاني: أنه أقرب إلى موافقة اللغة، والأصل في لغة الشارع أنها لغة العرب، لأن النبي ﷺ عربي، فالأصل أن اللغة الشرعية هي اللغة العربية إلا إذا وجد دليل يخص المعنى الشرعي بمعنى لا تقتضيه اللغة، مع أني أقول: إن المعنى الشرعي وإن كان أخص غالبًا من المعنى اللغوي فإنه لا بد أن يكون بينه وبين المعنى اللغوي ارتباط، ونحن نقول: إن المعنى اللغوي قد يكون أخص، وقد يكون أعمُّ. الغالب: أن المعنى اللغوي أعمُّ من المعنى الشرعي، وقد يكون المعنى اللغوي أخصُّ، مثل: الإيمان في اللغة: التصديق، أو التصديق المتضمن للإقرار، لكن في الشرع: الإيمان يشمل الاعتقاد، وهو التصديق والقول والعمل. المهم: أن الأولى أن تفسر الرخصة بأنها السهولة لغة وشرعًا، وأنها في الشرع: التسهيل لإسقاط واجب أو إباحة محظور، فقال النبي ﷺ : "هي رخصة فمن أخذ بها فحسن أخذه بها" لأن قبول رخصة الله لا شك أنها من الأمور المطلوبة، فإن رخصة الله فضل من الله ومنَّة، وينبغي أن نقبل فضل ذي الفضل ومنته. "ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" هذا جواب قوله: "فهل عليَّ جناح؟ " أي: فله أن يصوم، وهذا يدل على التخيير، لكن مع ترجيح الأخذ بالرخصة؛ لأنه قال: "فحسن" ولكن يقال: إن الرسول قال: "من أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" قد يقول قائل: إن هذا نفي لتوهم المنع، كقوله تعالى: ﴿* إنَّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوَّف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]، معناه: أن الطواف بهما واجب سواء كان ركنًا أو اصطلاحًا، فقد يقول قائل: إن نفي الجناح هنا لدفع توهم المنع، وعليه فلا يمنع أن يكون مساويًا للصوم، ثم إنه سبق لنا أن فعل الرسول ﷺ للصيام في السفر يدل على ترجيحه، لكن لو كان على الإنسان مشقة ولو بعض المشقة فالأفضل الفطر. يستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: حرص الصحابة- ﵃ على التفقة في الدين، وذلك لسؤال حمزة بن عمرو للنبي ﷺ . ومنها أن بعض الناس يظن أن الترخيص من أجل المشقة، وأنه إذا وجدت القوة فلا رخصة، لقول حمزة: "إني أجد قوة على الصيام فهل عليَّ من جناح؟ " وهذا على احتمال أن
следующие страницы →