← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

العمرة في رمضان ثم يعلمون أنهم سيقدمون في النهار، وأنه سيلحقهم مشقة في الطواف والسعي وطلب المنزل وما أشبه ذلك، وتراهم يصومون! تجد الواحد منهم يتعب في الطواف والسعي وغيره وهو مصرٌّ على الصوم، لماذا؟ خطأ هذا إذا قال: هل ترون أن أبقى صائمًا وأؤجل أداء مناسك العمرة، أو أن أفطر وأؤدي مناسك العمرة فور وصولي؟ الأخير لا شك أنه أفضل، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة شرعية أن الشيء المقصود ينبغي المبادرة به، دليل هذه القاعدة فعل أحزم الخلق محمد ﷺ ، المبادرة بالشيء؛ لأن انتهاز الفرص أمر مطلوب للشرع، ومن هدي النبي ﷺ ومن الحزم؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، هذه القاعدة أخذناها من عدة وقائع: منها: أن الرسول ﷺ لما بال الأعرابي في المسجد أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، ولم يتأخر مع أنه من الممكن أن يتأخر، وتطهر الأرض بالشمس والهواء. ثانيًا: لما بال الصبي في حجره ما قال: إذا قمت إلى الصلاة أنضح الثوب، بل دعا بماء وأتبعه إياه، ولمَّا دعاه عتبان بن مالك إلى بيته لمكان يصلي فيه النبي ﷺ يتخذه عتبان مصلَّى قدم النبي ﷺ إلى عتبان في بيته، وكان قد جهز لهم طعامًا، فمن حين دخل النبي ﷺ قال: أين تريد أن أصلي؟ ما جلس يأكل الطعام ثم بعد ذلك يقول: أين المكان، فور وصوله قال: أين تريد أن أصلي؟ فدل هذا على المبادرة: إذن فأنا ما قدمت إلى مكة إلَّا للعمرة كيف أؤخرها إلى الليل مراعاة للصوم الذي يحل لي أن أفطر منه، هذا واحد. ثانيًا: دليل خاص بهذه المسألة، وهي أن النبي ﷺ إذا قدم مكة للنسك لا يبدأ بشيء قبله، حتى إنه لا ينيخ راحلته إلا عند المسجد للمبادرة بقضاء النسك، فنقول لإخواننا الذين يقدمون مكة للعمرة في رمضان: الأولى بكم والأوفق للسُّنة أن تفطروا، ما دمتم ستجدون مشقة فأفطروا وأدوا المناسك بسهولة، جماعة لم يفطروا ودخلوا مكة صائمين وطافوا، ولما طافوا عطشوا شق عليهم العطش، نقول: أفطروا ولا بأس، وهل يشربون والناس ينظرون؟ في مكة الآفاقيون فيها كثيرون، يمكن في بلدك التي ما يرد عليها آفاقيون يمكن أن نقول: لا تفطر علنًا، لكن في مكة في ظني أن هذا لا بأس به ولو أمام الناس، وقد فعلت ذلك أنا في العام الماضي وتعمدته، جلست إلى إحدى الترامس وجعلت أشرب فوقف واحد عليَّ، وقال: كيف تشرب في رمضان؟ فقلت: هذا يا أخي جائز نحن مسافرون، لكن على كل حال القصد إن مثل هذه المسائل إظهارها للناس من أجل ألا يشدد عليهم.

стр. 1437

إذن نأخذ من هذا: أن الأفضل لمن يشق عليه الصوم أن يفطر، هل هناك دليل لهذه المسألة؟ نقول: الدليل هذا الحديث الذي معنا، ودليل آخر نص في الموضوع في قصة الرجل الذي كان مع الرسول ﷺ في سفر فرأى النبي ﷺ زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه قال: "وما هذا؟ " قالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصيام في السفر". فنفى أن يكون برًّا، وهذا مما استدل به أيضًا من يقول: إن الأفضل الفطر، أخذوا بالعموم، ولكن نقول: الرسول ﷺ قال: "ليس من البر الصيام في السفر" في حالة خاصة، وهي المشقة التي بلغ بصاحبها أن يظلل عليه، وأن يزدحم الناس عليه كأنه في مرض الموت. ويستفاد من هذا الحديث: جواز الفطر في أثناء النهار للمسافر؛ لأن النبي ﷺ أفطر بعد العصر. زد على ذلك أنه يستفاد منه: جواز الفطر لمن رخص له فيه، ولو في آخر النهار. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإمام المتبوع والمسئول أن يراعي أحوال الناس، ويعدل عن الأفضل إلى المفضول مراعاة لأحوال الناس؛ لفعل النبي ﷺ مراعاة لأحوال الناس، ويدل على أنه أكثر مراعاة لأحوالهم ما سبق بحديث أبي الدرداء، ويدل ذلك أيضًا أن الرسول ﷺ في صلاة العشاء كان يستحب أن يؤخر من العشاء، ولكن إذا اجتمع الناس عجَّل لئلا يشق عليهم في الانتظار، فيدع الفاضل إلى المفضول مراعاة لأحوال الناس، بل يدل على ذلك أيضًا أن الرسول ﷺ ترك بنيان الكعبة على قواعد إبراهيم خوفًا من تغير الناس ونفورهم، قال لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين: باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه". ولكنه تركها خوفًا من نفور الناس، والحكمة فيما قدر الله لما تولى عبد الله بن الزبير ﵁ الخلافة في الحجاز هدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين، باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، ولما قضي عليه ﵁ أعيدت الكعبة على ما هي عليه في عهد النبي ﷺ ، ولكن الحكمة فيما أراد الله الآن، يعني: ما أراده النبي ﷺ من انتفاع الناس بدخول الكعبة، وجعل بابين لها حصل، أين البابان؟ الحجر الآن من الكعبة له باب يدخل منه الناس وباب يخرجون، مع أن في هذا راحة الناس أكثر مما لو كانت قد سقفت، لو كان الناس على جهلهم اليوم لقتل بعضهم بعضًا، يمكن أن يكون الذي يدخل لا يخرج، لكن من نعمة الله أنه تعالى أعادها على ما كانت عليه، والذي قدره النبي ﷺ وأراده حصل- ولله الحمد- الآن باب يدخل منه

стр. 1438

الناس، وباب منه يخرجون مع الانشراح والهواء وعدم المشقة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يؤكد قوله بفعله ليطمئن الناس إليه؛ لماذا؟ لأن الرسول ﷺ دعا بقدح فشرب والناس ينظرون. ومنها: أن نقل بعض مخالفات الناس للمصلحة لا يعد من النميمة أو الغيبة، والدليل قولهم: "إن بعض الناس قد صام"، ووجهه: أن الرسول ﷺ لم ينكر على الذين بلغوا وإنما أنكر على الذين خالفوا. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز وصف الإنسان بما يكره على سبيل العموم إذا كان واقعًا فيه؛ لقوله: "أولئك العصاة"، هذا على سبيل العموم، ولا شك أن المعصية وصف ذميم مكروه للنفوس، ولكن إذا كان الإنسان مستحقًّا له فلا بأس أن يوصف به، أما أن نقول لشخص معين: أنت عاصٍ فهذا محل تفصيل، إن اقتضت المصلحة ذلك بأن يكون فيه ردع له ولغيره فلنقل له هذا، وإلا فإن الأولى ألا نقول ذلك له مواجهة ومباشرة؛ لأن هذا ربما يثيره فتأخذه العزة بالإثم فيزداد تعنتًا في معصيته وربما ازداد معصية أخرى. ومنها: أن النفوس مجبولة على تقليد الكبير؛ لقوله: "وإنما ينظرون فيما فعل"، ولا شك في هذا. ومن فوائد الحديث: جواز الإخبار عما يحصل في العبادات من المشقة لقولهم: "إن الناس قد شق عليهم الصيام"، لا يقال: إن هذه شكوى من مشقة العبادة، بل يقال: إن هذا خبر، وفرق بين الخبر المجرد وبين الخبر الذي يراد به الشكوى؛ ولهذا يجوز للمريض أن يخبر بما يجد، لكن من غير شكوى، مثلًا يقول: كيف أنت؟ يقول: والله البارحة سهلت وتعبت وآلمني كذا، وآلمني كذا، لكن إخبار لا شكوى، ولهذا بعض المرضى يقول: إخبار لا شكوى، وهناك فرق بينهما؛ فإذا أخبرت بأن العبادة شقت عليك لا تشكيًا منها فهذا لا بأس به. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ وحسن خلقه مع أصحابه؛ لأنه شرب هذا بعد العصر والناس ينظرون، كل هذا من أجل التسهيل والتيسير عليهم. ومنها أيضًا: جواز سؤال الغير حيث لا يكون في ذلك منة على السائل؛ لقوله: "فدعا بقدح"، فإن الإنسان لا حرج عليه إذا كان لا يرى منّة عليه في السؤال أن يسأل، ومثل الرسول ﷺ إذا سأل أحدًا قال: هات قدحًا هل يعتذر المسئول؟ لا، هذه منّة من الرسول عليه، لكن لو تدعو إنسانًا مساويًا لك تقول: أعطني قدحًا، تجده يغيب ساعتين ويتمهل، هذا الأحسن ألَّا تسأله؛ لأن فيه منّة وفيه إحراجًا، لكن بعض الناس تسأله قبل أن ينتهي الكلام تجده يأتي لك بما تريد، هذا ما يقال: إن سؤاله يعتبر من الذُّل أمام الناس، بل هذا من الأمر المباح الذي سنه

стр. 1439

الرسول ﷺ لأمته. ومنها: جواز الإخبار بالكل عن البعض من قولهم: "إن الناس قد شق عليهم الصيام"؛ لأن الظاهر- والله أعلم- أنه ليس كل الناس يشقُّ عليهم ذلك، فإن الناس يختلفون في التحمل، ويختلفون أيضًا في الجوع وفي العطش، بعض الناس يجوع سريعًا ويعطش سريعًا، وهذا فرد من أفراد كبيرة وهي جواز إخبار الإنسان بما يغلب على ظنه بل جواز إقسامه على ذلك، كما سيأتينا في حديث أبي هريرة. والحديث يدل على أنه ليس كل مجتهد مصيبًا من جهة، ومن جهة أخرى أن من أخطأ في اجتهاده فيجب الإنكار عليه وبيان خطئه، وحينئذٍ نقول: إن العبارة المشهورة عند العلماء: أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد مقيدة بما إذا لم يكن ذلك اجتهادًا مخالفًا للنص، فإن كان مخالفًا للنص فإنه ينكر عليه، لكن ما دامت المسألة محتملة الاجتهاد فإنه لا ينكر؛ إذ ليس اجتهادك أولى بالصواب من اجتهاد الآخر. ٦٤١ - وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ ﵁ أنَّه قال: "يا رسول الله، إنِّي أجد فيَّ قوةً على الصِّيام في السَّفر، فهل عليَّ جناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه". رواه مسلمٌ. وأصله في المتَّفقٌ عليه من حديث عائشة أنَّ حمزة بن عمرو سأل. "حمزة بن عمرو" كان كثير الأسفار كما في رواية أخرى: "وكان له ظهر يكريه"؛ معنى "ظهر": إبل يكريها ويذهب بها فهو كثير الأسفار، فيصادفه هذا الشهر رمضان- وهو في السفر-، يقول: "فهل علي جناح" أي: في الصوم؛ لقوله: "قوة على الصيام"، وكأنه ﵁ استفهم هذا الاستفهام لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدَّةٌ من أيَّامٍ أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. فجعل الله تعالى فريضة هذا المسافر عدة من أيام أخر، فقال: "هل علي جناح" يعني: إذا صمت هذا هو الأقرب، ويحتمل إذا أفطرت لكنه بعيد؛ لأن هذا معلوم من الآية، والجناح معناه: الإثم، وهو مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبره مقدم، فقال النبي ﷺ : "هي رخصة من الله"، الرخصة في اللغة: السهولة والنعومة، ومنه قولهم: "بنان الرُّخص" يعني: ناعم، والبنان طرف الأصبع فهي في اللغة: السهولة، وفي الشرع قالوا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، هذا التعريف فيه شيء من الصعوبة، ولو قلنا: إن الشرع واللغة هنا متَّفقٌان لم يكن بعيدًا، وإن الرخصة في الشرع هي: التسهيل بإسقاط الواجب أو إباحة المحرم، إسقاط الواجب مثل:

стр. 1440

الصوم يفطر الإنسان في السفر، المسح على الخفين رخصة، فيه إسقاط واجب، وهو غسل الرجل، الأكل- أكل الحرام- للمفطر كالميتة هذا أيضًا رخصة وإن كان بعضهم يسميها عزيمة، وبعضهم يقول: هي رخصة واجبة، والخلف قريب من اللفظي، هذه رخصة لأنها استباحة محظور بسبب، فلو قيل: إن الرخصة في الشريعة هي الرخصة في اللغة فهي كلها تسهيل لكان هذا أولى، أولًا: لأن هذا أقرب من الفهم من التعريف الذي عرفه به الأصوليون، الثاني: أنه أقرب إلى موافقة اللغة، والأصل في لغة الشارع أنها لغة العرب، لأن النبي ﷺ عربي، فالأصل أن اللغة الشرعية هي اللغة العربية إلا إذا وجد دليل يخص المعنى الشرعي بمعنى لا تقتضيه اللغة، مع أني أقول: إن المعنى الشرعي وإن كان أخص غالبًا من المعنى اللغوي فإنه لا بد أن يكون بينه وبين المعنى اللغوي ارتباط، ونحن نقول: إن المعنى اللغوي قد يكون أخص، وقد يكون أعمُّ. الغالب: أن المعنى اللغوي أعمُّ من المعنى الشرعي، وقد يكون المعنى اللغوي أخصُّ، مثل: الإيمان في اللغة: التصديق، أو التصديق المتضمن للإقرار، لكن في الشرع: الإيمان يشمل الاعتقاد، وهو التصديق والقول والعمل. المهم: أن الأولى أن تفسر الرخصة بأنها السهولة لغة وشرعًا، وأنها في الشرع: التسهيل لإسقاط واجب أو إباحة محظور، فقال النبي ﷺ : "هي رخصة فمن أخذ بها فحسن أخذه بها" لأن قبول رخصة الله لا شك أنها من الأمور المطلوبة، فإن رخصة الله فضل من الله ومنَّة، وينبغي أن نقبل فضل ذي الفضل ومنته. "ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" هذا جواب قوله: "فهل عليَّ جناح؟ " أي: فله أن يصوم، وهذا يدل على التخيير، لكن مع ترجيح الأخذ بالرخصة؛ لأنه قال: "فحسن" ولكن يقال: إن الرسول قال: "من أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" قد يقول قائل: إن هذا نفي لتوهم المنع، كقوله تعالى: ﴿* إنَّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوَّف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]، معناه: أن الطواف بهما واجب سواء كان ركنًا أو اصطلاحًا، فقد يقول قائل: إن نفي الجناح هنا لدفع توهم المنع، وعليه فلا يمنع أن يكون مساويًا للصوم، ثم إنه سبق لنا أن فعل الرسول ﷺ للصيام في السفر يدل على ترجيحه، لكن لو كان على الإنسان مشقة ولو بعض المشقة فالأفضل الفطر. يستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: حرص الصحابة- ﵃ على التفقة في الدين، وذلك لسؤال حمزة بن عمرو للنبي ﷺ . ومنها أن بعض الناس يظن أن الترخيص من أجل المشقة، وأنه إذا وجدت القوة فلا رخصة، لقول حمزة: "إني أجد قوة على الصيام فهل عليَّ من جناح؟ " وهذا على احتمال أن

стр. 1441

يكون قوله: "فهل عليَّ من جناح؟ " في الفطر. ومنها: إثبات الرُّخص في الشريعة الإسلامية، لقوله: "هي رخصة من الله" ولكن هذه الرخص لا يمكن أن ترد إلا لسبب، وإلا كان الشرع متناقضًا، فكل رخصة رخَّصها الله فإنها لسبب وإلا كان الشرع غير حزم. ومن فوائد الحديث: أن الأخذ بالرخصة ليس بواجب لقوله: "فحسن"، ولم يقل: فواجب، وزيادة على ذلك قال: "ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" وهو يؤكد أن الأخذ بالرخصة ليس بواجب. ومن فوائد الحديث: الردُّ على الجبرية لقوله: "أخذ بها" و"أحب أن يصوم". ومن فوائد الحديث: الردُّ على من يقول: إنه لا يجوز صوم رمضان في السفر وهم الظاهرية لقوله: "من أحب أن يصوم فلا جناح عليه" وهذا صريح. ومنها: أنه يجوز إضمار ما دلَّ السياق عليه، ولا يعد ذلك إلغازًا في الكلام، وذلك من الآية وليس من الحديث: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]. والمحذوف فأفطر، أي على سفر فأفطر. جواز فطر الكبير والمريض: ٦٤٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "رخِّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا قضاء عليه". رواه الدارقطنيُّ، والحاكم، وصحَّحاه. قوله ﵁: "رخِّص"، إذ قال الصحابي هكذا بالبناء المجهول، فإن الفاعل هو النبي ﷺ ، وإذ قال النبي ﷺ مثل ذلك بالبناء المجهول فإن الفاعل هو الله ، وعلى هذا فيكون مثل هذا الحديث من باب المرفوع حكمًا، لا نجعله صريحًا؛ لأنه لم يصرح بأن النبي ﷺ هو الذي رخص ولم نجعله موقوفًا؛ لأنه لم يقله من عند نفسه بل قال: "رخص". فإن قال قائل: أفلا يجوز أن يكون ابن عباس ﵄ فهم ذلك اجتهادًا وحينئذٍ يكون موقوفًا لا مرفوعًا؟ الجواب: أن مثل هذا لا يقع بهذا الجزم، بمعنى: أن الاجتهاد لا يقع بهذا الجزم فيقول: "رخص" إلا مقرونًا بالدليل في الغالب، على أنه روي عنه ﵁ أن قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]. قال: إنها ليست بمنسوخة، إنما هي في الشيخ والشيخة لا يستطيعان يفطران ويطعمان عن كل

стр. 1442

يوم مسكينًا، لكن هذا الاجتهاد منه ﵁ ليس في محله، لأنه ثبت من حديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين أنها منسوخة، وأن أول ما فرض الصوم كان الناس بالخيار ثم تعين الصوم، لكن قد يقال: إن لكلام بن عباس وجهًا وهو أن الله تعالى جعل الإطعام بديلًا للصوم والإنسان مخير بينهما، فإذا تعذر الصوم حل محله بديله وهو الإطعام، فيكون هذا من الاجتهاد الموافق للصواب. وقوله: "رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم من كل يوم مسكينًا" تقدم أنا لرخصة: السهولة في الأمر، وأن الشرع موافق للغة في ذلك، وقوله: "يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا"، فإذا كان الشهر ثلاثين يومًا أطعم ثلاثين مسكينًا، وإذا كان الشهر تسعة وعشرين أطعن تسعة وعشرين مسكينًا. وقوله: "ولا قضاء عليه" لأن القضاء في حقه متعذر أو متعسر، وحينئذٍ يكون الإطعام بدلًا عن الصوم. وقوله: "مسكينًا" هل يعني ذلك: فقيرًا أو مسكينًا؟ يشملهما جميعًا؛ لأنه سبق لنا أن "مسكينًا" إذا قرنت بما يماثلها أو إذا قرنت بالفقير فالمراد بها: من دون الفقير، وإذا انفردت عمّت، فيكون هذا من باب الكلمتين إذا أفرقنا اتفقتا، وإذا اجتمعنا افترقتا. وقوله: "يطعم عن كل يوم مسكينًا" لم يقدِّر الإطعام، فيشمل كل ما يسمى إطعامًا، وكان أنس بن مالك ﵁ لما كبر يضع طعامًا ويدعو إليه ثلاثين فقيرًا يأكلون، فعليه إذا غدَّى المساكين أو عشاهم أجزأه؛ لأنه يصدق عليه أنه أطعم عن كل يوم مسكينًا. يستفاد من هذا الحديث أولًا: أن الشيخ الكبير إذا لم يستطع الصوم سقط عنه ووجب عليه بدله، وهو أن يطعم عن كل يوم مسكينًا. ثانيا: يقاس عليه من يشبهه من ذوي الأعذار التي لا يرجى زوالها؛ لأن العلة الواحدة وهي العجز عن الصوم عجزًا مستمرًا مثل أصحاب الضعف المنهك الذي لا يرجى قوته فيما بعد، وكأصحاب داء السكر الذين يحتاجون إلى الشرب دائمًا، وكذلك أصحاب أمراض الكلى الذين يحتاجون إلى الشرب دائمًا، وكذلك من به مرض يحتاج إلى تناول الدواء كل يوم كل ست ساعات مثلًا، وكذلك أصحاب أمراض السرطان وشبهها مما لا يرجى زواله فحكمهم

стр. 1443

كالشيخ الكبير. ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يطعم عن كل يوم مسكينًا، لا أن يطعم طعام ثلاثين مسكينًا، الواجب أن يطعم عن كل يوم مسكينًا لا أن يطعم طعام ثلاثين مسكينًا، والفرق بينهما واضح، وعلى هذا فلا بد أن يطعم بعدد الأيام، فلو قال: أنا سأخرج طعامًا يكفي ثلاثين مسكينًا لستة فقراء أطعمهم خمسة أيام، فالجواب أن نقول: إنه لا يجزئ، لا بد أن يطعم كل يوم مسكينًا. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه لقوله: "ولا قضاء عليه" وقد يقول قائل: إن هذا ليس بفائدة؛ لأن هذا الرجل لا يستطيع القضاء، لكن يقال: بل له فائدة وهي ما إذا شفي هذا الرجل من مرضه، الكبير لا يزول كبره، لكن من مرض مرضًا لا يرجى برؤه ثم شفاه الله فإنه في هذه الحال لا يلزمه القضاء؛ لأن ذمته برئت ولم يبق مطالبًا بشيء. حكم من جامع في رمضان: ٦٤٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجلٌ على النَّبيِّ ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستِّين مسكينًا؟ قال: لا، ثم جلس، فأتى النبي ﵁ بعرقٍ فيه تمرٌ. فقال: تصدَّق بهذا، فقال: أعلى أفقر منَّا؟ فما بين لابتيها أهل بيتٍ أحوج إليه منَّا، فضحك النَّبيُّ ﷺ حتَّى بدت أنيابه، ثمَّ قال: اذهب فأطعمه أهلك" رواه السَّبعة، واللَّفظ لمسلمٍ. قوله: "جاء رجل" نحن نقول: إنه لا يهمنا أن نعرف عين الرجل، المهم ما في القصة من الأحكام. قال: "هلكت" والمراد بالهلاك هنا: الهلاك المعنوي لا الحسي، هلاك معنوي بماذا؟ قال: "وما أهلكك؟ " في بعض الروايات. "وقعت على امرأتي وأنا صائم" وقوله: "وقعت" كناية عن الجماع؛ لأن هذا مما يستحيا منه، وقد جرت عادة العرب أن ما يستحيا عنه يكنى عنه بما يدل عليه، فمثلًا "الغائط" اسم للمطمئن من الأرض المنخفض، كانوا يقضون الحاجة فيه قبل بناء الكتف في البيوت فكنُّوا بهذا الغائط بلفظ "غائط" عما يخرج مما يستقدر كراهة للكره باسمه الخاص، هنا أيضا يكنَّى عن الجماع بما يدل عليه، وهذا موجود في القرآن بكثرة وكذلك في السُّنة. قال: "هل تجد ما تعتق فيه رقبة؟ قال: لا".

стр. 1444

قوله: "تعتق رقبة" الإعتاق بمعنى: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، هذا الإعتاق، ويحصل الإعتاق إما باللفظ وإما بالفعل وإما بالملك، إما باللفظ بأن يقول: "أنت عتيق" وإما بالفعل كالتمثيل به وإما بالملك كشراء من يعتق عليه مثل أن يشتري ابنه أو أباه أو أخاه أو عمه أو خاله أو من بينه وبينه رحم محرم فإنه بمجرد شرائه يكون عتيقًا. وقوله: "رقبة" المراد بها: النفس كاملة، والرقبة نفسها لا تعتق، لكنه عبر بالبعض عن الكل للدلالة عليه، والتعبير بالبعض عن الكل لا يستساغ إلا إذا كان هذا البعض إذا فقد فقد الكل، ولهذا لا نقول: أعتق أصبعًا، لماذا؟ لأنه إذا فقد لا يفقد الكل بل نقول: أعتق رقبة، ومن هذه القاعدة ما مر علينا من أن الشارع إذا عبَّر عن العبادة ببعضها دلَّ على أن ذلك البعض ركن فيها لا تصح بدونه فمثلًا التعبير عن الصلاة بالقرآن يدل على أن القرآن ركن فيها، قال الله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨]. والتعبير عنها بالتسبيح يدل على أن التسبيح واجب فيها، والتعبير عنها بالركوع يدل على أن الركوع واجب فيها، وكذلك التعبير عنها بالسجود يدل على أن السجود واجب، قوله: "رقبة" نكرة في سياق الإثبات. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا. قال: لا"، كم خصلة ذكرت؟ ثلاث: الإعتاق وبدأ به أولًا، ثم الصيام، ثم الإطعام، ثم جلس الرجل عند النبي ﷺ مع أصحابه فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، العرق: هو المكتل- الزنبيل الذي تحمل به الحوائج- فقال: "تصدَّق بهذا" قال: الفاعل النبي ﷺ والمخاطب الرجل، قال: "أعلى أفقر منا؟ " الهمزة هنا للاستفهام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أتصدق على أفقر منا، ولهذا قال: "فما بين لابيتها أهل بيت أحوج إليه منا" قوله: "لابتيها" تثنية لابة، واللابة: الحرَّة، وللمدينة حرتان: شرقية وغربية، والحرَّة هي: أرض تركبها حجارة سوداء. "فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه" مم ضحك؟ ضحك من حال هذا الرجل، فإن هذا الرجل جاء خائفًا مشفقًا يقول: إنه هلك، وقبل أن يفارق المكان صار طماعًا يجبي لنفسه، فلما قال: "تصدَّق به" قال: " على أفقر مني؟ " طمع في النبي ﷺ وقوله "أنيابه" جمع ناب، وهي: الأسنان التي تلي الرُّباعية؛ لأنه يوجد الثنايا والرباعيات والأنياب والأضراس والنواجذ. الثنايا هما السنان المتجانيان في وسط الفم متواليان بعضهما يلي بعضًا، والرُّباعيات بعدهما، لأن الثنية مع الرباعية، والثنية الأخرى مع الرباعية صارت أربعة، والأنياب هي التي وراء الرباعيات، وسميِّت أنيابًا لأنها تشبه الناب؛ فإنها مستديرة قليلًا، بينما الرُّباعيات والثنايا مفلطحة، وما وراء ذلك فهي أضراس، والنواجذ قالوا: إنها أقصى الأضراس، وبعضهم قال إن

стр. 1445

النواجذ تطلق على الأنياب، ثم قال: "اذهب فأطعمه هلك" أي: التمر، الرجل ذهب ورجع إلى أهله بتمر وكان قد خرج منهم وهو يخشى على نفسه، ولكنه رجع غانمًا. ففي هذا الحديث فوائد كثيرة: حتى إن بعضهم جمع فيه ألف فائدة وواحدة، يعني: (١٠٠١). أولًا: حسن خلق النبي ﷺ ودعوته لشرع الله، وجه ذلك: أنه لم يعنَّف هذا الرجل ولم يوبخه على ما صنع مع أن الذي صنعه من كبائر الذنوب؛ لأنه انتهاك لحرمة رمضان وفرضية الصوم، ولكن لم ينتهره النبي ﷺ ، لماذا؟ لأن الرجل جاء تائبًا، وهناك فرق بين [إنسان] يجيء تائبًا يريد الخلاص، وبين إنسان غير مبال بما يصنع من الذنوب. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للرجل أن يخبر عن ذنبه عند الاستفتاء، ولا يقال: إن هذا من باب كشف ستر الله وجهه: أن النبي ﷺ لم ينكر عليه، لم يقل: اجعل هذا بيني وبينك. ومن فوائد الحديث: أن الرجل إذا أفطر بالجماع وجبت عليه الكفارة وإن لم يعلم أنها واجبة عليه؛ لأن هذا الرجل لم يدر ماذا يجب عليه لكن يدري أن الجماع حرام؛ لأنه قال: هلكت. وإن كان فيه احتمال أنه أخبر بعد أن فعل بأن ذلك حرام، لكن هذا الاحتمال وارد، وقد مرَّ علينا أن الأصل عدم الوارد، بمعنى: أن هذا الاحتمال يرد على القضية ورودًا ليس هو من لوازم القضية، بل هو وارد عليها، والأصل عدم الورود. فإذا قال قائل: يحتمل أنه أخبر بعد أن فعل، قلنا: أين الدليل؟ الأصل عدم ذلك وحينئذٍ يبقى الاستدلال بهذا الحديث واضحًا بأن الرجل كان عالمًا بأنه حرام ولكنه جاهل بماذا يجب عليه، هل يقاس على ذلك ما لو زنا رجل وهو يعلم أن الزنا حرام، لكنه يجهل الحد الواجب فيه؟ يقاس عليه لا شك؛ لأن العلم بالعقوبة ليس بشرط؛ الشرط العلم بالحكم الشرعي فإذا علم الإنسان الحكم الشرعي وأقدم على انتهاكه عوقب بما يقتضيه ذلك الانتهاك والعلم بالحد ليس بشرط، وقد مرَّ علينا في (كتاب الحدود) أن الشرط أن يكون عالمًا بالتحريم. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الكفارة المغلَّظة في الجماع في نهار رمضان؛ لأن النبي ﷺ أوجب عليه الكفارة، فإن قلت: هل يقاس على ذلك إذا كان صائمًا في قضاء رمضان أو لا يقاس؟ يقال: لا يقاس، والفرق بينهما حرمة الزمن، وعليه فلو أن الرجل جامع زوجته وهو يصوم رمضان قضاء فلا كفارة عليه؛ وذلك لأن وجوب الكفارة من أجل انتهاك الصوم في زمن محترم وهو نهار رمضان، ويدلكم على هذا لو أن رجلًا أفطر في قضاء رمضان عامدًا فالفطر حرام ويلزمه الإمساك، وإذا كان الجماع في نهار رمضان يمتاز عن غيره بهذه العلة فإنه لا يمكن

стр. 1446

إلحاق غيره به، من جامع زوجته في كفارة هل عليه كفارة؟ ليس عليه كفارة لكن صومه يبطل بلا شك، لكنه ليس عليه كفارة ككفارة المجامع في نهار رمضان. وهل من فوائد الحديث: أن الرجل لو جامع غير زوجته في نهار رمضان فليس عليه شيء؟ إذا قيل من باب أولى قد يقول قائل: إن هذا سيحد ويكتفى بحده عن الكفارة فلا يجمع عليه كفارتان، فالجواب عن ذلك: أن يقال: أما قوله: "على امرأتي" فهذا وصف طردي لا أثر له، الوصف الطردي الذي يسميه بعض الأصوليين مفهوم اللقب هذا لا أثر له، والأثر الحقيقي للمعنى وهو الفعل الذي هو الجماع هذا وجه، وجه آخر لا يمكن أن نقول هذا؛ لأنه الأغلب، لأنك لو قلت: إنه الأغلب معناه: في غير الأغلب يطأ غير زوجته، لكن نقول: هذا وصف طردي ليس قيدًا فلا يؤثر في الحكم، إذن نقول: إذا جامع امرأته في نهار رمضان فإن انطبقت عليه شروط الحد وجب عليه شيئان: كفارة الجماع، والثاني: الحد، وإن وقع على غير امرأته على وجه يعذر فيه كالوطء بشبهة فعليه الكفارة فقط، وإذا وقع على أمنه ففيه الكفارة فقط. ويستفاد من هذا الحديث: أنه لو جامع زوجته في رمضان وهو صائم والصوم غير واجب عليه فلا كفارة عليه، يؤخذ ذلك من قوله: "هلكت"؛ لأن المسافر لو أفطر في نهار رمضان وهو صائم لا يهلك فمباح له ذلك، وعلى هذا فلو أن رجلًا كان مع امرأته في نهار رمضان صائمين وهما مسافران فجامعها فلا شيء عليه. ويستفاد من هذا الحديث: جواز الفتوى بدون السؤال عن الموانع؛ لأن النبي ﷺ لم يسأله لم يقل: هل أنت مسافر؟ ولكن أفلا يحتاج هذا إلى نقاش؟ نعم، كيف؟ لأن قوله: "هلكت" يدل على أن الصوم واجب عليه وحينئذٍ لا يستقيم هذا الاستدلال، ولكن المسألة من حيث هي صحيحة، يعني: أنه يجوز للمفتي أن يفتي ولا يسأل عن الموانع، فلو جاءه رجل وقال: إني طلقت زوجتي طلقة فهل لي أن أراجعها، هل يلزم أن يقول: طلقتها في الحيض، طلقتها في طهر لم تجامعها فيه أو طهر جامعتها فيه، طلقتها حاملًا؟ لا، لو جاءه يسأل: هلك هالك عن ابن وعم هل يلزمه أن يسأل هل الابن قاصر، هل هو رقيق، هل هو مخالف لدين أبيه؟ لا، فذكر الموانع لا تتوقف عليه الفتوى، أما التفصيل في أمر وجودي فلا بد منه، كما لو قال السائل: هلك هالك عن أخ وبنت وعم شقيق، فهنا البنت لا نحتاج أن نستفصل فيها، لها النصف، والعم الشقيق والأخ يحتاج إلى أن يستفصل، يقول: ما الأخ؟ إن كان أخًا من أمٍّ فالباقي بعد فرض البنت للعم، وإن كان أخًا لغير أم فالباقي بعد فرض البنت للأخ، وحينئذٍ نحتاج إلى استفصال بخلاف ذكر الموانع، فليست بشرط إنما لو ذكر المانع في الاستفتاء يجب أن يفتي على حسب المانع.

стр. 1447

ومن فوائد الحديث: السؤال عن المجمل سؤال المفتي عن المجمل لقوله: "ما أهلكك؟ ". ومن فوائده أيضًا: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: "يا رسول الله"، فأقره النبي ﷺ . ومن فوائده: أنه تنبغي الكناية عما يستحيا منه لقوله: "وقعت على امرأتي"، ولم يقل: جامعت. ومن فوائده: الاستفهام عن الشيء مرتبة مرتبة إذا كان له مراتب؛ لأن الرسول ﷺ قال: هل تجد كذا؟ هل تجد كذا؟ ومن فوائده: أنه لا يجزئ الجمع بين خصلتين من خصال الكفارة، كما لو أعتق نصف عبد وأطعم ثلاثين مسكينًا أو صام شهرًا؛ لقوله: "رقبة"، وقوله: "شهرين"، وقوله: "ستين مسكينًا". ومن فوائده: أن كفارة الجماع في نهار رمضان على الترتيب؛ لأن الرسول ﷺ لم ينتقل عن خصلة إلَّا حين قال الرجل: إنه لا يجد. ومنها: فضيلة العتق؛ لأنه بدأ به أولًا؛ ولأنه كفارة عن هذا الذنب العظيم. ومنها إثبات الرِّق شرعًا لقوله: "هل تجد ما تعتق؟ "، فإذن الرق ثابت. ومنها: جواز قول الإنسان لذي الشرف والمنزلة العظيمة: لا، دون أن يلجأ إلى قوله: سلامتك. ومنها أيضًا: صحة الاكتفاء بالجواب بما يدل عليه لقوله: لا، فإن كلمة "لا" تتضمن جملة السؤال، ولهذا يقال: إن السؤال معاد في الجواب. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان مؤتمن على عباداته، يؤخذ من اكتفاء الرسول ﷺ بجواب الرجل بقوله: "لا"، لم يقل: هات بينة أنك لم تجد، ولم يقل له حين قال: لا أستطيع الصوم: إنك امرؤ شاب تستطيع، فالإنسان مؤتمن على عباداته، ولهذا قال العلماء: إن الرجل يُصدَّق إذا قال: إني صليت، أو قال: إني أديت الزكاة، أو قال: إني صمت، أو قال: إني كفَّرت، أو ما أشبه ذلك، ويصدَّق بلا يمين؛ لأنه مؤتمن على عباداته، اللهم إلا فيما كان فيه حق لآدمي كالزكاة فإنه قد يتوجه إلزامه باليمين أحيانًا إذا اتهمه القاضي أو شكَّ في أمره، أما الحق الخاص المحض لله تعالى فهذا لا يحلف عليه الإنسان؛ لأنه مؤتمن على دينه فيما بينه وبين ربه. ومن فوائد الحديث: اشتراط التتابع في صيام الشهرين؛ لقوله: "متتابعين" فلو أفطر بينهما يومًا واحدًا أعاد من جديد، حتى وإن لم يبق إلا آخر يوم فإنه يعيد من جديد، ولكن لو أفطر لعذرٍ كمرض وسفر وما أشبه ذلك فهل يقطع التتابع؟ لا، ولماذا؟ لعموم قوله تعالى: ﴿فاتَّقوا الله ما

стр. 1448

استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وهذا ملتزم بتقوى الله وأن يصوم شهرين متتابعين لكن حصل له مانع، ماذا تقولون لو سافر ليفطر هل ينقطع التتابع؟ نعم؛ لأن هذا حيلة على إسقاط ما أوجب الله عليه. ومن فوائد الحديث: أن المعتبر الشهور لا الأيام؛ لقوله: "شهرين"، والشهر- كما قال النبي ﷺ : يكون هكذا وهكذا، وهكذا وهكذا، وقبض الإبهام يعني: يكون تسعة وعشرين، وعلى هذا فإذا ابتدأ الصوم في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول ينتهي في اليوم السادس عشر من شهر جمادي الأولى حتى وإن كان شهر ربيع الأول ناقصًا وشهر ربيع الثاني أيضًا ناقصًا، فإذا كانا ناقصين سيصوم ثمانية وخمسين يومًا. ومن فوائد الحديث: أنه لا بد من إطعام ستين مسكينًا، لا إطعام طعام ستين مسكينًا وبينهما فرق، إذا قلنا: إطعام طعام ستين مسكينًا صار معناه: أن يجمع ما يكفي ستين مسكينًا ويعطيه ولو مسكينًا واحًدا وهذا لا يجوز، بل لا بد من إطعام ستين مسكينًا؛ لقوله: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا". ومنها: أننا إذا رجعنا إلى البدل أخذنا بكمال المبدل منه من قوله: "ستين مسكينًا"، ولم يقل: إطعام ما يقابل صيام شهرين متتابعين؛ لأنا نقول الصيام: أن تواصل وما يكون شهران، لكن في الإطعام تطعم ستين مسكينًا عن ستين يومًا؛ لأن الله جعل على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين. ومن فوائد الحديث: عظم الجماع في نهار رمضان؛ لقوله: "هلكت"، ولإيجاب الكفارة المغلظة؛ لأن أغلظ الكفارات هذه، وكفارة الظهار، وكفارة القتل، فهذا يدل على أن الجماع في نهار رمضان من أعظم الذنوب. فإن قلت: هل تجب الكفارة بغير الجماع، كما لو أكل أو شرب أو أنزل بتقبيل أو ما أشبه ذلك؟ فالجواب: لا؛ لأن الإنسان لا ينال من الشهوة بهذه الأمور كما ينال بشهوة الجماع، ولأن شهوة الجماع شهوة تمتع وتلذذ، وشهوة الأكل في الغالب شهوة حاجة، فلهذا خففت، يعني: لو أن الإنسان أكل أو شرب عامدًا فلا كفارة عليه بخلاف الجماع. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان قد يرزق من حيث لا يحتسب؛ لأن الله ساق صاحب هذا التمر إلى أن جاء به إلى مجلس النبي ﷺ الذي كان فيه الفقير لقوله: "ثم جلس فأتي النبي .. " الخ. ومن فوائد الحديث: سقوط كفارة الوطء في نهار رمضان عند العجز عنها؛ لأنه كما قال: لا أستطيع إطعام ستين مسكينًا، لم يقل: تبقى في ذمتك، لكن يعكر على هذه الفائدة أنه لما

стр. 1449

جيء بالتمر قال: "خذ هذا وتصدَّق به" فإن هذا يدل على أنها لم تسقط، وسيأتي- إن شاء الله- البحث فيه قريبًا. ومن فوائد الحديث: أ، الإنسان ينبغي له إذا استفتي مفتيًا في حلقة علم أن يجلس لينال فضل العلم؛ لقوله: "ثم جلس". ومن فوائد الحديث: أنه يجوز دفع الصدقات للإمام ليقوم بدفعها لأهلها لقوله: "فأتي النبي .. " إلخ؛ لأن الرسول ﷺ هو الإمام والناس يأتون إليه أحيانًا بمثل هذا ليصرفه في أهله. ومن فوائد لحديث: أن الإمام مخيَّر في صرف ما يأتيه من الأموال، بمعنى: أن له أن يخص به من شاء، فلا يقال: يجب أن يوزعه على الناس بالسوية. يؤخذ ذلك: من إعطائه للرجل وقال: "تصدق به" مع أن الرجل في الواقع لم يأخذه إلا لدفعه الكفارة وليس لحاجته الخاصة، إذن لو أن أحدًا من الناس أرسل إليك دراهم من الزكاة لتنفقها ورأيت رجلًا طال علة صاحب دين محتاجًا للزواج يحتاج إلى عشرين ألفًا للزواج والدراهم التي أتتك عشرون ألفًا هل يجوز أن تعطيها لهذا الرجل وحده؟ نعم؛ لأنه من أهل الزكاة. ومن فوائد الحديث: جواز مساعدة الإنسان في الكفارة لقوله: "خذ هذا فتصدَّق به". ومن فوائده: أن الكفارة تسمَّى صدقة لقوله: "تصدَّق به"، والجامع بينهما: أن الصدقة كما قال النبي ﷺ : "تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"، والكفارة أيضًا تذهب خطيئة هذه المعصية التي كفر عنها. ومن فوائده: جواز ذكر الإنسان حاله من غنى أو فقر أو مرض أو حاجة لا على وجه الشَّكاية إلى الخلق لقول الرجل: "أعلى أفقر منَّا؟ "، وهل يجوز على سبيل السؤال أن تطلب من شخص أمين لعله يعطيك؟ نعم؛ لأنه حين قال: "أعلى أفقر منَّا" فإن لسان الحال يقول: أعطني إيَّاه، وعلى هذا فيجوز للإنسان أن يذكر حاله للشخص تعريضًا لإعطائه، وإن كان هذا الرجل جاء يستفتي، لكن نقول: إذا جاز لهذا- وهو إنما جاء ليستفتي- فالذي جاء للغرض نفسه من باب أولى ما دام الشرع أباح له وإلا لكنا نقول: أنت ما جئت لهذا، أنت جئت لتنقد نفسك مما وقعت فيه، ولا ينبغي لك إذا جئت لهذا الغرض أن تدخل أمور الدنيا في هذا. ومن فوائد الحديث: جواز إخبار الإنسان عما لا يحيط به علما بحسب ظنه؛ لقوله: "فما بين لابتيها ... " إلخ؛ لأن هذا لو أردنا أن نصل إلى العلم اليقين فيه لكان لا بد أن نبحث كل بيت وحده، وهذا الرجل ما بحث إلا بيته وحده قطعًا. إذن يجوز أن تخبر عما يغلب على ظنك ولا يعد هذا رجمًا بالغيب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. ولم يقل: إن الظن

стр. 1450

إثم؛ لأن الظن المبني على القرائن ليس بإثم، كذلك الظن الذي لا يحقق بمعنى: أن الإنسان اتهم أحدًا بشخص ثم ذهب يبحث ويتجسس هذا لا يجوز. ومن فوائد الحديث: جواز ضحك الإمام بحضور رعيته، والنبي ﷺ إمام الأئمة وهو أشد الناس حياء، لو كان هذا مما يستحيا منه ما فعله الرسول ﷺ ، هذه تدل على طيب النفس وسعة الخلق. بعض الناس إذا كان له منزلة أو جاه يأنف أن يضحك حتى لو ضحك الناس فنقول: ضحك من هو خير منك الرسول ﷺ . وفيه أيضًا: أن الرسول ﷺ كما أنه يتبسم كثيرًا فإنه يضحك أحيانًا. هل يستفاد منه أيضًا: جواز الضحك على ما يتعجب منه؟ نعم، مطلقًا حتى غير الإمام لأنه إذا جاز للإمام الذي هو محل الوقار فجوازه لغيره من باب أولى لكن لا بد أن يكون لها سبب، ولكن من غير سبب من قلة الأدب، لكن بسبب فهذا يعتبر أن الإنسان على فطرته وليس عنده تزمت ولا انزواء ولا كبرياء؛ لأن ما تدعو الفطرة إلى الضحك فيه هذا لا بأس به. ومن فوائد الحديث: أن الأمر قد يراد به الإباحة، الشاهد: "أطعمه أهلك"، هذا أمر لكنه يراد به الإباحة، وهكذا نأخذ قاعدة أن الأمر بعد الاستئذان للإباحة؛ لأن الاستئذان يفيد المنع، فإذا جاء الأمر بعد المنع فهو للإباحة كما قال العلماء- ﵏: إن الأمر بعد النهي للإباحة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٣]. وهل من فوائد الحديث: جواز كون الإنسان مصرفًا لكفارته؟ قال: "أطعمه أهلك" هل هو على سبيل الكفارة أو على سبيل أنك في حاجة والكفارة ما تجب إلا لغني قادر عليها، أيهما؟ ستقولون: يحتمل الرجل الآن هو غني حين أعطى لكن بيته في حاجة، الآن هو يقول: نحن محتاجون كل من في المدينة أغنى منا، الذي ليس في البلد أحوج منه، معناه: أنه هو المسكين وحينئذٍ لا تجب عليه الكفارة، بعض العلماء استنبط هذه الفائدة: أنه يجوز أن يكون الإنسان مصرفًا لكفارته بشرط أن يقوم بها غيره، أما أن يقوم بها هو فغير صحيح، واحد عليه إطعام ستين ويذهب يشتري ما يكفي طعام مسكين ويعطيه عياله ليأكلوها، هذا لا يصلح، لكن إذا أعطاها إياه غيره فهذا يدل على جواز ذلك، لكن علماء آخرين قالوا: هذا ليس بصحيح، ولا يستفاد هذا من الحديث لأن قول الرسول ﷺ : "أعطه أهلك" إنما أعطاه إياه لا على أنه كفارة ولكن على أنه لدفع حاجته، بدليل أنه لا بد من إطعام كم؟ ستون مسكينًا، ومن يقل: إن هؤلاء- أهل الرجل- ستون نفرًا، فإن قلت: يمكن ذلك، لكن نقول: حتى وإن كان ممكنًا كان على الرسول ﷺ أن يقول: هل أهلك يبلغون ستين مسكينًا؟ حتى يتبين أن ذلك من أجل الكفارة، ولهذا الصواب في هذه المسألة أن الرسول ﷺ قال: "أطعمه أهلك" من باب دفع الحاجة لا من

стр. 1451

باب الكفارة. يبقى النظر في الفائدة التي أشرنا إليها وهي: هل تسقط الكفارة عن الفقير أو تبقى دينًا في ذمته؟ فيه خلاف؛ بعضهم قال: إنها لا تسقط؛ لأن هذا دين، والدَّين لا يسقط بالإعسار بل يبقى في ذمة المدين إلى أن يغنيه الله، ويدل لذلك أن الرسول ﷺ بعد أن قال الرجل: إنه لا يستطيع، قال: "خذ هذا فتصدَّق به"، ولو كانت ساقطة بعدم الاستطاعة لكان الرسول ﷺ يقول: سقطت عنك، ويعطيه هذا إما لدفع حاجته، وإما يعطيه غيره من الناس، وهذا في الحقيقة إيراد جيد، هذا القول بأنها لا تسقط بالعجز، ولكن الصحيح: أنها تسقط بالعجز، ويدل لذلك: أولًا: عموم قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وقوله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. هذا واحد. ثانيًا: تدبرنا جميع موارد ومصادر الشريعة ووجدنا أنها لا توجب على الإنسان ما لا يستطيع، فالزكاة لا تجب على الفقير، والحج لا يجب على الفقير، والصوم لا يجب على العاجز عنه، وهكذا أيضًا هذه الكفارة لا تجب على العاجز عنها. ثالثًا: أن الرسول ﷺ لما قال: "أطعمه أهلك" لم يقل: وإذا اغتنيت فكفر، وهذا يدل على سقوطها، وأما قول الرسول: "خذ هذا فتصدَّق به"، فيمكن أن يجاب عنه بأن الرجل إذا اغتنى في الحال فإنه تلزمه الكفارة مثل لو كان حين الجماع في نهار رمضان فقيرًا وفي هذا اليوم أو بعده بيوم مات له مورث غني فاغتنى، حينئذ نقول: تجب عليك الكفارة؛ لأن الوقت قريب فيمكن أن يفرق بين شخص اغتنى قريبًا وشخص آخر لم يغتن، فإن هذا لا تلحقه، وهذا أقرب شيء، أي: أنها تسقط بالعجز لشهود الأدلة بذلك. في هذا الحديث اختلاف في الألفاظ فهل هذا الاختلاف يقتضي أن يكون الحديث مضطربًا، وإذا اقتضى أن يكون مضطربًا صار الحديث ضعيفًا؛ لأن المضطرب من قسم الضعيف؟ فالجواب: لا؛ لأن الاختلاف في الألفاظ إذا كان لا يعود إلى أصل الحديث فإنه لا يضر؛ لأن الأصل المقصود من الحديث هو وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، والروايات كلها متَّفقٌة في ذلك، أما اختلاف الألفاظ في كونه أقسم أن ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منه، وأطعمه أهلك، وما أشبه ذلك فهذا لا يضر، وهذه القاعدة ذكرها المحدثون، وممن ذكرها ابن حجر عند اختلاف الرواة في حديث فضالة بن عبيد حين اشترى قلادة من ذهب باثني عشر دينارًا ففصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فالرواة اختلفوا في الثمن فقال ابن حجر: إن هذا لا يضرٌّ؛ لأن هذا في أصل الحديث، واختلاف الرواة في مقدار الثمن هذا أمر قد يقع، إذ إن الإنسان قد ينسى الثمن، هذه أيضًا اختلاف الألفاظ ولكنها لا تعود إلى أصل

стр. 1452

الحديث، وعلى هذا فالحديث سالم من الاضطراب وهو صحيح. مسألة: هل المرأة زوجة الرجل عليها كفارة ؟ الحديث ليس فيه شيء، فمن ثمَّ اختلف العلماء هل على المرأة المجامعة كفارة أو لا؟ منهم من قال: إنه لا شيء عليها؛ لأن النبي ﷺ لم يقل له: مر أهلك بالكفارة والسكوت عن الشيء مع داء الحاجة إلى ذكره دليل على عدم وجوبه، فسكوت الرسول ﷺ مع أن الحاجة داعية للذكر- يدل على أنه ليس بواجب. ومنهم من قال: بل المرأة المختارة كالرجل؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا بدليل، وأجاب عن هذا الحديث بعدة أوجه: الأول: قال: إن هذا الرجل جاء يستفتي عن نفسه، والاستفتاء عن النفس في أمر يتعلق بالغير يجاب للإنسان فيه على قدر استفتائه ولا يبحث عن الغير، واستدلوا لذلك بأن هند بنت عتبة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح .. الخ، فقال لها النبي ﷺ : "خذي من ماله ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف"، ولم يطلب أبا سفيان يسأله هل كلام المرأة صحيح أم لا. ثانيًا: أن الرجل يقول: "هلكت وأهلكت"، وهذا يشعر بأنه قد أكره الزوجة ولم يقل: هلك معي أهلي، ومعلوم أن الزوجة إذا كانت مكرهة فليس عليها شيء، فيكون هنا لم تذكر الكفارة على المرأة لوجود ما يشعر أنها مكرهة، والمكرهة ليس عليها شيء. ثالثًا: ربما كانت هذه المرأة غير صائمة، لماذا؟ قد تكون مريضة لا تستطيع الصوم أو طهرت من الحيض بعد طلوع الفجر، والصحيح: أن من طهرت من الحيض بعد طلوع الفجر لا يلزمها الإمساك فتأكل وتشرب، ولو أن زوجها قدم من سفر وهي طهرت بعد الفجر وهو قد بعد الفجر جاز له أن يجامعها؛ لأن كلا منهما لا يلزمه الصوم ربما تكون حائضًا، لكن هذه بعيدة بالنسبة لحال الصحابة، لكن فيه احتمال عقلًا وليس بممتنع، قد تكون حاملًا جاز لها الفطر كل هذا ممكن، قد تكون مرضعًا جاز لها الفطر، إذن المرأة فيها احتمالات كثيرة، وعندنا قاعدة أصلية مؤصلة في الشريعة وهي: تساوي الرجال والنساء في العبادات إلا ما قام عليه الدليل، وحينئذٍ فنقول: المرأة المطاوعة كالرجل، فإذا أطاعت المرأة زوجها في الجماع في نهار رمضان فإن عليها من الكفارة ما على زوجها إعتاق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكينًا. إذا كانت هي تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين وزوجها لا يستطيع، فماذا يكون؟ تصوم وزوجها يطعم، فإذا قال زوجها: تبطئ عليَّ شهرين متتابعين صائمة. نقول له: لك الليل يكفيك أجعلها تصوم.

стр. 1453

هل على من تعمد الفطر كفارة ؟ فيه بحث آخر لم يذكر النبي ﷺ لهذا الرجل قضاء ذلك اليوم، فهل نقول: إنه لا قضاء عليه؛ لأنه قد تعمد الفطر؟ نقول: ذهب إلى هذا بعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية قال: من تعمد الفطر في نهار رمضان فلا قضاء عليه، ومعنى: لا قضاء عليه، أنه لا يقبل منه القضاء، فعليه أن يتوب عن الفطر وعن الصوم، وقال ﵀: إن أمر المجامع بالقضاء ضعيف؛ لأنه ورد أن الرسول ﷺ قال: "صم يومًا مكانه"، لكن هذا الحديث يقول سيخ الإسلام: إنه ضعيف، نحن نقول: عدم ذكر الصوم هنا إما أن يخرَّج على ما خرجه عليه شيخ الإسلام وهو أن المتعمد لا يقضي؛ لأنه غير معذور، هذا واحد، وهذا فيه نظر؛ لأن القول الراجح أن الإنسان إذا شرع في الصوم لزمه وصار في حقه كالنذر؛ لأنه يبتدئ به معتقدًا لزومه ووجوبه عليه فهو كالناذر، والنذر يجب الوفاء به ولو أفسده صاحبه، وعلى هذا فنقول: إذا شرع في الصوم ثم أفطر متعمدًا فهو آثم وعليه القضاء، أما إذا لم يشرع في الصوم أصلًا تعمد أن يفطر هذا اليوم من قبل الفجر، فالصحيح: أنه لا قضاء، بمعنى: لا ينفعه القضاء؛ لأنه تعمد تأجيل العبادة عن وقتها بدون عذر، وكل عبادة مؤقتة إذا تعمد الإنسان تأجيلها أو تأخيرها عن وقتها فإنها لا تقبل منه. إذن هل هناك وجه آخر؟ نعم، ما هو؟ قال بعض العلماء: لم يوجب عليه قضاء الصوم؛ لأنه أوجب الكفارة فكانت الكفارة كفارة عن هذا اليوم وعن الجماع، فهما ذنبان دخل أحدهما في الآخر وصارت الكفارة لهما جميعًا؛ لأن الكفارة للأمرين للوطء والفطر، وعلى هذا فيكتفي بها عن الصوم، هذا جواب ثانٍ. وجواب ثالث: قالوا لم يذكر وجوب الصوم عليه؛ لأن هذا أمر معلوم أن من أفطر يومًا فعليه قضاؤه، وما كان أمرًا معلومًا فإنه لا حاجة إلى التنصيص عليه؛ لأن الرجل هو نفسه قد أقر بأنه هلك، فكان مقتضى الحال أن يكون ملتزمًا بقضاء هذا اليوم. ويوجد مناقشة ثانية: هل في الحديث دليل على أن الجماع مفسد للصوم موجب للكفارة، سواء كان الإنسان عالمًا أو جاهلًا أو ذاكرًا أو ناسيًا؟ قال بعض العلماء: فيه دليل؛ لأن الرسول لم يستفصل هل عليه قضاء أم لا؟ حكم الجماع ناسيًا أو جاهلًا: وهل لو جامع الإنسان وهو جاهل يفسد صومه أو لا؟ نقول: إن ظاهر الحديث وهو قوله: "هلكت" يدل على أن الرجل كان عالمًا بذلك؛ لأنه لا هلاك إلا مع علم، ولكن قد يقول قائل:

стр. 1454

ربما أن هذا الرجل أخبر بعد أن فعل بأن هذا حرام فقال: "هلكت". نقول: نعم، هذا الاحتمال وارد، ولكن الأصل أخذ الكلام على ظاهره، وأن الرجل علم أنه هالك قبل أن يخبر؛ لأن الإخبار وارد على حاله والأصل عدمه، وعلى هذا فنقول: ليس فيه دليل على أن من جامع وهو جاهل فعليه الكفارة، بل الجماع مع الجهل كالأكل مع الجهل وكسائر المحظورات مع الجهل فإنه يعذر فيها. حكم الصائم إذا أصبح جنبًا: ٦٤٤ - وعن عائشة وأمِّ سلمة ﵄: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصبح جنبًا من جماعٍ، ثمَّ يغتسل ويصوم". متَّفقٌ عليه. - وزاد مسلمٌ في حديث أمِّ سلمة: "ولا يقضي". قولها: "كان يصبح" ذكر أهل العلم أن "كان" تفيد الاستمرار لا دائمًا، بل غالبًا إذا كان خبرها فعلًا مضارعًا، ويدل على أنها لا تفيد الاستمرار دائمًا أن الواصفين لصلاة الرسول ﷺ تجدهم يقولون: كان يقرأ في صلاته كذا، والآخر يقول: كان يقرأ كذا وكذا، مثل: القراءة في صلاة الجمعة. وقولها: "يصبح جنبًا من جماع" هل نقول: إن قولها: "من جماع" من باب التوكيد أو من باب الاحتراز؟ الاحتراز؛ لأنه قد يباشر ويكون جنبًا بالمباشرة. الاحتلام ممتنع في حق الرسول ﷺ وهذا من خصائصه، وقولها: "من جماع"، "من" هذه سببية، أي: بسبب الجماع، "ثم يغتسل ويصوم"، ومعنى قولها: "ويصوم" أي: يستمر في صومه؛ لأن الصوم يكون من قبيل طلوع الفجر، لكن معناها: ثم يصوم؛ أي: ثم يتم صومه ولا يعد بذلك مفسدًا، ثم قالت: "ولا يقضي"، وهذا النفي في حديث أم سلمة لا يحتاج إليه لكن ذكر على سبيل التوكيد؛ وذلك لأن السكوت عن القضاء دليل على عدمه. في هذا الحديث دليل على أنه: يجوز للإنسان أن يصبح جنبًا وهو صائم ولا حرج عليه في ذلك، مثل: أن يجامع زوجته قبيل الفجر أو قبل الفجر ثم لا يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فلا بأس بذلك، وهذا الحكم دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فالئن بشروهنَّ وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتَّى يتبيَّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى الَّيل﴾ [البقرة: ١٨٧]. ووجه الدلالة من الآية: أن الله أباح لنا مباشرة النساء، والأكل، والشُّرب إلى طلوع الفجر، وهذا يستلزم أن يكون الإنسان مجامعًا إلى آخر لحظة من الليل، وإذا كان كذلك فلا بد أن يطلع عليه الفجر وهو لم يغتسل، وهذا يسميه العلماء من باب دلالة الإشارة.

стр. 1455

ويستفاد من الحديث: جواز التصريح بما يستحيا منه للحاجة والمصلحة لقول أمهات المؤمنين: "كان يصبح جنبًا من جماع"، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما يستحيا منه فلا بأس؛ لأن الله لا يستحيي من الحق. وفيه دليل أيضًا: على جواز صوم الحائض إذا طهرت قبل أن تغتسل من باب القياس؛ لأن كلًّا من الحائض الطاهر قبل أن تغتسل والجنب كلٌّ منهما يجب عليه الغسل، فإذا صح صوم الجنب صح صوم الحائض. وفيه أيضًا دليل: على أن هذا شامل للفرض والنفل، وجهه: عدم التفصيل هذا من وجه، ووجه آخر قولها: "ولا يقضي"؛ لأن القضاء من خصائص الواجب. وفيه أيضًا دليل: على جواز مجامعة الرجل زوجته قبيل الفجر بل كل الليل؛ لقوله سبحانه: ﴿حتَّى يتبيَّن لكم﴾، إن طلع الفجر عليه وهو يجامع المذهب أنه إن بقي وجبت عليه الكفارة، وإن نزع وجبت عليه الكفارة، إن بقي واضح للمعصية في قوله: ﴿فالئن بشروهنَّ﴾ إلى قوله: ﴿حتَّى يتبيَّن لكم﴾، وإن نزع فالنزع عندهم جماع؛ لأن الإنسان يتلذذ به، فيكون هذا واقعًا في الإثم وتلزمه الكفارة، والصحيح: أنه لا يلزمه شيء إذا نزع فورًا، وأن هذا النزع ليس بحرام بل هو واجب، وما كان واجبًا فإنه لا يؤثَّم به الإثم، وإذا لم يؤثَّر فلا كفارة، ولكن يجب عليه من حين يعلم أن الفجر طلع يجب عليه أن ينزع، فإن قلت: هل علم الفجر يكون بالأذان؟ ينظر بعض المؤذنين يؤذن قبل الفجر، لكن إذا علمت أن هذا المؤذن لا يؤذن حتى يرى الفجر أو يخبره عنه ثقة، وجب عليك أن تعمل به؛ لأن النبي ﷺ قال: "وإن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" هكذا قال النبي ﷺ ، وبناء على ذلك فإن الإنسان إذا سمع المؤذن وكان يعرف أن هذا المؤذن ثقة راتب لا يؤذن إلا إذا رأى الفجر، أو أخبر به ثقة، فإنه يجب عليه العمل بالسماع، فإن شك فالأصل بقاء الليل، لكن ينبغي للإنسان ألَّا يعرض صومه للخطر. حكم من مات وعليه صوم: ٦٤٥ - وعن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه". متَّفقٌ عليه. "من" اسم شرط، فعل الشرط "مات"، و"صام عنه وليه" جواب الشرط، وجملة "وعليه صيام" جملة في موضع نصب، يعني: من مات والحال أن عليه صيامًا فإنه يصوم عنه

стр. 1456

وليه. قوله: "وعليه صيام" هذا ظاهر في أن المراد به: الصوم الواجب؛ لأن صوم التطوع لا يقال "عليه"؛ لأن "على" إنما تفيد الوجوب، وقوله: "صام عنه وليه" هذا خبر بمعنى الأمر، والمعنى: فليصم، وهذا الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ نقول: إنه للاستحباب، إذ لو قلنا: إنه للوجوب لزم من تركه أن يأثم الولي، وقد قال الله : ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. و"الوالي" هو الوارث لقول النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر"، فدل ذلك على أن الأولياء هم الورثة وأن فيهم الأولى وغير الأولى، وقيل: إن الولي هو القريب مطلقًا فيشمل الوارث وغيره، فلو هلك هالك عن عم وابن عم صار ابن العم وليًّا كما أن العم ولي، وعلى القول الأول يكون الولي هو العم فقط. وقوله: "من مات وعليه صيام"، كلمة "صيام" نكرة تشمل أي صيام واجب من كفارة أو نذر أو قضاء أو غير ذلك؛ لأنه عام مطلق، ولكن متى يكون عليه الصيام؟ يكون عليه الصيام إذا تمكن منه فلم يفعل، أما إذا لم يتمكن فليس عليه صيام، مثال ذلك: رجل نذر أن يصوم ثلاثة أيام ثم مات من يومه فهذا ليس عليه شيء، لماذا؟ لأنه لم يتمكن. رجل كان عليه قضاء من رمضان ولكن مرض في يوم العيد واستمر به المرض حتى مات فليس عليه صيام فلا يصام عنه، لماذا؟ لأنه لم يتمكن من الفعل، وكان عليه عدة من أيام أخر ولم يدرك هذه الأيام الأخر، رجل كان مريضًا في رمضان مرضًا لا يرجى برؤه ثم مات هذا يطعم عنه؛ لأن الواجب عليه ليس هو الصيام بل الإطعام. من فوائد هذا الحديث: أولًا: مشروعية الصيام للولي إذا مات مورِّثه قبل أن يصوم الواجب عليه، يؤخذ ذلك من قوله: "صام عنه وليه"، ولولا هذا لكان الصيام عنه بدعة، وكل بدعة ضلالة. ويستفاد منه: أن من مات وعليه صيام من رمضان، فإنه يصام عنه لعموم قوله: "وعليه صيام"، وهذا هو القول الراجح في هذا الحديث، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد، وذهب آخرون إلى أنه يصام النذر ولا يصام قضاء رمضان، فالأقوال إذن ثلاثة، حجة القائلين بأنه لا يصام عن أحد حديث روي عن النبي ﷺ : "لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد"، قالوا هذا عام فيكون هذا الحديث على رأيهم منسوخًا؛ لأنهم لا يقولون به،

стр. 1457

ويقولون: لو قلنا: إنه يصوم عنه فإن أثَّمناه بعدم الصوم خالفنا قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾، وإن لم نؤثمه فقد يكون مخالفًا لظاهر الحديث؛ لأن ظاهر الحديث: "صام عنه وليه" هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، أما الذين قالوا: إن هذا في النذر دون الواجب بأصل الشرع فقالوا: لأن الواجب بأصل الشرع أوكد من حيث الفرض من الواجب بالنذر؛ لأن الواجب بأصل الشرع أوجبه الله على عباده عينًا، والواجب بأصل النذر أوجبه الإنسان على نفسه، فدخلته النيابة دون الواجب بأصل الشرع فهو كما لو التزم الإنسان بدينٍ عليه ثم مات، فإنه يقضي عنه، ولكن نقول: هذا تعليل عليل كالأول، الأول رددناه بأن الحديث ضعيف، والثاني لو فرض صحته لكان عامًّا يخصص بهذا الحديث، ويكون معنى: "لا يصوم أحد عن أحد"، يعني: لو كنا أحياء، وجاء شخص وقال: أنا أعرف أن الصوم يكلفك، ولكن أصوم عنك هذا لا يجوز، أما إذا مات فهي مسألة خاصة فتكون مخصصة للعموم على تقدير صحة الحديث، أما على رأي من قال: إنه خاصٌ بالنذر، فنقول لهم: هذا ضعيف أيضًا؛ لأننا لو نظرنا إلى الواجب بأصل الشرع والواجب بأصل النذر من الصيام لوجدنا أن الواجب بالنذر قليل بالنسبة إلى الواجب بأصل الشرع، متى يأتي رجل ينذر أن يصوم، لكن متى يكون على الرجل قضاء من رمضان؟ كثير، فكيف نحمل الحديث على الشيء النادر القليل وندع الشيء الكثير؟ هذا بعيد، إذا حملنا كلام الرسول ﷺ على شيء نادر وألغينا الشيء الكثير فهذا صرف للكلام عن ظاهره، وعلى هذا فنقول: الصواب بلا شك أنه يجوز أن يصام عن الميت ما كان واجبًا بأصل الشرع وما كان واجبًا بالنذر. رجل مر به رمضان وهو مريض مرضًا معتادًا يرجى برؤه كالزكام مثلًا، استمر به المرض حتى مات في آخر شوال هل يقضى عنه؟ لا يقضى عنه، لماذا؟ لأنه لم يتمكن، والمريض عليه عدة من أيام أخر. رجل آخر عليه قضاء من رمضان كان مسافرًا لمدة خمسة أيام وقدم من سفره، وبعد مدة مرض ومات هل يصام عنه؟ نعم، يصام عنه؛ لأن هذا قد وجب عليه الصوم وتمكن منه وفرط فيه. هل يصام عنه متتابعًا أو متفرقًا؟ نقول: ظاهر الحديث "صام عنه وليه" أنه يجوز متتابعًا ويجوز متفرقًا، كما أن الأصل أن الميت الذي عليه الصوم لو صام متتابعًا أو متفرقًا جاز، فكذلك من يصوم عنه يجوز متتابعًا ومتفرقًا. في الحديث دليل على أنه: لو اجتمع عدد من الأولياء وصام كل واحد منهم جزءًا مما عليه فهو جائز، يؤخذ من عموم قوله: "صام عنه وليه"، إلا إذا كان الصوم مما يشترط فيه التتابع فلا يجزئ مثل الكفارة فإنه لا يجزئ؛ لأن من ضرورة التتابع ألاَّ يصوم جماعة عن واحد، فمثلًا إذا

стр. 1458

قدَّرنا أنهم عشرون نفرًا، ووجب عليه صيام شهرين متتابعين فكل واحد يصوم ثلاثة أيام، لو صام واحد ثلاثة أيام والآخر ثلاثة أيام والثالث ثلاثة أيام ما صام كل واحد شهرين متتابعين حتى لو فرض أنه كلما فرغ واحد من ثلاثة شرع الثاني ثم الثالث ... إلخ، فإنه لا يصح؛ لأنه لم يصم كل واحد شهرين متتابعين، أما في رمضان فيمكن؛ لأن الله قال: ﴿فعدَّةٌ من أيَّامٍ أخر﴾ مطلقًا، ولهذا لو كان عليه عشرة أيام من رمضان وكان أولياؤه عشرة وصاموا في يوم واحد يجزئ. * * * * ١ - باب صوم التَّطوُّع وما نهي عن صومه "صوم التطوع" من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الصوم قد يكون واجبًا كرمضان والكفارة والفدية، وقد يكون تطوعًا، ثم قال: "وما نهي عن صومه" من الأيام والنهي عن الصوم قد يكون لأمر يتعلق بالشرع، وقد يكون لأمر يتعلق بالزمن كما سيأتي- إن شاء الله تعالى-، صوم التطوع من محاسن الدِّين الإسلامي، ومن رحمة الله تعالى بعباده؛ لأن صوم التطوع يكمل به الخلل الحاصل في صوم الفرض. ثانيًا: يزداد به إيمان الإنسان وثوابه عند الله ، ولولا أن شرع صوم التطوع لكان صوم التطوع بدعة يأثم به الإنسان، على هذا نقول: صوم التطوع فيه فائدتان: الأولى: تكميل الخلل الحاصل بالفرائض. الثانية: زيادة الأجر والثواب للفاعل، وقوله: "وما نهي عن صومه"، النهي معناه: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء، ويشمل هنا المنهي عنه تحريمًا والمنهي عنه تنزيهًا. فضل صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء: ٦٤٦ - عن أبي قتادة الأنصاريِّ ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة. فقال: يكفِّر السَّنة الماضية والباقية، وسئل عن صوم يوم عاشوراء. فقال: يكفِّر السَّنة الماضية، وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: ذلك يومٌ ولدت فيه، وبعثت فيه، أو أنزل عليَّ فيه". رواه مسلمٌ. هذه ثلاثة أيام سئل النبي ﷺ عن صومها أولًا: "يوم عرفة" ويوم عرفة: هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وسمِّي بذلك؛ لأن الناس يقفون فيه بعرفة، و"عرفة" اسم موضع معروف يقف الناس فيه في مناسك الحج، وهو ركن الحج الذي لا نظير له في العمرة؛ لأن أركان الحج غير الوقوف لها نظير في العمرة كالطواف، والسعي، والإحرام، أما الوقوف فلا نظير له، ومن ثمَّ قال

стр. 1459

النبي ﷺ : "الحج عرفة"، ولم يقل: الحج الطواف مع أنه ركن، وسمَّيت عرفة لعدة أقوال أصحها: أنها سمِّيت بذلك؛ لأنها مرتفعة، وهذه المادة "ع ر ف" تدل على الارتفاع، ومنه سمي عرف الديك لأنه مرتفع. يقول: "فقال: يكفر السَّنة الماضية"، "يكفر" التكفير بمعنى: السَّتر ومعنى يكفر السَّنة الماضية، يعني: يستر الذنوب التي وقعت من الإنسان في السَّنة الماضية، وكذلك في السَّنة الباقية، أين السَّنة الباقية؟ يعني: من تسع ذي الحجة إلى محرم؟ لا، لأنه في عهد النبي ﷺ لم تحدد السَّنوات، وعلى هذا فتكون السَّنة الباقية من تاسع ذي الحجة إلى تاسع ذي الحجة. وسئل عن صوم يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم وصومه مشروع، فأول ما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون العاشر من شهر محرم وقالوا: إننا نصومه؛ لأن الله تعالى نجَّى فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه، فنحن نصومه، فقال النبي ﷺ : "نحن أولى بموسى منكم"، فصامه وأمر الناس بصيامه، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن صومه كان واجبًا ثم نسخ بصوم رمضان، فصوم عاشوراء معروف، فسئل النبي ﷺ في منزلة صوم هذا اليوم فقال: "يكفر السَّنة الماضية" فقط السَّنة الماضية، ما هي؟ يعني: عشرة أيام فقط؟ لا، إذن من محرم السابق إلى تاسع يكفر السَّنة الماضية. وسئل عن صوم يوم الإثنين وهو معروف فقال: "ذاك يوم ولدت فيه وبعثت فيه أو أنزل عليَّ فيه"، وهذا شك من الراوي هل قال: بعثت أو قال: أنزل، وتحتاج للتحرير من أصل مسلم؛ لأنها محتملة بالواو أو بـ"أو"، هذا الحديث فيه سؤال النبي ﷺ عن صوم هذه الأيام الثلاثة: عرفة، وعاشوراء، ويوم الإثنين فبيَّن حكمها ﷺ . فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد أولًا: حرص الصحابة- ﵃ على العلم، وهل سؤال الصحابة عن هذا العلم أو للعلم والعمل؟ الثاني، أما أسئلتنا نحن في هذا العصر فأكثرها للعلم، العلم كثير ولكن العمل قليل. ومن فوائد الحديث: أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية وباقية، وظاهر الحديث أنه يكفر الصغائر والكبائر؛ لأن النبي ﷺ أطلق ولم يفصَّل، وما أطلقه النبي فإنه يكون مطلقًا، وقد أخذ بهذا بعض العلماء وقال: إنه يكفر السنَّة الماضية والباقية سواء كانت هذه الذنوب صغائر أم كبائر، ولكن الجمهور على أنه لا يكفر إلا الصغائر، أما الكبائر فلا بد لها من توبة، وأيدوا رأيهم قالوا: لأن صوم يوم عرفة ليس أوكد ولا أفضل من الصلوات الخمس أو الجمعة أو

стр. 1460

رمضان، وقد قال النبي ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنب الكبائر"، فقالوا: إذا كانت هذه العبادات العظيمة التي هي من أركان الإسلام لا تقوى على تكفير الكبائر فصوم هذا اليوم النفل من باب أولى، والراجح: أنه يقيد كما قيدت الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان. مسألة: ظاهر الحديث أنه يسن أو يشرع صوم يوم عرفة لمن كان واقفًا بها ولغيرهم؛ لأن النبي ﷺ لم يفصِّل، وهذه المسألة مختلف فيها، فقال بعض العلماء: إن هذا الحكم شامل لمن كان واقفًا بعرفة ومن لم يكن واقفًا بها، ولكن الصحيح الذي عليه الجمهور: أنه لمن لم يقف بعرفة، فأما من كان واقفًا بها فالمشروع له أن يفطر، واستدل هؤلاء بأنه يروى عن النبي ﷺ الثابت في الصحيح أنه ﷺ أتي يوم عرفة بقدح من لبن فشرب والناس ينظرون إليه، وهذا يدل على أن المشروع هو الفطر، ولهذا أعلنه النبي ﷺ ، وأيضًا فإن الذين في عرفة مسافرون إن كانوا من غير أهل مكة فالأمر ظاهر وإن كانوا من أهل مكة، فالصحيح: أنهم مسافرون؛ لأن أهل مكة كانوا يقصرون مع الرسول ﷺ ويجمعون في عرفة ومزدلفة وفي منى، وهذا يدل على أنهم مسافرون، وإذا قدر أن الرجل من أهل عرفة وحجَّ فهو في عرفة غير مسافر، فإن الأفضل له أن يفطر ليتقوى بذلك على الدعاء الذي هو مخصوص بهذا اليوم، وهو من أهم ما يكون: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة"، والإنسان الصائم كما نعلم يكون في آخر النهار الذي هو أرجى الأوقات إجابة فيكون عنده كسل فيتعب ولا يكون قويًّا على الدعاء. ومن فوائد الحديث: أن التفكير يكون في الماضي والمستقبل؛ لقوله: "الماضية والباقية"، ولكن المستقبل على سبيل الدوام مدى الحياة لم يرد إلا للرسول ﷺ ولأهل بدر، أما في حق الرسول فقد قال الله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]. أما لأهل بدر: "فإن الله- اطلع إلى أهل بدر وقال لهم: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وسبب ذلك أن هؤلاء القوم أتوا حسنى كبيرة عظيمة أعزَّ الله بها الإسلام وأهله وأذل الشرك وأهله، ولهذا سماه الله تعالى يوم الفرقان، فكان من شكر الله لهؤلاء السادة أن قال لهم:

стр. 1461

"اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم"، ولهذا قال بعض العلماء: كلما رأيت حديثًا فيه: "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" فإن كلمة "ما تأخر" تكون ضعيفة؛ لأن هذا خاص بالنبي ﷺ ، أما مؤقتًا فكما رأيت في صوم يوم عرفة. ومن فوائد الحديث: فضيلة صوم يوم عاشوراء؛ لقوله: "يكفر السنة الماضية" ومن فوائده: أن فضل صوم يوم عاشوراء أدنى من فضل صوم يوم عرفة. ومن فوائده: أن نعمة الله على المسلمين في الأمم السابقة هي نعمة على جنسهم إلى يوم القيامة، فانتصار في الأمم السابقة هو من نعمة الله علينا، ولهذا صام النبي ﷺ هذا اليوم شكرًا على ما أنعم به على موسى وقومه؛ حيث أنجاهم من الغرق وأغرق فرعون وقومه. ومن فوائد الحديث: فضيلة صوم يوم الاثنين؛ لأنه لما سُئل عن صومه قال: "ذاك يوم ... " إلخ، فهذا يدل على أن صومه مستحب وفيه فضل؛ لأن ذكر هذه الأشياء التي فيها منفعة لعباد الله يدل على أن الرسول ﷺ يرغب في أن يصام ذلك اليوم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلم تتقوم * أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. فخصَّ الله بهذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن، فدل ذلك على أن مزية هذا الشهر بسبب نزول القرآن فيه. فائدة: حكم الاحتفال بالمولد النبوي: واستدل بهذا الحديث من قالوا: إنه يُسَنُّ الاحتفال بمولد النبي ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ جعل هذه المناسبة لها مزية وهي صوم ذلك اليوم الذي وُلِدَ فيه، ولكن هل هذا الاستدلال صحيح؟ غير صحيح، وهم لا يعلمون به أيضًا، أما كونه غير صحيح، فلأن الرسول ﷺ قيد الذي يشرع في هذا اليوم وهو الصوم- هذا واحد- فدل ذلك على أن ما عداه ليس بمشروع، فحينئذٍ يكون دليلًا عليهم وليس دليلًا لهم. ثانيًا: أن الرسول ﷺ عيَّن اليوم ولم يعين الشهر، وعلى هذا فلو صادف أن يوم ولادة الرسول ﷺ إن صحَّ تعيين يوم ولادته في غير يوم الإثنين- فإنه لا يصام؛ لأن العلة هو صوم يوم الإثنين فقط. ثالثًا: أن نقول قال الرسول ﷺ : "ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأنزل على فيه"، وهم لا يعتبرون الإنزال فيه، وإنما يعتبرون الولادة دون إنزال القرآن فيه مع أن فضل الله علينا بالإنزال على الرسول ﷺ أكملي من فضله بالولادة؛ لأن الذي حصل فيه الشرف وتمت به النبوة للرسول ﷺ هو إنزال أما قبل ذلك فإنه بشر مِن البشر الذين ليسوا بأنبياء ولا رسل ولم

стр. 1462

يكن نبيًا إلا بعد أن أنزل إليه، ولم يكن هناك دين جاء به إلا بعد أن أنزل إليه. ثم نقول: مَن قال لكم: إن ميلاده في شهر ربيع، وإن ميلاده في اليوم الثاني عشر منه، كل هذا غير متيقن، من المعلوم أن هذه البدعة لم تحدث في عهد الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين، وأن القرون المُفَضَّلة انقرضت ولم يتكلم واحد منهم بكلمة ولم يفعل أحد منهم فعلًا من هذا النوع، وعليه فيكون مُح دَثًا، وكل مُحدث يتقرب به الإنسان إلى الله فهو بدعة وضلالة. ثم نقول أيضًا: هذه الذكرى التي تقيمونها كان عليكم أن تصبحوا يومها صائمين، أما أن تبقوا في تلك الذكرى منكم يقدمون الحلوى والفرح، وكذلك الأغاني التي كلها غُلُوٌ لا يرضاه الرسول ﷺ فليس هذا من إقامة ذكراه، بل هذه من معاداة الرسول ﷺ . إذن نأخذ من هذا الحديث: مشروعية صيام ثلاثة أيام يومان سنويًا، ويومًا أسبوعيًّا. فضل صيام ستة أيام من شوال: ٦٤٧ - وَعَن أَبِي أَيُّوبَ الأَن صَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالّ: "مَن صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَت بَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهرِ". رَوَاهُ مُسلِمٌ. "من صام" شرطية، وجوابها: "كان كصيام الدهر"، وقوله: "من صام رمضان" يعني: أتم صيامه؛ لأنه لا يُقال للرجل صام رمضان إلا إذا أتمه، وقوله: "ثم أتبعه"، أي: جعل هذه الأيام تابعه له، لكن "ثم" تفيد الترتيب بتراخ، وقوله: "ستًّا من شوال" ولم يقل: ستة؛ لأنه حُذف المعدود وإذا حُذف المعدود فإنه يجوز التذكير باعتبار أن المحذوف مذكر والتأنيث باعتبار أنه مؤنث، وتطلق الليالي على الأيام ونعلم أن هذه الأيام؛ لأن اليوم هو محل الصوم. وقوله: "من شوال" هو بالكسر مجرورًا؛ لأنه اسم ينصرف، والذي ينصرف من أسماء الشهور هذا شوال؛ ذُو الحجة، مُحرم، ربيع الأول والثاني، ورجب. وقوله: "كان كصيام الدهر"، أي كان صوم رمضان وإتباعه ستًّا من شوال كصيام الدهر ووجهه: أن صوم رمضان بعشرة أشهر، وستة من شوال بشهرين والحسنة بعشر أمثالها، فكذلك كان كصيام الدهر، ولكن هل ينوب عن صيام الدهر؟ لا؛ لأن ما يعادل الشيء بالأجر لا ينوب منابه في الإجزاء، يعني: قد يكون الشيء معادلًا لأجره في الأجر ولكن لا ينوب عنه في الإجزاء؛ أرأيتم رجلًا جامع زوجته في الإحرام بالحج قبل التحلل الأول يلزمه بدنة، فقال: بدلًا من هذه البدنة أذهب إلى الجمعة في الساعة الأولى، ومن راح في الساعة الأولى كأنه قرب بدنة هل يجزئه ذلك؟ لا، ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن لو قرأها المصلي في صلاته

стр. 1463

ثلاث مرات، هل تجزئ عن الفاتحة؟ لا، من قال عشر مرات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل، قلو قال وهو عليه أربعة أيمان ونواها كفارة فلا تجزئ، وبهذا نعرف أن معادل الشيء لا يلزم أن يجزئ عنه، وكذلك الصلاة في الحرم، لو قال: أصلي في الحرم جمعة واحدة عن مائة ألف جمعة، وقال: لا أصلي بقية الجمع فلا يجزئه هذا. في هذا الحديث: الحثُّ على صيام ستة أيام من شوال لقوله: "كان كصيام الدهر"، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يذكر هذا إلا ترغيبًا فيه وليس تحذيرًا منه. فإن قلت: أفلا يمكن أن يقول قائل: إن الرسول ﷺ ذكر ذلك تحذيرًا؛ لأنه نهى عن صيام الدهر كله وقال: "لا صام من صام الأبد"؟ فالجواب: أن مثل هذا التعبير يقطع به قطعًا أن الرسول ﷺ أراد أن يبين أن هذا يجزئه عن صوم الدهر: يعادله في الأجر، وحينئذ يبقى صوم الدهر ليس فيه إلا المشقة وإتعاب النفس. ومن فوائد الحديث: أن فوائد هذه الأيام لا يجزئ عنها إلا إذا صام رمضان كاملًا، وبناء على ذلك فمن كان عليه قضاء من رمضان وقال: إني سأبادر فأصوم السنة قبل أن يخرج شوال والقضاء أجعله فيما بعد فلا يجزئ، وهذا ليس مبنيًّا على خلاف العلماء هل يجوز صوم النفل لمن عليه قضاء؟ لأن هذا صرح فيه النبي ﷺ : "من صام رمضان ثم أتبعه"، وعليه فلا ينبني هذا على خلاف العلماء في التطوع في الصوم ممن عليه قضاء؛ لأن العلماء مختلفون فيما إذا كان عليك قضاء من رمضان. هل لك أن تتطوع في الصوم كصوم ذي الحجة وعرفة والمحرم والإثنين؟ فيه خلاف بين العلماء والراجح: أنك لا تتطوع حتى تقضي الواجب. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن تصوم هذه الأيام على وجه التتابع أو التفريق، يؤخذ إطلاق قوله: "ستًّا من شوال". وهل يؤخذ منه: أن الأفضل أن يفصل بينهما وبين رمضان بيوم لقوله: "ثم أتبعه"؟ ذكر بعض العلماء: أنه يستحب ان يفصل بينها وبين رمضان بيوم؛ لقوله: "ثم أتبعه" هذا واحد؛ لأن الفرض والسُّنة ينبغي أن يفصل بينهما حتى لا يختلط هذا بهذا، ولكن نقول: هذا القول فيه شيء من النظر بصومها بعد يوم العيد أفضل لما فيه من المسارعة في الخير وعدم تعرض الإنسان

стр. 1464

لأمر يمنعه من صومها. ويستفاد من الحديث أيضًا: أن صيامها بعد شوال لا يجزئ، وهذا لمن تعمد تأخيرها واضح؛ لأن هذه عبادة مؤقتة، بماذا؟ بشوال فإذا أخَّرتها بلا عذر من شوال لم تجزئ، ولكن إذا أخرها الإنسان لعذر مثل أن يسافر من يوم العيد إلى آخر شوال فهل يقضيها أم لا؟ قد يقول قائل: إنه يقضيها قياسًا على قضاء رمضان؛ لأنها عبادة مؤقتة بوقت أخرها عن وقتها لعذر فلا بأس أن يقضيها، وقد يقال: لا يقضيها؛ لأنها سنة فات محلُّها بخلاف الفريضة. ٦٤٨ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: رسول الله ﷺ : "ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله؛ إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النَّار سبعين خريفًا". متّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلمٍ. قوله ﷺ : "ما من عبد يصوم يومًا"، كلمة "عبد" يراد بها: العبودية العامة الشاملة للمؤمن والكافر، ويراد بها: العبودية الخاصة بالمؤمنين، ويراد بها: عبودية أخصُّ للرسل، فمن الأول العبودية العامة قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا ءاتى الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]. فهذه العبودية عامة ولا يمكن أحد أن يستكبر عنه، كل الناس خاضعون لها؛ لأنها عبودية كونية لا أحد أن يستطيع أن يرد المرض نفسه، ولا أحد يستطيع أن يرد الجوع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يردَّ الموت عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يردَّ الحوادث عن نفسه، هذه عبودية عامة وهي العبودية الكونية المتعلقة بقدر الله ، عبودية خاصة وهي: عبودية التذلل لله تعالى بالطاعة وهذه عبودية شرعية يعني: التذلل للشرع، وهذه تكون لمن؟ للمؤمنين، ومنها عبودية أخص وهي: عبودية الرُّسل، مثال عبودية المؤمنين قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾. [الفرقان: ٦٣]. هذه خاصة للمؤمنين، عبودية للرسل: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]. ﴿واذكر عبدنا إبراهيم﴾ [ص: ٤٥]. ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ [ص: ٤١]. وهذه أخص من التي قبلها، قوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]. من العامة أو الخاصة؟ من العامة، يعني لا يظلم هؤلاء ولا هؤلاء. "ما من عبد يصوم" من العبودية الخاصة، لماذا؟ لأن غير المؤمن لا يصح منه الصوم، فإنه لا تجتمع العبادة مع الكفر، بل الكفر إذا ورد على العبادة واستمر إلى الموت أبطلها، كما قال تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقوله: "يومًا في سبيل الله"، "يومًا" هذه مفعول به لوقوع الفعل عليه، والمفعول فيه هو الذي يقع فيه الفعل، نقول مثلًا: "زارني يومًا واحدًا" هذه مفعول فيه يعني: زارني في يوم، أما

стр. 1465

"صمت يومًا واحدًا" فإن اليوم يصام كما تقول: صمت شهرًا، قال الله تعالى: ﴿فصيام شهرين﴾ صارت مضاف إليه، فهناك فرق بين المفعول به والمفعول فيه؛ المفعول فيه هو الذي يقع فيه الفعل، والمفعول به هو الذي يقع عليه الفعل. وقوله ﷺ : "في سبيل الله" هل المراد في شريعة الله، أو المراد في سبيل الله، أي: في الجهاد في سبيل؟ يحتمل المعنيين، يحتمل: "في سبيل الله"، أي: في شريعة الله، ويكون في هذا تنبيه على الإخلاص والمتابعة؛ لأن العمل لا يكون في سبيل الله إلا إذا جمع بين الإخلاص والمتابعة، ويحتمل أن يكون المراد: "في سبيل الله"، أي: في الجهاد في سبيل الله؛ لأن الصوم في هذه الحال دليل على قوة رغبة الإنسان فيه فيمتاز بزيادة الأجر، كما كونه يقع خالصًا لله متبعًا فيه رسول الله ﷺ في أي مكان وفي أي زمان، فهذا شرط للعبادة. على كل حال: حتى لو لم يقل الرسول ﷺ : في سبيل الله، فإن من صام لا في سبيل الله، لا أجر له، فالذي يظهر أن المراد: في سبيل الله، يعني: الجهاد في سبيل الله؛ لأنه إذا أطلق الصوم الشرعي فهو الذي يكون في سبيل الله وحينئذ يكون التقييد ضعيفًا، أما إذا قيدناه فإنه لابد أن يفيد معنى قويًا مفيدًا أكثر من الإطلاق، وهو الظاهر أنه في سبيل الله، أي: في الجهاد في سبيل الله، ولكن يشترط لذلك ألا يكون مخالفًا للشرع، فإن كان مخالفًا للشرع فلا شك أن الإنسان لا ينال به أجرًا كما لو كان الصوم يضعفه عن القتال فحينئذ لا يصوم، ولهذا لما كان المسلمون مع الرسول ﷺ في غزوة الفتح رغبهم في الفطر؛ فمنهم من أفطر ومنهم من صام، ولما نزلوا المنزل الذي يلاقون فيه العدو من عنده قال لهم: "إنكم لاقوا العدو غدًا والفطر أقوى لكم فأفطروا"، فأمرهم بالفطر وعلَّل ذلك بأنه أقوى، وعلى هذا فإذا كان الإنسان في القتال فالمشروع له أن يفطر، وحينئذ لا يمكن أن يرغب الشرع في أمر يطلب من المسلمين أن يدعوه إذن كيف يكون مجاهدًا في سبيل الله ويصوم هذا اليوم الذي فيه الأجر العظيم مع أنكم تقولون: لا يصوم وقت ملاقاة العدو؟ يمكن أن يكون مرادفًا، يمكن أن يكون إلى الآن لم يلتحم القتال يصلح ويستعد والصوم لا يشقُّ عليه فهذا أمر ممكن. وقوله: "إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار" "باعد" من البعد؛ لأن الذنوب هي سبب دخول النار؛ فإذا بوعد بينه وبين النار هذه المدة دلَّ ذلك على أنه قد كفِّر عنه سيئاته. وقوله: "سبعين خريفًا"، "سبعين" هذه نائبة مناب الظرف، و"خريفًا" تمييز؛ لأنها مبينة لنوع

стр. 1466

المعدود، وكل ما بيِّن نوع المعدود فهو تمييز، و"الخريف" السَّنة وهو أحد فصول السَّنة؛ لأن فصول السَّنة؛ لأن فصول السَّنة أربعة: ربيع، وصيف، وخريف، وشتاء. كم للربيع من برج؟ الحمل والثور والجوزاء هذا للربيع، السرطان والأسد والسنبلة هذه للصيف الذي نسميه القيظ، الميزان والعقرب والقوس هذه للخريف، الجدي والدلو والحوت للشتاء، هذه البروج، يعني: مصطلح عليها من قديم، يعني من قبل زمن الرسالة، كل برج له نصيب من مطالع النجوم وهي ثمانية وعشرون مطلعًا، ثمانية وعشرين كل يوم ينزل القمر منها منزلة ويبقى ليلتين، ليالي الاستفسار يكون دائرًا حتى يرتحل إلى المنزلة الثانية في أول الشهر، على كل حال الخريف هو أحد فصول السَّنة بين الصيف والشتاء. قوله: "سبعين خريفًا" هل المراد بالسبعين حقيقتها أو المراد المبالغة؟ الظاهر: أن المراد حقيقتها؛ لأنه لا وجه للمبالغة هنا. يستفاد من هذا الحديث: فضيلة الصوم في سبيل الله، وعلى الاحتمال الثاني فضيلة الإخلاص، وأن اليوم المخلص فيه يكون ثوابه أكبر. وفي الحديث: إثبات النار لقوله: "باعد الله ... " إلخ، وهل هي موجودة الآن؟ نعم، بدلالة الكتاب والسُّنة وإجماع السلف، أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدَّت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]. والإعداد بمعنى: التهيئة، ومن السُّنة: فإن النبي ﷺ عرضت عليه النار وهو يصلي صلاة الكسوف حتى تأخر مخافة أن يصيبه من لفحها، ورأى فيها الناس يعذبون رأى عمرو بن لحي الخزاعي، ورأى صاحب المحجن الذي يسرق الحجاج بمحجنه، ورأى صاحبة الهرة التي حبستها، وهل هي مؤبدة؟ نعم، هي مؤبدة أبد الآبدين لا تنقطع ولا ينقطع عذابها ولا يخرج منها أهلها، قال الله تعالى في آيات ثلاث من القرآن: ﴿خالدين فيها أبدًا﴾. فضل الصوم في شعبان: ٦٤٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم حتَّى نقول: لا يفطر، ويفطر حتَّى نقول: لا يصوم وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهرٍ قطُّ إلا رمضان، وما رأيته في شهرٍ في شهرٍ أكثر منه صيامًا في شعبان". متفق عليه، واللَّفظ لمسلمٍ. عائشة ﵁ وغيرها من أمهات المؤمنين، عندهن من العلم بحال النبي ﷺ في بيته ما ليس عند غيرهم، ولهذا كان النفر الثلاثة الذين سألوا عن عمل النبي ﷺ في السر، إنما سألوا

стр. 1467

زوجاته لأنهن أعلم، وهذا من فوائد تعدد زوجات النبي ﷺ من أجل أن يحفظن من أعماله في السر ما لا يحفظه غيرهن. تقول: "كان الرسول ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر" يعني: يصوم ويسرد الصوم، ويكثر الصوم، وعلى العكس من ذلك: "ويفطر حتى نقول: لا يصوم"، وهذا غير الصيام المعتاد الذي كان النبي ﷺ يعتاده كالإثنين والخميس مثلًا، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر هو أحيانًا يصوم ويسرد الصوم، وأحيانًا يفطر حتى يقال: لا يصوم، وأقول: إن هذا في غير الصيام الذي كان يعتاده، لماذا ينوِّع؟ لأن النبي ﷺ يتعلق به مصالح كثرة؛ لأنه إمام الأمة وقائدها وتعتريه أشغال وأحوال يكون فيها بعض العبادات أفضل من بعض، فيراعي النبي ﷺ ما هو أفضل، ولهذا نحن نجزم أنه ما خرج مع كل جنازة، ولا صام كل يوم، ولا يومًا وأفطر يومًا، بل لما عرض على عبد الله بن عمرو أن يصوم يومين ويفطر يومًا قال: "نود لو أن قدرنا على ذلك"، فالرسول ﷺ له أحوال وأعمال تقتضي أن يفطر، وله أحوال وأعمال تقتضي له أن يصوم، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون سائسًا لنفسه إذا رأى فيها إقبالًا على عمل ما -وهو عمل صالح-يفعل ما لم يشغلها عن فريضة، إذا رأى منها فتورًا على هذا العمل وإقبالًا على آخر فعل، حتى يكون دائمًا مع نفسه في عبادةٍ بدون أن يلحقها الملل والتعب. قاعدة مهمَّةٌ: ومن هنا أخذ العلماء تلك القاعدة المشهورة وهي: "قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل"، كل ذلك باعتبار المصالح، ويجب أن نستثنى الفرائض فهي ليس عنها بديل، لكن التفاضل إنما هو في أعمال التطوع، قد يكون هذا الشخص يصوم ونقول: الصوم لك أفضل، وهذا الشخص يفطر ونقول: الفطر لك أفضل، وقد يكون نفس الواحد منا نقول في هذه الأيام: الصوم لك أفضل، وفي هذه الأيام الفطر لك أفضل حسب الحال، حتى قال العلماء: لو أن طالب العلم إذا صام حصل له الكسل والتعب ولم يجد نشاطه في طلب العلم، قالوا: فالأفضل له أن يفطر؛ لأن العلم أفضل من الصوم، وكذلك أيضًا لو أن الإنسان رأى أنه تعب أو ملَّ من الصلاة ويجب أن ينام؛ فنقول له: نم فالنوم أفضل، كذلك رجل تعب من الصلاة وأحبَّ أن يقرأ نقول: القراءة أفضل لك، رجل تعب من القراءة وأحب أن يصلي نقول: الصلاة أفضل لك، ولهذا لو سألنا سائل ينتظر صلاة الجمعة وقد أتى مبكرًا، ما تقولون؟ هل

стр. 1468

الأفضل لي أن أصلي أو أقرأ القرآن؟ فنقول: أما بالنظر للعمل من حيث هو عمل فالصلاة أفضل، ولكن بالنسبة لحالك انظر ما هو أصلح لك، قد تكون إذا قمت تصلي يفوتك التدبر والتأمل والخشوع، ويشغلك الشيطان بالوساوس، وإذا جلست تقرأ حصل لك من التأمل والتدبر والتأمل والخشوع ما لم يحصل لك وأنت تصلي، فنقول هنا: القراءة أفضل. وتقول ﵂: "وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان"، إذا الرسول ﷺ لا يصوم شهر المحرم، مع أنه قال لما سئل: أيُّ الصوم أفضل؟ قال: "شهر الله المحرم"، وهو ﷺ وإن صام في المحرم لا يستكمله قطعًا؛ لأنها تقول: "ما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان". قالت: "وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان"، وظاهر كلامها حتى في المحرم أنه يصوم في شعبان أكثر من صيامه في المحرم، لماذا؟ قيل: لأن هذا الشهر شهر يغفل فيه الناس بين رجب ورمضان، فأحب ﷺ أن يكون فيه متعبدًا قائمًا، وقيل: بل لأن شعبان في مقدمة يدي رمضان فالصيام فيه بمنزلة الراتبة للصلوات، وقيل: من أجل أن يمرن نفسه على الصوم ليستقبل رمضان، وقد تمرن على الصوم، ولو قال قائل: لأنه يصوم من أجل هذه العلل ولغيرها مما لا نعلمه، لكان له وجه؛ لأن تعدد العلل غير ممتنع، بل تعدد العلل مما يزيد الحكم قوة. من فوائد الحديث: أن عمل النبي ﷺ بحسب المصالح، يؤخذ من قولها: "كان يصوم حتى .... " إلخ. ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان أن يسوس نفسه في العمل الصالح ويرودها على العمل ويتبع ما هو أنفع. فإن قلت: كيف نجمع بين هذا الحديث وبين قول النبي ﷺ : "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل"؟ فالجواب أن يقال: لا تعارض؛ لأننا لا نقول: اترك العمل هكذا، بل نقول: اتركه لعمل آخر لمصلحة لغيره، وأنت إذا تركت العمل الذي تداوم عليه لمصلحة أو لعذر، فكأنك لم تتركه، قال النبي ﷺ : "من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" كأنما فعله، وحينئذٍ لا منافاة بين الحديث. ومن فوائد الحديث: فضيلة الصوم؛ لأن النبي ﷺ كان يكثر منه حتى يقال: لا يفطر، ومن فضيلته: أن للصوم تطوعًا مقيدًا وتطوعًا مطلقًا، ما معنى مقيد؟ يعني: مخصوص بيوم معين وصوم غير مخصوص بيوم معين، لكن سيأتينا -إن شاء الله- أن بعض الأيام يحرم صومه مفردًا

стр. 1469

ومجموعًا، وبعض الأيام ينهى عن صومه مفردًا ولا مجموعًا. ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ لم يصم شهرًا كاملًا قط إلا رمضان. هل يؤخذ من الحديث: أن تحريم الزوجة ليس بظهار؟ الرسول ﷺ إلى من نسائه شهرًا وأتمَّ الشهر وحرَّم العسل، وأمر بأن يكفر كفارة يمين، وقلنا: إن الصواب: أن التحريم يشمل الزوجة وغير الزوجة، وكفارة تحريم المرأة -الزوجة- كفارة يمين، المهم: أن الواقع أنه لا يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث: أن تحريم المرأة ليس بظهار، وجه ذلك: أن يقال: إن من خصال كفارة الظهار صوم شهرين متتابعين، وهذا أيضًا لا يصح، لماذا؟ قد يقال: لو فرض أن تحريم الزوجة ظهار فإن الرسول قد يعتق، ولا يلزم أن يصوم شهرين متتابعين. يؤخذ من هذا الحديث: ألَّا يصوم في التطوع شهرًا كاملًا، لكون الرسول ﷺ لم يفعله، وفعل الرسول ﷺ سنة وتركه سنة، لو أنه صام يومًا أو أفطر يومًا مدى الدهر فهذا أفضل الصيام، ولا يقال: إنك صمت شهرًا كاملًا. ومن فوائد الحديث: مشروعية إكثار الصوم في شعبان لقولها: "وما رأيته في شهر ... "إلخ، هل يؤخذ منه: بيان ضعف الحديث الذي رواه أبو هريرة: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"؟ نعم، كيف ذلك؟ لأنه كان يكثر الصيام في شعبان، وفيه مناقشة الرسول ﷺ قال: "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل" مع أن عائشة كانت تقول: "إنه كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم"، كيف الجمع؟ حتى لو ثبت عندنا أن الرسول ﷺ كان يصوم في شهر المحرم أكثر من شعبان؛ لقلنا: إن عائشة ﵂ حكت ما رأت، ونفي هذه الرؤية لا يمنع رؤية غيرها، لكن لم يثبت عندنا أن الرسول ﷺ كان يصوم المحرم كاملًا، بل قال في آخر حياته: "لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع"، وهذا مما يرد قول النووي ﵀ أن الرسول ﷺ علم بفضل المحرم قبل وفاته فلم يصمه. على كل حال: نقول كما قال ابن القيم وجماعة من أهل العلم: إن شهر المحرم أفضل الشهور في الصيام المطلق، وشهر شعبان صوم مقيد؛ لأنه لرمضان بمنزلة الراتبة؛ والرواتب للفرائض أفضل من النوافل المطلقة، وعلى هذا فيكون الرسول ﷺ يكثر الصوم في شعبان؛ لأنه كالمقدمة بين يدي رمضان فهو كالراتبة له، فيكون رمضان محفوفًا بصيامين: صيام شعبان، وستة أيام من شوال، وأيضًا للحديث هذا ألفاظ أخرى منها: "كان يصومه كله"، وفي لفظ: "كان يصومه إلا قليلًا"، هذا أيضًا يدل على ضعف حديث أبي هريرة المذكور، وأيضًا الإمام أحمد ﵀ أعله بحديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين".

стр. 1470

٦٥٠ - وَعَن أَبِي ذَرًّ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَن نَصُومَ مِنَ الشَّهر ثَلاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلاثَ عَشرَةَ، وَأَربَعَ عَشرَةَ، وَخَمسَ عَشرَةً". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتَّرمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ. "أمرنا"، الأمر: هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن الأمر إن كان من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر، ومن الأدنى إلى الأعلى سؤال، ومن المماثل للمماثل التماس، الأمر هنا للإرشاد وليس للوجوب، والأيام الثلاثة نصف الشهر، يعني: في منتصف الشهر، وتُسمَّى أيام البيض، أي: أيام الليالي البيض؛ وسُميَّت الليالي فيها بيضًا لابيضاضها بنور القمر، واختير هذا- وسط الشهر- لأن فيه مصلحة طبية للبدن؛ لأن الدم في هذه المُدة يفور ويزداد، والصيام في هذه الأيام يقلل من مضرته، فإن الدم كما يُقال: يتبع القمر؛ يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، والقمر أكثر ما يكون امتلاء بالنور في هذه الأيام الثلاثة فلذلك أمر النبي ﷺ بصيامها. ولكن صيام الأيام الثلاثة من كل شهر له جهتان. الأولى: استحباب صيام الأيام الثلاثة مطلقًا. الجهة الثانية: أن تكون في هذه الأيام، فاستحباب الأيام الثلاثة ثبتت من قول النبي ﷺ وفعله، فقد كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وقال: "صيام ثلاثة من كل شهر صيام الدهر كله"، ولكنها غير مُعيَّنة تصوم أول يوم، والحادي عشر، والتاسع والعشرين، فهذا يصح، تصوم الرابع، والخامس، والسادس، أو الخامس عشر، والسادس عشر، والسابع عشر، أو الخامس والعشرين، والسادس والعشرين، والسابع والعشرين، كل هذا يصح، ولهذا قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر لا يُبالي أفي أول الشهر صامها أو وسطه أو آخره". إذن الوجه الثاني: أن تكون الثلاثة في هذه المدة المُعينة وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، ونظير ذلك الوتر سُنة من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ولكن كونه في آخر الليل أفضل لمن يقوم آخر الليل، فهنا نقول في الأيام الثلاثة من كل شهر: هي سُنة مطلقًا وكونها في هذه الأيام الثلاثة أفضل، كما أن الصلاة في أول وقتها أفضل، والوتر في آخر الليل أفضل، فهذا اختيار وقت فقط، وإلا فهي مشروعة في أي وقت من الشهر. يستفاد من هذا الحديث: أن الأمر قد يُراد به الإرشاد، وجه ذلك: أن الرسول ﷺ كان

стр. 1471

يصومها في أول الشهر ووسطه وآخره. ويُستفاد منه أيضًا: استحباب تعيين الصوم "ثلاثة أيام من كل شهر"، فما في هذه الأيام الثلاثة؟ ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر. ويُستفاد منه أيضًا: حكمة الشرع باختياره العبادة في الوقت الذي يكون أنسب وأنفع، حيث أرشد النبي ﷺ إلى أن تكون الأيام الثلاثة في هذه الأيام أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن هذه الأيام خُصمت بزمن وهي في ذاتها في الأصل مستحبة. * * * حكم صوم المرأة بغير إذن زوجها: ٦٥١ - وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا يَحِلُّ لِلمَرأَةِ أَن تَصُومَ وَزَوجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذنِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفظُ لِلبُخَاِريَّ. - زَادَ أَبُو َاوُدَ: "غَيرَ رَمَضَانَ". الحديث فيه إشكال من حيث صناعة التخريج، لأن المؤلف قال: "متفق عليه" واللفظ للبخاري، ثم قال: "زاد أبو داود"، وأبو داود لا يدخل في المتفق عليه؛ لأن المتفق عليه هو الذي رواه البخاري ومسلم، لكن المؤلف ﵀ طوى ذكر رواية أبي داود بذكر الزيادة كأنه قال: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وزاد كذا وكذا، وهذا من باب طي الذكر المعلوم، وله أمثلة كثيرة ذكرها أهل البلاغة في كلامهم عن الإيجاز الذي قالوا: إنه نوعان: إيجاز قصر، وإيجاز حذف. أما لفظ الحديث فقال: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد" "أن تصوم" هذه مؤولة بمصدر فاعل "يحل" يعني: الصوم، وقوله: "وزوجها شاهد" جملة حالية، و"الشاهد" بمعنى: الحاضر. وهذا الحديث كما يدل عليه رواية أبي داود يُراد به غير رمضان؛ أي: يُراد به النفي، بل ظاهر النفل والواجب بالنذر؛ لأنه لم يستثن إلا رمضان، ففيه يقول الرسول ﷺ : "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد"؛ وذلك لأن المرأة عند الوج كالأسير كما قال النبي ﷺ : "أتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم" والعوان: جمع عانية بمعنى: أسيرة، ووصف الله تعالى

стр. 1472

الزوج في القرآن بأنه سيد، فقال: ﴿وألفيا سيدها لدا الباب﴾ [يوسف: ٢٥]. أي: زوجها، وبيَّن النبي ﷺ أن الزوج راعٍ على أهله فقال: "والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته"، والزوج له حقوق على زوجته، فإذا صامت نفلًا وهو حاضر بلا إذنه فإنه سيقع في حرج؛ لأنه بين أمرين: إما أن يمتنع من الاستمتاع بها مع كونه مشتهيًا لذلك، وإما أن يُفسد صومها، وكلا الأمرين فيهما حرج، أما الأول: ففيه إشفاق على نفسه، وأما الثاني: ففيه إشفاق على غيره مع الأثر النفسي الذي يتركه هذا الأمر إذا أفسد صومها، لهذا قطع النبي ﷺ هذا الأمر الذي يكون فيه إحراج الزوج، فقال: "لا يحل .. " إلخ، وقوله: "لا يحل" نفي الحل إثبات للتحريم، هذا هو الظاهر، وإن كان نفي الحلّ لا يمنع الكراهة بمعنى: أن يُقال: إن المكروه أيضًا غير حلال، ولكن الغالب أنه إذا في الحل أو الجواز فالمراد: التحريم؛ لأن التحريم هو المقابل للجواز كما قال الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلل وهذا حرام﴾ [النحل: ١١٦]. فجعل الله تعالى الحلال قسيمًا للحرام ومقابل له، فإذا قلنا: لا يحل، فالمعنى: يحرم، فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: المعنى يُكره، لأن الأصل عدم التأثيم بمعنى: أنه يُكره للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، لأنك إذا قلت: يحرم لزم من قولك تأثيمها بالفعل، والأصل عدم التأثيم، وما دام نفي الحل صالحًا للكراهة وصالحًا للتحريم، فلماذا لا تحمله على أدنى الاحتمالين الذي تسلم فيه المرأة من التأثيم؛ لأن الأصل براءة الذمة. زيادة توضيح: كلمة "لا يحل" قلنا: معناه: يّحرمُ، لكن لو قلنا: معناها: يُكره، هل يستقيم الكلام؟ نعم، لماذا؟ لأن المكروه لا يحل ليس بحلال، إذ إن الحلال ما تساوى طرفاه، والمكروه لا يتساوى طرفاه، فنفي الحل لا يستلزم التحريم؛ لأنه يجوز أن يكون المراد: الكراهة، لكن قلت لكم: الأصل أن نفي الحلَّ للتحريم؛ لأنه- أي: التحريم- هو المقابل للحلَّ والقسيم له، بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصفُ .. ﴾ وما زال العلماء- ﵏ يعبرون بقولهم: "ولا يجوز كذا" يعني: يحرم، وأما تعبيرهم "لا يحرم كذا" فلا يقتضي الحلُّ قد يجب، إذن نقول هنا: "لا يحل" أي: يحرم، فإن قال قائل: ما دُمت تقول: إن نفي الحل يحتمل الكراهة، ويحتمل التحريم، فلماذا لا تحمله على الكراهة؟ لأن الكراهة لا يحصل فيها إثم المرأة، فيحمل الحديث على أدنى الاحتمالين حتى تسلم المرأة من الإثم، لماذا؟ لأن التأثيم إشغال لذمتها وإلزام لها بأكثر مما يحتمله اللفظ، فالجواب: أن العادة المضطردة: أن نفي الحل، يعني: التحريم، وحينئذٍ

стр. 1473

يكون هذا الظاهر مُقَدَّم على الأصل الذي هو عدم التأثيم. إذن يحرم على المرأة أن تصوم وزوجها شاهد. و"الزوج" معروف هو الذي تم العقد بينه وبين المرأة على الوجه الشرعي، وقوله: "إلا بإذنه"، الإذن بمعنى: الرخصة والإرادة يعني: إلا بإرادته، العلة في ذلك؟ لأن للزوج عليها حقًا وهو الاستمتاع، وإذا كانت صائمة فإن صيامها يمنعه من استمتاعه بها إلا على وجه فيه إحراج له، والإحراج هو أنه سيكون مترددًا بين أمرين: إن استمتع بها أفسد صومها، وإن تركها ونفسه تطلب ذلك وقع أيضًا في حرج، فلهذا لا يجوز أن تصومك نفلًا إلا بإذنه. وأما رواية أبي داود يقول: "غير رمضان"، فأما رمضان فيجوز أن تصومه ولو كان زوجها شاهدًا ولو لم يأذن، وهذا مع ضيق الوقت- وقت القضاء- واضح، يعني: مثلًا لو لم يبق من شعبان إلا مقدار ما لعيها من رمضان فلها أن تصوم وإن كان زوجها شاهدًا وإن منعها، ولكن إذا كان في الوقت سعة بأن يكون قد بقي من شعبان أكثر مما عليها مثل أن تريد صوم القضاء في جُمادي، فهل لها أن تفعل ذلك بلا إذنه؟ إن نظرنا إلى الحديث "غير رمضان" قلنا: الظاهر أن لها ذلك ما لم ينهها، وحينئذٍ تكون المراتب ثلاثًا: أولًا: النفل فلا تصوم حتى يأذن. ثانيًا: القضاء إذا بقي من شعبان بمقدار ما عليها فهذه تصوم وإن منع؟ ثالثًا: القضاء مع سعة الوقت فهذه تصوم ما لم يمنع؛ لأن هذه فريضة، وظاهر الحديث: العموم، لكن الفرق بينه وبين الفرض الضيق: أن الضَّيِّق وإن منع فإنها تصوم، والفرق بينه وبين النفل، أن النفل لا تصوم إلا بإذنه، أما هذا فإنها تصوم بدون استئذان ما لم يمنعها ويقول لها: إن الوقت أمامك واسع، ولهذا كانت عائشة ﵂ لا تصوم القضاء عليها إلا في شعبان لمكان رسول الله ﷺ منها. في هذا الحديث عدة فوائد الأولى: أن حق الزوج على الزوجة أعظم من حقها عليه، وجهه: أنها مُنعت من الصوم إلا بإذنه، وأما الزوج فله أن يصوم بدون إذنها، ويدل لهذه الفائدة قوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ولو تساوى الرجل والمرأة في هذا لم يكن له عليها درجة. ومن فوائد الحديث: وجوب مُراعاة الزوجة لحقوق الزوج لقوله: "إلا بإذنه". فائدة: حكم سفر المرأة بغير إذن زوجها: ومن فوائد الحديث: أنه لا يحل لها أن تسافر إلا بإذنه، وهذا من باب أولى أن يمنعها؛ لأنه

стр. 1474

إذا كان لا يجوز أن تصوم وهو شاهد مع أنها في الصوم أمامه يتمتع منها بالنظر واللمس والتقبيل وما أشبه ذلك وقضاء حاجاته، فمن باب أولى في السفر، فإن سافرت فهل يسقط حقها من النفقة أو لا؟ إن كان بغير إذنه فلا شك أن حقها من النفقة يسقط مع الإثم وعلى المذهب أيضًا لا تترخص برُخص السفر كالقصر والفطر في رمضان؛ لأن السفر سفر معصية إذا سافرت بإذنه فهل تسقط النفقة عنه؟ فعلى المذهب إن كانت الحاجة له لم تسقط، وإن كانت لها سقطت، والصحيح أنها لا تسقط ولو كانت الحاجة لها ما دامت سافرت بإذنه؛ لأنه هو الذي أذن لها والحق له وقد أسقطه وحقها لم يسقط. ومن فوائد الحديث: هل نقول: فيه دليل على أن المرأة لا تصلي تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه؟ الظاهر: أنها ليس كالصوم؛ لأن الصوم مدته طويلة والصلاة غير طويلة، لكن مع ذلك نقول مثلًا: له أن يحللها من الصلاة، يعني: لو أرادها فله أن يقول: "اقطعي الصلاة" إلا إذا كان قد أذن. ومن فوائد الحديث: جواز صوم المرأة بلا إذن زوجها إذا كان غائبًا لقوله: "وزوجها شاهد"، فإنما يدل على أنه إذا كان غائبًا فلا بأس، وظاهر الحديث لا بأس، وظاهر الحديث لا بأس وإن منعها، فإذا كان الغرض يتعلق به فله أن يمنعها مثل لو قال: أنا أمنعها شفقة عليها، لا من أجل مصلحتي أنا، ولا من أجل أنها تنقص بالصوم وما أشبه ذلك، فالظاهر: أنه لا يمنعها، وأن لها أن تصوم ما دام غائبًا؛ لأنه هنا ليس له مصلحة. ومن فوائد الحديث: أنه لو كان الزوج غير عاقل فلها أن تصوم ولو كان شاهدًا، من أين يؤخذ؟ ألا نقول: إنه إذا كان مجنونًا فلا تصوم مطلقًا؛ لأننا لا نعلم أنه أذن أم لم يأذن وهو ممن لا إذن له. وعلى هذا فنقول: صوم التطوع لا مرأة المجنون لا يمكن من رمضان إلى رمضان، يعني: النبي ﷺ قال: "إلا بإذنه"، فإذا كان هذا مجنونًا ليس له إذن فإن إذنه متعذر وإذا تعذر الإذن الذي وقف الصيام عليه يتعذر الصوم، لأن "تعذر الشرط يستلزم تعذر المشروط" هذا هو ظاهر الأمر، ولكن قد يقول قائل: إن في هذا إضرارًا عليها، وقول الرسول: "إلا بإذنه" يدل على أن المراد بذلك: الزوج العاقل الذي له إرادة وتصرف، أما المجنون فلا يدخل في هذا، ولكن المجنون لو أرادها وهي صائمة وجب عليها التمكين من نفسها، وإلا فلها أن تصوم؛ لأنه لا يشعر أنها صائمة أو غير صائمة، كأن قائلًا يقول: لِمَ تبقى تحت المجنون؟ نقول: إذا أرادت أن تبقى قد يكون المجنون مجنونًا بدون حاجة، وقد يكون مهذريًّا، يكون كبير السن وقد يعتريه

стр. 1475

حادث يُخل بفكره، المهم: أنه ليس له إذن، وقد يزوج وهو صغير، على كل حال الذي يظهر لي أن غير العاقل- الذي ليس له إذن معتبر- تصوم المرأة، فإن دعاها لحاجته المفسدة للصوم وجب عليها أن تمكنه لأنه زوج. ويُستفاد من الحديث: مُراعاة الشارع البُعد عن الإحراج، وأنه لا ينبغي أن نفعل ما فيه إحراج على الغير؛ لأنه منع من صومها إلا بإذنه، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: ألا نحرج غيرنا لا سيما في الأمور التي لا يجب أن يطلع عليها أحد، فإن بعض الناس يحرجك في أمور يقول: حصل كذا ويحرجك ويؤذيك فتقع في حرج حتى لو أردت أن تتأول بما تظهر المسألة وتكون عند هذا الرجل كاذبًا. فالمهم: أن الحديث يشير إلى أنه ينبغي أن يتجنب الإنسان إحراج غيره، وهذا صحيح؛ لأني أرى أن الإحراج من الأذية يتأذى المُحرج، كما قال الله : ﴿خُذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ما عفي من أخلاق الناس وأقوالهم وأفعالهم فخذ وما لا يأتي إلا بمشقة أتركه. يُستفاد من هذا الحديث: أن المرأة لو صامت وزوجها شاهد بدون إذنه فصومها فاسد، لماذا؟ لأنه منهي عنه لذاته، فكما أن الإنسان لو صام يوم العيد فصومه غير صحيح، كذلك هذه المرأة، ولكن ننظر في الموضوع إذا قيل: إن التحريم هنا لحق الزوج وهو كذلك بدليل أنه رُتب على إذنه فهل نجزم بأن الصوم حرام، أو نقول: هو موقوف على إجازته إن أجازه صح، وإن لم يجزه فليس بصحيح؟ ربما نقول هذا ما دمنا نعرف أن العلة حق الزوج والزوج أسقط حقه، فإنه يكون صحيحًا، لكنه يُشكل على هذا أن العبادات ليس فيها تصرف فضولي عند أكثر العلماء، ما هو التصرف الفضولي؟ التصرف في حق الغير الذي يقف على إجازته مثل: الحقيبة هذه لي، فجاء واحد منكم وباعها بدون إذني، هل يصح البيع؟ لا؛ لكن لو أذنت يصح على الصحيح، والمذهب لا يصح، والتصرف الفضولي أيضًا يصح حتى في العبادات كما في حديث معن بن يزيد حين أعطى رجلًا دراهم يتصدق بها فوقعت في يد ابنه، فقال له الأب: أنا ما أمرتك أن تعطيها ابني، فرفع الأمر إلى النبي ﷺ فأجازه، وقال للمُصدق عليه: "لك ما أخذت"، وللمتصدق: "لك ما أردت"، فهذا يدل أيضًا على أن تصرف الفضولي في العبادات جائز تنفيذه. ومن ذلك أيضًا: حديث أبي هريرة حين جاءه الشيطان وأخذ من التمر الذي كان أبو هريرة أمينًا عليه أعطاه ثلاث ليال فأجازه النبي ﷺ ولم يضمن أبا هريرة. الحاصل: أن الذي يظهر لي في هذا الحديث: أن المرأة لو صامت بدون إذن الزوج ثم
следующие страницы →