Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
يصومها في أول الشهر ووسطه وآخره.
ويُستفاد منه أيضًا: استحباب تعيين الصوم "ثلاثة أيام من كل شهر"، فما في هذه الأيام الثلاثة؟ ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر.
ويُستفاد منه أيضًا: حكمة الشرع باختياره العبادة في الوقت الذي يكون أنسب وأنفع، حيث أرشد النبي ﷺ إلى أن تكون الأيام الثلاثة في هذه الأيام أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن هذه الأيام خُصمت بزمن وهي في ذاتها في الأصل مستحبة.
* * *
حكم صوم المرأة بغير إذن زوجها:
٦٥١ - وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا يَحِلُّ لِلمَرأَةِ أَن تَصُومَ وَزَوجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذنِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفظُ لِلبُخَاِريَّ.
- زَادَ أَبُو َاوُدَ: "غَيرَ رَمَضَانَ".
الحديث فيه إشكال من حيث صناعة التخريج، لأن المؤلف قال: "متفق عليه" واللفظ للبخاري، ثم قال: "زاد أبو داود"، وأبو داود لا يدخل في المتفق عليه؛ لأن المتفق عليه هو الذي رواه البخاري ومسلم، لكن المؤلف ﵀ طوى ذكر رواية أبي داود بذكر الزيادة كأنه قال: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وزاد كذا وكذا، وهذا من باب طي الذكر المعلوم، وله أمثلة كثيرة ذكرها أهل البلاغة في كلامهم عن الإيجاز الذي قالوا: إنه نوعان: إيجاز قصر، وإيجاز حذف.
أما لفظ الحديث فقال: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد" "أن تصوم" هذه مؤولة بمصدر فاعل "يحل" يعني: الصوم، وقوله: "وزوجها شاهد" جملة حالية، و"الشاهد" بمعنى: الحاضر.
وهذا الحديث كما يدل عليه رواية أبي داود يُراد به غير رمضان؛ أي: يُراد به النفي، بل ظاهر النفل والواجب بالنذر؛ لأنه لم يستثن إلا رمضان، ففيه يقول الرسول ﷺ : "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد"؛ وذلك لأن المرأة عند الوج كالأسير كما قال النبي ﷺ : "أتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم" والعوان: جمع عانية بمعنى: أسيرة، ووصف الله تعالى
стр. 1472
الزوج في القرآن بأنه سيد، فقال: ﴿وألفيا سيدها لدا الباب﴾ [يوسف: ٢٥]. أي: زوجها، وبيَّن النبي ﷺ أن الزوج راعٍ على أهله فقال: "والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته"، والزوج له حقوق على زوجته، فإذا صامت نفلًا وهو حاضر بلا إذنه فإنه سيقع في حرج؛ لأنه بين أمرين: إما أن يمتنع من الاستمتاع بها مع كونه مشتهيًا لذلك، وإما أن يُفسد صومها، وكلا الأمرين فيهما حرج، أما الأول: ففيه إشفاق على نفسه، وأما الثاني: ففيه إشفاق على غيره مع الأثر النفسي الذي يتركه هذا الأمر إذا أفسد صومها، لهذا قطع النبي ﷺ هذا الأمر الذي يكون فيه إحراج الزوج، فقال: "لا يحل .. " إلخ، وقوله: "لا يحل" نفي الحل إثبات للتحريم، هذا هو الظاهر، وإن كان نفي الحلّ لا يمنع الكراهة بمعنى: أن يُقال: إن المكروه أيضًا غير حلال، ولكن الغالب أنه إذا في الحل أو الجواز فالمراد: التحريم؛ لأن التحريم هو المقابل للجواز كما قال الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلل وهذا حرام﴾ [النحل: ١١٦]. فجعل الله تعالى الحلال قسيمًا للحرام ومقابل له، فإذا قلنا: لا يحل، فالمعنى: يحرم، فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: المعنى يُكره، لأن الأصل عدم التأثيم بمعنى: أنه يُكره للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، لأنك إذا قلت: يحرم لزم من قولك تأثيمها بالفعل، والأصل عدم التأثيم، وما دام نفي الحل صالحًا للكراهة وصالحًا للتحريم، فلماذا لا تحمله على أدنى الاحتمالين الذي تسلم فيه المرأة من التأثيم؛ لأن الأصل براءة الذمة.
زيادة توضيح:
كلمة "لا يحل" قلنا: معناه: يّحرمُ، لكن لو قلنا: معناها: يُكره، هل يستقيم الكلام؟ نعم، لماذا؟ لأن المكروه لا يحل ليس بحلال، إذ إن الحلال ما تساوى طرفاه، والمكروه لا يتساوى طرفاه، فنفي الحل لا يستلزم التحريم؛ لأنه يجوز أن يكون المراد: الكراهة، لكن قلت لكم: الأصل أن نفي الحلَّ للتحريم؛ لأنه- أي: التحريم- هو المقابل للحلَّ والقسيم له، بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصفُ .. ﴾ وما زال العلماء- ﵏ يعبرون بقولهم: "ولا يجوز كذا" يعني: يحرم، وأما تعبيرهم "لا يحرم كذا" فلا يقتضي الحلُّ قد يجب، إذن نقول هنا: "لا يحل" أي: يحرم، فإن قال قائل: ما دُمت تقول: إن نفي الحل يحتمل الكراهة، ويحتمل التحريم، فلماذا لا تحمله على الكراهة؟ لأن الكراهة لا يحصل فيها إثم المرأة، فيحمل الحديث على أدنى الاحتمالين حتى تسلم المرأة من الإثم، لماذا؟ لأن التأثيم إشغال لذمتها وإلزام لها بأكثر مما يحتمله اللفظ، فالجواب: أن العادة المضطردة: أن نفي الحل، يعني: التحريم، وحينئذٍ
стр. 1473
يكون هذا الظاهر مُقَدَّم على الأصل الذي هو عدم التأثيم. إذن يحرم على المرأة أن تصوم وزوجها شاهد.
و"الزوج" معروف هو الذي تم العقد بينه وبين المرأة على الوجه الشرعي، وقوله: "إلا بإذنه"، الإذن بمعنى: الرخصة والإرادة يعني: إلا بإرادته، العلة في ذلك؟ لأن للزوج عليها حقًا وهو الاستمتاع، وإذا كانت صائمة فإن صيامها يمنعه من استمتاعه بها إلا على وجه فيه إحراج له، والإحراج هو أنه سيكون مترددًا بين أمرين: إن استمتع بها أفسد صومها، وإن تركها ونفسه تطلب ذلك وقع أيضًا في حرج، فلهذا لا يجوز أن تصومك نفلًا إلا بإذنه.
وأما رواية أبي داود يقول: "غير رمضان"، فأما رمضان فيجوز أن تصومه ولو كان زوجها شاهدًا ولو لم يأذن، وهذا مع ضيق الوقت- وقت القضاء- واضح، يعني: مثلًا لو لم يبق من شعبان إلا مقدار ما لعيها من رمضان فلها أن تصوم وإن كان زوجها شاهدًا وإن منعها، ولكن إذا كان في الوقت سعة بأن يكون قد بقي من شعبان أكثر مما عليها مثل أن تريد صوم القضاء في جُمادي، فهل لها أن تفعل ذلك بلا إذنه؟ إن نظرنا إلى الحديث "غير رمضان" قلنا: الظاهر أن لها ذلك ما لم ينهها، وحينئذٍ تكون المراتب ثلاثًا:
أولًا: النفل فلا تصوم حتى يأذن.
ثانيًا: القضاء إذا بقي من شعبان بمقدار ما عليها فهذه تصوم وإن منع؟
ثالثًا: القضاء مع سعة الوقت فهذه تصوم ما لم يمنع؛ لأن هذه فريضة، وظاهر الحديث: العموم، لكن الفرق بينه وبين الفرض الضيق: أن الضَّيِّق وإن منع فإنها تصوم، والفرق بينه وبين النفل، أن النفل لا تصوم إلا بإذنه، أما هذا فإنها تصوم بدون استئذان ما لم يمنعها ويقول لها: إن الوقت أمامك واسع، ولهذا كانت عائشة ﵂ لا تصوم القضاء عليها إلا في شعبان لمكان رسول الله ﷺ منها.
في هذا الحديث عدة فوائد الأولى: أن حق الزوج على الزوجة أعظم من حقها عليه، وجهه: أنها مُنعت من الصوم إلا بإذنه، وأما الزوج فله أن يصوم بدون إذنها، ويدل لهذه الفائدة قوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ولو تساوى الرجل والمرأة في هذا لم يكن له عليها درجة.
ومن فوائد الحديث: وجوب مُراعاة الزوجة لحقوق الزوج لقوله: "إلا بإذنه".
فائدة: حكم سفر المرأة بغير إذن زوجها:
ومن فوائد الحديث: أنه لا يحل لها أن تسافر إلا بإذنه، وهذا من باب أولى أن يمنعها؛ لأنه
стр. 1474
إذا كان لا يجوز أن تصوم وهو شاهد مع أنها في الصوم أمامه يتمتع منها بالنظر واللمس والتقبيل وما أشبه ذلك وقضاء حاجاته، فمن باب أولى في السفر، فإن سافرت فهل يسقط حقها من النفقة أو لا؟ إن كان بغير إذنه فلا شك أن حقها من النفقة يسقط مع الإثم وعلى المذهب أيضًا لا تترخص برُخص السفر كالقصر والفطر في رمضان؛ لأن السفر سفر معصية إذا سافرت بإذنه فهل تسقط النفقة عنه؟ فعلى المذهب إن كانت الحاجة له لم تسقط، وإن كانت لها سقطت، والصحيح أنها لا تسقط ولو كانت الحاجة لها ما دامت سافرت بإذنه؛ لأنه هو الذي أذن لها والحق له وقد أسقطه وحقها لم يسقط.
ومن فوائد الحديث: هل نقول: فيه دليل على أن المرأة لا تصلي تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه؟
الظاهر: أنها ليس كالصوم؛ لأن الصوم مدته طويلة والصلاة غير طويلة، لكن مع ذلك نقول مثلًا: له أن يحللها من الصلاة، يعني: لو أرادها فله أن يقول: "اقطعي الصلاة" إلا إذا كان قد أذن.
ومن فوائد الحديث: جواز صوم المرأة بلا إذن زوجها إذا كان غائبًا لقوله: "وزوجها شاهد"، فإنما يدل على أنه إذا كان غائبًا فلا بأس، وظاهر الحديث لا بأس، وظاهر الحديث لا بأس وإن منعها، فإذا كان الغرض يتعلق به فله أن يمنعها مثل لو قال: أنا أمنعها شفقة عليها، لا من أجل مصلحتي أنا، ولا من أجل أنها تنقص بالصوم وما أشبه ذلك، فالظاهر: أنه لا يمنعها، وأن لها أن تصوم ما دام غائبًا؛ لأنه هنا ليس له مصلحة.
ومن فوائد الحديث: أنه لو كان الزوج غير عاقل فلها أن تصوم ولو كان شاهدًا، من أين يؤخذ؟ ألا نقول: إنه إذا كان مجنونًا فلا تصوم مطلقًا؛ لأننا لا نعلم أنه أذن أم لم يأذن وهو ممن لا إذن له.
وعلى هذا فنقول: صوم التطوع لا مرأة المجنون لا يمكن من رمضان إلى رمضان، يعني: النبي ﷺ قال: "إلا بإذنه"، فإذا كان هذا مجنونًا ليس له إذن فإن إذنه متعذر وإذا تعذر الإذن الذي وقف الصيام عليه يتعذر الصوم، لأن "تعذر الشرط يستلزم تعذر المشروط" هذا هو ظاهر الأمر، ولكن قد يقول قائل: إن في هذا إضرارًا عليها، وقول الرسول: "إلا بإذنه" يدل على أن المراد بذلك: الزوج العاقل الذي له إرادة وتصرف، أما المجنون فلا يدخل في هذا، ولكن المجنون لو أرادها وهي صائمة وجب عليها التمكين من نفسها، وإلا فلها أن تصوم؛ لأنه لا يشعر أنها صائمة أو غير صائمة، كأن قائلًا يقول: لِمَ تبقى تحت المجنون؟ نقول: إذا أرادت أن تبقى قد يكون المجنون مجنونًا بدون حاجة، وقد يكون مهذريًّا، يكون كبير السن وقد يعتريه
стр. 1475
حادث يُخل بفكره، المهم: أنه ليس له إذن، وقد يزوج وهو صغير، على كل حال الذي يظهر لي أن غير العاقل- الذي ليس له إذن معتبر- تصوم المرأة، فإن دعاها لحاجته المفسدة للصوم وجب عليها أن تمكنه لأنه زوج.
ويُستفاد من الحديث: مُراعاة الشارع البُعد عن الإحراج، وأنه لا ينبغي أن نفعل ما فيه إحراج على الغير؛ لأنه منع من صومها إلا بإذنه، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: ألا نحرج غيرنا لا سيما في الأمور التي لا يجب أن يطلع عليها أحد، فإن بعض الناس يحرجك في أمور يقول: حصل كذا ويحرجك ويؤذيك فتقع في حرج حتى لو أردت أن تتأول بما تظهر المسألة وتكون عند هذا الرجل كاذبًا.
فالمهم: أن الحديث يشير إلى أنه ينبغي أن يتجنب الإنسان إحراج غيره، وهذا صحيح؛ لأني أرى أن الإحراج من الأذية يتأذى المُحرج، كما قال الله : ﴿خُذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ما عفي من أخلاق الناس وأقوالهم وأفعالهم فخذ وما لا يأتي إلا بمشقة أتركه.
يُستفاد من هذا الحديث: أن المرأة لو صامت وزوجها شاهد بدون إذنه فصومها فاسد، لماذا؟ لأنه منهي عنه لذاته، فكما أن الإنسان لو صام يوم العيد فصومه غير صحيح، كذلك هذه المرأة، ولكن ننظر في الموضوع إذا قيل: إن التحريم هنا لحق الزوج وهو كذلك بدليل أنه رُتب على إذنه فهل نجزم بأن الصوم حرام، أو نقول: هو موقوف على إجازته إن أجازه صح، وإن لم يجزه فليس بصحيح؟ ربما نقول هذا ما دمنا نعرف أن العلة حق الزوج والزوج أسقط حقه، فإنه يكون صحيحًا، لكنه يُشكل على هذا أن العبادات ليس فيها تصرف فضولي عند أكثر العلماء، ما هو التصرف الفضولي؟ التصرف في حق الغير الذي يقف على إجازته مثل: الحقيبة هذه لي، فجاء واحد منكم وباعها بدون إذني، هل يصح البيع؟ لا؛ لكن لو أذنت يصح على الصحيح، والمذهب لا يصح، والتصرف الفضولي أيضًا يصح حتى في العبادات كما في حديث معن بن يزيد حين أعطى رجلًا دراهم يتصدق بها فوقعت في يد ابنه، فقال له الأب: أنا ما أمرتك أن تعطيها ابني، فرفع الأمر إلى النبي ﷺ فأجازه، وقال للمُصدق عليه: "لك ما أخذت"، وللمتصدق: "لك ما أردت"، فهذا يدل أيضًا على أن تصرف الفضولي في العبادات جائز تنفيذه.
ومن ذلك أيضًا: حديث أبي هريرة حين جاءه الشيطان وأخذ من التمر الذي كان أبو هريرة أمينًا عليه أعطاه ثلاث ليال فأجازه النبي ﷺ ولم يضمن أبا هريرة.
الحاصل: أن الذي يظهر لي في هذا الحديث: أن المرأة لو صامت بدون إذن الزوج ثم
стр. 1476
رضي بذلك فالصوم صحيح.
وزيادة أبي داود: "غير رمضان"، هل يمكن أن يقول قائل: المراد: غير رمضان أداءً لا قضاء؟ ممكن، مثل أن يكون مسافرًا أو قادمًا من سفر، أو يكون مريضًا أو مضطرًا لإنقاذ غريق من غرق، وفيه أيضًا لو صامت عن نَذر هل يحلُّ لها أن تصوم وزوجها شاهد؟ نقول: إذا كان قد أذن لها في النذر وصامت فلا بأس، يعني مثلًا: قالت: عليَّ ثلاثة أيام صوم نذر، قال: موافق فصامت من الغد من غير أن تقول: أني سأصوم غدًا، هل يصح؟ يصح؛ لأنه أذن لها فيه.
في الكفارة هل لها أن تصوم وزوجها شاهد بدون إذنه؟ إذا كان هو السبب فلا بأس، وإن كان ليس السبب كما لو كان كفارة يمين- وهي على الفور- فالظاهر: أنه في هذه الحالة لها أن تفعل، لأن هذا الحق واجب لله فلها أن تفعل.
النهي عن صيام يوم الفطر ويوم النحر:
٦٥٢ - وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَن صِيَامِ يَومَينِ: يَومِ الفِطرِ، وَيَومِ النَّحرِ". مُتَّفَقٌ عَلِيهِ.
قوله: "أن رسول الله ﷺ نهى"، "النهي" أنه طلب الكفَّ على وجه الاستعلاء: يعني: على وجه يعتقد الناهي أنه أعلى رتبة من المنهى، وكل النواهي التي ترد في الكتاب والسُّنة فهي على هذا الوصف، فإن الناهي إما الله وإما النبي ﷺ .
وقوله: "عن صيام يومين: يوم الفطر" بالكسر على أنه بدل بعض من كل، و"يوم الفطر" وهو أول يوم من شوال؛ لأن الناس يفطرون فيه من رمضان، "ويوم النحر" هو اليوم العاشر من شهر ذي الحجة؛ لأن الناس ينحرون فيه الضحايا، وسُمَّي يوم النحر تغليبًا لما هو أكبر وأفضل وهي: الإبل، وإلا فإن نحرًا وفيه ذبحًا.
في هذا الحديث يقول: "نهى النبي ﷺ عن كذا"، وإذا قال الصحابي ذلك فالصواب بلا شك: أنه بمنزلة قوله: قال النبي ﷺ : لا تصوموا، يعني: كالنهي الصريح، لأن هناك فرقًا بين نهي و"لا تصوموا"؛ لأن الثاني صريح، والصواب أيضًا: أن الأول صريح، وأما قول من قال: إنه ليس بصريح لاحتمال أن يكون الصحابي فهم أنه نهى وليس بنهي؛ فهذا بعي ولا يرد، وذلك لأن الصحابي عالم باللغة العربية ومدلولاتها، ولا سيما كلام النبي ﷺ الذي لم يزل يسمعه منه كثيرًا، فالصواب: أن قوله: "أمر"، وأن قوله: "نهى" أن الأول بمنزلة افعل، والثاني بمنزلة لا تفعل ولا فرق.
وقوله: "نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر"، إنما نهى النبي ﷺ عن صيامهما؛
стр. 1477
لأنهما اليومان اللذان يحصل بهما الأكل والشرب إظهارًا لنعمة الله- في أيام النحر، وإظهارًا للفطر في يوم الفطر؛ لأن الناس لو صاموا لم يكن هناك فرق بين أول يوم من شوال وآخر يوم من رمضان، واختلطت الأيام التي يجب صيامها بالأيام التي لا يجب، والشارع له نظر في التفريق، ولهذا سبق لنا أن الرسول ﷺ نهى أن يتقدم الإنسان رمضان بصوم يوم أو يومين خوفًا من أن يختلط الواجب بغيره، ولأن العبادة المحدودة إذا لم يكن هناك تمييز بين طرفيها فإنها تبدو وكأنها غير مؤقتة فمن أجل هذه الحكم نهى النبي ﷺ أن يُصام يوم عيد الفطر.
وأما قول بعض أهل العلم: إنه نهى عن صيامهما؛ لأن الخَلق في ضيافة الله ففيه نظر ظاهر؛ لأن الخَلق دائمًا في ضيافة الله، لكن الحكمة هو هذا، أما يوم النحر فالحكمة فيه؛ لأن الناس لو صاموا لكان هذا عُزوفًا عن تمتعهم بالأكل عن هداياهم وضحاياهم، وقد أمر الله تعالى بالأكل منها، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الحكمة بقوله: "أيام التشريق أيام أكل وشُرب وذكر لله "، فلما كان الصوم يحول بين الإنسان وبين أكله من هذه الشعيرة العظيمة وهي النُّسك نهى عنه النبي ﷺ ، وقوله: نهى عن صيامهما عامٌّ يشمل صيامهما على أنه فريضة أو أنه نافلة، ويشمل صيامهما مضمومين إلى ما بعدهما أو منفردين، بمعنى: أنه لا يجوز أن تصوم يوم الفطر ولو صمت اليوم الثاني، ولا اليوم العاشر ولو صمت اليوم التاسع، أو الحادي عشر فالنهي عن صيامهما مطلقًا.
فمن فوائد الحديث أولًا: تحريم صوم هذين اليومين.
ثانيًا: بيان حكمة الله من الشريعة، وأنه- أراد منا أن نجعل الشريعة متميزة ظاهرة يتميز فيها كل شيء عن شيء.
ثالثًا: مشروعية الحفاظ على الأكل من الأضاحي وكذلك الهدايا؛ لأن الله أمر بها، والصوم يحول بيننا وبين الأكل إلا في الليل.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لو نذر أن يصوم هذين اليومين فإن نذره لا يصح ولا يجوز الوفاء به، لماذا؟ لأنه معصية، وقد قال النبي ﷺ : "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، ولكن هل يلزمه أن يكفر كفارة يمين؟ هذا محل خلاف، والصحيح: أنه يلزمه أن يكفر كفارة يمين؛ لأنه ورد حديث في هذا، وثانيًا: لأن حقيقة الأمر أن النذر متضمن معنى اليمين، والمقصود باليمين: الإيجاب التأكيد على الفعل إن حلفت على فعل، أو على الترك إن حلفت على ترك.
ظاهر الحديث أيضًا: أنه لا يُصام يوم النحر ولا عن دم المُتعة والقِرآن مع أنه واجب؛
стр. 1478
لقوله تعالى في دم المتعة والقرآن: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦]. ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر، فهل يصوم الإنسان ذلك اليوم ويقول: لأن الله يقول: ﴿ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾؟ نقول: لا تصم؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن صوم هذين اليومين فهما ليسا وقتًا للصوم، ما نظيرهما في الصلاة؟ أوقات النهي التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها.
النهي عن صيام أيام التشريق:
٦٥٣ - وَعَن نُبَيشَةَ الهُذَلِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَيَّامُ التَّشرِيِقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ، وَذِكرٍ لله ". رَوَاهُ مُسلِمٌ.
قوله: "أيام التشريق" هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وسميت أيام تشريق؛ لأن الناس يشَرَّقُون اللحم، أي: يضعونه في الشمس بعد أن يُشرَّحوه لم يكن عندهم ثلاجات يحفظون بها اللحم، فطريقتهم هذه يشرحون اللحم ثم يُشَرَّقه في الشمس حتى يَيبَس، وهذه الأيام الثلاثة أيام تشريق، لأن الناس يذبحون فيها الأضاحي والهدايا.
وقوله: "أيام أكل وشرب" أما كونها أيام أكل واضح لحوم الهدايا والأضاحي، لكن "شرب" ما المراد به: أنها أيام وضعت لهذا الأمر للأكل والشرب، يعني: ليس فيها صيام، والله يقول: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود م الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. فالمعنى: أن هذه الأيام وضعت شرعًا لأن تكون أيام أكل وشرب لا صوم.
وقوله: "وذكر لله" نعم هي أيام ذكر؛ لأنها الأيام المعدودات التي قال الله تعالى فيها: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣]. فهي أيام ذكر، ما هي نوع هذا الذكر؟ نوعه التكبير "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد"، أو على ثنتين "الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد"، وربما يقال: إن هذا هو الذكر الخاص المشروع، وأما الذكر على سبيل العموم فينبغي فيها الإكثار من ذكر الله فهنا يقول: إن هذه الأيام كانت لهذا الغرض أو وضعت لهذا الغرض، فلا ينبغي للإنسان أن يغفل فيها عن ذكر الله؛ لأنها أيام ذكر، وقوله: " "عزَّ" بمعنى: قهر وغلب، "وجل" بمعنى: عظم، أما "عزَّ" فإنه- أعني: هذا الفعل- له نظير في الأسماء، ما هو؟ العزيز، وأما "جلَّ" فلا يحضرني أن له نظيرًا في الأسماء- الجليل- لكنه يوصف بأنه الجليل، ولا يسمى به إلا إذا ثبت عن النبي ﷺ أن من أسماء الله الجليل.
نعود إلى فوائد الحديث فمنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتمتع بنعم الله من الأكل والشرب
стр. 1479
حتى في أيام الأعياد من باب أولى، ولهذا رُخص للناس في أيام الأعياد في شيء من الفرح لا يرخص لهم في غيره، الجاريتان اللتان تغنيان في يوم بعاث بين يدي الرسول ﷺ في أيام منى لما انتهرهما أبو بكر قال له النبي صلى لله عليه وسلم: "دعهما فإنها أيام عيد".
فيستفاد من هذا: أنه ينبغي للإنسان في أيام الأعياد أن ينبسط وأن يفرح بنعمة الله تعالى بإكمال الصوم لا للتخلص منه، ولكن للتخلص به من الذنوب، لأن من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، في يوم النحر عرفه الواقف بها يقال لهم: ارجعوا مغفورًا لكم فلهذا صار عيدًا يفرح به الإنسان بالتخلص من الذنوب بسبب هذا العيد.
ومن فوائد الحديث أيضًا: تحريم صيام أيام التشريق؛ لأنه خروج بها عما أراد الشارع بها من أن تكون أيام أكل وشرب.
ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يلهيه الأكل والشرب الذي هو غذاء البدن عن ذكر الله الذي هو غذاء الروح، فإن الإنسان إذا أكل وشرب حصل له من الأشر والبطر ما لا يحصل للجائع، فأعرض عن ذكر الله فقال الرسول ﷺ وذكر حتى لا يغفل الإنسان بالأكل والشرب عن ذكر الله.
ومن فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ في تربية الخلق؛ لأنه لما ذكر هذا الأكل والشرب الذي يكون مظنة للغفلة نبههم على ذكر الله قال: "وذكر لله ".
ومنها: أنه ربما يستدل بعموم كلمة "ذكر" على مشروعية التسمية على الذبائح؛ لأنه لا شك أن من ذِكر الله في هذه الأيام التسمية على الذبائح، والتسمية على الذبائح شرط لحل الذبيحة، فمن ذبح ذبيحة لم يُسم الله عليها حَرُم أكلها حتى وإن كان الذابح ناسيًا، لكن لو أكلها ناسيًا فلا إثم عليه لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولا يصح أن يستدل بهذه الآية على حل ذبح من نسي التسمية، لماذا؟ لاختلاف الفعلين الذابح له فعله فلا يؤاخذ إذا نسي إلا يُسمي، وأما الأكل فله حكم فِعلي، والله تعالى يقول: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. ولهذا لما جاء قوم إلى الرسول ﷺ وقالوا: يا رسول الله، إن قومًا من أهل الكتاب يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال لهم: "سموا أنتم وكلوا"، ففرق الرسول بين الفعلين: فعل أولئك عليهم مسئوليته، أما فعلكم أنتم وهو الأكل فعليكم مسئوليته.
ومن فوائد الحديث: وصف الله بالعزة والجلال لقوله: " ".
هل يؤخذ من هذا الحديث: إباحة الأكل والشرب؟ لا يؤخذ، لكن يؤخذ من الأدلة الأخرى.
стр. 1480
فائدة في حقيقة الذكر:
ذكر الله هل هو باللسان أو بالقلب أو بهما جميعًا؟ بهما جميعًا، ويكون بالقلب وحده ويكون باللسان وحده، لكن اللسان وحده الذكر فيه ضعيف جدًّا، غاية ما فيه أنه يجزئ الإنسان فيما إذا كان واجبًا، وأما الثواب المرتب على الأذكار، فإن حصوله لمن يذكر الله بلسانه فقط فيه نظر، الذكر بالقلب لا يترتب عليه الثواب المعلَّق بالقول مثل من قال: "لا إله إلا الله" مائة مرة، لو واحد قالها في قلبه ما يترتب عليه هذا الفضل؛ لأنه لا يصدق عليه أنه قال، بل هو حدَّث نفسه وفكر فهو يُؤجَر على هذا التفكير، وربما يكون تأثر قلبه بالذكر القلبي أكثر من تأثره بالذكر اللساني، ولا ريب أنه لو اجتمع الأمران فهو أكمل بلا شك.
هل يكون ذكر الله بذكر أحكامه ونشرها وتعلمها؟ نعم، يعني: واحد مثلًا يقرأ في علم فقه، توحيد، هذا من ذكر الله وأيضًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ذكر الله.
لو قال قائل: الصلاة إذن من ذكر الله؟ هذا من باب الذكر الخاص بعد العام، وهذا لا يقتضي ألاَّ يشمله العام، إذن نقول: ذكر الله إذا أُطلق يشمل كل شيء يتذكر به الإنسان ربه من أقوال وأفعال في القلوب وفي الجوارح، وأحيانًا يُراد به الذكر الخاص. ﴿فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا الله﴾ [النساء: ١٠٣]. هنا ما دخلت الصلاة، وليس المعنى: إذا قضيتم الصلاة فصلوا، بل المراد: الذكر الخاص المعروف.
٦٥٤ - وَعَن عَائِشَةَ وَابن عُمَرَ ﵄ قَالا: "لَم يُرَخَّص فِي أَيَّامِ التَّشرِيقِ أَن يُصَمنَ إِلا لِمَن لَم يَجِدِ الهَديَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
سبق أن معنى الرخصة هو: السهولة، ورَخَّصَ بمعنى: سَهَّل، وكلمة "لم يرخَّص" مبنيٌّ للمجهول، أي: لم يبيَّن مَن الفاعل، فهل المراد بالفاعل: الله أو الرسول ﷺ ؟ إن كان الرسول ﷺ فالحديث في حكم المرفوع فعلى هذا يكون حجة، وإن كان الله فالحديث من باب التفقه والاستنباط، وحينئذٍ قد يُقبل وقد لا يقبل؛ لأنه اجتهاديُّ، كيف يكون الاحتمال الثاني؟ لأنه يجوز أن عائشة وابن عمر ﵄ فهما ذلك من قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومعلوم أن أيام التشريق داخلة في قوله: ﴿في الحج﴾؛ لأن الحج لا ينتهي إلا في آخر أيام التشريق، ففي أيام التشريق: مبيت، ورمي، وطواف، حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز تأخير طواف الإفاضة عن أيام التشريق.
على كل حال: فيه احتمال أن يكون هذا القول من عائشة وابن عمر على سبيل الاستنباط
стр. 1481
والتفقه، أو على سبيل الرفع، يعني: في حكم الرفع، ولهذا أريد منكم أن تتبعوا طق الحديث.
في هذا الحديث- على تقدير أنه مرفوع- فوائد منها: أن الصوم في هذه الأيام الثلاثة أيام التشريق مُحرَّم؛ لأنه قوبل بالرخصة لمن يباح له، ولو كان مباحًا لكان مُرَخَّصًا فيه لكل أحد، ولهذا استدل أكثر أهل العلم على وجوب طواف الوداع لحديث ابن عباس: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلاَّ أنه خُفَّفَ عن الحائض"، والتخفيف بمعنى: الرخصة، قالوا: لأنه لما خُفَّف عن الحائض معناه: أنه على غيرها واجب، ولو لم يكن واجبًا لكان خفيفًا على كل أحد.
من فوائد الحديث: جواز: صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي، ومَن الذي يجب عليه الهدي؟ القارن والمتمتع، الدليل: استمع إلى قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال: صيام ثلاثة أيام في الحج، وهذه الثلاثة من أيام الحج بلا شك، لكن لو قال قائل: أنت ذكرت التمتع والقرآن، والآية التمتع فقط، فالجواب: أن التمتع في لسان الشارع يشمل القرآن والتمتع؛ لأن كلًا مِن المتمتع الذي أحلَّ من عمرته ثم أحرم بالحج في عامه والقارن الذي أحرم بهما جميعًا كلٌّ منهما قد تَرَفَّه بترك أحد السفرين؛ لأن المتوقع أن يكون للعمرة سفر وللحج سفر، وهذا أتى بهما جميعًا في سفر واحد فحصل له بذلك الترفه، ولأن الصحابة- ﵃ عبر بعضهم بقولهم: إن النبي ﷺ تمتع، ومعلوم أن الرسول ﷺ لم يتمتع وإنما حج قارنًا، كما قال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي ﷺ كان قارنًا والمتعة أحب إليَّ.
إذن نقول: إن الآية يدخل فيها القرآن بناء على أن هذا هو المعهود في لغة الشارع، ولكن بعض العلماء- وهم قليل- قال: لا نسلم، ولو سلمنا بأن التمتع يدخل فيه القرآن فإنه ليس بظاهر بالنسبة للفظ الآية؛ لأن الله يقول: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى﴾ فذكر غاية ومَغَيَّ غاية، والغاية لها طرفان: ابتداء وانتهاء، وهذا يقتضي أن تكون العمرة منفصلة عن الحج فتمتعت بها، يعني: لما أحللت منها تمتعت إلى الحج، فمن أجل هذا التمتع بزوجتك ولباسك وطيبك من العمرة إلى الحج اشكر نعمة الله عليك وأهد الهدي بخلاف الإنسان الذي سيبقى على إحرامه من يوم يُحرم بالعمرة إلى يوم العيد، فهذا ليس عنده تمتع، صحيح تمتع بالترفه بترك أحد السفرين لكن ما تمتع فيما بين العرمة والحج، ولهذا قال الإمام أحمد: القارن ليس كالمتمتع، يعني: حتى ولو قلنا بوجوب الهَدي عليه فليس كالمتمتع؛ لأن المتمتع واضح فيه؛ ولأن الأئمة الأربعة كلهم متفقون على أن القارن كالمتمتع في وجوب الهدي عليه، وذهب بعض العلماء- وهم قلة- إلى
стр. 1482
أن القارن لا هدي عليه؛ لأنه لا يسعفه اللفظ الذي في الآية.
حكم صيام يوم الجمعة:
٦٥٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تخضُّوا ليلة الجمعة بقيام من بين اللَّيالي، ولا تخضُّوا يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيَّام، إلاَّ أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم". رواه مسلمٌ.
سبق لنا أن خمسة أيام يحرم صومها، وليس شيء من أيام السَّنة يحرم صومه إلا ما سبق، وهما: أيام التشريق والعيدان، لكن بدأ المؤلف بما يكره صومه ولا يحرم، قوله: "لا تخصوا"، أي: لا تفردوه بقيام من بين الليالي، فأما بدون إفراد فلا نهي؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: لا تقوموا ليلة الجمعة، بل قال: "لا تخصوا"، والفرق بين العبارتين واضح، لو كان يريد النهي عن قيام ليلة الجمعة لقال: لا تقوموا، لكنه نهى عن تخصيصه، يعني: لا يخص الإنسان ليلة الجمعة بالقيام؛ لأنها ليلة الجمعة، وكذلك يوم الجمعة لا تخصوه بالصيام من بين سائر الأيام، لا يقل أحدكم: إنني سأصوم يوم الجمعة؛ لأنه يوم الجمعة فأصومه وأدع بقية الأيام، وجه ذلك: أنه لما كان هذا اليوم هو أشرف أيام الأسبوع فإن النفوس قد تذهب إلى تعظيمه واحترامه بصوم يومه وقيام ليلته، فنهى النبي ﷺ عن أن يخص بصيام أو بقيام.
ويستفاد من الحديث: جواز قيام ليلة الجمعة بدون تخصيص، كرجل رأى من نفسه نشاطًا تلك الليلة فقام، لا لأنها ليلة الجمعة، ولكن لأنه كان نشيطًا، ولهذا لو نشط ليلة الخميس أو الأربعاء أو السبت لقام فهذا لا يشمله النهي؛ لأن المقصود بذلك أن نخصها.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه لو كان الإنسان يقوم ليلة بعد ليلة وصادف أن يكون قيامه ليلة الجمعة، فإن ذلك لا يضر ولا يشمله النهي؛ لأن هذا الرجل إنَّما قام لما كان يعتاده من القيام ليلة بعد ليلة.
ويستفاد من هذا الحديث: أن ما شرف من الزمان والمكان فإنه لا ينبغي أن يخصص بزيادة عبادات ليست في غيره؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا تخصوا يوم الجمعة"، فمثلًا لو قال قائل: إني سأخص مثلًا شهر ربيع الأول بزيادة عمل صالح؛ لأنه الشهر الذي بعث فيه الرسول ﷺ والشهر الذي قدم فيه إلى المدينة والشهر الذي ولد فيه، نقول له: لا تخص؛ لأنه ليس فيه دليل.
فإن قلت: أليس رمضان خصَّ بالصيام لأنه أنزل فيه القرآن؟
стр. 1483
فالجواب: بلى، لكنه خص بأمر من الشرع، وما أمر به الشرع فموقفنا نحوه أن نقول: سمعنا وأطعنا، أما أن نقيس ونجتهد نحن ونخص بعض الأيام الفاضلة أو الأماكن الفاضلة بعبادة لم يرد بها الشرع، فإن هذا من البدع.
ويستفاد من هذا الحديث: النهي عن إقامة أعياد مولد الرسول ﷺ ، لماذا؟ لأننا خصصناه بعبادة لم يخص بها شرعًا، فيؤخذ من هذ النهي عن إقامة الأعياد بدون دليل شرعي.
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصوم وهو ظاهر فيه.
ويستفاد منه: أنه لو صامه الإنسان لا للتخصيص، ولكنه رجل له عمل في أيام الأسبوع لا يستطيع الصوم في هذه الأيام لمشقته عليه وهو يجب أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام فكان يصوم يوم الجمعة؛ فهل يدخل في النهي؟ لا؛ لأنه لم يخص يوم الجمعة لأنه يوم الجمعة، ولكن لأنه يوم فراغه، فلو كان له فراغ في يوم الإثنين أو الثلاثاء لصام، وهذا يقع كثيرًا في القضاء، بعض الناس يكون عليه قضاء من رمضان فلا يحصل له فراغ إلا في يوم الجمعة، فنقول: لا بأس أن تصوم في يوم الجمعة.
يستفاد من هذا الحديث: أنه لو صادف يوم الجمعة يومًا كان يعتاد صومه، مثل أن يكون ممن يصوم يومًا ويفطر يومًا فصادف ذلك اليوم يوم الجمعة فلا بأس؛ لأنه إذا كان يصوم يومًا ويفطر يومًا سيفطر يوم الخميس ويوم السبت، فيكون يوم الجمعة يصادف أحيانًا هو اليوم الذي يصوم فيه، صام الجمعة وأفطر السبت، وصام الأحد وأفطر الإثنين، وصام الثلاثاء وأفطر الأربعاء، وصام الخميس وأفطر الجمعة، هذا في الأسبوع الثاني، في الأسبوع الذي بعده يكون بالعكس استثنى الرسول ﷺ ذلك بقوله: "إلا في صوم كان يصومه أحد".
ويستفاد من هذا الحديث: أن للعادة تأثيرًا، وأنه يفرق بين الشيء المعتاد والشيء الذي يأتي صدفة؛ لأن الرسول قال: "إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم"، فانظر الآن العادة كيف رفعت النهي عن صوم ذلك اليوم، كما أن العادة قد تكون بدعة في أمر يجوز فيه الشيء أحيانًا كالجماعة في النوافل إذا فعلت أحيانًا فلا بأس به؛ لحديث ابن عباس، وحذيفة، وابن مسعود في صلاة الليل حيث صلوا مع الرسول ﷺ كل على انفراده في بعض الليالي، لكن لو أن أناسًا قالوا: سنقوم الليل جماعة كل ليلة قلنا لهم: هذا بدعة، أما أحيانًا فلا بأس، وبهذا يعرف أن الشرع يفرق بين الشيء الذي يتخذ عادة والشيء الذي لا يتخذ عادة، فهذا الرجل لما كان يعتاد صوم يوم الجمعة لسبب من الأسباب، لا لأنه يوم الجمعة رفع الشارع النهي عنه، ولهذا قال: "إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم".
وهل يستفاد منه: أن النهي عن التخصيص على سبيل الكراهة؟ نعم، كيف ذلك؟ لأنه لو
стр. 1484
كان محرمًا لم تؤثر فيه العادة، ولهذا لو صادف يوم عيد الأضحى اليوم الذي يصومه عادة فلا يصومه، فلما كان هذا تخصيص تبيحه العادة فإن النهي يكون فيه للكراهة، وعلم من هذا الحديث: أنه لو صام مع يوم الجمعة يومًا آخر فلا كراهة؛ لأنه لم يخصصه، ولكن هل يشترط أن يليه أو لا بأس، وإن كان في أي يوم من أيام الأسبوع؟ ننظر أولًا يقول:
٦٥٦ - وعنه أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصومنَّ أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده". متَّفقٌ عليه.
وفي حديث جويرية ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها ذات يوم وهي صائمة يوم الجمعة فقال: "أصمت يوم الخميس؟ " قالت: لا، قال: "تصومين غدًا؟ " قالت: لا، قال: "فأفطري"، وظاهر حديث أبي هريرة الذي معنا وحديث جويرية، أنه لابد أن يليه، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إنه لا يشترط أن يليه، فلو صام يومًا واحدًا في الأسبوع لم يكن قد خصص يوم الجمعة؛ لأن التخصيص معناه: أن يفرد الشيء بالشيء كما نقول: خصصت فلانًا بالعطاء، يعني: ما أعطيت غيره، فمن صام يومًا من أيام الأسبوع معه فقد زالت الخصوصية، وعلى هذا فلو صام يوم الإثنين ويوم الجمعة فلا نهي، وقال بعض لعلماء: إنه لابد أن يليه إما قبله وإما بعده حتى يكونا يومين متواليين، ولا شك أنه إذا صام يومًا قبله يليه أو يومًا بعده فإن النهي مرتفع بلا شك، وأما إذا كان بينه وبينه يوم ففي النفس منه شيء، ولهذا تقول للإنسان: إذا صمت يوم الجمعة فصم يوم السبت، فإذا قال: أنا قد صمت يوم الإثنين، نقول: الأحوط أن تصوم يوم السبت اليوم الذي يلي يوم الجمعة.
يستفاد من هذا الحديث والذي قبله: أن يوم الجمعة لا يفرد بالصوم إلا في مسألتين: إذا كان عادة، وإذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده.
ويستفاد من الحديث الثاني- حديث أبي هريرة-: أن الإفراد يزول بصوم يوم قبله أو يوم بعده.
ويستفاد من حديث جويرية: أن الإنسان إذا رفع الخلل الحاصل بالعمل زال المحظور؛ لأن جويرية كانت تريد أن تصوم يوم الجمعة فقط، لكن يمكن أن ترفع هذا الاختصاص بصوم يوم السبت فيزول المحظور.
بقي علينا يوم الأحد ويوم الأربعاء ويوم الخميس، ما حكم صيامها؟ نقول: الأصل
стр. 1485
الجواز، لكن نقرأ الأحاديث الآتية، ونؤجل حديث: "إذا انتصف شعبان" ليتصل الكلام على صيام الأيام التي ذكرناها.
حكم صيام يوم السبت والأحد تطوعًا:
٦٥٧ - وعن الصَّمَّاء بنت بسرٍ ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السَّبت، إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب، أو عود شجرةٍ فليمضغها". رواه الخمسة، ورجاله ثقاتٌ، إلا أنَّه مضطربٌ.
- وقد أنكره مالكٌ.
- وقال أبو داود: "هو منسوخٌ".
قوله: "لا تصوموا ... " إلخ، "لا" ناهية، والدليل على أنها ناهية جزم الفعل؛ حذف النون في "لا تصوموا"، وقوله: "إلا فيما افترض عليكم" يعني: إلا فيما كان فرضًا كرمضان وقضاء رمضان والكفارة والنذر إذا لم يقل: أصوم يوم السبت؛ لأنه إذا نذر صوم يوم السبت فقد نذر مكروهًا، لكن إذا نذر أن يصوم يومًا فصام يوم السبت فهذا يدخل فيه.
وقوله: "إلا فيما افترض عليكم" استثناء يدل على أن ما قلبه عام؛ لأن لدى أهل العلم قاعدة يقولون: "إن الاستثناء معيار العموم"، "معيار" يعني: ميزانًا، يعني: أنه إذا جاء اللفظ فيه استثناء فما قبل المستثنى عام، وإلا لم يكن للاستثناء فائدة، فإذا جاء شيء عام واستثنى منه شيء فاعلم أنه عام فيما عدا المستثنى.
وقوله: "فإن لم يجد أحدكم"، يعني: إذا صامه وأراد أن يفطر.
"فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب" "اللحاء": القشر؛ لأنه يلحى بالمظلاف، "أو عود شجرة فليمضغها"، يعني: إن لم يجد ما يفطر إلا هذا فليفطر به، وهذا تأكيد لفطر يوم السبت إذا صامه الإنسان.
إذا تأملنا في هذا الحديث يقول المؤلف: إنه مضطرب في إسناده كما يعلم ذلك من كلام الحديث عليه، وممن تكلم عليه وأطال الشوكاني في نيل الأوطار، وقد أنكره مالك، وهو إمام حافظ من أئمة الحديث، وقال أبو داود: إنه منسوخ، والنسخ يحتاج إلى دليل، فيه أيضًا
стр. 1486
علة رابعة هي الشذوذ في متنه، وفيه علة خامسة وهي: نكارة متنه من حيث القواعد الشرعية، أما الاضطراب في السند فهذا يرجع فيه إلى ما قاله المحدثون، وأما إنكار مالك له فلعلَّ مالكًا أنكره من جهة شذوذه ونكارة متنه، وأما شذوذه فإنه مخالف للأحاديث الصحيحة كحديث أبي هريرة السابق: "إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده"، واليوم الذي بعده هو يوم السبت وكحديث جويرية: "قال لها: أتصومين غدًا؟ " قالت: لا، وغدًا بالنسبة للجمعة هو يوم السبت، من جهة نكارة المتن فهو من وجهين:
الوجه الأول: أن ظاهره تحريم صوم هذا اليوم مطلقًا سواء ضم إليه ما قبله أو ما بعده، أو لم يضم، من أين يؤخذ أن ظاهره التحريم؟ أولًا: من النهي. ثانيًا: من التأكيد على فطره مع أن الرسول ما قال: إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده.
والأحاديث الصحيحة تدل على أنه لو صام يوم الجمعة تدل على أنه إذا صام يومًا قبله فصومه جائز، فيكون على هذا منكر المتن.
وجه آخر من النكارة: أنه قيل في هذا الحديث: "فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب" وهل يشترط للفطر الأكل؟ لا تكفي النية، وهذا يدل على أن الحديث منكر لمخالفته القواعد الشرعية المعلومة من الدين، وعلى هذا فيكون الحديث غير معمول به، نأتي إلى دعوى النسخ، يعني: أن النهي عنه منسوخ ولكن لم يبيِّن الناسخ، والنسخ- كما تعلمون-: رفع الحكم الشرعي حكم النص بدليل شرعي متأخر، وسواء كان الحكم تلاوة أو حكمًا، يعني: إيجابًا أو تحريمًا، ولكن يشترط للنسخ ألا يمكن الجمع، والثاني: أن يعلم التاريخ، فعدم إمكان الجمع ظاهر؛ حيث إنه لا يمكن الجمع بينه وبين حديث أبي هريرة وحديث جويرية؛ لأن ظاهره التحريم مطلقًا، وظاهرهما الجواز إذا ضم إليه يوم الجمعة، لكن التاريخ ولعل أبا داود ﵀ أخذه مما كان الرسول ﷺ أول ما قدم المدينة كان يحب موافقة أهل الكتاب وهم اليهود يرون أن هذا اليوم يوم عيد، فكان ينهى عن صيامه؛ لأن صيامه فيه نوع من تعظيمه أو نقول: لأن صيامه فيه مخالفة لليهود وإفطاره فيه موافقة لهم، ثم بعد ذلك كان ﷺ يكره موافقة أهل الكتاب فأباح صيامه؛ لأن صيامه مخالفة لليهود؛ إذ إن يوم العيد يوم فرح وسرور وليس يوم صوم، ربما أن أبا داود أخذه من هذا الحكم العام بالنسبة للرسول ﷺ ، حيث كان في أول قدومه المدينة يحب موافقة أهل الكتاب، ثم بعد ذلك صار يحب مخالفتهم، على كل حال: الأحاديث تدل على أن صوم يوم السبت لا بأس به ولا حرج فيه سواء أفرده أو ضمه إلى ما سواه، وهذا الحديث- كما سمعتم- فيه هذه العلل.
стр. 1487
٦٥٨ - وعن أمِّ سلمة ﵂: "أنَّ رسول الله ﷺ كان أكثر ما يصوم من الأيَّام يوم السَّبت، ويوم الأحد، وكان يقول: إنَّهما يوما عيدٍ للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم". أخرجه النَّسائيُّ، وصحَّحه ابن خزيمة، وهذا لفظه.
هذا أيضًا مما يظن أن أبا داود أحال النسخ عليه أن الرسول ﷺ كان يكثر من صوم يوم السبت ويوم الأحد، لماذا؟ لأنهما يوما عيد للمشركين، من هم؟ اليهود والنصارى، فيوم السبت عند اليهود ويوم الأحد عن النصارى، وأنا أريد أن أخالفهم؛ لأننا منهيون عن موافقة الكفار فيما يختصون به، أما من الأديان فظاهر، وأما من العادات، فلأن التشبه بهم في العادات يؤدي إلى محبتهم والتشبه بهم في العبادات.
هذا الحديث يفيد: بأنه لا يكره صوم السبت ولا صوم يوم الأحد.
ويفيد أيضًا: أنه ينبغي للمسلم مخالفة أهل الكتاب في أعيادهم، وبه نعرف سفه هؤلاء الذين يقدمون التهاني والهدايا للمشركين في أعيادهم، وأن هؤلاء- والعياذ بالله- ضعيفو دين وسفهاء، قال ابن القيم: إن العلماء اتفقوا على تحريم تقديم الهدايا لهم والرضا بأعيادهم الدينية، وتهنئتهم بها أيضًا محرَّم؛ لأن تهنئتهم بعيدهم الذي يتعبدون لله به يدل على الإعجاب والرضا بدينهم، وهذا خطير قد يؤدي إلى الكفر، أما تهنئة الإنسان منهم بولد يولد له أو بمال يحصل له، فهذا لا بأس إذا كانوا يفعلون ذلك بنا.
يستفاد من هذا الحديث: أن اليهود والنصارى مشركون وليسوا من أهل الدين لقوله: "إنهما يومًا عيد للمشركين".
ويستفاد منه: أنه ينبغي لنا أن نتقصد مخالفة المشركين؛ لقوله: "أريد أن أخالفهم"، والإرادة بمعنى: القصد، فأنت أيها المسلم مطلوب منك أن تخالف المشركين في كل ما هو من خصائصهم الدينية والعادية كلها؛ وقد قال النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم"، وهل يشمل ذلك التشبه بهم فيما يختص من تاريخهم وما أشبه ذلك؟ الجواب: نعم، وقد نص الإمام أحمد على ذلك فقال: أكره التأريخ بأذرماه وهو أحد الشهور الأفرنجية، وبه نعرف سفه أولئك القوم الذين استعبدهم النصارى أو استعمروهم مدة طويلة وغيَّروا تاريخهم كالدول الإسلامية عمومًا، اللهم إلا بلاد السعودية، ونسأل الله أن يثبتها وإلا كلهم- والعياذ بالله- استولى
стр. 1488
عليهم الاستعمار وغيَّروا حتى تاريخهم الهجري، هجروه وصاروا لا يعرفون إلا التاريخ الأفرنجي، وكان عليهم- بمقتضى الإسلام وبمقتضى العروبة- أن يحمدوا الله أن نجاهم من هؤلاء، وأن يزيلوا كل أثر للاستعمار، هذا الواجب عليهم، أما أن يبقوا على آثار الاستعمار في هذه الأمور هذا خطأ عظيم وهم محاسبون أمام الله يوم القيامة، كل من له قدرة على تغيير هذه الأشياء ولم يفعل فإنه محاسب على ذلك أمام الله يوم القيامة؛ لأننا نعجب لو سئل أي أحد من المسلمين هل تحب أن تتبع طريقة الصحابة والتابعين والأمة الإسلامية إلى وقت الاستعمار في التاريخ والتوقيت، أو تحب أن تتابع هؤلاء الكفار؟ إذا كان مسلمًا حقيقيًا لقال الأول حتى لو هو عربي، إذا كان عربيًا حقيقيًا تاريخ العرب هو الهجري؛ لأن العرب قبل الإسلام ليس عندهم تاريخ، فما جاء الإسلام وكان في عهد عمر ﵁ أرخ التاريخ فصار إسلاميًا عربيًا ومع ذلك ما زال هؤلاء يوقتون به، حتى إن بعض المدرسين عندنا يقول: والله ما عرفت الأشهر العربية- ربيع وربيع وجمادى- إلا بعدما جئت ها؛ لأن المعروف عندهم الأفرنجية كما أننا الآن لا نعرف الأفرنجية لا أسماءها ولا ترتيبها، والحمد لله الذي هدانا إلى الطريق السليم.
حكم الصيام إذا انتصف شعبان:
٦٥٩ - وعنه أيضًا ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا". رواه الخمسة، واستنكره أحمد.
يعني: قال: إنه منكر، وذلك لأنه مخالف لحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين"، فإن ظاهره جواز تقدمه بأكثر من ذلك، وهذا الحديث اختلف العلماء فيه، والصحيح: أنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة، وأما مخالفته لحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين فإنه يمكن الجمع بينهما كما سنذكره- إن شاء الله-.
يقول: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، ليس المراد: فلا تستمروا في الصوم؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ كان أكثر ما يكون صومًا في شعبان، فكان يصومه إلَّا قليلًا، بل كان يصومه كلَّه، وهذا يدل على أن المراد هنا: النهي عن ابتداء الصوم بعد النصف، وأما إذا كان الإنسان
стр. 1489
مستمرًا في صومه فإن ذلك لا نهي فيه.
وأما حديث أبي هريرة: "لا تقدموا رمضان" فيكون الجمع بينه وبين هذا الحديث بأن يحمل حديث أبي هريرة هناك على أن النهي للتحريم، وهنا على أن الني للكراهة، وإلى هذا ذهب الشافعية- ﵏ وقالوا: إن ابتداء الصوم بعد نصف شعبان مكروه، أما الاستمرار فيه فليس بمكروه، وأما حديث أبي هريرة فالنهي فيه للتحريم، ولهذا جمع بين الحديثين، ولا شك أن هذا الجمع متعين عند من يرى أن هذا الحديث يصل إلى درجة الحسن، فإن الحسن كما هو معروف من أقسام المقبول وليس من أقسام الصحيح، بل هو قسيم له، والراجح- والله أعلم- أن يقال: إن الأولى عدم الصوم، ولكن لا نقطع بالكراهة لكون هذا الحديث ضعيفًا.
فإن قلت: قد مر علينا قاعدة عند بعض العلماء: أن النهي إذا كان الحديث ضعيفًا يحمل على الكراهة، فلماذا حملته هنا على أن الأولى ألا يصوم؟
فالجواب: أن حديث أبي هريرة: "لا تقدموا" يمنع أن نقول بالنهي؛ لأن مفهومه يدل على جواز تقدم الصوم بأكثر من يومين أو يوم.
* * *
النهي عن صوم يوم عرفة للحاج:
٦٦٠ - وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة". رواه الخمسة غير التِّرمذيِّ، وصحَّحه ابن خزيمة، والحاكم، واستنكره العقيليُّ.
يقول: "نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة"، وأما في غير عرفة فقد سبق أنه يكفر السَّنة التي قبله والتي بعده، لكن في عرفة لا تصوم، والحديث هذا ضعيف كما قال العقيلي، لكن له شاهد ثابت في الصحيح من حديث أم الفضل ﵂ أنها أرسلت إلى النبي ﷺ قدحًا فيه لبن وهو واقف بعرفة فأخذه وشربه والناس ينظرون إليه، ليحقق النبي ﷺ لأمته أن هذا اليوم ليس يوم صوم، والحكمة في ذلك: أن هذا اليوم يوم دعاء وتضرع إلى الله- والإنسان إذا صام فسوف يضعف بدنه ونفسه، لا سيما في أيام الصيف، ولا سيما في آخر النهار الذي هو أفضل ما يكون من أجزاء يوم عرفة، فإن يوم عرفة آخره أفضل من أوله، فإذا صام الإنسان في هذا الموقف- الذي لم يأت من بلده إلا لهذا الموقف وأشباهه من شعائر الحج- فإنه يفوت
стр. 1490
على نفسه الفرصة العظيمة وهي: الدعاء والإلحاح في الدعاء على ربه- جلَّ وعلا-.
وعلى هذا فنقول: إن صوم يوم عرفة بعرفة للحاج [لا يجوز]، أما العمال الذين لم يحجوا فلا حرج أن يصوموا، لكن إذا كان حاجًّا فإنه لا يصوم ولا يتعبد بالصوم؛ لأن النبي ﷺ لم يصم، وأعلن عدم صومه من أجل أن تقتدي الأمة به، فإن صح هذا النهي الذي في حديث أبي هريرة كان مؤكدًا لترك الصوم وإن لم يصح، فإن فعل النبي ﷺ وإعلانه الإفطار في هذا اليوم مع أنه رغب في صوم يوم عرفة يدل على أن صومه غير مرغوب لديه ﷺ .
فإن قال قائل: قد يكون هذا خاصًا بالنبي ﷺ ، ونحمل الحديث الآن "صوم يوم عرفة يكفر السَّنة التي قبله والتي بعده" نحمله على العموم، ويكون هذا خاصًا بالرسول ﷺ .
قلنا: لو كان خاصًا بالرسول ﷺ ما أعلنه وأظهره؛ لأن إعلانه وإظهاره يقتضي الاقتداء به والتأسي به، وهذا يدل على أنه ليس خاصًا به، ثم نقول: الأصل عدم الخصوصية حتى يقوم دليل على ذلك، ثم نقول: إن صبر النبي ﷺ عن الأكل والشرب مع ابتهاله إلى الله والتضرع إليه أقوى منا بلا شك، ولهذا كان يواصل وينهى عن الوصال، فكيف يكون المشروع في حقه أن يفطر وهو أقوى منا وأصبر وأشد رغبة ورهبة إلى الله ويكو المستحب أو الاستحباب عامًّا لأمته؟ فالمهم: أن القول بأنه خاص قول ضعيف.
النهي عن صوم الدهر:
٦٦١ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صام من صام الأبد". متَّفقٌ عليه.
٦٦٢ - ولمسلم عن أبي قتادة بلفظ: "لا صام ولا أفطر".
"لا صام من صام الأبد"، "لا" نافية، وهل هي باقية على النفي أو هي بمعنى: الدعاء، يعني: هل الرسول ﷺ يخبر أن من صام الأبد فإنه لم يصم الأبد بمعنى: أنه لم يحصل له ثواب صوم الأبد فيكون لا صام شرعًا من صام الأبد حسَّا فيكون الحديث نفيا، أو هو دعاء عليه؟ بمعنى: لا صام، أي: لا أعانه الله على الصوم، بل عجز عنه حتى لا يصوم يحتمل، ولكن المعنى الأول أقرب؛ لأن الأصل في النفي أنه على حقيقته للنفي، ثم إنه يبعد أن الرسول ﷺ يدعو على شخص، فعل هذا الفعل يريد التعبد لله ، فالظاهر: أن الصواب في هذا المعنى: أنه نفي للصوم شرعًا لمن صام الدهر حسَّا؛ لأن صائم الدهر ماذا يريد؟ يريد الثواب، أي: يثاب على
стр. 1491
عدد أيام الدهر، فبيَّن الرسول ﷺ أنه لا يحصل له ذلك.
يستفاد من هذا الحديث: كراهة صوم الدهر، وقال بعض العلماء: بل يستفاد منه: تحريم صوم الدهر؛ لأنه إذا انتفت شرعيته فيكون بدعة غير مشروع، ولأن النبي ﷺ منع القوم الذين قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال: "من رغب عن سنتي فليس مني"، ولأنه منع عبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم الدهر، وآخر مرتبة له أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولأنه إذا صام الدهر كله فإنه لا يخلو- غالبًا- من التقصير في الواجبات الأخر، والدين الإسلامي متكامل يجعل للنفس حظها، وللأهل حظهم، وللزائرين حظهم، وللناس عامة حظهم، وللبدن أيضًا أعمال أخرى بدنية، يجعل لها حظها، ومعلوم أن الصيام يعوق الإنسان عن مسائل كثيرة بدنية يحتاج الإنسان إلى أن يقوم بها لا سيما في أيام الصيف الطويلة الحارة، فالأقرب عندي أن صوم الدهر منهي عنه على سبيل التحريم لهذه الأدلة السمعية والنظرية التي تمنع من أن يصوم الإنسان على سبيل التأييد.
* * *
٢ - باب الاعتكاف وقيام رمضان
قوله: "باب الاعتكاف" هو مناسب لأن يأتي بعد الصيام، وأما القيام فالمناسبة فيه واضحة، فإن الصيام أوجب ما فيه صيام رمضان والقيام قيام رمضان، لكن الصيام فريضة والقيام مندوب، ولقيام رمضان مناسبة أخرى وهي صلاة التطوع، فإن الفقهاء- ﵏ ذكروا التراويح وقيام رمضان هنا، وذكروا هنا قيام ليلة القدر، على كل حال: هذه المسألة فنية كما يقولون ولا تهم.
مفهوم الاعتكاف وحكمه:
أما الاعتكاف في اللغة فهو: لزوم الشيء، ومن قوله تعالى: ﴿يعكفون على أصنام لَّهم﴾ [الأعراف: ١٣٨]. يعني: يديمون ملازمتها ويبقون عندها، ﴿ما هذه التَّماثيل الَّتي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢].﴾ وانظر إلى إلهك الَّذي ظلت عليه عاكفًا ﴿[طه: ٩٧]. أي: ملازمًا ثابتًا.
أما في الشرع فهو: لزوم التعبد لله بلزوم المسجد للتخلي لطاعة الله ، إذن الغرض منه أن ينقطع الإنسان عن الدنيا ولذاتها وزهرتها، ويتخلى في هذا المسجد لطاعة الله ، فهو عبارة عن رياضة نفسية بمعنى: أن يروض الإنسان نفسه فيه عليها.
стр. 1492
وحكمه: أنه مسنون وقد غالى الإمام أحمد ﵀ فقال: لا أعلم خلافًا بين العلماء أنه مسنون ولكنه يجب بالنذر لحديث عمر رضي الله عن أنه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي ﷺ : "أوف بنذرك"، ولأنه طاعة، وقد قال النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" أما "قيام رمضان" فهو الصلاة في رمضان، وقد كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة كما قالت ذلك عائشة لمن سألها كيف كان النبي ﷺ يصلي في رمضان، ولكنه أحيانًا يصلي ثلاثة عشرة ركعة.
فضل قيام رمضان إيمانًا واحتسابًا:
٦٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدَّم من ذنبه". متَّفقٌ عليه.
"من" شرطية، وفعل الشرط "قام"، وجوابه "غفر له"، وحذف الفاعل في "غفر له" للعلم به، وهو الله كما قال تعالى: ﴿ومن يغفر الذُّنوب إلَّا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. كما حذف الفاعل للعلم به في قوله: ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. لأن الخالق هو الله- قال: "من قام رمضان" يعني: شهر رمضان، وهو يشمل كل الشهر من أوله إلى آخره، وقوله: "إيمانًا" هذه مفعول من أجله، وعامله "قام" وهو وصف للقائم، هذا المفعول من أجله هو الباعث أو هو الغاية؟ هو الباعث، يعني: يبعثه على ذلك الإيمان، يعني: لإيمانه، وقوله: "احتسابًا" هذا أيضًا مفعول من أجله، يحتمل أن يكون علة باعثة أو علة غائية، يعني: الغاية من قيامه احتساب الأجر، إيمانًا بالله ؛ أي: بوعد الله وتصديقًا به واحتسابًا للأجر، يعني: يحتسب الأجر من الله الأجر الذي رتب على هذا القيام، وهو مغفرة الذنوب، وقوله: "غفر له ما تقدم" "ما" اسم موصول تفيد العموم، وقوله: "ما تقدم من ذنبه"، الذنب: المعصية، وهي مفرد مضاف فيكون عامًا لكل ذنب؛ لأنه سبق لنا قاعدة عدة مرات أن المفرد إذا كان مضافًا فإنه يفيد العموم.
في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: الحث على قيام رمضان، وجهه؟ قوله: "من قام"، "غفر له"، فإن هذا يحمل الإنسان على أن يقوم رمضان.
стр. 1493
ومن فوائده أيضًا: الإشارة إلى إخلاص النية لقوله: "إيمانًا"، وكذلك الإشارة إلى التصديق بوعد الله لقوله: "واحتسابًا"، فإن الإنسان لا يحتسب الشيء لا إذا آمن به.
ومن فوائده أيضًا: أن من قام رمضان على هذا الوصف حصل على مغفرة الذنوب السابقة؛ لقوله: "غفر له ما تقدم من ذنبه"، وظاهر الحديث شمول الذنب للصغائر والكبائر، وأن كل ما سبق يغفر له، ولكن جمهور أهل العلم يرون أن هذا العموم مخصوص بقول النبي ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"، فقالوا: إن هذا الحديث وأمثاله مخصص بذلك، ويكون المراد بالذنب: الصغائر فقط، فإذا اجتنب الكبائر غفرت الصغائر، ويوجهون كلامهم بأنه: إذا كانت الصلوات الخمس- وهي أعظم أركان الإسلام- لا تقوى على تكفير الكبائر فما دونها من باب أولى؛ لأنه لا شك أن الفرض أحب إلى الله تعالى وأعظم أثرًا في قلب المؤمن وأعظم أجرًا، فإذا كانت الفرائض العظيمة لا تكفر بها الكبائر فهذا من باب أولى، وهذا أقرب.
ومن فوائد الحديث: أن من قام رمضان على العادة فإنه لا يحصل له مغفرة الذنب كما هو شأن كثير من الناس اليوم يقومون رمضان لأنهم يعتادون قيامه، ولهذا تجد غالبهم لا يحصل عنده خشوع في صلاته ولا طمأنينة بل ينقرها نقر غراب، وحدثني رجل أثق به قال: إنه دخل على مسجد وهم يصلون التراويح وينقرونها هذا النقر المعروف يقول: فلما نام رأى المنام كأنه دخل على أهل هذا المسجد وهم يرقصون، يعني: كأن صلاتهم صارت لعبًا ولا شك أن بعض الأئمة- نسأل الله لنا ولهم الهداية- يصلون التراويح صلاة لعب لا يتمكن الإنسان من التسبيح في الركوع ولا من التحميد بعده، ولا من التسبيح في السجود حتى في التشهد تشك هل أكملوا التشهد الأول أم لم يكملوه، وهذا نقص في الإيمان، لأن المؤمن المحتسب لا يمكن أن يصلي هذه الصلاة.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الإنسان إذا قصد بعمله الثواب عليه، فإن ذلك لا يعد مثلبة في حقه بل هو منقبة، لقوله: "واحتسابًا"، ففيه رد على من يقول: إن أكمل عبادة لله أن تعبد الله تقصد الله، فإن قصدت الله مع الثواب فهذا نقص، ولا شك أن هذا القول خطأ؛ لأن الله وصف النبي ﷺ وأصحابه وهم خير الأمة بلا شك بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا فقال: ﴿مُّحمدٌ رَّسول الله والَّذين معه أشدَّاء على الكفَّار رحماء بينهم تراهم ركَّعًا سجَّدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا﴾ [الفتح: ٢٩]. فوصفهم بأنهم يبتغون الأمرين الفضل والرضوان، وقال تعالى: ﴿ولا تطرد الَّذين يدعون
стр. 1494
ربَّهم بالغداوة والعشىِّ يريدون وجهه﴾ [الأنعام: ٥٣]. فهؤلاء يريدون الله والنبي ﷺ وأصحابه يريدون الفضل والرضوان، فكوننا نقول للإنسان: أكمل العبادة أن تعبد الله الله فقط، لا رجاء لثوابه هذا خطأ، فإننا نقول: إن رجاء ثوابه هو من إرادة الله؛ لأن ثواب الله تعالى فعله، وفعله من صفاته، فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
ومن فوائد الحديث: إثبات الأسباب؛ لقوله: "من قام ... غفر"، وهو كذلك، وإثبات الأسباب هو من الإيمان بحكمة الله، يعني: من تمام الإيمان بحكمة الله أن تثبت الأسباب لكن ما هي الأسباب التي ثبتها؟ هي الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا، وهي نوعان: شرعية وكونية، مثال ذلك في المرض- فللعلاج أسباب- وذلك بالأدوية، فمن تمام الإيمان بحكمة الله الإيمان بالأسباب؛ لأن ترتب الشيء على سببه دليل على حكمة الله- ، ومن أنكر الأسباب وقال: إنه لا تأثير لها، فقد خالف المعقول والمحسوس، فهم يقولون: إنك لو أثبت الأسباب، وأنها- أي: الأسباب- تؤثر بنفسها كنت جعلت مع الله تعالى فاعلًا، ولهذا يقولون: إن الشيء إذا حصل بسببه فلا تقل: حصل به، بل قل: حصل عنده، فإذا حذفت زجاجة بحجر وانكسر لا تقل: إن الكسر حصل باصطدام الزجاجة بالحجر، ولكن عنده لا بها وهذا عقل يضحك منه- إن شئنا قلنا: - السفهاء، كيف نقول: حصل عنده؟ ضع الحجر على الزجاجة وضعًا رقيقًا، لا تنكسر إذن حصل به، لكننا نحن نقول: ما الذي جعل هذه الأسباب مؤثرة؟ هو الله ، بدليل أن الأسباب أحيانًا تتخلف عنها مسبباتها، لا نقول: إن مع الله خالقًا، فالنار ألقي فيها إبراهيم وقال الله لها: ﴿كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩]. فكانت بردًا وسلامًا ولم يتأثر بها، وبهذا عرفنا أن تأثير الأسباب بمسبباتها من الله .
في الحديث: رد على الجبرية لقوله: "من قام رمضان ... " إلخ، ووجه ذلك: أنه أضاف الفعل إلى العبد، والأصل فيما يضاف أن يكون المضاف إليه متصفًا به، وعلى هذا فنقول: إن في الحديث ردًّا على الجبرية، وهل فيه رد على القدرية؟ لا.
فضل العشر الأواخر من رمضان:
٦٦٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر- أي: العشر الأخير من رمضان- شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله". متَّفقٌ عليه.
"العشر" فسرت بأنها العشر الأخير من رمضان، "شد مئزره" المئزر معروف يعني: ما يأتزر به الإنسان، و"شده" بمعنى: ربطه.
стр. 1495
وثانيًا: "أيقظ أهله" أي: للصلاة.
ثالثًا: "وأحيا ليله" بالقيام، هذه ثلاثة أمور يخصها النبي ﷺ بدخول العشر، قوله: "شد مئزره" قيل: إن المراد به: ربطه وحزمه، يعني: فلا يجامع النساء، وقيل: إنه كناية عن التشمير للعمل؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يعمل فإنه يرفع مئزره ويشده من أجل أن يتقوَّى على العمل، ويمكن أن يقال: إنه لا مانع أن يكون المراد به الأمرين، يعني: اعتزال النساء، والثاني: التشمير للعمل، وقوله: "أحيا ليله"، أي: سهر الليل فلم ينم لاشتغاله ﷺ بالقيام، ولم يرد عنه ﷺ أنه يقوم الليل كله إلا في العشر الأواخر من رمضان، فإنه كان يحيي الليل كله.
ولكن إذا قال قائل: كيف يتأتى ذلك مع أن الرسول ﷺ يفطر ويصلي المغرب ويصلي العشاء ويتوضأ ويقضي حاجته؟
فالجواب: أن الاستعداد للعبادة من العبادة، فالمعنى: أنه يتهيأ للقيام من حين ما ينتهي من صلاة العشاء، وأما إيقاظ الأهل كان يوقظهم ﷺ في هذه الليالي حتى يقوموا، في غير هذه الليالي ما كان يوقظهم، كان يقوم وعائشة ﵂ نائمة فإذا أوتر أيقظها، ولا يوقظها قبل ذلك، لكن في العشر الأواخر من رمضان كان يوقظ أهله من أجل العمل من أجل هذه الليالي المباركة.
من فوائد الحديث: فضل العشر الأواخر من رمضان، وذلك لتخصيص النبي ﷺ لها بإحياء الليل.
ومن فوائده: مشروعية إحياء الليل كله في العشر الأواخر من رمضان، وهل يقاس على ذلك بقية الليالي، بمعنى: أن نقول للإنسان: ينبغي أن تسهر الليل كله في القيام؟ لا، بل إن النبي ﷺ نهى عن ذلك حين بلغه عن قوم قالوا كذا وكذا، ومما قالوا قول أحدهم: إني أقوم ولا أنام فقال الرسول ﷺ : "أنا أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي استقبال هذه العشر والتهيؤ له في القوة لقوله: "شد مئزره".
ومنها: جواز تخلف الإنسان عن أهله في مثل هذه المدة، وبه يتبين ضعف قول من يقول: إنه يلزمه أن يبيت عند امرأته ليلة من أربع وينفرد في الباقي إن أراد؛ لأن هذا القول ليس عليه دليل، والإنسان يعاشر أهله بالمعروف، وليس من المعروف في غير مثل هذه الأوقات الفاضلة أن ينفرد إنسان عن زوجته ثلاث ليال من أربع، بل المعروف أن يبيت معها كل ليلة، إلا إذا دعت حاجة أو مصلحة كقيام رمضان كما في هذا الحديث.
ومن فوائده: مشروعية إيقاظ الأهل في الليالي الفاضلة؛ لأن النبي ﷺ كان يوقظ أهله.
ومن فوائده أيضًا: أن إيقاظ الأهل لأمر ليس بواجب في الأيام الفاضلة من هدي النبي ﷺ ، لا يقال مثلًا: لماذا تحرمهم النوم فهذا ليس بواجب؟
стр. 1496
يقال: إنه ليس بواجب، لكن هذه أوقات تعتبر مواسم للخير، فلا ينبغي للإنسان أن يضيعها.
هل يؤخذ منه: جواز تصرف الإنسان في أهله؛ بمعنى: أنه يوقظهم وإن لم يأمروه بذلك؟ نقول: نعم، أما في الواجب فواجب عليه أن يوقظهم وإن لم يأمروه بذلك، بل لو قالوا: لا توقظنا وجب عليه أن يوقظهم للواجب، بل يجب أن يوقظ للواجب حتى من هو ليس بأهله، ولهذا قال العلماء: يجب إعلام النائم بدخول وقت الصلاة إذا ضاق الوقت، أما غير الواجب فهذا للإنسان أن يوقظ أهله وإن لم يأمروه بذلك، لئلا تفوت هذه المصلحة العظيمة.
٦٦٥ - وعنها ﵂: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتَّى توفَّاه الله ثمَّ اعتكف أزواجه من بعده". متَّفقٌ عليه.
"كان" فعل ماض، قال العلماء: وإذا كان خبرها فعلًا مضارعًا دلت على الاستمرار غالبًا لا دائمًا، فنقول: "كان يفعل كذا"، ويجوز أن نقول: "وأحيانا لا يفعل"، وقوله: "يعتكف" تقدم لنا معنى الاعتكاف لغة وشرعًا، وقوله: "العشر الأواخر" لماذا خص الاعتكاف بالعشر الأواخر؟ طلبًا لليلة القدر؛ لأن النبي ﷺ اعتكف أول ما اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم أوتي فقيل له: إنها في العشر الأواخر فاستمر على اعتكاف العشر الأواخر فقط رجاء ليلة القدر، وقولها: "حتى توفاه الله" يعني: حتى قبضه، و"الوفاة" تطلق على وفاة الموت، وعلى وفاة النوم، قال الله تعالى: ﴿الله يتوفَّى الأنفس حين موتها والَّتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وهو الَّذي يتوفَّاكم بالَّيل ... ﴾ [الأنعام: ٦٠]. لكنها عند الإطلاق يراد بها وفاة الموت كما في هذا الحديث.
وفائدة قولها "حتى توفاه الله": بيان أن هذا الحكم لم ينسخ وأنه استمر إلى آخر حياته.
قالت: "ثم اعتكف أزواجه من بعده"، أي: من بعد موته، و"أزواجه" جمع زوج، وهو في اللغة يشمل الذكر والأنثى، فيقال: زوج للرجل، ويقال: زوج للمرأة، لكن فيه لغة قليلة قال بعضهم: لغة رديئة بالتاء للأنثى ويحذفها للذكر، إلا أن الفرضيين التزموا أن يجعلوها للأنثى بالتاء وللذكر مجردة من أجل تمييز المسائل الفرضية؛ لأنهم إذا وحدوا ذلك لأشكل على الطالب.
في هذا الحديث فوائد منها: مشروعية الاعتكاف، لماذا؟ لأن الرسول ﷺ فعلته، والأصل فيما فعله الرسول ﷺ تعبدًا أنه مشروع، ولكن هل يكون للوجوب؟ لا، فإن الفعل المجرد لا يفيد الوجوب.
стр. 1497
فائدة في ذكر أقسام أفعال الرسول ﷺ :
أفعال الرسول ﷺ لها أقسام متعددة: أولًا: ما فعله بمقتضى الطبيعة، والثاني: ما فعله بمقتضى العادة، والثالث: ما فعله تعبدًا، والرابع: ما احتمل الأمرين التعبد والعادة، والخامس: ما فعله بيانًا لمجمل، هذه خمسة أنواع.
الأول: ما فعله بمقتضى الجبلة لا حكم له؛ لأن هذا شيء تقتضيه الطبيعة مثل النوم، هل نقول للإنسان: يسن أن تنام؟ لا، إذا جاءه النوم نام، الأكل كذلك بمقتضى الطبيعة والجبلة، كون الإنسان يتدفأ إذا بد أو يطلب البراد إذا احترَّ هذا أيضًا بمقتضى الجبلة، لكن قد يؤجر الإنسان عليه لسبب آخر بحسب نيته، قد يقول: أنا أنام بمقتضى الطبيعة وأريد أن أريح بدني؛ لأن لبدني عليَّ حقًّا، أنا آكل بمقتضى الطبيعة لكن أيضًا أريد بذلك التقرب إلى الله بامتثال أمره بالأكل والاستعانة به على طاعة الله وبحفظ بدني وما أشبه ذلك، فيؤجر من هذه الناحية، كذلك قد يؤجر الإنسان فيما يتعلق بفعل الجبلة بمقتضى هيئاته أو صفاته مثلًا النوم على الجنب الأيمن سنة يؤجر عليه الإنسان، الأكل باليمين واجب يؤجر عليه الإنسان، الشرب باليمين كذلك، لكن هذا ليس عائدًا إلى الأكل نفسه بل إلى صفة الأكل.
الثاني: ما فعله على سبيل العادة فهو مشروع لجنسه لا لعينه أو نوعه، وبعض الأصوليين أطلق كونه مباحًا، قد نقول: إنه مباح من حيث الأصل، لكن موافقة العادة التي ليست محرمة أمر مطلوب، ولهذا نهى النبي ﷺ عن لبس الشهرة الذي يشتهر به الإنسان؛ لأنه مخالف للعادة، وبناء على ذلك نقول: أيما أفضل لنا: أن نلبس القميص والغترة، أو أن نلبس الإزار والرداء والعمامة؟ الأول أفضل؛ لأن هذا مقتضى العادة، والذي يتبين لنا أن الرسول ﷺ لبس الإزار والرداء والعمامة؛ لأن ذلك كان العرف في عهده.
أما بالنسبة للجنس لا للنوع، يعني: مثلًا النوع إزار ورداء وعمامة، العين متعذر في الواقع؛ لأن الأعيان الموجودة في عهد الرسول ليست موجودة الآن، أما نوعها فموجود، وأما الجنس فنقول: جنس اللباس المعتاد، فلباس الرسول ﷺ إزار ورداء وعمامة هذا نوع، كون هو المعتاد هذا جنس، فنحن نتبعه في الجنس.
الثالث: ما فعله على سبيل التعبد، كيف ذلك؟ قد يقول قائل: كيف نعرف أن فعله تعبدًا لله؟ نقول: نحن لا نطلع على ما في القلوب، لكن ما ظهر لنا فيه قصد التعبد بحيث لا يكون فيه منفعة للبدن فإن الظاهر أنه فعله تعبدًا، فيفعل ويكون مشروعًا، لكن هل هو على سبيل
стр. 1498
الوجوب أو الاستحباب؟ الصحيح أنه على سبيل الاستحباب، وجه ذلك: أن فعله تعبدًا يرجح مشروعيته أو بالأصح يقتضي مشروعيته، والأصل عدم التأثيم بالترك إلا بدليل ففعله إياه يجعله مشروعًا، وعدم تأثيم التارك له يجعله من قسم المستحب لا الواجب، ولهذا كانت القاعدة عند جمهور الأصوليين: أن فعل النبي ﷺ المجرد يدل على الاستحباب لا على الوجوب وهذا هو الصحيح.
الرابع: ما كان مترددًا محتملًا لأن يكون على سبيل الجبلة والعادة أو على سبيل التعبد فهذا تجد العلماء يختلفون فيه، فمنهم من يقول: مستحب، ومنهم من يقول: ليس بمستحب في نوعه، ومثاله: إبقاء شعر الرأس للرجل، هل اتخاذ الشعر سنة أو هو من قسم العادة؟ كذلك أيضًا لبس النعال السبتية التي لها سبتة من ظهر القدم ولها سبتة من خلف العقل هل لبسها على سبيل العادة وبيان الجواز أو على سبيل الاستحباب، لكن المثال الأول أظهر وهو الشعر، فمن العلماء من قال: إن النبي ﷺ اتخذه تعبدًا، وبناء على ذلك فإنه يسن لنا أن نتخذ الشعر؛ لأن الرسول ﷺ فعله تعبدًا ونحن مأمورون باتباعه والتأسي به، ومنهم من قال: إنه فعله لا على سبيل التعبد بل على سبيل العادة، وأن الناس في ذلك الوقت يرون اتخاذ الشعر فلم يرغب النبي ﷺ أن يخالفهم، ولهذا لما قدم المدينة وجد اليهود يسدلون شعورهم، ثم إنه ﷺ أمر بمخالفتهم وصار يفرقه الأيمن لليمين والأيسر لليسار، وهذا يدل على أنه كان يتبع العادة وأن هذا ليس من الأمور المشروعة، لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه من الأمور المشروعة، ولهذا قال فيه: هو سنة لو نقوى عليه اتخذناه ولكن له كلفة ومؤنة، فلذلك كان الإمام أحمد يحلق رأسه؛ لأن هذا أسهل فلا يحتاج إلى ترحيل ولا دهن ولا شيء.
الخامس: ما فعله النبي ﷺ بيانًا لمجمل أولًا: الذي يترجح عندي أن الأصل في المتردد فيه أنه يلحق بما كان عاديًا أو جبليًا، هذا هو القسم الخامس من أفعال الرسول ﷺ وهو فعله بيانًا لمجمل مثل أمر الله بأمر على سبيل الإجمال ففعله النبي ﷺ فهذا له حكم المجمل، إن كان هذا المجمل واجبًا كان ذلك واجبًا، وإن كان مستحبًا كان ذلك مستحبًا، قد نمثل له بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطَّهَّروا﴾ [المائدة: ٦]. وبقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصَّلوة﴾ [البقرة: ٤٣]. فالرسول ﷺ أقام الصلاة وتطهر اغتسل على صفة معينة فله حكم المجمل، لكننا نقول: إن قوله: ﴿فاطَّهروا﴾ الذي بينه الرسول ﷺ بفعله ظاهر السُّنة يقتضي أن فعله؛ يعني: كيفية الغسل ليست بواجبة، ففي حديث عمران بن الحصين الطويل الذي رواه البخاري في قصة
стр. 1499
الرجل الذي رآه النبي ﷺ معتزلًا لم يصلِّ في القوم فقال له: "مالك؟ " قال" أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد"؛ لأن الرجل ظن أن الإنسان لو كان عليه جنابة وليس عنده ماء لا يصلي، فجيء بالماء وبقي منه بقية فأعطاه الرجل وقال: خذ هذا فأفرغه على نفسك، وهذا بعد نزول الآية بلا شك، فذهب الرجل واغتسل، هذا الحديث يدل على أن كيفية الغسل التي كان النبي ﷺ يقوم بها ليست واجبة؛ لأنها لو كانت واجبة لبينها لهذا الرجل؛ إذ إن هذا الرجل لا يعرف.
المثال الثاني: ﴿وأقيموا الصَّلوة﴾ قلنا: هذا مجمل، ولكن الرسول بيَّنها، لكن بيان الرسول ﷺ لإقامة الصلاة كان بالقول أحيانًا وبالفعل أحيانًا.
نرجع إلى الاعتكاف "كان يعتكف العشر الأواخر" هذا فعل بيان لمجمل أم لا؟ لا، ليس بيانًا لأمر مجمل، وهل هو على سبيل التعبد؟ نعم، ما الدليل؟ أنه في المسجد والمسجد مكان للعبادة وليس للبدن مصلحة في ذلك، إذن فهو عبادة، فيؤخذ منه: مشروعية الاعتكاف وقد دلّ عليها أيضًا القرآن لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]. إذا قال قائل: كيف نعرف من هذه الآية أن الاعتكاف مشروع؟ فنقول: لأن الشارع رتب له أحكامًا، وترتيب الأحكام عليه يدل على مشروعيته والرضا به، فقال: ﴿ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾، إذن الاعتكاف له حرمة، وهو أن الرجل يمنع من مباشرة أهله فيكون عبادة، وسبق لنا في أول الباب أن الاعتكاف مشروع بالإجماع، نقل ذلك الإمام أحمد، ولا يجب إلا بالنذر لحديث عمر بن الخطاب.
مسألة: وهل يصح في كل مسجد أو في مساجد مخصوصة؟ من العلماء من يقول: لا يصح إلا في مسجد المدينة فقط، ومن العلماء من قال: لا يصح إلا في مسجدي مكة والمدينة، ومنهم من يقول: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة، ومنهم من يقول: لا يصح إلا في المسجد الجامع، ومنهم من يقول: لا يصح إلا في مسجد الجماعة، ومنهم من يقول: يصح في كل مصلى حتى مصلى المرأة في بيتها لما أن تعتكف فيه، لكن الراجح من هذه الأقوال بلا شك أنه يصح في كل مسجد تقام فيه الجماعة؛ لأنه إذا كان المسجد لا تقام فيه الجماعة فإن هذا الرجل الذي اعتكف إما أن يتردد إلى الجماعة، والتردد الكثير كخمس مرات في اليوم والليلة ينافي الاعتكاف، وإما أن يدع الجماعة فيترك واجبًا لمسنون وهذا لا يجوز، فالصحيح: أنه يصح في كل مسجد تقام فيه الجماعة، أما الجمعة فهي في الأسبوع مرة يخرج إليها، ومع هذا نقول: الأفضل أن يكون في المسجد الجامع إن تخلل
стр. 1500
اعتكافه جمعة حتى لا يحتاج إلى الخروج من مكان اعتكافه.
ومن فوائد الحديث: فضيلة العشر الأواخر لتخصيص النبي ﷺ لها بالاعتكاف.
ومن فوائده: أهمية ليلة القدر، وأن الإنسان ينبغي أن يكون مستعدًّا لها.
ومن فوائده: أن أفضل مكان للخلوة بالله بيوت الله لأنها بيوته أضافها الله إلى نفسه في قوله: ﴾ ومن أظلم ممَّن مَّنع مساجد اللَّه ﴿[البقرة: ١١٤]. وأضافها النبي ﷺ إلى الله في قوله: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ... ".
ومن فوائد الحديث: أن الاعتكاف لم تنسخ مشروعيته؛ لقولها: "حتى توفاه الله".
ومنها: جواز اعتكاف المرأة؛ لقولها: "واعتكف أزواجه من بعده"، فإن قلت: أفلا يعارض هذا أمر النبي ﷺ بنقض الأخبية، حينما فعلت زوجات الرسول ﷺ ذلك بنين لهن أخبية في المسجد ليعتكفن؛ لأن الرسول لما أراد أن يعتكف بنت عائشة لها خباء وبنت زينب لها خباء وبنت حفصة لها خباء فيما أظن، وهو قد بنى له بيتًا، يعني: خيمة، فلما خرج ورأى هذه الأخبية قال: "البر أردن"، أو قال: "ترون بهن؟ " يعني: هل تظنون أنهن فعلن هذا للبر، ثم أمر بنقض الأبنية الأربعة، وترك الاعتكاف تلك السِّنة واعتكف بعد ذلك في شوال، وهنا نقول: "اعتكف أزواجه من بعده" واستنبطنا منا: جواز مشروعية اعتكاف المرأة، فكيف نجيب عن هذا الحديث؟ أن الرسول ظن أنهن أردن غيرة، ولو فتح الباب لهن فسيكون في المسجد تسع أخبية والعاشر للرسول، فالنبي ﷺ أراد أن يقطع أن تكون العبادات مما يحمل عليه الغيرة والتفاخر والتباهي، ولهذا جاء في الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد"، لا يتخذونها مكان عبادة ولكن مكان مباهاة يقال: ما شاء الله فلان عمل هذا المسجد مزخرفًا محلى بالنقوش وهكذا.
فالحاصل: أننا نقول فيما أجبنا عنه فيما ظاهره معارضة لهذا الحديث: أن الرسول ﷺ أمر بنقضها خوفًا من أن يكون الحامل لذلك- أو ظنًا أن الحامل لذلك- هو الغيرة.
آداب الاعتكاف وأحكامه:
٦٦٦ - وعنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر، ثمَّ دخل معتكفه". متَّفقٌ عليه.
стр. 1501
قولها: "إذا أراد" يعني: إذا أراد الدخول في المعتكف، والإرادة محلها القلب؛ لأنها النية قال: "صلى الفجر ثم دخل معتكفة" أي فجر؟ لم تبين، لكن قولها في الحديث الذي قبله "كان يعتكف العشر الأواخر" فإنه يحتمل أنه الفجر من يوم العشرين ليستقبل العشر الأواخر كاملة، أو أنه الفجر من إحدى وعشرين، فعلى الأول يمكن أن يكون كذلك ولكنه يُخالف قولها يعتكف العشر الأواخر، لماذا؟ لأن اليوم العشرين من العشر الأواخر، وعلى الثاني: يشكل أيضًا إذا قلنا: إنه يدخل في صباح اليوم الحادي والعشرين، لماذا يشكل؟ لأن ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر، وهي تقول: إنه كان يعتكف العشر الأواخر، ويحتمل أيضًا أن تكون ليلة القدر كما رآها النبي ﷺ حين اعتكف العشر الأوسط من رمضان، ثم أرى ليلة القدر وأنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين فمطرت السماء ليلة إحدى وعشرين فواكب المسجد، فصلى النبي ﷺ فجر يوم إحدى وعشرين، وكان مسجده ﷺ طينًا مبتلًا من المطر فلما انصرف إذا على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين، فعندنا الآن هي لم تبين تقول: "إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفة"، أي فجر هو؟ قلنا: يحتمل أنه فجر اليوم العشرين، وحينئٍذ يكون اعتكف أكثر من العشر الأواخر، ويحتمل أنه فجر إحدى وعشرين، وحينئٍذ يكون قد نقص من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين، لهذا قال العلماء: إن مرادها بقولها: "صلى الفجر ثم دخل معتكفة"، أي: أنه ﷺ انعزل عن الناس أو اعتزل الناس، وكان في ليلة إحدى وعشرين يختلط بالناس ويهيئ مكان اعتكافه، ولكن لا يعتزل الناس إلا في صباح إحدى وعشرين إذا صلى الفجر، قالوا ذلك لأجل أن يجمعوا بين هذا الحديث وبين الحديث الأول، "كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان"، وعللوا ذلك أيضًا فقالوا: إن العشر الأواخر من رمضان تبتدئ من غروب الشمس يوم عشرين، لأن النهار تابع الليل، فليلة الثلاثاء مثلًا هي مساء يوم الإثنين، إذن ليلة إحدى وعشرين تعتبر من العشر الأواخر، هذا ما حمله عليه أهل العلم، ولم يتبين لي أن هذا الحمل جيد، وكذلك أيضًا بعد مراجعة ما تيسر من شروح الحديث ما رأيت أحدًا رجح أحد الاحتمالين السابقين، وعندي أن الاحتمال الأول- أنه يدخل معتكفة في صباح عشرين- قد يكون جيد؛ لأنه في هذا اليوم يدخل ليهيئ المكان ويحسنه حتى يكون قابلًا للاعتكاف فيه من ليلة إحدى وعشرين، ولكني ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال بذلك، نعم رأيت بعض العلماء يقول: إنه يدخل المعتكف في فجر يوم إحدى وعشرين ويلغي ليلة إحدى وعشرين، ولكن هذا أيضًا يبعده أن ليلة إحدى وعشرين هي إحدى الليالي التي يمكن أن تكون ليلة القدر.
стр. 1502
في الحديث فائدة واحدة وهي: أن المعتكف يدخل معتكفه في الليلة التي تسبق اليوم لكنه لا يعتزل الناس إلا في صباحه، حيث يكون ابتداء تمام الاعتكاف.
٦٦٧ - وعنها ﵂ قالت: "إن كان رسول الله ﷺ ليدخل علىَّ رأسه وهو في المسجد فأرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا". متّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
هنا قولها: "إن كان ليدخل" "إن" مخففة من الثقيلة، واللام في قوله: "ليدخل" واجبة الوجود، يعني: يجب أن توجد، لماذا؟ لأنها لو حذفت لأوهم أنه ما كان يدخل رأسه عليَّ، وقد قال ابن مالك في ألفيته:
وخفِّفت إنَّ فقلَّ العمل ... وتلزم اللاَّم إذا ما تهمل
وربَّما استغنى عنها إن بدا ... ما ناطقٌ أراده معتمدًا
فذكري أنه يمكن أن يستغنى عنها بشرط أن يكون المعنى واضحًا، فإن كان غير واضح فلابد من وجودها، وتسمى اللام الفارقة.
قولها: "إن كان ليدخل عليَّ رأسه وهو في المسجد"، جملة: "وهو في المسجد" حال من فاعل "يدخل"، "فأرجله"، الترجيل: تسريح الشعر بالمشط ودهنه حتى يكون نظيفًا لينًا.
قالت: "وكان لا يدخل البيت"، يعني: بيت عائشة أو غيرها من النساء، "إلا لحاجة"، والمراد بالحاجة هنا: حاجة الإنسان كما جاءت مفسرة في حديث آخر، وحاجة الإنسان هي: البول أو الغائط، وقولها: "إذا كان معتكفًا" هذا شرط، يعني: أنها ذكرت هاتين الحالين فيما إذا كان ﷺ معتكفًا، وقد عرفت متى كان يعتكف وهو أنه يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: أن الإنسان لا يبطل اعتكافه بخروج بعض الجسد لفعله ﷺ أنه كان يدخل رأسه إلى البيت، ومثل ذلك: لو حلف أنه لا يخرج من البيت فأخرج بعض جسده فإنه لا يحنث بدليل هذا الحديث.
ومن فوائده: جواز ترجيل المعتكف برأسه لفعل النبي ﷺ ، لا نقول للمعتكف: طن أشعت أغبر، بل نقول: لا بأس أن ترجل رأسك، وهل يجوز أن يحلقه لو كان الحلق عند الناس من باب التجمل كما هي عادتنا اليوم؟ الجواب؟ الجواب: نعم يجوز له أن يحلق رأسه للتجمل أو لغرض آخر.
ومن فوائده: جواز استخدام الرجل زوجته في غير ما يتعلق بمصالح النكاح لكونه صلى الله عليه وسلم
стр. 1503
يدخل رأسه على عائشة لترجله.
فإن قال قائل: لماذا لا يأمر عائشة أن تأتي فترجل رأسه في المسجد؟
فالجواب: قد يكون لها عذر وأيضًا قد يكون في المسجد رجال، فأحب النبي ﷺ ألا ترجله أمامهم. المهم: أن هذه قضية عينن ولو أن الرجل دعا زوجته ورجلت رأسه في المسجد فلا بأس لكن بشرط ألا يتلوث المسجد بذلك بحيث يؤخذ ما يتناثر من الشعر ويلقي خارج المسجد.
ومن فوائد الحديث: جواز ملامسة الرجل زوجته وهو معتكف، الملامسة تعني: اللمس باليد وليس الجماع؛ لأن عائشة ترجل الشعر، والغالب أنها تمسه، أي: تمس بشرته، أما مس الشعر فقد سبق لنا عدة مرات أن الشعر في حكم المنفصل.
ومن فوائد الحديث: أن ينبغي للإنسان أن يفعل مع زوجته ما يجلب المودة والمحبة، وجه ذلك: أنه كان يدخل عليها رأسه لترجله، ولا شك أن الإنسان إذا عامل زوجته هذه المعاملة فسوف تقوى الرابطة بينهما، يعني: لو قال مثلًا: احلقي رأسي هذا من جنس الترجيل، أو إذا كان على رأسه شعر قال: رجليه، أو غسل بدنه، كل ذلك مما يجلب المودة بين الزوجين، وما كان جالبًا للمودة فإنه مأمور به.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة؛ لقولها: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة": البول والغائط، ويقاس عليهما ما لابد منه من أكل وشرب ولباس ولحاف وما أشبه ذلك، لكن بشرط ألا يجد من يأتي إليه، فإن وجد من يأتي به إليه صار غير محتاج لذلك، الوضوء هل يجوز أن يخرج من المسجد إلى البيت؟ على التفصيل إذا لم يكن في المسجد ماء يتوضأ به جاز أن يخرج وإلا فلا يخرج، ومثله اللباس إذا احتاج إلى زيادة اللباس، كما لو كان في الشتاء ولم يجد من يأتي به جاز خروجه ليلبس، ومثله أيضًا اللحاف إذا خرج من المسجد ليأتي به وليس له من يأتي به إليه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يزيد على قدر الحاجة إذا خرج، يؤخذ من قولها: "إلا لحاجة"، وإذا كان الشيء مقيدًا بالحاجة فإنه يتقدر بقدر الحاجة، هذه قاعدة، فلو خرج من المسجد وهو معتكف لقضاء حاجته ثم وجد صاحبًا له وقال له صاحبه: عندي لك قضية خاصة وجلسًا يتكلمان لا يجوز، وإن كان أصل خروجه جائزًا للحاجة لكن بقاؤه يتحدث إلى صاحبه ليس فيه حاجة فلا يجوز.
من هنا نبين أن العلماء- ﵏ ذكروا أن خروج الإنسان المعتكف من المسجد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 1504
خروج لابد منه شرعًا أو طبعًا فهذا يخرج؛ كما لو كان عليه جنابة وليس في المسجد ماء يغتسل في، كما لو كان على غير وضوء وليس في المسجد ما يتوضأ به هذا لابد أن يخرج، والخروج الذي لابد منه طبعًا مثل الأكل والشرب والبول والغائط والدفء وما أشبه ذلك.
فالحاصل: أن الخروج الذي لابد منه وكذلك الأمور التي لابد منها شرعًا أو طبعًا يجوز أن يخرج من المسجد إليه سواء اشترطه عند دخوله أم لم يشترطه.
الثاني: ما ينافي الاعتكاف؛ فهذا لا يجوز الخروج إليه سواء اشترطه أم لم يشترطه مثل: أن يكون صاحب دكان ودخل المسجد معتكفًا واشتراط أن يخرج إلى دكانه ليبيع ويشتري، فهذا لا يجوز؛ لأنه يكون بذلك منافيًا للاعتكاف، والأصل أن الاعتكاف: أن تلزم المسجد لطاعة الله.
رجل حديث عهد بزواج ودخل الاعتكاف واشتراط أن يبيت مع امرأته هذا لا يصح ولو فعل لبطل اعتكافه.
القسم الثالث: ما له منه بد ولا ينافي الاعتكاف لكونه عبادة يتقرب إلى الله فهذا يصح إن شرطه وإن لم يشترطه لم يصح، مثل: أن يشترط شهود جنازة، يعني: هو خائف أن قريبه أو صديقه يموت في هذه المدة فاشترط عند ابتداء اعتكافه أن يخرج لتشييع جنازته هذا جائز، لماذا؟ لأنه عبادة ولا ينافي الاعتكاف لكن تتقدر بقدرها، كذلك لو كان له مريض واشترط عند ابتداء اعتكافه أن يخرج لعيادته فهذا لا بأس به، ولكن هل الأفضل أن يشترط ذلك ليحصل الأجر، أم الأفضل أن يحافظ على اعتكافه؟ الثاني، إلا لمصلحة راجحة كما لو كان المريض قريبًا له وتغيبه عنه مدة عشر أيام يعد قطيعة، هنا نقول: الأفضل أن تشترط، وكذلك المريض الذي يخشى أن يموت فهنا نقول: الأولى أن تشترط لوجود المصلحة الراجحة، وهي مع التشييع أو العيادة صلة الرحم. هل من ذلك لو اشترط حضور درس: مثلًا هناك دروس في النهار أو الليل لا يجب أن تفوته، طلب العلم من أفضل العبادات فهل نقول: له أن يشترط ذلك، أو نقول- ولا سيما في وقتنا هذا-: إنه ليس في حاجة إلى الحضور؛ لأنه يمكن أن يسجل الدرس فلا يجوز الخروج؛ لأن حاجته إلى الخروج في هذه الحال حاجة قليلة، من هذا النوع ما حصل فيه إشكال في العام الماضي كان أناس معتكفين في المسجد الحرام، وكان هناك درس في سطح المسجد الحرام، ولا يمكن الوصول إلى السطح إلا بالخروج من المسجد الحرام والصعود مع الدرج الكهربائية فهل يخرجون لاستماع الدرس أو لا؟ سئل بعض العلماء عن ذلك فقال: إن هذا لا يعد خروجًا في الواقع؛ لأنهم يخرجون ليرجعوا إلى المسجد وكان يوجد باب لكن لم يفتح، نقول:
стр. 1505
إذا كان هناك باب يخرج إلى السطح مباشرة بالدرج فلا ينبغي للإنسان أن يعرض اعتكافه لأمر مشتبه، أما إذا لم يكن فالظاهر أن هذا لا يعد خروجًا حقيقيًّا.
مسألة مهمة:
هناك مسألة تشبه هذا وهي بعض الناس يصاب بمرض في الكبى ويجعل له آلة تصفيه للدم خارج الجسم فيخرج الدم من جسمه ليصفي في الآلة ثم يعود وهو صائم هل يبطل صومه؟ وعليه فيكون عندنا الآن مسألتان: خروج دم، ودخول دم، دخول الدم هل يفطر؟ فيه احتمال أنه يفطر؛ لأنه يقوم مقام الأكل والشرب، والأكل والشرب ينقلب إلى دم يتقوى به الجسم، خروج الدم هل يفطر؟ الحجامة تفطر لا شك، لكن هل هذا الحجامة؟ قد نقول: ليس مثلها؛ لأن هذا يخرج من البدن ليعود إليه، الحجامة تخرج من البدن لئلا تعود، فالذي يظهر لي: أن هذا لا يبطل صومه؛ لأنه يخرج منه ليدخل فيه، فهو لا يزيده إلا خيرًا، لا يزيده ضعفًا بخلاف الحجامة.
وأما مسألة إدخال الدم للصائم فكنت أقول بأنه يفطر، ولكن رجعت عنه ورأيت أنه لا يفطر؛ لأنه لا يقوم مقام الأكل والشرب، فإنه هذا لو حقن فيه الدم يبقى جائعًا إذا كان ليس في معدته شيء ويبقى عطشان إذا لم يبق معدته شيء.
* * *
٦٦٨ - وعنها ﵂ قالت: "السُّنَّة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازًة، ولا يمسَّ امرًأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجٍة، إلا لما لابدَّ له منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامعٍ". رواه أبو داود، ولا بأس برجاله، إلا أنَّ الرَّاجح وقف آخره.
٦٦٩ - وعن ابن عبَّاس ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه". رواه الدَّارقطنيُّ والحاكم، والرَّاجح وقفه أيضًا.
كأنها قالت: "على" دون اللام- يعني: للمعتكف-؛ لأن هذه سنة واجبة، وإذا قال
стр. 1506
الصحابي: من السُّنة، فقد قال العلماء: إن له حكم الرفع، وإذا قال: من السُّنة فقد يكون ذلك الشيء واجبًا وقد يكون مستحبًا، المهم: أنه من الشريعة، ووجوبه واستحبابه يؤخذ من دليل آخر، إذن هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عائشة ﵂ قالت: "من السُّنة ألاَّ يعود مريضًا"، مع أن عيادة المريض من أفضل الأعمال، وهي فرض كفاية على القول الراجح، وإذا كانت فرض كفاية وسنة موكدة وسنة إذا قام بها من يكفي فإنه لا يخرج المعتكف لها لأنها تنافي الاعتكاف ﴿وأنتم عاكفون في المسجد﴾ [البقرة: ١٨٧]. فـ ﴿عاكفون﴾، أي: ملازمون لها دائمون فيها، فإذا أراد المعتكف كلما ذكر له مريض ذهب وعاده وكلما جاءت جنازة خرج معها، فأين الاعتكاف؟ ! لكن ما كانت هذه من الأمور المشروعة التي لا تنافي الاعتكاف منافاة تامة أجاز العلماء فعلها بالشرط، وقالوا: إذا اشترط أن يعود المريض فلا بأس، ولكن هل نقول: إنه يعود كل مريض، أو ينبغي أن يقال له: لا تشترط إلا مريضًا له عليك حق كقريب وصديق وزوجة وما أشبه ذلك؟ أما أن تعود كل مريض فإنك ربما تستوعب كل الوقت، لكنَّ مريضًا معينًا له حق عليك لك أن تزوره؛ لأن هذا طيب، لكن أن تشترط عيادته؛ لأنه ربما يصل هذا المريض إلى حال قد يخشى أن يموت قبل أن ينتهي الاعتكاف، وربما يكون المريض من الناس الذين لا يعذرون ويريدون أن يوفي لهم حقهم كاملًا.
الجنازة أيضًا مثلها: "ولا يشهد جنازة"، شهود الجنازة فرض أم سنة؟ فرض كفاية؛ لأنه لا بد من تشييع الجنازة، "ولا يمس امرأة" المراد بمس المرأة هنا لشهوة، أما مجرد المس فقد سبق أن عائشة ترجَّل شعر النبي ﷺ ، ولا بأس أن يأخذ بيد امرأته إذا دخلت عليه معتكفه لتسلم عليه ويمسها لكن لا يمس لشهوة؛ لأنه إن كان جماعًا فهو مفسد للاعتكاف، وإن كان دونه فهو ذريعة للإفساد.
قالت: "ولا يباشرها"، إذن نقول: ولا تباشر المرأة فهي جمعت بين المس والمباشرة وحينئذ نحمل المس على الجماع لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ونحمل المباشرة على ما دونه.
قالت: "ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد له منه"؛ يعني: لا مفر منه، هذا يخرج مثل البول والغائط والأكل والشرب إذا لم يجد من يأتي بهما إليه الوضوء إذا لم يكن في المسجد ماء وكذلك الغسل، لو أنه دخل معتكفه في دفء ثم نشط البراد واحتاج إلى ثياب أو إلى لحاف وليس عنده من يأتي له بذلك فيخرج؛ لأن هذا لا بد منه.
قالت: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، "لا" نافية للجنس، و"اعتكاف" اسمها، وخبرها محذوف، و"يصوم" بدل منه، أي: من الخبر، يعني: ولا اعتكاف كائن إلا بصوم أو متعلق بالخبر، هذا
стр. 1507
النفي هل يحمل على الوجود أو على الصحة أو على الكمال؟ ذكرنا قاعدة فيما سبق أن الأصل في النفي نفي الوجود، فإذا لم يمكن بأن وجد الشيء فهو نفي للصحة، فإذا لم يكن بأن كان الشيء صحيحًا مع انتفاء هذا الشيء فهو للكمال. هل هو هنا للوجود؟ لا؛ لأن الإنسان قد يعتكف وليس بصائم إذن نفي وجودها اعتكاف بدون صوم غير صحيح، نفي للصحة؟ إن جاء في الشرع ما يدل على صحة الاعتكاف بلا صوم فليس نفيًا للصحة، وإن لم يأت فهو نفي للصحة، ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن نذر أن يعتكف ليلة أو يومًا في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : "أوف بنذرك"، ولم يأمره بالصوم، ورواية أمره بالصوم أنه قال له: "أوف بنذرك وصم" ضعيفة لا تصح، والذي في الصحيحين: "أوف بنذرك"، ولم يأمره بالصوم، ولو كان الصوم واجبًا لا يصح الاعتكاف إلا به لأمره به النبي ﷺ ، إذن وجدنا في السٌنة ما يدل على صحة الاعتكاف بلا صوم، فيكون النفي هنا للكمال، يعني: ولا اعتكاف كاملًا إلا بصوم، وهذا صحيح؛ أي: أن الأفضل لمن اعتكف أن يصوم؛ لأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا صائمًا إلا حين قضى الاعتكاف في شوال فإنه لم يصم.
قالت: "ولا اعتكاف في مسجد جامع"، هذا أيضًا نقول فيه ما قلنا في قولها: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، هل يمكن أن يوجد اعتكاف في مسجد غير جامع؟ نعم، إذن لا يصح أن يكون نفيًا للوجود، لأنه يمكن أن يوجد، هل يصح الاعتكاف في مسجد غير جامع؟ نعم، لما سبق من أنه يصح لعموم قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المسجد﴾ [البقرة: ١٨٧]. بقي علينا نفي الكمال، ولا شك أن الاعتكاف في مسجد جامع أكمل من الاعتكاف في غير جامع، لا سيما إذا تخلل اعتكافه جمعة؛ لأنه إذا تخلل اعتكافه جمعة سلم من الخروج للجمعة، ولأن الغالب في المساجد الجوامع أنها أكثر جمعًا، ولأن الغالب أيضًا فيها أن فيها فوائد لكثرة دروس العلم أو غير ذلك، فلهذا كان المسجد الجامع أفضل وليس شرطًا.
قال المؤلف: "ولا بأس برجاله" هذه الكلمة لا توصل الرجال إلى أن يكونوا في قمة الثقات، بل ولا في الوسط، وإنما تدل على أن الرواة موثقون، فمثل هذه العبارة تعتبر من أدنى مراتب التعديل وليس بجرح لكنه تعديل ضعيف، لكن يقول: "إلا أن الراجح وقف آخره".
استفدنا من هذا الاستثناء فائدتين:
الأولى: أن قولها: "من السُّنة" في حكم المرفوع.
стр. 1508
الثانية: أنه لا احتجاج بالموقوف؛ لأن الموقوف قول صحابي، وقول الصحابي مختلف في حجته، والقائلون بحجيته يشترطون شرطين: ألا يخالف نصًا، وألا يخالف صحابيًا آخر، وقف آخره من أين؟ من قولها: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، ما الذي يدلنا على أن هذا هو مرادها؟ لأن الكلام الأول على نسق واحد: "لا يعود مريضًا ... " إلخ، هذا نسق واحد، والثاني: "ولا اعتكاف" اختلف الأسلوب ونسق الكلام، فنقول: هذا الآخر هو الذي قال ابن حجر ﵀: إن الراجح وقفه، فيكون من قول عائشة ﵂، وقول عائشة لا بد أن يعرض على الكتاب والسُّنة وقد مر علينا أن حديث عمر ﵁ يدل على أن الصوم ليس بشرط.
بقي أن يقال: هل الاعتكاف مشروع كل وقت؟ بمعنى: أننا نقول للإنسان: اعتكف في رجب، في ربيع، في شعبان، في شوال، في ذي الحجة، في أي زمان وفي أي حال مكثت في المسجد؟ الجواب: أن في هذه المسألة خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنها مشروعية، وأنه يشرع للإنسان أن ينوي الاعتكاف في المسجد مدة نحن الآن جئنا لصلاة المغرب وسنبقي إلى صلاة العشاء يسن لنا على رأي هؤلاء أن ننوي الاعتكاف ما بين دخولنا إلى خروجنا؛ لأن الصوم ليس بشرط وإذا لم يكن شرطًا فأيّ وقت تدخل انو الاعتكاف، ومن العلماء من قال: ليس هذا بمشروع ولا نأمر الإنسان به؛ لأن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا يأتون إلى المساجد ولم يرشد أحدًا منهم إلى أن ينوي الاعتكاف، بل لما ذكر تقدم الإنسان إلى المسجد إذا توضأ وأسبغ الوضوء ثم جاء إلى المسجد لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة، ثم قال في آخر الحديث: "ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة"، ولم يرشد النبي ﷺ الأمة إلى أن ينوي الاعتكاف مدة انتظارهم الصلاة، مع أن النية- نية الاعتكاف- هل هي من الأمور الواردة التي يتفطن لها الإنسان بلا تنبيه؟ لا، ليست من الأمور التي تكون تابعة للصلاة، ولو كانت من الأمور المشروعة لكان النبي ﷺ ينبه عليها، ولما لم ينبه دل ذلك على أنها ليست من المشروع.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ أقر عمر على النذر الذي نذره في الجاهلية؟
الجواب: أن عمر قصد المسجد الحرام بنية الاعتكاف لا بنية عبادة أخرى، فأنت مثلًا إذا دخلت المسجد لتصلي نقول: لا تنو الاعتكاف، لكن رجل قال: أنا أحب أن أعتكف اليوم في هذا المسجد، نقول: هذا من الأمور الجائزة وليس من الأمور التي تطلب من الإنسان، ولهذا لم يعتكف النبي ﷺ إلا في رمضان، لم يعتكف في شوال إلا قضاء لما مضى، ولو كان الاعتكاف مشروعًا في كل وقت لكان الرسول ﷺ يبينه للأمة.
стр. 1509
والحاصل: أن لدينا ثلاثة أشياء:
اعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ فهذا مشروع ومسنون، حتى إن الإمام أحمد قال: لا أعلم خلافًا بين العلماء أنه مسنون. هذا واحد.
الثاني: أن يتقدم إلى المسجد بنية الاعتكاف فهذا جائز، لكننا لا نطلبه من الناس، فلا نقول للناس: افعلوا أنا أخبر عما أراه عسى أنا أتجاسر وأقول: إنه من الجائز، ولولا حديث عمر لقلت إنه من غير الجائز؛ لأن هذه عبادة ما فعلها الرسول إلا في رمضان طلبًا ل ليلة القدر ، لكن حديث عمر يدل على جوازها حتى في غير رمضان.
الحالة الثالثة: أن يأتي إلى المسجد لا للاعتكاف لكن ينوي الاعتكاف؛ لأنه جاء ليصلي أو ليطلب العلم فهذا ليس بمشروع قطعًا، ولا ينبغي لنا أن نوجه الناس إلى ذلك، لماذا؟ لأن النبي ﷺ لم يرشد منتظر الصلاة إلى هذا، وهو من الأمور التي تعزف عن الخاطر فلا تكون للإنسان على بال إطلاقًا، لو كانت من الأمور التي ينتقل الذهن إليها بسهولة إذا جاء إلى المسجد وينويها بسهولة قلنا: الرسول سكت عن ذلك؛ لأن هذا أمر معلوم أو أمر غالب، فلما لم يكن من الأمور الغالبة ولا من الأمور التي ينتقل إليها الذهن ولا أرشد إليها الرسول ﷺ فإننا لا نطلب من الإنسان أن يفعلها ونحن في شك من كونها بدعة، فلهذا لا نحبذ الدعوة إليها وإن كان بعض العلماء- ﵏ يرون أن هذا من الأمور المستحبة ويقول: ينبغي لمن دخل المسجد- ولو ليجلس خمس دقائق أن ينوي الاعتكاف مدة لبسه فيه. أما مسجد الجامع فإننا نقول: لا شك أن الأفضل لمن يتخلل اعتكافه جمعة أن يكون في المسجد الجامع، أما إذا لم يتخلل اعتكافه جمعة فإن تفضيل الجامع على غيره لا ينبغي على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن كان هناك مصالح فإنه ينبغي أن يقدم ما فيه مصالح، سواء كان هو الجامع أو غير الجامع.
ليلة القدر:
٦٧٠ - وعن ابن عمر ﵁: "أنَّ رجالًا من أصحاب النَّبيَّ ﷺ أروا ليلة القدر في المنام، في السَّبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ أرى رؤياكم قد تواطأت في السَّبع الأواخر، فمن كان متحرِّيها فليتحرَّها في السَّبع الأواخر". متَّفقٌ عليه.
٦٧١ - وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال في ليلة القدر: "ليلة سبعٍ وعشرين". رواه أبو داود، والرَّاجح وقفه.
- وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولًا أوردتها في "فتح الباري".
стр. 1510
كيف نجمع بين هذا الحديث في السبع الأواخر وبين الأحاديث الأخرى التي أمر النبي ﷺ بتحريها في العشر الأواخر؟ نقول: هي في العشر الأواخر، لكن في السبع أوكد، ثم في أوتاره أوكد، ثم في السابع والعشرين أوكد، وإبهامها فيه فائدتان:
الأولى: هي بعث الهمم على طلبها والنشاط فيها؛ لأن الكسلان قد يقول: أنا لا أقوم عشر ليال من أجل ليلة واحدة فإذا كان نشيطا حريصا على العبادة فإنه سوف يقوم هذه الليالي ويقول: ما أرخصها في حصول هذا الأجر العظيم: ﴿من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه﴾.
الفائدة الثانية: كثرة العمل الصالح للعباد؛ لأن العمل الصالح في العشر كلها بلا شك أكثر من العمل الصالح في ليلة واحدة، وكثرة العمل توجب كثرة الثواب.
وقول المؤلف في الحديث الثاني: إنه اختلف فيها على أكثر من أربعين قولا الذي في "فتح الباري" ستة وأربعون قولا، ويمكن أن يكون أصل النسخة على أكثر من أربعين قولا كما قال ذلك في ساعة الإجابة يؤم الجمعة، أو أنه هنا يريد أربعين قولا باعتبار أن هناك قولين أو ثلاثة بأنها رفعت ولم تعد عائدة إلى الناس، وأنه بحذف هذه الأقوال تصير الأقوال أربعين، لكن يبقى الإشكال في أننا حتى لو حذفنا قولين أو ثلاثة لم تكن الأقوال الباقية أربعين وحديث معاوية ليس فيه إلا فائدة واحدة وهي أن ليلة القدر أرجى ما تكون في السابع والعشرين.
٦٧٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله، أرأيت أن علمت أي ليلةٍ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعف عنِّي". رواه الخمسة، غير أبي داود، وصحَّحه التِّرمذيُّ، والحاكم.
قولها: "أرأيت؟ "، معناها: أخبرني، وقولها: "ما أقول فيها؟ "، "ما" هنا استفهامية، يعني: أخبرني ماذا أقول أن علمت ليلة القدر، قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"، "اللهم" يعني: يا الله، حذفت ياء النداء وعوض عنها بالميم، وكانت الميم في الآخر تبركًا بالابتداء باسم الله وكانت العوض ميمًا، لأنها تفيد الجمع كأن السائل جمع قلبه على الله وتوجَّه إليه، وقوله: "إنك عفو تحب العفو" هذا توسل إلى الله بهذا الاسم والصفة، الاسم "إنك عفو" والصفة "تحب العفو"، والمطلوب "فاعف عني"، والفاء هنا للتفريع، يعني: فتفريعك على
следующие страницы →