← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أموال الناس بالباطل من جهة والغش والكذب وما أشبه ذلك، لكن استحقاق التوبة المطلقة لا يكون إلا بالتوبة من جميع الذنوب. ومن فوائد الحديث أيضا: أن التطهر منزلة عالية يجدر بالمسلم ان يسأل ربه إياها لقوله: "اللهم اجعلني من المتطهرين". ومن فوائده: في هذا الدعاء الأخير هذا الجمع بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن، فمن أي جملة باب الباطن؟ "اللهم اجعلني من التوابين"، وباب الظاهر؟ "اللهم اجعلني من المتطهرين"، انتهى ما فتح الله به علينا في هذا الحديث وننتقل إلى باب المسح على الخفين. ٥ - باب المسح على الخفين المسح على الخفين يتعلق بالطهارة بعضو من أعضائها وهما: القدمان، وجوازه ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، ولم يخالف في هذا إلا الرافضة، لكن قولهم غير معتبر في الإجماع والخلاف. أما دلالته من القرآن: ففي قوله ﵎: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. على قراءة الجر، لأنها - أي: الآية - على قراءة الجر تجعل قوله: ﴿وأرجلكم﴾ من الممسوحات برءوسكم يعني: وبأرجلكم، وعلى قراءة النصب: تجعلها من المغسولات، فهل الإنسان مخي بين أن يمسح على القدم البارزة أو يغسلها؟ السنة تأبى ذلك؛ لأنه لم يرد عن النبي-عليه الصلاة السلام- حرف واحد أنه مسح على رجله وهي مكشوفة، وعليه فنرجع إلى فعل الرسول ﵊ في تنزيل الآي بقراءتيها على ما كان يفعله ﵊ إذا فعلنا ذلك وجدنا أن الرسول ﵊ كان يمسح رجليه إذا كان عليهما الخفان ويغسل إذا كانتا مشكوفتين. أما السنة فهي متواترة في هذا، وأنشدناكم من قبل بيتين حول هذا الموضوع. مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتا واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض فالسنة متواترة عن النبي ﷺ في جواز المسح على الخفين وأنه مشروع، وأن الإنسان إذا كان لابسا لهما فمسحهما أفضل من خلعهما والغسل.

стр. 177

وأما إجماع السلف فهو معلوم، حتى إن بعض العلماء جعل هذا من العقائد، ووضعه في العقيدة. شروط المسح على الخفين: ٥٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ فتوضأ فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما". متفق عليه. قوله: "كنت مع النبي ﷺ فتوضأ" وذلك في غزوة تبوك حين رجع ﵊ وكان معه المغيرة بن شعبة ينقل له الماء لوضوئه واستنجائه فتوضأ، "فأهويت لأنزع خفيه" يعني: أهويت برأسي لأنزع خفيه، وكأنه كان قائما يصب الماء على النبي ﷺ فلما وصل إلى الرجلين أهوى لينزع الخفين، فقال النبي ﷺ : "دعهما" يعني: اتركهما لا تنزعهما، ثم علل ذلك بقوله: "فإني أدخلتهما طاهرتين" هنا ضميران: "دعهما" و"أدخلتهما" "الهاء" في "دعهما"، و"أدخلتهما" هل مرجعهما واحد أو يختلف؟ لننظر "دعهما" يعني: دع الخفين لا تنزعهما، أو دعهما دع الرجلين، لا تصب عليهما، "فإني أدخلتهما" الضمير يعود على الرجلين؛ لأن الرجل هي المدخلة في الخف فيكون قوله: "أدخلتهما" معطوفا على الرجلين، وهذا يؤيد أن يكون الضمير في دعهما على الرجلين. "فمسح عليهما" على ماذا؟ على الخفين، وهذا يؤيد أن يكون قوله: "دعهما" يعود إلى الخفين، والمسألة سواء عاد إلى هذا أو إلى هذا فالحكم لا يختلف، وقوله: "أدخلتهما طاهرتين"، طاهرتين نعربها على أنها حال من الهاء في قوله: "أدخلتهما: ، "فمسح عليهما" ولم يذكر التفصيل في المسح، أي: لم يذكر أنه مسح اليمنى ثم اليسرى، لكنه أثبت أنه مسح عليهما. ففي هذا الحديث من الفوائد: جواز استخدام الحر؛ لأن النبي ﷺ استخدم المغيرة بن شعبة وهو حر. على السائل، فالمغيرة بن شعبة لما استخدمه النبي ﷺ رأى أن ذلك من شرفه وفضله وأنها غنيمة أن يستخدمه النبي ﷺ ، فإذا كان استخدامك للشخص في فعل معين أو أكثر من فعل يدخل السرور عليه وتجد أنه يفرح بذلك فإن استخدامك إياه لا يعد من المسألة المذمومة. ومن فوائد الحديث: فضيلة المغيرة بن شعبة لخدمته النبي ﷺ . ومن فوائده: جواز خلع النعلين أو الخفين من الغير وإن كان هذا يستنفر منه كثير من الناس،

стр. 178

لكن كلما قويت الصلة سهلت هذه المسألة؛ يعني: كون الإنسان يناول صاحبه العصا أو ما أشبه ذلك لا يجد فيها غضاضة، لكن كونه يلبسه النعلين أو يخلعهما هذه فيها غضاضة عند كثير من الناس، ولكن نقول: كلما قويت الصلة سهلت هذه. ومن فوائد هذا الحديث: البناء على الأصل؛ يعني: جواز تصرف الإنسان بالبناء على الأصل لقوله: "لأنزع خفيه" بناء على الأصل، ما هو الأصل هنا؟ غسل الرجلين. المغيرة ﵁ لم يستأذن الرسول فقال: أتأذن أن أخلع، بل أهوى لينزع بناء على الأصل. ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﵊ وجبره للخاطر لقوله: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فلما ذكر الحكم ذكر العلة. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه لا يمسح على الخفين إذا لبسهما على غير طهارة وجهه: أنه علل ﵊ عدم خلعهما بأنه لبسهما على طهارة يفيد أنه يشترط لجواز المسح على الخفين فقط أن يلبسهما على طهارة وقوله: "طاهرتين" هل المراد أنه أدخلهما بعد أن طهرت القدمان أو يوزع الفعل على كل قدم وحدها؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه لا يجوز أن يلبس الخفين إلا إذا تمت الطهارة بغسل الرجلين، وبناء على ذلك لو غسل الرجل اليمنى ثم لبس الخف ثم غسل اليسرى ولبس الخف فإنه لا يصح المسح عليهما حتى يخلع اليمنى ثم يعيد لبسها، وهذا هو المشهور من المذهب، وفيه حديث يشير إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسام قال: "إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما". فإن قوله: "إذا توضأ" لا يصدق عليه أنه توضأ إلا إذا تمت الطهارة، ثم هو أيضا أحوط. وأصحاب القول الثاني، يقولون: إنه أدخل كل قدم وهي طاهرة فصدق عليه أنه أدخلهما وهما طاهرتان، وهذا يقوى على القول بأن الإنسان إذا غسل كل عضو من أعضاء الوضوء ارتفع الحدث عنه، أما على قول من يقول إنه لا يرتفع الحدث حتى يتمم الأعضاء فلا شك أنه لابد أن يتمم غسل الرجلين. هل في المسألة صعوبة فيما لو أدخل اليمنى ثم اليسرى؟ ليس فيه صعوبة؛ لأن المطلوب منه الآن أن يخلع اليمنى ثم يعيد لبسها هذا المطلوب. فإن قال قائل: هذا نوع من العبث إذا ما معنى أن نقول: اخلع الخف ثم عد فالبسه؟ نقول: هذا ليس نوعا من العبث؛ لأن أصل وضع الخف أولا غير صحيح، كونه يلبسه قبل

стр. 179

أن تتم الطهارة هذا غير صحيح، فهذه ليست إعادة، هذا في الواقع لبس جديدا؛ لأن اللبس الأول الذي حصل قبل الوضوء ليس بصحيح لا يقره الشرع، بهذا ننفصل عن القول بأن هذا نوع من العبث. ومن فوائد هذا الحديث أيضا: أن المسح على الخفيبن أفضل من الغسل؛ وجه ذلك: أن الرسول قال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمسح عليهما وعلى هذا نقول: امسح ولا تخلع لتغسل، ولكن لو أن الإنسان لبس ليمسح فهل يمسح أو لا؟ في هذا تفصيل إن كان لبس ليمسح لغرض له في المسح فهنا يمسح وإن كان لبس ليمسح فيسقط واجب الغسل، فإنه لا يمسح، كما قلنا: إن الإنسان إذا سافر في رمضان ليفطر فإنه لا يحل له الفطر؛ لأن هذا تحيل على إسقاط واجب. ومن فوائد هذا الحديث: أن المسح على الخفين يكون مسحا عليهما معا لقوله: "فمسح عليهما"، ولم يذكر أنه بدأ باليمين، فعلى هذا يكون المسح عليهما جميعا باليدين، ولكن قد يقول قائل: إن مراد المغيرة ﵁ أن يبين أصل المسح بقطع النظر عن الترتيب ولهذا ما ذكر غسل الوجه ولا اليدين ولا مسح الرأس، وأن الأفضل أن يبدأ باليمنى قبل اليسرى لعموم قول عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وتطهره وفي شأنه كله". مسألة: لم يذكر في هذا الحديث كيف يمسح ولا أي موضع يمسح. فنقول: إن المسح إنما هو على الأعلى - أعلى الخف- كما سيأتي إن شاء الله، والمسح وصفه العلماء بأن الإنسان يبل يده بالماء ثم يمر بها من أطراف الأصابع إلى الساق وتكون الأصابع مفرقة؛ لأنها لو كانت مضمونة لاختص المسح لجانب من الخف، فإذا كانت مفرقة كان أوسع؛ ولهذا قال: ينبغي أن يمسح مفرقا أصابعه من أطراف الرجل إلى الساق. ومن فوائد هذا الحديث: يسر الشريعة وسهولتها، حيث إن الله تعالى لم يوجب على العباد أن يخلعوا ويغسلوا؛ لأن في ذلك مشقة في النزع والغسل واللبس، فلهذا رخص للإنسان أن يمسح، وهذا دخل في عموم قول النبي ﷺ : "إن الدين يسر". أسئلة: - المسح على الخفين هل دل عليه القرآن أم ثبت بالسنة؟ - لو قال لنا قائل: هذه القراءة مع قراءة: ﴿وأرجلكم﴾ تدل على أنه يجوز أن يغسل الرجل تارة ويمسحها تارة أخرى فما الجواب؟ -

стр. 180

المسح على الخفين هل هو افضل أو الخلع والغسل؟ - في حديث المغيرة ما يدل على أن الأفضل هو المسح ما وجهه؟ قوله ﷺ : "دعهما". - شروط المسح على الخفين متعددة، فما الذي يدل عليه حديث المغيرة من الشروط؟ دخولهما طاهرتين. - رجل لبس الخف على غير طهارة فهل يجوز أن يمسح أو لا؟ لا يجوز. - لو نسي ومسح؟ يعيد الوضوء والصلاة. - لو قال قائل: إن الله قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا﴾؟ هذا قول مأمور، والمأمور لا يكتفى فيه بالنسيان، ولهذا لو سلم من ثلاثة في صلاة رباعية قلنا: أتمها. صفة المسح على الخفين: - وللأربعة عنه - أي: عن المغيرة - إلا النسائي: "ن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله". وفي إسناده ضعف. هذا الحديث يقول: إن الرسول مسح أعلى الخف، وهو: ما يكون على ظهر القدم، وأسفله تحت القدم، لكن هذا في إسناده ضعف، وعلل عندي في الحاشية؛ لأنه من رواية كاتب المغيرة وقد ضعفه أئمة الحديث، ثم إنه يخالف الحديث الذي بعده وهو حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: ٥٤ - وعن علي ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه". أخرجه أبو داود بإسناد حسن. فهذان حديثان متعارضان، ولكن الأول ضعيف، والضعيف لا يقاوم ما هو أرجح منه ويكون أمامه ساقطا لا يعتد به، وعلى هذا فيكون المسح أعلى الخف كما قال علي ﵁ مسندا الأمر إلى رسول الله ﷺ .

стр. 181

قوله ﵁: "لو كان الدين بالرأي" أي: بالرأي الأول الذي هو بادي الرأي "لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه"، لكن الدين ليس بالرأي الأول وليس ببادي الرأي؛ بل الدين بالرأي العميق المبني على العقل الناضج؛ وإلا ولا شك أن الدليل والنقل الصحيح لا يمكن أن يعارضا العقل الصريح هذه قاعدة، والدليل على هذا أن الله دائما يقول: ﴿أفلا تعقلون﴾ مما يدل على أن الشريعة موافقة للعقل، وأن الذي يخالف الشريعة مخالف للعقل، وعليه فيكون قول علي ﵁: "لو كان الدين بالرأي" أي: بيادي الرأي "لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه"، لكن الدين يكون بالعقل المتعمق الراسخ المتأني ولذلك تجد أكثر الذين يبنون أمورهم على بادي الرأي يفسدون أكثر مما يصلحون؛ لأنهم لم ينظروا إلى العواقب ولم ينظروا إلى النتائج والثمرات، فتجدهم يفسدون أكثر مما يصلحون؛ ولهذا لما سئل الإمام أبو حنيفة ﵀ عن قوم يخرجون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن بالعنف وأخذ الناس؟ قال: لا يخرجون، قالوا: إنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر! قال: نعم، ولكنهم يفسدون أكثر مما يصلحون، وهذه قاعدة يجب على الإنسان أن يبني منهجه عليها، أن ينظر إلى العواقب، أنت ربما تشفي غليلك في هذه الحال، وترى أنك قد تشفيت، ولكن يحصل من المفاسد أكثر مما حصل من هذه المصلحة التي وقعت فانظر إلى العواقب، وإن الأمور التي نشاهدها الآن حولنا أو بعيدا منا تدل على ذلك، على أنه يجب أن نتأنى ونتصبر حتى نقدم الخطى. إذا نظرنا إلى هذه المسألة بالرأي العميق وجدنا أن أعلى الخف أولى بالمسح من أسفله؛ لأنك إذا مسحت على الخف مسحت على شيء نظيف، على شيء لم تلوثه الأرض بالأذى والقذر، ولو مسحت على الأسفل فتلوثت يدك بالأذى والقذر والوسخ، وليس المراد بهذا المسح أن نغسل الرجل، ولو كان المراد أن نغسل الرجل لوجب علينا أن نخلع، لكن المراد بالتعبد لله بمسح هذا العضو بما يكون تطهيرا له، فعليه يكون الدين - وهو مسح الخف من أعلاه- موافقا للعقل وللرأي السليم الصواب. من فوائد حديث علي ﵁ ما ذكرناه الآن: أن الدين ليس بالرأي الذي هو بادي الرأي. ومن فوائده أيضا: إسناد الأحكام الشرعية إلى من له التشريع وهو من الخلق من؟ الرسول ﵊؛ ولهذا قال: "وقد رأيت رسول الله ﷺ ... " إلخ. ومن فوائد هذا الحديث: أن المسح على الظاهر ليس على الباطن، فمن مسح على الباطن فهو من المتعمقين والمتنطعين والمبتدعين أيضا. ومن فوائد الحديث: من قوله: "على ظاهر الخفين" أن أدنى مسح كاف؛ لأنه لم يقل: مسح

стр. 182

بظاهر الخفين حتى نقول: إنه يجب استيعاب ظاهر الخف كقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكن وأرجلكم﴾ حيث قلنا: إن الباء في قوله: ﴿برءوسكم﴾ للاستيعاب، فيجب أن يكون مسح الرأس في الوضوء شاملا لجميع الرأس، لكن هنا قال "علي": فيكفي أدنى مسحة، ولكن هذه المسألة فيها خلاف والمذهب الوسط فيها ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ أن يكفي مسح أكثر الظاهر فلو أمر يده على ظاهر الخف من أصابعه إلى ساقه كفى، ولا يمسح العقب والأسفل، بل من أطراف الأصابع إلى أن يصل إلى الساق. ثم هنا يقول: "على ظاهر خفيه"، ولم يقل: هل بدأ باليمين أو بدأ بالشمال أو مسح عليهما جميعا باليدين؟ أما كونه بدأ بالشمال فهذا غير وارد؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. الوارد هل مسحهما جميعا باليدين أو بدأ باليمنى؟ هذا محل نظر، فمن العلماء من قال: يمسحها جميعا باليدين؛ لأن هذا ظاهر الحديث "مسح عليهما"، ولم يذكر أنه بدأ باليمنى؛ فعلى هذا يكون المسح عليهما مرة واحدة باليدين اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى. ومنهم من قال: إن الصحابي أراد أن يبين وقوع المسألة بقطع النظر عن كونه بدأ باليمين أو بدأ بالشمال، ونحن نقول: إن المسح فرع عن الغسل، والغسل يبدأ فيه باليمين، وما دام الأمر مترددا بين هذا وهذا فإن العلماء بعضهم قال بهذا؛ وبعضهم قال بهذا؛ يعني بعضهم قال: يمسحهما جميعا، وبعضهم قال: يبدأ باليمين، والأمر عندي في هذا واسع، المهم أن يمسح عليهما. ومن فوائد هذا الحديث: الرد على الرافضة؛ لأنهم يرون علي بن أبي طالب إمام الأئمة، والأئمة عندهم معصومون من الخطأ وهم لا يرون المسح على الخفين، وعلي ﵁ أحد الصحابة الذين رووا أحاديث المسح، وهو خليفة من خلفاء المسلمين ومع ذلك لا يقبلون هذا، مما يدل على أن القوم إنما يتبعون أهواءهم لا يتبعون الحق، قال ابن كثير: في غالب ظني إنهم خالفوا الحق في تطهير الرجل من وجوه ثلاثة: أولا: أنهم قالوا: يجوز مسح الرجل المكشوفة بدلا من غسلها. وثانيا: أنهم جعلوا الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، فيكون التطهير في نصف القدم فقط. وثالثا: أنهم منعوا من مسح الخفين، وكل هذا ثابت كما مر عليكم ويمر إن شاء الله.

стр. 183

حقيقة السفر ومدة المسح للمسافر: ٥٥ - وعن صفوان بن عسال ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا ألا نزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم". أخرجه النسائي، والترمذي واللفظ له، وابن خزيمة وصححاه. قوله: "كان" سبق الكلام على "كان" وأنها للدوام غالبا لا دائما، وقوله: "يأمرنا" المر هو: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، هذا الأمر يعني: واحد يشعر بأنه أعلى منك ويقول: افعل كذا، ولا يمكن أن يكون هذا إلا من شخص يرى أنه فوقك، وأما طلب الفعل على غير وجه الاستعلاء فهذا قد يكون للإكرام، وإن كان أمرا لكن ليس للإلزام قد يكون للإكرام وقد يكون للالتماس وله معان على حسب القواعد. وقوله: "إذا كان سفرا" أي: مسافرين، والسفر بمعنى المسافر، ومنه قوله ﷺ لأهل مكة وهو يصلي بهم في غزوة الفتح: "أتموا فإنا قوم سفر". أي: مسافرين، وقوله "إذا كنا سفرا" السفر: مأخوذ من الإسفار، وهو البيان والوضوح، وعلى هذا فيكون المعنى المطابق له: خروج الإنسان من المدينة التي هو ساكن فيها؛ لأنه إذا خرج أسفر عن نفسه ولم يكن أمامه ما يظلمه؛ لأنه خرج إلى البر لكن هل هذا المراد؟ المراد به: السفر الشرعي؛ وهو على رأي كثير من العلماء ما كان مسيرة يومين قائدين على الإبل المحملة، وتقديره نحو: ثلاثة وثمانين كيلو مترا بالمسافة هذا هو السفر الشرعي الذي يترتب عليه أحكام السفر، واختار شيخ الإسلام ﵀ اختيارا لا شك أنه أقرب إلى الأدلة، وهو أن السفر جاء في النصوص مطلقا، والشيء إذا جاء في النصوص مطلقا يحمل على العرف إذا لم يكن له حقيقة شرعية، وعلى هذا ورد في القواعد. وكل ما أتى ولم يحدد ... بالشرع كالحرز فبالعرف احدد فيقول: شيخ الإسلام: أين الدليل من الكتاب والسنة على أن السفر مسافة كذا وكذا؟

стр. 184

والرسول ﵊ والكلام لشيخ الإسلام- في زمن لم يكن هناك مساحون يقيسون الأرض بالذراع وبالأصابع ويحب الشعير؛ لأن الذين قدروها بالمسافة يصلون بالتقدير إلى حبة الشعير وإلى شعرة البرذون، وعليه فأنا الآن مما ألي البلد هنا غير مسافر لأني ما أكملت حبة الشعير والذين أمامي الآن مسافرون، هذه في الحقيقة إذا تأمله الإنسان وجد انه ليس بصواب، لكن فيه شيء يجعله قولا مقبولا، وهو أنه أضبط من أن يقال إن السفر ما عده الناس سفرا؛ وذلك لأنهم يختلفون في عد هاذ سفرا أو غير سفر، فيكون تحديده من مسافة أضبط، ويقال: إنه يعفى عن الذراع والذراعين والمتر والمترين وما أشبه ذلك؛ إذن يترجح كلام شيخ الإسلام ﵀ من وجه وهو أنه أقرب إلى النصوص ويترجح الآخر من وجه وهو أنه أضبط؛ لأنك متى قطعت المسافة وأنتم جميعا ترون هذا أنه مقدر بالمسافة هل تختلفون؟ إذا قطعنا (٨٣) كيلو مترا ولو كنا نسافر في آخر النهار، وكلنا يعتبر المسافة فكلنا يرى أننا مسافرون ويطمئن ويقصر الصلاة ويجمع ولا يبالي، لكن إذا قلنا إنه معتبر بالعرف ووصلنا إلى مكان، وكان بعضنا يرى أن هذا سفر عرفا والآخر لا يراه سفرا عرفا حصل نزاع وحصل قلق، هل نجمع ونقصر أو لا؟ وإلا فلا شك أن السنة تؤيد كلام شيخ الإسلام ﵀، حتى إنه ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين. شيخ الإسلام ﵀ يقول: بالنسبة لهذه المسألة: المسافة القريبة للزمن الطويل سفر، والمسافر البعيدة للزمن القصير سفر، والمسافة الطويلة في الزمن الطويل سفر من باب أولى، والمسافة القصيرة في الزمن القصير ليس سفرا. قوله: "إذا كان سفرا أمرنا ألا ننزع خفافنا" يعني: إذا كانت علينا وتمت الشروط ثلاثة أيام بلياليهن كم ساعة؟ (٧٢) ساعة، لكن متى تبدأ هل هو من اللبس أو من الحدث بعد اللبس أو من المسح بعد الحدث، أو من المسح ولو من غير حدث لدينا أربعة احتمالات: الأول: من اللبس، وهذا ضعيف. الثاني: من الحدث بعد اللبس، وهذا ضعيف لكنه دون ضعف الأول. الثالث: من المسح بعد الحدث؛ وهذا أقرب الأقوال؛ لأن الذي ورد في الحديث "فمسح" ولا يصدق المسح إلا بفعله، فيكون ابتداء المدة من المسح. الرابع: من أول مرة مسح ولو تجديدا، فيكون مسحا بدون حدث، والنصوص محتملة له؛ لكن لندرته وقلته ينبغي ألا يحمل الحكم عليه ويقال إنه من المسح بعد الحدث.

стр. 185

يقول: "إلا من جنابة" يعني: لا ننزعها إلا من جنابة، والجنابة: كل ما أوجب غسلا من جماع أو إنزال ولكن من غائط وبول؛ ونوم. في هذا الحديث فوائد منها: مراعاة التيسير على الأمة، وذلك بتيسير أحكام السفر في الطهارة وما يتعلق بها، وفي الصلاة وما يتعلق بها، وفي الصيام وما يتعلق به، تجد الشريعة يسرت الأحكام بالنسبة للمسافر، فيستفاد من هذا مراعاة الشريعة للتسهيل. ومن فوائده أيضا: بيان الحكمة في التشريع، وأنه يناسب الأحوال، وهذا ظاهر جدا في العبادات وفي المعاملات، فمثلا في العبادات ما رأيتم المسافر يمسح كم؟ ثلاثة أيام بلياليهن والمقيم يوما وليلة، الصلاة الرباعية تتم في الحضر وتقصر في السفر، الجمع يجوز في السفر. كذلك في المعاملات بيع التمر بالرطب حرام؟ لكن إذا احتاج الإنسان إلى الرطب وليس عنده دراهم جاز أن يشتري الرطب بالتمر بالشروط المعروفة في العرايا، هذا أيضا تسهيل بل لدينا قاعدة: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم﴾ [الأنعام: ١١٩]. هذه قاعدة: "كل حرام يضطر الإنسان إليه وتندفع ضرورته به يكون حلالا"، وهذا مما يدل على أن الشريعة تراعي الأحوال. ومن فوائد هذا الحديث: أن من كان لابسا للخف فإنه لا ينزعه بأمر الرسول لقوله: "أمرنا ألا ننزع"، وهو مما يؤيد ما ذكرناه أولا بأن من كان لابسا الخفين فإنه لا ينزعهما؛ لأن هذا في باب التعمق والتنطع بل مسح عليهما من هو أتقى لله منك وأعلم بالله منك. ومن فوائد هذا الحديث: أن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن. ومن فوائده: أنه لا مسح على الخف في الجناية؛ لأن حدث الجناية أغلظ من حدث البول والغائط؛ فلهذا ليس فيها مسح إلا في حال الضرورة في الجبيرة كما سيأتي إن شاء الله. ومن فوائد هذا الحديث: أن المسح يكون بالحدث الأصغر وهو متفرع على الفائدة التي ذكرنا. ومن فوائده: أن الغائط والبول والنوم ناقض للوضوء لقوله: "إلا من بول وغائط ونوم" وظاهر الحديث: أنه لا فرق بين الغائط القليل والكثير، وكذلك البول لا فرق بين القليل والكثير والنوم ظاهر الحديث لا فرق بين القليل والكثير، لكن دلت أدلة أخرى أن هناك فرقا بين القليل والكثير بالنسبة للنوم، إذن يستفاد من هذا الحديث: أن الغائط ناقض للوضوء قل أو كثر، البول ناقض للوضوء قل أو كثر، النوم ناقض للوضوء قل أو كثر، لكن هذا مقيد - النوم- بأحاديث أخرى أنه إذا كان النوم قليلا فإنه لا ينتقض به الوضوء، وسيأتي - إن شاء الله- بيان ذلك. هل حديث صفوان هنا حصر نواقض الوضوء أو هناك نواقض أخرى؟ سؤال: - هناك نواقض أخرى منها الريح، وهي لم تذكر هنا، ومنها لحم الإبل وهو لم يذكر هنا، المهم أن صفوان ﵁ إنما ذكر أمثلة فقط ولا تدل على الحصر.

стр. 186

مدة المسح للمقيم: ٥٦ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "جعل النبي ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". يعني: في المسح على الخفين. أخرجه مسلم. "جعل النبي"، اعلم أن جعل تنقسم إلى قسمين: جعل قدري وجعل شرعي، فمثال الشرعي قول الله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ [المائدة: ١٠٣]. هذا جعل شرعي أم قدري؟ شرعي ولا يصح أن يكون قدريا؛ لأن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجودة، فيكون نفي الجعل هنا للجعل الشرعي، أي: ما شرع الله هذا. والجعل القدري كثير في القرآن: ﴿وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا﴾ [النبأ: ١٠، ١١]. أي جعل هذا؟ هذا جعل قدري، فقول علي ﵁: "جعل النبي" من أيهما؟ الشرعي. "ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر" كما في حديث صفوان، "ويوما وليلة للمقيم" تبتدئ من أول لبسه بعد الحدث، وعلى هذا لا يحسب من المدة ما كان قبل المسح بعد الحدث، فلو أن رجلا لبس الخف لصلاة الفجر، ويبقى على طهارة ولم يمسح إلا لصلاة العشاء ابتداء المدة من متى؟ من مسح العشاء؛ ولهذا ربما يبقى ثلاثة أيام وهو مقيم ربما يبقى على الطهارة حتى ينام، ولا يمسح إلا لصلاة الفجر من اليوم الثاني، فتبدأ المدة من صلاة الفجر، وتنتهي عند صلاة الفجر من اليوم الثالث، وإذا بقي على طهارة إلى العشاء يكون صلى بخفيه ثلاثة أيام، وأما قول العامة خمس صلوات؛ فهذا لا أصل له. وفوائد هذا الحديث لا تزيد على فوائد حديث صفوان إلا في المقيم "يوما وليلة". ٥٧ - وعن ثوبان ﵁ قال: "بعث رسول الله صلى الله ليه وسلم سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب - يعني: الغنائم- والتساخين- يعني: الخفاف-". رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم. "بعث النبي ﷺ سرية" أي: أرسلها لقال العدو، والسرايا نوعان: سرية تبعث من البلد، وسرية تبعث من الجيش تنطلق في أثناء السفر إلى قتال العد من الجيش، "وأمرهم أن يمسحوا على العصائب" يعني: العمائم، وسميت عصائب؛ لأنها يعصب بها الرأس، "والتساخين؛ -يعني: الخفاف-"، وسميت تساخين؛ لأنها تسخن بها القدم، فإن ذلك الخف لابد أن يكون في لبسه إياه تسخين للقدم.

стр. 187

فيستفاد من هذا الحديث: أولا: مشروعية بعث السرايا، لكن بشرط ألا يكون في هذا البعث إلقاء بالنفس إلى التهلكة، مثل أن يرسل سرية لجيش يبلغ آلافا، فهنا لا يجوز لقول الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ [النساء: ٢٩]. أسئلة: - لو كان الدين بالرأي، ما المراد بهذا الرأي؟ بادي الرأي. - هناك أشياء لا مدخل للعقل فيها مثل؟ - هل الدين يخالف العقل أو لا؟ - ما هي الحكمة من كون المسافر يمسح ثلاثة أيام والمقيم يوما وليلة؟ - هل تعرف شيئا رخص للمسافر فيه ولم يرخص للمقيم؟ عودة للحديث: لم نكمل الكلام على حديث ثوبان، أن النبي ﷺ بعث سرية فأمرهم أن يمسحوا على العمائم والتساخين - يعني: الخفاف-، ما هي العصائب؟ نقول: العمائم، والتساخين هي الخفاف، فلماذا سميت تساخين؟ لأنها تسخن القدم. في هذا الحديث فوائد؛ منها: مشروعية بعث السرايا سواء كانت تقطع من الجيش أو مرسلة من الأصل من البلد؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. ومنها: جواز المسح على العمائم وهي التي تعمم على الرأس. أولا: وهل لها شروط؟ لننظر، ذكر الفقهاء ﵏ أنه يشترط أن يلبسها على طهارة قياسا على الخف، فإن الخف لابد أن يلبسه على طهارة، قالوا: فكذلك العمامة، ولكن هذا قياس غير صحيح لأمرين: الأمر الأول: أنه لم يذكر عن الرسول ﵊ أنه أمر الإنسان أن يلبس العمامة على طهارة مع أنه لو كان شرطا لكان مما تتوفر الدواعي على نقله، فلما لم يرد قلنا: الأصل عدم الاشتراط. الأمر الثاني: أن القياس لابد فيه من مساواة الفرع للأصل، وهنا لا توجد مساواة، وذلك بأن الرجل مغسولة والرأس ممسوح، فتطهير الرأس قد سهل فيه من أصله حيث إنه مسح، فإذا كان سهل فيه من أصله، فلا يمكن أن يقاس الأسهل على ما هو أصعب منه، فيقال: كما سهل في أصله - أصل تطهير الرأس- كذلك يسهل في الفرع وهي العمامة التي تلبس عليه.

стр. 188

ثانيا: هل يشترط أن تكون المدة يوما وليلة، أم يجوز ما دام لابسا على العمامة فإنه يمسح عليها؟ المذهب أنه لابد أن تكون يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر قياسا على الخف، وقد علمتم أن هذا القياس لا يصح؛ لأنه لم يأت عن النبي ﷺ حديث لا صحيح ولا ضعيف أنه وقت لمسح العمامة يوما وليلة أو ثلاثة أيام، ثم إن القياس أيضا غير تام لاختلاف الأصل والفرع، على هذا نقول: البس العمامة متى شئت وامسح عليها متى شئت. ثالثا: هل يشترط في العمامة شرط فوق كونها مطلق عمامة؟ المذهب: نعم، لابد أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة، فالمحنكة أن يدار منها لية تحت الحنك، أو ذات ذؤابة من الخلف؛ حجتهم في ذلك قالوا: لأن الحكمة من جواز المسح على العمامة مشقة النزع، وهذا لا يتحقق في عمامة وضعت على الرأس دون أن تكون محنكة، لكن المحنكة يصعب على الإنسان نزعها، أما ذات ذؤابة فلأن هذه العمامة المشهورة عند العرب وفاقدتها لا تسمى عمامة، ولكن هذا فيه نظر، والصواب أنه يجوز أن نمسح على العمامة الصماء التي ليست ذات ذؤابة، ولا محنكة. أما الأول فنقول: أين الدليل على أنه لابد أن تكون محنكة، والتعليل بأنه لمشقة النزع؟ يقال: إن هذا لا يقاس على الخف؛ لأن أصل تطهير الرأس مخفف، ثم إنه قد يشق على الإنسان ليمسح الرأس؛ لأن بعض العمائم يكون لياتها كثيرة فلو نزعها بقي وقتا يرد طيها. وثانيا: أن هناك أذى؛ لأن العمامة لابد أن تكسب الرأس حرارة فإذا كشفها أو نزعها ليمسح الرأس في أيام الشتاء خاصة، فإنه يتأذى بذلك وربما يتضرر؛ لأنه سيقابل رأسه برودة. فالصواب - إذن-: أنه لا يشترط في العمامة أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة، وأما كون هذه عمائم العرب فإن سلم هذا فالنصوص جاءت مطلقة بدون تقييد. فإن قال قائل: وهل تجيزون المسح على الطاقية والغترة؟ فالجواب: لا؛ لأنها لا تسمى عمامة، وليس فيها أدنى مشقة، لكن هناك شيء لا يقاس على العمامة وهو القبع الذي يلبس على الرأس في أيام الشتاء، وهو قبع من صوف أو من قطن يلبسه الإنسان على رأسه ويكون له فتحة للوجه وطوق على العنق، فهذا لا شك أن المسح عليه جائز وهو أولى بجواز المسح من العمامة؛ لأن هذا يشق على الإنسان أن يخلعه، وهو أيضا أشد ضررا على الرأس من خلع العمامة؛ لأنه يستعمل غالبا في أيام الشتاء. فإن قال قائل: وهل تجيزون المسح على الرأس إذا كان ملبدا بالصمغ والعسل وما أشبه ذلك؟

стр. 189

فالجواب: نعم نجيز هذا؛ لأن النبي ﷺ في حجة الوداع قد لبد رأسه، وهذا مما يدلك على أن المسح على ما فوق الرأس أمر ميسر. فإن قال قائل: فالنساء تلبس حليا على رأسها وتشبكه في الشعر وتخيطه عليه فهل يلزمها نزعه عند الوضوء أو تمسح عليه؛ لأن مشقة هذا أيضا شديدة، وكما سمعتم أن المسح على الرأس أمر مخفف. "التساخين" يقول: هل الخفاف، يؤخذ من هذا الحديث جواز المسح على الجوارب؛ لأن عموم قوله: "التساخين" وإن فسرت بالخفين فإنها من باب تفسير الشيء ببعض معناه، فالتساخين كل ما تسخن به الرجل من جوارب وخفاف وغيرها. فهل يجوز المسح على الخف الرقيق أو المخرق؟ الجواب: نعم على القول الراجح؛ لأن هذا يحصل فيه تسخين القدم. وهل يجوز المسح على اللفائف، يعني: لو كان هناك برد شديد، أو حر شديد فلوقاية الرجل لف عليها لفائف فهل يجوز المسح عليها؟ الجواب: نعم، لا شك في هذا؛ لأن إزالة هذا الملفوف أشد من الخف أو الجورب. فإن قال قائل: وهل يجوز المسح على الخف المخرق؟ قلنا: نعم ما دام اسم الخف باقيا أو اسم الجورب باقيا، فإنه يجوز المسح عليه؛ لأن النصوص جاءت مطلقة، ثم إن المقام مقام رخصة وتسهيل، وإذا كان المقام رخصة وتسهيل فلا ينبغي أن نشدد على عباد الله في شيء لم يثبت في شريعة الله، وهذه قاعدة يجب على الإنسان أن يهتم بها، أي شرط تشترطه في أي حكم من الأحكام فاعلم أنك بذلك ضيقت الشريعة؛ لأن الشروط قيود، وإذا قيد المطلق صار تضييقا على الناس، فأي شرط تضيفه إلى حكم من الأحكام فاعلم أنك ضيقت شريعة الله، وسوف يحاسبك الله على هذا؛ لأن الله أطلق لعباده ويسر لعباده، ثم تأتي أنت بزيادة قيد أو شرط لم يكن موجودا في القرآن والسنة ولا القياس الصحيح، فإنك سوف تحاسب على هذا. حكم المسح على الخفين في الجنابة: ٥٨ - وعن عمر ﵁ موقوفا- وعن أنس - مرفوعا-: "إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من الجنابة". أخرجه الدارقطني، والحاكم وصححه.

стр. 190

قوله: "إذا توضأ أحدكم" متى يصدق على الإنسان أنه توضأ؟ إذا أتم طهارته: إذا غسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، وغسل رجليه، صح أنه توضأ، وقوله: "فليمسح عليهما وليصل فيهما" اللام في هذين الفعلين للأمر، ولذلك سكنت اللام لوقوعها بعد الفاء في الجملة الأولى، وبعد الواو في الجملة الثانية. ففي هذا الحديث دليل على فوائد: منها: أنه لا يجوز المسح على الخفين إلا إذا لبسها بعد استكمال الطهارة، وهذا يؤخذ من قوله: "إذا توضأ". ومن فوائد هذا الحديث: أنه يرجح القول في أنه غسل الرجل اليمنى وأدخلهما الخف، ثم اليسرى وأدخلها الخف، فإذا لا يسمح لأنه أدخل اليمنى قبل أن يتم وضوءه، فإذا صح هذا الحديث فإنه يرد القول بأنه يجوز أن يدخل الرجل اليمنى قبل أن يغسل اليسرى ثم يغسل اليسرى ويدخلها وهذا جائز عند شيخ الإسلام ﵀ وجماعة من العلماء، وقال: إنه لا ينافي حديث المغيرة "إني أدخلتهما طاهرتين"، لكن إذا صح هذا الحديث فهو واضح أنه لابد من استكمال الطهارة، والأمر سهل، يعني: لا يبقى عليك أن تخرج من الشبهة إلا أن تؤخر إدخال اليمنى حتى تغسل اليسرى. ومن فوائد هذا الحديث: ترجيح المسح على الخلع للابس الخف لقوله: "فليمسح عليهما، ولا يخلعهما" وقد سبق بيان ذلك. ومن فوائد هذا الحديث: الصلاة في الخفين لقوله: "فليصل فيهما". فإن قال قائل: أرأيتم لو كان فيهما قدرا نجسا؟ قلنا: لا يصلي فيه حتى يطهره، وبماذا يطهرهما؟ يطهرهما بالتراب يمسح الخف في الأرض حتى تزول النجاسة؛ لأنه هكذا جاءت السنة، وأما قول من يقول: لابد من غسلهما فهذا قول ضعيف لمخالفته السنة من وجه؛ ولأن فيه مشقة على الإنسان؛ لأنه لو غسل الخف ثم لبسه تأذى بالبرودة؛ ولأن فيه إفسادا للخف فعلى كل حال لا شك أن تطهير الخفين بالتراب. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا مسح على الخفين في الجنابة لقوله: "ولا يخلعهما إن شاء الله إلا من الجنابة" وسبق ذلك، وبيان الحكمة من كون الجنابة لابد فيها من غسل الرجل. ٥٩ - وعن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ "أنه رخص للمسافر ثلاثة أيتام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه: أن يمسح عليهما". أخرجه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة.

стр. 191

يقال في قوله: "إذا تطهر". ما قيل في قوله: "إذا توضأ"، والباقي واضح. ٦٠ - وعن أبي بن عمارة ﵁ أنه قال: "يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوما؟ قال: نعم. قال: ويومين؟ قال: نعم. قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت". أخرجه أبو داود، وقال: ليس بالقوي. عندي تعليق على هذا: قال الإمام أحمد: رجاله لا يعرفون، وقال الدارقطني: هذا إسناد لا يثبت. وقال ابن معين: إسناد مظلم. الحديث هذا يدل على أنه لا توقيت في المسح على الخفين؛ لأن النبي ﷺ قال: نعم وما شئت"، لكنه إذا كان لا يثبت عن النبي ﵊ فإنه لا عبرة به، ولا يرجع إليه، وذكره المؤلف ﵀ ليبين قول أبي داود فيه، وقال: ليس بالقوي، وبعض العلماء قال: إنه يصح هاذ الحديث ويحمل على الضرورة، بأن يكون الإنسان مسافرا لا يتمكن من الحصول على الماء لغسل الرجلين في كل وضوء، أو يكون في مكان بارد بحيث لو خلع الخف لسقطت أصابعه من البرد، أو ما أشبه ذلك، ولكن هذا محمل ضعيف؛ لأن الحديث ليس فيه هذا، ويكفينا أن نقول: هذا الحديث لم يثبت عن النبي ﷺ ، والأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على التوقيت فيؤخذ بها، أما مسألة الضرورة كما لو كان الإنسان في جو بارد شديد يخشى على قدميه من التفتر، أو من سقوط الأصابع من البرد فهذا يقال فيه: إنه يعامل معاملة الجبيرو، يعني أنه يمسح عليه ما كان محتاجا. ٥ -

стр. 192

٦ - باب نواقض الوضوء "نواقض" جمع ناقض، ويجوز أن يجمع فاعل لغير من يعقل على فواعل، ونواقض الوضوء: هي مفسداته، واعلم أن العلماء ﵏ يعبرون عن المفسدات تارة بالمبطلات، وتارة بالمفسدات، وتارة بالنواقض، وكل هذا التعبير بمعنى واحد، واعلم أيضا أن الأصل بقاء الوضوء وصحة الوضوء، ما دام قد توضأ على وجه شرعي، فمن ادعى أن شيئا ما ناقض فعليه الدليل، هذا الأصل اجعله معك، كما أن الرجل لو كان متوضئا ثم شك هل أحدث فماذا يصنع؟ يبني على أنه متوضئ، كذلك إذا قال قائل: هذا ينقض الوضوء: قلنا: الأصل عدم النقض فلا ينقض الوضوء شيء إلا إذا ثبت بالسنة، أو بالقرآن، والقرآن ذكر الله فيه ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: ٦]. والسنة جاءت بأشياء أخرى تتبين - إن شاء الله- فيما بعد. أسئلة: - أحاديث المسح على الخفين متواترة، والمتواتر يفيد العلم فهل دل عليه القرآن؟ نعم، قراءة الكسر. لو قال قائل: قراءة الكسر تفيد جواز المسح، وقراءة الفتح تفيد وجوب الغسل، أفلا يمكن أن نجعل الإنسان مخيرا بين هذا وهذا؟ لا يجوز ذلك لأن السنة تفسر القرآن، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يمسح على قدميه. - أيهما أولى أن يمسح أو يغسل؟ المسح. - ما هو دليلك على أن الأولى المسح إذا كانت مستورة؟ قوله للمغيرة: "دعهما". - يرى شيخ الإسلام وجماعة من العلماء أنه يجوز للمتوضئ أن يغسل رجلا ويدخلها الحف، ويغسل الأخرى ويدخلها الخف فما صحة هذا الرأي؟ هو خطأ؛ لأن الأحاديث اشترطت الطهارة الكاملة. - المدة للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ما هو الدليل؟ حديث علي. - في هذا الحديث ما يدل على أن الرافضة يتبعون أهواءهم في شريعة الله كيف ذلك؟ لأنه من رواية علي، وهم يدعون أنهم شيعته ومع ذلك لم يأخذوا به. - متى ابتداء المدة؟ من أي حديث يؤخذ؟ من قوله: "ترخص في المسح". - إذا مسح عن تجديد فهل يصح؟ - في حديث أبي بن عمارة إشكال، ما هو؟ قوله: "وما شئت". - كيف نجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى؟ هو ضعيف فلا يعارض الأحاديث الأخرى. - لو لبس الخفين على غير طهارة؟ لا يمسح، ما الدليل؟ قوله: "أدخلتهما طاهرتين". - ما العمل لو مسح وصلى، بماذا نفتيه؟ نفتيه بإعادة الوضوء والصلاة. -

стр. 193

لماذا؟ لأن الوضوء غير صحيح. - هل يجوز المسح على العمامة؟ نعم. - هل لها مدة معينة؟ ليس لها مدة. ما الدليل؟ عدم الدليل على مدة محددة. - لو قال قائل: نقيسه على الخفين لا يصح، لماذا؟ لأن الرأس خفف في طهارته لا يجب فيه إلا المسح. - الطهارة الكبرى وهي طهارة الجنابة هل فيها شيء ممسوح؟ ليس فيها شيء ممسوح إلا الضرورة فقط، وهي الجبيرة أما التيمم فهو مسح في الطهارة الصغرى والكبرى. قاعدة مهمة: نواقض الوضوء: هي مفسداته، واعلم أن العلماء ﵏ أحيانا يقولون: مفسدات العبادة، أو مبطلات العبادة، أو نواقض العبادة، أو موجبات العبادة، وهذا اختلاف تعبير والمعنى واحد. - ما هو الأصل: هل هو بقاء الوضوء أو عدمه؟ بقاؤه وبناء على هذا الأصل يبقى الإنسان على وضوئه حتى يوجد دليل صحيح يدل على انتقاض الوضوء، هذه القاعدة لابد أن تؤسسوها بمعنى أن الوضوء صحيح باق، ولا يمكن إزالة هذا الأصل إلا بدليل صحيح. فلنبدأ الآن بالنواقض، يقول المؤلف ﵀: حكم نقض الوضوء بالنوم: ٦١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ على عهده- ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون". أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم. "كان أصحاب رسول الله ﷺ " من خصائص النبي ﷺ أن الرجل يكون من أصحابه وإن لم يلازمه، بل لو اجتمع به مرة واحدة مؤمنا به فهو من أصحابه وغيره لا يكون الصاحب إلا مع الملازمة، إذن أصحاب النبي المراد بهم من اجتمع به مؤمنا به ومات على ذلك، وسواء كان مؤمنا به حقيقة، أو حكما. الحقيقة: أن يكون بالغا عاقلا، أو مميزا يؤمن بالرسول ﵊. والحكم: أن يكون طفلا لا يعقل كمحمد بن أبي بكر ﵄ فإن ولد في حجة الوداع وهو صحابي لكنه مجتمع به حكما.

стр. 194

وقوله: "ينتظرون العشاء" يعني: العشاء الآخرة، واعلم أن الأعراب يسمون العشاء "العتمة" فنهى النبي ﷺ عن ذلك؛ وقال: "لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء العتمة، فإنها في كتاب الله العشاء". هذا الحديث أو معناه المهم أنه لا ينبغي أن تسمى العتمة بل تسمى العشاء، كما سماها الله ، "حتى تخفق رءوسهم" أي: تنزل من النعاس، "ثم يصلون ولا يوضئون". "وأخرجه أبو داود وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم". في هذا الحديث دليل على فائدة مهمة وهي: أن ما فعله الصحابة في عهد النبي ﷺ هو حجة، سواء علمنا أنه اطلع عليه أم لم نعلم، فإن علمنا أنه اطلع عليه فواضح أنه حجة، وجه وضوحه: إقرار النبي ﷺ على ذلك، وإن لم نعلم أنه اطلع عليه فقد اطلع عليه الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وسكوت الله عنه دليل على أنه رضيه؛ لأنه لو فعل أحد شيئا على وجه الاختفاء والله تعالى لا يرضاه بينه الله، كما قال تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا [النساء: ١٠٨]. فدل هذا على أن ما فعل في عهد الرسول ﵊ أو قيل في عهده هو حجة، سواء علمنا أن النبي ﷺ اطلع عليه أم لم نعلم، وهذه فائدة مهمة من أمثلتها هذا الحديث. لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن النبي ﷺ ما اطلع عليه؟ نقول: إذا قدرنا فرضا أنه لم يطلع فقد اطلع عليه الله، ومن ذلك أن القول الراجح جواز إمامة المفترض بالمتنفل، يعني أن يكون الإنسان يصلي نفلا ووراءه من يصلي فرضا، والدليل فعل معاذ ﵁ فقد ان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. فإذا قال قائل: وهل علمنا أن الرسول ﷺ اطلع على ذلك؟ نقول: على تقدير أنه لم يطلع فقد اطلع عليه الله وأقره، مع أنه يبعد أن الرسول ﵊ لم يطلع على ذلك، وقد حصل ما حصل من تخلف الرجل عن الصلاة مع معاذ لتطويله ووعظ النبي ﷺ معاذا، المهم أن هذه القاعدة مفيدة جدا، وقد رأينا كثيرا من العلماء ﵏ عند الجدال في مثل هذه الأمور يقول: ومن الذي أعلمنا أن الرسول ﵊ اطلع فنقول: الحمد لله إذا لم نعلم أن الرسول اطلع فقد اطلع عليه الله؛ ولهذا إذا استخفى أحد بشيء لا يرضاه الله بينه الله .

стр. 195

من فوائد هذا الحديث: أن عمل الصحابة حجة، وهذا في عهد الرسول ﵊ لا إشكال فيه؛ لإقرار الله ورسوله عليه، لكن بعده هل يكون فعل الصحابة حجة؟ الجواب: إن أجمعوا على ذلك فهو حجة، ولا شك أن إجماعهم أمر يمكن الاطلاع عليه، والمراد بالإجماع الذي يعتبر: إجماع أهل العلم أهل الاجتهاد، وهؤلاء يمكن حصرهم في عهد الصحابة ﵃، فإذا كانوا قد أجمعوا على القول أو على الفعل فالأمر واضح في أنه حجة وإن انفرد به أحدهم فإن انتشر وشاع مثل أن يقول أحدهم قولا حال خطبة من الناس أو ما أشبه ذلك فهذا يقال فيه: إنه كالإجماع فيكون حجة، ومن ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حدث الناس على المنبر وذكر لهم التشهد فقال: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" كما رواه الإمام مالك في الموطأ بسند صحيح لا غبار عليه، قال ذلك في مجمع الصحابة وهو يعلم الأمة الإسلامية، هذا التشهد الذي علمه النبي ﷺ أمته؛ فبهذا تقدم هذا الأثر - عن عمر- على قول ابن مسعود ﵁، "كنا نقول السلام عليك أيها النبي وهو حي فلما مات كنا نقول: السلام على النبي". فيقال: هذا اجتهاد من ابن مسعود ﵁ لكنه في مقابلة النص، والنبي ﷺ علم أمته أن يقولوا هذا ولم يفرق بين حياته وموته، ولا بين الحاضرين معه في المسجد والغائب، وما أكثر المصلين الذين يصلون مع غير النبي ﷺ ، ثم إن المصلين أنفسهم هل إذا قالوا: "السلام عليك أيها النبي" يقولونها وكأنما يقولونها إذا مروا به بحيث يتلقون منه الرد؟ الجواب: لا؛ ولهذا يقولونها سرا، والرسول لا يعلم بهذا، والأمر واضح في مثل هذه الأمور. إذن إذا أجمعوا على القول فهو حجة، وإذا انفرد به أحد واشتهر ولم ينكر فهو حجة، وإذا قال به أحد ولم يعلم أنه انتشر فإن كان ممن نص النبي ﷺ على اتباعهم فهو حجة بالسنة لا بأنهم صحابة مثل أبي بكر وعمر فإن النبي ﷺ حث على الاقتداء بهما بأعيانهما، فقل: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".

стр. 196

وقال ﵊: "إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا". وإذا كان هذا في قضية خاصة فإنا نقول: نقيس بقية القضايا عليها، وأن هذين الرجلين الخليفتين الراشدين أقرب إلى الصواب من غيرهما بلا شك، وإن كان من غير الخلفاء من غير من نص عليه، فإن كان من فقهاء الصحابة المعروفين بالتحري وسعة العلم فقولهم حجة، وإن كان من عامة الصحابة فقد أرى الإمام أحمد ﵀ أن قول الصحابي مقدم على القياس، وأنه حجة لكن في النفس من هذا شيء؛ لأن بعض الصحابة كرجل جاء وافدا إلى الرسول ﵊ وتلقى منه ما تلقى من الفقه في الدين، ثم رجع إلى قومه فإذا قال قولا من غير ما أخذه من الرسول ففي النفس من هذا شيء أي أن يكون حجة على الأمة يلزمها الأخذ به. فإذا قال قائل: لماذا جاء المؤلف بهذا الحديث؟ نقول: أتى به إشارة إلى أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء، فلنتكلم على النوم: النوم ذكر فيه الشوكاني في نيل الأوطار ثمانية أقوال للعلماء؛ لأن العلماء تنازعوا فيه بناء على اختلاف الأحاديث، واختلاف الأحاديث - والحمد لله- اختلاف لفظي، إذ يمكن الجمع بينهم، فهل النوم ناقض للوضوء؟ الجواب: فيه خلاف ثمانية أقوال: منهم من قال: إنه لا ينقض مطلقا، ومنهم من قال: إنه ينقض مطلقا، ومنهم من فصل في هذا، وهذا القول الأخير هو الصواب، الصواب التفصيل في النوم لن النوم نفسه ليس حدثا حتى نقول إنه ينتقض قليله وكثيره كالبول والغائط، وإنما النوم مظنة الحدث لحديث: "العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء". فهو مظنة الحدث، وإذا كان مظنة الحدث نظرنا إذا كان نوما مستغرقا بمعنى أن الإنسان لو أحدث لم يحس بنفسه، النوم هنا ناقض لاحتمال أن يكون أحدث ولم يشعر بنفسه، وسواء كان مضطجعا او جالسا أو راكعا أو قائما على كل حال نقول: إذا كان لو أحدث لم يحس بنفسه فإن نومه ينقض الوضوء، وأما إذا كان لو أحدث لأحس بنفسه، فإن نومه لا ينقض الوضوء حتى لو تراءى له حلم أو رؤيا، أو كان مضطجعا أو متكئا، أو ساجدا، أو راكعا ما دام يقول له أحدث لأحس فالنوم لا ينقض الوضوء، حتى لو بقي ساعة أو ساعتين ينفث وهو يعلم أنه لو أحدث لأحس فإنه لا ينتقض وضوؤه؛ لماذا؟ لأن الأصل بقاء الوضوء فلا تنقضه بالشك. فإذا قال قائل: وإذا كان نائما ولا يحس بنفسه لو احدث فهل نتيقن أنه أحدث؟ لا، إذن

стр. 197

كيف ننقض الوضوء به ونحن نقول: أن الأصل بقاء الوضوء فلا ينتقض إلا بيقين؟ نقول: لأن هذا النوم مظنة الحدث، وانضباط القضية عليه انضباط العلة غير ممكن وما كان انضباط العلة فيه غير ممكن استوى فيه ظهور العلة وعدمها هاذ وجه المسألة، وأيضا عندنا دليل: حديث صفوان بن عسال السابق يقول: "ولكن من غائط، وبول، ونوم"، فهذا حديث فنأخذ به. لو قال قائل: إذا زال العقل بغير نوم، كما لو أغمى على الإنسان فهل ينتقض وضوؤه بالقليل والكثير؟ الجواب: نعم؛ لأن الإغماء يفقد فيه الإنسان الإحساس ولا يمكن أن يقول لو أحدث لأحس فالإغماء ينتقض به الوضوء مطلقا؛ ولهذا لو أن رجلا أغمي عليه يوما كاملا وأفاق من الإغماء فإنه لا يلزمه قضاء الصلاة، ولو نام كاملا لزمه قضاء الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، وأما الإغماء فلا يجب فيه قضاء الصلاة؛ لأن المغمى عليه لا يمكن أن ينتبه حتى لو نبه وأوقظ لا يمكن أن ينتبه فهو بمنزلة المجنون الذي لا يمكن أن يحس بأحد. ومن فوائد هذا الحديث: أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة لقوله: "ثم يصلون" لكن الاستدلال هنا ضعيف؛ لأن القضية قضية عين يتحدث عنهم وهم ينتظرون صلاة العشاء لكن هناك أحاديث تدل على أن الوجوب لا يجب إلا للصلاة بلفظ النبي ﷺ ساقها شيخ الإسلام ﵀ في انتصاره لما ذهب إليه من أن الطواف بالبيت لا يشترط له الوضوء، وذكر أدلة إذا طالعها الإنسان تبين له أن هذا هو الحق وأن الطواف بالبيت لا يشترط له الوضوء، وبناء عليه لو أحدث الإنسان في أثناء الطواف فليستمر لو وصل إلى المسجد الحرام في الزحام الشديد وهو لم يتوضأ، نقول: طف ولا نلزمه أن يذهب مع هذه المشقة ليتوضأ، أما إذا كان الأمر ميسرا فلا شك أن الوضوء أفضل احتياطا واتباعا لأكثر العلماء، وأنه إذا انتهى من طوافه فسوف يصلي ركعتين والصلاة يجب لها الوضوء بالإجماع ثم قال: عدم جواز صلاة الحائض: ٦٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حيبش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي". متفق عليه.

стр. 198

- وللبخاري: "ثم توضئي لكل صلاة". وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا. قوله: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ " لأن النساء يأتين إلى الرسول ﵊ ويسألنه حتى بحضرة الرجال، حتى إنهن ليقلن الكلام الذي يستحي منه الرجل في حضرة الرجال؛ ولعله مر عليكم قصة عبد الرحمن بن الزبير الذي تزوجته امرأة طلقها زوجها ثلاثا فجاءت تشكو إلى النبي ﵊ وقالت: إن رفاعة القرظي طلقها ثلاثا، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب وأشارت بثوبها - يعني: أنه لا يستطيع الجماع-، فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". وبهذا نعرف أن صوت المرأة ليس بعورة، بل إن القرآن دل على أن صوت المرأة ليس بعورة ﴿فلا تخضعن بالقول﴾ [الأحزاب: ٣٢]. لم يقل: فلا تكملن أو تقلن، وبينهما فرق. فإن قال قائل: ألم يقل الرسول ﵊ تسبح الرجال وتصفق النساء؟ قلنا: بلى لكن هذا من باب الاحتياط في درء الفتنة؛ لأن المرأة لو سبحت في الصلاة ربما يكون صوتها رخيما وتؤديه على وجه يحصل به الفتنة للمصلين فمنع منه، أما مطلق القول فإنه لا بأس به. تقول: "إني امرأة أستحاض فلا أطهر"، أستحاض؛ يعني: يشتد مع الحيض، وفرق بين أستحاض وأحيض، الفرق بينهما: أن الاستحاضة كثرة الدم، والحيض أقل يأتي في أوقات معلومة. "فلا أطهر" وظاهر الحديث أنها يأتيها الدم في كل الوقت ولا تطهر "أفأدع الصلاة؟ ". قال: "لا، إنما ذلك عرق" لماذا استفهمت عن ترك الصلاة؟ لأنه من المعلوم أن الحائض لا تصلي وهي تظن أن هذا الدم حيض، فسألت أتدع الصلاة أم لا. قال: لا، تقول: "إني امرأة أستحاض فلا أطهر" أي: يأتيها الحيض بكثرة لأن "أستحاض" فيها حروف زائدة، وقد قيل: إن زيادة المبنى زيادة في المعنى، وهذا ليس بدائم فمثلا: رجل رجال، رجال زائدة في المبنى وهي زائدة في المعنى هذه قاعدة أغلبية، وإلا فقد يكون النقص في المبنى زيادة في المعنى كما لو قلت: شجرة وشجر، شجرة، حروفها أربعة، شجر حروفه ثلاثة، وأيهما أكثر شجرة لكن الغالب أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، إذن: أستحاض" معناها: تأتيها حيضة كثيرة تستمر معها؛ ولذلك قالت مفسرة هذه الاستحاضة: "فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ " يعني: أتركها،

стр. 199

قال: "لا"، لا تدعي الصلاة، بل صلي ثم علل هذا الحكم فقال: "إنما ذلك - بالكسرة- عرق" لأن الكاف في اسم الإشارة يراعى فيها جانب المخاطب، واسم الإشارة يراعى فيه جانب المشار إليه، فإذا قيل أشر إلى اثنين مخاطبا جماعة رجال نقول: "ذانكم" أشر إلى جماعة رجال مخاطبا إناث "أولائكن"، أشر إلى واحد مخاطبا إناثا، "ذلكن" في القرآن الكريم ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢]. هنا في الحديث "ذلك" المخاطب امرأة، والكاف إذا خوطبت بها امرأة تكون مكسورة، و"ذا" اسم إشارة لمذكر مفرد وهو الدم يعني إنما الدم دم عرق، واعلم أن هذا هو المشهور في اللغة أن الكاف إنما يراعى فيها جانب المخاطب إن كان مفردا مذكرا فهي مفتوحة، وإذا كانت مفردة مؤنثة فهي مكسورة، جماعة نسوة تقترن بها النون "كن" جماعة رجال تقترن بها الميم "كم"، مثنى لذكور أو إناث تقترن فيها الميم والألف كما، هذا هو الأفصح في اللغة العربية، وجاء في اللغة أيضا فتحها لمخاطبة الذكور مطلقا، ولو كانوا اثنين أو جماعة، وكسرها للإناث مطلقة سواء كن اثنين أو جماعة، وجاء فتحها مطلقة في الإفراد باعتبار الشخص ذلك يعني أخاطب هاذ الشخص، ولو كان أكثر من واحد، وقوله: "إنما ذلك عرق" فرق النبي ﷺ بين دم الحيض وهذا الدم، هذا قال: "إنه دم عرق"، ودم الحيض دم طبيعة وجبلة كتبه الله تعالى على بنات آدم منذ خلقهن فهو دم طبيعة يأتي بغير سبب، لا مرض ولا جراحة ولا غير ذلك طبيعي، قال العلماء: ويخرج - أي: دم الحيض- من عرق في قعر الرحم، وللأطباء المتأخرين فيه كلام أكثر من هذا، فالمهم أن النبي ﷺ فرق بين دم الحيض، ودم الاستحاضة بأن دم الاستحاضة "دم عرق"، قال: "وليس بحيض" أيضا لما أثبت ذاك نفى عنه الحيض، قال: "وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة"، وبماذا تعرف إقبال الحيضة؟ تعرف إقبال الحيضة إذا كانت معتادة يعني: لها عادة سابقة قبل الاستحاضة، فإقبال الحيضة إقبال المدة، وإن لم يكن لها عادة، فإقبال الحيضة تغير الدم، فمثلا امرأة كانت من عادتها أن تحيض في أول يوم من الشهر ستة أيام، ثم ابتليت بالاستحاضة وصار الدم معها دائما، هذا الحيض تجلس في الشهر الثاني من أول يوم إلى ستة أيام والباقي استحاضة، تصلي وتصوم وتعمل كل ما تعمل الطاهرات، إذن إقبال الحيضة نقول في المعتادة إقبال أيام عادتها، وفي غير المعتاد إقبال التمييز، كيف التمييز؟ الفقهاء ﵏ يقولون: التمييز من ثلاثة وجوه: أولا: دم الحيض أسود، ودم الاستحاضة أحمر. ثانيا: دم الحيض ثخين، ودم الاستحاضة رقيق. ثالثا: دم الحيض له رائحة منتنة، ودم الاستحاضة ليس له ذلك.

стр. 200

ورابعا: قال المتأخرون المعاصرون (الأطباء): دم الحيض لا يتجلط، ودم الاستحاضة يتجلط - يعني: يتخثر، أي: يجمد-، ودم الحيض لا يجمد سائل، وعللوا ذلك بتعليل طبي أن دم الحيض عبارة عن انفجار كرات الدم في قاع الرحم بعد تصلبها في الرحم فلا تعود مرة أخرى إلى التصلب بخلاف دم الاستحاضة فإنه لم يسبق أن يتجمد فلذلك يتجمد إذا خرج كسائر الدماء، الإنسان لو جرح أصبعه ثم تخثر الدم تجمد، فهذه أربعة فروق، إذن النبي ﵊ فرق بين الدمين، قال: "فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة" يعني: لا تصلي، "وإذا أدبرت" معنى أدبرت: إن كانت معتادة يعني انقضت أيام عادتها، وإن كانت غير معتادة ولا تمييز انقطع الدم الأسود التخين المنتن "فاغسلي عنك الدم ثم صلي"، الدم" يعني دم الحيض، وهذا يعني ان تطهر منه ولابد أيضا أن تغتسل، "ثم صلي ما أدركت وقته"، قال وللبخاري: "ثم توضئي لكل صلاة"، وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا، ولكن الصواب مع البخاري ... "توضئي لكل صلاة"، هل المراد لوقت كل صلاة، أو لكل صلا تصليها حتى لو كانت تريد أن تجمع بين الصلاتين فلابد أن نتوضأ للصلاة الأولى والصلاة والثانية؟ فيها احتمالان؛ ولكن الأول هو الراجح أي: لوقت كل صلاة. من فوائد هذا الحديث: أن نساء الصحابة ﵅ لا يمنعهن الحياء من الفقه في الدين، والسؤال عنه. ومن فوائده: أنه قد تقرر أن الحائض لا تصلي؛ لقولها: "أفأدع الصلاة؟ " وهذا بإجماع العلماء، أجمع العلماء على أن الصلاة لا تجب على الحائض، وتحرم عليها ولا تصح منها، ولا يجب عليها قضاؤها، هذا بالإجماع، وظاهر الحديث صلاة الفريضة، والنافلة وهو كذلك، لأن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل. ومن فوائد هذا الحديث: الاقتصار في الجواب على ما يفيد لقوله: "لا" ولم يقل: لا تدعي الصلاة؛ لأن "لا" تكفي وخير الكلام ما قل ودل، ومثله: "نعم" في الإجابة. ومن فوائد هذا الحديث: حكمة النبي ﷺ في قرنه العلة بالحكم تؤخذ من قوله: "إنما ذلك دم عرق"، ووجه كون هذا حكمة: أن الحكم إذا علل ببيان علته ازداد الإنسان به طمأنينة في الحكم وينشرح به صدره. ومن فوائده - أي: من فوائد قرن العلة بالحكم-: أن الإنسان يعرف بذلك سمو الشريعة، وأنها لا تحلل ولا تحرم ولا توجب إلا لحكمة، لكن من الحكم ما نعلمها ومنها ما لا نعلمه. الفائدة الثالثة: أن العلة إذا كانت وصفا صار الحكم أعم لأنه يتناوله كلما كانت فيه هذه العلة، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿قلا لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما

стр. 201

مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وإلى قوله ﷺ حين أمر أبا طلحة: "إن الله ورسوله نهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس". نستفيد من هذه العلة أن كل نجس فهو حرام، وهو كذلك كل نجس حرام، وليس كل حرام نجسا، إذن قرن الحكم بالعلة له ثلاث فوائد، وإن شئت فقل: ثلاث حكم. ومن فوائد هذا الحديث: أن العرق لا يمنع الصلاة، يعني لو انبعث عرق من الإنسان في أي مكان من بدنه فإنه لا يمنع الصلاة، بل يجب على الإنسان أن يصلي ولو كان فيه هذا الدم، ولكن هل ينتقض وضوؤه، بمعنى: هل تلزمه أن يتوضأ لكل صلاة أو لا؟ في هذا تفصيل إن كان الدم من السبيلين - أي: من القبل والدبر - فإنه ينقض الوضوء ويلزمه إذا كان مستمرا أن يتوضأ لكل صلاة، وإن كان من غير السبيلين فإنه لا ينقض الوضوء ويلزمه إذا كان مستمرا أن يتوضأ لكل صلاة، وإن كان من غير السبيلين فإنه لا ينقض الوضوء، كما لو كان فيه رعاف دائم أو جرح دائم الجريان أو ما أشبه ذلك فإنه لا ينقض وضوؤه. ومن فوائد هذا الحديث: تفريق الأحكام أو تفرق الأحكام بتفرق الأسباب، الحيض سبب لترك الصلاة، والعرق ليس سببا لترك الصلاة، فتصلي. ومن فوائد هذا الحديث: رجوع المستحاضة إلى عادتها؛ لقوله: "إذا أقبلت حيضتك"، ولكن إذا كانت المستحاضة مبتدأة، يعني: لم يسبق لها عادة فإلى أي شيء ترجع؟ نقول: ترجع إلى التمييز؛ لأن الاستحاضة قد تصيب المرأة من أول ما يأتيها الحيض، فنقول: ترجع هذه إلى التمييز، فإذا كان في دمها دم أسود ثخين له رائحة فهو الحيض، وإن لم يكن كذلك فتبقى مشكلة وهي إذا لم يكن في دمها شيء بهذا الوصف أي ليس لها عادة، وليس عندها تمييز فماذا تصنع؟ قال العلماء - وجاء في السنة أيضا-: تجلس من أول وقت أتاها الحيض غالب ما تجلسه النساء، وهو ستة أيام أو سبعة من كل شهر، فمثلا إذا ابتدأ بها الدم في أول يوم من "محرم"، واستمر وليس لها عادة، وليس لها تمييز، نقول: تجلس في الشهر الثاني في "صفر" ستة أيام، أو سبعة، ثم تغتسل وتصلي وتستمر هكذا. فإن قال قائل: لماذا جعلتموها تجلس أول كل شهر؟ قلنا: لأن الله تعالى جعل عدة من لا تحيض ثلاثة أشهر، وعدة من تحيض ثلاثة قروء، فدل هذا على أن الحيض المعتاد يأتي المرأة كل شهر مرة وأولى ما نبتدئ المدة من ا, ل ما أتاها. إذا تعارض التمييز والعادة، امرأة معتادة يأتيها الحيض أول يوم من الشهر سبعة أيام كل ما

стр. 202

مضى من وقتها هكذا، ثم ابتليت بالاستحاضة فكان لها تمييز في نصف الشهر في الخامس عشر من الشهر يأتيها دم أسود ثخين منتن في أول الشهر الذي هو أول عادتها دم أحمر فهل تغلب التمييز أو تغلب العادة؟ فيها قولان، وهما روايتان عن الإمام أحمد: أحدهما: أن تغلب العادة لعموم قول النبي ﷺ : "إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة"، وقوله: "اجلسي قدر ما كانت حيضتك تحبسك"، ولم يفصل ولأن هذا أيسر للنساء إذا رجعن إلى العادة فهو أيسر؛ لأن تغير الدم قد يختلف على المرأة، قد يكون في أول الشهر، في وسطه، وقد ينقطع وقد لا ينضبط لكن إذا قلنا تعمل بالعادة، فالعادة منضبطة. الثاني: قال بعض أهل العلم: بل تعمل بالتمييز إذا تعارض التمييز مع العادة؛ لأنه ربما كان هذا المرض وهو الاستحاضة سببا في تغير العادة بحيث انتقل الحيض من أول الشهر إلى وسطه، ولا شك أن هذا له وجهة نظر قوية جدا، لكن كما قلت لكم: ظاهر السنة ورحمة الأمة أن ترجع إلى العادة والحمد لله ما دام الرسول ﵊ أطلق ولم يفصل فإننا نحمد الله على ذلك، ونقول بهذا لأنه أيسر للنساء. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب غسل دم الحيض لقوله: "ثم اغسلي عندك الدم"، وهل يعفى عنه - يعني: يسيره- الجواب: لا، لا يعفى عن يسيره؛ لأن النبي ﷺ قال في الثوب يصيبه دم الحيض "تحته ثم تقرصه، ثم تغسله، ثم تصلي فيه"، وهذا يدل على أن الواجب إزالة دم الحيض قليلا كان أو كثيرا، ولا يعفى عن شيء منه، دم الاستحاضة هل يعفى عنه؟ قال بعض العلماء: يعفى عنه؛ لأن النبي ﷺ قال: "إنه دم عرق"، والأطهر أنه لا يعفى عنه، وأن جميع ما خرج من السبيلين فهو نجس لا يعفى عنه إلا الماء الذي ينزل ويكون مستمرا مع المرأة وهو ما يسمى برطوبة فرج المرأة، فهذا طاهر. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب التطهر من النجاسة، من أين يؤخذ؟ من قوله: "ثم صلي"، و "ثم" للترتيب فلا يجوز للإنسان أن يصلي وبدنه متلطخ بنجاسة، فإن نسي وصلى فصلاته صحيحة لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فإن كان ليس عنده ما يزيل به النجاسة فليخففها ما أمكن وليصل. وهل يتيمم لنجاسة البدن؟ فقهاء الحنابلة ﵏ يقولون: يتيمم؛ لأن هذه طهارة تتعلق بالبدن فأشبهت الوضوء، والصحيح أنه لا يتيمم للنجاسة، بل يزيلها ويخففها ما أمكن، ثم يصلي على حسب حاله، ثم قال: "وللبخاري: "ثم عتوضئي لكل صلاة" الخطاب لمن؟

стр. 203

للمستحاضة "توضئي لكل صلاة"، وذلك لأن الدم مستمر، فتكون طهارتها بقدر الحاجة، ولا تحتاج للصلاة إلا إذا دخل وقتها، فلو توضأت لصلاة الفجر فهل تتوضأ لصلاة الضحى؟ الجواب: نعم، لأن الضحى لها وقت فلابد أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وألحق العلماء ﵏ بالمستحاضة كل من حدثه دائم كمن بوله دائم وغائطه دائم والريح تخرج من دبره دائما، فإنه يلحق بالمستحاضة، بمعنى: أنه لا يتوضأ إلا إذا دخل الوقت، ويتحفظ يعني يستثفر، وإذا خرج منه شيء بعد كمال التحفظ فإنه لا يضر ولا ينتقض به الوضوء. فائدة مهمة: قوله: "ثم صلى" هل المراد الصلاة المستقبلة، أو الصلاة الحاضرة أو الجميع؟ يعني: امرأة طهرت في وقت صلاة الفجر بعد طلوع الفجر، هل نقول: صلي الظهر فقط، أو صلي الفجر أيضا؟ تصلي الفجر حتى وإن تأخر تطهرها إلى بعد الشمس، فإنها لابد أن تصلي الفجر؛ لأنها مطالبة بالصلاة. ولكن كم القدر الذي تكون مدركة به وقت الصلاة؟ المذهب بقدر تكبيرة الإحرام، فإذا طهرت قبل طلوع الشمس بقدر قول: الله أكبر، وجب عليها أن تصلي الفجر، والصحيح أنه لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة كاملة لقول النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". يتفرع على هذا أنها إذا طهرت إذا طهرت في وقت الصلاة، هل يلزمها قضاء ما قبلها؟ فيه تفصيل: إن كان ما قبلها لا يجمع إليها فإنها لا تقضيه، كما لو طهرت في وقت الظهر فإنها لا تقضي صلاة الفجر؛ لأن الفجر لا تجمع إلى الظهر، وإن كانت تجمع كما لو طهرت في وقت العصر فهل تقضي الظهر أو لا؟ فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنها لا تقضي الصلاة؛ لأنه خرج وقت الظهر وهي معذورة لا تخاطب بالصلاة وكونها تجمع إلى هذه عند الضرورة لا يعني أنها تلزمها، وقد خرج وقتها وقد برئت ذمتها، ثم قول الرسول ﵊: "من أدرك ركعة"، أو قال: "سجدة من العصر قبيل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" ولم يقل: والظهر. فالصواب: أنه لا يلزمها إلا قضاء الصلاة التي طهرت في وقتها. امرأة طهرت قبل الفجر بساعة هل تلزمها صلاة العشاء؟ فيه خلاف، بعض العلماء يقول: تلزمها صلاة العشاء دون صلاة المغرب، وبعض العلماء يقول: تلزمها صلاة العشاء وصلاة المغرب، الصحيح أنها لا يلومها شيء لا صلاة العشاء ولا صلاة المغرب؛ لأن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، ولا

стр. 204

دليل على أنه يمتد إلى طلوع الفجر لا في القرآن، ولا في السنة، بل الدليل على خلاف ذلك، قال الله تعالى: ﴿أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾، ثم فصل، وقال: ﴿وقرءان الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقوله: ﴿لدلوك الشمس﴾ أي: زوالها، ﴿إلى غسق الليل﴾ أي: من نصف النهار إلى نصف الليل، هذا وقت لأربع صلوات نهاريتين وليلتين، ثم فصل، وقال: ﴿وقرءان الفجر﴾، أما السنة: فصريحة، فقد قال النبي ﵊: "وقت العشاء إلى نصف الليل". وهذا نص صريح واضح، وسبحان الله تجد الإنسان أحيانا يدع الأدلة وهي واضحة كوضوح الشمس، ويكون رأي أكثر العلماء على خلافه، مما يدل على أن الإنسان مهما كان فهو محل نقص. فإن قال قائل: إنه قد جاء الحديث عن النبي ﵊ إنه قال: "ليس في النوم تفريط". وإنما التفريط أو يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى. قلنا: نعم، ونحن نقول هذا، والمراد بالصلاة التي يمتد وقتها إلى وقت الأخرى وإلا فقولوا إن الفجر والظهر كالمغرب والعشاء، وهذا لا قائل به، والحكمة أيضا تقتضي ما قلنا؛ لأن الله - تعالى- جعل نصف النهار الأول ليس وقتا للفرائض ونصف الليل الثاني ليس وقتا للفرائض. الفقهاء ﵏ يقولون: فيمن ترى يوما دما ويوما نقاء فالدم حيض والنقاء طهر وهذا فيه مشقة، لكن بعض العلماء يقول: إن هذا التقطع يعتبر من الحيض، بمعنى أنها لا تصلي. أسئلة: - فيما سبق من حديث فاطمة ما يدل على أن الحائض لا تصلي، فما هو؟ - وهل يلزمها أن تقضي الصلاة؟ - هل في حديث فاطمة ما يدل على أن صاحب الحدث الدائم يصلي؟ - إذا كان رجل معه سلس بول لا ينقطع، أو ينقطع في وقت غير محدد فكيف يصنع إذا دخل وقت الصلاة؟ ولو كان يعتاد أنه يتوقف في آخر الوقت في وقت يتمكن من الوضوء والصلاة هل نقول آخر الصلاة أو صل في أول الوقت؟ نقول: أخر وجوبا؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها على سبيل الأفضلية؛ ولهذا قال الفقهاء: وإن اعتيد انقطاعه زمنا يتسع فيه للفعل تعين أن يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت. -

стр. 205

ما معنى الإقبال في قوله ﵊: "إذا أقبلت حيضتك"؟ الوضوء من المذي: ٦٣ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كنت رجلا مذاء، فأمرت المقداد أن يسأل النبي ﷺ فسأله؟ فقال: فيه الوضوء". متفق عليه، واللفظ للبخاري. قال: "كنت رجلا مذاء" هل المراد ب"كان" فيما سبق، أو المراد ب"كان" هنا تحقيق هذه الصفة؟ الجواب: الثاني؛ لأن "كان" تأتي ويراد بها تحقيق الصفة دون ملاحظة الزمن، وهي كثيرة في كتاب الله مثل قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء: ٩٦]. ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ [النساء: ١٣٤]. وما أشبه ذلك هذا ليس المعنى أنه كان في زمن مضى، بل المراد تحقيق هذه الصفة بقطع النظر عن الزمان، إذن "كنت رجلا مذاء" ليس فيما سبق، وأني الآن سلمت من المذي. وقوله: "مذاء" صيغة مبالغة؛ أي: كثير المذي، والمذي فيه لغتان: المذي وهي الأكثر، والمذي بتشديد الياء وهي لغة صحيحة، وهو ماء لزج يخرج عند الشهوة، وليس يخرج بشهوة ولا يلزم منه انتصاب الذكر، بل إذا أحس الإنسان بالشهوة مثلا بتقبيل أو نظر أو تذكر خرج منه هذا الماء، والناس يختلفون فيه منهم المقل، ومنهم المستكثر، ومنهم من لا يعرفه أبدا، علي بن أبي طالب ﵁ كان من الذين يلحقهم هذا كثيرا، فأمر المقداد أن يسأل النبي ﷺ . قوله: "أمرت المقداد" قد يقال: لماذا لم يسأل هو بنفسه وقد بين في رواية أخرى أنه استحيا أن يسأل النبي ﷺ لأن ابنة النبي ﷺ زوجته، وهذا يتعلق بالنساء، فاستحيا ﵁ أن يسأل النبي ﷺ ، وقد يقال: لماذا أمر المقداد؟ أليس هناك صحابة آخرون؟ فالجواب: بلى لكنه يتناوب هو المقدد بن الأسود في الأخذ عن رسول الله ﷺ ، كما كان عمر ﵁ يتناوب في الأخذ عن رسول الله ﷺ مع صاحب له. فلهذا أمره أن يسأل النبي ﷺ فسأله، فقال: "فيه الوضوء". والمؤلف ﵀ اختار هذه الرواية لمناسبة الباب وهو "نواقض الوضوء"، وإلا فلهذه القصة مناسبة أيضا في النجاسة، وكيف تزال، وهل المذي نجس أو غير نجس؟ لكن المؤلف - أعني: ابن حجر- اختار في بلوغ المرام هذه الرواية لأن المقصود موجود فيها، فقال: "فيه الوضوء" لكن لا مانع أن نذكر ما يتعلق بهذا فإن المقداد لما سأل النبي ﷺ قال: "يغسل ذكره ويتوضأ". وفي رواية: "اغسل ذكرك وتوضأ".

стр. 206

فأشكل هذا على العلماء: هل معناه أن علي بن أبي طالب سأل النبي ﷺ بنفسه كما جاء في بعض الروايات أنه سأل بنفسه، أو أن المعنى أن المقداد لما سأله قال: "اغسل ذكرك" لأن عليا هو الذي يروي الحديث الآن، والذي يروي الحديث سيحكي عن نفسه كأنه هو السائل، وإلا من المعلوم ان الرسول ﷺ لم يوجهه إلى المقداد على أنه هو المصاب بهذا، إنما وجهه إلى علي بن أبي طالب باعتبار أن عليا هو الذي رواه فكأنه نقله بالمعنى، أما إذا قلنا: "يغسل ذكره"، فلا إشكال لأن المقداد قد سأل النبي ﷺ عن الرجل يكون مذاء فماذا يصنع؟ فقال: "يغسل ذكره"، وقوله: "يغسل ذكره" معلوم أن الذكر يطلق على جميع القصبة ليس على ما أصابه المذي فقط، وإلا لقال: يغسل ما أصابه، بل قال: "يغسل ذكره". وفي رواية في غير الصحيحين: "وأنثييه". يعني: خصيتيه، فعلى هذا يغسل الذكر والأنثيين، كل الذكر. "قال فيه الوضوء" يعني: يغسل ذكره ويتوضأ، وفي بعض الألفاظ: "توضأ واغسل ذكرك". الآن الحديث في بيان حكم المذي هل ينقض الوضوء أو لا؟ ينقض الوضوء، ففي هذا دليل واضح على أنه ينقض لقوله: "فيه الوضوء، ولكن يقال: إذا كان الذكر يمذي دائما لأن بعض الناس يبتلى بهذا بأن يكون كل ما تذكر - ولو يسيرا- أمذى وهو لا يستطيع أن يعالج نفسه من التفكير فإنه يلحق بسلس البول إذا كان لا يستطيع منعه. هذا الحديث فيه فوائد متعددة: منها: جواز إخبارالإنسان عن نفسه بما يستحيا منه للحاجة، يؤخذ من قوله: "كنت رجلا مذاء" لأن هذا يستحيا منه عادة لكن إذا كان فيه مصلحة فلا بأس ولا يلام عليه الإنسان. ومن فوائد هذا الحديث: جواز التوكيل في الاستفتاء؛ لأن عليا وكل المقداد أن يستفتي عنه في هذه المسألة. ومن فوائده: جواز خبر الواحد في الأمور الدينية؛ وذلك لأن عليا إنما وكل المقداد من أجل أن يأخذ بما يخبر به، ويتفرع على هذا وجوب الأخذ بخبر الواحد. فإن قال قائل: وهل خبر الواحد يوجب العلم؟ قلنا: لا، لكن العمل أقل من العلم بمعنى أنه قد يجب العمل بما لا يفيد العلم؛ لأن الظن في العمل كاف فمثلا الواحد لا يفيد خبره العلم، بمعنى أنه إذا أخبرك لا يمكن أن يكون في قلبك علم يقيني، لكن في الأحكام يجب العمل به بخبر الواحد.

стр. 207

فإن قال قائل: وهل تقوم به الحجة- أي: بخبر الواحد- في الأمور العقدية؟ فالجواب: نعم، تقوم به الحجة ولا إشكال؛ ودليل ذلك أن الرسول ﷺ كان يبعث الرسل دعاة إلى الله دون أن يكون معهم أناس في هذا البعث، ويكتب أيضا للملوك ويذهب بها واحد من الناس، فالصواب أن خبر الواحد ملزم تقوم به الحجة، أما كونه يفيد العلم أو لا يفيد العلم، فهذا بحث آخر، والصواب أنه يفيد العلم بالقرائن، فمن القرائن أن تتلقى الأمة هذا الخبر بالقبول فإذا تلقته بالقبول - ولو كان عن واحد- فإنه يفيد العلم وأبرز مثال لهذا: قول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". فإن فرد في أوله فرد مطلق. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن لا يتحدث عند صهره بما يتعلق بالنساء من أين تؤخذ؟ حياء علي ﵁ من رسول الله ﷺ . فإن قال قائل: هل يجوز أن يمنعه هذا الحياء من التفقه في الدين؟ الجواب: لا؛ ولهذا أمر علي بن أبي طالب المقداد أن يسأل. ومن فوائد هذا الحديث: كمال أدب الصحابة ﵃، وذلك من فعل علي ﵁ حيث تجنب أن يسأل النبي ﷺ عن ذلك مع أن الرسول ﵊ يجب الصراحة، لكنه لما كان هذا من الأمور التي يستحيا منها أمسك عنها علي بن أبي طالب. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء من المذي؛ لقوله: فيه الوضوء وظاهر الحديث أنه لا فرق بين القليل والكثير، يعني: بالكمية لا بالزمن والاستمرار، وهو كذلك. ولكن هنا مسألة: وهي أن بعض الناس يبتلى بالوسواس فيتخيل كما حدثت معه الشهوة أنه أمذى ويتعب في الشتاء وفي الصيف، فهل يستجيب لهذا الوهم أو لا؟ الجواب: لا يستجيب لهذا الوهم؛ لأن الأصل عدمه؛ ولأنه لو استجاب لاستطرد به الشيطان وصار يوهمه في أشياء أعظم من هذا لذلك نقول: لا يستجيب لهذا الوهم وليعرض عنه. ومن فوائد هذا الحديث: في الروايات الأخرى أنه يجب غسل الذكر والأنثيين من المذي، وهل هذا تعبدي أو محسوس؟ ينبني على خلاف العلماء في قوله: "يغسل ذكره" هل المراد يغسل ذكره منه، فيكون مخصوصا بما أصابه المذي، فإذا قلنا: بهذا القول وقد قيل إنه قول الجمهور، إذا قلنا بهاذ القول صار غسله محسوسا أن أو تعبديا؟ محسوسا؛ لأن النجاسة يجب غسلها، كما لو كانت على ثوب أو عضو آخر، وإذا قلنا: إنه يجب غسل الذكر الأنثيين كما هو القول الراجح صار هذا تعبديا غير معقول، لكن ما الحكمة إذا كان غسله تعبديا؟ قال

стр. 208

العلماء: الحكمة من ذلك أن غسل الذكر والأنثيين يوجب تقلص القنوات التي منها المذي وأن هذا تطهير وعلاج فإنه يقلل. وقال بعضهم ولعلهم - أعني: القائلين بذلك-: قد مارسوا الغنم، قالوا: إن ضرع الشاة إاذ غسلته بماء بارد تقلص الحليب، على كل حال نقول: هو تعبدي لكن له فائدة وهي أن المذي يتقلص حتى ينقطع بإذن الله، بنى على هذا بعض العلماء - إذا قلنا: إنه تعبدي- فلابد فيه من نية، وإذا قلنا: عن شيء محسوس لم نحتج إلى نية وكيف يتصور أن يغسله الإنسان بلا نية؟ يتصور أن رجلا حصل منه المذي وانغمس في بركة ولم ينو غسل الذكر، فإن قلنا: إنه تعبدي لم يجزئه ذلك؛ لأنه ما نوى، وإذا قلنا: أجزأه فلأن النجاسة لا يشترط لها نية؛ ولهذا لو نزل المطر على ثوب معلق في السطح فإنه يصير طاهرا وإن لم يعلم به الإنسان. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يمنعه الحياء عن التفقه في دين الله، لأن الله لا يستحي من الحق؛ ولهذا كانت النساء تسأل رسول الله ﷺ عن الأمور التي يستحيا منها، حتى إن عائشة ﵂ أثنت على النساء اللاتي يفعلن هذا، فقالت: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". ولكن إذا دار الأمر بين التصريح والتلميح- مع أن الحاجة تزول بالتلميح وتتم المصلحة- هل الأولى التلميح أو التصريح؟ الأولى التلميح؛ لأننا نجد في القرآن الكريم أن الله يكني عن الجماع بالإتيان بالمس، وما أشبه ذلك مما يدل على أن التلميح أحسن، إلا إذا كان صاحبك لا يعرف التلميح فلابد أن تصرح، فلو سأل سائل شخصا فقال: إني أتيت أهلي في رمضان وهو لا يعرف ما معنى "أتيت" هذا لابد أن يصرح؛ لأنه ربما يفهم أتيت أهلي في رمضان أني قدمت عليهم من السفر، فإذا كان المسئول لا يفهم التلميح فلابد أن تصرح، أما إذا كان يفهم العبارة التي يحصل بها المقصود فيكفي، كذلك إذا كان الشيء لابد فيه من التصريح، فصرح؛ ولهذا لما جاء الرجل يعترف بالزنا عن النبي ﵊ قال له: "أتيتها" قال: نعم، قال له: "أنكتها"- لا يكني صراحة- قال: نعم، لأن هذا لابد أن يصرح به. أسئلة: - لماذا اختار علي المقداد دون سائر الصحابة؟ - ولماذا استحيا علي أن يسأل النبي ﷺ ؟ - المذي فيه لغتان ما هما؟ - ما هي حقيقة المذي؟

стр. 209

- هل الناس يختلفون في المذي؟ مسألة: الخارج من الذكر أربعة أشياء: البول، والودي، والمذي، والمني، هذا مع السلامة أما عد ما يخرج من الأشياء الأخرى إذا أصيب بمرض فهذا شيء آخر. المني معروف أنه طاهر، ويوجب الغسل، أي تطهير البدن كله. البول نجس ويوجب الوضوء. المذي نجس ويوجب الوضوء لكن نجاسته خفيفة، ويوجب زيادة على غسل ما أصاب الذكر أنه يغسل الذكر كله والأنثيين. الودي هو: عصارة البول فيكون حكمه حكم البول، وهو عبارة عن نقط بيضاء تخرج بعد انتهاء البول وكأنها عصارة من المثانة، والله أعلم. وحكمها حكم البول. فصار الخارج اثنين حكمهما واحد، وهما: البول والودي، واثنان يختلفان عنهما وفيما بينهما وهما: المذي والمني، المذي في حكمه في نجاسته وطهارته وسط بين المني والبول؛ لأن البول لابد فيه من الغسل، والمذي يكفي فيه النضح على القول الراجح، وهو أن يعم ما أصابه بالماء بدون دلك على البدن ولا عصر في الثياب، لكن المني أغلظ منه لأنه يوجب تطهير البدن كله. حكم نقض الوضوء بالقبلة: ٦٤ - وعن عائشة ﵁: "أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ". أخرجه أحمد، وضعفه البخاري. عائشة هي إحدى أمهات المؤمنين ﵅ وهي التي تزوجها النبي ﷺ بكرا، وهي أحب النساء إليه كما سئل من أحب النساء إليك؟ قال: "عائشة". وهي ﵂ ذكرت هنا أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه فمن هذا البعض؟ لعله هي لكن كنت عن ذلك بالبعض حياء أو غير ذلك من الأسباب، وقولها: "نسائه" يعني: زوجاته كما قال الله تعالى: ﴿ينساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن﴾ [الأحزاب: ٣٢]. "ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ"، ومن المعلوم تقبيل الإنسان لامرأته لاسيما إذا

стр. 210

كان يحبها أن يكون لشهوة، "ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ"، أخرجه أحمد، لكن ضعفه البخاري ﵀، ولكن المؤلف ﵀ أتى بهذا الحديث ليسدل به على أن مس المرأة وتقبيل المرأة لا ينقض الوضوء، والحقيقة أنه لا حاجة لأن تأتي بدليل على ذلك؛ لأن الأصل عدم النقض، فلا حاجة إلى أن نأتي بدليل على أنه لا ينقض إذ إن من ادعى أن مس المرأة لشهوة، أو لتقبيل أو غير ذلك ينقض الوضوء فعليه الدليل؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا القول - أعني: كون مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء- هو القول الراجح الذي لا تدل الأدلة على غيره، وقال بعض العلماء: إن مس المرأة مطلقا ينقض الوضوء، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وتوسط بعض العلماء فقال: إن كان لشهوة نقض الوضوء، وإن كان لغير شهوة لم ينقض الوضوء، وأظن أن هناك قولا بأنه إن مس من تحل له فإنه لا ينتقض وضوؤه، وإن مس من تحرم عليه فإنه ينتقض وضوؤه، ولعل هذا القول راعى قائله أن مس من لم تحمل له محرم فينبغي أن يتوضأ؛ لأن الوضوء إذا كان كما توضأ النبي ﷺ فإن الإنسان يغفر له ما تقدم من ذنبه. فإذا قال قائل: ما دليل من قال: لا ينقض الوضوء؟ فالجواب: أن دليله عدم الدليل؛ لأن الأصل بقاء الوضوء حيث تم على وجه شرعي، فلا يمكن أن ينقض إلا بدليل شرعي، وحينئذ يكون دليل هؤلاء هو الأصل أي البقاء على الأصل، وعدم الدليل على النقل، أما دليل من قال: إنه ينقض الوضوء مطلقا فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]. وفي قراءة: ﴿أو لمستم النساء﴾، والأصل أن اللمس يكون باليد والآية ليس فيها قيد أن يكون بشهوة فتكون دالة على أن مس المرأة مطلقا ينقض الوضوء، وأما من قال: إنه لا ينقض إلا بشهوة فاستدل بالآية إلا أنه قال: إن حمل الآية على معنى مناسب للنقض أولى من الإطلاق، والمعنى المناسب للنقض هو الشهوة؛ لأن مسها بشهوة مظنة حصول الحدث، إما إنزال أو إمذاء، فعلق الحكم بما يكون فيه مظنة الحدث وهو الشهوة، ولكن القول الصحيح كما أقوله الآن: إنه لا ينقض الوضوء مطلقا، ولو بشهوة ما لم يحدث بشيء يخرج منه، وأما الجواب عن الآية الكريمة: فإن الملامسة فيها يراد بها الجماع بلا شك؛ وبهذا فسرها عبد الله بن عباس ﵁ ترجمان القرآن الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه التأويل ويفقهه في الدين. ويدل على أن هذا

стр. 211

هو المتعين التقسيم الذي في الآية، فالله ذكر طهارتين موجبين للطهارة، فالطهارتان: المائية والترابية، والموجبان للطهارة: الحدث الأصغر، والحدث الأكبر. ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ هذه طهارة مائية في الحدث الأصغر ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ هذه طهارة مائية في الحدث الأكبر ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]. قال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ ﴿فتيمموا﴾، لكن قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾، "أو" هنا بمعنى "الواو" يعني: وجاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، جاء أحد منكم من الغائط هذا موجب للطهارة الصغرى، ﴿أو لمستم النساء﴾ هذا موجب للطهارة الكبرى، لو قلنا: "لامستم النساء"، يعني: انتقض الوضوء بمس المرأة لكان الذي ذكر في الآية موجبا واحدا مكررا، وحذف منها موجب آخر لابد من ذكره حتى تكون الآية دالة على الحدث الأصغر والأكبر، ثم نقول: والدليل الآخر أن الله تعالى يعبر عن الجماع بالمس كقوله ﵎: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]. أي: تجامعوهن؛ فتبين بهذا أن المراد بالملامسة الجماع، ذكرنا أن قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ بمعنى: وجاء فهل هناك شاهد بأن "أو" تأتي بمعنى "الواو"؟ الجواب: نعم، ومنه قول النبي ﷺ : "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك". فقوله: "سميت به نفسك، أو أنزلته" بمعنى: وأنزلته في كتابك؛ لأن ما سمى الله به نفسه إما أن يكون نازلا في الكتاب، أو علمه الله أحدا من خلقه عن طريق الوحي، فثبت بالسنة، أو استأثر به في علم الغيب عنده. فتبين أن "أو" تأتي بمعنى الواو في اللغة العربية، وعليه فنقول: إذا قبل الرجل امرأته وهو على وضوء لشهوة ولو مع انتصاب ذكره، فإنه لا ينتقض وضوؤه ما لم يحدث بمذي أو غيره فينقض بالحدث، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

стр. 212

خروج الريح: ٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". أخرجه مسلم. قوله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا" يعني: شيئا من الحركة التي هي الريح، "فأشكل عليه" أي: شك، "أخرج منه شيء أم لا"، المراد بالشيء هنا: الريح، "أم لا؟ فلا يخرجن" قال: "أم" وهذا هو الأفصح ويجوز أن يحل محلها أو "أو لا" ولكنها إذا جاءت بمثل هذا التركيب فالأولى "أم". "فلا يخرجن من المسجد" لماذا؟ ليتوضأ وليس المعنى لا يخرجن من المسجد لأن من أحدث حرم عليه البقاء في المسجد لكن فلا يخرجن من المسجد ليتوضأ. "حتى يسمع صوتا"، إن كان الخارج له صوت، "أو يجد ريحا" إن لم يكن له صوت؛ لأن الخارج من الريح إما أن يكون له صوت مسموع، وإما أن تكون له رائحة، وإما أن يجتمع الأمران، وإما أن يعدم الأمران لكن يتيقن الإنسان، كرجل لا يشم ولا يسمع فإنه إذا تيقن أنه خرج انتقض وضوؤه وإن لم يسمع ولم يشم. هذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا شك في الحدث وهو على طهارة فإنه لا يلزمه الوضوء؛ لأن الطهارة متيقنة والوضوء باق والحدث مشكوك فيه، ولا يترك اليقين بالشك. هذه قاعدة، يعني: أخذ العلماء من هذا الحديث قواعد: منها: أن اليقين لا يزول بالشك. ومنها: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان. ومنها: أن اليقين يزول باليقين الطارئ عليه؛ لقوله: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". ومن فوائد هذا الحديث: أن الدين الإسلامي يريد من أهله أن لا يبقوا في قلق وارتباك وريب؛ لأن الإنسان إذا مشى على هذه القاعدة استراح لكن إذا صدع للأوهام والوساوس تعب فنحن نقول: استرح لو شككت وأشكل عليك فالأصل بقاء الطهارة. ومن فوائد الحديث: أنه لو غلب على ظنه أنه أحدث فإنه لا يلزمه الوضوء؛ لأن الرسول ﷺ علق وجوب الوضوء بأمر متيقن وهو سماع الصوت، أو الرائحة، أما ما سوى ذلك فلا، وعلى هذا فلا يعمل هنا بغلبة الظن، يعني: لو أشكل على الإنسان أخرج منه شيء، سواء ريح أو بلل في رأس ذكره، أو بلل في حلقة الدبر، أو ما أشبه ذلك، وأشكل عليه وغلب على ظنه أنه خارج فلا يلتفت إليه حتى يتيقن.

стр. 213

ومن فوائد هذا الحديث: أن المساجد ليست محلا للوضوء وأن العادة في عهد النبي ﷺ أنه لا وضوء في المساجد لقوله: "فلا يخرج من المسجد" يعني: ليتوضأ، لكن إذا أعد مكان للوضوء في المسجد ولم يحصل به أذية على أهل المسجد فلا بأس أن يتوضأ فيه، أما إذا لم يكن هناك مكان معد مثل أن يأتي عند البرادة التي في وسط المسجد مثلا فيتوضأ فليس ذلك بجائز؛ لما في ذلك من تلويث المسجد، إما من هذا الرجل، أو من يقتدي بهذا الرجل؛ ولأن الماء الذي في البرادة إذا سحبه الإنسان سوف ينقص التبريد لاسيما في أيام الصيف فيكون هذا استعمالا للماء في غير ما وقف له. إذن إذا شك المتوضئ في انتقاض وضوئه هل يعمل بهذا الشط؟ لا يعمل، وهل هو آثم إذا لم يلتفت إليه؟ لا، يل هذا هو السنة وهذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يسير عليه. هذا الحديث بنى عليه العلماء مسائل كثيرة في الطلاق، وغيره، يعني: لا يخلو باب من الفقه إلا ويمكن أن تجد فيه لهذا الحديث فرعا، فمن ذلك لو قال قائل: إن كان هذا الطائر غرابا فزوجتي طالق وهو لا يرى الطير ولا يدري ما هو أتطلق؟ لا، لماذا؟ لأننا شككنا ما ندري هذا الطائر فإذا شككنا فالأصل عدم الطلاق، ولا يقال إن الورع أن تطلق لأن هذا ليس هو الورع، الورع أن تلتزم بالسنة. لو قال هذا الذي شك في الحدث اطرد الشط باليقين وسيحدث هل هذا بدعة أو سنة؟ هذه بدعة؛ لأن الرسول ﷺ وجهك إلى شيء غير هذا؛ لأن بعض الناس إذا شك في انتقاض وضوؤه ذهب ينقض وضوءه عمدا زعما منه أنه سوف يستريح، وليس كذلك لن يستريح الشيطان متى غلب عليه حتى فعل مثل هذا الفعل، فلن يستريح وكذلك في الطلاق بعض الناس يكون عليه الوسواس، ثم يشك هل طلق زوجته أو لا، فيقول: أستريح وأطلقها، وهذا غلط بل الراحة اتباع السنة وهو البقاء على الأصل. أسئلة: - لماذا أتى المؤلف بحديث عائشة؟ ليبين أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. - وهل الأمر يحتاج إلى ذلك؟ - ما حكم مس المرأة أينقض الوضوء أم لا؟ لا. - لو استدل بقوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ هل نوافقه؟ لا. - هل لتفسير ابن عباس ما يؤيده من القرآن؟ - حديث أبي هريرة: "إذا وجد أحدكم في بطنه .. إلخ" ذكر العلماء أنه أصل أصيل في مسائل كثيرة من العلم منها؟ -

стр. 214

إذا شك الإنسان في نقض الوضوء لتعارض الأدلة كيف يمكن أن نعرف الحكم من هذا الحديث؟ - قوله ﵊: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" فإذا كان الرجل لا يشم ولا يسمع وشك أنه خرج منه ريح فماذا يصنع؟ مس الذكر: ٦٦ - وعن طلق بن علي ﵁ قال: "قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه الوضوء؟ فقال النبي ﷺ : لا، إنما هو بضعة منك". أخرجه الخمسة، وصححه ابن حبان، وقال ابن المديني: "هو أحسن من حديث بسرة". "طلق بن علي" يروي عن رجل أنه قال للرسول ﵊: "مسست ذكري"، فأضاف المس إلى نفسه، والمس لابد أن يكون مباشرة، فأما مع الحائض فليس بمس لوجود الحائل الذي يحول، وقوله: "مسست" الغالب أن المس إنما يطلق على المس باليد، والمعنى: "مسست ذكري"، أو قال: "الرجل يمس ذكره"، يعني: بيده، وقوله: "في الصلاة" يعني: حال كونه في الصلاة، وهذا يوجد إشكالا وهو أنه كيف يمكن أن يمس الإنسان ذكره وهو يصلي؛ لأن عليه لباس، عليه قميص وسراويل كيف يمس؟ نقول: لا إشكال، ما دمنا عرفنا أن المس في اللغة العربية إنما يكون مباشرة وبدون مباشرة لا يكون مسا، وإنما مس الحائل حينئذ يزول الإشكال، فالإنسان مثلا وهو يصلي ربما يحتاج إلى مس الذكر مباشرة فيمسه، وما دام يمكن أن ينزل المعنى اللغوي على الواقع فإنه يزول الإشكال، "أعليه الوضوء" يعني: أيجب عليه الوضوء، واعلم أن كلمة "على" من أدوات الوجوب، يعني: "يجب" من أدوات الوجوب، "يلزم" من أدوات الوجوب، "عليه كذا" من أدوات الوجوب وإن كانت ليست بصريحة فيه لكنها ظاهرة في ذلك. وقوله: "أعليه الوضوء" يعني: أيجب عليه أن يتوضأ، فقال النبي ﷺ : "لا" أي: لا يجب؛ فالسؤال الآن عن الوجوب، والجواب على نفي الوجوب، يعني: لا يجب، وعلى هذا لا يمنع أن يكون مستحبا، ولكن سننظر الحديث الذي بعده إن شاء الله. قال: "إنما هو بضعة منك"، هذا تعليل للحكم وهو انتفاء الوجوب، كأن سائلا سال: لماذا لا

стр. 215

يجب؟ قال: "إنما هو بضعة منك"، "بضعة" يعني: قطعة من الإنسان كسائر الأعضاء كاليد والرجل، والأصبع والأذن، وما أشبه ذلك، فهل إذا مس الإنسان أذنه ينتقض وضوؤه؟ لا، إذن إذا مس ذكره لا ينتقض الوضوء؛ لأنه جزء منه، وهذه العلة علة لا يمكن زوالها أبدا ولا تشكل على أحد، يعني: لا قال: إن هذه علة وصفية يمكن أن يجادل فيها، هذه علة محسوسة أن الذكر بضعة من الإنسان فإذا كان الإنسان إذا مس بقية أعضائه لا ينتقض وضوؤه فكذلك إذا مس ذكره. ففي هذا الحديث فوائد؛ منها: جواز السؤال عما يستحيا منه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وجهه: إنه سأل عن مس الذكر، فإن هذا يستحيا منه، ولكن دعت الحاجة إلى ذلك من أجل أن يبين للمفتي الأمر على حقيقته، ولابد أن يبين الأمر على حقيقته. ومن فوائد هذا الحديث: أن مس الذكر لا يوجب الوضوء لقوله ﷺ : "لا" و "لا" جواب يفيد النفي. ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ حيث يذكر الحكم وعلته، وذلك في قوله: "إنما هو بضعة منك"، ونأخذ منه فائدة تترتب على ذلك: أنه ينبغي للمفتي إذا أفتى بشيء أن يذكر الدليل أو التعليل ليطمئن السائل، لاسيما إذا وجده قد استغرب الحكم أو استنكره؛ فإنه حينئذ يتعين أن يبين له مآخذ الحكم ليأخذ الحكم عن اقتناع؛ لأن كثيرا من الناس إذا سأله العامي قال: هذا حرام، أو هذا حلال ويمشي، لكن إذا شعرت أن الرجل لم يقتنع، وأنه استغرب الحكم فعليك أن تبين الدليل، والمؤمن يقتنع بالدليل؛ ولهذا تحس دائما أن الرجل إذا سألك عن مسألة، ثم أفتيته بها ورأيت أنه ليس بقابل إلى ذلك الحد، ثم قلت: إن الرسول ﵊ قال كذا؛ تجده يسفر وجهه ويقتنع تماما، وهذا أمر قد يغفل عنه كثير من الناس. ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أنه إن مس الذكر على وجه آخر يخالف مس بقية الأعضاء فله حكم آخر، وذلك إذا مسه لشهوة، فإنه إذا مسه لشهوة لا يكون كبقية الأعضاء؛ لأن بقية الأعضاء لا يمكن للإنسان أن يمسها بشهوة، لكن الذكر يمكن أن يمسه لشهوة؛ فعليه نقول: إذا مس الذكر مسا ليس على مس الأعضاء العادي وجب عليه الوضوء؛ لأن النبي ﷺ نفي الوجوب وعلل، وهذه علة منصوصة، وعلة لا يمكن أن تعتل أو تزول، "إنما هو بضعة منك"، وعليه فإذا مسه على وجه الشهوة فإنه ينتقض وضوؤه، وهذا هو الصحيح أن مس الذكر إن كان لشهوة انتقض به الوضوء، وإلا فلا. فإن مسه غيره فهل ينتقض وضوؤه؟ أي: الممسوس. الفقهاء يقولون: لا ينتقض وضوؤه،
следующие страницы →