Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
الصحابي: من السُّنة، فقد قال العلماء: إن له حكم الرفع، وإذا قال: من السُّنة فقد يكون ذلك الشيء واجبًا وقد يكون مستحبًا، المهم: أنه من الشريعة، ووجوبه واستحبابه يؤخذ من دليل آخر، إذن هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عائشة ﵂ قالت: "من السُّنة ألاَّ يعود مريضًا"، مع أن عيادة المريض من أفضل الأعمال، وهي فرض كفاية على القول الراجح، وإذا كانت فرض كفاية وسنة موكدة وسنة إذا قام بها من يكفي فإنه لا يخرج المعتكف لها لأنها تنافي الاعتكاف ﴿وأنتم عاكفون في المسجد﴾ [البقرة: ١٨٧]. فـ ﴿عاكفون﴾، أي: ملازمون لها دائمون فيها، فإذا أراد المعتكف كلما ذكر له مريض ذهب وعاده وكلما جاءت جنازة خرج معها، فأين الاعتكاف؟ ! لكن ما كانت هذه من الأمور المشروعة التي لا تنافي الاعتكاف منافاة تامة أجاز العلماء فعلها بالشرط، وقالوا: إذا اشترط أن يعود المريض فلا بأس، ولكن هل نقول: إنه يعود كل مريض، أو ينبغي أن يقال له: لا تشترط إلا مريضًا له عليك حق كقريب وصديق وزوجة وما أشبه ذلك؟ أما أن تعود كل مريض فإنك ربما تستوعب كل الوقت، لكنَّ مريضًا معينًا له حق عليك لك أن تزوره؛ لأن هذا طيب، لكن أن تشترط عيادته؛ لأنه ربما يصل هذا المريض إلى حال قد يخشى أن يموت قبل أن ينتهي الاعتكاف، وربما يكون المريض من الناس الذين لا يعذرون ويريدون أن يوفي لهم حقهم كاملًا.
الجنازة أيضًا مثلها: "ولا يشهد جنازة"، شهود الجنازة فرض أم سنة؟ فرض كفاية؛ لأنه لا بد من تشييع الجنازة، "ولا يمس امرأة" المراد بمس المرأة هنا لشهوة، أما مجرد المس فقد سبق أن عائشة ترجَّل شعر النبي ﷺ ، ولا بأس أن يأخذ بيد امرأته إذا دخلت عليه معتكفه لتسلم عليه ويمسها لكن لا يمس لشهوة؛ لأنه إن كان جماعًا فهو مفسد للاعتكاف، وإن كان دونه فهو ذريعة للإفساد.
قالت: "ولا يباشرها"، إذن نقول: ولا تباشر المرأة فهي جمعت بين المس والمباشرة وحينئذ نحمل المس على الجماع لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ونحمل المباشرة على ما دونه.
قالت: "ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد له منه"؛ يعني: لا مفر منه، هذا يخرج مثل البول والغائط والأكل والشرب إذا لم يجد من يأتي بهما إليه الوضوء إذا لم يكن في المسجد ماء وكذلك الغسل، لو أنه دخل معتكفه في دفء ثم نشط البراد واحتاج إلى ثياب أو إلى لحاف وليس عنده من يأتي له بذلك فيخرج؛ لأن هذا لا بد منه.
قالت: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، "لا" نافية للجنس، و"اعتكاف" اسمها، وخبرها محذوف، و"يصوم" بدل منه، أي: من الخبر، يعني: ولا اعتكاف كائن إلا بصوم أو متعلق بالخبر، هذا
стр. 1507
النفي هل يحمل على الوجود أو على الصحة أو على الكمال؟ ذكرنا قاعدة فيما سبق أن الأصل في النفي نفي الوجود، فإذا لم يمكن بأن وجد الشيء فهو نفي للصحة، فإذا لم يكن بأن كان الشيء صحيحًا مع انتفاء هذا الشيء فهو للكمال. هل هو هنا للوجود؟ لا؛ لأن الإنسان قد يعتكف وليس بصائم إذن نفي وجودها اعتكاف بدون صوم غير صحيح، نفي للصحة؟ إن جاء في الشرع ما يدل على صحة الاعتكاف بلا صوم فليس نفيًا للصحة، وإن لم يأت فهو نفي للصحة، ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن نذر أن يعتكف ليلة أو يومًا في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : "أوف بنذرك"، ولم يأمره بالصوم، ورواية أمره بالصوم أنه قال له: "أوف بنذرك وصم" ضعيفة لا تصح، والذي في الصحيحين: "أوف بنذرك"، ولم يأمره بالصوم، ولو كان الصوم واجبًا لا يصح الاعتكاف إلا به لأمره به النبي ﷺ ، إذن وجدنا في السٌنة ما يدل على صحة الاعتكاف بلا صوم، فيكون النفي هنا للكمال، يعني: ولا اعتكاف كاملًا إلا بصوم، وهذا صحيح؛ أي: أن الأفضل لمن اعتكف أن يصوم؛ لأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا صائمًا إلا حين قضى الاعتكاف في شوال فإنه لم يصم.
قالت: "ولا اعتكاف في مسجد جامع"، هذا أيضًا نقول فيه ما قلنا في قولها: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، هل يمكن أن يوجد اعتكاف في مسجد غير جامع؟ نعم، إذن لا يصح أن يكون نفيًا للوجود، لأنه يمكن أن يوجد، هل يصح الاعتكاف في مسجد غير جامع؟ نعم، لما سبق من أنه يصح لعموم قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المسجد﴾ [البقرة: ١٨٧]. بقي علينا نفي الكمال، ولا شك أن الاعتكاف في مسجد جامع أكمل من الاعتكاف في غير جامع، لا سيما إذا تخلل اعتكافه جمعة؛ لأنه إذا تخلل اعتكافه جمعة سلم من الخروج للجمعة، ولأن الغالب في المساجد الجوامع أنها أكثر جمعًا، ولأن الغالب أيضًا فيها أن فيها فوائد لكثرة دروس العلم أو غير ذلك، فلهذا كان المسجد الجامع أفضل وليس شرطًا.
قال المؤلف: "ولا بأس برجاله" هذه الكلمة لا توصل الرجال إلى أن يكونوا في قمة الثقات، بل ولا في الوسط، وإنما تدل على أن الرواة موثقون، فمثل هذه العبارة تعتبر من أدنى مراتب التعديل وليس بجرح لكنه تعديل ضعيف، لكن يقول: "إلا أن الراجح وقف آخره".
استفدنا من هذا الاستثناء فائدتين:
الأولى: أن قولها: "من السُّنة" في حكم المرفوع.
стр. 1508
الثانية: أنه لا احتجاج بالموقوف؛ لأن الموقوف قول صحابي، وقول الصحابي مختلف في حجته، والقائلون بحجيته يشترطون شرطين: ألا يخالف نصًا، وألا يخالف صحابيًا آخر، وقف آخره من أين؟ من قولها: "ولا اعتكاف إلا بصوم"، ما الذي يدلنا على أن هذا هو مرادها؟ لأن الكلام الأول على نسق واحد: "لا يعود مريضًا ... " إلخ، هذا نسق واحد، والثاني: "ولا اعتكاف" اختلف الأسلوب ونسق الكلام، فنقول: هذا الآخر هو الذي قال ابن حجر ﵀: إن الراجح وقفه، فيكون من قول عائشة ﵂، وقول عائشة لا بد أن يعرض على الكتاب والسُّنة وقد مر علينا أن حديث عمر ﵁ يدل على أن الصوم ليس بشرط.
بقي أن يقال: هل الاعتكاف مشروع كل وقت؟ بمعنى: أننا نقول للإنسان: اعتكف في رجب، في ربيع، في شعبان، في شوال، في ذي الحجة، في أي زمان وفي أي حال مكثت في المسجد؟ الجواب: أن في هذه المسألة خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنها مشروعية، وأنه يشرع للإنسان أن ينوي الاعتكاف في المسجد مدة نحن الآن جئنا لصلاة المغرب وسنبقي إلى صلاة العشاء يسن لنا على رأي هؤلاء أن ننوي الاعتكاف ما بين دخولنا إلى خروجنا؛ لأن الصوم ليس بشرط وإذا لم يكن شرطًا فأيّ وقت تدخل انو الاعتكاف، ومن العلماء من قال: ليس هذا بمشروع ولا نأمر الإنسان به؛ لأن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا يأتون إلى المساجد ولم يرشد أحدًا منهم إلى أن ينوي الاعتكاف، بل لما ذكر تقدم الإنسان إلى المسجد إذا توضأ وأسبغ الوضوء ثم جاء إلى المسجد لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة، ثم قال في آخر الحديث: "ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة"، ولم يرشد النبي ﷺ الأمة إلى أن ينوي الاعتكاف مدة انتظارهم الصلاة، مع أن النية- نية الاعتكاف- هل هي من الأمور الواردة التي يتفطن لها الإنسان بلا تنبيه؟ لا، ليست من الأمور التي تكون تابعة للصلاة، ولو كانت من الأمور المشروعة لكان النبي ﷺ ينبه عليها، ولما لم ينبه دل ذلك على أنها ليست من المشروع.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ أقر عمر على النذر الذي نذره في الجاهلية؟
الجواب: أن عمر قصد المسجد الحرام بنية الاعتكاف لا بنية عبادة أخرى، فأنت مثلًا إذا دخلت المسجد لتصلي نقول: لا تنو الاعتكاف، لكن رجل قال: أنا أحب أن أعتكف اليوم في هذا المسجد، نقول: هذا من الأمور الجائزة وليس من الأمور التي تطلب من الإنسان، ولهذا لم يعتكف النبي ﷺ إلا في رمضان، لم يعتكف في شوال إلا قضاء لما مضى، ولو كان الاعتكاف مشروعًا في كل وقت لكان الرسول ﷺ يبينه للأمة.
стр. 1509
والحاصل: أن لدينا ثلاثة أشياء:
اعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ فهذا مشروع ومسنون، حتى إن الإمام أحمد قال: لا أعلم خلافًا بين العلماء أنه مسنون. هذا واحد.
الثاني: أن يتقدم إلى المسجد بنية الاعتكاف فهذا جائز، لكننا لا نطلبه من الناس، فلا نقول للناس: افعلوا أنا أخبر عما أراه عسى أنا أتجاسر وأقول: إنه من الجائز، ولولا حديث عمر لقلت إنه من غير الجائز؛ لأن هذه عبادة ما فعلها الرسول إلا في رمضان طلبًا ل ليلة القدر ، لكن حديث عمر يدل على جوازها حتى في غير رمضان.
الحالة الثالثة: أن يأتي إلى المسجد لا للاعتكاف لكن ينوي الاعتكاف؛ لأنه جاء ليصلي أو ليطلب العلم فهذا ليس بمشروع قطعًا، ولا ينبغي لنا أن نوجه الناس إلى ذلك، لماذا؟ لأن النبي ﷺ لم يرشد منتظر الصلاة إلى هذا، وهو من الأمور التي تعزف عن الخاطر فلا تكون للإنسان على بال إطلاقًا، لو كانت من الأمور التي ينتقل الذهن إليها بسهولة إذا جاء إلى المسجد وينويها بسهولة قلنا: الرسول سكت عن ذلك؛ لأن هذا أمر معلوم أو أمر غالب، فلما لم يكن من الأمور الغالبة ولا من الأمور التي ينتقل إليها الذهن ولا أرشد إليها الرسول ﷺ فإننا لا نطلب من الإنسان أن يفعلها ونحن في شك من كونها بدعة، فلهذا لا نحبذ الدعوة إليها وإن كان بعض العلماء- ﵏ يرون أن هذا من الأمور المستحبة ويقول: ينبغي لمن دخل المسجد- ولو ليجلس خمس دقائق أن ينوي الاعتكاف مدة لبسه فيه. أما مسجد الجامع فإننا نقول: لا شك أن الأفضل لمن يتخلل اعتكافه جمعة أن يكون في المسجد الجامع، أما إذا لم يتخلل اعتكافه جمعة فإن تفضيل الجامع على غيره لا ينبغي على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن كان هناك مصالح فإنه ينبغي أن يقدم ما فيه مصالح، سواء كان هو الجامع أو غير الجامع.
ليلة القدر:
٦٧٠ - وعن ابن عمر ﵁: "أنَّ رجالًا من أصحاب النَّبيَّ ﷺ أروا ليلة القدر في المنام، في السَّبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ أرى رؤياكم قد تواطأت في السَّبع الأواخر، فمن كان متحرِّيها فليتحرَّها في السَّبع الأواخر". متَّفقٌ عليه.
٦٧١ - وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال في ليلة القدر: "ليلة سبعٍ وعشرين". رواه أبو داود، والرَّاجح وقفه.
- وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولًا أوردتها في "فتح الباري".
стр. 1510
كيف نجمع بين هذا الحديث في السبع الأواخر وبين الأحاديث الأخرى التي أمر النبي ﷺ بتحريها في العشر الأواخر؟ نقول: هي في العشر الأواخر، لكن في السبع أوكد، ثم في أوتاره أوكد، ثم في السابع والعشرين أوكد، وإبهامها فيه فائدتان:
الأولى: هي بعث الهمم على طلبها والنشاط فيها؛ لأن الكسلان قد يقول: أنا لا أقوم عشر ليال من أجل ليلة واحدة فإذا كان نشيطا حريصا على العبادة فإنه سوف يقوم هذه الليالي ويقول: ما أرخصها في حصول هذا الأجر العظيم: ﴿من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه﴾.
الفائدة الثانية: كثرة العمل الصالح للعباد؛ لأن العمل الصالح في العشر كلها بلا شك أكثر من العمل الصالح في ليلة واحدة، وكثرة العمل توجب كثرة الثواب.
وقول المؤلف في الحديث الثاني: إنه اختلف فيها على أكثر من أربعين قولا الذي في "فتح الباري" ستة وأربعون قولا، ويمكن أن يكون أصل النسخة على أكثر من أربعين قولا كما قال ذلك في ساعة الإجابة يؤم الجمعة، أو أنه هنا يريد أربعين قولا باعتبار أن هناك قولين أو ثلاثة بأنها رفعت ولم تعد عائدة إلى الناس، وأنه بحذف هذه الأقوال تصير الأقوال أربعين، لكن يبقى الإشكال في أننا حتى لو حذفنا قولين أو ثلاثة لم تكن الأقوال الباقية أربعين وحديث معاوية ليس فيه إلا فائدة واحدة وهي أن ليلة القدر أرجى ما تكون في السابع والعشرين.
٦٧٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله، أرأيت أن علمت أي ليلةٍ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعف عنِّي". رواه الخمسة، غير أبي داود، وصحَّحه التِّرمذيُّ، والحاكم.
قولها: "أرأيت؟ "، معناها: أخبرني، وقولها: "ما أقول فيها؟ "، "ما" هنا استفهامية، يعني: أخبرني ماذا أقول أن علمت ليلة القدر، قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"، "اللهم" يعني: يا الله، حذفت ياء النداء وعوض عنها بالميم، وكانت الميم في الآخر تبركًا بالابتداء باسم الله وكانت العوض ميمًا، لأنها تفيد الجمع كأن السائل جمع قلبه على الله وتوجَّه إليه، وقوله: "إنك عفو تحب العفو" هذا توسل إلى الله بهذا الاسم والصفة، الاسم "إنك عفو" والصفة "تحب العفو"، والمطلوب "فاعف عني"، والفاء هنا للتفريع، يعني: فتفريعك على
стр. 1511
كونك العفو الذي تحب العفو أسألك العفو.
فما هو العفو؟ قال العلماء: العفو هو المتجاوز عن سيئات عباده سواء كان ذلك بالعفو عن ترك واجب أو العفو عن فعل محرم؛ لأن استحقاق الذنوب يكون بأمرين: إما بترك الواجب، وإما بفعل المحرم، فإذا عفا الله عن إنسان عن ترك الواجب أو فعل المحرم، فمعناه: أنه تجاوز عنه ولم يعاقبه عن ترك الواجب ولا على فعل المحرم، وقوله: "فاعف عني"، أي: تجاوز عني ما اكتسبته بترك الواجب أو فعل المحرم، والأمر هنا للدعاء.
في هذا الحديث أولًا: أن ليلة القدر يمكن العلم بها لقولها: "إن علمت ليلة القدر"، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرها على ذلك ولم يقل: إنها لا تعلم.
ومن فوائده: حرص عائشة ﵂ على اغتنام هذه الليلة المباركة حيث قالت: "أرأيت ... " إلخ لتغتنم هذه الفرصة التي قد لا تعود على الإنسان بعد عامه.
ومن فوائد ألحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل العالم عما يخفى عليه؛ لأن عائشة سألت النبي ﷺ .
ومن فوائده: أن الدعاء يطلق عليه اسم القول، لكنه قول مع الله وخطاب مع الله، ولهذا إذا دعا الإنسان في صلاته ربه لم تبطل صلاته؛ لأنه يناجي ربه بخلاف سؤال غير الله فإن الصلاة تبطل به، فمثلًا لو قال الإنسان في صلاته: أعطني كذا بطلت صلاته.
ومن فوائل الحديث: إثبات اسم العفو لله .
ومن فوائده: إثبات المحبة لله لقوله: "تحب العفو".
ومن فوائده: بيان كرم الله ، وأن العفو أحبُّ إليه من الانتقام؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فهو - جلَّ وعلا - يحب العفو ولا يحب الانتقام، ولذلك كان يعرض التوبة على عباده: "إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، يقول: هل من تائب؟ هل من مستغفر؟ " ().
ومن فوائد ألحديث: الردُّ على أهل التعطيل الذين يمنعون قيام الأفعال الاختيارية بالله لقوله: "تحب"، و"فاعف عني".
ومن فوائده: جواز التوسل بأسماء الله وصفاته؛ لقوله: "اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني"، وهذا أحد أنواع التوسل، وقد مرَّ علينا أنه ستَّة أنواع.
ومن فوائده: الرد على المتصوفة الذين يقولون: لا حاجة إلى الدعاء، ويقولون إما بلسان
стр. 1512
المقال أو بلسان الحال: علمه بحالي يكفي عن سؤالي، وهذا إبطال صريح لقوله تعالى: ﴿وقال ربُّكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. إذا كان علمه بحالك يكفي عن سؤالك فهو عالم بحالك، إذن يكون معنى قوله: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ لغوًا لا فائدة منه.
ومن فوائد الحديث: احتقار الإنسان نفسه؛ لأنه في هذه الليلة، يعني: الذي كان من المتوقع أن يسأل الإنسان خيرًا وفضلًا ذهب يسأل العفو سؤال المسرف الجاني على نفسه، يقول: "اللهم إنك عفو ... " إلخ، ليحتقر الإنسان ما عمله في جانب حق الله حتى لا تمنَّ على ربك أو تدلَّ عليه بالعمل وتقول: أنا عملت، من أنت حتى تقول ذلك، والرب هو الذي منَّ عليك بالعمل، لو شاء لأضلك كما أضل غيرك، فإذا منّ عليك بالهداية فلا تمنَّ عليه أنت بالعمل، فأحمده على هذه النعمة واشكره، وقل: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
لو قال قائل: إلا يمكن أن يكون هذا خاصًّا بعائشة؟
نقول: أن الخطاب الموجه لواحد من الأمة هو لجميع الأمة؛ لأنه ليس هناك حكم يخصّص لشخص بعينه أبدًا على القول الراجح.
ولو قال قائل: ينتقض عليك هذا بخصائص النبي؟
نقول: اختص بها ﷺ ؛ لأنه نبي ورسول.
ولو قال قائل: ينتقض عليك هذا بحديث أبي بردة بن نيار حيث قال له النبي ﷺ في عناق استأذنه أن يذبحها بعد صلاة العيد قال: "لن تجزئ عن أحد بعدك؟ ".
نقول: "لن تجزئ عن أحد بعد حالك" ()، وليس المعنى: بعدك شخصيًّا، ويرى شيخ الإسلام أنه لو أن أحدًا جرى له مثل ما جرى لأبي بردة فإنها تجزئ عنه.
ولو قال قائل: ينتقض عليك هذا بقول النبي ﷺ للرجل الذي زوَّجه المرأة بما معه من القرآن قال: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك مهرًا؟ "
قلنا: الحديث ضعيف لا يصح.
ولو قال قائل: ينتقض عليك هذا بقصة سالم مولى أبي حليفة، فإن سالمًا مولى أبي حذيفة قال النبي ﷺ لزوج حذيفة: "أرضعيه تحرمي عليه"، وأنت لا تقول بأن رضاع الكبير مؤثر، هذا فيه أجوبة منهم من قال: إنه ليس بخاص، وإنه يجوز للمرأة أن ترضع الكبير وتصير أمه من الرضاع، قالوا: كيف ترضعه وهي ليست محرمًا له؟ قالوا: تحلب بكأس وترضعه، وهذا قول
стр. 1513
للظاهرية، والذين قالوا بعدم تأثيره أجابوا عن الحديث بأنه منسوخ، وهذا الجواب ليس بصواب؛ لأن من شروط النسخ العلم بالتاريخ بتأخر الناسخ، قالوا: هذا خاصٌّ بسالم مولى أبي حذيفة، قلنا: أين الدليل على الخصوصية والأصل العموم؟ قالوا: هذا خاصٌّ بمثل حال مولى أبي حذيفة، قلنا: هذا صحيح إذا وجد إنسان بهذه المثابة فإن إرضاعه صحيح، لكن بعد بطلان التبني لا يمكن أن يوجد، على كل حال نقول: ليس هناك حكم للتخصيص.
فضل المساجد الثلاثة:
٦٧٣ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (). متَّفقٌ عليه.
أولًا: نسأل ما المناسبة في ذكر هذا الحديث في باب الاعتكاف؟ المناسبة: أنه لما كان الاعتكاف خاصًّا بالمساجد أتى المؤلف بما هو أخصُّ من الاعتكاف وهو شدُّ الرحال حيث لا يجوز شد الرحال إلا إلى هذه المساجد، فالاعتكاف خاص بالمساجد، وشد الرحال أخصُّ حيث لا يجوز إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، وأما استنباط بعض الشُّراح أن المؤلف يريد الإشارة إلى أن الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة لا يصح فليس بصواب؛ لأن المؤلف ممن يرون جواز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة.
يقول الرسول ﷺ : "لا تشد الرحال"، "لا" نافية بدليل ضم الفعل، ولو كانت ناهية لجزم. "الرحال" معروف وهو الرحل الذي يوضع على البعير ليركب.
وقوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد"، أين المستثنى منه؟ المستثنى منه محذوف، وإنما حذف للعموم ليشمل شد الرحل إلى المساجد الأخرى، يعني: لا تشد الرحال إلى أي مسجد إلا المساجد الثلاثة، وإلى الأماكن الأخرى التي يعتقد من يشد الرحال إليها أن لها مزية كالذين يشدون الرحال إلى القبور؛ لأن القبور أماكن، وهل يعم شد الرحل إلى البلاد الأخرى لطلب العلم؟ لا، لا يشمل؛ لأن الشَّاد لطلب العلم ليس شادًّا للمكان ولكن للعلم، وقد ثبت عن الصحابة ومن بعدهم أنهم يشلون الرحال لطلب العلم.
قوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد ... " إلخ، في هذا تفصيل بعد الإجمال، الإجمال في قوله: "ثلاثة مساجد"، والتفصيل: "المسجد الحرام"، وقد ذكرنا أن هذا من أساليب اللغة العربية التي يقصد بها تثبيت الكلام في ذهن السامع، كيف ذلك؟ لأن السامع إذا جاءه الإجمال تشوق ذهنه إلى التفصيل والتبيين، فإذا قال: "إلى ثلاثة مساجد"، بدأ الذهن يقول: ما هي هذه المساجد؟ فإذا
стр. 1514
جاء التعيين ورد على ذهن متشوف ومتشوق إلى معرفة هذا الشيء، كما لو قلت: عندي لك ثلاثة، فيتشوق ما هي: ثلاثة كتب أو ريالات أو ثلاثة أقلام، فإذا قلت: ثلاثة دراهم ورد هذا التعيين على ذهن متشوف إلى البيان.
"المسجد الحرام" هو مسجد مكة وسمِّي حرامًا لحرمته وتحريمه، والثاني: "مسجدي هذا"، يعني: المسجد النبوي. الثالث: "المسجد الأقصى"، الذي في فلسطين، هذه المساجد كلها وضعت وأسست على التقوى، المسجد الحرام من الذي رفع قواعده؟ إبراهيم، والمسجد الأقصى يعقوب، ولكنه جدِّد على عهد سليمان، ولهذا سئل النبي ﷺ كم بينهما - الكعبة والمسجد الأقصى - قال: "أربعون سنة" ()؛ لأن المدة بين إبراهيم ويعقوب قريبة، أما سليمان فإنه بناه تجديدًا، المسجد النبوي بناه الرسول ﷺ ، فهو آخرها، لكنه في الفضل أفضل من المسجد الأقصى؛ لأن الصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، والمسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما عداه، والأقصى بخمسمائة صلاة، فأفضلها إذن المسجد الحرام.
يستفاد من هذا الحديث: تحريم شد الرحال إلى أي بقعة من الأرض سوى هذه المساجد الثلاثة لقوله: "لا تشد"، وهذا نفي بمعنى النهي، والأصل في النهي التحريم، لو أن أحدًا شد الرحل لا من أجل فضل البقعة ولكن ليشاهد، مثل أن يقال له: إنه قد بني في الرياض مسجد عظيم البناء واسع مكيف فشدَّ الرحل لينظر إليه، هل هو جائز؟ نعم، لأنه ما شد الرحل لاعتقاد أن فيه فضيلة، رجل شد الرحل إلى "غار حراء" للتبرك أو التعبد فيه لا يجوز، ولا "غار ثور" لا يجوز، المساجد السبعة في المدينة، والسبعة هذه أنها من خرافات المزورين وليست بصحيحة، على كل حال: كل مكان يشد الرحل إليه من أجل التعبد لله لا يجوز إلا هذه المساجد الثلاثة، لو أن رجلًا شدَّ الرحل إلى مسجد ليتلقى العلم فيه، لأن خطيبه مؤثر، يجوز أم لا؟ يجوز؛ لأنه شده لطلب العلم حتى من القصيم إلى الرياض أو العكس فيجوز ما دام الغرض من ذلك هو نفس هذا الشخص الذي ذهب إليه لو يخطب في مسجد آخر ذهب إليه، فإذن البقعة ليست مقصودة عنده.
كأني سمعت سائلا يسأل يقول: شد الرحل إلى مسجد "قباء" هل يجوز أم لا؟ لا؛ لأن الرسول ﷺ يخرج إليه كل سبت ماشيًا فليس مما تشد إليه الرحال، لماذا خصت هذه المساجد بجواز شد الرحل إليها؟ نقول: لفضلها من جهة: لأنها أفضل بقاع الأرض، ومن جهة أخرى: لكثرة الثواب فيها كما سمعتم.
стр. 1515
هذا الحديث نسأل أولًا هل هو خاصٌّ بالفرائض أو بالفرائض والنوافل؟ فيه خلاف بين العلماء، بعضهم يقول: هذا خاص بالفرائض؛ لأنها هي التي تطلب في المساجد، ولأن النبي ﷺ قال في المدينة: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ()، إذن لما قال: "إلا المكتوبة" علمنا بأن الفضل في هذه المساجد إنما هو في المكتوبة في الفرائض، أما النوافل فليس فيها فضل، بل البيوت أفضل منها، أنا بيتي إلى جانب المسجد الحرام أذن المؤذن لصلاة الظهر هل الأفضل أن أصلي الراتبة في بيتي أو أخرج إلى المسجد وأصلي الراتبة فيه؟ في بيتي لا شك في هذا، وكذلك نقول في المسجد النبوي، أيما أفضل أصلي القيام في المسجد الحرام خلف الإمام أو في بيتي؟ في المسجد الحرام، إذن ننتقل إلى القول الثاني يقولون: ما سنَّ في المسجد فهذه المساجد الصلاة فيها خير من ألف صلاة في المسجد النبوي وبمائة ألف صلاة في المسجد الحرام، وبخمسمائة صلاة في المسجد الأقصى، ما شرع في المسجد مثل قيام الليل في رمضان مشروع في المساجد فهو أفضل من المساجد الأخرى.
تحية المسجد في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، الكسوف إذا قلنا بأنها سنة كذلك تكون أفضل من غيرها، ركعتا الطواف هذه خاصة بالمسجد الحرام فقط، صلاة الجنازة، ولهذا صارت الجنازة أفضل من غيرها من المساجد أن قلنا بجواز الصلاة على الجنازة في المسجد؛ لأن المسألة خلافية، ولا شك أن الرسول ﷺ في عهده كان هناك مصلى للجنائز غير المسجد، والصلاة على الجنائز في المسجد في عهد الرسول قليلة، لكنه ثبت أنه صلى عليها في المسجد، يقال: أن رجلًا - أظنه من الخلفاء - قال: لله على نذر أن أقوم بعبادة لا يشاركني فيها أحد حين فعلها، ذهبوا إ عالم من العلماء فسألوه ماذا يفعل؟ قال: أخلوا له المطاف، يعني: يطوف وحده فيكون تعبد لله بعبادة ما شاركه فيها أحد، وكأن سائلًا يقول: هل هذا يجوز أو لا يجوز؟ نقول: هذا حل المسألة، أما كونه يجوز أو لا يجوز، فيمكن أن يأتي إلى المطاف فيكون خاليًا، يعنى: في أزمان مضت تأتى إلى المطاف بالليل فلا تجد أحدًا أبدًا نحن أدركناها قبل أن يكثر الوصول إلى المسجد الحرام تأتي فلا تجد أحدًا، أو يقال مثلًا: إذا كان هذا من الخلفاء وجاء إلى المسجد الحرام يطلب من الناس أن يسمحوا له بذلك، المهم حل هذه المسألة.
فائدة:
سؤال: هل التضعيف خاصٌّ بالمسجد حين حياة الرسول ﷺ أم أن الزيادة داخلة فيه؟ الصحيح: أن الزيادة داخلة فيه، وأنه لو زيد المسجد النبوي حتى بلغ كل المدينة فهو داخل في
стр. 1516
هذا الحكم، المسجد الحرام هل الصلاة خاصة بالمسجل الذي هو مكان الكعبة، يعني: المسجد الذي فيه الكعبة، أو عام في جميع الحرم؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فقال الكعبة كلاهما صلاته بمائة ألف صلاة، قالوا: لأن هذا يسمى المسجد الحرام لقول الله تعالى: ﴿سبحن الذي أسرى بعيده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا﴾ [الإسراء: ١]. وقد أسري به من بيت أم هانئ، ولقوله تعالى: ﴿هم الَّذين كفروا وصدُّوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفًا أن يبلغ محلَّه﴾ [الفتح: ٢٥]. ولقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة: ٢٨]. والمشرك لا يدخل الأميال - حدود الحرم -، ولأن النبي ﷺ كان مقيمًا في الحديبية، والحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وكان مقيمًا في الحل لكنه يدخل فيصلي في الحرم، يعني: داخل الأميال، وكونه يتكلف الدخول بأصحابه وهم ألف وأربعمائة نفر ليصلي داخل الأميال يدل على أن هذا التضعيف عامٌّ يعم جميع الحرم، وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم، ولكن ظاهر كلام علماء الحنابلة وهو أن التضعيف خاصُّ بالمسجل نفسه الذي فيه الكعبة، واستدلوا لذلك بأن الحرم لا يسمى مسجدًا بل يسمى مكة ويسمَّى حرمًا كما قال الله تعالى: ﴿وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]. لم يقل: ببطن المسجد، وقال تعالى: ﴿إنَّ أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركًا﴾ [آل عمران: ٩٦].
ولو أن مكة تسمي مسجدًا لكان المعنى: إن أول بيت وضع للناس للذي بالمسجد، ولأن الرسول يقول: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام"، ومعلوم أن الإنسان لو شد الرحل إلى مسجد الشِّعب في مكة أو مسجد آخر غير الذي فيه الكعبة لقلنا: لا يجوز؛ لأنه لو جاز شد الرحل إلى مساجد مكة غير المسجد الحرام لكان شد الرحل إلى مائة مسجد - كل مساجد مكة -.
قالوا: الدليل الثالث قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. وعرفتم قبل قليل: أن هذه الآية استدل بها من قالوا بالعموم، ولكن الحقيقة أنها عند التأمل تدل على خلاف العموم، لماذا؟ لأن الله قال: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾، ولم يقل: فلا يدخلوا المسجد الحرام، والآن يجوز للمشركين أن نمكنهم من أن يقفوا على حد الحرم تمامًا، لو كان المراد بالمسجد الحرام كل الحرم ما جاز أن نمكنهم من قربان حدوده؛ لأن الله يقول: ﴿فلا يقربوا المسجد﴾، فإذا منعناهم من دخول الأميال حينئذٍ منعناهم من قربان المسجد الذي في جوف مكة الذي فيه الكعبة، لو كان التعبير:
стр. 1517
فلا يدخلوا المسجد الحرام قلنا: نعم، لكن الآية تقول: ﴿فلا يقربوا﴾، ومعلوم بالاتفاق أن لهم التمكن من الوصول إلى أدنى نقطة من حدود الحرم.
والدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿سبحن الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا﴾ [الإسراء: ١]. وهذه الآية - كما علمتم قبل قليل - استدل بها من قالوا بالعموم، ولكنا نقول: لا، الذي يثبت في صحيح البخاري () أنه أسري به من الحجر، وأين الحجر؟ هو من الكعبة، فيكون من المسجد الحرام، أي: الذي فيه الكعبة، وفي بعض الروايات: "بينما أنا نائم عند الكعبة"، فيحمل على أن المراد بالكعبة هنا: البناء القائمة؛ لأن الذي في الحجر عند الكعبة، أما قوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفًا أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥]. فقد نستدل به على أن المراد بالمسجد الحرام: المسجد نفسه الذي داخل الكعبة؛ لأن أهم مقصود في العمرة الطواف، ومن منع الناس أن يدخلوا مكة فقد منعهم أن يدخلوا المسجد الحرام بالأولى، ولهذا قال: ﴿والهدى معكوفًا أن يبلغ محلُّه﴾، ولم يقل: أن يبلغ المسجد، فدل ذلك على أن محل الهدي غير المسجد، أما حديث ابن عمر: "كان الرسول نازلًا في الحديبية ويصلي الصلوات في الحرم داخل الأميال"، فنحن نقول: نعم، نحن لا نمنع أن يكون الحرم أفضل من الحلِّ، بل لا نشك أن الحرم أفضل من الحل، ولهذا من دخله كان آمنًا، عندنا شجرتان إحداهما داخل الأميال، والثانية خارج الأميال وبينهما متر، التي خارج الأميال لنا أن نجثها بعروقها، والثانية نقول: لا تقطعوا منها شيئًا؛ لأنها داخل الحرم، ونحن لا نشك أن الصلاة في داخل الأميال أفضل من الصلاة في الحلِّ، لكن الكلام على التفضيل الخاص وهو التضعيف، ولأننا نقول: الأصل فيمن خرج عن المسجد الحرام الأصل إلا يدخل، فإذا جاءنا فرد من أفراد العموم وليس العموم ظاهرًا فيه، فإننا نقول: الأصل عدم الدخول إذا لم يكن العموم ظاهرًا في تناوله له حتى يقوم دليل على دخوله، وهذا هو الذي ذكره ابن مفلح ﵀ في "الفروع" ()، وهو كتاب يعتبر من أجمع كتب المذهب الحنبلي في الأقوال، بل ويشير إلى خلاف الأئمة الثلاثة، بل وينقل أيضًا عن الظاهرية وغيرهم، فهو من أحسن ما ألف في الفقه، لكن فيه صعوبة؛ لأنه ﵀ ضغطه لأجل الاختصار، فكان صعبًا على طالب العلم المبتدئ إلا أنه - كما قال بعضهم - هو مكنسة المذهب، يقول ابن مفلح: إن هذا هو ظاهر كلام أصحابنا، يعني: المسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة، وهو كما علمتم ظاهر النصوص.
стр. 1518
كتاب الحج
ويشتمل على:
١ - باب بيان فضله وبيان من فرض عليه.
٢ - باب المواقيت.
٣ - باب وجوه الإحرام وصفته.
٤ - باب الإحرام وما يتعلق به.
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة.
٦ - باب الفوات والإحصار.
стр. 1519
كتاب الحج
تعريف الحج لغةً واصطلاحًا:
"الحج"، في اللغة: القصد، يقال: حج كذا، بمعنى: قصد، وأما في الشرع: فهو التعبُّد لله تعالى بأداء المناسك على صفة مخصوصة في وقت مخصوص، والحج أحد أركان الإسلام، هذه منزلته من الدين، وهو فريضة بإجماع المسلمين، وفرضه معلوم بالضرورة من الإسلام، ولهذا من أنكر فرضيته وهو مسلم عائش بين المسلمين فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، ولكن من نعمة الله أنه لم يفرضه على العباد إلا مرة واحدة وذلك لمشقة التكرار إليه كل عام من جهة، ولضيق المكان لو اجتمع العالم الإسلامي كلهم من جهة أخرى؛ لأنه لا يمكن أن يتسع المكان لهم.
متى فرض الحج ؟
فرض سنة تسمع أو عشر من الهجرة، ومن زعم من العلماء أنه فرض في السنة السادسة واستدل بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإن هذا ليس بصواب؛ لأن الله يقول في الآية: ﴿وأتموا الحج﴾، والإتمام لا يكون إلا بعد الشروع، وهي نزلت في غزوة الحديبية حين خرج النبي ﷺ من المدينة معتمرًا ومعه من أصحابه ألف وأربعمائة تقريبًا وصدّهم الكفار عن الدخول، فقال الله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم﴾ يعني: منعتم من الوصول إلى المسجد الحرام ﴿فما استيسر من الهدي﴾. فهي نازلة في وجوب الإتمام لا في فرضية الابتداء، أما فرض الحج ففي قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وهذه الآية في سورة آل عمران في عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة، ويؤيد ذلك من حيث المعنى: أن مكة قبل السنة الثامنة كانت تحت قبضة المشركين الذين كانوا يتحكمون فيها؛ ولهذا منعوا الرسول ﷺ من الوصول إليها في السنة السادسة من الهجرة، ومن رحمة الله وحكمته: إلا يفرض على عباده الوصول إلى شيء يشق عليهم الوصول إليه، أو لا يمكنهم الوصول إليه فكان من الحكمة والرحمة تأخير فرضه إلى السنة التاسعة أو العاشرة على خلاف بين العلماء.
ثم أعلم أن الله جعل أركان الإسلام على نوعين: فعل وترك، والفعل عمل، وبذل الطهارة
стр. 1520
عمل، فيه بذل المال أم لا؟ لا، الزكاة بذل مال ما فيها عمل، غاية ما فيها أن تخرج الدراهم من جيبك وتعطيها للفقير، وقد يكون فيها عمل إذا كان الفقير بعيدا لكن هذا العمل غير مقصود، يعني: العمل الذي لا يمكن إيصال الزكاة إلى الفقير إلا به هذا ليس مقصودًا لذاته، ولكنه مقصودٌ لغيره من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ هناك تزك محبوب وهذا في الصيام.
وإنما جعل الله أركان الإسلام تدور على هذا ليختبر العباد؛ لأن من العباد من يسهل عليه أن يقوم بالعمل البدني ولكنه يبخل بالبذل المالي، ومن الناس من يكون بالعكس، وفي الصيام كذلك من الناس من يقول: أن صيام يوم عندي أشد من عمل سنة؛ ولهذا استحسن بعض العلماء ما ليس بحسن، فقد روي أن أحد الخلفاء أو الولاة كان قد وجب عليه أن يعتق فاستفتى في ذلك فأفتاه بعض العلماء أن يصوم بدلًا من العتق، فقيل له: لماذا تأمره بالصوم وهو في المرتبة الثانية بعد العتق؟ فقال: لأن الصوم أشق عليه؛ فهو - المفتي - يرى أن هذا يسهل عليه أن يعتق مائة رقبة، فما رأيكم في هذه الفتوى؟ غير صحيحة؛ لأن الذي قال: ﴿فمن لم يجد فصيام﴾ هو الذي يعلم بحال عباده، وهو الذي شرع لهم، هذا استحسان في غير محله، لكنني أتيت به ليتبين أن من الناس من يهون عليه بذل المال وإتعاب البدن، ويشق عليه ترك المألوف من الأكل والشرب والنكاح، فلهذا جاءت الأركان على هذا النحو متنوعة كما يأتي: الأول: عمل بدني، والثاني: بذل مالي، والثالث: ترك.
يقول بعض الناس: هناك قسمٌ رابع وهو الجمع بين بذل المال وتعب البدن وهو الحجّ، ولكن هذا غير صحيح؛ لأن الإنسان يمكن أن يحج ولا يتكلف نقودًا إذن ليس الحج عبادة مالية، نعم يجب فيه الهذي أحيانًا تكميلًا له، لكن أصل العمل ليس ماليًّا، لكن الذي فيه الجمع بين المال والعمل والتزك والبذل هو الجهاد في سبيل الله فجاهد بالمال وأنت على فراشك إذن هو عبادة مالية تجاهد بنفسك ولا تنفق قرشًا واحدًا تخرج إلى الجهاد بنفسك، صار الآن بدنيًا محضًا وماليًّا محضًا ويمكن أن تجمع يمكن أن تكون الجيهة فتحتاج إلى شراء راجلة فتجمع بين بذل المال وجهد البدن، وفيه ترك للمألوف وهو ترك أهله، وفيه تعريض بترك الدنيا كلها؛ لأن الإنسان يعرض رقبته لمن يريد أن يقطعها يعرضها لعدوه الذي هو حريص غاية الحرص على أن يبين رأسه من جسمه، لكن قد تقولون لي: إن الإنسان المجاهد ليس يذهب إلى الجهاد ويقف أمام العدو ويدلي برأسه إليه ويقول: تفضل لكنه مظنَّة.
إذن ممكن أن نقول: الأعمال التكليفية: عمل بدن، بذل مال، ترك مألوف، جمع بين هذه الثلاثة، وهذه من حكمة الله ليقوم الإنسان بجميع العبادات المطلوبة منه سواء هذه أو هذه أو هذه.
стр. 1521
١ - باب فضله وبيان من فرض عليه
الحج له فضل عظيم، وله فوائد عظيمة، منها - كما ذكر في - قوله تعالى: ﴿ليشهدوا منفع لهم ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلومتٍ على ما رزقهم من بهيمة الأنعم﴾ [الحج: ٢٨]. ففيه - بالإضافة إلى كونه عبادة وذكرًا لله منافع للناس منها معرفة الناس بعضهم بعضا، وينبني على التعارف غالبًا التآلف - تأليف القلوب - ومحبة الناس بعضهم بعضًا، كذلك أيضًا التجارة، والتجارة لها شأن كبير، هل الحجَّاج يصدرون الأموال أم يوردونها؟ الاثنان يأتون بأشياء. ويذهبون بأشياء.
فيه أيضًا: فائدة للفقراء فيما ينالهم من الصدقات وعطف الأغنياء عليهم وذبح الهذي، وغير ذلك، ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿ليشهدوا منفع لهم﴾. ومنافع من حيث التصريف اللغوي صيغة منتهى الجموع هي أجمع ما يكون من الجموع، ولهذا لو أنكم تدبرون هذه المنافع وتكتبونها لنا يكون هذا طيبا ().
وفيه من المنافع أشياء مثل التذكير بيوم القيامة؛ حيث إنَّ الناس بلباس واحد، وهيئة واحدة، والتذكير بيوم القيامة في مرور الناس أفواجًا يذهبون كلٌّ إلى مقصده، وإذا وقفت على الطرق في يوم عرفة تتذكر المخشر المهم أن فيه فوائد كثيرة.
وقول المؤلف: "وبيان من فرض عليه الحج"، فرضه لا يتم إلا بشروط خمسة: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والاستطاعة، وقد نظمت هذه في بيتين، وهما قول الشاعر: [الرجز]
الحج والعمرة واجبان ... في العمر مرّة بلا توان
بشرط إسلام كذا حرية ... عقل بلوغ قدرة جلية
هذه الشروط سيأتي تقسيمها بعضها للوجوب وبعضها للاستحباب وبعضها للصحة.
٦٧٤ - عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة" () متَّفقٌ عليه.
قوله: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما"، يعني: أن الإنسان إذا اعتمر ثم اعتمر ثانية فإن ما بين العمرتين يقع مكفِّرًا، "كفارة لما بينهما"، "ما" اسم موصول يفيد العموم، فظاهره يشمل الصغائر والكبائر، ولكن قد سبق لنا قريبا أن جمهور أهل العلم يرون أن مثل هذه الأحاديث المطلقة
стр. 1522
مقيدة باجتناب الكبائر قياسًا على الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، قالوا: فإذا كانت هذه الفرائض التي هي أصول الإسلام لا يكفر بها إلا الصغائر فما دونها من باب أولى.
وقوله: "الحج المبرور ليس له جزاء ... إلخ"، الفرق بين العمرة والحج هنا ظاهر جدًّا؛ لأن أقصى ما تفيده العمرة أن تكفِّر السيئة التي بين العمرة والعمرة الأخرى، أما هذا فيحصل به المطلوب، يعني: العمرة نجاة من المرغوب عنه وهو السيئات وآثارها، أما هذا ففيه حصول المطلوب وهو الجنة.
شروط الحج المبرور:
والنبي ﷺ اشترط في الحجِّ أن يكون مبرورًا؛ أي: حج برّ، وهو الذي جمع أوصافًا نذكرها الآن:
أولًا: أن يكون خالصًا لله بألّا يحمل الإنسان على الحج طلب مال أو جاء أو فرجة أو لقب أو ما أشبه ذلك، بل تكون نيته التقرب إلى الله والوصول إلى دار كرامته، وهذا شرط في كل عبادة كما هو معروف.
الشرط الثاني: أن يكون بمال حلال، فإن كان بمال حرام فإنه ليس بمرور، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا حج بمال حرام فإنه لا حج له، لأنه كالذي يصلي في أرض مغصوبة، وأنشدوا على ذلك: [البسيط]
إذا حججت بمالٍ أصله سحت ... فما حججت ولكن حجَّت العير ()
الشرط الثالث: أن يقوم الإنسان فيه بفعل ما يجب ليكون عبادة، فأما إذا لم يقم فيه بفعل ما يجب فليس بمبرور، كما يفعل بعض الناس اليوم يذهب ليحج فيوكل من يرمي عنه ويبيت في مكة ويذبح هديًا عن المبيت في مكة ويخرج من مزدلفة من منتصف الليل أو من صلاة المغرب والعشاء، يتتبع الرخص، ثم يقول: إنني حججت، والذي يظهر - والعلم عند الله - أن حال مثل هؤلاء أن يقول: لعبت لا حججت، أين الحج من رجل لا يبيت إلا في مكة، ويوكل من يرمي عنه الجمار، ويقول: أذبح هذيا لترك المبيت، ويتقدم من مزدلفة مبكرًا؟ ! ! إذا كان لا يمكنك أن تحج إلا على هذا الوجه فخيرٌ لك ألا تحج.
المهم: من شرط كون الحج مبرورًا: أن يأتي فيه بما يجب، وليعلم أن الإنسان ليس بالخيار بين أن يقوم بالواجب أو يفدي عنه ليس بالخيار، ولكنه إذا ترك الواجب نقول له: اذبح فدية،
стр. 1523
أما أن نقول: أنت بالخيار فمعناه أن الواحد يحج يقف بعرفة، ويطوف يسعى وانتهى، والباقي يقول: أذبح عن المبيت بالمزدلفة عن المبيت بمنى عن رمي الجمار وأمشي.
الشرط الرابع لكون الحج مبرورًا: أن يتجنب فيه المحظور لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]. ومن ذلك: إلا تحج المرأة إلا بمحرم، فإن حجت بغير محرم لم يكن حجها مبرورًا، بل قال بعض العلماء: لم يكن حجها مقبولًا؛ لأن هذا السفر سفر محرم، والمحرم لا يكون ظرفا لعبادة صحيحة، فهي كالزمن المغصوب بالنسبة لها.
هل يشترط أن يكون الإنسان فيه أشعث أغبر؟ لا يشترط، ولكن هل يشترط ألا يزيل الإنسان عنه الشعث والغبر لأن بين هذين فرقًا؟ ليس بشرط؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يغتسل وهو محرم ()، ومعلوم أنه لم يغتسل من جنابة، وهذا يدل على أنه ليس من شرط المبرور أن يكون الإنسان أشعث أغبر، وأن الإنسان لو تنظف فلا حرج عليه.
هل يشترط للحج المبرور ألا يستعمل ما فيه الرَّفّه من مبردات وماء بارد وسيارة مريحة أو لا؟ الظاهر أنه لا يشترط، وأنه لا حرج على الإنسان أن يستعمل ما يريحه، وإن كان بعض الناس يقول: الأفضل إلا يتعرض لمثل هذه الرفاهية؛ لأنه قد يكون للشارع غرض بأن يكون الإنسان خشنًا، ولهذا يباهي الله بالواقفين بعرفة الملائكة يقول: "أتوني شعثًا غبرًا ضاجِّين"، إذن الشروط التي تتوفر لكون الحج مبرورًا أربعة.
فوائد الحديث: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" في هذا الحديث: الترغيب في العمرة والحج.
ومن فوائده: أن الحج أفضل من العمرة، وقد ثبت في حديث مرسل أن النبي ﷺ سمى العمرة حجًا أصغر، كما جاء ذلك في حديث عمرو بن حزم المشهور ().
ومن فوائد الحديث: الحثّ على إكثار العمرة، يؤخذ من قوله: "العمرة إلى العمرة ... إلخ"، ولكن هل معنى ذلك أن الإنسان يتردد إلى الحل وهو في مكة ليأتي بعمرة؟ لا؛ لأن سنة النبي ﷺ التَّركيَّة كسنته الفعلية، فإذا كان النبي ﷺ لم يفعل ذلك هو بنفسه مع تمكنه من هذا وتوفره له علم أنه ليس بمشروع، في غزوة الفتح متى دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا؟ في اليوم العشرين من رمضان وأنهى ما يتعلق بالفتح في خلال أربعة أيام، وبقي عليه ستة أيام وهو في مكة قبل
стр. 1524
أن ينتهي شهر رمضان وبإمكانه بكل سهولة أن يخرج إلى التنعيم ويأتي بعمرة، فهل فعل؟ لا، ما فعل؛ إذن ليس من المشروع وأنا في مكة أن أخرج إلى التنعيم وآتي بعمرة حتى لو بقيت بعد قدومي إلى مكة شهرا أو شهرين فليس من المشروع أن أخرج إلى التنعيم، أو إلى غيره من الحلّ لآتي بعمرة، اعتمر الرسول ﷺ لما رجع من غزوة الطائف ونزل بالجعرانة ليقسم الغنائم، دخل مكة ليلا واعتمر وخرج من فوره ما بقي، ولهذا خفيت هذه العمرة على كثير من الناس فلم يعدوها في غمر النبي ﷺ .
على كل حال أقول: "إن العمرة للعمرة"، لا تدل على أنه ينبغي للإنسان وهو في مكة أن يكثر من التردد إلى الحلّ ليأتي بعمرة، لماذا؟ لأن السنة التركية كالسنة الفعلية، فما دام النبي ﷺ لم يفعل ذلك دل على أنه ليس بمشروع.
فإن قلت: أليس قد أذن النبي ﷺ لعائشة أن تخرج إلى التنعيم وتأتي بعمرة؟
نقول: من كان على مثل حالها استحببنا له أن يفعل، أو على الأقل أبحنا له أن يفعل، وإلا فلا، عائشة ﵂ قصتها معلومة، قدمت مع النبي ﷺ كسائر أمهات المؤمنين في حجة الوداع وأحرمت بعمرة، فلما وصلت "سرف" () حاضت، فأمرها النبي ﷺ أن تحرم بالحج لتكون قارنة، ففعلت وحجت مع الناس لم تطف ولم تسع أول ما قدمت؛ لأنها ما طهرت إلا يوم عرفة أو يوم العيد، إذن بقيت في يوم العيد فعلت ما فعل الناس، طافت وسعت، ولما انتهوا من الحج - وكان ذلك في ليلة الرابع عشر - طلبت من النبي ﷺ أن تأتي بعمرة وألحّت عليه وقالت: كيف يرجع الناس بعمرة وحج، وأرجع أنا بحج؟ ومرادها: أرجع بحج، تعني: بأفعال حج، وأما الأجر فقد كتب لها أجر عمرة وحجة؛ لقول النبي ﷺ : "طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك" (). وهذا ثابت، أمر النبي ﷺ أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بها إلى التنعيم، قال: "أخرج بأختك من الحرم فلتهلَّ بعمرة"، خرج بها وأهلّت بالعمرة ودخلت وطافت وسعت ومشت.
عبد الرحمن بن أبي بكر هل اعتمر؟ لا، فدل هذا على أنهم لا يرون أن هذا خير والنبي ﷺ لم يأمره أن يعتمر مع سهولة العمرة عليه، لأنه ذهب إلى الحلّ، فدل ذلك على أن الإتيان بالعمرة من مكة لمن اعتمر أو لمن حج أيضًا ليس بمشروع، أما ما يفعله العامة الآن من كونهم يترددون إلى الحل بحيث يصل الأمر إلى أن يأتي بعمرة في أول النهار وعمرة في آخر النهار فهذا ليس بصحيح، ولهذا يروى عن عطاء ﵀ أنه قال: "أيؤجر هؤلاء أم يؤزرون"؟ يعني: أم
стр. 1525
يأثموا، وفيها من المفاسد - ولاسيما في أيام المواسم - ما هو ظاهر، فإنهم يضيقون على الحجاج ويتعبون أنفسهم ويأتون بالعجائب.
وقد حدثتكم عن رجل رأيته يسعى وقد حلق نصف رأسه الأيمن فصار أبيض مثل هذه الورقة، والأيسر كله شعر! ! فقلت له: كيف هذا؟ قال: هذا عن عمرة أمس والباقي عن عمرة اليوم، فالمساكين يلعب بهم الشيطان! فهذا كله من الجهل، والواجب على الناس أن يعلم بعضهم بعضًا.
إلى متى تكون العمرة إلى العمرة؟ الإمام أحمد ﵀ ذكر ضابطًا جيدًا في ذلك فقال: إذا حمم رأسه فليعتمر ()، "خمم" يعني: صار أسود مثل الفحمة، يعني: إذا نبت الشعر وظهر سواده يعتمر، ولعله ﵀ أخذه من أن المعتمر مأمور إما بالحلق أو التقصير، وهذا لا يأتي إلا بعد أن يسود الرأس من الشعر، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى أنه يكره الإكثار منها والموالاة بينها باتفاق السلف، هكذا قال ()، ولكن لعل شيخ الإسلام أراد الموالاة القريبة بحيث لا ينبت الشعر ولا يكون مهيئًا للحلق أو التقصير.
جهاد النساء: الحج والعمرة:
٦٧٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله، على النِّساء جهادٌ؟ قال: نعم، عليهنَّ جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ، والعمرة" (). رواه أحمد، وابن ماجه واللَّفظ له، وإسناده صحيحٌ، وأضله في الصَّحيح.
قالت ﵂: "على النساء جهاد؟ " هذه الجملة لفظها لفظ الخبر، ولكن المراد بها الإنشاء، أي: أنها على تقدير الهمزة؛ فيكون التقدير: أعلى النساء جهاد، وحذف حرف الهمزة من الجملة المستفهم بها كثير في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا ءالهة من الأرض هم ينشرون﴾ [الأنبياء: ٢١]. يعني: أهذه الآلهة تقدر على نشر الأموات وإحيائهم، والجواب: لا.
وقولها: "جهاد" مصدر جاهد يجاهد، والجهاد هو بذل الجهل، وهو الطاقة في قتال الأعداء، وإن شئنا عرفناه بمعنى أعم فقلنا: بذل الجهد لإعلاء كلمة الله ليشمل الجهاد بالقتال والجهاد بالعلم، فإن بيان الحق بالعلم جهاد بلا شك، وعلى هذا نقول: الجهاد في الشرع هو بذل الجهد لإعلاء كلمة الله، فيشمل القتال بالسلاح، ويشمل بيان العلم.
стр. 1526
وقوله ﷺ : "نعم"، سبق لنا أن قلنا: أن كلمة "نعم" حرف جواب، والجواب يكون بإعادة السؤال؛ ولهذا يقولون: السؤال معاد في الجواب، فإذا قال: نعم، فالتقدير: عليهن جهاد.
ولكن الرسول ﷺ بين أن هذا الجهاد ليس هو الجهاد الذي فيه القتال قال: "جهاد لا قتال فيه"؛ لأنه ليس هناك عدو تقاتله وتقابله، لكن الحج نوع من الجهاد؛ ولأن فيه المشقة والتعب على الرجال وعلى النساء، وفيه أيضًا شيء من بذل المال، لكن سبق لنا أن بذل المال ليس بركن في الحج.
قال: "الحج والعمرة"، ومحلها من الإعراب أنها خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو الحج والعمرة.
ففي هذا الحديث فوائد منها: حرص الصحابة ﵃ على السؤال عن العلم؛ لأن عائشة سألت النبي ﷺ هل على النساء جهاد؟
ومنها: أن الجهاد من أفضل الأعمال، ولهذا سألت عائشة النبي ﷺ هل عليهن جهاد أم لا؟ ولا شك أن الجهاد من أفضل الأعمال، بل أن الله تعالى قال فيه: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًّا في التوراة والإنجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١١١].
ومن فوائد الحديث: أن الحج والعمرة واجبان، لأن كلمة "على" ظاهرة في الوجوب، إذا قلت: "عليك كذا" المعنى: أنه لازم عليك وواجب عليك؛ هي ليست صريحة في الوجوب لكنها ظاهرة فيه، ولهذا ذكر أهل أصول الفقه أن كلمة "عليك" كذا ظاهرة في الوجوب؛ أي: أنها من صيغ الوجوب لكنها ليست صريحة.
ومن فوائد الحديث: أن الجواب إذا كان يحتاج إلى زيادة قيد واجب على المجيب أن يذكر هذا القيد، لأنه قال: "عليهن جهاد لا قتال فيه"، لو قال: عليهن جهاد وسكت، لكان هناك إشكال.
ومن فوائد الحديث أيضًا: فضيلة الحج والعمرة؛ حيث جعلهما النبي ﷺ من الجهاد.
ومنها: الإشارة إلى ما سيلاقيه الحاج والمعتمر من التعب والعناء، وكان الناس فيما سبق يجدون من التعب والعناء في الوصول إلى البيت؛ لأنهم يذهبون على الإبل والمدة طويلة، وربما يمشون كثيرًا في المسير، وربما يكون خوف، ولكنهم لا يجدون صعوبة في أداء المناسك؛ لأن المشاعر في ذلك الوقت كانت خفيفة ليس فيها أحد إلا قليلًا، أما الآن فكان الأمر بالعكس الوصول إلى مكة سهل وآمن والحمد لله لكن أداء المناسك هو الصعب؛ لأن
стр. 1527
الناس كثروا وكان فيهم العربي والعجمي، والعالم والجاهل، والأحمق والسفيه؛ لهذا نجد الحج مع الأسف الآن أن الإنسان لا يقوم عليه إلا وهو قد تقلد كفته كما يقول الناس من صعو بته وشلاته، ولا يخفي عليكم ما يحصل من الزحام الذي يؤدي إلى القتل والموت؛ ولهذا نقول: إنه نوع من الجهاد في سبيل الله.
لو قال قائل: هل يدل الحديث على الاكتفاء بـ "نعم" في الجواب؟ لا، لماذا؟ لأنه أعاد السؤال قال: "عليهن جهاد لا قتال فيه"، ولكن لعل النبي ﷺ أعاد الجواب من أجل القيد، وإلا لاكتفين بقوله: "نعم".
حكم العمرة:
٦٧٦ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتى النبي ﷺ أعرابيٌّ. فقال: يا رسول الله، أخبرني عن العمرة، أواجبةٌ هي؟ فقال: لا. وأن تعتمر خيرٌ لك" (). رواه أحمد، والترمذيُّ، والرَّاجح وقفه.
- وأخرجه ابن عديٍّ من وجهٍ آخر ضعيفٍ ().
"وقفه"، يعني: أنه من قول جابر، قوله: "أتى النبي ﷺ لماذا تصبت وهي بعد الفعل؟ لأنها مفعول مقدم، "أعرابي" هو الفاعل، والأعرابي هو ساكن البادية، والغالب على الأعراب الجهل، كما قال الله تعالى: ﴿الأعراب أشدُّ كفرًا ونفاقًا وأجدر ألَّا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ [التوبة: ٩٩]. لكن الغالب عليهم - لبعدهم - الجهل وعدم العلم بحدود ما أنزل الله على رسوله.
وقوله: "أخبرني عن العمرة أواجبة؟ "، هذا يعني: أن في هذا الأعرابي شيئًا من الغلظة في الكلام، كان الأرفق من هذا أن يقول: يا رسول الله، هل العمرة واجبة؟ كما قالت عائشة في الحديث الماضي: يا رسول الله، على النساء جهاد؟
وقوله: "أواجبة هي؟ " الهمزة هنا للاستفهام، و"واجبة"، مبتدأ، وهي فاعل سد مسد الخبر،
стр. 1528
ويجوز أن تكون "واجبة"، خبرًا مقدمًا، و"هي"، مبتدأ مؤخرا، يقول ابن مالك في هذه المسألة:
والثَّان مبتدًا وذا الوصف خبر ... إن في سوى الإفراد طبقًا استقر ()
المهم: أن مثل هذا التركيب يجوز فيه الوجهان.
قال: "لا" هذا حرف جواب، واستغنى بها عن إعادة السؤال؛ إذ لو أعاد السؤال لقال: ليست واجبة، ولكنه قال: "وأن تعتمر خير لك"، يعني: من عدم العمرة، وقوله: "أن تعتمر" هذه مبتدأ. بعد سبكها بالمصدر، وخيره خبر المبتدأ، يعني: اعتمارك خير لك، فهي نظير قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خيرٌ لكم﴾ [البقرة: ١٨٤].
* فنستفيد من هذا الحديث - أن صح مرفوعًا - عدة فوائد:
أولًا: أن العمرة ليست واجبة وحينئذ يكون بينه وبين الحديث الأول تعارض؛ لأن الأول قال: "عليهن جهاد لا قتال فيه"، وهنا يقول: "ليست بواجبة"، فما الجمع بينهما؟ الجمع بينهما أن نقول: لا معارضة؛ لأن الحديث الأول أصح من الحديث الثاني؛ إذ إن الأول صحيح الإسناد مرفوعا إلى النبي ﷺ ، والثاني موقوف على جابر بن عبد الله، والموقوف لا يعارض المرفوع.
ثانيًا: قد يقال: أن هذا الأعرابي - يعني: لو صح الحديث - علم النبي ﷺ من حاله أنها لا تجب عليه لكن العمرة خير له إلا أن هذا يعكر عليه قوله: "أواجبة هي؟ " ولم يقل: عليِّ، ومن ثمَّ اختلف العلماء بناء على اختلاف الحديثين، فقال بعض العلماء: أن العمرة واجبة كالحجِّ، وقال آخرون: إنها لا تجب؛ لأن الله إنما أوجب الحج فقال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وأما قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ [البقرة: ١٩٦]. فقد سبق أنه ليس فيها دليل على الفرضية، وقال بعض العلماء: إنها تجب على غير المكي، وهذا منصوص الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام () ابن تيمية ﵀، أي: أنها لا تجب على المكي، إنما تجب على من كان من غير أهل مكة، ولا يرد على هذا حديث ابن عباس: "هنّ لهنّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة"، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة؛ لأننا نقول: أن أهل مكة لهم أن يعتمروا، لكن لا تجب عليهم العمرة.
والراجح عندي: أن العمرة واجبة كالحج؛ لحديث عائشة، وحديث جابر لا يعارضه؛ لأنه قد روي موقوفًا وهو الراجح كما قال المؤلف؛ ولأن العمرة تسمَّى حجًّا أصغر؛ لحديث عمرو بن حزم المشهور، وفيه: "وأن العمرة الحج الأصغر"، فتكون داخلة في لفظ العموم: ﴿حج البيت﴾،
стр. 1529
وتكون هذه الكلمة - حج - مشتركة بين العمرة والحج بينتها السُّنة، قال: "وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف".
٦٧٧ - غن جابرٍ ﵁ مرفوعًا: "الحجُّ والعمرة فريضتان" ().
في هذا الحديث فوائد منها: جفاء الأعراب حتى في الطق واللفظ؛ لقوله: "أخبرني عن العمرة أواجبة؟ ".
ومن فوائده: أن الحج قد استقر وجوبه عند الناس وعلموه ولهذا سأل عن العمرة دون غيرها، ومن فوائده أن العمرة ليست بواجبة لقوله "لا"، ومن فوائده أنها سنة لقوله: "أن تعتمر خير لك"، ولكن هل قيل: في الشيء إنه خير مقتضاه أنه لا يجب؟ لا، قد يقال: إنه خير فيما هو واجب وفيما هو ركن من أركان الدين، كما قال تعالى: ﴿تؤمنون بالله ورسوله وتجهدون في سبيل الله بأمولكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم﴾ [الصف: ١١].
٦٧٨ - وعن أنس ﵁ قال: "قيل: يا رسول الله، ما السَّبيل؟ قال: الزَّاد والرَّاحلة" (). رواه الدَّارقطنيُّ، وصحَّحه الحاكم، والراجح إرساله.
٦٧٩ - وأخرجه الترمذيُّ من حديث ابن عمر ﵁ أيضًا، وفي إسناده ضعفٌ ().
قوله: "ما السبيل؟ "، يشير إلى قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وكان المتوقع أن يقول: السبيل الطريق، لكنه قال: "الزاد والرّاحلة"، ففسره بالمراد؛ لأن الزّاد والرّاحلة لا تطابق في المعنى كلمة السبيل، والذي يطابق في المعنى كلمة السبيل ما هو؟ الطريق، وعلى هذا ينبغي أن نعرف قاعدة في التفسير أن التفسير نوعان: تفسير بالمراد، وتفسير بالمعنى الذي يراد باللفظ لا بما يراد من المعنى، فهاهنا شيئان عندما نقول: السبيل في اللغة الطريق، والمراد: الزَّاد والرَّاحلة، ولكن فسرنا السبيل بالزّاد والرّاحلة من الأول، نقول: هلا تفسير بالمراد، وليس تفسيرًا بالمعنى المطابق للفظ الذي يشرح به اللفظ.
على كل حال قد فسر النبي ﷺ السبيل في قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾ بالزَّاد والرَّاحلة.
стр. 1530
وهذا الحديث - يقول المؤلف -: الراجح إرساله، فهو ضعيف، وهو كذلك، فمن حيات المعنى ضعيف، كما هو من حيث السند ضعيف؛ وذلك لأن الحاج قد يستطيع الحج بلا زاد ولا راجلة، فإذا كان قريبا يكون مستأجرًا فيركب البعير، أي: البعير الذي أجره كما يفعل الناس في السابق يستأجرون معهم أناسا للطبخ والشد والتنزيل وما أشبه ذلك.
على كل حال: المراد بالسبيل في قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾: الطريق الذي يوصلك إلى مكة، سواء كان زادا أو راحلة أو مشيا على الأقدام، فهذا هو الصحيح، وقد مر علينا أن الله. تعالى اشترط الاستطاعة مع أنه مشروط في كل عبادة كما قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم" [التغابن: ١٦]. وأشرنا إلى السبب في ذلك، وهو أنه غالبًا تكون فيه مشقة؛ فلهذا اشترطت الاستطاعة بعينه، يعني: أكد فيه شرط الاستطاعة؛ لأن الغالب فيه المشقة، وسبق لنا أن من شروط الحج: البلوغ، والثاني: العقل، والثالث: الإسلام، والرابع: الحرية، والخامس: القدرة، وجمعت في بيتين سبق ذكرهما.
من فوائد الحديث - إن صح -: تفسير الكلمات بالمثال، فإن قوله: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ لا يعني: الزّاد والرّاحلة، بل الزاد والراحلة مثال من أمثلة الاستطاعة، وليست هي الاستطاعة في كل وقت، قد يجد الإنسان زادًا وراحلة، ولا يستطيع ذلك في بدنه، كالكبير والمريض مرضًا ميئوسًا منه ونحوه.
حكم حج الصبي:
٦٨٠ - وعن ابن عبَّاس ﵄: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ لقي ركبًا بالرَّوحاء فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا من أنت؟ فقال: رسول الله ﷺ ، فرفعت إليه امرأةٌ صبيًّا. فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم ولك أجرٌ" (). رواه مسلم.
"الرَّوحاء": اسم محل بين مكة والمدينة، والرّكب: اسم جمع راكب وأقله ثلاثة، قوله: "من القوم؟ " ليتبين أمرهم خوفًا أن يكونوا من العدو، فقالوا: "المسلمون"، يعني: نحن مسلمون، ولم يقولوا: نحن بنو فلان ... إلخ؛ لأن المقصود الاستفهام عن دينهم حتى لا يكونوا أعداء، فقالوا: من أنت؟ أي: الذي سألتنا عن أصلنا أو عن أنفسنا، فقال: "رسول الله" اللهم صلِّ وسلم عليه، فلما قال: "رسول الله"، وكان النبي ﷺ هو المعلم لأمته رفعت إليه امرأة صبيًّا، "فقالت: ألهذا حج؟ " قال: "نعم ولك أجر"، قال: "نعم"، وما التقدير؟ له حج، "لك أجر"، لم يأت السؤال عنها، لكن كان من عادة النبي ﷺ أن يجيب بأكثر مما سئل إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فقوله
стр. 1531
صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ماء البحر قال: "الطهور ماءه الحل ميتته" ()، مع أنه ما سئل عن الميتة، لكن لما كان راكب البحر قد يحتاج للحيتان ويجدها ميتة أخبره النبي أو زاده أمرًا لم يسأل عنه وهو حلّ ميتة البحر.
* هذا الحديث يستفاد منه فوائد:
أولًا: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل عمن لقيه إذا كان يخاف أن يكونوا أعداء لسؤال النبي ﷺ من القوم؟
ثانيًا: أنه ينبغي للإنسان أن يكون يقظا يأخذ حذره لا يحسن الظن بكل أحد؛ لأنه ليس كل أحد على ما يظهر من حاله، فأنت احذر؛ ولهذا يقال: "احترسوا من الناس بسوء الظن" ()، وليس هذا على إطلاقه، بل إذا دلت القرينة على أنه محل سوء الظن فاحترس منه، أما إذا علمت سريرته وظاهره فلا ينبغي أن تسيء الظن بأحد.
الثالث: فيه دليل على أن الإنسان يجيب بحسب ما يظنه من مراد السائل لا بحسب ما يتبادر من لفظه؛ لأن هؤلاء الذين سئلوا قالوا: "المسلمون"، وكان من المتوقع أن يقولوا مثلًا: نحن من تميم، نحن من خزاعة .... إلخ، هذا هو المتبادر؛ لأن القوم هم حاشية الناس وأقاربهم، ولكنهم قالوا: نحن المسلمون؛ لأنهم ظنوا أن النبي ﷺ لا يريد أن يعرف أنسابهم وإنما أديانهم، ليطمئن إليهم.
وفيه أيضًا دليل: على أنه لو سالك سائل عن نفسك فاسأله أنت لكن هل الأولى أن تجيبه أو أن تسأله قبل إجابته؟ ينظر في الموضوع، أن خفت أن هذا الرجل يسألك ثم يعلم من أنت ثم لا يعطيك الخبر عن نفسه فالأولى أن تسأله أولا أو تحاول أن تأتي بتورية، إذا قال: من أنت؟ أقول: من بني آدم، إذا قال: من أنت؟ أقول: أنا عبد الله، إذا قال: من أبوك؟ عبد الرحمن، إذا قال: ما قبيلتك؟ أقول: عبيد الله، لأنه أحيانًا بعض الناس يسألك ولا يمكنك أن يعلمك بنفسه، فيأخذ ما عندك ولا يعطى ما عنده.
ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة على السؤال، لأنهم لما علموا أنه النبي ﷺ بادروا بالسؤال عما يجهلون من أحكام دينهم.
وفيه دليل: على أن صوت المرأة ليس بعورة؛ لأنها رفعت صوتها والناس يسمعون من جملتهم ابن عباس، ومعلوم أن صوت المرأة ليس بعورة، ولكن إن خيف الفتنة في التخاطب
стр. 1532
وجب الكف، أما خضوع المرأة بالقول ولينها بالقول فهذا محرم، لا لأنه قول ولكن لأنه خضوع؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرضً وقلن فولاً معروفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، لم يقل: لا تتكلمن.
وفيه أيضًا: أن الصغير لا يجب عليه الحج، لأنها قالت: "ألهذا حج؟ " ولم تقل: أعلى هذا؟ وبينهما فرق؛ لأن "ألهذا حج؟ " يعني: أنه يقبل منه ويصح أعليه؟ أفرض عليه حج؟
وفيه أيضًا دليل: على الاكتفاء بـ "نعم" في الجواب؛ لقوله: "نعم"، وهل يشابهها ما كان. بمعناها كما لو قال: إي؟ أو قال: أيوه - هذه حجازية -، على كل حال: ما كان بمعناها فهو مثلها؛ لأننا لا نتعبد بهذه الألفاظ هذه ألفاظ وضعت أدوات دالة على المعنى، فبأي وصف حصل المعنى حصل المقصود، لو أنه قيل لرجل: أطلقت امرأتك؟ قال: "نعم"، هل تطلق؟ نعم، أعتقت عبدك؟ قال: "نعم"، يعتق وقفت مالك أو يتك؟ قال: "نعم"، يكون وقفًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصبي إذا أحرم بالحج لزمه ما يلزم البالغ من أحكام الحج، وجه الدلالة: أنه إذا أثبت له الحج ثبت للحج محظوراته وأحكامه، فإذا كان الرسول ﷺ أثبت الحج معناه: أن أحكام الحج تترتب على هذا الحج، ولكن هل يلزمه المضي فيه؟ في هذا للعلماء قولان: قول أبي حنيفة أنه لا يلزمه المعنى فيه؛ لماذا؟ قال: لأنه غير مكلف وليس من أهل الوجوب، وقد قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة" (). وبناء على هذا فإذا أحرم الصبي الذي لم يبلغ ثم تعب من الإحرام وخلع إحرامه وانفسخ من حجه يجوز على هذا الرأي؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.
وقال أكثر أهل العلم: يلزمه إتمام الحج؛ لأن نفل الحج يجب إتمامه على البالغ، فهذا الصبي الحج في حقه نفل فيجب عليه إتمامه، لا شك أن هذا قياس له وجه من النظر، لكن قول أبي حنيفة أقوى من هذا القياس، لماذا؟ لأننا نقول: هذا الصبي ليس من أهل الوجوب حتى نلزمه، لكن الرجل الذي تلبس بالتطوع من الحج أو العمرة من أهل الوجوب وتلبسه بذلك كنذره إياهما، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩].
وشبيه بهذه المسألة من بعض الوجوه: الصبى إذا قتل خطا هل تلزمه الكفارة أو لا تلزمه؟ المشهور من المذهب: أنها تلزمه، قالوا: لأن القتل - أو لأن وجوب الكفارة في القتل - لا يشترط فيه القصد؛ ولذلك لو وقع القتل من نائم بأن تنقلب المرأة على ابنها مثلًا لزمتها الكفارة، ولو
стр. 1533
أراد الإنسان أن يرمي صيدًا فأصاب إنسانا لزمته الكفارة فالكفارة في القتل لا يشترط فيها القصد، وهذا الصبي أو المجنون إذا قتلا فإن عمدهما خطا تجب فيه الكفارة.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا كفارة على الصغير الذي لم يبلغ - في القتل -؛ لأنه ليس من أهل الوجوب أصلًا، وفرق بين من أصل الوجوب أصلًا وبين من كان من أهل الوجوب، لكن وقع فعله خطا، فنحن نقول: هذا الصبي لو دهس إنسانًا فإنه ليس عليه كفارة؛ لأنه ليس من أهل الوجوب أصلًا بخلاف الذي كان من أهل الوجوب فأخطأ فإنه ملزم بذلك، وخطؤه يسقط عنه القصاص والدم، وأما الصبي والمجنون فليسا من أهل الوجوب أصلًا.
في هذا الحديث من الفوائد: جواز الزيادة في الجواب عن السؤال إذا اقتضته المصلحة؛ لقوله: "ولك أجر".
وفيه أيضًا: دليل على فساد قول من يقول من العامة: أن ثواب حج الصبي لوالده، وقال بعض العامة: بل ثوابه لجدته من أمه، وقال بعض العامة: بل ثوابه لمن حج به هذه ثلاثة أقوال كلها لا تصح، والصحيح: أن أجر الحج له لكن لأمه التي تولت الحج به أجر؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "لك أجر"، ولم يقل: لك أجره، وهناك فرق بين اللفظتين، إذن هذا الصبي ينال ثواب الحج والأم تنال أجر العمل والتوجيه.
فإن قلت: هذا الصبي هل ينوي هو أو ينوى عنه ()؟
فالجواب: أن كان يعقل النية ينوي هو بنفسه، وإن كان لا يعقل ينوى عنه. هل يصح أن ينوي عنه من ليس بمحرم، أو لابد أن ينوي عنه من شاركه في الإحرام؟ نقول: يصح أن ينوي عنه من لم يحرم لإطلاق الحديث: "نعم ولك أجر"، هل يصح أن ينوي عنه من هو محرم؟ نعم يصح.
وهل عند الطواف يحمل أو يمشي، وهل ينوي هو بنفسه أو ينوى عنه؟ نقول: يمشي ما لم يعجز، فإن عجز حمل، الدليل على أنه أن عجز حمل: قول النبي ﷺ لأم سلمة وقد استأذنته في الطواف وهي شاكية، قال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة" ()، لكن لماذا تطوف من وراء الناس؟ لئلا توذي الناس ببعيرها، وبه نعرف أن هؤلاء السُّود الذين يحملون الطائفين بالسرير، ثم يأتون - والعياذ بالله - يركضون ركضا وسط الطائفين ويكسرون رءوسهم أنهم مخطئون في ذلك خطأ عظيمًا، فيقال: أنتم إذا حملتم أحلا فطوفوا به من وراء الناس كما أرشد النبي ﷺ .
стр. 1534
وهل هو الذي ينوي عنه وليها؟ نقول فيه ما سبق في الإحرام أن كان يعرف النية قيل له: أنو هذا، طواف هذا سعي أن كان لا يعقل نوى عنه وليه، وفي هذه الحال هل يشترط إلا يكون وليه حاملًا له، أو يصح أن ينوي عنه وهو حامل له؟ عرفنا قبل قليل أن كان يستطيع المشي وإلا حمل، فهل ينوي عنه وليه وهو حامل له أو لا؟ نقول: ينوي عنه وليه وهو حامل له، أن كان وليه لا يطوف فيطوف بنفسه، فإن كان يطوف لنفسه ونوى عن نفسه وعن وليه، فقال: بعض العلماء: إنه لا يصح الطواف، ويكون الطواف للمحمول دون الحامل، وقيل: بالعكس للحامل دون المحمول، وقيل لهما جميعًا، والصحيح: أنه إذا كان الصبي لا يعرف النية لا يصح أصلًا أن ينوي عنه وعن طفله؛ لأنه لا يمكن أن يقع فعل واحد بنيتين عن شخصين، لأن الطفل الآن هل منه عمل؟ لا، هو محمول وأنا الذي أدور به، فلا يمكن أن يصح أن يكون دوري هلا وهو عمل واحد عن اثنين بنيتين، أما إذا كان يحسن النية فلا بأس أن أقول: انو الطواف وأنا أحمله أنوي عن نفسي ويكون هذا الطواف صحيحًا؛ لأنه الآن نوى أن يطوف، فإذا نوى أن يطوف فقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، غاية ما في أنه كان محمولًا من أجل العجز، وهذا الفصيل هو أقرب ما قال في هذه المسألة، أي: أنه ينظر أن كان الصبي يعقل النية قيل له: انو الطواف وحمله وليه وطاف به، ولو كان الولي ينوي الطواف عن نفسه، أما إذا كان لا يحسن النية فإنه لا ينوي وليه بنيتين في عمل واحد.
قوله: "نعم ولك أجر" يدل على أنه يجوز للمرأة أن تحرم بصبيها، وهذا هو الصحيح، وقيل: إنه لا يصح أن يحرم إلا الأب أو وصيه، ولكن الصحيح: أن الأم يصح أن تنوي عن طفلها، فهل يقاس على ولاية العبادات ولاية المعاملات، وأن المرأة يصح أن تكون ولية على مال القصار من أطفالها؟ نقول: قيل بذلك، وقيل: لا، وأن الولي في المال هو الأب فقط، وعلى هذا فلو مات رجل عن أطفال صغار ولهم أم وخلَّف مالًا فمن يتولى مالهم؟ المشهور من المذهب أن الولاية هنا للحاكم يذهب إلى القاضي، وكل من ترى، والقول الثاني يقول: الولاية هنا للأم؛ لأن لدى الأم من الشفقة مثل ما لدى الأب أو أكثر، لكن للقائلين بأن ولاية المال لا تكون للأم يقولون: لأن الأم بالنسبة للمال تصرفها قاصر، فقد اختل فيها شرط القوة على العمل ﴿إن خير من استئجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦].
* * *
стр. 1535
حكم الحج عن الغير:
٦٨١ - وعنه ﵁ قال: "كان الفضل بن عباس ﵁ رديف رسول الله ﷺ ؛ فجاءت امرأةٌ من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه وجعل النَّبيُّ ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشِّقِّ الآخر. فقالت: يا رسول الله، إنَّ فريضة الله على عباده في الحجِّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الرَّاحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجَّة الوداع" (). متَّفقٌ عليه، واللفظ للبخاريِّ.
"الفضل"، أكبر من عبد الله قوله رديف أي: فعيل بمعنى فاعل؛ أي: رادفه، أي: راكب معه على الناقة، قوله: "جاءت امرأة" هذه مبهمة، ولا يهمنا أن تكون مبهمة أو معينة؛ لأن المقصود هو القضية "فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه"، "جعل" هذه من أفعال الشروع ذكرها ابن مالك في باب أفعال المقاربة، وقوله: "ينظر إليها وتنظر إليه" هل إليها إلى جسمها أو إلى وجهها؟ يحتمل أن المراد: إلى وجهها، وأن المراد: إلى ذاتها يعني: جسمها وهيئتها؛ لأن المرأة ينظر إليها من الناحيتين، والأجسام تختلف في النساء: فيهن الطويلة والقصيرة والعريضة والمتوسطة والدقيقة .... وهكذا.
وقوله: "وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشّق الآخر"، أي: إلى الجانب الآخر، كلما نظر صرفه النبي ﷺ إلى الجانب الآخر، وقولها: "إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا" يعني: الآية أو النص الذي فيه الفريضة حصل بعد أن بلغ والدها الشيخوخة، وقولها: - "أفأحج عنه؟ "، يعني: حجة الفريضة، قال: "نعم" يعني: حجي عنه.
هذا الحديث كما رأيتم في حجة الوداع، وحجة الوداع هي الحجة التي حجها النبي ﷺ آخر عمره ولم يحج قبلها بعد هجرته، وهل حج قبل الهجرة؟ هناك حديث رواه الترمذي بسند فيه نظر أنه حج مرتين () "، والظاهر أنه حج عدة مرات؛ لأن المعروف في السير أن الرسول ﷺ كان يخرج إلى الموسم - موسم الحج - فيعرض نفسه على القبائل ويدعوهم إلى الله ، وسميت حجة الوداع، لأن النبي ﷺ قال فيها: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"، وهذا كالمودع للناس؛ ولهذا لم يبق بعدها النبي ﷺ إلا مدة وجيزة حتى توفاه الله .
هذا الحديث يقول: أن الفضل كان رديف النبي ﷺ ، وذلك حين دفع من مزدلفة إلى منى يوم العيد، والنبي ﷺ أردف في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد، وأردف في دفعه من مزدلفة إلى منى الفضل بن العباس، وهؤلاء ليسوا من كبار القوم أسامة ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1536
زيد بن حارثة، فلم يختر النبي ﷺ أشراف القوم ووجهاءهم أن يكونوا هم الذين يردفونه على ناقته، بل اختار من صغار القوم في السن، واختار المولى يردفه من عرفة إلى مزدلفة؛ لأن الرسول ﷺ لا يعتد بالمظاهر ولا تهمه، بل كان من عادته ﷺ أنه يكون في أخريات القوم يتفقدهم، يعني: ليس هو الأول، بل يكتفي أن يكون الأخير حتى يتفقد أصحابه وينظر من يحتاج إلى أمر.
وقصة جابر في جمله () واضحة، فإن جابر بن عبد الله كان معه جمل ضعيف لا يمشي، يقول: فلحقني النبي ﷺ فضربه ودعا فسار الجمل سيرًا لم يسر مثله قط، حتى صار الجمل يكون في مقدمة القوم وجابر يرده؛ لأن الرسول ﷺ دعا له، فقال له النبي ﷺ : "أتبيعني إياه؟ "، كان في الأول يريد أن يتركه قال: نعم، قال: "بعنيه بأوقية"، كم الأوقية؟ أربعون درهمًا، قال: لا، فقال: "بعنيه" فباعه، فاشترط أن يحمله إلى أهله في المدينة، فأعطاه النبي ﷺ شرطه، فلما وصل إلى المدينة دفع النبي ﷺ الثمن، وقال له: خذ جملك ودراهمك فهو لك.
المهم: أن هذا الحديث يدل على أن الرسول ﷺ من عادته أن يكون في آخر القوم.
وقوله: "فجاءت امرأة من خثعم"، أي: القبيلة المعروفة بهذا الاسم خثعم، تريد أن تسأل النبي ﷺ ، وكان من عادة النساء - بل من المشروع في حقهن - في حال الإحرام أن يكشفن وجوههن وهي جاءت كاشفة وجهها؛ لأن هذا هو المشروع في إحرام المرأة إذا لم يكن عندها رجال أجانب، والنبي ﷺ ذكر ابن حجر أن من خصائصه أنه - يجوز له من النظر إلى المرأة والخلوة بها ما لا يجوز لغيره، وهي تقابل النبي ﷺ الآن، ولكن الفضل ﵁ وكان رديف النبي ﷺ كان شابًا وسيمًا، يعنى: جميلًا، فجعل ينظر إليها وتنظر إليه، ونظر رجل شاب لامرأة وهي تبادله النظر يخشى من الفتة مهما كان الإنسان، ولكن النبي ﷺ سدّ هذا الباب، فجعل يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، ولم يأمر المرأة أن تغطي وجهها؛ لأن المشروع في - حق النساء - كما قلت - الكشف عن وجوههن في حال الإحرام.
فقالت: "يا رسول الله"، تناديه بهذا الوصف الذي هو أفضل أوصاف الرسول ﷺ ، لأن أفضل أوصافه أن يكون عبدا رسولًا، قالت: "يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده ... إلخ"، قولها ﵂: "إن فريضة الله على عباده في الحج"، وأقرها النبي ﷺ على ذلك، هذا يدل على أن الفريضة كانت متأخرة أدركت أباها وهو شيخ كبير لا يثبت على الرّاحلة، يعني: لا يستطيع أن يبقى على الراحلة؛ لأنه كبير والكبير عادة تلحقه المشقة بسرعة، هذا إذا تمكن من الركوب، وإلا فقد لا يتمكن أصلًا.
стр. 1537
تقول: "أفأحج عنه؟ " يعني: حج الفريضة، قال: "نعم" يعني: حجي عنه، وذلك في حجة الوداع، ذكر هذا ليفيد أن هذا الحكم متأخر؛ لئلا يقول قائل: لعله في أول الإسلام فنسخ، أو ما أشبه ذلك.
من فوائد الحديث - وهي مهمة -: جواز الإرداف على الدابة، ولو كان الإرداف حرامًا ما أردفه، ولكن يشترط لذلك أن تكون الدابة قوية وقادرة على تحمل الرديف، فإن كانت هزيلة ضعيفة ويشق عليها الإرداف فلا يجوز لقول النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" ().
ومن فوائد الحديث: تواضع النبي ﷺ ؛ حيث أردف الفضل بن العباس دون أشراف القوم، وأردف - كما ذكرت قبل قليل - في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد.
ومن فوائد الحديث: أن الصحابة ﵃ من أحرص الناس على طلب العلم، ذكورهم وإناثهم؛ لقوله: "فجاءت امرأة من خثعم فسألت النبي ﷺ ".
ومنها: أن طلب العلم لا يختص بالرجال، فكما أن الرجل يشرع له طلب العلم بل يتعين عليه إذا كانت عبادته لا تقوم إلا به فإنه يتعين عليه وكذلك المرأة ولا فرق.
ومن فوائد الحديث: عدم جواز نظر الرجل إلى المرأة كما استدل به النووي وغيره من أهل العلم، والدليل صرف النبي ﷺ وجه الفضل إلى الشق الآخر، وهل هذا عام، يعني: لا يجوز له أن ينظر إلى المرأة لا لشهوة ولا لغير شهوة، هذا الحديث هل يدل على العموم؟
قد يقول قائل: أن هنا شيئين تعارضا: ظاهر، وأصل، الظاهر هو أن الفضل كان ينظر إليها وتنظر إليه، وهذا يدل على شيء في النفس ورغبة، وإلا لما جعل ينظر إليها والرسول يصرف وجهه هذا ظاهر، وهنا أصل يضعف هذا الظاهر وهو زكاء الصحابة ﵃ ولاسيما في مثل هذه الحال وهو محرم، فإنه يبعد جدًّا أن ينظر إليها نظر شهوة، فأيهما نقدم: أنقدم الظاهر أم نقدم الأصل؟ الأصل، إذا قلنا بذلك لزم منه أن الرجل إذا رأى امرأة كاشفة الوجه وجب عليه أن يعرض وهو كذلك، ولكن هل ينكر عليها أو لا ينكر؟ إذا كانت في السوق يجب عليه الإنكار، وكذلك أيضًا إذا كانت في مكان يطلع عليها هذا الرجل، كما لو كانت في البيت عند زوجها، وأخي زوجها فإنه يجب الإنكار عليها إذا كانت كاشفة الوجه في هله الأحوال.
هل يستفاد من هذا الحديث: جواز كشف المرأة وجهها عند الرجال الأجانب؟ ممكن أن نقول: لا دليل على ذلك في الحديث، لأن فيه احتمالًا كبيرًا أنه لم يحضرها إلا النبي ﷺ والفضل
стр. 1538
بن عباس، قد يكون مثلًا هي تمشي وليس حولها أحد إلا الرسول ﷺ والفضل بن العباس، لكن العباس لا يلزم أن يرى وجهها، لأنه قد يكون خلفها الكلام على الفضل، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
لكن قد يقول قائل: هذا الاحتمال قائم على أنه ليس حولها إلا النبي ﷺ والفضل لكنه بعيد؛ لأن الغالب أن الصحابة يلتفون حول النبي ﷺ ، يعني: يكاد الإنسان يجزم بأن الرسول ﷺ لا يمكن أن يمشي وحده في هذا المكان، فما الجواب على هذا؟ فيه احتمال أنه لم ير وجهها، وأنه ينظر إلى جسمها كما قلنا في الشرح، المهم أن الحديث فيه احتمالات، فيه احتمال أنها كاشفة الوجه وأن الرسول أقرها، وكونها محرمة لا يبرر لها أن تكشف وجهها أمام الأجانب؛ لأن حديث عائشة يدل على أن المحرمة يجب عليها أن تستر وجهها إذا مر عليها الأجانب، فالحديث فيه احتمال، ولكن القاعدة المعروفة عند أهل العلم أنه إذا كان النص مشتبهًا محتملًا للوجهين وكان تمَّت نصوص أخرى واضحة فإن الواجب حمل المشتبه على الواضح، وقد صرح الله بأن في القرآن آيات متشابهات، وبين أن المحكمات التي لا يشتبه فيهن هن أم الكتاب والأم مرجع الشيء كما نقول "أم القرآن"؛ لأنها مرجع القرآن، وكما قيل:
على رأسه أمٌّ لنا نقتدي بها ()
يعني: نرجع إليها، فتكون النصوص المحكمة التي لا اشتباه فيها هي الأم، ويجب رد المشتبه الي المحكم حتي يكون الشيء محكمًا.
فإن قلت: ما هي الحكمة من أن تأتي النصوص بمثل هذا الاشتباه؟ وهل هذا إلا من باب الإشقاق على العباد والإعنات عليهم؟
فالجواب على هذا أن نقول: بل هذا من حكمة الله وامتحانه العباد، لأن الذين في قلوبهم زيغ ويريدون أن يضربوا شرع الله بعضه ببعض يتبعون المتشابه، والمؤمنون الراسخون في العلم لا يفعلون هذا، يقولون: آمنا به، فهذا من باب الاختبار والامتحان، وكما يكون هذا في الآيات الشرعية يكون أيضًا في الآيات الكونية بأن تأتي أمور من الآيات الكونية يخفي على المرء الحكمة فيها فيقول لماذا كان كذا؟ ليبتلي الله العباد هل يسلِّمون لقضائه وقدره أو يعترضون قد يوجد رجل طيب ذو أصل وشرف ومروعة يبتلى بآفات بدنية أو بفقر، ويوجد رجل على عكس من ذلك قد أعطاه الله الصحة في جسمه والغنى في ماله، ربما يقول قائل
стр. 1539
- قاصر النظر -: لماذا هذا يعطى هذا المال وهذه القوة وهو رجل ليس له شرف وجاه ومروءة، والثاني بالعكس، المهم أن موقفه من هذا الرضا والتسليم، ويقول: لا يسئل عما يفعل وهم يسألون، ربما يحصل للإنسان شلل ويبقى متعبًا لأهله وهو متعب، فيقول قائل: لماذا يصيبه الله بهذا البلاء أفلا يميته الله ويريحه ويريح الناس منه؟ هذا أيضًا من الاختبار، قد تخفي الحكمة علينا حتى في الأمور الكونية اختبارًا من الله وابتلاء، وموقف المؤمن من هذا أن يرضى ويسلم ويعلم أن الله له الحكمة فيما فعل، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿لا يسئل عمَّا يفعل وهم يسئلون﴾ [الأنبياء: ٢٣].
إذن فهمنا أن هذا الحديث - وإن كان فيه احتمال أنه يجوز للمرأة أن تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب - فيه احتمال أنَّ ذلك لم يكن، وإذا لم يكن لم يثبت المدلول، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، ثم على فرض أن الحديث هذا نص في الجواز، فإن غاية ما فيه أن يقال: إنه بالنسبة للمحرمة مشروع ومأمورة به، لكن في غير المحرمة من يقول: إنه جائز، ثم على فرض أن نقول: إنه لو كان حرامًا كشف الوجه لوجب على المحرمة تغطيته لئلا تنتهك المحرَّم وهي في حال الإحرام، والله يقول: ﴿فمن فرض فيهنَّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]. فنقول: غاية ما فيه أن يدل على الجواز، والقاعدة الشرعية أن الجائز إذا أفضى إلى الشر والفتنة يجب منعه، ولا يخفي على أحد الآن أن كشف النساء وجوههن فتنة ومدعاة للشر والفساد، وأن النساء إذا رخِّص لهن في كشف الوجه لم يقتصرن على ذلك، اذهب إلى البلاد التي يرخص للنساء فيها كشف الوجه انظر ماذا كشفن: الوجه والرأس والعنق والسيقان، المهم ما اقتصرن على ما رخص لهن فيه؛ ولهذا قال بعض العلماء: يجب عليهن الآن تغطية وجوههنَّ بالاتفاق، وذلك لكثرة الفتن.
من فوائد الحديث: مشروعية تغيير المنكر باليد؛ لفعل النبي ﷺ مع الفضل فجعل يصرف وجهه.
ومنها: جواز التغيير قبل الأمر؛ لأن الرسول ﷺ جعل يصرف وجهه دون أن يقول له: التفت أو اصرف وجهك، وعلى هذا فينظر الإنسان هل الأصلح أن يأمر أولا، ثم يغيِّر أو أن يغيِّر. أولًا قبل أن يأمر، فيرجع ذلك إلى ما فيه مصلحة.
ومن فوائد الحديث: جواز سؤال المرأة الرجل، وأن صوت المرأة ليس بعورة، وقد ذكرنا هذا.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط في وجوب الحج القدرة البدنية، وأنه يجب على من عنده مال وإن كان غير قادر في بدنه؛ لقول المرأة: "إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت
стр. 1540
أبي شيخا"، فأقرها النبي ﷺ على قولها: "إن فريضة الله على عباده في الحج"، ولو لم يجب الحج لقال: لا حج على أبيك، والقدرة بالنسبة للحج ثلاثة أقسام: قدرة بالمال دون البدن، وقدرة بالبدن دون المال، وقدرة بهما جميعًا، القدرة بهما جميعًا توجب على الإنسان أن يحج بنفسه، والقدرة على الحج بالبدن دون المال تسقط، ولكن قد يقول قائل: كيف تقول القدرة بالبدن تسقط؟ كيف إذا كان قادرًا بالبدن يمشي على رجليها؟ نقول: نعم إذا أمكنه ذلك وجب عليه أن يحج، لكن إذا كان لا يستطيع - هو قادر ببدنه لكن ما عنده راحلة، أما بدنه فيستطيع أن يركب وأن يؤدي الشعائر - نقول: فهذا لا يجب عليه الحج.
والثالث: القادر بالمال دون البدن فهذا يقسمه العلماء ﵏ إلى قسمين: قسم برجي زوال عجزه، وقسم آخر لا يرجي زوال عجزه، قالوا: فلان كان يرجى زوال عجزه، مثل أن يمر زمن الحج وهو مريض مرضًا عاديًّا ويرجى أن يشفي منه ويحج في العام القادم فهذا لا يجب أن يقيم من يحج عنه، بل ولا يصح؛ لأن عجزه مؤقت.
والقسم الثاني: عجز لا يرجى زواله كالعاجز عن الحج لكبر أو مرض لا يرجى برؤه وعنده مال، فهذا يجب عليه أن يقيم من يحج عنه.
فإن قال قائل: من أين أخذتم وجوب الاستنابة؟
فالجواب: من إقرار النبي ﷺ المرأة على قولها: "إن فريضة الله على عباده أدركت أبي"، فإذا كان فرضًا عليه ووجد من يقوم مقامه فإنه يلزمه أن يقيم من يقوم مقامه.
فإن قلت: إن هذا الحديث يدل على الجواز؛ لأن المرأة لم تسأل عن الوجوب، وإنما سألت عن الجواز؟
فالجواب: إذا كان جائزًا كان واجبًا؛ لأنه إذا كان جائزًا فمقتضى ذلك أن يصحَّ حج غيره عنه، فإذا قلنا: إنه واجب عليه فإنه يجب أن يقيم من يحج عنه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب أن يربط الإنسان على الرّاحلة؛ لقولها: "يسقط" إذ لو وجب لقال: اربطوه عليها، هل مثل ذلك من لا يستطيع الركوب على السيارة لكونه يتقيا ويدوخ؟ نعم مثله، لأن بعض الناس - وقد شاهدته أنا بعيني - إذا ركب على السيارة بدأ يتقيا ويدوخ ولا يشعر بالراحة إلا إذا نزل. لا شك أن هذا مشقة شديدة، بل أشد من تربيط الشيخ الكبير.
ومن فوائد الحديث: جواز حج المرأة عن الرجل، لأن الرسول ﷺ أذن لهذه المرأة أن تحج عن أبيها.
ومن فوائده: جواز حج الرجل عن المرأة من باب أولى، وجواز حج المرأة عن المرأة والرجل عن الرجل
стр. 1541
ومن فوائده: أن "نعم" التي هي حرف جواب تقوم مقام الجواب، لقو له: "نعم" يعني: حجي عنه.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي تأريخ ذكر الخطبة أو القضية؛ لقوله: "وذلك في حجة الوداع"؛ لأن فائدتها - لاسيما في خطاب النبي ﷺ هو بيان النسخ أو عدم النسخ.
ومن فوائد الحديث: جواز تسمية الشيء بسببه لقوله: "ذلك في حجة الوداع"، يعني: سبب ذلك قول الرسول ﷺ : "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للسائل أن يذكر جميع الأوصاف التي يختلف بها الحكم حتى لا يحتاج المسئول إلى استفصال.
وهل من فوائده جواز الحج عن الغير بدون إذنه؟ نعم؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: هل استأذنته؟ أو هل أذن لك؟ وهل يؤخذ منه جواز حج الإنسان عن غيره وإن لم يحج عن نفسه؟ لا؛ لأن المرأة سيظهر أنها حاجة وهي لا تسأل عن حجها الآن وإنما عن حج مقبل؛ إذن لا حاجة أن يقول لها: أحججت عن نفسك؟ لأنه يغلب على ظنه أن هذا الحج لها، وحينئذٍ لا يكون فيه دليل على أنه لا يجوز حج الإنسان عن غيره حتى يحج عن نفسه، أما الأول فالظاهر أنه واضح أن الإنسان يحج عن غيره وإن لم يستأذنه.
٦٨٢ - وعنه ﵁: "أن امرأة من جهينة جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أمِّي نذرت أن تحجَّ، ولم تحجَّ حتَّى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: نعم، حجِّي عنها، أرأيت لو كان على أمِّك دينٌ، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء" (). رواه البخاريُّ.
هذا الحديث أيضًا عن عبد الله بن عباس، قوله: "من جهينة"، هي قبيلة مشهورة، جاءت إلى النبي ﷺ ، ولم يذكر أين جاءته: هل في الحج أو في المدينة.
قولها: "إن أمي نذرت"، وسبق تعريف النّذر لغة أنه الإلزام، وفي الشرع إلزام المكلف نفسه طاعة لله .
وقولها: "فلم تحج حتى ماتت"، يحتمل أن المعنى: فماتت قبل أن يدركها الحج، ويحتمل: أنها لم تحج؛ يعني: أدركها الحج ولكنها لم تحج حتى ماتت، وسيأتي بيان الفرق بين الأمرين.
وقوله: "حجي عنها"، هذا أمر، لكنه أمر بعد السؤال عن الإباحة، والأمر بعد السؤال عن الإباحة للجواز؛ لأن الأمر بعد السؤال عن الإباحة، أما إذا جاء بعد الاستئذان فهو يكون للجواز، لو استأذن عليك رجل في البيت فقلت: ادخل؛ فليس هذا أمرًا بل هو إذن وإباحة، ولو سألك سائل يقول: هل أفعل كذا وهو جائز، فقلت: أنت افعل فهو للإباحة.
стр. 1542
قال "أرأيت؟ " يعني: أخبريني، "لو كان على أمك دين أكنت قاضيته"، فستقول: نعم، فهذا استفهام للتقرير يعني: يقرر النبي ﷺ هذه المرأة بأمر تقرّ به ولا تنكره، وهو أنه لو كان على أمها دين لقضته، وقوله: "أرأيت" يمر علينا كثيرًا مثل هذا التعبير، ونقول: إنه بمعنى أخبريني، لكن كيف يتفق مع تصريفه؟ يقول: إذا قال: أرأيت؟ يستفهم هل رأى ثم يطلب منه أن يخبره بما رأى في قوله: "أكنت قاضيته؟ "، مثلًا في هذا الحديث: ﴿أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم وختم على قلوبكم من إله ... ﴾ [الأنعام: ٤٦]. يعني: أخبروني بعد أن تروا هذا الشيء من إله غير الله يأتيكم به؛ فلهذا يقول العلماء: إن "أرأيت؟ " بمعنى: أخبرني، الواقع أنه ليس معناها بالتحديد؛ لأن الرؤية لا تأتي بمعنى الإخبار؛ لأنه إذا جاء الاستفهام بعد أرأيت؟ فهو طلب الإخبار، يعني: هل رأيت هذا أن كنت قد رأيت فأخبرني عنه، فيفسرونها ﵏ بما يلزم أو بما يطلب من هذه الرؤية.
وقوله: "اقضوا الله"، هذا أمر، "فالله أحق بالوفاء"، يعني: إذا كان الأدمي يوفَّى حقه فالله أحق بالوفاء.
من فوائد الحديث: قوله: "امرأة من جهينة"، هذه مجهولة ولكن جهالتها لا تضر؛ لأن ذلك لا يؤثر في الحكم شيئًا؛ لأن المرأة إذا جاءت تستفتي سواء كانت صغيرة أو كبيرة أو قصيرة أو طويلة كل هذه الأوصاف لا تهم.
ومن فوائد الحديث: أن صوت المرأة ليس بعورة، لأنها جاءت تسأل النبي ﷺ والصحابة يسمعون.
ومن فوائد الحديث: جواز النّذر، لكن قد يقول قائل: الرسول ﷺ ما أقر الناذرة، فلو أنها قالت: إني نذرت لكنَّا نقول: أن في الحديث دليل على جواز النّذر؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليها لكن هي تخبر عن فعل غيرها وأيضًا هذا الغير قد مات فكيف ينهى؟ فالجواب عن ذلك: أن ترتيب الحكم على هذا قد يشعر بالجواز؛ لأن هذه السائلة سوف تفهم إذا لم يقل الرسول ﷺ ، لماذا نذرت، أي: سوف تفهم أن النذر جائز، ولكنا نقول: هذا الحديث وإن دل على جواز النذر والدلالة كما ترون ليست واضحة فإن هناك أدلة صريحة للنهي عن النَّذر، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير" ()، ومعلوم من القواعد التي تمر بنا كثيرًا أن ما كان محكمًا لاشتباه فيه فهو قاضٍ على المشتبه، فنقول: هنا أن النذر مكروه، ونأخذه من دليل آخر غير هذا الحديث.
стр. 1543
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا نذر الحج لزمه، وجه الدلالة: تشبيه النبي ﷺ له بالذين والذين يجب على المرء قضاؤه.
ومن فوائد الحديث - وهو محل تأمل بيننا -: أن من نذر الحج ومات قبل زمنه لزم قضاؤه عنه، فهل نقول: أن الإنسان إذا نذر الحج ومات قبل إدراك زمنه يسقط عنه لأنه ما فرط، أو نقول: لما ألزم نفسه بذلك لزمه؟ الحديث في الواقع يحتمل هذا وهذا، ولكن الذي تقتضيه الأدلة الأخرى أنه إذا نذر ومات قبل إدراك زمنه فلا شيء عليه؛ وذلك لأنه وإن لم يشترطه بلفظه فقد اشترطه بحاله، فإن الرجل مثلًا إذا قال في رجب: لله على نذر أن أحج، معلوم أنه يكون هذا الحج في ذي الحجة، ولا يمكن أن يكون المراد: أنه يحج في رجب، وكأنه قال: إذا جاء شهر ذي الحجة فلله عليَّ نذر أن أحج، فيكون هذا المعلوم كالمشروع.
وعليه فنقول: أن الإنسان إذا نذر زمنًا معينًا ومات قبل إدراكه فإنه لا شيء عليه سواء كان معينًا بالزمن مثل أن يقول: "لله على نذر أن أصوم الشهر الفلاني" فيموت قبل إدراكه، أو يقول: "أن أحج" فيموت قبل زمن الحج، فهلا لا يجب عليه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب قضاء النذر على الفور؛ لأن هذا السؤال "نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت" فيه احتمال أنه قد مر عليها زمن الحج فلم تحج، وفيه احتمال أنه لم يمر، فعلى الاحتمال الأول قد يكون فيه دليل على أن النذر لا يجب على الفور، وعلى الاحتمال الثاني فليس فيه دليل، ولكن تقول: أن حكم هذه المسألة أن النذر يجب قضاؤه على الفور لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" ()، الفاء رابطة للجواب، والجواب مرتبط بالشرط، والأصل في الواجبات كلها أن تفعل على الفور، فالصحيح: أن النذر يجب قضاؤه على الفور ما لم يقيد، فإن قيد فعلى ما قيد به.
ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة على السؤال؛ لأن هذه المرأة جاءت تستفتي رسول الله ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يعاد السؤال مع الحرف المفيد للجواب؛ لقوله: "نعم حجي عنها". ومن فوائد الحديث: إثبات القياس؛ حيث قاس النبي ﷺ نذرها على الدَّين الذي يقصي. ومنها: حسن تعليم النبي ﷺ وذلك لضرب المثل بحيث يبين المعقول بالمحسوس.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسلك هذا المسلك في تعليم الناس؛ لأن من الناس من لا يستطيع أن يفهم المعنى إلا بضرب المثل.
стр. 1544
ومنها: أن لله تعالى على خلقه واجبا لقوله: "اقضوا الله"، ولا شك أن لله على خلقه واجبًا، حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا تزاحم حق الله وحق الآدمي قدم حق الله لقوله: "فالله أحق بالوفاء"، و"أحق" اسم تفضيل، ولكن قد ينازع في هذا الحكم والاستدلال له، أما في الحكم فينازع بأن يقال: كيف نقدم حق الله على حق الآدمي، والمعروف أن حق الآدمي مبني على المشاحة () وعدم السماح والعفو، وحق الله مبني على العفو والمسامحة، فكيف نقول: أن حق الله أولى أن يقضى، وأما المنازعة في الاستدلال فنقول: إن النبي ﷺ جعل ذلك من باب قياس الأولى؛ بمعنى: أنه إذا جاز هذا فهذا أولى، يعنى: إذا جاز وفاء ذين المخلوق فوفاء دين الله من باب أولى، وهذا لا يقتضي أنهما إذا اجتمعا قدم حق الله، فإن قلت: كيف يمكن اجتماعهما؟ فالجواب: يمكن، هذا رجل توفي وخلف ألف درهم وكان عليه لزيد ألف دينًا وعليه لله ألفٌ زكاة فكم عليه؟ ألفان والرجل خلف ألفًا، إن قضينا دين الآدمي أهملنا الزكاة، وإن قضينا الزكاة أهملنا دين الآدمي، فماذا نصنع؟ نقول: يتحاصان بالسوية، وكيفية المحاصة أن نقول: انسب الموجود إلى المطلوب، كم الموجود؟ ألف، والمطلوب ألفان، نسبة الألف للألفين النصف، فنعطي الزكاة خمسمائة، ودين الآدمي خمسمائة، فإن أسقط الآدمي حقه. يكون للزكاة، أما إذا أخذه ثم أعطاه الورثة فهو للورثة، أو إذا قال: تنازلت عنه للورثة فإنه يكون للورثة، أما إذا قال: تنازلت عنه، فمعناه: أنه أبرأ الميت منه ويكون للزكاة هذا هو الظاهر؛ لأن الاشتراك هنا اشتراك تزاحم، يعني: اشتراك الزكاة وصاحب الحق في الألف اشتراك تزاحم؛ فإذا زال الزحام بقي الثاني منفردًا، وإلا قد يقول قائل: أن المال إذا انتقل للورثة صار لهم الألف ثم توفَّى الزكاة خمسمائة؛ لأنه نصيبها، وإذا أسقط الطالب حقه رجع للورثة، لكن نقول: ليس هذا من باب اشتراك التزاحم فإذا زال الزحام ثبت للواحد
٦٨٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما صبي حج، ثمَّ بلغ الحنث، فعليه أن يحجُّ حجَّةً أخرى، وأيُّما عبدٍ حجَّ ثمَّ أعتق، فعليه أن يحجَّ حجَّةً أخرى" ().
هذا الحديث إن جعل مرفوعًا صار حجة؛ لأنه منسوب إلى رسول الله ﷺ ، وإن جعل موقوفًا
стр. 1545
فليس بحجة، لأن هذا مما للرأي فيه مجال ولا يثبت له حكم الرفع فيبقى رأيًا لابن عباس ﵄، ورأي الصحابي اختلف العلماء فيه هل هو حجة أم لا، والصحيح أنه حجة لا سيما الصحابة المعروفون بالعلم والفقه، لكنه يكون حجة بشرطين: إلا يخالف النص، وألا يعارضه قول صحابي آخر، فإن خالف النص فالمتبع النص، وإن عارضه قول صحابي آخر ينظر في الراجح؛ وذلك لأن الصحابة - رضى الله عنهم - أقرب إلى الفهم والفقه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لأنهم عاصروا نزول النصوص وعرفوا كلام النبي ﷺ ومراده، ونحن نشاهد الآن أن أعلم الناس بقول العالم هم تلامذته، إذن فأعلم الناس بشريعة النبي ﷺ هم الصحابة ﵃.
لننظر الآن فوائد هذا الحديث منها: صحة حج الصبي لقوله: "فعليه حجة أخرى"، فبين بقوله: "حجة أخرى" أن الأولى صحيحة؛ لأن "أخرى"، مؤنث آخر، وعليه فيفيد صحة حجة الصبى، وقد أفاده حديث ابن عباس السابق الذي فيه: أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيًّا قالت: "ألهذا حج؟ " قال: "نعم" ... إلخ.
ومن فوائد الحديث: أن هذا الصبي لو بلغ في أثناء الحج فإن الحكم يختلف كيف إذا بلغ في أثناء الحج، فإن بلغ قبل فوات الوقوف ووقف بعرفة أجزأه الحج عن فريضة الإسلام لقول النبي ﷺ : "الحج عرفة"، والنية تنقلب، إذا بلغ قبل فوات الوقوف بأن بلغ يوم عرفة وهو في عرفة أو بلغ ليلة العيد ثم رجع فوقف بعرفة، فإن حجه يجزئه عن فريضة الإسلام، إلا أن الفقهاء ﵏ استثنوا من ذلك مسألة وهى ما إذا كان مفردًا أو قارنًا وسعى بعد طواف القدوم، فإنه حينئذ لا تجزئه عن حجة الإسلام؛ لأن السعي ركن وقد تم قبل أن يكون هذا من أهل الوجوب فوقع نفلًا، وقيل: بل يجزئه وإن كان قد سعى بعد طواف القدوم لكنه يعيد السعي، وأظن أن هناك قولًا ثالثًا يقول: إنه يجزئه ولو سعى بعد طواف القدوم ويكون السعي تابعًا للوقوف لكن المذهب هو الأول، أي: أنه إذا سعى بعد طواف القدوم فإنه لا ينقلب فرضًا.
والذي قبل البلوغ هل نقول: إنه نفل انقلب فرضًا، أو إنه بقى نفلًا وما بعد البلوغ صار فرضًا؟ فيها قولان للعلماء: الأول أن ما قبله ينقلب فرضًا وليس هذا بغريب، فإن الحج له عدّة مخالفات في النية فنجد الرجل مثلًا يأتي إلى مكة قارنًا فيطوف طواف القدوم على أنه نفل عمرة ليصير متمتعا فنجد الآن أن الطواف الذي كان نفلًا انقلب ركنًا؛ لأنه أصبح طواف عمرة، ونجد أن هذا السعي الذي كان للحج والعمرة صار الآن للعمرة، بل لو قدرنا أن هذا الرجل قدم مكة مفردًا وطاف فالطواف نفل؛ لأنه طواف قدوم وسعي للحج، فالسعي ركن ويكون للحج فقط، ثم نقول له: اجعل ذلك عمرة لتكون متمتعًا، فيجعله عمرة فينقلب طواف القدوم
следующие страницы →