← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ومن فوائده: أن "نعم" التي هي حرف جواب تقوم مقام الجواب، لقو له: "نعم" يعني: حجي عنه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي تأريخ ذكر الخطبة أو القضية؛ لقوله: "وذلك في حجة الوداع"؛ لأن فائدتها - لاسيما في خطاب النبي ﷺ هو بيان النسخ أو عدم النسخ. ومن فوائد الحديث: جواز تسمية الشيء بسببه لقوله: "ذلك في حجة الوداع"، يعني: سبب ذلك قول الرسول ﷺ : "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للسائل أن يذكر جميع الأوصاف التي يختلف بها الحكم حتى لا يحتاج المسئول إلى استفصال. وهل من فوائده جواز الحج عن الغير بدون إذنه؟ نعم؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: هل استأذنته؟ أو هل أذن لك؟ وهل يؤخذ منه جواز حج الإنسان عن غيره وإن لم يحج عن نفسه؟ لا؛ لأن المرأة سيظهر أنها حاجة وهي لا تسأل عن حجها الآن وإنما عن حج مقبل؛ إذن لا حاجة أن يقول لها: أحججت عن نفسك؟ لأنه يغلب على ظنه أن هذا الحج لها، وحينئذٍ لا يكون فيه دليل على أنه لا يجوز حج الإنسان عن غيره حتى يحج عن نفسه، أما الأول فالظاهر أنه واضح أن الإنسان يحج عن غيره وإن لم يستأذنه. ٦٨٢ - وعنه ﵁: "أن امرأة من جهينة جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أمِّي نذرت أن تحجَّ، ولم تحجَّ حتَّى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: نعم، حجِّي عنها، أرأيت لو كان على أمِّك دينٌ، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء" (). رواه البخاريُّ. هذا الحديث أيضًا عن عبد الله بن عباس، قوله: "من جهينة"، هي قبيلة مشهورة، جاءت إلى النبي ﷺ ، ولم يذكر أين جاءته: هل في الحج أو في المدينة. قولها: "إن أمي نذرت"، وسبق تعريف النّذر لغة أنه الإلزام، وفي الشرع إلزام المكلف نفسه طاعة لله . وقولها: "فلم تحج حتى ماتت"، يحتمل أن المعنى: فماتت قبل أن يدركها الحج، ويحتمل: أنها لم تحج؛ يعني: أدركها الحج ولكنها لم تحج حتى ماتت، وسيأتي بيان الفرق بين الأمرين. وقوله: "حجي عنها"، هذا أمر، لكنه أمر بعد السؤال عن الإباحة، والأمر بعد السؤال عن الإباحة للجواز؛ لأن الأمر بعد السؤال عن الإباحة، أما إذا جاء بعد الاستئذان فهو يكون للجواز، لو استأذن عليك رجل في البيت فقلت: ادخل؛ فليس هذا أمرًا بل هو إذن وإباحة، ولو سألك سائل يقول: هل أفعل كذا وهو جائز، فقلت: أنت افعل فهو للإباحة.

стр. 1542

قال "أرأيت؟ " يعني: أخبريني، "لو كان على أمك دين أكنت قاضيته"، فستقول: نعم، فهذا استفهام للتقرير يعني: يقرر النبي ﷺ هذه المرأة بأمر تقرّ به ولا تنكره، وهو أنه لو كان على أمها دين لقضته، وقوله: "أرأيت" يمر علينا كثيرًا مثل هذا التعبير، ونقول: إنه بمعنى أخبريني، لكن كيف يتفق مع تصريفه؟ يقول: إذا قال: أرأيت؟ يستفهم هل رأى ثم يطلب منه أن يخبره بما رأى في قوله: "أكنت قاضيته؟ "، مثلًا في هذا الحديث: ﴿أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم وختم على قلوبكم من إله ... ﴾ [الأنعام: ٤٦]. يعني: أخبروني بعد أن تروا هذا الشيء من إله غير الله يأتيكم به؛ فلهذا يقول العلماء: إن "أرأيت؟ " بمعنى: أخبرني، الواقع أنه ليس معناها بالتحديد؛ لأن الرؤية لا تأتي بمعنى الإخبار؛ لأنه إذا جاء الاستفهام بعد أرأيت؟ فهو طلب الإخبار، يعني: هل رأيت هذا أن كنت قد رأيت فأخبرني عنه، فيفسرونها ﵏ بما يلزم أو بما يطلب من هذه الرؤية. وقوله: "اقضوا الله"، هذا أمر، "فالله أحق بالوفاء"، يعني: إذا كان الأدمي يوفَّى حقه فالله أحق بالوفاء. من فوائد الحديث: قوله: "امرأة من جهينة"، هذه مجهولة ولكن جهالتها لا تضر؛ لأن ذلك لا يؤثر في الحكم شيئًا؛ لأن المرأة إذا جاءت تستفتي سواء كانت صغيرة أو كبيرة أو قصيرة أو طويلة كل هذه الأوصاف لا تهم. ومن فوائد الحديث: أن صوت المرأة ليس بعورة، لأنها جاءت تسأل النبي ﷺ والصحابة يسمعون. ومن فوائد الحديث: جواز النّذر، لكن قد يقول قائل: الرسول ﷺ ما أقر الناذرة، فلو أنها قالت: إني نذرت لكنَّا نقول: أن في الحديث دليل على جواز النّذر؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليها لكن هي تخبر عن فعل غيرها وأيضًا هذا الغير قد مات فكيف ينهى؟ فالجواب عن ذلك: أن ترتيب الحكم على هذا قد يشعر بالجواز؛ لأن هذه السائلة سوف تفهم إذا لم يقل الرسول ﷺ ، لماذا نذرت، أي: سوف تفهم أن النذر جائز، ولكنا نقول: هذا الحديث وإن دل على جواز النذر والدلالة كما ترون ليست واضحة فإن هناك أدلة صريحة للنهي عن النَّذر، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير" ()، ومعلوم من القواعد التي تمر بنا كثيرًا أن ما كان محكمًا لاشتباه فيه فهو قاضٍ على المشتبه، فنقول: هنا أن النذر مكروه، ونأخذه من دليل آخر غير هذا الحديث.

стр. 1543

ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا نذر الحج لزمه، وجه الدلالة: تشبيه النبي ﷺ له بالذين والذين يجب على المرء قضاؤه. ومن فوائد الحديث - وهو محل تأمل بيننا -: أن من نذر الحج ومات قبل زمنه لزم قضاؤه عنه، فهل نقول: أن الإنسان إذا نذر الحج ومات قبل إدراك زمنه يسقط عنه لأنه ما فرط، أو نقول: لما ألزم نفسه بذلك لزمه؟ الحديث في الواقع يحتمل هذا وهذا، ولكن الذي تقتضيه الأدلة الأخرى أنه إذا نذر ومات قبل إدراك زمنه فلا شيء عليه؛ وذلك لأنه وإن لم يشترطه بلفظه فقد اشترطه بحاله، فإن الرجل مثلًا إذا قال في رجب: لله على نذر أن أحج، معلوم أنه يكون هذا الحج في ذي الحجة، ولا يمكن أن يكون المراد: أنه يحج في رجب، وكأنه قال: إذا جاء شهر ذي الحجة فلله عليَّ نذر أن أحج، فيكون هذا المعلوم كالمشروع. وعليه فنقول: أن الإنسان إذا نذر زمنًا معينًا ومات قبل إدراكه فإنه لا شيء عليه سواء كان معينًا بالزمن مثل أن يقول: "لله على نذر أن أصوم الشهر الفلاني" فيموت قبل إدراكه، أو يقول: "أن أحج" فيموت قبل زمن الحج، فهلا لا يجب عليه. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب قضاء النذر على الفور؛ لأن هذا السؤال "نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت" فيه احتمال أنه قد مر عليها زمن الحج فلم تحج، وفيه احتمال أنه لم يمر، فعلى الاحتمال الأول قد يكون فيه دليل على أن النذر لا يجب على الفور، وعلى الاحتمال الثاني فليس فيه دليل، ولكن تقول: أن حكم هذه المسألة أن النذر يجب قضاؤه على الفور لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" ()، الفاء رابطة للجواب، والجواب مرتبط بالشرط، والأصل في الواجبات كلها أن تفعل على الفور، فالصحيح: أن النذر يجب قضاؤه على الفور ما لم يقيد، فإن قيد فعلى ما قيد به. ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة على السؤال؛ لأن هذه المرأة جاءت تستفتي رسول الله ﷺ . ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يعاد السؤال مع الحرف المفيد للجواب؛ لقوله: "نعم حجي عنها". ومن فوائد الحديث: إثبات القياس؛ حيث قاس النبي ﷺ نذرها على الدَّين الذي يقصي. ومنها: حسن تعليم النبي ﷺ وذلك لضرب المثل بحيث يبين المعقول بالمحسوس. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسلك هذا المسلك في تعليم الناس؛ لأن من الناس من لا يستطيع أن يفهم المعنى إلا بضرب المثل.

стр. 1544

ومنها: أن لله تعالى على خلقه واجبا لقوله: "اقضوا الله"، ولا شك أن لله على خلقه واجبًا، حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. ومن فوائد الحديث: أنه إذا تزاحم حق الله وحق الآدمي قدم حق الله لقوله: "فالله أحق بالوفاء"، و"أحق" اسم تفضيل، ولكن قد ينازع في هذا الحكم والاستدلال له، أما في الحكم فينازع بأن يقال: كيف نقدم حق الله على حق الآدمي، والمعروف أن حق الآدمي مبني على المشاحة () وعدم السماح والعفو، وحق الله مبني على العفو والمسامحة، فكيف نقول: أن حق الله أولى أن يقضى، وأما المنازعة في الاستدلال فنقول: إن النبي ﷺ جعل ذلك من باب قياس الأولى؛ بمعنى: أنه إذا جاز هذا فهذا أولى، يعنى: إذا جاز وفاء ذين المخلوق فوفاء دين الله من باب أولى، وهذا لا يقتضي أنهما إذا اجتمعا قدم حق الله، فإن قلت: كيف يمكن اجتماعهما؟ فالجواب: يمكن، هذا رجل توفي وخلف ألف درهم وكان عليه لزيد ألف دينًا وعليه لله ألفٌ زكاة فكم عليه؟ ألفان والرجل خلف ألفًا، إن قضينا دين الآدمي أهملنا الزكاة، وإن قضينا الزكاة أهملنا دين الآدمي، فماذا نصنع؟ نقول: يتحاصان بالسوية، وكيفية المحاصة أن نقول: انسب الموجود إلى المطلوب، كم الموجود؟ ألف، والمطلوب ألفان، نسبة الألف للألفين النصف، فنعطي الزكاة خمسمائة، ودين الآدمي خمسمائة، فإن أسقط الآدمي حقه. يكون للزكاة، أما إذا أخذه ثم أعطاه الورثة فهو للورثة، أو إذا قال: تنازلت عنه للورثة فإنه يكون للورثة، أما إذا قال: تنازلت عنه، فمعناه: أنه أبرأ الميت منه ويكون للزكاة هذا هو الظاهر؛ لأن الاشتراك هنا اشتراك تزاحم، يعني: اشتراك الزكاة وصاحب الحق في الألف اشتراك تزاحم؛ فإذا زال الزحام بقي الثاني منفردًا، وإلا قد يقول قائل: أن المال إذا انتقل للورثة صار لهم الألف ثم توفَّى الزكاة خمسمائة؛ لأنه نصيبها، وإذا أسقط الطالب حقه رجع للورثة، لكن نقول: ليس هذا من باب اشتراك التزاحم فإذا زال الزحام ثبت للواحد ٦٨٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما صبي حج، ثمَّ بلغ الحنث، فعليه أن يحجُّ حجَّةً أخرى، وأيُّما عبدٍ حجَّ ثمَّ أعتق، فعليه أن يحجَّ حجَّةً أخرى" (). هذا الحديث إن جعل مرفوعًا صار حجة؛ لأنه منسوب إلى رسول الله ﷺ ، وإن جعل موقوفًا

стр. 1545

فليس بحجة، لأن هذا مما للرأي فيه مجال ولا يثبت له حكم الرفع فيبقى رأيًا لابن عباس ﵄، ورأي الصحابي اختلف العلماء فيه هل هو حجة أم لا، والصحيح أنه حجة لا سيما الصحابة المعروفون بالعلم والفقه، لكنه يكون حجة بشرطين: إلا يخالف النص، وألا يعارضه قول صحابي آخر، فإن خالف النص فالمتبع النص، وإن عارضه قول صحابي آخر ينظر في الراجح؛ وذلك لأن الصحابة - رضى الله عنهم - أقرب إلى الفهم والفقه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لأنهم عاصروا نزول النصوص وعرفوا كلام النبي ﷺ ومراده، ونحن نشاهد الآن أن أعلم الناس بقول العالم هم تلامذته، إذن فأعلم الناس بشريعة النبي ﷺ هم الصحابة ﵃. لننظر الآن فوائد هذا الحديث منها: صحة حج الصبي لقوله: "فعليه حجة أخرى"، فبين بقوله: "حجة أخرى" أن الأولى صحيحة؛ لأن "أخرى"، مؤنث آخر، وعليه فيفيد صحة حجة الصبى، وقد أفاده حديث ابن عباس السابق الذي فيه: أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيًّا قالت: "ألهذا حج؟ " قال: "نعم" ... إلخ. ومن فوائد الحديث: أن هذا الصبي لو بلغ في أثناء الحج فإن الحكم يختلف كيف إذا بلغ في أثناء الحج، فإن بلغ قبل فوات الوقوف ووقف بعرفة أجزأه الحج عن فريضة الإسلام لقول النبي ﷺ : "الحج عرفة"، والنية تنقلب، إذا بلغ قبل فوات الوقوف بأن بلغ يوم عرفة وهو في عرفة أو بلغ ليلة العيد ثم رجع فوقف بعرفة، فإن حجه يجزئه عن فريضة الإسلام، إلا أن الفقهاء ﵏ استثنوا من ذلك مسألة وهى ما إذا كان مفردًا أو قارنًا وسعى بعد طواف القدوم، فإنه حينئذ لا تجزئه عن حجة الإسلام؛ لأن السعي ركن وقد تم قبل أن يكون هذا من أهل الوجوب فوقع نفلًا، وقيل: بل يجزئه وإن كان قد سعى بعد طواف القدوم لكنه يعيد السعي، وأظن أن هناك قولًا ثالثًا يقول: إنه يجزئه ولو سعى بعد طواف القدوم ويكون السعي تابعًا للوقوف لكن المذهب هو الأول، أي: أنه إذا سعى بعد طواف القدوم فإنه لا ينقلب فرضًا. والذي قبل البلوغ هل نقول: إنه نفل انقلب فرضًا، أو إنه بقى نفلًا وما بعد البلوغ صار فرضًا؟ فيها قولان للعلماء: الأول أن ما قبله ينقلب فرضًا وليس هذا بغريب، فإن الحج له عدّة مخالفات في النية فنجد الرجل مثلًا يأتي إلى مكة قارنًا فيطوف طواف القدوم على أنه نفل عمرة ليصير متمتعا فنجد الآن أن الطواف الذي كان نفلًا انقلب ركنًا؛ لأنه أصبح طواف عمرة، ونجد أن هذا السعي الذي كان للحج والعمرة صار الآن للعمرة، بل لو قدرنا أن هذا الرجل قدم مكة مفردًا وطاف فالطواف نفل؛ لأنه طواف قدوم وسعي للحج، فالسعي ركن ويكون للحج فقط، ثم نقول له: اجعل ذلك عمرة لتكون متمتعًا، فيجعله عمرة فينقلب طواف القدوم

стр. 1546

ركنًا، وبعد أن كان طواف قدوم الحج صار الآن ركن عمرة، وينقلب سعي الحج سعي عمرة بل يصح أن يقع الإحرام بالحج مجهولًا فنقول: لبيك اللهم بما أحرم به فلان، وأنت لا تدري بما أحرم ثم قابلته فقلت له: بماذا أحرمت؟ قال: بالعمرة، فيكون إحرامك بالعمرة، لو قال: بالحج والعمرة قرانًا فيكون بالحج والعمرة قرانًا؛ ولهذا لما قدم عليّ من اليمن قال له النبي ﷺ : "بما أهللت؟ " ()، قال: بما أهل به رسول الله ﷺ ، قال: فإن معي الهدي فلا تحلّ، وصح. إحرامه؛ لأنه مجهول، وجاء أبو موسى قال: "بما أهللت؟ " () قال: بما أهلّ به رسول الله ﷺ ، فأمره أن يجعله عمرة، وألغى أن يكون قارنًا؛ لأن أبا موسى ليس معه هدي، وقد أمر النبي ﷺ الذين ليس معهم هدي أن يجعلوها عمرة، فتجد الآن أن الحج يختلف عن غيره فهذا الصبي الذي بلغ في عرفة ينقلب إحرامه من النفل إلى الفرض، ولكن هل السابق يكون فرضًا أو هو نفل؟ فيه خلاف بين العلماء، وهذا الخلاف ينبني عليه الثواب هل يثاب على السابق ثواب الفريضة أو يثاب ثواب النافلة؟ أن قلنا: إنه ينقلب فرضًا أثيب ثواب الفريضة، وإذا قلنا: يبقى على ما هو عليه ويكون ابتداء الفرض من البلوغ أثيب على الأول ثواب نافلة. ويستفاد منه: أن العبد إذا حج وهو رقيق فحجه صحيح. ويستفاد منه: أنه إذا حج في حال رقِّه ثم عتق وجب عليه أن يحج حجة أخرى، لماذا؟ لأن الأولى وقعت نفلًا حيث لا يلزمه الحج لأنه لا مال له فلا يستطيع إليه سبيلًا فلذلك قلنا: يجب عليه أن يعيد الحج مع أن العبد هذا كان بالغًا عاقلًا فاهمًا واعيًا ليس كالصغير الذي لم يبلغ، وهذه المسألة الثانية اختلف فيها العلماء؛ منهم من يرى - بل والأولى أيضًا اختلفوا فيها، لكن الخلاف في الثانية أظهر وأبين أن العبد إذا حج في حال رقِّه بنية الفريضة فإنه لا يلزمه أن يحج حجة أخرى؛ وذلك لأن سقوط الحج عنه ليس لخلل في ذاته، يعني: ليس لأن الرجل من أهل الوجوب، ولكن لأنه لا يستطيع، لأنه مملوك فليس عنده مال وليس مالكًا لنفعه، لا يستطيع أن يحج إلا بإذن سيده، فلهذا نقول: إنه ليس عدم وجوب الحج عليه لخلل في نفسه وأنه ليس من أهل الوجوب، ولكن لأنه غير مستطيع، وهذا لا يمنع من إجزاء الحج عن الفريضة بدليل أن الفقير لا يلزمه الحج، ولكن لو تكلف الحج وحج على قدميه أجزأه حتى عن الفريضة؛ لأن ذلك ليس لمعنى يعود إلى الشخص، ولكنه يعود إلى شيء خارج وهو عدم القدرة المالية، فلهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أن العبد إذا حج قبل عتقه ونوى به الفرض فهو فرض ويجزى عن الفريضة، ولا يلزمه أن يحج حجة أخرى؛ لأن هذا العبد من

стр. 1547

أهل التكليف، وسقوط الحج عنه ليس لمعنى في نفسه، ولكن لمعنى خارج وهو عدم القدرة عليه، فإذا تكلف وأذن له سيده وحج فنعم، لكن لو حج بغير إذن سيده فهل يجزئه؟ لا؛ لأن زمنه مغصوب، فإن زمنه كان مملوكًا لسيده، فإذا غصب نفسه فإنه لا يجزئه. فإن قلت: ألم يقل: الفقهاء أن العبد الآبق من سيده تصح منه صلاة الفريضة ولا تصح منه صلاة الناقلة؟ فالجواب: أن بينهما فرقًا؛ لأن الحج في هذه الحال - قبل أن يعتق - نفل وليس بفريضة، بخلاف الصلاة الفريضة فإنها فريضة عليه حتى في حال رقِّه؛ فحصل الفرق. حكم سفر المرأة بغير محرم للحج والخلوة: ٦٨٤ - وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا ومعها ذو محرمٍ، ولا تسافر المرآة إلا مع ذي محرمٍ، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، إنَّ امرأتي خرجت حاجَّةً، وإنِّي اكتتبت في عروة كذا وكذا، قال: انطلق، فحجَّ مع امرأتك" (). متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلمٍ. كلمة "يخطب" يحتمل أن تكون هذه الخطبة على المنبر، ويحتمل أن تكون من سائر خطبه العوارض؛ لأن خطب النبي ﷺ على قسمين: قسم عارض يخطبه النبي ﷺ عند وجود حادثة تقتضيه، وقسم راتب كخطب الجمعة وخطب العيدين، وهذا محتمل، ولكنه لا يهمنا أن يكون هذا أو هذا؛ لأن المقصود أن الرسول ﷺ أعلن هذا الحكم على المنبر، وهذا يدل على أهمية هذا الحكم ووجوب العناية به. وجملة: "يقول" حال من فاعل "يخطب"، وجملة "يخطب" حال من "رسول الله"؛ لأن كلمة "سمعت رسول الله ﷺ يخطب بقول"، "سمع"، لا تنصب مفعولين؛ لأنها ليست من أفعال الظن ولا من أفعال اليقين. وقوله: "يخلون"، هذا فعل مؤكد بنون التوكيد، فتكون الجملة التي هي نهي مؤكَّدة بالنون، "لا يخلون رجل"، "الرجل" هو: البالغ بخلاف الذكر، فإنه يطلق على البالغ والصغير، "بامرأة"، أي: لأنها - أي: بالغة؛ لأنها - أي: كلمة امرأة - تطلق على الأنثى إذا بلغت "إلا ومعها ذو محرم"، جملة "معها ذو محرم" مبتدأ وخبر وهي في محل نصب على الحال بدليل تقدم ذو محرم، "المحرم": زوجها وكل من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، وإن شئت فقال: بنسب أو رضاع أو مصاهرة هذا المحرم، والمحرمات من النسب سبع، ومن الرضاع مثلهن، ومن الصهر أربع،

стр. 1548

المحرمات من النسب ذكرهن الله في قوله: ﴿حرمت عليكم أمهتكم وبناتكم وأخوتكم وعمتكم وخالتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣]. هذه سبع، من الرِّضاع مثلهن لقول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ()، فتحرم الأم من الرضاع والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت هذه سبع، ومن الصهر أم الزوجة وإن علت، وبنتها وإن نزلت، وزوجة الابن وإن نزلت، وزوجة الأب وإن علا، أما أخت الزوجة فإن الزوج ليس محرما لها، لماذا؟ لأنها لا تحرم على التأبيد، وإنما يحرم الجمع بينها وبين أختها، الملاعنة على الملاعن على التأبيد ليس بسبب مباح فليس محرمًا. وقوله ﷺ : "لا يخلون رجل" كلمة "رجل" نكرة في سياق النهي، و"امرأة" نكرة في سياق النهي مع أنه يجوز أن تعول نفيًا؛ لأن الفعل هنا مبني لا يتغير سواء كانت "لا" ناهية أو نافية مبني الاتصال نون التوكيد به، على كلّ "رجل" عام يشمل الشاب والكهل والشيخ وذا الشهوة ومن لا شهوة له، وامرأة تشمل الشابة والكهلة والعجوز والقبيحة والحسناء. إذا قال قائل: ما هي الحكمة من ذلك؟ الحكمة: لأن الشيطان يدخل بينهما في هذه الحال فيسوس لهما وتحصل الفاحشة، ولا تحقرن شيئا، لا تقل: هذه امرأة عجوز وهذا رجل شيخ كبير، لأن الشيطان قد يؤزهم، ولهذا يوجد بعض الناس مع أهله شهوته ضعيفة، لكن مع غير أهله شهوته قوية، يمكن لو تكلم مع امرأة أجنبية مجرد كلام تحركت شهوته لكن مع أهله كل شيء تفعل لا يتحرك، لأن الشيطان يحرك الإنسان، فالمرأة وإن كانت عجوزًا فإنه يقال: لكل ساقطة لاقطة، ثم أن هذه المسائل ينبغي فيها سد الباب؛ لأن الرابط فيها صعب وشاق، فمن التي لا تشتهي، وإلى أي حد يكون الكبر وإلى أي حد يكون انتفاء الفتنة أو الشهوة؟ قال شيخ الإسلام: العلة إذا كانت منتشرة فإنه يحكم بمظنتها؛ يعني: لا يمكن انضباطها؛ لأن كل واحد يقول: أنا حسب ما عندي لا أفعل هذا الشيء، وكذلك المرأة، ولكن عند الاختبار يكون البلاء والفتنة، فسد الباب أولى؛ ولهذا لم يستثن من هذا شيء حتى لو كانت ابنة العم وزوجة الأخ، لو كانت ابنة عمه زوجة أخيه فإنه لا يحل له أن يخلو بها. قوله: "لا يخلون رجل بامرأة" النهي عن الخلوة فإذا كان معهما ثالث فالخلوة تزول، لكن هل الحكم يرتفع؟ إذا زالت العلة زال الحكم، لكن قد يحرم من ناحية ثانية وهو الفتنة، وإذا كان جاء في الحديث: "إلا كان الشيطان ثالثهما" (). ونقول: "إذا كان شيطان الإنس ثالثًا ثبت

стр. 1549

الحكم، فإذا قدر أن المرأة لم تخل برجل لكن خلا بها رجلان فاجران فهذا أشد؛ لأن الفتنة هنا متحققة أكثر؛ ولهذا قال: من يأمن الذئبين على الشاة الواحدة، إذا كان الذئب الواحد لا يؤمن فالذئبان من باب أولى، أما إذا انتقت الفتنة وزال المحظور فهذا لا بأس به وإذا كان رجل مع امرأتين فالخلوة لا شك منتفية هل الحكم يزول؟ نعم يزول الحكم، لكنه أن خيفت الفتنة جاء الحكم من طريق آخر ولكن خلوة الرجل بامرأتين أهون من خلوة الرجلين بامرأة. وقول الرسول ﷺ : "إلا ومعها ذو محرم"، كلمة "محرم" عامة تشمل الصغير والكبير، لكن أهل العلم قالوا: لابد أن يكون بالغا، ولابد أن يكون عاقلًا، وأخذوا هذا الشرط التماسًا من الحكمة في وجوب المحرم، الحكمة من وجوب المحرم: الحفاظ على المرأة وصيانتها وحمايتها، إذا كان كذلك فلابد أن تتوافر فيه الشروط، فيكون بالغًا عاقلًا، هل يشترط أن يكون بصيرًا؟ الفقهاء لم يشترطوا ذلك، ولعلهم يعللون هذا بأن الرجل الذي معها ومع محرمها قد يهاب المحرم وإن كان حماية هذا الأعمى لمحرمه ضعيفة بلا شك؛ إذ قد يشير أو يضحك أو يغمز وهذا المحرم لا يدري، لهذا نقول: ينبغي أن نشترط أن يكون بصيرًا حيث دعت الضرورة إلى كونه، هل يشترط أن يكون سميعًا؟ الظاهر أنه لا يشترط. قال: "ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، وهذه "لا"، ناهية، ولما كانت هنا جازمة للفعل صار قولنا - فيما سبق -: "لا يخلون" جملة نهي أصح أو أقرب؛ لأن هذه الجملة معطوفة على ما سبق، وقوله: "لا تسافر المرأة"، السفر مفارقة الإقامة سواء كنت في بلد أو كنت في مكان، ولنفرض أنه بدوي في البر ساكن بخيمته فسفره مفارقة محل الإقامة، فالسفر إذن هو مفارقة محل الإقامة، وسمي سفرًا؛ لأنه يسفر عن الإنسان حيث يبرز بعد الخفاء، وقال بعض الأدباء: إنما سمي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، كم من إنسان لا تدري عن خلقه وعن صدقه وعن شهامته وعن رجولته إلا إذا سافرت معه، ولكن المراد: السفر المعروف سابقًا، أما سفر اليوم فإنك لا تعرف به أخلاق الرجال؛ لأن السفر اليوم يتم عبر الطائرات فأنت تسافر ويكون بجانبك رجل مسافر، ولا تدري عن هذا الرجل هل هو شهم كريم يخدم قومه يريحهم أو لا، صحيح أنك إذا جلست إليه وتحدثت إليه ربما تفهم شيئا من خلقه، لكن هذا يحصل حتى في القهوة، لكن في الزمن السابق لما كان الناس يسافرون على الإبل مسافات طويلة فيها تعب صار الناس يعرفون، قال أحدهم - أظنه نافعًا -: "صحبت ابن عمر لأخدمه فكان يخدمني" ().

стр. 1550

وشاهدنا نحن لما كنا نسافر بالسيارات المسافات التي ليست في الطرق المزفلتة نجد بعض الناس إذا نزل من السيارة ذهب يحتطب ويسخن الماء في أيام الشتاء ويقرب الماء ويروى، وبعضهم إذا نزل أنزل الفراش ونام، أيهما الشهم؟ الأول، فإياكم أن تكونوا من القسم الثاني الذي إذا نزل ينزل بفراشه واصطحبه، فكل واحد منكم يخدم الثاني، وأيضًا لخدموا الناس بالتوجيه والإرشاد وحسن المعاملة والأخلاق؛ لأن الناس سيذكرونكم بالخير إذا أحسنتم، ويذكرونكم بعكسه إذا أسأتم، مع أن هذه الأماكن مقدسة، يعني: أماكن آمنة لا يوجد بقعة. على الأرض آمن من المسجد الحرام؛ لكن ليست أمنًا على النفوس فقط، بل "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"، على كل شيء على الأموال والنفوس والأعراض، فإياكم أن - تؤذوا الناس في أموالهم أو أعراضهم أو أبدانهم، بل كونوا خير الناس للناس. يقول: "لا تسافر المرأة"، إذن لا تفارق محل إقامتها بما يسمى سفرًا إلا مع ذي محرم، وهذا هو الموضع الذي قال فيه الفقهاء: إنه يشمل السفر الطويل والقصير، بينما الرخص الأخرى كالقصر والفطر والمسح ثلاثًا تكون خاصة بالسفر الطويل، أما هذا فهو عام للسفر الطويل والقصير، المهم أن يسمى سفرًا، "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، وسبق معنى المحرم. "فقام رجل"، هل يلزمنا أن نعرف اسمه؟ لا، المهم: القصة: "فقال: يا رسول الله، أن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق فحج مع امرأتك"، الرجل لما سمع النبي ﷺ يقول: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، وقد علم أن زوجته ليس معها ذو محرم سأل النبي ﷺ فقال: إنه اكتتب في غزوة كذا، يعني: كتب مع الغزاة وأن أمرأته خرجت حاجة فماذا قال الرسول ﷺ ؟ قال ﵇: "انطلق فحجَّ مع امرأتك". "وانطلق"، هذه فعل أمر، و"حج" فعل أمر، وقد أمره النبي ﷺ أن يدع أمرًا مرغوبًا فيه هو ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد ليحج مع أمرأته، وهذا يدل على وجوب اصطحاب المحرم، هل سأله النبي ﷺ فقال: هل امرأتك كبيرة أو صغيرة؟ لا، اجعل هذا عمومًا أنه يشمل المرأة الكبيرة والصغيرة، هل سأله أهي آمنة أم غير آمنة؟ لا، خذ هذا عمومًا آخر، هل سأله هل هي حسناء أو قبيحة؟ لا، خذ هذا أيضًا عمومًا ثالثًا، فإذن نهي المرأة عن السفر بلا محرم شامل للمرأة، سواء كانت صغيرة أو بيرة، وسواء آمنة أو غير آمنة، وسواء كانت قبيحة أو لا، وهناك عموم: رابع سواء معها نساء، أو ليس معها نساء وهذا عام ولذلك كان هذا النص القولي واضحًا في أنه شامل لكل امرأة، وعلى كل حال يقول: "انطلق فحج مع امرأتك"، ففعل الرجل. * يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: الأولى: حرص النبي ﷺ على إبلاغ الشريعة، وأنه ﷺ يستعمل كل أسلوب يمكن أن يبلغ به الخلق لقوله: "سمعت النبي ﷺ يخطب ... " إلخ.

стр. 1551

الفائدة الثانية: تحريم خلوة الرجل بالمرأة إلا مع ذي محرم، لقوله: "لا يخلون ... " إلخ، والأصل في النهي التحريم، لاسيما أنه أكد بالنون: "لا يخلونَّ". ثالثًا: عموم هذا النهي لكل رجل ولكل امرأة؛ لأنه نكرة في سياق النهي فيعم. ومن فوائده: جواز خلوة الصغير بالمرأة لقوله: "لا يخلون رجل"، فالصغير الذي لا شهوة له لا تضر خلوته، لو خلت امرأة بامرأة يفهم من الحديث جواز خلوة المرأة بالمرأة لقوله: "لا يخلونَّ رجل"، لكن هنا لو خيفت الفتنة وجب منعها من طريق آخر؛ لأن بعض النساء - نسأل الله الحماية - يبتلى بمساحقة النساء، كما يبتلى بعض الرجال بالتعلق بالمرد، أيضًا هذه بعض النساء تتعلق بالنساء الجميلات وتفتتن أشد من افتتانها بالرجل. ويؤخذ من الحديث: جواز خلوة القرد بالمرأة لقوله: "لا يخلون رجل"، لكن يقول شيخ الإسلام: إذا خيفت الفتنة - يعني: إذا كانت هذه المرأة تستعمل القرد كما يستعملها الرجل - فإنها تمنع؛ لأن بعض القرود يتعلق بالنساء، أنا حدثت أن النساء إذا ذهبن يتفرجن على القرود وصارت إحداهن جميلة صار القرد لا ينظر إلا إليها ولا يتبع إلا إياها، إذن إذا خيفت الفتنة تمنع. ومن فوائد الحديث: جواز خلوة الرجلين بالمرأة وذلك لقوله: "لا يخلون رجل"، وإذا كان معه آخر فلا خلوة، ولكن كما قلنا إنه إذا خيفت الفتنة وجب المنع من باب ثانٍ. من فوائد الحديث: عناية الشرع بالمرأة حيث حرص على حمايتها وحفظها باصطحاب المحرم، فيحفظها كالحارس كالجندي مع الأمير يحرسه ضامن له، إذن محرم المرأة لا شك أن اصطحابها إياه من مكرمتها وحمايتها وعناية الشرع بها. ومن فوائد الحديث: أنه لابد أن يكون المحرم ممن يمكنه صيانتها بكونه بالغًا عاقلًا بصيرًا أن احتجنا إلى ذلك، فإن كان صغيرًا فليس بمحرم هو محرم، لكنه ليس كافيًا، العلة من ذلك: حماية المرأة وصيانتها وكرامتها، وعند العامة يقولون: أن العلة من أجل إذا ماتت يفك حزائم كفنها إذا نزلت في القبر، انظر العوام أولًا يقول: ماتت وهذا تشاؤم، وثانيًا: يفك الحزائم وهذا ليس بشرط؛ لأنه يمكن أن يفك الحزائم أي إنسان، ولعله مر عليكم حديث أن الرسول ﷺ دفنت إحدى بناته وفيهم زوجها عثمان والنبي ﷺ فقال: "أيكم لم يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا. فقال: "انزل"، فنزل في قبرها ()، أبو طلحة ليس من محارمها، والنبي ﷺ من محارمها وزوجها أيضًا من محارمها.

стр. 1552

حكم من حج عن غيره قبل الحج عن نفسه: ٦٨٥ - وعنه ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمع رجلًا يقول: لبَّيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخٌ لي - أو قريبٌ لي - فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حجَّ عن نفسك، ثمَّ حجَّ عن شبرمة" (). رواه أبو داود، وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبَّان، والرَّاجح عند أحمد وقفه. قوله: "أخ لي أو قريب لي" الشك من الراوي، فقال: "أحججت عن نفسك؟ " جملة خبرية متضمنة للاستفهام، أي: أحججت عن نفسك؟ والشاهد لمثل هذا التعبير كثير في القرآن وكلام العرب، أي: أنهم يحذفون أداة الاستفهام لعلمها من المقال. قال: "لا"، قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، قال أحمد: إن رفعه خطأ، وهذا إحدى الروايتين عنه، لكنه صح في رواية أخرى أنه مرفوع، ولعله اطلع أخيرًا على رفعه، فصحح رفعه وقد مر علينا أنه إذا اختلف الحفاظ في رفع الحديث أو وقفه فإن الحكم للرافع لسببين: الأول: أن مع الرافع زيادة علم لأن الرفع وقف وزيادة، السبب الثاني: أنه قد يتكلم الراوي الرافع بالحديث كدرس مثلًا، أو كبيان حكم، فيسمع منه على أنه من قوله، كما لو قلت أنا مثلًا: "وإنما لكل امرى ما نوى" هذا الحديث مرفوع لا شك، لكن أنا إذا سقته على هذا النحو، فالذي يسمعني يظن أنه من قولي؛ فلهذا نقول: إذا تعارض الحفَّاظ في وقف الحديث ورفعه قدِّم الرّافع لهذين الوجهين: أحدهما: أن مع الرافع زيادة علم والثاني: أن الرّافع له قد يحدِّث به غير منسوب حكمًا بما دل عليه فيسمعه من يسمعه فيظنه موقوفًا. المهم: نرجع إلى الحديث قال: "سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة"، "لبيك" بمعنى: إجابة لك، لكنه مثنى ومعناه: الكثرة؛ ولهذا قال العلماء في تفسيره: إجابة بعد إجابة، وإنما يقول الحاج: "لبيك" أي: إجابة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الأنبياء: ٢٧]. يعنى: أعلمهم به وادعهم إليه يأتوك رجالًا، فإنك تلبى هذه الدعوة بأنك أجبتها، وهنا قال: "لبيك عن شبرمة"، فقيَّد هذه التلبية بأنها عن شبرمة كأنه نائب عنه فالنبي ﷺ استفهم هل حجّ عن نفسه؟ وهذا الاستفهام هل يمكن وروده أو لا يمكن؟ أن قلنا: أن الحج إنما فرض في

стр. 1553

السنة العاشرة ففي وروده شيء من الإشكال؛ لماذا؟ لأن هذا القائل إنما سمعه النبي ﷺ في حجة الوداع، وإنا قلنا: أن الحج إنما فرض في العاشرة فإنه لا يمكن أن يحج هذا الرجل عن نفسه؛ لماذا؟ لأنه لم يوجد من قبل، ولكن سبق لنا أن القول الراجح أنه مفروض في السنة التاسعة، وبناء على ذلك فإنه يمكن أن يكون هذا الرجل قد حجّ عن نفسه، وهذا مما يرجح القول بأنه فرض في السنة التاسعة، وإلا لم يكن لاستفهام النبي ﷺ محل (). وقوله: "من شبرمة؟ " يعني: من شبرمة الذي لبيت عنه؟ هذا الاستفهام يريد به النبي ﷺ أن يعرف هل هذا الرجل قريب من الملبي أو بعيد، أو يريد أن يعرف هل هو مسلم أو كافر؟ الجواب: قال: "أخ لي أو قريب لي"، فالظاهر الأول؛ لأن هذا الصحابي فهم ذلك، والصحابي أقرب إلى فهم كلام النبي ﷺ من غيره، وقوله: "أو قريب لي" هذا شك، لكنه لا يؤثر؛ لأن الأخ من القرابة. فقال النبي ﷺ : "أحججت عن نفسك؟ " يعني: أديت الفريضة عن نفسك؛ لأن كلمة "عن" تدل على أن الشيء مفروض على الإنسان فيريد أن يؤدي عن نفسه، قال: "لا" يعني: لم أحج، ولكنه بدأ بأخيه لعله كان ميتًا فقدَّمه على نفسه، وقال - كما يقول بعض العامة -: أنا حي والدهر أمامي طويل، ولكن هذا ميت ومفتقر إلى الحج فأحج عنه؟ لكن الرسول ﷺ قال له: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة". وفي رواية: "هذه عنك ثم حج عن شبرمة". ورواية: "هذه عنك" أصرح بأن النسك الذي كان هذا الرجل يقول فيه: لبيك عن شبرمة، انقلب عن نفس الملبي قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة". * ففي هذا الحديث فوائد: الأولى: الجهر بالتلبية؛ لأن النبي ﷺ سمع هذا الرجل يلبي ولا يسمع إلا ما كان جهرًا، وهو كذلك فإن الجهر بالتلبية سنة () - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - لما فيه من إظهار الشعائر. ومن فوائد الحديث: أن الرجل إذا حج عن غيره فإنه يصرح بذكره فيقول: "لبيك عن فلان"؛ لأن التلبية عند الإطلاق تنصرف إلى نفس الملبى حتى تقيَّد، فيقال: "لبيك عن فلان"، فإذا استنابك رجل أن تؤدي عنه الحج فإنك تقول: لبيك حجًّا عن فلان، وإذا استنابك في العمرة تقول لبيك عمرة عن فلان، وهل تسميه وإن كان امرأة؟ لو كانت امرأة: لبيك عن رقية، عن عائشة؟ نعم، ربما يكون هذا ظاهر الحديث، ولا مانع من أن المرأة يعرف اسمها، ولكن لو

стр. 1554

قلت: لبيك عمن أنابتني هل يجوز؟ نعم، والله سبحانه يعلمها، فإذا كنت تستحيي أو تحجل من أن تقول: لبيك عن رقية أو ما أشبه ذلك فلا حرج أن تقول: لبيك عمن أنابتني في الحج، فإن نسيت من وكلك أو نسيت من استنابك فماذا تقول؟ تقول: عمن أنابني، والله تعالى يعلم ذلك. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لطالب العلم أن يسأل في المواضع التي يكون فيها السؤال متجها، لأن الرسول ﷺ سأل هذا الرجل "من شبرمة؟ "، فإذا رأيت شخصًا يفعل أمرًا تدعو الحاجة إلى السؤال عنه، فإن الأفضل أن تسأل، لا يقال: أن هذا من باب سؤال الإنسان عما لا يعنيه، لأن العالم يعنيه أحوال العباد حتى يعلمهم مما علمه الله . ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يحج الإنسان عن غيره مع قدرته عن الحج عن نفسه إذا لم يحج عن نفسه، الدليل "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، فإن كان لا يلزمه الحج كرجل فقير أعطاه شخص مالًا يحج به عنه فهل يجوز أن يحج؟ الجواب: نعم، لأن هذا الرجل لا يجب عليه الحج، والله يقول: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وهذا الرجل الآن لا يستطيع إليه سبيلًا؛ لأنه ليس عنده مال فيجوز أن يحج عن غيره. ومن فوائد الحديث: أن الحج يمتاز عن غيره بجواز تغيير النية وجواز الإبهام فيه، فهذا الرجل كان أول ما حج عن شبرمة، ثم نواه عن نفسه في أثناء العبادة، ومثل هذا لا يمكن أن يكون في العبادات الأخرى لكن هذا خاص بالحج، كذلك نجد الرجل يحرم بالحج ثم يقلبه إلى العمرة ليصير متمتعًا، يحرم بالعمرة أولًا ثم يضيق عليه الوقت فيدخل الحج عليها فيصير قارنا لا بأس، كما أن الحج يخالف غيره في النية بأنه لو نوى الخروج منه لم يخرج منه واحد، الآن محرم بالحج لما رأى التعب قال: أشهدكم يا جماعة أني فسخت الحج، فهل ينفسخ حجه؟ لا، بينما العبادات الأخرى تتفسخ، إذا فعل محرمًا في العبادات الأخرى يبطلها كما لو أكل أو شرب أو تكلم في الصلاة، لكن في الحج المحظورات فيه لا تبطله، الجماع قبل التحلل يفسده ولا يبطله؛ ولهذا يجب المضي فيه وقضاؤه من السنة الأخرى بخلاف غيره من العبادات، فالمهم: أن الحج له أحوال يخالف غيره يقتصر فيها على ما ورد. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ ، حيث سأله قبل أن ينكر عليه، ثم دله على الهدى حين عرف أنه أخطأ. هل يستفاد من الحديث: أن من أحرم بنسك عن شخص ثم تبين أنه يجب أن يقدم نفسه فإنه يلزمه أن يحج عن هذا الشخص الذي أحرم بنسكه، لأنه التزمه له بإحرامه، أو تقول: أن قوله: ثم حج عن شبرمة، من باب الإباحة؛ لأنه إنما ذكر له الممنوع ثم ذكر له الجائز؟ فيه احتمال، يحتمل أن الرسول ﷺ أوجب عليه أن يحج عن شبرمة؛ لأنه تلبس بالنسك عنه فوجب

стр. 1555

عليه أن يقضيه عنه، إذ إنه لما تلبس بالنسك كان كأنه نذره فلزمه أن يوفي به، ويحتمل أن قوله: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" من باب الإباحة والإذن، فهو لما منعه أولًا أن يحج عن شبرمة أذن له أن يحج عنه بعد أن يحج عن نفسه، وعندي أن هذا هو الأقرب ونجيب عن الأول بأن الإنسان إذا تلبس به ظنًّا منه أنه جائزة فإذا تبين أنه ليس بجائز فهو تلبس غير مشروع فلا يلزم الوفاء به. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الحج عن الغير بلا إذنه - إذن الغير -، وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يقال: هل استأذنته، فإذا حج إنسان عن غيره بنية أنه للغير فلا بأس، لو رفض الغير بعد أن رجع هذا الرجل قال: أنا حججت عنك ادع الله لي، قال: أنا أرفض، عندنا أمران هل يشترط إذن الغير بالحج عنه نقول ظاهر الحديث لا هل يشترط قبول؟ على كلامكم يشترط وأنه لو رفض لم يكن له أجره وكان الأجر للفاعل إلا تكل هذا الأمر إلى الله ونقول إذا رفض، فالله أعلم ما يترتب على هذا حكم في الدنيا، اللهم إلا إذا كان المحجوج عنه مريضا لا يرجى برؤه فانه يحج عنه غيره بلا شك. ولكن لو رفض المحجوج عنه فهل نقول: أن رفضه غير معتبر وأن الفريضة سقطت عنه هذا هو محل الإشكال؟ اختلف في هذا العلماء أي: في مسألة الفريضة؛ فمنهم من يقول: إنه لا يصح أن يحج الإنسان عن غيره فريضة إلا بإذنه؛ لأن المطالب بها الغير، ومنهم من قال: بل يصح بلا إذنه؛ لأن النبي ﷺ لم يقل للمرأة التي سألته أن أباها لا يثبت على الرَّاحلة: هل استأذنت منه؟ وأنه إذا حج عن غيره ثم بلغه بذلك ورفض فإننا نقول له: رفضت أم لم ترفض الحج لك والفريضة سقطت عنك، وهذا هو الأقرب من الأحاديث. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يبدأ بنفسه؛ لقوله: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة". مسألة الإيثار في القرب وإهداء القرب للأموات: وتأتي هنا مسألة الإيثار بالقرب هل هو جائز أو مكروه أو محرم ()؟ سبق لنا الكلام عليه وبينا أنه ينقسم - الإيثار - إلى أقسام: القسم الأول: ما يحرم فيه الإيثار، وهو الإيثار بالواجب، والثاني: ما يكره فيه الإيثار إلا لمصلحة تربو على الكراهة، والثالث: ما يباح فيه الإيثار، وهو ما سوى العبادات من الأمور العادية.

стр. 1556

ما الذي يحرم فيه الإيثار؟ مثل لو كان معي ماء يكفيني للوضوء فلو آثرت به غيري وتوضأ به بقيت بلا ماء، فهنا يحرم الإيثار؛ لأنني قادر على استعمال الماء وهو في ملكي فلا يجوز لي أن أوثر به غيري، إذا كانت القرية مستحبة مثل الصف الأول فيه مكان رجل وسبقت إليه أنا وواحد معي فهل أوثره؟ قال العلماء: إنه يكره أن يؤثر غيره بمكانه الفاضل، وهو كذلك، لكن القول بالكراهة يتوقف فيه الإنسان، إنما يقال: لا ينبغي أن تؤثر؛ لأن هذا يدل على زهد في الخير والسبق إليه، لكن إذا اقتضت المصلحة أن تؤثره مثل أن يكون أباك أو أخاك الكبير أو صاحب فضل عليك وعلى الناس فهنا يكون الإيثار لا بأس به، بل قد تربو المصلحة ونقول: أن الإيثار هنا مستحب، أما الإيثار في الأمور العادية فهذا لا بأس به، والأصل فيه الحل والجواز، قلنا: تبدأ بنفسك، ينبني على هذا مسألة إهداء القرب للأموات، فنقول: الأفضل إلا تهدي القرب للأموات، الأفضل أن تجعل القرب لك وللأموات الدعاء؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ في قوله: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (). ولم يوجه الرسول ﷺ الأمة إلى عمل يعملونه للميت مع أن الحديث في سياق العمل، فاجعل الأعمال الصالحة لنفسك ومن سواك ادع الله له. فرض الحج في العمر مرة واحدة: ٦٨٦ - وعنه ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ الله كتب عليكم الحجَّ، فقام الأقرع بن حابسٍ فقال: أفي كلِّ عامٍ يا رسول الله؟ قال: لو قلتها لوجبت، الحجُّ مرَّة، فما راد فهو تطوُّعٌ" (). رواه الخمسة، غير التَّرمذيِّ. - وأصله في مسلمٍ من حديث أبي هريرة ﵁. "وعنه" أي: عن ابن عباس يقول: "خطبنا"، وهذه الخطبة يحتمل أن تكون من الخطب الراتبة ويحتمل أن تكون من الخطب العارضة، وسبق لنا أن رسول الله ﷺ كان يخطب أصحابه خطبا راتبه كخطبة يوم الجمعة والعيدين والاستسقاء، وأحيانًا خطبة عارضة يكون لها سبب فيقوم ويخطب. فقال: "إن الله كتب عليكم الحج" "كتب" بمعنى: أوجب، كقوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصِّيام﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقوله: ﴿إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وسمي الفرض كتابة؛ لأنه كلما أريد أن يوثق الشيء فإنه يكتب كما قال الله تعالى: ﴿يأيها

стр. 1557

الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فالمفروض مكتوب كأنه وثق بهذه الكتابة، وقوله: "الحج" قال العلماء: أن الحج لغة: القصد، وشرعًا: قصد مكة للتعبد لله سبحانه بأداء المناسك. "فقام الأقرع بن حابس" وهو من زعماء بني تميم ومن المؤلفة قلوبهم، فقال: "أفي كل عام يا رسول الله؟ " وهذا السؤال من الأسئلة التي لا تنبغي؛ ولهذا كان الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه لما قال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : "لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (). فقوله ﷺ : "ذروني ما تركتكم" تفيد أنه كان لا ينبغي أن يسأل هذا السؤال، ولكن على كل حال قد يكون في هذا السؤال خير لئلا يشتبه على من يأتي من بعده من الأمة، قال رسول الله ﷺ : "لو قلتها لوجبت"، يعني: لو قلت في كل عام لوجبت، يعني: لثبتت وصار الحج فريضة كل عام، ولكن الرسول ﷺ بين فيما رواه مسلم: "ولما استطعتم"، فإنه لو وجب على الناس كل عام ما استطاعوا. أولًا: ما استطاعوا أن يأتوا كل عام إلا بمشقة شديدة. ثانيًا: لو استطاعوا ما استطاعوا أن يؤدوا المناسك؛ لأننا لو فرضنا أن المسلمين في مثل هذا العصر يمثلون ألف مليون، ولنقل: أن القادر منهم على الحج نصف هذا العدد لو جاءوا إلى مكة مثلًا هل يستطيعون أن يقوموا بشيء؟ لا يستطيعون، لهذا هم لا يستطيعون لا باعتبار أفرادهم أنهم يشق على كل فرد منهم أن يأتي كل عام إلى مكة لاسيما من البلاد البعيدة، ولا باعتبار اجتماعهم حول الكعبة فإن هذه مشقة شديدة أيضًا، وهذا من نعمة الله أنه لم يجب إلا كما قال الرسول ﷺ : "الحج مرة فما زاد فهو تطوع"؛ يعني: الحج واجب مرة واحدة فما زاد على المرة الواحدة فهو تطوع، أن شاء الإنسان أتى به وإن شاء لم يأت به. في هذا الحديث فوائد: منها: إعلان الأحكام الشرعية عن طريق الخطابة، والخطابة أحد المجالات التي بها تنشر الدعوة، فإن الدعوة تنشر بطرق متعددة منها: الخطابة، والكتابة والمشافهة، وغير ذلك من الأشياء التي تكون مجالًا للدعوة، ومنها: حرص النبي ﷺ على تبليغ أمته، فإنه كان لا يخفي تبليغ الأحكام، بل جعلها إعلانًا بواسطة الخطابة. ومنها: فرضية الحج لقو له: "كتب عليكم الحج"، وفرضه بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين إجماعًا قطعيًا، ففي القرآن: ﴿ولله على الناس حج البيت .... ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وفي السُّنة كما

стр. 1558

في هذا الحديث، وكما في قوله: "بني الإسلام على خمس"، وذكر منها حج البيت، أما الإجماع فالعلماء مجمعون () على ذلك؛ ولهذا قالوا: من أنكر فرضية الحج فهو كافر مرتد، إلا إذا كان حديث عهد بكفر ولم يعرف فرائض الإسلام فإنه لا يكفَّر إلا بعد أن يعرَّف، فإذا عرِّف وذكرت له الدلائل وأصر على إنكار الفرضية صار كافرًا، أما من تركه - أي: الحج - بدون إنكار فرضيته، ولكن تهاونًا وكسلًا فأكثر أهل العلم على أنه لا يكفر؛ لأنه لا كفر بترك شيء من الأعمال إلا واحدة فقط وهو الصلاة، وقال بعض أهل العلم - وهو رواية عن الإمام أحمد -: إن من تركه تهاونًا فهو كافر لقوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧). وهذا يدل على أن ترك الحج مع القدرة عليه كفر، وكذلك ما أثر عن عمر ﵁ أنه همّ أن يبعث عمالًا إلى البلاد، فمن وجدوه ذا غنًى فلم يحج قال: فليأخذوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، لكن الجمهور على أن ترك الحج تهاونا يكفِّر ()، ولكن هل يقضى عنه؟ الجمهور على أنه يقضى عنه؛ لأنه كالديون التي يتهاون بوفائها، فإذا مات قضيت عنه، وكلام ابن القيم ﵀ في تهذيب سنن أبي داود يدل على أنه لا يقضى عنه، قال: لأن هذا الرجل تركه تركًا وهو معرض عن فعله، أما لو أنه يقول: سأحج العام القادم ويمني نفسه، ولكن بغته الأجل فلم يحج فهذا يحج عنه بلا شك، والراجح: أنه إذا تركه على أنه ليس معرضا عنه فهذا يحج عنه، وكلام ابن القيم جيد لكن أتوقف في ترجيحه. ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه يجوز أن يقاطع الخاطب فيسأل؛ لأن الأقرع بن حابس قاطع النبي ﷺ فسأله في أثناء الخطبة ولم ينكر عليه النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن في المسائل ما لا ينبغي أن يسأل عنه كما في هذا الحديث، فإن الرسول ﷺ قال فيما رواه أبو هريرة: "ذروني ما تركتكم" (). وفي قصة عويمر العجلاني مع امرأته أن النبي ﷺ لما سأله على الذي وصاه عويمر كره المسائل وعابها فيما لو وجد الإنسان مع امرأته رجلًا (). ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ يحكم بغير وحي لقوله: "لو قلتها لوجبت"، وهذا محل خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الرسول ﷺ لا يحكم من عند نفسه، وإنما يحكم

стр. 1559

من عند نفسه في مسائل الاجتهاد، وأما مسائل التشريع قلا، والصحيح: أنه يحكم من عند نفسه في المسائل الاجتهادية كتدبير الحروب وغيرها وفي المسائل الشرعية، لكن إقرار الله له تشريع، ولهذا يعتبر وحيًا. ومن فوائد الحديث: أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة لقوله: "الحج مرة". ومن فوائده: استحباب الزيادة على المرة لقوله: "وما زاد فهو تطوع". * * * ٢ - باب المواقيت المواقيت: تعريفها وبيان أقسامها: "المواقيت" جمع ميقات، وأصله من الوقت، ولكن قلبت الواو ياء؛ لأنه كبير ما قبلها فأصل الميقات مؤقات، لكن لأنها وقعت ساكنة بعد كسر وجب أن تقلب ياء، فيقال: ميقات، والميقات يطلق على الزمن ويطلق على الحل، فيقال: "قت كذا؛ أي: حدد. المواقيت تنقسم إلى قسمين: مواقيت مكانية، ومواقيت زمنية، أما المواقيت المكانية فإنها تكون للحج والعمرة، وأما الزمنية فهي للحج فقط، أما العمرة فلا زمن لها في أي وقت شئت من العام تعتمر، لكن الحج له مواقيت زمنية لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومت﴾ [البقرة: ١٩٧]. وهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة هذا القول الراجح وإن كان المشهور من المذهب أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، لكن الصواب أن شهر ذي الحجة كله من زمن الحج؛ لأن الأصل في الجمع أن يكون عامًا وشاملًا لكل ما يدل عليه. المواقيت المكانية خمسة تستمع إليها في حديث ابن عباس الآتي: ٦٨٧ - عن ابن عباس ﵄: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لأهل المدينة: ذا الخليفة، الشام: الجحفة، ولأهل نجدٍ: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنَّ ممَّن أراد الحجَّ والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيت أنشأ، حتَّى أهل مكة من مكة" (). متَّفقٌ عليه. قوله: "وقَّت" أي: حدد وجعله مكانًا لوقت إحرامهم، "ذا الحليفة"، أي: صاحب الحليفة، والحليفة تصغير حلفة، والحلفة هي شجرة معروفة ف ميت به لكثرته فيها، وهي مكان يبعد عن

стр. 1560

مكة نحو عشرة أميال، وعن المدينة نحو ستة أو تسعة أميال، "ولأهل الشام الجحفة"، أهل الشام: كل من كانوا بين المشرق والمغرب من البلاد الشامية المعروفة، الجحفة () قرية اجتحفها السيل ودمرها وهلك أهلها أيضًا بالوباء الذي نزل فيهم حين دعا النبي ﷺ الله أن ينقل حمى المدينة إلى الجحفة () لما خربت صار الناس يحرمون بدلها من "رابغ" ()، و"رابغ" أبعد منها عن مكة، وبينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل. قال: "ولأهل نجد قرن المنازل" يعني: وقَّت لهم "قرن المنازل" وهو ما يسمى الآن بالسيل الكبير، وهو معروف لا يزال الناس يحرمون منه إلى الآن، "ووقت لأهل اليمن يلملم" وهو اسم جبل، وقيل: اسم مكان، وهو يسمى الآن السعدية معروف عند أهل اليمن، قرن المنازل ويلملم بين كل واحد منهما وبين مكة نحو مرحلتين. ال: "هنّ لهنّ ولمن أتى عليهن من غيرهن"، "هنّ" الضمير يعود على المواقيت، "لهن" للبلدان، و"لمن أتى عليهن" أي: على المواقيت، "من غيرهن" أي: من غير هذه الأماكن، فجعل الرسول ﷺ هذه المواقيت مواقيت لأهل هذه البلدان ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، فمن أتى من أهل نجد من طريق المدينة يحرم من "ذي الحليفة"، ولا نلزمه أن يذهب إلى قرن المنازل، ومن أتى من أهل المدينة من طريق أهل نجد أحرم من قرن المنازل، ولا نلزمه أن يذهب إلى ذي الحليفة، وهذا من تيسير الله . قال: "ممن أراد الحج أو العمرة" يعني: هن لهؤلاء، "ممن" يعني: من الذين يريدون الحج أو العمرة، و"أو" هنا مانعة فلا يمتنع أن يقصد الحج والعمرة جميعًا؛ لأن الناس الذين يمرون بالمواقيت منهم من يريد الحج فقط، ومنهم من يريد العمرة فقط، ومنهم من يريد الحج والعمرة. قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ"، "من كان دون ذلك" أي: دون هذه المواقيت، "فمن حيث أنشأ" أي: من حيث أنشأ القصد والإرادة، "حتى أهل مكة من مكة" يعني: يحرمون من مكة. ٦٨٨ - وعن عائشة ﵂: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرقٍ" (). رواه أبو داود، والنِّسائي.

стр. 1561

٦٨٩ - وأصله عند مسلم من حديث جابر إلا أن راوية شك في رفعه. "ذات عرق" هي مكان يحاذي قرن المنازل أو يزيد عنه قليلًا، ويسمى عند الناس: الضريبة. ٦٩٠ - وفي صحيح البخاري: "أن عمر ﵁ هو الذي وقت ذات عرق" وعلى هذا فتكون السنة ثابتة إما عن الرسول ﷺ ، وإما عن عمر، وسنة عمر سنة متبعة لقول النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". ٦٩١ - وعند أحمد، وأبي داود، والترمذي: عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق: العقيق" "العقيق" هذا مكان يتصل بذات عرق، فإن هذا الوادي الكبير الذي يسمى وادي العقيق يمر بهذا وبهذا، فالصحيح أنه لا ينافي الحديث الذي ثبت في البخاري وفي مسلم وفي أبو داود من أن ميقات أهل العراق ذات عرق؛ لأن العقيق يمتد ويسمى العقيق ولو كان ممتدًا من ذات عرق إلى مصبه، هذه المواقيت الخمس إنما وقتها النبي ﷺ رحمة بالخلق؛ لأنه لو وحد الناس على ميقات واحد لكان في ذلك مشقة كبيرة، فمن نعمة الله أن وقتت هذه الأماكن لكل هذه البلدان. فنستفيد من هذا الحديث فوائد: أولًا: ثبوت المواقيت المكانية. ثانيًا: أنها خمس. ثالثًا: اختلافها في البعد والقرب من مكة، قد يقال: إن هذا من الأمور التعبدية التي لا تعلم حكمتها، وقد يقال: إن هناك حكمة في ذلك وهي أما ذي الحليفة فلأنها قريبة من المدينة فكان من المناسب أن يحرم الإنسان من حين أن يخرج من المدينة لتكون أحكام الحرمين أو أحكام المسجدين متقاربة من حن أن يخرج من المدينة وحرمها يدخل فيما يختص بحرم مكة وهو الإحرام هذه المناسبة، الجحفة أبعد من اليمن ويلملم؛ لأنها مهل أهل الشام، والشام فيه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها فإن كانت هذه الحكمة فالأمر واضح وإن كانت الحكمة وراء ذلك فالله أعلم.

стр. 1562

ومن فوائد الحديث: ثبوت آية من آيات النبي ﷺ ، وذلك أنه وقت هذه المواقيت قبل أن تفتح هذه البلدان، وهذا إشارة إلى أنها سوف تفتح وسوف يحج أهلها وهذه مواقيتها. ومن فوائد الحديث: أن من مر بهذه المواقيت من غير أهلها وجب عليه الإحرام منها ولا يجوز أن يتعداها إلى ميقاته الأصلي، فلو أن الشامي مر بالمدينة وقال: أنا سوف أوجل الإحرام إلى ميقاتي الأصلي وهو الجحفة. قلنا له: لا؛ لأن النبي ﷺ : "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن"، فأنت الآن مررت بميقات سابق فيجب عليك أن تحرم منه وهذا هو رأي الجمهور، وذهب الإمام مالك ﵀ إلى أنه يجوز للشامي أن يؤخر الميقات إذا مر بذي الحليفة ويحرم من الجحفة وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن الصواب مع الجمهور في هذه المسألة، وأن الإنسان إذا مر بالميقات يريد الحج والعمرة وجب عليه أن يحرم ولا يتجاوزه. أما عن تجاوز هذه المواقيت لا يريد حجًا ولا عمرة ثم بدا له بعد تجاوزها أن يحج أو يعتمر فإنه لا يلزمه الرجوع، وإنما يحرم من حيث أنشأ النية، أما ميقات أهل مكة بل من كان في مكة فميقاته من مكة لقوله: "حتى أهل مكة من مكة"، وهذا في الحج ظاهر وواضح، فإن النبي ﷺ لم يلزم أهل مكة حين أراد الإحرام بالحج أن يخرجوا إلى الحل ولم يلزم الصحابة الذين حلوا أن يخرجوا إلى الحل، بل أحرموا من مكانهم. فإن قلت: هل يشمل هذا العمرة؟ قلنا: قد قيل به، وإن من أراد العمرة من أهل مكة، يحرم من مكة ولكن هذا قول ضعيف؛ لأن هذا العموم خصص بحديث عائشة وبالمعنى أيضًا، أما تخصيصه بحديث عائشة فلأن عائشة لما أرادت أن تحرم وهي في مكة أمرها النبي ﷺ أن تخرج من الحرم فتهل بعمرة، وهذا يدل على أن مكة ليست ميقاتًا للإهلال بالعمرة؛ إذ لو كان كذلك لم يكلفها النبي ﷺ أن تخرج في الليل من مكة إلى التنعيم لتحرم منه؛ لأننا نعلم أن دين الله تعالى يسر، وأن اليسر في هذه الحال أن تحرم من مكة، فلما لم يكن ذلك علم أن مكة ليست ميقاتًا للعمرة. فإن قال قائل: عائشة ليست من أهل مكة فالجواب: أن من لم يكن من أهل مكة إذا أراد النسك فحكمه حكم أهل مكة، بدليل أن الصحابة الذين أحرموا بالحج بعد أن حلوا من العمرة أحرموا من مكة كأهل مكة ولم يحرموا من الحل، وحينئذ لا فق فيمن كان بمكة بين أن يكون من أهلها الأصليين أو من الآفاقيين، أما من حديث المعنى: فإن العمرة معناها الزيارة، والزيارة لا تكون من المكان إلى المكان بل تكون من مكان إلى مكان آخر، وهذا لا يتحقق إلا إذا جاء الإنسان بالعمرة من خارج الحرم،

стр. 1563

ويشير إلى هذا قول الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر: "أخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة" بهذا اللفظ في الصحيح، وهذا يدل على أن الحرم ليس مكانًا للإحرام للعمرة؛ ولأنه ما من نسك يطوف فيه الإنسان الكعبة إلا وقد جمع بين الحل والحرم؛ لأن الحج أهل مكة يحرمون من مكة، ولكن لا يطوفون بالبيت حتى يأتوا من الحل، أين الحل؟ عرفة، فلا يمكن لأحد أن يطوف بالبيت طواف نسك إلا وقد قدم إليه من الحل هذه قاعدة، ففي العمرة معروف، وفي الحج لا يطوف طواف الإفاضة إلا بعد الوقوف بعرفة، ولو طاف الإفاضة قبل الوقوف بعرفة ما صح، الآن عرفنا أن الدليل السمعي والنظري يدلان على أن أهل مكة يحرمون للعمرة من الحل من خارج الحرم وهو كذلك. ومن فوائد الحديث: منقبة عمر ﵁، وذلك بتوفيقه للصواب، حيث وقت لأهل العراق ذات عرق فوقع توقيته موافقًا لما جاء عن رسول الله ﷺ أنه وقتها لأهل العراق وهو لم يعلم، توقيت ذات عرق من عمر جاءت باعتبارها حذو قرن المنازل، فيستفاد منه فائدة: أن من لم يمر بالميقات فإنه يحرم إذا حاذى الميقات سواء كان من البر أو الجو أو البحر. هل تكلم العلماء على الطائرات؟ شيخ الإسلام ﵀ كان يتكلم على أهل الشعوذة الذين يلعبون على الناس بأن الله تعالى يعطيهم كرامات أنهم يكونوا في بلادهم في اليوم الثامن من ذي الحجة ثم يقفون بعرفة ويشاهدون بعرفة، يقول ﵀: إن الشياطين تحملهم، ولكن ذكر من جملة ما يفرطون فيه أنهم يحاذون الميقات ولا يحرمون منه لأن الشياطين تطير بهم؛ إذن صار للطائرات أصل في كلام أهل العلم، على كل حال: نحن عندنا -والحمد لله- من سنة عمر اعتبار المحاذاة شرعيًا تثبت به الأحكام الشرعية. *** ٣ - باب وجوه الإحرام وصفته "وجوه" يعني: أنواع الإحرام، "وصفته": كل نوع، الإحرام له ثلاثة أنواع كما سيأتي في الحديث القادم وهو قوله: ٦٩٢ - عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى لله عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل عند قدومه، وأما من أهل بحج، أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر". متفق عليه.

стр. 1564

إذن الأقسام ثلاثة: "منا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بعمرة وحج، ومنا من أهل بحج، فهذه ثلاثة أنواع الذين أهلوا بعمرة تقول ﵂: "فحل عند قدومه"، وأما من أحل بحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر، هذه بيان الإحرام وصفته: الذين يهلون بعمرة يحلون إذا قدموا، يعني: بعد الطواف والسعي والتقصير، يحلون إحلالًا كاملًا، فإن الصحابة لما أمرهم النبي ﷺ بالتحلل قالوا: الحل كله؟ قال: "الحل كله"، يحل فيه جميع محظورات الإحرام حتى النساء، هؤلاء الذين يحرمون بعمرة يطوفون ويسعون ويقصرون ويحلون إحلالًا كاملًا، ويسمى هذا النوع تمتعًا؛ لأن الرجل تمتع بالعمرة إلى الحج، يعني: تمتع بالعمرة لما أحل منها حصل له التمتع بما أحل الله له بإحلاله، يتمتع بماذا؟ بكل المحظورات باللبس، والطيب، والتنظيف بأخذ الشعر، وكذلك بالنساء وغير ذلك، "بعمرة": أي بسببها إلى الحج، هذا هو التمتع، وهذا أفضل الأنساك إلا من ساق الهدي، فإن القرآن في حقه أفضل، من أهل بعمرة وحج فإنه إذا وصل مكة طاف وسعى ولم يحل، يبقى على إحرامه لا يحل إذا كان يوم العيد حل مع الذين يحلون من المتمتعين، يعني: لا يحل إلا بعد جمرة العقبة والحلق أو التقصير، من أهل بحج فكمن أهل بعمرة وحج كالقارن، يعني: إذا قدم مكة طاف وسعى وبقى على إحرامه حتى جمرة العقبة يوم العيد ويحلق أو يقصر، فصارت الأنواع ثلاثة: التمتع، والقرآن، والإفراد، التمتع صفته: أن يحرم الإنسان من الميقات بالعمرة، فإذا وصل مكة طاف وسعى وقصر وحل، فإذا كان اليوم الثامن أحرم بالحج، القرآن والإفراد يحرم من الميقات، وإذا وصل إلى مكة طاف وسعى ولم يقصر، بل بقى على إحرامه إلى يوم العيد إلى أن يرمي جمرة العقبة ويحلق أو يقصر. بيان الأفضل من أقسام الحج الثلاثة: الآن نقول: أيهما أفضل؟ نقول: التمتع أفضل إلا لمن ساق الهدي، فالقرآن أفضل لتعذر التمتع في حقه، لأنه لا يمكن أن يحل، التمتع عرفتموه، فهو أفضل، الدليل أولًا: لأن النبي ﷺ أمر به أصحابه وحتم عليهم حتى غضب لما توانوا في تنفيذ ذلك. ثانيًا: أنه أيسر للمكلف، وما كان أيسر للمكلف فهو أحب إلى الله: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"، كما روى في الحديث و"إن الدين يسر" كما صح به الحديث.

стр. 1565

ثالثًا: أنه أكثر عملًا، فإن الإنسان يأتي فيه بعمرة تامة وبحج تام، فيطوف طواف العمرة ويسعى ويطوف طواف الحج ويسعى، خلافًا لمن قال: إن المتمتع يكفيه السعي الأول سعي العمرة، فإن هذا قول ضعيف جدًا، ولا يصح من حيث الدليل، ولا من حيث التعليل، أما من حديث الدليل فإنه قد صح في البخاري وغيره من حديث ابن عباس وعائشة ﵃ أن الذين حلوا من إحرامهم طافوا بين الصفا والمروة طوافين، يعني: أنهم طافوا مرتين وسعوا سعيين، وأما من حيث المعنى: فلأن العمرة انفصلت عن الحج انفصالًا تامًا حتى إنه يفعل بينهما كل ما يفعل في حال الحل وهذا انفصال تام، فكيف يقال: إن جزءًا من العمرة يكون مجزئًا عن جزء من الحج. رابعًا: أن الله تعالى أوجب على الإنسان أن يطوف بالصفا والمروة في الحج والعمرة فقال: ﴿فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. إذن الحج لابد فيه من سعي والعمرة لابد فيها من سعي، وأما حديث جابر الذي اعتمد عليه من قال: إنه يكفيه سعي واحد وهو ما رواه مسلم أنه قال ﵁: "لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بالصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول"، فهذا الجواب عنه سهل جدًا يقال: المراد بأصحابه الذين كانوا مثله وهم القارنون، ومعلوم أن القارن يكفيه سعي واحد، ولا يمكن أن يراد به كل أصحابه وذلك لحديث ابن عباس وعائشة ﵃ وللمعنى الذي أشرنا إليه، وكذلك من استدل بقوله: "دخلت العمرة في الحج وشبك بين أصابعه"، فهم أنفسهم لا يقولون بمقتضى ظاهر الحديث، لو أخذنا بمقتضى ظاهر الحديث لقلنا أيضًا: يكفيه طواف العمرة عن طواف الحج ولا قائل به وإنما دخلت العمرة في الحج، أي: أن الحج كما يكون في هذه الأشهر كذلك العمرة، وكذلك ما ثبت للحج من أحكام ثبت للعمرة إلا ما دل عليه الدليل، فإن العمرة دخلت في الحج فهي حج كما جاء في الحديث المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول قل الرسول ﷺ : "والعمرة حج أصغر". أما القرآن فله صفة متفق عليها، وهي أن يحرم بالعمرة والحج جميعًا فيقول: لبيك عمرة وحجًا، فإذا قال من الميقات: لبيك عمرة وحجًا؛ فإذا قال من الميقات: لبيك عمرة وحجًا فهو قارن، وسبق أن صفة القرآن أنه إذا وصل مكة طاف وسعى وبقي على إحرامه إلى يوم العيد فيرمي جمرة العقبة ويحلق أو يقصر ويحل التحلل الأول. الصفة الثانية للقرآن: أن يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في الطواف،

стр. 1566

وهذا وقع لأم المؤمنين عائشة ﵂ حين أحرمت بالعمرة فحاضت فأمره النبي ﷺ أن تحرم بالحج، وقال: "طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجتك وعمرتك"، فهنا أحرمت أولًا بالعمرة ثم أدخلت الحج عليها -على العمرة- قبل الشروع في الطواف، وهل هذه الصفة مشروطة بالضرورة، أو جائزة في حال الاختيار؟ المشهور من مذهب أحمد أنها جائزة حتى في حال الاختيار. الصفة الثالثة: أن يحرم بالحج أولًا ثم يدخل العمرة عليه، يعني يقول: "لبيك حجة" من الميقات ثم يبدو له فيدخل العمرة عليه فيقول: "لبيك حجة وعمرة"، فهذا فيه خلاف؛ فمن العلماء من أجازه، وقال: لا بأس به، واستدل بظاهر فعل الرسول ﷺ حيث قالت عائشة: إنه أحرم بالحج مع أنه أتاه آت وقال له: "قل عمرة في حجة"، فيقولون: إن الجمع بين حديث عائشة والحديث الآخر: أن الرسول ﷺ أحرم بالحج أولًا ثم أدخل العمرة عليه، وقالوا: إن العمرة أحد النسكين، فإذا جاز إدخال الحج عليها جاز إدخالها عليه، وحينئذ تكون الأفعال واحدة. المهم: أن القرآن له ثلاث صور، والمشهور في الصورة الأخيرة من مذهب الحنابلة أنها لا تصح وقالوا إذا أدخل العمرة على الحج فإدخاله لا عبرة به ويبقى على نية الحج. الإفراد له صورة واحدة وهي: أن يحرم بالحج وحده فيقول: "لبيك حجًا"، وإذا وصل مكة طاف وسعى وبقى على إحرامه إلى يوم العيد، ذكرنا أن التمتع كم وجهًا له؟ له أربعة أوجه، قلنا: إلا من ساق الهدي فالقرآن في حقه أفضل لتعذر التمتع في حقه، ولكن هل الأفضل أن يسوق الإنسان الهدي ويقرن، أو الأفضل ألا يسوق ويتمتع؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: الأفضل ألا يسوق ويتمتع؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأحللت معكم"، ومنهم من قال: بل سوق الهدي والقرآن أفضل؛ لأن هذا فعل الرسول ﷺ ، ولأنه أظهر في إظهار الشعائر؛ لأن الإنسان يسوق معه الهدي وهذا لاشك أن فيه من إظهار الشعائر ما ليس فيمن لم يسق الهدي، وأجابوا عن قوله: "لو استقبلت ... " إلخ. أنه قال ذلك من أجل أن يطيب قلوب أصحابه، وأنه يقول: لو علمت أن الأمر سيبلغ منكم ما بلغ حتى يشق عليكم هذه المشقة ما سقت الهدي ولأحللت معكم، وقد كان الرسول ﷺ يترك الاختيار مراعاة لأصحابه كما ترك الجهاد ﷺ في كل سرية مراعاة لأصحابه الذين لا يستطيعون أن يصاحبوه في كل سرية وليس عنده ما يحملهم عليه، فهو لا يحب أن يشق عليهم ولا عنده ما يعلمهم فيخرج به، وكما ترك الصيام مراعاة لأصحابه،

стр. 1567

فقالوا: إن قوله: "لو استقبلت من أمري" لهذا المعني، وعندي أن الأقرب إن التمتع أفضل إلا لمن ساق الهدي، فالقرآن أفضل ليجمع بذلك بين قول الرسول ﷺ وفعله. هذه الأنساك الثلاثة أيها التي يجب فيها الهدي؟ التمتع بالنص والإجماع، قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا لا إشكال فيه، القارن كالمتمتع يلزمه الهدي، وهذا قول جمهور أهل العلم، ووجه مشابهته للمتمتع: أنه حصل له نسكان في سفر واحد، فقد تمتع بالعمرة بالترفه بترك أحد السفرين، يقول العلماء: إن القارن تمتع ليس في الحل بين العمرة والحج؛ لأنه ليس عنده حل، ولكن في ترك أحد السفرين؛ لأنه لو أحرم مفردًا لكانت العمرة تتطلب سفرًا آخر، فلما أحرم بهما جميعًا ترفه بترك السفر الثاني للعمرة، فهو مترفه بترك أحد السفرين، وهذا نوع من التمتع، وبهذا أدخله كثير من أهل العلم بنص الآية: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾، ولهذا قال الإمام أحمد: إن القارن ليس كالمتمتع، يعني: أن وجوب الهدي عليه أمر لا إشكال فيه، إذن القارن عليه الهدي عند جمهور أهل العلم؛ لأنه متمتع بالترفة بترك أحد السفرين، أما المفرد فلا هدي عليه؛ لأنه لا يدخل في التمتع لا لفظًا ولا معنى فلا يجب عليه الهدي. حديث عائشة ﵂ فيه إشكال وهو قولها: "وأهل رسول الله ﷺ بالحج"، قولها: "بالحج"، نقول: ذهب بعض العلماء إلى أن النبي ﷺ كان مفردًا بالحج وأخذوا بذلك، وقالوا: الإفراد أفضل من القرآن والتمتع، ولكن الصحيح: أن الرسول ﷺ حج قارنًا، قال الإمام أحمد -وهو إمام أهل السنة والحديث-: لا أشك أن النبي ﷺ كان قارنًا، والمتعة أحب إلي، وثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ جاءه ملك وقال له: قل عمرة وحجة أو عمرة في حجة، وهذا لا يمكن أن يقع فيه مخالفة من رسول الله ﷺ فيحرم بالحج، فإذا كان الأمر كذلك فما الجواب عن الحديث؟ قال بعض العلماء: إنه لما كان فعل القارن كفعل المفرد ظنت عائشة ﵂ أنه كان مفردًا وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يقال: إذا كانت علمت أن بعض الصحابة أحرم بحج وعمرة فكيف تجهل أن الرسول ﷺ أحرم بحج وعمرة! ! هذا شيء بعيد، ومنهم من قال: إن الرسول ﷺ كان أحرم أولًا بالحج، ثم أدخل العمرة عليه فقالت عائشة: أحرم بالحج باعتبار

стр. 1568

ابتداء الإحرام ثم أدخل العمرة عليه، وهذا ينطبق تمامًا على قول من يقول بجواز إدخال العمرة على الحج، أما من لم يقل بذلك فإنهم لا يقرون هذا الجواب. ذكرنا أن الأنساك الثلاثة كلها جائزة إلى يومنا هذا. فإن قلت: كيف تجيب عن أمر الرسول ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة وغضبه حين لم يبادروا بذلك؟ قلنا الجواب على ذلك: ما جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ أنه سئل عن المتعة أهي عامة أم خاصة؟ قال: "بل هي لنا خاصة" قال شيخ الإسلام: أي أن وجوبها خاص في الصحابة؛ لأنهم لو امتنعوا وصمموا على الامتناع لكان في ذلك مجابهة مع الرسول ﷺ ثم حد لمنع هذا التمتع؛ لأنهم لو لم يفعلوا ما فعل الناس فهم أسوة لهم، فلما كان هم الأسوة وكان في امتناعهم مجابهة ومنع للتمتع أو لفسخ الحج لا للتمتع كان غضب الرسول ﷺ شديدًا كيف يحابيهم ليسن هذه الطريقة لأمته ثم يمتنعون، فالغضب هنا ليس لأن هذا واجب من حيث هو واجب، فغضبه لأنهم تهاونوا في تنفيذ أمره، والفرق بينهم وبين غيرهم ظاهر؛ ولهذا صح عن أبي بكر وعمر وعثمان وأعلام الصحابة ﵃ أن الأنساك الثلاثة كلها جائزة، وتكاد الأمة تجمع على ذلك إلا نفرًا قليلًا من الصحابة ومن بعدهم لا يساوون ولا يسامون من قالوا بالجواز. من فوائد الحديث أولًا: أن الناس مخيرون في الإحرام بين هذه الوجوه الثلاثة، ووجه الدلالة من هذا: أن النبي ﷺ أقرهم على ذلك، ثانيًا: أنه ليس هناك أوجه للإحرام سوى ما جاءت به السنة، فلو أراد الإنسان أن يأتي بأوجه سوى ما جاءت به السنة لكان ذلك باطلًا لقول الرسول ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". ومن فوائد الحديث: السعة في الأمور الجائزة، وأنه إذا كانت الأمور كلها جائزة فلا ينبغي أن يعيب أحد على أحد، ومثله حديث أنس حججنا مع النبي ﷺ فمنا الملبي، ومنا المكبر، ومنا المهلل، ومنها أيضًا أحاديث الصيام أنهم كانوا مع الرسول ﷺ هذا صائم وهذا مفطر، ولا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. ومن فوائد الحديث: أن المتمتع يحل من عمرته إذا قدم، وأنه ينبغي المبادرة بأداء العمرة

стр. 1569

لقولها: "فأما من أهل بعمرة فحل عند قدومه"، وهو كذلك؛ أي: أن الإنسان ينبغي له إذا قدم مكة بنسك عمرة أن يبادر. ومن فوائده أيضًا: أن القارن والمفرد يبقيان على إحرامهما إلى يوم النحر. فيه أيضًا: حجة الوداع متى كانت؟ في السنة العاشرة من الهجرة، وسميت حجة الوداع؛ لأن الرسول أتى بما يشعر بتوديع الناس في تكل الحجة. *** ٤ - باب الإحرام وما يتعلق به الإحرام هو نية الدخول في النسك حتى وإن كان على الإنسان ثيابه العادية، فإذا نوى الدخول في النسك فقد أحرم، سواء لبس الثياب الخاصة بالإحرام أم لم يلبس وما يتعلق به -أي: بالإحرام- مما يسن أو يجب. ٦٣٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: "ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد". متفق عليه. يعني: مسجد ذي الحليفة، وهو يشير إلى أنه لا ينبغي الإهلال إلا إذا ركب الإنسان، وقد صرح في حديث جابر ﵁ أنه أهل حين استوت به ناقته على البيداء فقال ﵁: "حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد لبيك الله لبيك"، وقوله: "أهلَّ﴾ أي: رفع صوته من الإهلال وهو الإظهار، ومنه سمي الهلال؛ لأنه يظهر في السماء. استحباب رفع الصوت بالتلبية: ٦٩٤ - وعن خلاد بن السائب عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل، فأمرني أن أمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال". رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن حبان. هذا كالأول فيه دليل على أنه يستحب رفع الصوت في التلبية؛ لأن جبريل أتى النبي ﷺ فأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال؛ يعني: بالتلبية، وجبريل هو أحد الملائكة الكرام، والموكل بالوحي.

стр. 1570

يستفاد من هذين الحديثين: أنه يسن رفع الصوت بالإهلال، يعني: التلبية. ٦٩٥ - وعن زيد بن ثابت ﵁: "أن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل". رواه الترمذي وحسنه. "تجرد" يعني: من لباسه، و"اغتسل" وهذا الاغتسال مشروع، يغتسل الإنسان عند الإحرام كما يغتسل للجنابة، وهو سنة مؤكدة للرجال والنساء، حتى الحيض وذوات النفاس يسن لهن أن يغتسلن فإن لم يجد الماء أو تعذر عليه استعماله لمرض فهل يتيمم؟ المشهور عند أهل العلم أنه يتيمم قالوا: لأن هذه طهارة مشروعة، فإذا تعذرت عدلنا إلى التيمم كالاغتسال الواجب، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يسن التيمم؛ لأن هذا اغتسال ليس عن جنابة حتى يحتاج الإنسان فيه إلى رفع الحدث إنما هو اغتسال للتنظف والتنشط لهذا العمل، فإذا لم يجد الماء فإنه لا يتيمم، وعلى كل حال: إن يتمم الإنسان احتياطًا فلا بأس، لأنه قال به بعض العلماء. من محظورات الإحرام: ٦٩٦ - وعن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ سئل: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئًا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس". متفق عليه، واللفظ لمسلم. "سئل" أي: سأله سائل، وكان هذا السؤال وقع وهو في المدينة قبل أن يخرج إلى الحج، لأنه خرج إلى الحج يوم السبت وقد خطب ﷺ الناس يوم الجمعة وبين لهم ما يصنعون عند الإحرام. فسأله سئل: "ما يلبس المحرم"، و"ما" هنا استفهامية، يعني: أي شيء يلبسه؟ فقال: "لا يلبس القميص"، والجواب في ظاهره مخالف لصيغة السؤال، لأن السؤال عما يلبس، والجواب عما لا يلبس، لو كان السؤال ما الذي لا يلبسه المحرم فقال: لا يلبس القميص صار الجواب مطابقًا للسؤال في صيغته، لكن السؤال عما يلبس فأجيب بما لا يلبس، فنقول إن الجواب وإن خالف السؤال في صيغته لكنه موافق له في المعنى؛ لأن حصر ما لا يلبس يفيد ما يلبس، كأنه قال: يلبس ما سوى ذلك، لكنه ذكر ما لا يلبس، لأنه أقل من الذي يلبس، فالذي يلبس واسع، كل شيء يلبسه إلا هذه الخمسة، وعلى هذا فيكون الجواب مطابقًا للسؤال مع الاختصار، ووجه المطابقة: أن من علم ما لا يلبس فقد علم ما يلبس وهو ما عداه.

стр. 1571

"لا يلبس القميص" ما هو القميص؟ الثوب ثيابنا هذه هي القميص، "ولا العمائم" القميص على البدن والعمائم على الرأس، "ولا السراويلات" على جزء من البدن، "ولا البرانس" على كل البدن لأن البرانس ثياب لها قبع متصل بها ليغطى به الرأس، ولعلكم تشاهدونه في المغاربة الذين يأتون إلى الحج، "ولا الخفاف" لباس الرجل، ثم استثنى ﵊. تأمل المحظورات الآن خمسة التي لا تلبس ما عداها يلبس إلا ما كان بمعناها فإن الشرع لا يفرق بين متماثلين فما كان بمعناها فله حكمها، "القميص" ما الذي بمعناه؟ الفانيلة قريبة من القميص، الزبون قريب من القميص، وما أشبه ذلك، "العمائم" نظيرها الغترة، "السراويلات" معروفة، لكن السراويل ظاهر الحديث العموم وأنه لا فرق بين السراويلات ذوات الأكمام الطويلة أو القصيرة، "البرانس" يمكن أن نقول: أقرب شيء لها المشلح، "الخفاف" مثلها الجوارب، لأنه لا فرق، والجوارب هي الشراب، ما عدا ذلك فهو حلال، فلننظر الآن هل يلبس الساعة؟ نعم؛ لأنها لا تدخل في هذا ولا في معناه، هل يلبس النظارة؟ نعم، يلبس سماعة الأذن، يلبس الخاتم، يلبس الكمار، يلبس العلاقية التي يكون فيها الحوائج، إذن كل شيء يلبسه إلا ما كان بمعنى هذه الأشياء. يقول الرسول ﷺ : "إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين"، "إلا أحد" يعني: من الرجال لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وإذا قيل: "لا يجد كذا" فالمراد: لا يجده بعينه ولا يجد ما يحصل به؛ يعني: فإذا كان ليس عنده نعال، لكن عنده دراهم يشتري نعالًا نقول: اشتر نعالًا، فإذا كان معه دراهم ولا يجد نعالًا يشتريها فليلبس الخفين، لكن هنا قال: "وليقطعهما أسفل من الكعبين" يعني: يقطع الخفين حتى تكون أسفل من الكعبين لئلا تكون خفًا كاملًا. ولكن هذا الحديث قلت: إنه قاله الرسول ﷺ وهو في المدينة قبل أن يخرج إلى الحج، وفي حديث ابن عباس وليت المؤلف ذكره ﵀ أن النبي ﷺ خطب الناس يوم عرفة فقال: "من لم يجد نعلين فللبس الخفين، ومن لم يجد أزارًا فليلبس السراويل"، وأطلق، وهذا يدل على أن الحكم الأول نسخ؛ لماذا؟ لأن الرسول ﷺ قال ذلك في مجمع أكبر من مجمع المدينة وفي زمن متأخر، والذين سمعوه يوم عرفة ليس كلهم سمعوه في المدينة وسيأخذون الحديث على إطلاقه بدون أمر بقطع، ولو كان القطع واجبًا لكان بيانه في عرفة واجبًا، لأن الناس سيأخذونه على الإطلاق، وهذا القول هو الصحيح على ما في القطع من إضاعة المال؛ لأنه لما جاء ما يدل على النسخ صار قطعه إضاعة للمال، ولهذا حرم بعض العلماء قطع الخف وقال إنه لما نسخ كان في قطعه إفساد وهو إضاعة للمال.

стр. 1572

يقول: "ولا تلبسوا شيئًا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس" للونه أو لريحه؟ لهما جميعًا؛ لأن الرسول نهى الرجال عن لبس المعصفر، والذي مسه الزعفران يكون أصفر لكن إذا كان لبخة ما تشم الثوب كله فإنه يكون النهي عنه من أجل أنه طيب؛ لأن المعصفر إنما يكره إذا كان الثوب كله أصفر، قال: "ولا الورس" ما هو" قال العلماء: إن الورس نبت في اليمن طيب الرائحة، فتكون العلة في النهي عن الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس هي الرائحة، كأنه قال: لا تلبسوا ثوبًا مسه طيب، وظاهر الحديث أننا لا نلبس الثوب الذي مسه الطيب سواء لبسناه قبل أن نحرم وأحرمنا أو بعد أن نحرم، وهذا هو الظاهر؛ ولهذا اختلف العلماء في ارتداء المطيب هل يلبسه المحرم أو لا، أما بعد إحرامه فلاشك أنه لا يلبسه، وأما قبل إحرامه فالمشهور من المذهب أنه مكروه أن يحرم الإنسان في ثوب مطيب، وقال بعض العلماء: إنه حرام ولا يجوز أن يحرم بثوب مطيب، وهذا هو ظاهر الحديث، وعلى هذا فلا تطيب ثياب الإحرام لا بالبخور ولا بالدهن ولا يغيرها؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا تلبسوا ثوبًا مسه الزعفران أو الورس". خطأ شائع والرد عليه: هذا الحديث عبر عنه بعض العلماء فقالوا: "لا يلبس المحرم المخيط"، وقد قيل: إن أول من نطق بهذا إبراهيم النخعي على ما أظن، وإبراهيم النخعي من التابعين، فهذه الكلمة ليست معروفة عند الصحابة، لكن ذكرت أخيرًا فقيل: لا يلبس المخيط، وهذا التعبير في الواقع أولًا أنه لا يؤخذ على عمومه، فإن من المخيط ما يلبس كما لو لبس رداء مرقعًا؛ أي: رداء مكون من أربع قطع فهذا مخيط، وكذلك إزار مرقع فهو مخيط، ومع ذلك فإنه يجوز أن يلبس رداء مرقعًا وإزارًا مرقعًا مع أن فيه خياطة، ثانيًا نقول: كلمة مخيط توهم أن كل ما فيه الخياطة فهو حرام، ولهذا يسأل العوام كثيرًا عن النعال المخروزة ويقول: كيف نلبس نعلًا مخروزة وهي فيها خياطة؟ فنقول: هذا الذي يريده العلماء غير الذي تفهمونه أنتم، هم يريدون الثياب المفصل على البدن سواء مخيط أو منسوج ولا يريدون ما فيه الخياطة؛ ولذلك أباحوا ﵏ النعال وأباحوا الشيء الذي يحمل فيه النفقة والمنطقة وما أشبهها مع أنها مخيطة يعني: فيها خياطة؛ ولهذا لو أن الإنسان إذا أتى على ذكر هذا المحظور من محظورات الإحرام ذكر ما جاءه به السنة لكان أولى وأبين وأسلم به؛ لأن كونه يعبر ما جاءت به السنة لاشك أنه لديه حجة أما الله ، لكن كونه يعبر بلبس المخيط الموهم للناس خلاف ما يراد هذا قد يكون

стр. 1573

على خطر أنه يفهم عباد الله أو يأتي بلفظ يوهم ما لا يراد، نعم لو أنه قال: إن المحرم لبس المخيط وشرحه شرحًا وافيًا لسلم. نعود مرة ثانية إلى الحديث يقول: "لا يلبس القميص"، لو استعمل القميص على غير وجه اللبس مثل أن ارتدى به أو ائتزر به فيجوز ذلك؛ ولهذا بعض الناس إذا ركب في الطائرة وكانت إحراماته في العفش قال: ما عندي ثوب إحرام كيف أحرم؟ فأصبر إلى أن أصل إلى جدة وأخرج ثياب الإحرام وأحرم. نقول: هذا خطأ لا يجوز، ويمكنك أن تحرم بثيابك هذه، إن كنت من الذين يلبسون الغتر اجعل الغترة إزارًا واخلع القميص وإن كنت من الناس الذين ليس معهم غترة اجعل الثوب إزارًا اخلع القميص وتلفع به ثم اخلع السروال ويكون القميص إزارًا، لكن المشكل إذا كنت ممن يلبسون البنطلون ولا غترة عليك، نقول: أحرم ويبقى عليك الثوب، انزع البنطلون ويبقى عليك السروال، ولا شيء عليك؛ لأن الرسول يقول: "من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل" ولا مانع من أن يبقى عليه البنطلون للحديث أيضًا. بقي عندنا إذا لم يمكن هذا بأي حال من الأحوال مثل ألا يكون معه إلا قميص، وليس على رأسه شيء، وليس معه سروال ماذا يصنع؟ نقول: إذا أمكن أن يحرم به بدون كشف عورة بحيث يدخل مثلًا في حمام الطائرة ويخلعه ويجعله إزارًا فعل وإن لم يمكن نوى الإحرام ولو كان عليه هذا الثوب، والمسألة بسيطة يصوم ثلاثة أيام على رأي أهل العلم أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو يذبح شاة، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر الكلام على اللباس المخيط أو لبس هذه الأشياء هل يلزمه فدية إذا لبسها أو لا يلزمه. يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: حرص الصحابة ﵃ على العلم والبحث لقوله: "سئل ما يلبس المحرم". ومن فوائده أيضًا: حسن تعليم الرسول ﷺ وأن تعليمه قد بلغ الغاية في الفصاحة؛ لأنه سئل عما يلبس المحرم فأجاب بما لا يلبس، ذلك الجواب المتضمن لبيان ما لا يلبس مع الاختصار. ومنها: أن النبي ﷺ أعطى جوامع الكلم كما قال ﷺ : "أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا". كيف ذلك؟ لأنه أجاب بجواب بين مفصل مع الاختصار -لو أراد أن يعدد ما يلبسه المحرم يتعب؛ لأن الأشياء أنواع كثيرة التي تلبس سوى هذه الخمسة.

стр. 1574

ومنها: تحريم لبس القميص وما عطف عليه على الرجل ومنها: جواز لبس السراويل لمن لم يكن عه إزار. ومنها: جواز لبس الإزار على أي صفة كان لعموم قوله: "ومن لم يجد إزارًا"، وعليه فلو أن الإنسان خاط الإزار بحيث لا يكون مفتوحًا فإن ذلك لا بأس به؛ لأنه لم يزل يسمى إزارًا، والسراويل لها أكمام ليدخل فيها كل رجل وحدها. ومنها: تحريم لبس السراويل القصيرة والطويلة لعموم قوله: "ولا السراويلات". ومنها: يسر الشريعة الإسلامية وسهولتها لقوله: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن ثم يجد إزارًا فليلبس السراويل". وهل تقول: ومنها استحباب لبس النعلين للمحرم أو جوازه؟ لماذا لم تقل ذلك؟ لأن الأمر من لم يلبس نعلين فليلبس الخفين؛ لأن هذا من باب ذكر المنع فتكون اللام هنا للإباحة، وإلا فلو أن الإنسان أحرم وهو حافي فلا حرج عليه. ومنها: تحريم لبس المطيب. هل على فعل هذه المحظورات فدية؟ سبق لنا أن من محظورات الإحرام: اللباس سواء كان على الرأس أو البدن أو القدم أو اليد على الرأس كالعمامة، القدم كالخفين، البدن كالقميص والسراويل والبرانس، اليدين كالقفازين، وأن هذا حرام على الرجل وحده إلا القفازين فحرام عليهما جميعًا؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تلبس المرأة القفازين، وسبق لنا أنه إذا لم يجد نعلين فليلبس الخفين بدون فدية، وإذا لم يجد إزارًا فليلبس السراويل بدون فدية أيضًا، وذهب بعض العلماء إلى أن عليه فدية أيضًا، وذهب بعض العلماء إلى أن عليه فدية إذا لبس السراويل أو الخفين، ولكن لا دليل عليه بل الدليل على خلافه؛ لأن الرسول ﷺ أباح هذا إباحة مطلقة بدون أن يذكر فدية على أن وجوب الفدية في لباس هذه الأشياء في النفس منه شيء؛ وذلك لأن الرسول ﷺ حرمها ولم يذكر لها فدية، وسبق لنا أيضًا أنه لا يلبس ثوبًا مسه الزعفران ولا الورس، وهل هو من أجل اللون أو من أجل الرائحة؟ قلنا: يشملهما، ولكن لو فرض أنه لبس ثوبًا مسه طيب بدون لون فهو داخل في النهي؛ لأن العلة هي الطيب. ونكمل فوائد الحديث، فنقول: ومنها: أنه لو خاط فلبس فليس عليه فدية، الدليل: أنه لو كان عليه فدية لبينها الرسول ونحن تتبعنا السنة فلم نجد أن علية فدية في هذه الأشياء، فإن كان هناك إجماع فالدليل هو الإجماع، وإن لم يكن إجماع فالأصل براءة الذمة، ولا تلزم عباد الله ما لم يلزمه الله هذا هو الأصل، وهذا هو القاعدة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن لبس المخيط

стр. 1575

أو هذه المحظورات المذكورة فيها الفدية، وما هي الفدية؟ قالوا: الفدية هي فدية حلق الرأس صيام أو صدقة أو نسك، الصيام كم؟ ثلاثة أيام، والصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك ذبح شاة توزع على الفقراء، فقالوا: إن هذه الفدية؛ لماذا؟ قالوا: قياسًا على وجوبها في حلق الرأس، والقياس كما تعلمون أنه لابد فيه من أصل وفرع وعلة جامعة وحكم، الحكم متفق على رأي جمهور العلماء بين هذا وبين فدية حلق الرأس، والأصل فدية حلق الرأس، والفرع فدية لبس هذه الأشياء، والعلة الجامعة قالوا هي: "الترفه"؛ لأن حلق شعر الرأس إنما وجبت به الفدية؛ لأنه ترفه بحلقه حيث أزال عنه الأذى؛ وإزالة الأذى ترفه فنحن ننظر هل العلة الترفه وهل الترفه الحاصل يدفع الأذى كالترفه الحاصل بكمال الزينة؛ لأننا قد نمانع في أن العلة في وجوب الفدية في حلق الرأس هي الترفه فإن من الممكن أن يقول قائل: العلة في تحريم حلق الرأس في الإحرام هو أن الرأس يتعلق به نسك، فإن حلق الرأس والتقصير من واجبات الحج والعمرة، ولو أن المحرم حلقه لفات هذا النسك، فكان لزامًا عليه أن يبقيه من أجل أن يتنسك لله تعالى بإزالته حلقًا أو تقصيرًا. ثم نقول: الترفه الحاصل بالحلق ليس كالترفه الحاصل بلبس هذه الثياب، الترفه الحاصل بالحلق من أجل إزالة أذى فهو رفع ضرر أما هذه فالترفه فيها من باب الزينة والسهولة في الملبس ونحو ذلك فافترقتا. ثم نقول: إنه ليس مطلق الترفه موجب للفدية، فها هو المحرم يغتسل ويتبرد ويأكل المأكولات الطيبة ويتفكه في المشارب وفي الملبوسات المباحة وكذلك في المفروشات وغير ذلك ويستظل، وهو نوع من الترفه، فالتعليل بالترفه فيه نظر أيضًا؛ لهذا نقول: إن دل الإجماع على وجوب الفدية في وجوب هذه الأشياء فهو المتبع، وليس لنا أن نخرج عن إجماع المسلمين، وإن لم يدل الإجماع على ذلك فالأصل براءة الذمة وإلحاق هذه بحلق الرأس مع إمكان وجود الفارق فيه نظر. جواز استعمال الطيب عند الإحرام: ٦٩٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". متفق عليه. ذكر المؤلف ﵀ هذا الحديث عقب حديث ابن عمر؛ لأن في حديث ابن عمر الإشارة إلى

стр. 1576

تحريم الطيب على المحرم، وهذا الحديث يدل على جواز استعمال الطيب عند الإحرام، ولازم ذلك أن يبقى الطيب في الإشارة بعد إحرامه، بل صريح ذلك كما جاء في حديث آخر قال: "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم"، "ويص" بمعنى: البريف واللمعان وهو محرم. فيستفاد من حديث عائشة: أن استدامة الطيب للمحرم ليست حرامًا وهذا صحيح، والعلماء أخذوا من هذا قاعدة وقالوا: إن الاستدامة أقوى من الابتداء، فالطيب للمحرم استدامته جائزة وابتداؤه لا تجوز، الرجعة للمحرم -يعني: إذا راجع زوجته وقد طلقها- جائزة وابتداء عقد النكاح لا يجوز، وهذه القاعدة صحيحة وسليمة. وقول عائشة: "كنت أطيب" يستفاد منه: أنه يجوز للرجل أن يستخدم زوجته في حوائجه الخاصة كالتطيب. وقولها: "ولحله قبل أن يطوف بالبيت" يستفاد منه: أن المحرم يحل في الحج قبل أن يطوف البيت، ولكن هذا الحل هو التحلل الأول أو الأصغر كما يعبر عنه بعض الناس، أما الثاني فلا يكون إلا بعد الطواف والسعي. ويستفاد من الحديث: أنه لا حل قبل الطواف، وأنه لا يحل التحلل الأول برمي جمرة العقبة كما قال به كثير من أهل العلم، فالصواب أنه لا يحل إلا بالرمي والحلق أولًا؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ وإن كان ذكر الحلق ضعيفًا، ولكن يؤيده حديث عائشة هذا فإنها قالت: "ولحله قبل أن يطوف"، ولو كان يحل قبل الحلق لقالت: ولحله قبل أن يحلق. ثانيًا: أننا إذا قلنا: لا تحل إلا بعد الحلق كان ذلك أحوط، فإنه لو أخر الحل إلى ما بعد الحلق لم يقل أحد: إنك آثم، ولو حل قبل أن يحلق لقال له كثير من العلماء: إنك آثم، فيكون هذا أحوط وأبرأ للذمة. ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يتطيب عند حله وهذه سنة، كثير من الناس إما أنه يجهلها أو يفرط فيها. النهي عن النكاح والخطبة للمحرم: ٦٩٨ - وعن عثمان بن عفان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب". رواه مسلم. "لا" نافية، لكن النفي هنا بمعنى النهي، ويقع النفي موقع النهي إثباتًا له كأنه قبل: إن هذا

стр. 1577

أمر منتف لا جدال فيه، بخلاف ما لو جاء بصيغة فقد يمتثل وقد لا يمتثل، فإتيان الأمر بصيغة الخبر المنفي يكون أثبت وأبلغ. قوله: "لا ينكح المحرم" هل هو الرجل أو المرأة؟ يشمل الرجل والمرأة، فالرجل لا يعقد على امرأة، والمرأة لا يعقد لها على رجل، "ولا ينكح" يعني: ولا ينكح غيره، وهذا يدل على أنه لا يكون وليًا في عقد النكاح، فلو أن الولي كان محرمًا والزوج والزوجة محلين فعقد الولي فهذا حرام لقول الرسول ﷺ : "ولا ينكح". قال: "ولا يخطب"، الخطبة أن يخطب امرأة إلى نفسه فيتزوجها فلا يحل له أن يخطب، أما العقد فلأنه وسيلة قريبة إلى الجماع، وأما الخطبة فلأنها وسيلة إلى العقد فالخطبة وسيلة إلى العقد، والعقد وسيلة إلى الجماع، والجماع معروف أنه محرم، فحرمت هذه الأشياء الثلاثة سدًا للذريعة، وهما ذريعتان أولى وثانية: الخطبة ذريعة أولى، والعقد ذريعة ثانية. ولهذا نقول: هذا الحديث يدل على تحريم هذه الأشياء الثلاثة: النكاح، والإنكاح، والخطبة في حال الإحرام؛ لأنها وسيلة إلى الجماع الذي هو أشد محظورات الإحرام إثمًا وأثرًا، هل نقول: إنه تحرم المباشرة من باب قياس الأولى، أو نقول: إنها حرام بالنص من باب قوله تعال: ﴿فَلا رَفَثَ﴾؟ الثاني: فالرفث الجماع ومقدمات الجماع، إذ الجماع من المحظورات، والجماع قبل التحلل الأول يترتب عليه خمسة أمور: الإثم، وفساد النسك، ووجوب الاستمرار فيه، والفدية وهي بدنة، والخامس: قضاؤه من العام القادم. هذه خمسة أمور تترتب على الجماع إذا كان قبل التحلل الأولى، وهذه كلها تثبت بآثار عن الصحابة ﵃ وبآثار مرفوعة فيها مقال، لكن يترتب عليه هذه الأمور الخمسة، المباشرة لاشك أنها دون الجماع، ولذلك لا يجب بها حد الزنا، ولا يحرم إنكاح من باشر امرأة بدون زنا فما الواجب فيها؟ قال بعض العلماء: إن أنزل فالواجب فدية ولكن لا تفسد النسك، فدية يعني: بدنة، والصحيح أنه لها يجب بها بدنة، وإنما هي كفدية الأذى بناء على ما قاله جمهور أهل العلم، الإنكاح والنكاح والخطبة هذه الثلاثة حرام؟ نقول: الأصل في النهي التحريم، وعليه فلو تزوج المحرم رجلًا كان أو امرأة فالعقد فاسد، لأن النهي عاد إلى ذات الشيء، والنهي إذا عاد إلى الشيء أو إلى شرطه يقتضي الفساد إذ إننا لو قلنا بصحة المنهي عنه لكان في ذلك مضادة لله ورسوله؛ لأن لازم التصريح النفوذ والنهي يقتضي التحريم، فالذين قالوا: إن الثلاثة حرام، قالوا: لأن مساق الحديث واحد، فلا يمكن أن نفرق بين ثلاثة أشياء جمع الشارع بينها، والذين قالوا: إن الخطبة مكروهة قالوا

стр. 1578

إن كونها وسيلة أدنى من كون العقد وسيلة؛ لأن الخطبة وسيلة للعقد؛ فهي وسيلة بالدرجة الأولى فلا تساوي الوسيلة بالدرجة الثانية، فكانت الخطبة مكروهة، وهذا الثاني هو المشهور من المذهب، ولكن القول بأنها حرام هو الأقرب؛ لأن الحديث سياقه واحد والتفريق بين شيئين سياقهما واحد والنهي فيهما واحد، لمجرد علة قد تكون هي العلة الملحوظة للشارع، وقد لا تكون هذا أمر لا ينبغي، فنقول: لا تخطب وأنت محرم، بل أصبر حتى، تحل؛ لأنك لو خطبت الآن لست تعقد. هل على النكاح والإنكاح والخطبة للمحرم فدية؟ الآن نقول: هذه الأشياء حرام هل فيها فدية؟ يقول أهل العلم: إنه لا فدية فيها حتى المشهور من المذهب أن لا فدية فيها، يقولون: لأنه إنما ورد النهي عنها ولم يرد فيها إيجاب الفدية براءة للذمة، وهذا التعليل واضح، لكن يجب أن ينسحب هذا التعليل على جميع المخطورات التي لم ترد فيها فدية حتى لا تتناقض، أما أن نتناقض نقول: هذا فيه فدية وهذا ليس فيه فدية فهذا غير صحيح. قد يقول قائل: عقد النكاح ليس فيه ترفه. نقول: كيف ليس فيه ترفه، هذا الإنسان إذا عقد له النكاح يتضاحك ويسر وهذا من أكبر الترفه، على كل حال يعني: هذا يدلنا على أن الأصل في كل المحظورات إذا لم تقرن بوجوب الفدية من جهة الشارع فما الأصل؟ براءة الذمة. لكن لو قال لك قائل: ألا يمكن أن نعامل الناس بالتربية، ونقول: لنفرض أن المشرع لم يدل على وجوب الفدية، إلا يليق بنا أن نعامل الناس بالتربية، ونقول: ما دام هذا قول جمهور العلماء فلنفت به الناس لئلا يتساهلوا؛ لأنك لو قلت لواحد مثلًا: عليك أن تستغفر الله لما فعلت من المكروه ولا عليك شيء لرأيت كثيرًا من الناس يتساهلون ويقولون: ما دام الأمر "استغفر الله وأتوب إليه" فليس بضار، فلو أن أحدًا سلك هذا المسلك كما سلكه بعض أهل العلم حيث أراد أن يفتي ابنه بشيء فقال: إما أن تفعل وإلا أفتيتك بقول فلان وهو أشد مما أفتاه به. أقول: لو أننا سلكنا هذا المسلك وهو الذي أن أسلكه لكان هذا جيدًا لكن نحن نتكلم فيه باعتبار أن الذين أمامنا طلبة علم، ويجب أن نبين للإنسان ما يراه أنه الحق والفتوى شيء والعلم شيء آخر. إذن من محظورات الإحرام: عقد النكاح وخطبة النكاح، خطبة النكاح تكره أيضًا لكن الأصل

стр. 1579

الحل، فلو جاءوا لمأذون شرعي محرم جاء بعمرة وقبل أن يصل إلى البيت قال له أحدهم: اعقد لابنتي فهل يجوز؟ الزوج غير محرم والزوجة غير محرمة وأبوها غير محرم والمأذون محرم المذهب يكره وليس بصحيح، الصحيح: الجواز؛ لأنه ليس فيه دليل على الكراهة، الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل. من محظورات الإحرام قتل الصيد: من محظورات الإحرام: قتل الصيد لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فما هو الصيد؟ قال العلماء: الصيد المحرم في الإحرام "هو كل حيوان حلال يري متوحش أصلًا" فقولنا: "كل حيوان حلال خرج به الحرام، فالحرام ليس من الصيد ولا يدخل في محظورات الإحرام، "بري" خرج به البحري، فصيد البحر خلال حتى للمحرم، فلو كنا في سفينة في البحر وحاذينا يلملم وأحرمنا واتجهنا إلى الميناء في جدة وفي طريقنا هذا كنا نصيد الأسماك ونأكل فهذا يجوز؟ نعم، لماذا؟ لأن الصيد ليس بريًا، والله يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. إذن يجوز، "متوحش" احترازًا من غير المتوحش، عندنا حيوان يرى غير متوحش مثل الدجاج والغنم والإبل والبقر كثير من هذه برية، إذن هي حلال؛ لأنها غير موحشة، قولنا: "أصلًا" احترازًا من المتوحش توحشًا عارضًا، مثل لو هربت ناقة فلا تمسك فقد قال الرسول ﷺ : "إن لهذه الإبل أو النعم أوابد كأوابد الوحش"، ويوجد البربري -الأسترالي- وهو يتوحش إذا أطلقته لا تقدر تمسكه، هذا متوحش أصلًا أو عابرًا؟ عابرًا، أمسكنا هذا الأسترالي ونحن محرمون نذبحه؟ نعم، إذن هو ليس من الصيد المحرم على المحرم؛ لأن المحرم صيده على المحرم هو المتوحش، لو كان غير متوحش عارضًا كالغزال والأرنب والحمام، الأرانب فيها أنواع ليست متوحشة، الغزال كذلك، الحمام كذلك، لكن نقول: هذا حرام على المحرم، كيف يكون حرامًا على المحرم وهو يمسكه مثل ما يمسك الدجاج ويمسك الأشياء الأخرى؟ نقول: أصله متوحش، فلهو أن إنسانًا ربى حمامه وأحرم بحج أو عمرة لا يجوز له أن يذبحها لتفرض أن أحدًا في الشرائع -منطقة قبل حدود الحرم- قدم من الطائف وأحرم من السيل ومر بيته في الشرائع وقال لأهله: أريد اليوم أن آكل حمامًا في الغداء هل يجوز أن يذبحوا له حمامًا يأكله؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنها متوحشة أصلًا، أو عنده غزال -ظبي- قال: نريد اليوم أن نذبحه -الظبي- وهو محرم هل يجوز؟ لا، عرفنا الآن ما هو الصيد الذي يحرم على المحرم وهو كل حيوان حلال بري متوحش أصلًا هذا حرام.

стр. 1580

٦٩٩ - وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ في قصة صيده الحمار الوحشي، وهو غير محرم، قال: فقال رسول الله ﷺ لأصحابه، وكانوا محرمين: "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه لشيء؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقى من لحمه". متفق عليه. قوله: "الوحشي" احترازًا من الحمار الأهلي، الحمار الأهلي كان حلالًا في أول الإسلام ثم حرم عام خيبر في السنة السادسة من الهجرة، يركب الإنسان على حماره وإذا جاع ذبحه وأكله، لكن -الحمد لله- حرمه الله؛ لأنه رجس، الحمار الوحشي صيد ما يمكن يمسك. أبو قتادة ﵁ خرج عام الحديبية من المدينة ولم يرد الإحرام، ما أراد العمرة وبعثه النبي ﷺ في جماعة معه إلى سيف البحر، فصاد حمارًا وحشيًا يقول فيه: قال رسول الله لأصحابه وكانوا محرمين: هل منكم أحد أشار إليه؟ فقالوا: لا، فلم يشر أحد إليه، بل رمحه سقط، وقال: ناولوني الرمح ولم يناولوه، فقال الرسول ﷺ : "فكلوا ما بقي من لحمه" وكأنهم أكلوا في الأول ثم صار في نفوسهم شك ثم استأذنوا الرسول ﷺ . إذا قال قائل: كيف يأكلون منه وهم محرمون؟ نقول: لأن الذي صاده غير محرم فتذكيته حلال وهم ما صادوا، وإنما أكلوا لحم صيد، والحرام على المحرم الصيد، أما نفس الصيد إذا لم يصده ولم يكن منه معونة على صيده ولم يصد لأجله فهو حلال له، ثم انظر للحديث الثاني. ٧٠٠ - وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي لله عنه: "أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء -أو بوذان- فرده عليه، وقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم". متفق عليه. الصعب بن جثامة رضي الله عليه كان رجلًا ضيافًا كريمًا، وكان عداء سبوقًا بصيد الحمر، لما نزل به الرسول ﷺ -وأكرم به من ضيف- ما وجد أحدًا أكرم منه ضيفًا فذهب يصيد له فأصاب حمارًا وحشيًا وصاده وجاء به إلى رسول الله ﷺ ، ولكن الرسول ﷺ رده، فلما رده على الصعب وقد جاء به إكرامًا لرسول الله ﷺ رأى أن هذا أمر كبير، ويا له من أمر رسول الله يرد هديته وضيافته فتغير وجهه ﵁، فلما رأى ما في وجهه اعتذر إليه -صلوات الله وسلامه عليه- وقال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم"، بين له السبب فزال ما في نفسه، وكان هذا القول الذي قيل له كأنه ماء بارد على جسم حار فاطمأن واستراح؛ لأنه لما أخبره أن السبب سبب شرعي لا احتقارًا لما ما قام به الصعب ولا شبهة فيه، لكن لأنهم كانوا محرمين، فهنا الرسول ﷺ لم يأكل، وقال لأصحاب أبي قتادة: "كلوا" فكيف نجمع بين الحديثين؟ قال بعض العلماء: إن
следующие страницы →