Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
تحريم الطيب على المحرم، وهذا الحديث يدل على جواز استعمال الطيب عند الإحرام، ولازم ذلك أن يبقى الطيب في الإشارة بعد إحرامه، بل صريح ذلك كما جاء في حديث آخر قال: "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم"، "ويص" بمعنى: البريف واللمعان وهو محرم.
فيستفاد من حديث عائشة: أن استدامة الطيب للمحرم ليست حرامًا وهذا صحيح، والعلماء أخذوا من هذا قاعدة وقالوا: إن الاستدامة أقوى من الابتداء، فالطيب للمحرم استدامته جائزة وابتداؤه لا تجوز، الرجعة للمحرم -يعني: إذا راجع زوجته وقد طلقها- جائزة وابتداء عقد النكاح لا يجوز، وهذه القاعدة صحيحة وسليمة.
وقول عائشة: "كنت أطيب" يستفاد منه: أنه يجوز للرجل أن يستخدم زوجته في حوائجه الخاصة كالتطيب.
وقولها: "ولحله قبل أن يطوف بالبيت" يستفاد منه: أن المحرم يحل في الحج قبل أن يطوف البيت، ولكن هذا الحل هو التحلل الأول أو الأصغر كما يعبر عنه بعض الناس، أما الثاني فلا يكون إلا بعد الطواف والسعي.
ويستفاد من الحديث: أنه لا حل قبل الطواف، وأنه لا يحل التحلل الأول برمي جمرة العقبة كما قال به كثير من أهل العلم، فالصواب أنه لا يحل إلا بالرمي والحلق أولًا؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ وإن كان ذكر الحلق ضعيفًا، ولكن يؤيده حديث عائشة هذا فإنها قالت: "ولحله قبل أن يطوف"، ولو كان يحل قبل الحلق لقالت: ولحله قبل أن يحلق. ثانيًا: أننا إذا قلنا: لا تحل إلا بعد الحلق كان ذلك أحوط، فإنه لو أخر الحل إلى ما بعد الحلق لم يقل أحد: إنك آثم، ولو حل قبل أن يحلق لقال له كثير من العلماء: إنك آثم، فيكون هذا أحوط وأبرأ للذمة.
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يتطيب عند حله وهذه سنة، كثير من الناس إما أنه يجهلها أو يفرط فيها.
النهي عن النكاح والخطبة للمحرم:
٦٩٨ - وعن عثمان بن عفان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب". رواه مسلم.
"لا" نافية، لكن النفي هنا بمعنى النهي، ويقع النفي موقع النهي إثباتًا له كأنه قبل: إن هذا
стр. 1577
أمر منتف لا جدال فيه، بخلاف ما لو جاء بصيغة فقد يمتثل وقد لا يمتثل، فإتيان الأمر بصيغة الخبر المنفي يكون أثبت وأبلغ.
قوله: "لا ينكح المحرم" هل هو الرجل أو المرأة؟ يشمل الرجل والمرأة، فالرجل لا يعقد على امرأة، والمرأة لا يعقد لها على رجل، "ولا ينكح" يعني: ولا ينكح غيره، وهذا يدل على أنه لا يكون وليًا في عقد النكاح، فلو أن الولي كان محرمًا والزوج والزوجة محلين فعقد الولي فهذا حرام لقول الرسول ﷺ : "ولا ينكح".
قال: "ولا يخطب"، الخطبة أن يخطب امرأة إلى نفسه فيتزوجها فلا يحل له أن يخطب، أما العقد فلأنه وسيلة قريبة إلى الجماع، وأما الخطبة فلأنها وسيلة إلى العقد فالخطبة وسيلة إلى العقد، والعقد وسيلة إلى الجماع، والجماع معروف أنه محرم، فحرمت هذه الأشياء الثلاثة سدًا للذريعة، وهما ذريعتان أولى وثانية: الخطبة ذريعة أولى، والعقد ذريعة ثانية.
ولهذا نقول: هذا الحديث يدل على تحريم هذه الأشياء الثلاثة: النكاح، والإنكاح، والخطبة في حال الإحرام؛ لأنها وسيلة إلى الجماع الذي هو أشد محظورات الإحرام إثمًا وأثرًا، هل نقول: إنه تحرم المباشرة من باب قياس الأولى، أو نقول: إنها حرام بالنص من باب قوله تعال: ﴿فَلا رَفَثَ﴾؟ الثاني: فالرفث الجماع ومقدمات الجماع، إذ الجماع من المحظورات، والجماع قبل التحلل الأول يترتب عليه خمسة أمور: الإثم، وفساد النسك، ووجوب الاستمرار فيه، والفدية وهي بدنة، والخامس: قضاؤه من العام القادم. هذه خمسة أمور تترتب على الجماع إذا كان قبل التحلل الأولى، وهذه كلها تثبت بآثار عن الصحابة ﵃ وبآثار مرفوعة فيها مقال، لكن يترتب عليه هذه الأمور الخمسة، المباشرة لاشك أنها دون الجماع، ولذلك لا يجب بها حد الزنا، ولا يحرم إنكاح من باشر امرأة بدون زنا فما الواجب فيها؟ قال بعض العلماء: إن أنزل فالواجب فدية ولكن لا تفسد النسك، فدية يعني: بدنة، والصحيح أنه لها يجب بها بدنة، وإنما هي كفدية الأذى بناء على ما قاله جمهور أهل العلم، الإنكاح والنكاح والخطبة هذه الثلاثة حرام؟ نقول: الأصل في النهي التحريم، وعليه فلو تزوج المحرم رجلًا كان أو امرأة فالعقد فاسد، لأن النهي عاد إلى ذات الشيء، والنهي إذا عاد إلى الشيء أو إلى شرطه يقتضي الفساد إذ إننا لو قلنا بصحة المنهي عنه لكان في ذلك مضادة لله ورسوله؛ لأن لازم التصريح النفوذ والنهي يقتضي التحريم، فالذين قالوا: إن الثلاثة حرام، قالوا: لأن مساق الحديث واحد، فلا يمكن أن نفرق بين ثلاثة أشياء جمع الشارع بينها، والذين قالوا: إن الخطبة مكروهة قالوا
стр. 1578
إن كونها وسيلة أدنى من كون العقد وسيلة؛ لأن الخطبة وسيلة للعقد؛ فهي وسيلة بالدرجة الأولى فلا تساوي الوسيلة بالدرجة الثانية، فكانت الخطبة مكروهة، وهذا الثاني هو المشهور من المذهب، ولكن القول بأنها حرام هو الأقرب؛ لأن الحديث سياقه واحد والتفريق بين شيئين سياقهما واحد والنهي فيهما واحد، لمجرد علة قد تكون هي العلة الملحوظة للشارع، وقد لا تكون هذا أمر لا ينبغي، فنقول: لا تخطب وأنت محرم، بل أصبر حتى، تحل؛ لأنك لو خطبت الآن لست تعقد.
هل على النكاح والإنكاح والخطبة للمحرم فدية؟
الآن نقول: هذه الأشياء حرام هل فيها فدية؟ يقول أهل العلم: إنه لا فدية فيها حتى المشهور من المذهب أن لا فدية فيها، يقولون: لأنه إنما ورد النهي عنها ولم يرد فيها إيجاب الفدية براءة للذمة، وهذا التعليل واضح، لكن يجب أن ينسحب هذا التعليل على جميع المخطورات التي لم ترد فيها فدية حتى لا تتناقض، أما أن نتناقض نقول: هذا فيه فدية وهذا ليس فيه فدية فهذا غير صحيح.
قد يقول قائل: عقد النكاح ليس فيه ترفه.
نقول: كيف ليس فيه ترفه، هذا الإنسان إذا عقد له النكاح يتضاحك ويسر وهذا من أكبر الترفه، على كل حال يعني: هذا يدلنا على أن الأصل في كل المحظورات إذا لم تقرن بوجوب الفدية من جهة الشارع فما الأصل؟ براءة الذمة.
لكن لو قال لك قائل: ألا يمكن أن نعامل الناس بالتربية، ونقول: لنفرض أن المشرع لم يدل على وجوب الفدية، إلا يليق بنا أن نعامل الناس بالتربية، ونقول: ما دام هذا قول جمهور العلماء فلنفت به الناس لئلا يتساهلوا؛ لأنك لو قلت لواحد مثلًا: عليك أن تستغفر الله لما فعلت من المكروه ولا عليك شيء لرأيت كثيرًا من الناس يتساهلون ويقولون: ما دام الأمر "استغفر الله وأتوب إليه" فليس بضار، فلو أن أحدًا سلك هذا المسلك كما سلكه بعض أهل العلم حيث أراد أن يفتي ابنه بشيء فقال: إما أن تفعل وإلا أفتيتك بقول فلان وهو أشد مما أفتاه به.
أقول: لو أننا سلكنا هذا المسلك وهو الذي أن أسلكه لكان هذا جيدًا لكن نحن نتكلم فيه باعتبار أن الذين أمامنا طلبة علم، ويجب أن نبين للإنسان ما يراه أنه الحق والفتوى شيء والعلم شيء آخر.
إذن من محظورات الإحرام: عقد النكاح وخطبة النكاح، خطبة النكاح تكره أيضًا لكن الأصل
стр. 1579
الحل، فلو جاءوا لمأذون شرعي محرم جاء بعمرة وقبل أن يصل إلى البيت قال له أحدهم: اعقد لابنتي فهل يجوز؟ الزوج غير محرم والزوجة غير محرمة وأبوها غير محرم والمأذون محرم المذهب يكره وليس بصحيح، الصحيح: الجواز؛ لأنه ليس فيه دليل على الكراهة، الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل.
من محظورات الإحرام قتل الصيد:
من محظورات الإحرام: قتل الصيد لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فما هو الصيد؟ قال العلماء: الصيد المحرم في الإحرام "هو كل حيوان حلال يري متوحش أصلًا" فقولنا: "كل حيوان حلال خرج به الحرام، فالحرام ليس من الصيد ولا يدخل في محظورات الإحرام، "بري" خرج به البحري، فصيد البحر خلال حتى للمحرم، فلو كنا في سفينة في البحر وحاذينا يلملم وأحرمنا واتجهنا إلى الميناء في جدة وفي طريقنا هذا كنا نصيد الأسماك ونأكل فهذا يجوز؟ نعم، لماذا؟ لأن الصيد ليس بريًا، والله يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. إذن يجوز، "متوحش" احترازًا من غير المتوحش، عندنا حيوان يرى غير متوحش مثل الدجاج والغنم والإبل والبقر كثير من هذه برية، إذن هي حلال؛ لأنها غير موحشة، قولنا: "أصلًا" احترازًا من المتوحش توحشًا عارضًا، مثل لو هربت ناقة فلا تمسك فقد قال الرسول ﷺ : "إن لهذه الإبل أو النعم أوابد كأوابد الوحش"، ويوجد البربري -الأسترالي- وهو يتوحش إذا أطلقته لا تقدر تمسكه، هذا متوحش أصلًا أو عابرًا؟ عابرًا، أمسكنا هذا الأسترالي ونحن محرمون نذبحه؟ نعم، إذن هو ليس من الصيد المحرم على المحرم؛ لأن المحرم صيده على المحرم هو المتوحش، لو كان غير متوحش عارضًا كالغزال والأرنب والحمام، الأرانب فيها أنواع ليست متوحشة، الغزال كذلك، الحمام كذلك، لكن نقول: هذا حرام على المحرم، كيف يكون حرامًا على المحرم وهو يمسكه مثل ما يمسك الدجاج ويمسك الأشياء الأخرى؟ نقول: أصله متوحش، فلهو أن إنسانًا ربى حمامه وأحرم بحج أو عمرة لا يجوز له أن يذبحها لتفرض أن أحدًا في الشرائع -منطقة قبل حدود الحرم- قدم من الطائف وأحرم من السيل ومر بيته في الشرائع وقال لأهله: أريد اليوم أن آكل حمامًا في الغداء هل يجوز أن يذبحوا له حمامًا يأكله؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنها متوحشة أصلًا، أو عنده غزال -ظبي- قال: نريد اليوم أن نذبحه -الظبي- وهو محرم هل يجوز؟ لا، عرفنا الآن ما هو الصيد الذي يحرم على المحرم وهو كل حيوان حلال بري متوحش أصلًا هذا حرام.
стр. 1580
٦٩٩ - وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ في قصة صيده الحمار الوحشي، وهو غير محرم، قال: فقال رسول الله ﷺ لأصحابه، وكانوا محرمين: "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه لشيء؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقى من لحمه". متفق عليه.
قوله: "الوحشي" احترازًا من الحمار الأهلي، الحمار الأهلي كان حلالًا في أول الإسلام ثم حرم عام خيبر في السنة السادسة من الهجرة، يركب الإنسان على حماره وإذا جاع ذبحه وأكله، لكن -الحمد لله- حرمه الله؛ لأنه رجس، الحمار الوحشي صيد ما يمكن يمسك.
أبو قتادة ﵁ خرج عام الحديبية من المدينة ولم يرد الإحرام، ما أراد العمرة وبعثه النبي ﷺ في جماعة معه إلى سيف البحر، فصاد حمارًا وحشيًا يقول فيه: قال رسول الله لأصحابه وكانوا محرمين: هل منكم أحد أشار إليه؟ فقالوا: لا، فلم يشر أحد إليه، بل رمحه سقط، وقال: ناولوني الرمح ولم يناولوه، فقال الرسول ﷺ : "فكلوا ما بقي من لحمه" وكأنهم أكلوا في الأول ثم صار في نفوسهم شك ثم استأذنوا الرسول ﷺ .
إذا قال قائل: كيف يأكلون منه وهم محرمون؟ نقول: لأن الذي صاده غير محرم فتذكيته حلال وهم ما صادوا، وإنما أكلوا لحم صيد، والحرام على المحرم الصيد، أما نفس الصيد إذا لم يصده ولم يكن منه معونة على صيده ولم يصد لأجله فهو حلال له، ثم انظر للحديث الثاني.
٧٠٠ - وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي لله عنه: "أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء -أو بوذان- فرده عليه، وقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم". متفق عليه.
الصعب بن جثامة رضي الله عليه كان رجلًا ضيافًا كريمًا، وكان عداء سبوقًا بصيد الحمر، لما نزل به الرسول ﷺ -وأكرم به من ضيف- ما وجد أحدًا أكرم منه ضيفًا فذهب يصيد له فأصاب حمارًا وحشيًا وصاده وجاء به إلى رسول الله ﷺ ، ولكن الرسول ﷺ رده، فلما رده على الصعب وقد جاء به إكرامًا لرسول الله ﷺ رأى أن هذا أمر كبير، ويا له من أمر رسول الله يرد هديته وضيافته فتغير وجهه ﵁، فلما رأى ما في وجهه اعتذر إليه -صلوات الله وسلامه عليه- وقال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم"، بين له السبب فزال ما في نفسه، وكان هذا القول الذي قيل له كأنه ماء بارد على جسم حار فاطمأن واستراح؛ لأنه لما أخبره أن السبب سبب شرعي لا احتقارًا لما ما قام به الصعب ولا شبهة فيه، لكن لأنهم كانوا محرمين، فهنا الرسول ﷺ لم يأكل، وقال لأصحاب أبي قتادة: "كلوا" فكيف نجمع بين الحديثين؟ قال بعض العلماء: إن
стр. 1581
حديث الصعب ناسخ لحديث أبي قتادة؛ لأن حديث الصعب كان في حجة الوداع، وحديث أبي قتادة في عمرة الحديبية وبينهما أربع سنوات، ومعلوم أنه إذا تعارض حديثان ولم يمكن الجمع بينهما فإننا نعدل إلى النسخ، والنسخ هنا محقق؛ لأنه متأخر، والجمع على هذا القول متعذر، فيقولون: إذن إذا أهدى للمحرم لحم صيد حرم عليه مطلقًا قالوا: ويؤيد قولنا أن الله قال: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
والصيد هنا بلا شك بمعنى المصيد وليس اسم مصدر أو مصدر صاد بصيد صيدًا، لا يصح أن يكون مصدرًا لماذا؟ لأن البر لا يصاد، لو قلنا: حرم عليكم صيد البر ما استقام إذا جعلنا البر مصدرًا إذ إن البر لا يصاد، فالصيد هنا بمعنى المصيد اسم مفعول بمعنى مصيد البر حرم عليكم، وظاهره أنه حرام على المحرم سواء صاده أم لم يصده، فقالوا: إذن نأخذ بحديث الصعب بن جثامة؛ لأنه متأخر فيكون ناسخًا؛ ولأنه متأخر فيكون ناسخًا؛ ولأنه يقويه ظاهر القرآن، وعلى هذا فإذا جاءنا رجل ونحن محرمون بلحم أرنب أو غزالة أو حمامة وإن كان لم يصده من أجلنا فإننا نرده ونبين له السبب كما فعل الرسول ﷺ ، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يمكن أن نقول بالنسخ مع إمكان الجمع، وإمكان الجمع هنا حاصل مؤيد بقول الرسول ﷺ : "صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم"، فكيف إمكانه؟ بأن يحمل حديث الصعب بن جثامة بأنه صاده للرسول ﷺ ، وأما حديث أبي قتادة فقد صاده أبو قتادة لنفسه، وهذا جمع حسن، ويؤيده حديث جابر: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم"، وإذا أمكن المع وجب الرجوع إليه؛ لأن به العمل بكلا الدليلين.
إذن يستفاد من هذين الحديثين عدة فوائد: الأولى: جواز أكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولم يكن له أثر في صيده لحديث أبي قتادة.
ثانيًا: ورع الصحابة ﵃
ثالثًا: جواز تجاوز الميقات بلا إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة لحديث أبي قتادة ﵁.
رابعًا: وجوب الاستفصال عند الفتوى إذا كان المقام يحتمله لقوله: "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ "، إن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ لأن الرسول ﷺ جعل الإشارة كالفعل في تحريم الأكل.
стр. 1582
وأما الحديث الثاني فيستفاد منه: محبة الصحابة لرسول الله ﷺ وإكرامهم له لحديث الصعب بن جثامة.
ويستفاد منه: حسن خلق الرسول ﷺ حيث اعتذر عنه رده.
ويستفاد منه: أنه لا يمكن أن يستهان بأمر الله ورسوله مجاملة لأحد؛ لأن الرسول لم يجامل الصعب، بل رده مع ثقله عليه واعتذر له، فلو أن أحدًا أراد أن يجامل شخصًا في أمر محرم فالمجاملة هنا حرام، لكن هل يجامله لأمر يتضرر هو بنفسه لا تضررًا شرعيًا مثل رجل شبعان ومر على شخص هذا الشخص عنده حيس-الجشط: وهو تمر فيه سمن ودقيق -وهو شبعان ومر عليه وأتى له بقدر جشط وقال: تفضل، إن أكل مجاملة يمكن أن يتضرر؛ لأنه شبعان، وإن تركه قد يغضب الثاني، فهل الأولى أن يأكل مجاملة لصاحبه، أو الأولى ألا يأكل ويخبره؟ الثاني أولى، وقد مر علينا أن شيخ الإسلام يقول: إنه إذا كان يخشى أن يتضرر أو يتأذى بالطعام فإنه يحرم عليه.
ومن مجموع الحديثين يستفاد: أن الصيد لا يحرم على المحرم إلا إذا صيد من أجله أو كان له أثر في صيده، هل في الصيد جزاء؟ نعم فيه جزاء بينه الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].
قال أهل العلم: فإذا كان الصيد له مثل كالنعامة مثلًا مثليتها البعير يشبهها له عنق طويل وأرجل طويلة، فإذا قتل المحرم نعامة وجب عليه بعير، إذ قال: لا يوجد إبل الآن أو ما أريد أن أذبح وأتعب: قلنا: قدر البعير على قول بعض العلماء أو قدر النعامة على القول الآخر، كم تساوى؟ قال: مائة ريال اشتر بمائة ريال طعامًا ووزعه على الفقراء على كل مسكين نصف صاع. قال: لا أريد أن أتعب، قلنا: إذن قدر مقدار الطعام لكل مسكين، قال: عندنا مثلا إذا اشترينا مائة صاع والصاع أربعة أمداد إذن أربعمائة يوم فصم أربعمائة يوم: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، عن كل مسكين يوم، إن قال: ما أٌدر تعذر كل شيء. قلنا: تسقط عنك؛ لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها إذا لم يكن لها بدال، المهم: أنه يخير بين ذبح المثل أو طعام يقابل إما الصيد وإما المثل على خلاف، فإن لم يفعل صام عن إطعام كل مسكين يومًا وليس بالخيار.
стр. 1583
ما يجوز للمحرم قتله:
٧٠١ - وعن عائشة ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الواب كلهن فواسق، يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحداة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". متفق عليه.
"فواسق" جمع فاسقة؛ أي: كلهن مجبولات على العدوان والإجرام، قال: "يقتلن في الحل والحرم"، وهذا خبر بمعنى الأمر؛ يعني: أنه يشرع قتلهن في الحل والحرم.
"العقرب" وهي معروفة وأذيتها واضحة؛ لأنها تلسع وتفرز سمًا ضارًا، ومثلها ما كان مثلها أو أولى كالعقربان، وهو يمكن أن يكون أشد منها أيضًا والحية وغير ذلك من ذوات السموم، يعني: يلحق بها كل ذوات السموم.
"الحداة" قال العلماء: إن الغراب غرابان: غراب يسمى غراب الزرع وهو أسود مثل الحمامة لا يؤذي فهو كغيره من الطيور؛ فهذا لا يقتل إلا من قتله على أنه صيد يأكله، وغراب آخر غراب خبيث يقطع أغصان الأشجار وينقب دبر الإبل ويؤذي، حتى إنه أحيانًا يأتي النخل ويقص شماريخها قصًا؛ هذا يقتل في الحل والحرم.
"الفأرة" معروفة يأكل الكتب ويلوثها ببغره، ويسرق الذهب أيضًا، وهو مغرم به أيضًا، وينقب الجدار، المهم له أذيات متعددة فيقتل.
وقال ﵊: "الكلب العقور" سواء كان أسود أو غير أسود؛ لن الكلب الأسود يقتل مطلقًا، وغير الأسود يقتل إن كان عقورًا، يعني: إن طبيعته العقر سواء كان يعقر الآدميين أو البهائم؛ لأنه مؤذ، قال أهل العلم: والتنبيه بهذه الأمثلة يدل على أن ما كان مثلها فهو مثلها في الكم، وما كان أشد منها فهو أولى منها بالحكم ولهذا أخذوا قاعدة من ذلك فقالوا: يسن قتل كل مؤذ.
وجاء المؤلف ﵀ بهذا الحديث بعد حديث الصعب بن جثامة وأبي قتادة ليبين أن محرم الأكل لا يتعلق به حكم الصيد.
فائدة: أقسام الدواب من حيث القتل وعدمه:
إذن نقول: هذه الخمسة وما كان بمعناها يؤمر بقتلها، فلننظر تتميمًا للفائدة: كم أقسام
стр. 1584
الدواب من حيث القتل وعدم القتل؟ قال العلماء: إنها من حيث القتل وعدمه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم أمر بقتله، وقسم نهي عن قتله، وقسم سكت عنه، فالذي أمر بقتله نقتله، وذلك مثل هذه الخمسة، ومثل الوزغ، ومثل العنكبوت على حديث ورد فيها وإن كان ضعيفًا، لكن العنكبوت فيها أذية؛ لأنها تعشش على الكتب والجدار والملبس وما أشبه ذلك، وعلى كل حال: ما أمر بقتله نصًا أو قياسًا قتل والمنهي عن قتله أربع: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد؛ النملة معروفة، والنحلة معروفة، والهدهد معروف أيضًا، والصرد طائر معروف يعرفه أصحاب الصيد وهو طائر يقولون: إنه أكبر من العصفور ولونه أشهب، وعلى كل حال: أهل الطيور يعرفونه، وهذه الأربع نهى الشارع عن قتلها إذن لا نقتلها، وهناك أشياء سكت الشارع عنها فإن كانت حلالًا فالإذن في قتلها مستفاد من حلها؛ لأنه لا يمكن أن تحل إلا بالذبح أو الصيد، وإن كانت غير حلال -وهذا القسم الثالث فيه تفصيل -فقد اختلف العلماء فيها، فمنهم من قال: إنه يكره قتلها؛ لأنها خلق من المخلوقات، خلقها الله تعالى ليستدل الناس بها على قدرة الله وحكمته وتتبين آياته بها، وما لك ولها؟ فما دام ليس منها أذية دعها، ومنهم من قال: لا يكره قتلها، بل هي مما سكت عنه، وما سكت عنه فهو عفو؛ أي: ليس له حكم إن قتلتها فلا إثم عليك وإن تركتها فلا إثم عليك، فلا نأمرك ولا ننهاك، وهذا الأخير هو الأصل، اللهم إلا أن يخشى الإنسان على نفسه من أن يسيطر عليه محبة العدوان لكونه يقتلها بدون ذنب، يمكن أن يكون بعض الناس تتربي نفسه على هذا الأمر، ولا يهمه أن يقتل النفس، فهذا إذا كان يخشى على نفسه من ذلك لا يقتلها. ثم قال:
حكم الحجامة للمحرم:
٧٠٢ - وعن ابن عباس ﵄، "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم". متفق عليه.
احتجم في رأسه، وليت المؤلف بينه، وقد ثبت ذلك في الصحيح أنه احتجم في رأسه ﷺ لأن فائدة ذكر هذه الزيادة واضحة، إذ يستفاد منها: جواز الحجامة للمحرم وليس كالصائم الذي لا يجوز له أن يحتجم، وثانيًا: أنه يجوز أن يحلق من شعر رأسه ما لا تمكن الحجامة إلا به، والحجامة معلومة للجميع أنها إذا كانت في الرأس فلابد أن يحلق لها لا يمكن أن يحتجم به.
стр. 1585
فيستفاد من حديث ابن عباس: جواز حلق الرأس لموضع الحجامة، وهل فيه فديه؟ نقول: لا؛ لأن ظاهر حديث ابن عباس ليس فيه فديه؛ لأن الرسول ﷺ لم يفد وليس هذا كقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإن ذلك في حلق جميع الرأس، وعلى هذا فنقول: المحرم يجوز أن يحتجم في غير رأسه ولو لحاجة دون ضرورة، وأما في رأسه فلا يحتجم إلا إذا دعت الضرورة؛ لأنه لا يحتجم إلا بحلق موضع الحجامة، وهذا يقتضي أن يفعل محرمًا بحلق الرأس، لكنه إذا حلق في الحجامة فلا فدية عليه، ولننظر إلى حديث كعب بن عجرة لأجل أن نتمم التقسيم.
٧٠٣ - وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: "حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ قلت: لا. قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع". متفق عليه.
"أرى" بمعنى: أظن، وإذا جاءت أرى بضم الهمزة فهي بمعنى: أظن، أما أرى فهي إما بمعنى: أبصر إن كانت بصرية، أو بمعنى أعلم إن كانت علمية، و"أرى" تأتي عملية وبصرية، فقوله تعالى: ﴿إنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿٦﴾ ونَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦، ٧]. الأأولى بمعنى: الظن، والثانية بمعنى: العلم، فالله يعلم علمًا بلا ظن. إذن ما كنت أظن أن الوجع بلغ بك ما أرى بعيني الآن، ثم قال: "أتجد شاة؟ .... إلخ"، سؤال الرسول صلى الله عليه سولم له: "هل تجد الشاة؟ " ليس على سبيل الإلزام والوجوب، بل على سبيل الأفضلية، وهنا قال له: افعل كذا، يعني: واحلق رأسك، وسبب ذلك أن كعبًا ﵁ كان مريضًا، والمريض عادة لا يتنظف، وإذا لم يتنظف الإنسان مع المرض يكثر فيه الأوساخ، والأوساخ في الرأس إذا كان له شعر يولد القمل فجئ به إلى الرسول ﷺ والقمل ينزل من رأسه، فعرف ﷺ أنه مريض، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ -يعني وحلق- مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فأذن له النبي ﷺ أن يحلق، وأمره بماذا؟ أمره بالفدية؛ إذن نقول: من احتاج إلى فعل محظور فليفعله، ولكن عليه الفدية.
ومن هنا يمكن أن نقسم فعل المحظور إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يفعله عالمًا ذاكرًا مختارًا غير معذور هذه أربعة شروط فهذا يترتب على فعله الإثم، وما في هذا المحظور من الفدية فيترتب عليه شيئان: الإثم، وما في هذا المحظور من الفدية.
القسم الثاني: أن يفعله معذورًا بجهل أو نسيان أو إكراه، يعني: يفعله جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا؛ فهذا لا إثم عليه ولا فدية عكس الأول، فلا يتعلق بفعله هذا إثم ولا فدية، وإن كان جماعًا
стр. 1586
لا يترتب عليه فساد النسك ولا وجوب القضاء، يعني: لا يترتب عليه شيء من فعل المحظور أبدًا، وما الدليل؟ الدليل نوعان: عام وخاص، فالعام قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ ولَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ولَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. وجه الدلالة من آية البقرة واضح، " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" فقال الله: "قد فعلت"، ومن آية الأحزاب: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ ولَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وإذا انتفى الجناح والإثم انتفى ما يترتب عليه من الفدية، وفي آية النحل: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾، وجه الدلالة: أنه إذا سقط حكم الكفر بالإكراه مع أن الكفر أعظم الذنوب فما دونه من باب أولى وهذه الأدلة من القرآن، ومن السنة: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". هذا هو القسم الأول من الأدلة وهي الأدلة العامة، فأي إنسان أخرج شيئًا من هذا العموم فعليه الدليل.
هناك دليل خاص في موضوع المحظورات في جزاء الصيد قال الله تعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. فإذا اشترط الله العمد لوجوب الجزاء في الصيد مع أنه إتلاف فغيره من باب أولى.
وعلى هذا فنقول: إذا فعل هذه المحظورات جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا فلا شيء عليه حتى في الجماع، فإذا سأل سائل وقال: إنه حج وزوجته وفي مزدلفة جامع زوجته سألناه لماذا جامعت زوجتك؟ قال: لأن الرسول ﷺ قال: "الحج عرفة"، وانتهى الحج فجامعتها، فماذا تقول له؟
نقول له: ليس عليك شيء؛ لأنه جاهل متأول، أو لا يدري، أو كان حديث عهد بإسلام فظن أن ذلك لا بأس به، أو ظن أن الجماع المحرم ما كان فيه إنزال، ولم يحصل منه إنزال كما يوجد في كثير من الناس الآن، ولاسيما المتزوجون عن قرب رمضان يجامعون زوجاتهم في النهار بدون إنزال ويحسبون أنه ليس به بأس، هكذا يقولون، والله أعلم بكلامهم، وعلى كل حال: إذا كان جاهلًا نقول له: لا شيء عليك.
стр. 1587
بقى لنا في المثال الأول الذي قال: أنا جامعتها؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "الحج عرفة"، هل يقبل تأويله وهو ليس من أهل الاجتهاد؟ هو سيقول: أنا أصلًا ما علمت أن هذا يحرم، وعلى كل حال: إذا كان جاهلًا فلا شيء عليه.
القسم الثالث: أن يفعل هذه المحظورات عالمًا ذاكرًا مختارًا لكن لعذر كأن يكن مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، والحمد لله أن الله رفع عنه الإثم وعليه الفدية؛ أي: فدية ذلك المحظور، لكن هل يدخل في هذا مسألة الجماع؟ يمكن أن يكون الإنسان مريضًا بسبق ولا يزول إلا بالجماع لا يزول بالاستمناء مثلًا ولا بالمباشرة، الشبق: هو أن بعض الناس إذا تحركت شهوته نزل الماء في الأنثيين وألمتاه تأليمًا عظيمًا، بل ربما يتورمان حتى ينزل، وبعض الناس -نسأل الله العافية- لا يذهب هذا إلا إذا جامع، والعلماء ﵏ كانوا يذكرون هذا ونستبعد أن يكون هذا الأمر، حتى ورد علي سؤال فيه من هذا العام في رمضان رجل مصاب بهذا الشيء ويقول عن نفسه: إنه لا ينفع فيه إلا الجماع، فلو فض أن الإنسان أصيب في الحج بهذا ولم يفده إلا الجماع فهذا ضرورة فهو من جنس كعب بن عجرة؛ لأنه لو لم يفعل لكان خطرًا على حياته، والحمد لله هذه القاعدة مستمرة فيما إذا فعل شيئًا من المحظورات عالمًا ذاكرًا مختارًا لكن لعذر اقتضى ذلك فإنه لا إثم عليه، ولكن عليه فدية ذلك المحظور، والله أعلم.
تحريم مكة:
٧٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكة، قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلي شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، فقال العباس: إلا الاذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: إلا الإذخر". متفق عليه.
فتح الله عليه مكة وذلك في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، وأسباب الفتح معلومة وهو أن قريشًا لما عاهدوا النبي ﷺ في الحديبية نقضوا الصلح والعهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ ، فلم يبق لهم عهد بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم وقاتلهم، ففتحها الله عليه عنوة بالسيف ولكنها لم تقسم؛ لأنها محل شعائر الإسلام ومشاعر الحج، فلا يمكن قسمتها.
стр. 1588
قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل"، "حبس" أي: منع، والفيل هو الفيل الذي أتى به أبرهة من أجل أن يهدم الكعبة، والقصة مشهورة معلومة في التاريخ ومعلومة في التفسير، وذلك أن الله تعالى أرسل عليهم طيرًا أبابيل؛ أي: جماعات متفرقة، ترميهم بحجارة من سجيل: حجارة صلبة، فجعلهم كعصف مأكول، وأبادهم عن آخرهم، ولكن النبي ﷺ سلطة الله عليها والمؤمنين؛ أي: جعل لهم السلطة عليها في دخولها.
فإن قلت: ما الرابطة بين حبس الفيل وتسليط الرسول ﷺ وأصحابه؟
فالجواب: أن الفيل لو دخل مكة لحصل بنيهم وبين أهل مكة قتال، وانتهكت فيه حرمة الحرم، أما النبي ﷺ فحصل بينه وبين أهل مكة قتال، وسيأتي بيان أن هذا خاص بالرسول ﷺ .
فإن قلت: لماذا منع الله الفيل وسلط رسوله والمؤمنين عليها؟
فالجواب: أن أصحاب الفيل جاءوا لإهانة الكعبة؛ وأما النبي ﷺ وأصحابه ﵃ فجاءوا لتعظيم الكعبة؛ ولهذا لما قال سعد بن عبادة ﵁: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة" قال النبي ﷺ : "كذبت، بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة"، إذن فالفرق بينهما ظاهر، والحكمة في تسليط الرسول ﷺ وأصحابه دون أصحاب الفيل ظاهرة جدًا.
قال النبي ﷺ : "وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها لم تحل لأحد كان قبلي"، يعني: ما أحد من الأنبياء وأممهم أحل الله له أن يدخل مكة بقتال أبدًا؛ لأن مكة معظمة الأشجار وهي جمادات نامية محترمة فيها كما سيأتي.
قال: "وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من النهار"، وهي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة العصر، الوقت الذي لابد فيه من القتال حتى يدخلها النبي ﷺ ساعة من نهار، أحلت للرسول ﷺ فهي لم تحل لأحد قلبه ولم تحل له حلًا مطلقًا وإنما أحلت له ساعة من نهار بقدر الضرورة.
ثم قال: "وإنها لن تحل لأحد بعدي"، فصارت مكة حرامًا قبل الرسول ﷺ وحرامًا بعده في أول البعثة وآخرها ولم تحل للرسول ﷺ إلا ساعة من نهار في كل عهد رسالته ﷺ ، وهذا يدل على عظمة هذا البيت عند الله قال: "فلا ينفر صيدها"، وفي حديث آخر أن الرسول ﷺ قال: "إن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم".
قال: "فلا ينفر صيدها" معنى: "ينفر" أي: يطرد ولا يزجر ولا يشوش عليه فلو أتيت إلى الصيد وهو
стр. 1589
مستظل في شجرة فإنه لا يجوز لك أن تنفره ولا يجوز لك قتله من باب أولى، أما لو نفر بدون تنفير مثل: أن يطير عندما أحس بالماشي حوله، فإنه لا إثم عليك في ذلك؛ لأنك لم تنفره.
قال: "ولا يختلي شوكها"، وفيها لفظ "ولا يعضد" أي: يقطع شوكها، "ول يختلي خلاها"، الخلي: الحشيش؛ أي: لا يحش، والعضد: القطع، "والشوك" يعني: الشجر ذات الشوك؛ أي: أن حشيشها لا يحش، وشجرها لا يقطع ولو كان ذا شوك احترامًا للمكان، ولو فرض أن أحدًا أراد أن يفتح خطًا ووجد فيه شجرة، فإنه لا يقطعها اللهم إلا إن دعت الضرورة القصوى إلى ذلك فنعم. قال: "ولا يعضد شوكها".
"ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد" "ساقطتها" يعني: اللقطة، "لا تحل إلا لمنشد" يعني: إلا لمن أراد أن ينشدها مدى الدهر، فمن أخذها لا للإنشاد فهو حرام، ومن أخذها للتملك بعد الإنشاد فهو حرام، ومن أخذها للإنشاد دائمًا فهو حلال فالأحوال ثلاثة، يحل منها الأخير، أما لقطة غيرها فيحل منه الثاني، وأما الأول فلا يحل في أي لقطة كانت، ومن أخذ اللقطة للتملك من الآن فهذا لا يجوز لا في مكة ولا في غيرها، ومن أخذها للتملك بعد الإنشاد الشرعي فهو جائز في غير مكة، ومن أخذها للإنشاد دائمًا فهو جائز في مكة وغيرها، لكن في غير مكة ليس بواجب، وفي مكة يجب الإنشاد دائمًا.
قال: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين"، لما بين الرسول ﷺ أن القتال محرم في مكة كان إيرادًا ورد فقال: والقتل؟ قال: القتل إذا كان قصاصًا فلا بأس به، "من قتل له قتيل في مكة فهو بخير النظرين" ما هما؟ إما أن يقتل القاتل، وإما أن يأخذ الدية، فإذا قتل لإنسان شخص في مكة عمدًا يثبت فيه القصاص فإننا نقول لأولياته: أنتم الآن بالخيار إن شئتم اقتلوا القاتل وإن شئتم خذوا الدية، وقوله: "بخير النظرين" باعتبار المصلحة، أو باعتبار ما يريده الأولياء؟ الظاهر الثاني، لأن هذا الخيار خيار تشه لا خيار مصلحة.
وقد مر علينا منذ زمن بأن التخيير إن كان للمصلحة فيجب فيه إتباع المصلحة وإن كان تخيير تشه وإرادة، فالإنسان فيه مخير، ففي كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة هذا اختيار تشه، فأي شيء كفرت به فهو جائز، وفي تخيير الإمام في الأسرى من الكفار بين القتل والفداء بمال أو أسير والمن، هذا تخيير مصلحة فإذا كان التصرف للغير فتخيير مصلحة، للنفس فتخيير تشه وهنا التصرف للنفس فيكون التخيير تشهيًا إن اشتهيت فاقتل وإن اشتهيت فخذ دية.
فقال العباس: "إلا الإذخر يا رسول الله، فقال: إلا الإذخر" الإذخر: نبت معروف في مكة وبين العباس ﵁ السبب في ذلك قال: "يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا". فقال: "إلا
стр. 1590
الإذخر". الإذخر: نبت معروف في الحجاز له سيقان مثل أعواد الكبريت يجعل في القبور وفي البيوت، في القبور يجعل فيما بين اللبنات حتى لا ينهال التراب، وفي البيوت يجعل فيما بين الجريدة في السقف ويوضع الطين فوق السقف، فأول ما نجعل خشب ثم الجريد ثم الإذخر ثم الطين، والآذخر هذا يمنع تساقط الطين من بين الجريدة فالناس في حاجة إليه، فقال الرسول ﷺ : "إلا الإذخر".
في هذا الحديث فوائد: أولًا: انتهاز النبي ﷺ الفرصة في الخطب حين دعت الحاجة إليها؛ لأنه خطب في وقت يحتاج فيه الناس إلى بيان الأحكام فخطب الرسول فبين الأحكام.
ثانيًا: أن الخطب تبتدأ بالحمد لله والثناء عليه.
ثالثًا: أنه ليس بلازم أن تثني بالصلاة على النبي ﷺ .
رابعًا: بيان أن الله خالق أفعال العباد بهيمها وناطقها لقوله: "إن الله حبس عن مكة الفيل"؛ لأن الفيل كانوا إذا وجوه إلى مكة حرن وأبى أن يتقدم، وإذا وجهوه إلى اليمن مشي، والذي حبسه هو الله، إذن فعل الفيل في مشيئة الله، ففيه دليل على عموم مشيئته الله في أفعال المخلوقين بهيمها وناطقها.
ومن فوائده أيضًا: أن الله سبحانه له الحكم فيما أراد من خلقه الكوني والشرعي، ولهذا منع كونًا الفيل وأذن شرعًا للرسول ﷺ فسلطه على مكة ومن معه من المؤمنين.
ومن فوائد الحديث: بيان عظمة الكعبة؛ لأنها لم تحل لأحد من الناس قبل الرسول ﷺ ، ولم تحل للرسول ﷺ إلا بقدر الضرورة لقوله: "وإنما أحلت لي ساعة من نهار".
ومن فوائده: أن الضرورات تقدر بقدرها لا يزيد الإنسان فيها على قدر الضرورة؛ أي: أن ما أبيح للضرورة لا يجوز أن يتعدى به موضع الضرورة، وهذه قاعدة نافعة في كل الأحكام، لأن الرسول ﷺ أبيحت له ساعة من نهار؛ إذ لا يتمكن أن يزيل هذا الكفر والشرك حتى تكون مكة بلاد إسلام إلا بهذا القتال ولولا ذلك ما تمكن ولبقيت محترمة بمن فيها من الكفار ولم يستطع أحد الوصول إليها.
ومن فوائد الحديث: تحريم القتال بمكة لقوله: "وإنها لن تحل لأحد بعدي"، ولكن إذا قوتل الإنسان فيها فله أن يقاتل لقوله تعالى: ﴿ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. ولهذا أجاز النبي ﷺ القتل في القصاص؛ لأنه قتل بحق، وهذا القتل أخص من القتال؛ لأنه قد يجوز القتال ولا يجوز القتل، مثال ذلك: لو ترك أهل بلد الأذان والإقامة وجب قتالهم، ولكن لا يجوز قتلهم فإذا استسلموا لا نقتلهم ولا نجهر على جريحهم.
стр. 1591
ومن فوائد الحديث: جواز النسخ في الأحكام الشرعية؛ لأن تحريم مكة نسخ.
ومنها: جواز توقيت النسخ؛ حيث نسخ التحريم إلى الحل: "ساعة من نهار".
ومنها: إثبات الحكمة لله بأن هذا النسخ المؤقت لحكمة.
ومنها: تعليل الأحكام الشرعية وأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
ومن فوائده: تحريم الصيد في مكة لقوله: "لا ينفر صيدها"، وتحريم القتل من باب أولى.
ومن فوائد الحديث: تحريم قطع الشجر صغيره وكبيره مؤذية لقوله: "ولا يتخلى شوكها" وهذا إذا كان الشجر نبت بفعل الله ، أما ما نبت بزرع الآدمي فإنه ملكه له أن يتصرف فيه بما شاء، فلو غرس الإنسان نخلة في مكة فله أن يجتثها، ولو غرس شجرة فله أن يجتثها، ولو زرع زرعا فله أن يحصده، أما ما نبت بدون فعل الآدمي، فإنه محترم لا يجوز قطعه.
ومنها: أن لقطة الحرم لا تملك بالتعريف لقوله: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد"، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، ومنهم من قال: إن لقطة الحرم كغيرها تملك بالتعريف، وإنما قال الرسول ﷺ : "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" من باب التأكيد على الإنشاد، ولكن الصحيح الأول.
فإذا قال قائل: إذا علم الإنسان أنه لابد أن ينشدها مدى الدهر إلى أن يجد صاحبها فإنه لن يأخذ فماذا نقول؟
نقول: لا يأخذها، والشارع ما أراد إلا هذا ألا تأخذها، وإذا جاء ثان لا يأخذها، وثالث لا يأخذها حتى تبقى في مكانها، وصاحبها إذا فقدها رجع من حيث جاء ووجدها حتى يبقى كل شيء آمنًا، لكن في عصرنا الآن نرى أنه لو تركها لجاء من بعده وأخذها وجاء من لا يسأل، يعني: يأخذها للتملك، فنقول حينئذ: إذا كان يخاف أن تؤخذ على وجه التملك ولا يبحث عن صاحبها فالأولى أن يأخذها ويسلمها إلى الجهات المسئولة إلى ولي الأمر مثلًا، وبذلك تبرأ ذمته وهذا إن لم يكن يعلم صاحبها، فإن علم صاحبها بكتابة أو رسم فإنه يأخذها ويسلمها له.
ومن فوائد اللحديث: أن أولياء المقتول لهم الخيار بين القتل والدية لقوله: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين"، وأنه لا فرق بين أن يكون ذلك في مكة أو في غيرها.
ومن فوائد الحديث: جواز القتل في مكة بحق لقوله: "فهو بخير النظرين"، فإذا زنى الإنسان في مكة وهو محصن فإننا نرجمه ولا نقول: هذا في مكان آمن نقول: لأنه من حيث المعنى والعلة، لأنه لما انتهك حرمته صار هو لا حرمة له، وكذلك لو وجب على شخص قتل للفساد في الأرض فإننا نقلته، لو
стр. 1592
أن أحدًا ارتد في مكة وصار لا يصلي وأبي إن يتوب فإننا نقتله؛ لأن هذا إذا قدر أننا لن نقتله أو صار الحاكم ضعيفًا لا يجرؤ على قتله فإنه يجب إخراجه، لأنه كافر، والكافر لا يجوز بقاؤه في مكة.
ومن فوائد الحديث: أن من الناس من يكون فيه بركة في تشريع الأحكام الشرعية كما أن من الناس من يكون فيه شؤم، فالأقرع بن حابس لما قال فيما سبق: أفي كل عام؟ هذا سؤال لا ينبغي فلو قال الرسول: نعم، لو جبت ولما استطعنا، أما إذا كان الإنسان الذي يسأل يسأل في تخفيف على المسلمين فهذا يحمد عليه ويكون من بركاته، كما ذكر أسيد بن حضير في قصة عقد عائشة حين فقد ولم يكن عند الناس ماء ونزلت آية التيمم قال: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر"، إذن من بركات العباس: استثناء الإذخر الذي يحتاجه الناس في مكة للبيوت والقبور.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط في الاستثناء نيته قبل تمام المستثنى منه ولا اتصاله به أيضًا، وجهه: أن الرسول قال: "إلا الإذخر" ولم يكن نواه الرسول ﷺ ؛ لأنه لو نواه لقال: ولا يختلى شوكها إلا الإذخر، وأيضًا حصل فصل بين المستثنى والمستثنى منه وهو: "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين"، وكلام العباس ثم قال: "إلا الإذخر" فهنا استثناء مع الفضل ومع عدم النية لكن الكلام واحد، فإذا اتصل المستثنى بالمستثنى منه في كلام واحد ولم يل المستثنى منه أو لم ينوه المستثنى فهو صحيح، ومن العلماء من يقول: إنه تشترط نية الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، ويشترط أيضًا الاتصال، فكيف يجيبون عن هذا الحديث؟ يقولون: إن قوله: "إلا الإذخر" هذا نسخ وليس بتخصيص، فيقال لهم: سبحان الله! هل يمكن أن نجعل إلا الإذخر حديثًا مستقلاُ؟ الجواب: لا يمكن؛ لأن فيه أداة الاستثاء، لكن هذا أمر يسلكه بعض الناس إذا اعتقد شيئًا حاول إن يحوّل النصوص إلى اعتقاده، وهذه طريقة ليست بسليمة، فالواجب على الإنسان أن ينظر ما تدل عليه النصوص ويتبعها لا أن يرى رأيا فيتبع النصوص ذلك الرأي.
الشاهد من هذا الحديث: ما يتعلق بالصيد، ولكنه في الواقع لا مناسبة فيه للباب؛ لأن الباب: "الإحرام وما يتعلق به" والذي ذكر في هذا الحديث ما يتعلق بالحرم لا بالإحرام، الشجر تحريمه يتعلق بالحرم فقط، ولهذا يحرك قطع الشجر في الحرم على المحلّ والمحرم، ويحل قطع الشجر في الحل للمحرم وغير المحرم فلا علاقة له بالإحرام، الصيد له علاقة بالحرم والإحرام، ولهذا يحرم الصيد في الحرم على المحلّ والمحرم، ويحرم الصيد على المحرم في الحل والحرم، وإذا كان المحرم في الحرم حرم عليه الصيد من وجهين: كونه في الحرم وكونه محرمًا، وهل يلزمه جزاءان لوجود السببين، أو جزاء واحد؟ قال بعض العلماء:
стр. 1593
يلزمه جزاءان؛ لأنه انتهك حرمتين: حرمة الحرم وحرمة الإحرام، وقال بعض العلماء: والمذهب لا يلزمه إلا جزاء واحد؛ لأنه انتهك حرمتين في محرم واحد وهو الصيد، وأيضًا لو ألزمنا المحرم جزاءين لم نكن ألزمنا بالمثل؛ لأنه قتل واحدًا وألزمناه باثنين، والله تعالى يقول: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وكما أن المثلية تكون في الصفة كذلك في العدد كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. ثم قال:
تحريم المدينة:
٧٠٥ - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودها لأهلها، وإنِّي حرَّمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكَّة، وإنِّي دعوت في صاعها ومدِّها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكَّة" متفق عليه.
٧٠٦ - وعن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المدينة حرام ما بين عبر إلى ثور" رواه مسلم.
هذان الحديثان يتعلقان أيضًا بالحرم ولا علاقة لهما بالإحرام، قال النبي ﷺ : "إن إبراهيم حرّم مكة"، وثبت في حديث الصحيحين أيضًا أن الله هو الذي حرّم مكة، ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن المحرم هو الله وإبراهيم مبلغ، فنسب التحريم إلى إبراهيم باعتبار التبليغ، ونسب إلى الله ؛ لأنه منشئ الأحكام، فيكون الله هو الذي حرمها وإبراهيم بلغ التحريم وأظهره، ويقول: "إنه دعا لأهلها بالبركة"، وذلك في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦]. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ هذه معطوفة على ﴿مَنْ آَمَنَ﴾، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فيكون الله أعطى إبراهيم أكثر مما سأل، لأن إبراهيم قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾، فقال الله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾، أتدرون لماذا قال إبراهيم ﴿مَنْ آَمَنَ﴾؟ تأدبًا مع الله؛ لأنه قال قبل ذلك: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. يعني: أن الله أعطاه عهده لكن استثنى الظالمين من ذريته فتأدّب في الدعوة الثانية مع الله وقال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ﴾، ولكن الله عمم؛ ففي الأولى الله خصص دعاءه، وفي الثانية عمم وأعطاه أكثر مما سأل، قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ لكن من كفر قال: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، نسأل الله العافية، المهم: أن إبراهيم دعا لأهل مكة، ونبينا ﷺ دعا لأهل المدينة بمثل ما دعا به إبراهيم.
стр. 1594
والشاهد من هذا قوله: "إني حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة"، وهذا تشبيه لأصل التحريم بأصل التحريم؛ وذلك لأن تحريم حرم مكة أشد وأشمل، لأن حرم المدينة يستثنى منه أشياء هي حلال وهي في حرم مكة حرام، فيكون التشبيه هنا في أصل التحريم لا في وصفه، فإن حرم المدينة فيه أشياء تحل ولا تحل في حرم مكة، وحرم المدينة من عير إلى ثور، وعير وثور جبلان معروفان في المدينة، قال العلماء: والمسافة -أي مسافة حرم المدينة- بريد في بريد، والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، فيكون البريد اثنى عشر ميلاً؛ يعني: اثنى عشر ميلاً في اثنى عشر ميل في واحد وستة من عشرة يساوي ثماني عشرة كيلو وزيادة.
من فوائد الحديث: أولاً: نسبة الشيء إلى من بلغه لقوله: "إن إبراهيم حرّم مكة"، ومثله أن الله نسب القرآن إلى جبريل ونسبه أيضًا إلى محمد -عليهما الصلاة والسلام- فقال تعالى: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ بالتكوير: ١٩ - ٢٠]. فنسبة هنا إلى جبريل، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١]. فنسبة إلى محمد، فنسبة الشيء إلى المبلغ سائغة شرعًا ولغة.
ومن فوائد الحديث: رحمة هذين الرسولين بأهل هاتين البلدتين وشفقتهما على أهلهما، فإبراهيم دعا لأهل مكة، ومحمد ﷺ دعا لأهل المدينة.
ومن فوائدة: ثبوت الحرم للمدينة لقول الرسول ﷺ : "إني حرمتها كما حرم إبراهيم مكة".
ومنها: أن الرسول ﷺ خصّ الدعوة للمدينة بالمدّ والصاع وهو الطعام الذي يقدر بالأصواع والأمداد، وهذا لا يستلزم أن يكون الرسول ﷺ دعا في كل شيء وإنما دعا بالطعام، ولذلك نجد أن الطعام في المدينة يكون دائمًا متوفرًا ويكون أيضًا مباركًا في زرعه وجنيه.
ومن فوائد حديث عليّ بيان حد حرم المدينة، وأنه ما بيبن عير إلى ثور، ثم قال المؤلف:
******
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
نقول: إنه من شروط العبادة: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وهما الركنان الأساسيان في كل عبادة، فلا تقبل عبادة بشرك، ولا تقبل عبادة ببدعة، فالبدعة تنافي الاتباع، والشرك ينافي الإخلاص، ومن ثم احتاج العلماء ﵏ إلى بيان صفات العبادات، فبينوا صفة الوضوء، وصفة الصلاة، وصفة الصيام، وصفة الحج، وصفة الزكاة ... وغير ذلك حتى يعبد الناس الله على شريعة محمد ﷺ .
стр. 1595
وقول المؤلف: "ودخول مكة" يعني: كيف يدخل مكة؟ ومن أين يدخل مكة؟ ومتى يدخل مكة؟ ثلاثة أشياء: ثم بدأ المؤلف بحديث جابر الطويل المشهور في صفة الحج الذي جعله بعض العلماء عمدة صفة الحج وجعله منسكًا كاملًأ؛ لأن جابرًا ﵁ ضبط حج الرسول ﷺ من أوله إلى آخره، فذكر ﵁ أن النبي ﷺ بقي في المدينة عشر سنين لم يحج، وأذن في الناس في العاشرة، إذن بهم أنه حاج، قال: فقدم المدينة بشر كثير يشهدون حج رسول الله ﷺ ويأخذون أحكامه من الرسول ﷺ مباشرة حتى قدروا بمائة ألف من مائة وأربع وعشرين ألفًا كل الصحابة، يعني: يمثل خمس أسداس المسلمين تقريبًا حتى كانوا -كما قال جابر- بين يدي الرسول ﷺ وخلفه وعن يمينه وعن شماله مد البصر، عالم عظيم يريدون أن يأخذوا من إمامهم -صلوات الله وسلامه عليه- كيف يعبدون الله بهذا النسك العظيم، خرج النبي ﷺ من المدينة وقد بقى خمسة أيام من ذي القعدة خرج في الخامس والعشرين في يوم السبت بعد أن أذن الناس في خطبة الجمعة كيف يحرمون، وسئل: ماذا يلبس المحرم؟ وأوضح للناس مبادئ النسك وبقي في ذي الحليفة ﷺ وبات بها، وفي اليوم التالي اغتسل ولبس إحرامه ثم أحرم، والمؤلف ﵀ اختصر الحديث اختصارًا تامًا ولم يأت منه إلا ما يتعلق بالحج.
٧٠٧ - عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﷺ حج، فخرجتا معه، حتى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، فقال: اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي، وصلَّى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء حتَّى إذا استوت به على البيداء أهل بالتَّوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك. حتَّى إذا أتينا البيت استلم الرُّكن، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم أتى مقام إبراهيم فصلَّى، ورجع إلى الرُّكن فاستلمه، ثمَّ خرج من الباب إلى الصَّفا، فلمَّا دنا من الصَّفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. أبدءوا بما بدأ الله به فريقي الصَّفا، حتَّى رأى الببيت، فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبَّره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثمَّ دعا بين ذلك ثلاث مرَّات، ثمَّ نزل من الصَّفا إلى المروة، ففعل على المروة حتَّى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى حتَّى إذا صعد سعى إلى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصَّفا ... ". وذكر الحديث، وفيه: "فلما كان يوم التَّروية توجَّهوا إلى منى، وركب رسول الله ﷺ فصلَّى بها الظُّفر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر،
стр. 1596
ثم مكث قليلاً حتَّى طلعت الشَّمس، فأجاز حتَّى أتى عرفة، فوجد القبَّة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتَّى إذا زالت الشَّمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب النَّاس، ثمَّ أذَّن ثمَّ أقام، فصلَّى الظُّهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيءًا، ثمَّ ركب حتَّى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتَّى غربت الشَّمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً، حتَّى إذا غاب القرص، دفع، وقد شنق للقصواء الزِّمام حتَّى إنَّ رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيُّها النَّاس، السَّكينة، السَّكينة، وكلَّما أتى جبلاً أرخى لها قليلاً حتَّى تصعد، حتَّى أتى المزدلفة، فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئًا، ثمَّ اضطجع حتَّى طلع الفجر، فصلَّى الفجر حين تبيَّن له الصبح بأذانٍ وإقامةٍ ثمَّ ركب حتَّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا، وكبَّر، وهلَّل، فلم يزل واقفًا حتَّى أسفر جدُّا، فدفع قبل أن تطلع الشَّمس، حتَّى أتى بطن محسِّر فحرَّك قليلاً، ثمَّ سلك الطَّريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتَّى الجمرة الَّتي عند الشَّجرة، فرماها بسبع حصبات، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثمَّ انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلَّى بمكَّة الظُّهر". رواه مسلم مطولاً.
قوله: "حتى إذا أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء"، أتى بكلمة فاء؛ لأنها معطوفة على جملة هي جواب الشرط، يعني: حتى إذا أتينا ذا الحليفة نزل وصار كذا وكذا فولدت، و"ذو الحليفة" هي مهل أهل المدينة، وتعرف الآن بأبيار على، "وأسماء بنت عميس" هي زوجة أبي بكر الصديق ﵁، ولدت محمد بن أبي بكر، فأرست إلى النبي ماذا تصنع، ومن شرط صحة الطهارة عن موجب للطهارة أن ينقطع ذلك الموجب، ولهذا لا يصح التوضؤ عن البول والإنسان يبول ولا يصح التوضؤ عن لحم الإبل والإنسان يأكل اللحم، فالطهارة عن موجب لها لا تصح إلا بعد انقطاع الموجب؛ إذن فالغسل الذي أمر به الرسول ﷺ أسماء للإحرام.
قال: "واستثفري بثوب وأحرمي"، كيف تصنع من الآن إلى انقطاع النسك أو كيف؟ ولهذا لم يبين لها النبي ﷺ كيف تصنع في المستقبل، لم يقل لها كما قال لعائشة: "افعلي كما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت"؛ لأنها تريد حل المشكلة الحاضرة، وبه نعرف خطأ ابن حزم رحمه الله
стр. 1597
في هذه المسألة حيث قال: إن النفساء يجوز لها أن تطوف بالبيت بخلاف الحائض، قال: لأن الرسول ﷺ لم يقل لأسماء: لا تطوفي بالبيت وقاله لعائشة، والجواب على هذا سهل أن نقول: إن أسماء إنما أرادات أن تسأل عما تصنع الآن، وبينهما وبين مكة والوصول للبيت مفاوز بخلاف عائشة فإن ذلك كان بسرف قريبة من مكة، قال: "اغتسلي واستثفري بثوب" يعني: تلجمي به، ويسمى باللغة الحاضرة: التحفض؛ يعني: تضع على فرجها شيء لأجل أن تمنع الخارج عند الاغتسال.
قال: "وأحرمي"، وأطلق الإحرام؛ لأنه في ذي الحليفة أحرم الناس على الوجوه الثلاثة التي سبق في حديث عائشة بحج وعمرة وبهما.
يقول: "وصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به"؛ يعني: لما اقترب من الحديبية أهلّ بالتوحيد أي رفع صوته بالتوحيد قائلاً: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، رفع صوته بهذه الكلمات العظيمة التي سمّاها جابر توحيدًا؛ لأنه تضمنت التوحيد والإخلاص. قال: "لبيك اللهم لبيك" هذا حرف جواب للداعي؛ ولهذا حتى الآن إذا دعاك شخص فقلت: "لبيك" يعني: أجبت دعوته، ولكن التثنية هنا يراد بها مطلق التكرار لا حصره، فهي بمعنى إجابة بعد إجابة؛ وهي منصوبة على الفعل المطلق المحذوف عامله، يعني: ألبي لك تلبية بعد تلبية، وقوله: "اللهم" يعني: يا الله، فهي منادى حذفت منها ياء النداء وعوض عنها الميم، وقوله: "لبيك" من باب التوكيد؛ لأن المقام مقام عظيم ينبغي فيه توكيد القول، "لبيك لا شريك لك لبيك" هذا توكيد آخر "لا شريك لك" في أي شيء؟ في كل شيء، فلا شريك لله تعالى في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته، ولا يستثنى من ذلك شيء؛ لأن الله لا يشركه أحد في هذا أبدًا، ثم ثال: "إن الحمد والنعمة لك والملك"، "إنّ" أفصح وأعم من "أنّ" وإلا فإن بعض النحويين أجاز الفتح، والصواب الكسر لأنه أعم؛ لأن "إنّ" هنا اسئنافية، لكن "أنّ" تعليلية، كأنه لو قال: "أنّ الحمد والنعمة لك" كأنه يقول بناء على ذلك: أن الحمد والنعمة لك، مع أن الله تعالى يحمد على كل شيء فهي أعم، "إنّ الحمد والنعمة لك"، "الحمد" وصف المحمود بالكمال على كماله وعلى إنعامه، والنعمة: العطاء، وكل ذلك لله وحده، فالمنعم هو الله، والمحمود هو الله، هو المستحق لذلك وحده، ولذلك قال: "والملك"، لله أيضًا ملك الذوات والأعيان وملك التصرف والأفعال، فالله مالك للسموات والأرض في أعيانها والتصرف فيهما، قال: "لا شريك لك" أي: في ملكك ولا في نعمتك ولا في الحمد الذي تستحقه، كانوا في الجاهلية يلبون بنحو هذه التلبية، لكن يقولون: "لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك"، ما دام أنه له ومملوك فكيف
стр. 1598
يكون شريكًا؛ ولهذا قال الله : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨]. ما الجواب؟ الجواب واضح؛ يعني: هل عبيدكم يشاركونكم في الأموال التي بين أيديكم التي أعطيناكم إياها، ما هو الجواب؟ الجواب: لا هذا تعرفه أنت بنفسك، كيف تجعل لله شريكًا يكون مملوكًا له في عبادته، أظن الإلزام واضح، إذا كنتم أنتم لا تجيزون ولا تسوغن أن يكون لكم شريك فيما رزقكم الله، فكيف تسوغون أن يكون لله شريك في ملكه الذي خلقه، هذه الجملة لبي بها رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ يسمع الناس يقولون: "لا إله إلا الله"، وآخرون يكبِّرون ولا ينكر عليهم؛ لأن المقصود هو الذكر وتعظيم الله، ولكن لا شك أن ما قاله الرسول ﷺ فهو أولى.
يستفاد من هذه الجملة من الحديث: أنه إذا أحرم من ذي الحليفة فلا يلبِّي إلا إذا استوت به على البيداء، ولكن ابن عمر أنطر ذلك وقال: "بيداؤكم هذه التي تقولون -يعني: ينكر هذا -ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد"؛ إذن أهل قبل أن تستوي به ناقته على البيداء، ولكن الجمع بين قول جابر وقول ابن عمر قريب وظاهر؛ وهو أن ابن عمر سمعه حين استوت به ناقته عند المسجد، وجابر سمعه حين استوت به على البيداء، وكل إنسان حكى ما سمع، وهذا هو الواجب على كل إنسان أن يحكي ما سمع أو ما ثبت عنده بطريق صحيح فلا منافاة؛ ولهذا وردت أحاديث أن الرسول ﷺ أهلّ دبر الصلاة قبل أن يركب، ومع هذا فالجمع بينه وبين حديث جابر وابن عمر قريب أيضًا، كما جمع ذلك ابن عباس ﵁ فيما رواه الحاكم وغيره، وهو أن الناس يدركون النبي ﷺ في أوقات مختلفة، فأدركه قوم عند صلاته وقالوا: أهلّ بعد الصلاة، وأدركه قوم بعد أن ركب عند المسجد وقالوا: أهلّ حين استوت به ناقته عند المسجد وصدقوا، وأدركه آخرون حين استوت به على البيداء وقالوا: أهل حين استوت به على البيداء وصدقوا، والجمع هذا قريب وليس فيه إشكال.
ومن فوائد الحديث: إنه ينبغي للإنسان أن يستحضر في مجيئه إلى مكة وإحرامه، إنما يفعل ذلك تلبية لدعاء الله، فأين الدعاء؟ قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] فالأذان بأمر الله يعتبر أذانًا من الله، فإذا كان الله هو الذي أذن فأنا أجيبه وأقول: "لبيك اللهم ... الخ".
стр. 1599
ثم قال جابر ﵁: "حتى إذا أتينا البيت استلم الركن" يعني: الكعبة، "استلم الركن" أي: مسحه بيده، أي اليدين؟ اليمنى؛ لأن اليد اليمنى تقدم للإكرام والتعظيم، واليد اليسر، في الإهانة، فمسحه بيده اليمنى، قال: "فرمل ثلاثًا ومشى أربعً"، قال العلماء: الرّمل هو سرعة المشي مع مقاربة الخطا، "ثلاثا" أي: ثلاثة أشواط، "ومشى أربعًا" يعني: أربعة أشواط، وفيه دليل على أن الطواف سبعة أشواط، وأن طواف القدوم يرمل فيه الإنسان الأشواط الثلاثة الأولى، ويمشي في الأشواط الأربعة الباقية، وفيه دليل أيضًا على أن الرّمل من الحجر إلى الحجر وليس من الحجر إلى الركن اليماني كما فعله النبي ﷺ في عمرة القضاء.
فإن قلت: ما الحكمة من الرّمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى دون الأربعة الباقية؟
فالجواب: أن الحكمة تذكير المؤمنين بأصل هذا الرّمل؛ لأن أصله أن النبي ﷺ لما قاضي أهل مكة في غزوة الحديبية على أن يرجع من العام القادم معتمرًا، أهل مكة أعداء للرسول ﷺ وأصحابه، والعدو يحب الشماتة بعدوه، فقال بعضهم لبعض: دعونا نجلس هنا ننظر إلى هؤلاء القوم الذين وهنتهم حمى يثرب كيف يطوفون؛ لأن عندهم أن هؤلاء قوم أصابهم المرض وأنهك قواهم، يريدون بذلك الشماتة، وجلسوا في شمال الكعبة وقالوا: ننظر، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا ليظهروا الجلد والقوة والنشاط ليغيظوا الكفار، وإغاظة الكفار أمر مقصود لله كما قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]. أراد النبي ﷺ من قومه أن يغيظوا الكفار، لكنه أمرهم أن يرملوا من الحجر إلى الركن اليماني دون ما بين الركنين؛ لأنهم بين الركنين يختفون عن المشركين، وأراد الرسول ﷺ أن يرفق بأصحابه، ولهذا جعل الرَّمل في الأشواط الأولى؛ لأن الثلاثة أقل من الأربعة، فاعتبر الأقل في جانب الصعوبة، الرّمل أصعب من المشي العادي، فجعل له الأقل وهي ثلاثة من سبعة، ثم إن اختيار الثلاثة دون الأربعة فيه القطع على وتر، والله إذا تأملنا مشروعاته وجدنا غالبها مقطوعًا على وتر، ففيه فائدتان؛ يعني: في كون الرّمل خاصًّا بالثلاثة الأولى فقط، أولاً: أن اعتبار الأخذ بالأقل في باب المشقة، وثانيًا: القطع على وتر، لكن في حجة الوداع رمل النبي ﷺ في الأشواط الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر؛ لأن العلة التي من أجلها شرع الحكم -وهو إغاظة الكفار الذي يشاهدوه- انقطعت، فصار الرّمل من الحجر إلى الحجر؛ لأنه صار الآن عبادة ولم يكن القصد منه الإغاظة؛ لأن الإغاظة
стр. 1600
انتهت، لكن الآن عبادة فأكملت الأشواط الثلاثة فصار الرّمل من الحجر إلى الحجر، هل أنا أذكر في هذه الحال حال النبي ﷺ وأصحابه حين قدموا في عمرة القضاء، أو أنني أذكر المعنى الأصلي المقصود وهو إغاظة الكفار، أو الأمرين؟ إذا تذكرت الأمرين فهو خير؛ يعني: أتذكر النبي ﷺ وأصحابه فأقتدي بهم، وأيضًا أتذكر أن من شأن المسلم أن يفعل ما يغيظ الكفار.
ثم قال: "فرمل ثلاثًا ومشى أربعًت"، وجعل المشي في الأربعة إبقاء على أصحابه حتى لا يتعبوا من الطواف في جميع البيت على وجه الرمل.
"ثم أتى مقام إبراهيم" وهو الذي قام عليه حين بناء الكعبة، فإن الكعبة لما ارتفع بناؤها احتاجت إلى شيء يقوم عليه حتى يدرك أعلى البناء وهو حجر، وهذا الحجر جعل الله فيه آية وهي أثر قدمي إبراهيم، وقد شهده أوائل هذه الأمة، ولكنه انمحى بكثرة مسه من الناس انمحى وزال، وقد أشار إلى هذا أبو طالب في قوله: [الطويل]
ومواطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافسًا غير ناعل
تقدم إلى مقام إبراهيم يقول: "فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ " لم يذكرها المؤلف، حذف المؤلف لهذه الآية حذف مخل ﵀، وكان عليه أن يقولها؛ لأنها من صفة الحج، فإنه يسن للإنسان إذا فرغ من الطواف أن يتقدم إلى مقام إبراهيم وأن يقرأ الآية، وفائدة قراءتها: شعور الإنسان بأنه يتقدم إلى هذا المقام فيصلي به امتثالاً لأمر الله ، ولا شك أن شعور الإنسان حين يفعل العبادة بأنه يفعلها امتثالاً لأمر الله أن هذا يزيد في إيمانه بخلاف الذي يفعل العبادة وهو غافل عن هذا المعنى، فإن العبادة تكون كالعادة؛ ولهذا قال المتكلمون عن النيات: إن النية نوعان: نية العمل، ونية المعمول له، والأخيرة أعظم مقامًا من الأولى، لأن نية العمل تأتي ضرورة، فما من إنسان عاقل يقوم بعمل إلا وقد نواه وقصده، حتى قال بعض العلماء: لو كلَّفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما يطاق، فالمقام الأسمى والأعلى نية المعمول له التي تغيب عنا كثيرًا، لو أننا عندما نتوضأ نشعر بالإخلاص والمتابعة فكيف نتذكر؟ نتذكر أن الله أمرنا بالوضوء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. هذا الإخلاص، وكأن الرسول ﷺ يتوضأ أمامنا هذا هو المتابعة؛ إذن إذا فرغت من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم واقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
فيستفاد من هذا: أنه ينبغي إذا فرغ من الطواف أن يتقدم فورًا إلى مقام إبراهيم بدون تأخر ويقرأ هذه الآية، كلمة "تقدم إلى مقام إبراهيم" هل تشعر بأن المقام في مكانه الحالي أو يحتمل أنه في مكانه كما قيل الذي عند باب الكعبة؟ الحقيقة أنها لا يستفاد منها ولا هذا؛ لأن التقدم
стр. 1601
في كلا الأمرين إن كان في مكانه الآن فهو يتقدم، إن كان كما قيل: إنه لاصق بالكعبة فهو أيضًا يتقدم، المقام اختلف المؤرخون فيه هل هو في مكانه الحالي منذ عهد الرسول ﷺ أو أنه كان لاصقًا بالكعبة وأخّره عمر بن الخطاب ﵁ حين كثر الناس وكثر الطائفون الذين يطوفون بين يدي المصلين؟ وأكثر المؤرخون على أنه في مكانه الحالي وأنه لم يجر فيه تغيير.
قال: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه" أي: بعد أن صلى ركعتين، واعلم أن المشروع في هاتين الركعتين التخفيف، وأن يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وأنه ليس قبلهما دعاء، ولا بعدهما دعاء والحكمة من تخفيفهما: أن تفسح المجال لمن هو أحق منك، فالناس ينتهون من اطواف أرسالاً، فإذا انتهى الطائفون وأنت حاجز المكان تطيل الصلاة، فمعناه: أنك حجزت مكانًا لمن هو أحق منك فلا تطل الصلاة، ثم إنه قد يكون المطاف مزدحمًا فيحتاج الطائفون إلى المكان الذي أنت فيه أيضًا، فمن ثم خفف النبي ﷺ الصلاة واختار أن يقرأ بعد الفاتحة بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لأن إمام الحنفاء هو صاحب هذا المقام وهو إبراهيم الذي قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. بعد الركعتين لا يدعو وهل للمقام دعاء؟ إني وجدت كتابًا مكتوب فيه "دعاء المقام"، مكتوب مطبوع بحرف جيد، فهذا ليس له أصل، لا يوجد دعاء للمقام ولا دعاء قبل الركعتين ولا بعدهما، ولكن المشكل أن مثل هذه البدع صارت كأنها قضايا مسلمة مشروعة، حتى إن الحاج يرى أن حجه ناقص إن لم يفعل هذا، وكل هذا بسبب تقصير العلماء أو قصورهم، وإلا فمن الممكن أن يعطى هؤلاء الحجاج مناسك من بلادهم، يقول: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه" الركن؛ يعني: الحجر الأسود.
وفيه: استحباب الرجوع إلى الركن بعد الركعتين لاستلامه، فإن لم يتمكن فلا إشارة؛ لأن العبادات مبنية على النقل فقط، فإذا لم يتمكن فلا إشارة؛ لأن ذلك لم يرد، ولهذا قلنا: إن الركن اليماني إذا لم يستطع استلامه فإنه لا يشير إليه فيكون هنا استلام بلا تقبيل ولا إشارة عند التعذر.
قال: "ثم خرج إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ابدءوا بما بدأ الله به"؛ قوله: "قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ فائدة القراءة بهذه الآية إشعار نفسه بأنه إنما اتجه إلى السعي امتثالاً لما أرشد الله إليه في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. وليعلم الناس أنهم يسعون بين الصفا والمروة من أجل أنهما من شعائر الله، وليعلم الناس أيضًا أنه ينبغي للإنسان إذا فعل عبادة أن يشعر نفسه بأنه يفعلها طاعة لله كما لو توضأ الإنسان
стр. 1602
فينبغي أن يستشعر عند وضوئه أنه يتوضأ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ويشعر أنه يتوضأ وكأن الرسول ﷺ أمامه يتّبعه في وضوئه، وهكذا جميع العبادات، فإذا استشعر الإنسان عند فعل العبادة أنه يفعلها امتثالًا لأمر الله فإنه يجد لها لذة وأثرًا طيبًا وقوله: "ابدءوا بما بدأ الله به"؛ لأن الله بدأ بالصفا فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ وفيه إشارة إلى أن الله إذا بدأ بشيء كان دليلًا على أنه مقدم إلا بدليل.
يقول: "فبدأ بالصفا فرقي الصفا" يعني: رقي عليه، "حتى رأى البيت"؛ أي: الكعبة، "فاستقبل القبلة فوحد الله وكبّره"؛ أي قال: "الله أكبر"، ووحد الله يعني: بالذكر مثل: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
وقال -يعني: بعد التكبير والتوحيد-: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، وقد سبق لنا مرارًا شرح هذه الجملة.
وقوله: "لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" في هذا دليل على جواز السجع بشرط أني كون غير متكلف، "لا إله إلا الله وحده" يعني: لا معبود حق إلا الله وحده، "أنجز وعده" بماذا؟ بنصر المؤمنين، فإن الله أنجز لرسوله ما وعده، "ونصر عبده" يعني: محمدًا ﷺ ، ويحتمل أن يراد به الجنس، أي: نصر كل عبد له، "وهزم الأحزاب وحده"، الأحزاب في غزوة الأحزاب، فإنه هزمهم بالريح التي أرسلها عليهم والرعب الذي ألقاه في قلوبهم، ويحتمل أن يراد بالأحزاب هنا ما هو أعم؛ يعني: كل حزب يحارب الله فالله يهزمه كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠]. ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات؛ إذن يقول هذا الذكر ثم يدعو، ثم يقوله مرة أخرى ثم يدعو، ثم يقوله مرة ثالثة ثم ينزل؛ لأنه قال: "ثم دعا بين ذلك"، والبينية تقتضي أن يكون محاطًا بالذكر من الجانبين، فيكون الدعاء مرتين والذكر ثلاث مرات.
"ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة" يقول: "نزل إلى المروة ماشيًا" بدليل قوله: "حتى إذا نصبت قدماه في بطن الوادي سعى"، وبطن الوادي هو مجرى السيل ومكانه ما بين العلمين الأخضرين الآن، وكان في عهد الرسول ﷺ مسيل المياه النازلة من الجبال، وإنما سعى؛ لأن أصل السعي من أجل سعي أم إسماعيل ﵂ فإن أم إسماعيل لما وضعها إبراهيم ﵊ هي وولدها في هذا المكان وجعل عندهما ماء وتمرًا، فجعلت الأم تأكل من التمر وتشرب من الماء وترضع الطفل، فنفذ التمر والماء وجاعت الأم وعطشت ونقص لبنها فجاع الطفل، فجعل الطفل يصبح
стр. 1603
ويتلوَّى من الجوع، فأمه -من أجل الأمومة- رحمته وخرجت إلى أدنى جبل إليها لعلها تسمع أحدًا أو ترى أحدًا، فصعدت الصفا وجعلت تستمع وتنظر فلم تجد أحدًا، فرأت أقرب جبل إليها بعد الصفا المروة فاتجهت إليه تمشي وهي تنظر الولد فلما نزلت بطن الوادي احتجب الولد عنها فجعلت تركض ركضًا شديدًا من أجل أن تلاحظ الولد، فلما صعدت من المسيل مشت حتى أتت المروة ففعلت ذلك سبع مرات وهي في أشد ما يكون من الشدة بالنسبة إليها جائعة عطشى وبالنسبة إلى الولد، وعند الشدة يأتي الفرج؛ فبعث الله جبريل فضرب بجناجه الأرض في مكان زمزم فنبع الماء بشدة فجعلت أم إسماعيل تحجز الماء تخشى أن يضيع من شدة شفقتها، قال النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عينًا معينا لكنها حجزتها ثم شربت من هذا الماء، فكان هذا الماء طعامًا وشرابًا، وجعلت تسقي الولد، والحديث ذكره البخاري- مطولًا، المهم إن الرسول ﷺ لما انتحبت قدماه في بطن الوادي سعى من أجل أن الناس إنما سعوا من أجل سعي أم إسماعيل، يقول: "حتى أتى المروة",
"ففعل على المروة كما فعل على الصفا" فعل النبي ﷺ ذلك سبع مرات، فلما كان آخر طواف على المروة نادى وهو على المروة وأمر الناس أن من لم يسق الهدي منهم أن يجعلوا نسكهم عمرة، فجعلوا يراجعون النبي ﷺ حتى قالوا: الحلّ كله يا رسول الله؟ قال: "الحلِّ كله"، قالوا: نخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منيًّا؛ يعني: من جماع أهله؟ قال: "افعلوا ما آمركم به، فلولا أني معي الهدي لأحللت معكم"، فأحلّوا ﵃، أما النبي ﷺ ومن ساق الهدي فلم يحلّ، ثم نزلوا بالأبطح في ظاهر مكة، فلما كان يوم التروية خرجوا إلى منى، فمن كان منهم باقيًا على إحرامه، فهو مستمر في إحرامه ومن كان قد أحل أحرم بالحج من جديد.
يقول: "فلما كان يوم التَّروية توجهوا إلى منًى" ويوم التّروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك؛ لأن الناس يتروون فيه الماء لموسم الحج، ومن هذا اليوم إلى اليوم الثالث عشر، ولكل يوم من هذه الأيام الخمسة اسم خاص، فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النّفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.
يقول: "توجهوا إلى منًى وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر"، قصرًا بلا جمع، "ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس"، فأجاز حتى أتي عرفة فوجد قبة قد ضربت له بنمرة، "أجاز" بمعنى: تعدّى، وإنما قال: أجاز يعني تعدَّى؛ لأن قريشًا كانوا يقفون يوم عرفة في مزدلفة ويقولون: إنا أهل مكة وأهل الحرم لا نقف في الحلّ، وهذا من
стр. 1604
الحّمية الجاهلية والعياذ بالله، أما النبي ﷺ فأجاز حتى أتى عرفة، وكان قد أمر أن تضرب له قبة بنمرة وهي قرية قرب عرفة، فضربت له القبة بنمرة فنزلها حتى زالت الشمس، وهذا النزول فيه استراحة بعد التعب من المشي من منّى إلى عرفة؛ لأن هذا أطول مسافة في الحج من منّى إلى عرفة، من منّى إلى مكة قريب، ومن منّى إلى مزدلفة قريب، ومن عرفة إلى مزدلفة قريب، وأطول ما يكون من منّى إلى عرفة، فبقى النبي ﷺ هنالك واستراح.
يقول: "حتى إذا زالت الشمس أمّر بالقصواء فرحلت له" "القصواء" اسم ناقته، "فرحلت له" أي: جعل رحلها عليها، ثم ركب ﵊ "فأتى بطن الوادي"، أي: وادي عرنة، "فخطب الناس، ثم أذّن ثم أقام"؛ أذن؛ يعني: أمر من يؤذن، وكذلك في الإقامة، "فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر"، ففي هذه الجملة أنه ينبغي الإحرام بالحج في اليوم الثامن، وأن يبقى الإنسان الحاج في منى يوم الثامن وليلة التاسع، وأن ينزل بنمرة إلى زوال الشمس، وهذا على سبيل الاستحباب، ثم فيه أيضًا: أنه ينبغي أن يخطب خطبة، هذه الخطبة قال بها حتى من لم يقولوا بخطبة صلاة الكسوف، والصحيح: أن الخطبة في صلاة الكسوف سنة، وكذلك الخطبة هنا سنّة، هذه الخطبة بين فيها الرسول ﷺ قواعد الإسلام وشيئًا من الفروع المهمة كتحريم الربا الذي قال فيه: "ربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع من ربانا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله".
"وصلى الظهر والعصر جمع تقديم"، وفيه: أنه يسن جمع التقديم في يوم عرفة، وإنما صلى جمع تقديم من أجل اجتماع الناس؛ لأن الناس إذا تفرقوا بعد الصلاة تفرقوا في موافقهم، فلو أخرت صلاة العصر لكان كل طائفة يصلون وحدهم في مكانهم، والنبي ﷺ يحب أن يجتمع الناس حتى وإن أدى ذلك إلى جمع الصلوات التي يجمع بعضها إلى بعض، أرأيتم جمعة في المدينة من أجل المطر ما المقصود منه؟ حرصًا على الجماعة، وإلا ففي إمكانهم أن يذهبوا إلى بيوتهم ويصلُّوا فيها، وهم معذورون في هذه الحال لكن من أجل الجماعة، هذا مثله كذلك أيضًا أبدى بعض العلماء حكمة أخرى قال من أجل أني طول زمن الوقوف والدعاء حتى لا يشتعل الناس بالطهارة للصلاة والنداء لها والاجتماع إليها ويبقون في الدعاء والتفرغ لله من حين يصلون الظهر والعصر جمع تقديم.
يقول: "ولم يصل بينهما شيئًا"؛ وذلك لأن سنة الظهر تسقط عن المسافر.
стр. 1605
"ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بن ناقته القصواء إلى الصَّخرات وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة"، ذهب ﵊ إلى موقفه إلى أقصى عرفة من الشرق من خلف الجبل جعل بطن الناقة إلى الصَّخرات، يعني: يلي الصَّخرات وجبل المشاة، وهو طريق يمشي به الناس جعله بين يديه ﵊، واستقبل القبلة ولم يزل على بعيره حتى غربت الشمس وهو مشتغل بالابتهال إلى الله والتضرع إليه، رافعًا يديه إلى الله ﵎ حتى غربت الشمس، ولم يمل ولم يتعب مع طول القيام، ولكن الله أعانه على طاعته عونًا، وثبت أنه ﵊ سقط خطام ناقته فأخذه بإحدى يديه وهو رافع الأخرى، وهذا يدل على تأكد رفع اليدين هنا، المهم: أنه بقي يدعو.
يقول: "لم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصُّفرة قليلًا حتى غاب القرص ودفع".
في هذا من الفوائد: أن الرسول ﷺ ذهب إلى ذلك الموقف؛ لأنه -والله أعلم- كان من عادته أن يكون في أخريات القوم، وهذا هو آخر حدود عرفة من الناحية الشرقية أو هو آخر ما يصل إليه الحجاج في ذلك الوقت، ووقف هذا الموقف وقال للناس: "وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف"، حتى لا يجتمع الناس إلى هذا المكان فيحصل الضيق والعنت عليه، كأنه يقول: الزموا أماكنكم فإن عرفة كلها موقف.
ويستفاد من ذلك: استقبال القبلة حال الدعاء يوم عرفة ورفع اليدين، وأن الإنسان إذا تشاغل بما ينفع المسلمين من إجابة سؤال أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر فإن ذلك لا يقطع دعاءه؛ لأن نفع هذا متعدًّ، والدعاء نفعه خاص غير متعدًّ، فلا ينبغي للإنسان مثلًأ إذا اشتغل بالدعاء في عرفة وجاء شخص يسأله أن يكشر في وجهه أو يقول: لا تشغلني أو ما اشبه ذلك، اللهم إلا في مسائل لا تفوت، وهذا السائل الذي معك سيدركك ويسألك في وقت آخر، فهنا ربما نقول: إنه يسوّغ لك أن تقول: لا تشغلني واشتغل بالدعاء وقد يكون السائل من رفقتك ويكون السؤال لا حاجة لبيانه في هذا الوقت؛ لأن المسألة علمية تناقشوا فيها واختلفوا وجاءوا إليك يسألونك فلكل مقام مقال، لكن لو تكون مسألة واقعة حادثة تحتاج إلى حل فإن التشاغل إلى إجابة السائل هنا أفضل من التشاغل بالدعاء.
ومن فوائد هذه الجملة: أنه لا دفع من عرفة إلا بعد الغروب لقوله ﵁: "حتى غاب القرص ودفع" ولا يجوز الدّفع قبل الغروب، لكن لو دفع فهو آثم والحج صحيح لحديث عروة بن مطرف ﵁ سيأتي إن شاء الله، الدفع قبل الغروب فيه عدة مفاسد:
стр. 1606
الأولى: أنه خلاف هدي النبي ﷺ .
الثاني: أنه موافق لهدي المشركين؛ لأن المشركين كانوا يدفعون من عرفة إذا كانت الشمس على الجبال كالعمائم على الرءوس فدعوا.
الثالث: أن فيه نقصًا في الوقوف الذي هو الركن، ومعلوم أن الأركان أفضل من الواجبات، والواجبات أفضل من السنن؛ لأنه كلما تأكدت العبادة كانت أفضل لقوله تعالى في الحديث القدسي: "ما تقرّب إلىّ عبدي بشيء أحبُّ إلىّ مما افترضته عليه".
قال ﵁: "ودفع وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله"، "شنقه" يعني: جذبه "حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله" يعني: رقبتها؛ لماذا؟ لئلا تندفع؛ لأن دفع الناس جميعًا والإبل ومشيها، يعني: يأخذ بعضها بعضًا حتى تسرع كما يقول العامة: "إن بعضها يشيل بعض"، لكن الرسول شنق لها الزمام لئلا تسرع، وهو يقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة".
"وهو يقول بيده اليمنى: يا أيها الناس، السكينة السكينة" يعني: اسكنوا، اطمئنوا.
يقول: "وكلما أتى جبلًا من الجبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد" في هذه الجملة كيف يدفع الإنسان من عرفة؟ يدفع بسكينة بقدر ما يستطيع ويأمر الناس بالسكينة ليسكنوا، يأمرهم بصوته إن تمكن أو بمكبر الصوت.
وفيه أيضًا: حسن رعاية الرسول ﷺ لما هو مولِّى عليه هذه البهيمة، "إذا أتى جبلًا من الجبال" يعني: شيئًا مرتفعًا أرخى لها قليلًا حتى تصعد رفقًا بها، وثبت عنه ﷺ أنه إذا وجد فجوة نص؛ أي أسرع السير، فيؤخذ من هذا وذاك أنه ينبغي للإنسان مراعاة ما هو راكب عليه وأنه إذا وجد فجوة ومتسعًا فليسرع.
يقول: "حتى إذا أتى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذنان وإقامة، ثم ركب حتى إذا أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا وكبَّر وهلل، فلم يزل واقفًأ حتى أسفر جدُّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس". هذا موقف مزدلفة، دفع النبي ﷺ من عرفة بسكينة وهو يسكن الناس ﵊، وفي أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقال
стр. 1607
له أسامة -وكان رديفة-: يا رسول الله، قال: الصلاة أمامك؛ لأنه لا يمكن الصلاة في الطريق؛ لأن إيقاف الناس -وهم مندفعون- فيه شيء من الصعوبة ثم المبادرة ما دام ضوء النهار باقيًا أرفق بالناس؛ ولهذا قال: الصلاة أمامك، فلما وصل إلى مزدلفة أمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى المغرب ثم أناخ كل واحد بعيره ثم صلى العشاء.
وفيه أيضًا: دليل على أنه لا ينبغي في ليلة المزدلفة أن يشتغل الناس بالذكر أو بالقرآن أو بالصلاة؛ لأن النبي ﷺ اضطجع حتى طلع الفجر، وهذا من حسن رعايته لنفسه ﵊؛ لأنه بعد التعب في المسير من عرفة إلى مزدلفة وفي النهار كان مشتغلًا بالدعاء وبتعليم الناس وتوجيههم تحتاج النفس إلى راحة فنام كل الليل، ولم يذكر جابر ولا غيره فيما أعلم هل أوتر النبي ﷺ أو لا، والظاهر أنه أوتر؛ لأنه لم يكن يدع الوتر لا حضرًا ولا سفرًا.
وفيه: أنه ينبغي تقديم صلاة الفجر في يوم العيد في مزدلفة؛ لأن النبي ﷺ صلى الفجر من حين تبين له الفجر، ولكن يجب الحذر من الاغترار بفعل بعض الناس، فإنه في ليلة المزدلفة تسمع بعض الناس يؤذن قبل الوقت بساعة أحيانًا يستطيلون ثم يقوم يؤذن ويصلي الفجر ويمشي وليته لم يضر إلا نفسه، لكن إذا سمعه يؤذن أذن وتتابع الناس؛ ولهذا يجب الحذر في صلاة الفجر ليلة مزدلفة.
وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يتقدم إلى المشعر الحرام إما براحلته إن كان على راحلة أو بقدمه إن كان ماشيًا؛ لأن النبي ﷺ تقدم إليه ومع ذلك قال: "وقفت ها هنا وجمع كلها موقف" ويدعو إلى أن يسفر جدَّا ويتبين النهار تمامًا ثم يدفع إلى منى.
قال ﵁: "حتى أتى بطن محسر .... الخ" "أتى بطن محسر" هذا بطن الوادي، وسمي محسرا؛ لأ، هـ سالكه؛ لأن فيه رملًا ودعثًا فيحسر سالكه، "فحَّرك قليلًا" لماذا؟ قيل: لأن هذا هو المكان الذي نزلت فيه عقوبة أصحاب الفيل فأسرع فيه، ولهذا أمر أن يسرع الناس إذا مروا بديار ثمود، وقيل: إنه أسرع فيه من أجل أنه دعث وعادة يكون المشي في الدعث بطيئًا فحَّرك، وقيل: إنه حرك؛ لأن قريشًا كانوا ينزلون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم يفتخرون بهم، فأراد الرسول ﷺ أن يعاكسهم وأن يسرع بدلاً من وقوف قريش، على كل حال: كل هذا ممكن إلا أن القول بأنه أسرع؛ لأن الله أنزل فيه عقوبة أصحاب الفيل كانت في المغمَّس وليست هنا.
قال: "ثم سلك الطريق الوسطى"؛ لأن منى فيها ثلاثة طرق شمالية وجنوبية ووسطى، فسلك
стр. 1608
- ﵊ الوسطى "التي تخرج على الجمرة الكبرى" الجمرة؛ يعني: مكان اجتماع الناس؛ لأن الناس كلهم ينصبون في هذه الجمرة، ورماها ﷺ وهو راكب وكان معه أسامة وبلال أحدهما يقود به راحلته، والثاني يظلله بثوب يستره من الحر حتى رمى الجمرة -صلوات الله وسلامه عليه-.
قال: "حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصى"؛ يعني: يقول: "الله أكبر" "كل حصاة منها مثل حصى الخذف".
قال: "ثم رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر" رمس ﷺ من بطن الوادي؛ لأنه أيسر، وكانت جمرة العقبة في ذلك الوقت في سفح جبل -وأنا أدركت ذلك- فرمى من بطن الوادي؛ لأنه أيسر من أن يرمي من فوق، ولكن كيف رمى؟ جعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه والجمرة أمامه، هذا هو الذي ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود، رمى بسبع حصيات.
فيستفاد من هذا: أنه ينبغي للإنسان في أسفاره أن يسلك أقرب الطرق إلى حصول المقصود؛ لأن النبي ﷺ سلك الطريق الوسطى التي تخرج رأسًا على الجمرة الكبرى.
وفيه أيضًا: المبادرة برمي جمرة العقبة، يرميها قبل أن ينزل من رحله.
وفيه أيضًا: أنها ترمى بسبع حصيات ويكبّر مع كل حصاة.
وفيه: أن هذا الحصى ليس بالكبير ولا بالصغير، بل هو مثل حصى الخذف، قال العلماء:
وهو بين الحمص والبندق.
وفيه أيضًا: أنه يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، فلو رماها من فوق الجبل فالرمي صحيح، لكن ينبغي للإنسان أن يسلك الأشق مع إمكان الأسهل، إلا أنه يقال: ربما يكون رميها من فوق الجبل أسهل إذا كثر الزحام كما كان الناس يفعلونه من قبل، لكن هنا بنوا هذا الجدار من خلفها لما أزالوا الجبل، لئلا ترمى من الخلف، ومع الأسف أنها صارت الآن من الخلف، لاسيما في يوم العيد يأتي الناس بكثرة وزحام ويرمونها.
قال: "ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثم ركب رسول الله ﷺ ... الخ"، انصرف إلى منحر، يعني: مكان نحر الإبل، وكان ﷺ قد أهدى مائة بعير والواحد منا الآن يتعثر على شاة واحدة واجبة أيضًا، ويقول: أي الأنساك الثلاثة أسهل، وأيها الذي لا يوجد فيه ذبح؟ فيختاره خوفًا من هذه
стр. 1609
الشاة، أما الرسول ﷺ فقد أهدى مائة بعير وأشرك علي بن أبي طالب في هدية، ونحر منها ثلاثًا وستين بيده، وأعطى عليُّا فنحر الباقي، ثم أمر لكل بدنة ببضعة فجعلت في قدر وطبخت فأكل من لحمها، وشرب من مرقها تحقيقا لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. قال العلماء: ومن الأمور العجيبة أنه نحر ثلاثًا وستين بيده الكريمة، وكان هذا العدد مطابقًا لسنين عمره ﷺ ، ثم إنه ﵊ حلّ من إحرامه بعد أن رمى ونحر وحلق وتطيَّب ونزل إلى البيت فطاف وصلى بمكة الظهر.
والحقيقة: أنه عند التأمل يجد الإنسان بركة عظيمة في هذا الوقت الموجز، وكانت حجة الرسول ﷺ في الاعتدال الربيعي، يعني: وقت النهار والليل فيه متساويات تقريبًا في هذه المدة الوجيزة عمل هذه الأعمال الكثيرة: دفع من مزدلفة ورمى ونحر ثلاثًا وستين بل مائة وأمر أن تطبخ وأكل من لحمها، وشرب من مرقها، وحلق وحل، ووقف الناس يسألونه، ونزل إلى مكة وطاف وسعى وصلى الظهر في مكة، هذه كلها -في الحقيقة- أعمال عظيمة لكن ببركة الله تمت من زمن قليل، ويؤخذ منه: أن الله إذا بارك للإنسان صار يفعل في الوقت القصير أفعالًا كثيرة، وهذا شيء مشاهد، نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في الأعمار والأعمال.
يقول هنا: "فصلى بمكة الظهر"، وفي حديث أنس في الصحيحين: أنه صلى الظهر في منى، فاختلف العلماء في ذلك؛ فقال بعضهم: نقدم حديث أنس؛ لأنه في الصحيحين، وقال آخرون: نقدم حديث جابر؛ لأن جابرًا ضبط الحج ضبطًا وافيًا فكان أعلم بذلك من غيره، وقال بعضهم: بل نجمع بينهما فنقول: صلى الظهر في مكة في وقتها، ولما خرج إلى منى وجد جماعة من أصحابه لم يصلوا فصلى بهم فيكون صلى بهم مرتين.
هنا يقول: "فطاف بالبيت" ولم يذكر السعي؛ لماذا؟ لأنه سعى بعد طواف القدوم، والقارن إذا سعى لعد طواف القدوم كفاه، ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة: "طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك"، فقد أدى الواجب، وكذلك أصحابه الذين لم يحلِّوا طافوا معه ولم يسعوا؛ لأنهم كانوا قد سعوا، وعلى هذا يحمل حديث جابر: "لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول" فيعني بأصحابه هنا: الذين لم يحلُّوا معه
стр. 1610
ويتعين هذا؛ لأن الذين حلوا ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵁ أنه لما كان عشية يوم التروية امرهم النبي ﷺ فأحرموا، فلما قضوا المناسك طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، هكذا جاء في صحيح البخاري في حديث ابن عباس قال: "طافوا بالبيت وبالصفا والمروة"، وهو صريح في أنهم طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وكذلك ثبت في الصحيح من حديث عائشة أن الذين أحرموا بالعمرة طافوا بالصفا والمروة مرتين، وما دام عندنا حديثان صحيحان صريحان في أن المتمتع يطوف ويسعى مرتين فإن حديث جابر يتعين أن يحمل على الذين لم يحلوا، وبهذا نعرف أن ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في أن المتمتع يكفيه سعي واحد أنه قول ضعيف، ويتبين لنا أيضًا أن الإنسان مهما بلغ من العلم والفهم فإنه لا يسلم من الخطأ؛ لأنه لا معصوم إلا من عصم الله ، والإنسان يخطئ ويصيب، وحديث ابن عباس وعائشة كلاهما في البخاري، ومثل هذا لا يخفى على شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه ﵀ من حفاظ الحديث، حتى قال بعضهم: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، لكن الإنسان بشر فالصواب بلا شك أن المتمتع يلزمه طوافان وسعيان، والقياس يقتضي ذلك؛ لأن العمرة انفردت وفصل بينهما وبين الحج حلُّ كامل وأحرم الإنسان بالحج إحرامًا جديدًا.
٧٠٨ - وعن خزيمة بن ثابت ﵁: "أنَّ النبي ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته في حجٍّ أو عمرة سأل الله رضوانه والجنَّة واستعاذ برحمته من النَّار". رواه الشافعي بإسناد ضعيف.
إذا كان بإسناد ضعيف فلا يكون ذلك سنة، بل يلبي بتلبية النبي ﷺ ، وإذا سأل الله الجنة واستعاذ به من النار لا معتقدًا أنه سنّة فلا بأس.
٧٠٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحرت ها هنا، ومنى كلُّها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرقة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف". رواه مسلم.
هذا من تيسير الله أن الرسول نحر في مكان معين، ولكن قال للناس: "منى كلها منحر"، انحروا في أي مكان منها، وكذلك الوقوف في عرفة وفي مزدلفة، وهذا من يسر الشريعة
стр. 1611
الإسلامية ولله الحمد، وقوله: "منى كلها منحر" يفيد أنهلا نحر إلا في منى، ولكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، فلو نحر الإنسان في مكة فلا بأس، وقد جاء في الحديث: "فجاج مكة طريق ومنحر"، أما في الحل فلا، فلو ذبح الإنسان هديه في عرفة ولو في يوم العيد، فإنه لا يجزئ على ما قاله أهل العلم، فلابد أن يكون النحر في الحرم.
صفة دخول مكة:
٧١٠ - وعن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ لما ××× إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها" متفق عليه.
"من أعلاها" أي: من شرق، يعني: من الحجون، وخرج من أسفلها من المكان الذي يسمى المسفلة، وهل هذا على سبيل الاستحباب أو على سبيل المصادفة؟ المعروف عند أكثر أهل العلم أنه على سبيل الاستحباب، قالوا: وهذا كمخالفة الطريق في العيد، فإن الرسول ﷺ كان إذا خرج يوم العيدين خالف الطريق يخرج من طريق ويرجع من آخر.
٧١١ - وعن ابن عمر ﵁: "أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عند النبي ﷺ " متفق عليه.
ففيه: استحباب البيات بذي طوى، وهي المعروفة في الوقت الحاضر بآبار الذهب معروفة في مكة.
فيه: استحباب الاغتسال لدخول مكة.
وفيه: جواز اغتسال المحرم ولو من غير جنابة.
صفة الطواف:
٧١٢ - وعن ابن عباس ﵁: "أنه كان يقبل الحجر الأسود ويسجد عليه". رواه الحاكم مرفوعا، والبيهفي موقوفًا.
ومعنى السجود عليه: أن يضع جبهته عليه.
стр. 1612
٧١٣ - وعنه ﵁ قال: "أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعًا، ما بين الركنين" متفق عليه.
المراد بالركنين الحجر الأسود واليماني، هكذا عندي، لكن الذي نعرف أنه يمشي في عمرة القضاء، لكن في حجة الوداع فإن الرسول رمل من الحجر إلى الحجر.
٧١٤ - وعن ابن عمر رضي الله الله عنه: "أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا".
- وفي رواية "رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة". متفق عليه.
٧١٥ - وعنه ﵁ قال: "لم أر رسول الله ﷺ يستلم من البيت غير الركنين اليمانين". رواه مسلم.
المعروف أن ابن عباس هو الذي رواه عند مناظرته معاوية ولكن لا يمنع أن يكون ابن عمر وابن عباس روياه جميعًا ومع ذلك يراجع هذا الحديث.
٧١٦ - وعن عمر ﵁: "أنه قبل الحجر الأسود؛ فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" متفق عليه.
ففيه رد على ما يفعله بعض الناس في الحجر الأسود والركن اليماني؛ يظنون أن الرسول فعل ذلك للتبرك به، حتى إنك تساهده يمسح الركن اليمني بيده ثم يمسح بها وجه طفله وبدنه، يظن أن هذا من باب التبرك! ! وليس هذا في الأصل من باب التبرك في شيء، بل هو من باب التعبد؛ ولهذا قال عمر: "لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك".
٧١٧ - وعن أبي الطفيل ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن". رواه مسلم.
ففيه دليل على أن الإنسان إذا طاف بالبيت ولم يتمكن من استلام الركن بيده ومعه شيء فإنه يستلمه بهذا الشيء ويقبل يده، ولكن يشترط في ذلك ألا يؤذي أحدًا، فإن كان يؤذي أحدًا فإنه لا يفعل؛ لأن الأذية محرمة واستلامه بهذا الشيء سنة.
стр. 1613
فإن قال قائل: ألا يمكن أن يكون النبي ﷺ حين استلامه الحجر يؤذي أحدًا؟
فالجواب: لا؛ لأن الناس إذا رأوا النبي ﷺ يريد أن يستلمه بالمحجن سوف يبتعدون ولا يتأذون بذلك، وإنما فعل ﵊ هذا لأنه كان راكبًا ومعه المحجن -وهو العصا المحنية الرأس-.
٧١٨ - وعن يعلى بن أمية ﵁ قال: "طاف النبي ﷺ مضطبعًا ببرد أخضر". رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي.
هذا فيه الاضطباع وهو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، لكن هذا في الطواف أول ما يقدم وليس في جميع الأحوال كما يفعله العامة.
٧١٩ - وعن أنس ﵁ قال: "كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه" متفق عليه.
يعني: ويلبي الملبي فلا ينكر عليه، أما الملبي فظاهر، لكن المكبر والمهلل ربما يقول قائل: قد تنكر عليه؛ لأن المقام مقام تلبية، ولكن يقال: كله ذكر لله ، فلا ينكر على هذا ولا على هذا.
تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة:
٧٢٠ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ في الثقل، أو قال: في الضعفة من جمع بليل" متفق عليه.
٧٢١ - وعن عائشة ﵂ قالت: "استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة: أن تدفع قبله، وكانت ثبطة -يعني: ثقيلة- فأذن لها" متفق عليه.
في هذا دليل على أن الثقيل والضعيف ومن لا يتمكن من مزاحمة الناس في جمرة العقبة له أن يدفع بليل، وكلمة "بليل" مبهمة، فمن العلماء من يقديها بنصف الليل وهو غالب المذاهب، ومنهم من يقول إنها مقيدة بغياب القمر، وهذا ظاهر حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها كانت ترقب
стр. 1614
غياب القمر فإذا غاب دفعت، وهذا هو الأولى، وظاهر الحديث أنهم يرمون الجمرة من حين يصلون إليها؛ لأنه إذا جاز الدفع من مزدلفة فإنما يدفع من أجل الرمي، لأن الرمي تحية منى، ولا يمكن أن الرسول ﷺ يأذن لهم في ترك المبيت في مزدلفة وهو واجب من واجبات الحج إلى أن يذهبوا إلى منى ويبقوا من غير رمي لجمرة العقبة.
وقت رمي جمرة العقبة والوقوف بعرفة والمزدلفة:
٧٢٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "قال لنا رسول الله ﷺ : لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشَّمس". رواه الخمسة إلا النَّسائي، وفيه انقطاع.
والانقطاع يوجب ضعف الحديث، فنقول: إن الرسول ﷺ أذن لهم أن يتقدموا قبل الفجر ليرموا؛ لأن المعروف أن الناس إذا قدموا منى أول ما يفعلون الرمي، ولا نرى حكمة من أن يقال للناس: ادفعوا من مزدلقة وانتظروا في منى فإنهم إن فعلوا ذلك لم يكن فيه حكمة إطلاقًا بل فيه ترك أمر واجب لأمر لا فائدة منه، فالصواب بلا شك: أن من جاز له الدفع في آخر الليل من مزدلفة جاز له الرمي ولو قبل الفجر.
٧٢٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: "أرسل النبي ﷺ بأمِّ سلمة ليلة النَّحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضت". رواه أبو داود، وإسناده على شرط مسلم.
وهو يقوي ما أشرنا إليه من أن من دفع من مزدلفة فيرمي ولو قبل الفجر، وثبت في صحيح البخاري أن ابن عمر كان يبعث بأهله فيوافون منى مع الفجر أو قبل الفجر ويرمون، وقال: إن النبي ﷺ أذن للطعن؛ يعني: للنساء.
٧٢٤ - وعن عروة بن مضرس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه -يعني: بالمزدلفة- فوقف معنا حتَّى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجُّة وقضى تفثه". رواه الخمسة، وصححه الترمذيُّ، وابن خزيمة.
стр. 1615
والحديث هذا سببه: أن عروة ﵁ كان من أهل الشمال من حائل من جبل طيئ فجاء إلى الرسول ﷺ يسأله عن صلاة الفجر في مزدلفة، وقال: يا رسول الله، أتعبت نفسي وراحلتي وما تركت جبلًا إلا وقفت عنده، فهل لي من حج؟ فقال له هذا الكلام.
وفيه: دليل على أن من لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر لكنه في وقت صلاة الفجر التي صلاها الرسول ﷺ فإنه لا شيء عليه؛ لأن الرسول قال: "فقد تم حجة وقضى تفثه".
وفي قوله: "وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا"، استدل الحنابلة ﵏ على أن من وقف بعرفة قبل الزوال تم حجه وإن لم يبق حتى الزوال؛ أخذا بعموم قوله: "ليلا أو نهارًا"؛ يعني: حتى لو انصرف قبل الزوال فقد صحّ حجه، لكن عليه دم، لكن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك، وقالوا: إن قوله: "أو نهارًا" يعني به: وقت الوقوف، ووقت الوقوف لم يكن إلا بعد الزوال، وينبني على ذلك رجل جاء في الضحى إلى عرفة ووقف بها ثم صار له عذر فذهب من عرفة قبل أن تزول الشمس إما لمرض أو ضياع شيء، المهم: لو خرج من عرفة قبل زوال الشمس ثم عاد إلى مزدلفة بعد الغروب وبات بها فعلى مذهب الحنابلة حجّه صحيح، لكن عليه دم لترك الواجب، وعلى رأس الجمهور حجه ليس بصحيح وقد فاته الحج؛ لأنهم يرون أن وقت الوقوف يكون من بعد الزوال، وقول الجمهور له وجه، وهو أن النبي ﷺ لم يقف إلا بعد الزوال، وقال: "خذوا عني مناسككم"، والجواب عن حديث عروة: أن النهار قد يراد به بعضه، فيحمل على النهار الذي وقف فيه الرسول ﷺ وهو ما بعد الزوال.
٧٢٥ - وعن عمر ﵁ قال: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتَّى تطلع الشَّمس، ويقولون: أشرق ثبير، وأنَّ النَّبي ﷺ خالفهم، فأفاض قبل أن تطلع الشَّمس". رواه البخاريُّ.
لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير، وثبير جبل مرتفع يبين فيه طلوع الشمس قبل غيره، ويقولون: "أشرق ثبير" كيف يوجهون الأمر إلى الجبل؟ هذا من باب التمني إذا وجه الأمر إلى الجماد فهو من باب التمني وليس أمرًا، ولكنه يتمنى ذلك، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
следующие страницы →